← Книги сунны

Книги сунны · id 13180

مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا

ابن أبي الدنيا

Полный текст (490 стр.). Показаны 456–490 · переход к 461.

стр. 456

٤٥٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، نا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا: " إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: حَاجَةٍ مُجْحِفَةٍ، أَوْ حَمَالَةٍ مُثْقِلَةٍ، أَوْ دَيْنٍ فَادِحٍ "، وَأَعْطِيَاهُ، ثُمَّ أَتَى ابْنَ عُمَرَ ﵁ فَأَعْطَاهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: أَتَيْتُ ابَنَيْ عَمِّكَ، وَهُمَا أَصْغَرُ سِنًّا مِنْكَ، فَسَأَلَانِي وَقَالَا لِي، وَأَنْتَ لَمْ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: ابْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِنهُمَا كَانَا يُغَرَّانِ بِالْعِلْمِ غَرًّا

стр. 457

٤٥٥ - حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ زَائِدَةَ الْبِنْدَارُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ: بَيْنَا أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ جَالِسَانِ إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِمَا أَعْرَابِيٌّ فَسَأَلَهُمَا، فَلَمْ يُعْطِيَاهُ شَيْئًا، وَقَالَا: اذْهَبْ إِلَى ذَيْنِكَ الْفَتَيَيْنِ، وَأَشَارَا إِلَى الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَهُمَا جَالِسَانِ، فَجَاءَ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمَا فَسَأَلَهُمَا، فَقَالَا: «إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ فِي دَمٍ مُوجِعٍ، أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ أَمْرٍ مُفْظِعٍ، فَقَدْ وَجَبَ حَقُّكَ» ، فَقَالَ: أَسْأَلُ وَأَخَذَنِي الثَّلَاثُ، فَأَعْطَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَمِائَةٍ خَمْسَمِائَةٍ، فَانْصَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ فَمَرَّ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبَانَ وَهُمَا جَالِسَانِ، فَقَالَا: مَا أَعَطَاكَ الْفَتَيَانِ، فَأَنْشَأَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: [البحر المتقارب] أَعْطَيَانِي وَأَقْنَيَانِي جَمِيعًا ... إِذْ تَوَاكَلْتُمَا فَلَمْ تُعْطِيَانِي، جَعَلَ اللَّهُ مِنْ وُجُوهِكُمَا نَعْلَيْنِ ... سِبْتًا يَطَاهُمَا الْفَتَيَانِ، حَسَنٌ وَالْحُسَيْنُ خَيْرُ بَنِي حَوَّاءَ ... صِيغَا مِنَ الْأَغَرِّ الْهِجَانِ فَدَعَا سُنَّةَ الْمَكَارِمِ وَالْمَجْدِ ... فَمَا مِنْكَمَا لَهَا مِنْ مُدَانِي

стр. 458

٤٥٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: نا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَنَزَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا كَانَ يَصْنَعُ أَبُوهُ مِنْ أَخْلَاقِهِ، فَقَالَ: كَانَ قَدْ جُبِلَ عَلَى شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ: فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: «تَمَنَّ عَلَيَّ وَاجْتَهِدْ فِي الْأَمَانِيِّ» ، فَقَالَ: بَكْرًا يَحْمِلُ رَحْلِي إِلَى أَهْلِي، وَحُلَّةً أَلْبَسُهَا يَوْمَ قُدُومِي عَلَى الْحَيِّ، وَبُرْدَةً أَمْتَهِنُهَا فِي سَفَرِي، وَنَفَقَةً تُبَلِّغُنِي إِلَيْهِمْ. قَالَ: «لَقَدْ قَصَّرَتْ بكَ نَفْسُكَ، فَهَلَّا سَأَلْتَنِي مَا أَمْلِكُ فَأُخْرِجُ لَكَ عَيْنَهُ» . قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ حُلَّةٍ، وَمِائَةِ نَاقَةٍ، وَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ "، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَمَّا الْأَحْجَارُ - يَعْنِي الْمَالَ - فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، وَأَمَّا الْحُلَلُ فَوَاحِدَةٌ مِنْ ذَلِكَ تَكْفِينِي، وَأَمَّا الْإِبِلُ فَأَسُوقُهَا وَاللَّهِ إِلَى أَهْلِي، قَالَ: فَسَاقَ الْإِبِلَ، وَتَرَكَ الْمَالَ وَالْحُلَلَ، فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ فَقُسِّمَ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

стр. 459

٤٥٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ خَالِدٍ الزَّيَّاتِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، فَتَحَمَّلَ عَلَيْهِ بَابْنِ عَبَّاسٍ لِيُؤَخِّرَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: «هِيَ لَهُ يَا ابْنَ عَمِّ» ، قَالَ: مَا أَرَدْتُ هَذَا كُلَّهُ، قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: «لَكِنِّي أَنَا أَرَدْتُهُ»

стр. 460

٤٥٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: دَخَلَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيِّ، وَقَدْ أَخَذَتِ الْخَمْرُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الوافر] أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ، وَعِلْمُكَ بِالْأُمُورِ وَأَنْتَ فَرْعٌ ... لَكَ الْحَسَبُ الْمُهَذَّبُ وَالسَّنَاءُ، كَرِيمٌ لَا يُغَيِّرُهُ صَبَاحٌ ... عَنِ الْخُلُقِ الْكَرِيمِ وَلَا مَسَاءُ، إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعرُّضِهِ الثَّنَاءُ قَالَ: وَعِنْدَ ابْنِ جُدْعَانَ قَيْنَتَانِ لَهُ، فَقَالَ: «انْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَخُذْ بِيَدِهَا» ، قَالَ: وَكَانَتَا أَحَبَّ مَالِهِ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ أُمَيَّةُ إِحْدَاهُمَا وَخَرَجَ، فَلَقِيَهُ فِتْيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ: مَا صَنَعْتَ؟ دَخَلْتَ إِلَى شَيْخِنَا وَسَيِّدِنَا وَقَدْ عَمِلَ فِيهِ الشَّرَابُ، فَأَخَذْتَ إِحْدَى حَظِيَّتَيْهِ وَأَحَبَّ مَالِهِ إِلَيْهِ، ارْجِعْ فَارْدُدْهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ سَيُعَوِّضُكَ أَضْعَافَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا الَّذِي رَدَّكَ إِلَيْنَا يَا أُمَيَّةُ؟» قَالَ: أَحَبَّتْ أَنْ تُؤْنِسَ أُخْتَهَا، قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ قِيلَ لَكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ الشَّيْخِ وَأَحَبِّ مَالِهِ إِلَيْهِ، وَاللَّهِ لَتَأْخُذُنَّ بِيَدِ الْأُخْرَى» فَأَخَذَهُمَا جَمِيعًا وَخَرَجَ، وَهُوَ يَقُولُ: [البحر الطويل] عَطَاؤُكَ زَيْنٌ لِامْرِئٍ إِنْ حَبَوْتَهُ ... بِفَضْلٍ وَمَا كُلُّ الْعَطَاءِ يَزِينُ، وَلَيْسَ بِشَيْنٍ لِامْرِئٍ بَذْلُ وَجْهِهِ ... إِلَيْكَ كَمَا بَعْضُ السُّؤَالِ يَشِينُ

стр. 461

٤٥٩ - حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ النُّمَيْرِيُّ، نا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمَّارٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِنَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ مُجْتَمِعِينَ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: «مَا تَذَاكَرُونَ؟» ، قَالُوا: أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: «دَعُوهُ فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ هَدَمَهُ اللَّهُ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَعَلَيْكُمْ بَابْنِ جُدْعَانَ، فَوَاللَّهُ مَا تُقُسِّمَ الشَّرَفُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ»

стр. 462

٤٦٠ - حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ النُّمَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَدْرُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنَ يَزِيدَ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ: سَأَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ مَرْوَانَ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَاعْتَلَّ عَلَيْهِ، فَقَدِمَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَأَمَرَ لَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَأَتَى ابْنَ عَامِرٍ فَشَكَا إِلَيْهِ دَيْنَهُ، فَقَالَ: كَمْ هُوَ؟ قَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ، «فَقَضَاهُ عَنْهُ، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفٍ أُخْرَى» ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: [البحر الطويل] أَلَا جَعَلَ اللَّهُ الْمُغِيرَةَ وَابْنَهُ ... وَمَرْوَانَ نَعْلَيْ بَذْلَةٍ لِابْنِ عَامِرٍ، لِكَيْ تَقِيَاهُ الْحَرَّ وَالْقَرَّ وَالْأَذَى ... وَلَسْعَ الْأَفَاعِي وَاحْتِدَامَ الْهَوَاجِرِ، يَفِيضُ الْفُرَاتُ لِلَّذِينَ يَلُونَهُ ... وَسَيْبُكَ يَأْتِي كُلَّ بَادٍ وَحَاضِرِ، إِذَا عَبْدُ شَمْسٍ قَدَّمُوا رِفْدَ خَيْرِهِمْ ... سَمَا فَعْلَا بِالْمَجْدِ فَخْرُ الْمُفَاخِرِ وَإِنْ دَنِسَتْ أَحَسَابُ قَوْمٍ وَجَدْتَهُ ... إِذَا مَا بَلَوْهُ طَاهِرًا وَابْنَ طَاهِرِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ: " الْبَيْتَانِ الْأَخِيرَانِ لَيْسَ مِمَّا سَمِعْتُ مِنْ بَدْرٍ، وَقَدْ قِيلَ: صَاحِبُ هَذَا الشِّعْرِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ "

стр. 463

٤٦١ - حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ النُّمَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: مَدَحَ ابْنُ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتِ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، فَقَالَ: [البحر الكامل] يَا بِشْرُ يَا ابْنَ الْجَعْفَرِيَّةِ مَا ... خَلَقَ الْإِلَهُ يَدَيْكَ لِلْبُخْلِ، جَاءَتْ بِهِ عُجُزٌ مُقَابَلَةٌ ... مَا هُنَّ مِنْ جَرْمٍ وَلَا عُكْلِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ: «احْتَكِمْ» . قَالَ: عِشْرِينَ أَلْفًا، قَالَ: «قَبَّحَكَ اللَّهُ لَكَ عِشْرُونَ وَعِشْرُونَ حَتَّى بَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ»

стр. 464

٤٦٢ - وَحَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " قَحِطَ النَّاسُ فِي زَمَنِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، فَخَرَجُوا فَاسْتَسْقَوْا وَبِشْرٌ مَعَهُمْ، فَرَجَعُوا وَقَدْ مُطِرُوا. وَوَافَقَ ذَلِكَ سَيْلَا مِنْ اللَّيْلِ، فَغَرِقَتْ نَاحِيَةُ بَارِقٍ وَبَنِي سُلَيْمٍ، فَخَرَجَ بِشْرٌ مِنْ الْغَدِ يَنْظُرُ إِلَى آثَارِ الْمَطَرِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَارِقٍ، فَإِذَا الْمَاءُ فِي دَارِ سُرَاقَةَ بْنِ مِرْدَاسٍ الْبَارِقِيِّ وَسُرَاقَةُ قَائِمٌ فِي الْمَاءِ، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّكَ دَعَوْتَ أَمْسِ وَلَمْ تَرْفَعْ يدَيْكَ، فَجَاءَ مَا تَرَى، وَلَوْ كُنْتَ رَفَعْتَ يَدَيْكَ لَجَاءَ الطُّوفَانُ، فَضَحِكَ بِشْرٌ، فَأَنْشَأَ سُرَاقَةُ يَقُولُ: [البحر الوافر] دَعَا الرَّحْمَنَ بِشْرٌ فَاسْتَجَابَا ... لِدَعْوَتِهِ فَأَسْقَانَا السَّحَابَا، وَكَانَ دُعَاءُ بِشْرٍ صَوْبَ غَيْثٍ ... يُعَاشُ بِهِ وَيُحْيِي مَا أَصَابَا، أَغَرُّ بِوَجْهِهِ نُسْقَى وَنُحْيَى ... وَنَسْتَجْلِي بِغُرَّتِهِ الضِّبَابَا "

стр. 465

٤٦٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْأَرْطَبَانِيُّ، شَيْخٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْبَيْدَاءِ، عَمَّنْ رَأَى الْفَرَزْدَقَ يَسِيرُ فِي جِنَازَةِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ يَقُودُ فَرَسًا كَانَ بِشْرٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِهِ عَقَرَ الْفَرَسَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: « [البحر الطويل] أَقُولُ لِمَحْبُوكِ السَّرَاةِ مُعَاوِدٍ ... سِبَاقَ الْجِيَادِ قَدْ أَمَرَّ عَلَى شَزَرِ، أَلَسْتُ شَحِيحًا إِنْ رَكِبْتُكَ بَعْدَهُ ... لِيَوْمِ رِهَانٍ أَوْ غَدَوْتَ مَعِي تَجْرِي، حَلَفْتُ بِأَنْ لَا تُرْكَبَ الدَّهْرَ بَعْدَهُ ... صَحِيحَ الشَّوَى حَتَّى تَكُوسَ عَلَى الْقَبْرِ»

стр. 466

٤٦٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْخَطَّابِ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مِسْكِينٍ مُحَرَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ رَأَى الْفَرَزْدَقَ وَقَدْ عَرَضَ لِطَلْحَةَ النَّدَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ جَوَادًا، وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: [البحر الطويل] وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الْفُرَاتَيْنِ نَضَّبَا ... فَأَصْبَحَ مُكْدَرًا عُبَابُهُمَا ضَحْلَا، رَجَتْ فِي لِقَائِكَ النَّوَارُ وَأَهْلُهَا ... رَبِيعَ فُرَاتٍ لَا بَكِيًّا وَلَا وَحْلَا، يَدَاكَ تَفِيضَانِ السَّمَاحَةَ وَالنَّدَى ... إِذَا مَا يَدٌ كَانَتْ عَلَى مَالِهَا قُفْلَا، فَأَخَذَ طَلْحَةُ بِيدِ الْفَرَزْدَقِ حَتَّى أَدْخَلَهُ دَارَهُ، فَقَالَ: «خُذْ بِيَدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، خُذْ بِيَدِ هَذَا الْعَبْدِ زَوْجُهَا، خُذْ بِيَدِ هَذِهِ الْوَصِيفَةِ ابْنَتِهَا، ثلَاثةَ أَرْؤُسٍ بِثَلَاثَةِ أَبِيَاتٍ»

стр. 467

٤٦٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَخِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ مُوسَى الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ رَجُلًا حَسُودًا لِقَوْمِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَدَرَ إِلَيْهِ عُوَيْفُ الْقَوَافِي، فَقَالَ: كَمَا أَنْتَ وَمَا بَقَّيْتَ لَنَا بَعْدَ مَا قُلْتَ لِأَخِي بَنِي زُهْرَةَ؟ أَلَمْ تَقُمْ عَلَيْنَا السَّاعَةُ يَوْمَ قَامَتْ عَلَيْهِ؟ أَلَسْتَ الَّذِي يَقُولُ: [البحر الوافر] إِذَا مَا جَاءَ يَوْمُكَ يَا ابْنَ عَوْفٍ ... فَلَا مَطَرَتْ عَلَى الْأَرْضِ السَّمَاءُ، وَلَا سَارَ الْبَرِيدُ بِغُنْمِ جَيْشٍ ... وَلَا حَمَلَتْ عَلَى الطُّهْرِ النِّسَاءُ، تَسَاقَى النَّاسُ بَعْدَكَ يَا ابْنَ عَوْفٍ ... ذَرِيعَ الْمَوْتِ لَيْسَ لَهُ شِفَاءُ ثُمَّ قَالَ: اصْرِفْهُ، فَانْصَرَفَ، فَلَقِيَهُ الْقُرَشِيُّونَ وَالشَّامِيُّونَ، فَقَالُوا: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَلِي صَدَقَاتِهَا، مَا الَّذِي اسْتَخَرَجَ بِهِ مِنْكَ هَذَا؟ قَالَ: " وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَانِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا أَعْطَانِي أَحَدٌ قَطُّ عَطِيَّةَ أَبْقَى عِنْدِي شُكْرًا، وَلَا أَدْوَمَ فِي قَلْبِي لَذَّةً مِنْ عَطِيَّةٍ أَعْطَانِيهَا، وَذَلِكَ أَنِّي قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أُرِيدُ أَنْ أَبْتَاعَ قَعُودًا مِنْ قِعْدَانِ الصَّدَقَةِ، وَمَعِي بِضَاعَةٌ لَا تَبْلُغُ الْعَشَرَةَ الدَّنَانِيرَ، فَإِذَا رَجُلٌ بِصَحْنِ السُّوقِ، جَالِسٌ عَلَى طَنْفَسَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إِبِلٌ مَعْطُونَةٌ - أَيْ مَحْبُوسَةٌ فِي الْعَطَنِ - فَظَنَنْتُهُ حِينَ رَأَيْتُهُ عَامِلَ السُّوقِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَنِي وَجَهِلْتُهُ فَقُلْتُ: «رَحِمَكَ اللَّهُ، هَلْ أَنْتَ مُعِينِي بِبَصَرِكَ عَلَى قَعُودٍ مِنْ هَذِهِ الْقِعْدَانِ تَبْتَاعُهُ لِي؟» قَالَ: نَعَمْ، أَمَعَكَ ثَمَنُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَاهُ وَجَلَسْتُ طَوِيلًا، ثُمَّ قُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: «رَحِمَكَ اللَّهُ، انْظُرْ فِي حَاجَتِي» ، قَالَ: مَا مَنَعَنِي مِنْكَ إِلَّا النِّسْيَانُ أَمَعَكَ حَبْلٌ؟ قُلْتُ: «نَعَمْ،» قَالَ: هَكَذَا افْرِجُوا، فَتَوَسَّعَ النَّاسُ لَهُ، فَقَالَ: «اقْتَرِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ» ، فَمَا نَزَعَ حَتَّى «أَمَرَ لِي بِثَلَاثِينَ فَرِيضَةً أَدْنَى فَرِيضَةٍ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ بِضَاعَتِي» ، فَقُلْتُ: أَيْ رَحِمَكَ اللَّهُ، أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا وَهَزَّنِي وَشَتَمَنِي، ثُمَّ رَفَعَ طَنْفَسَتَهُ وَقَالَ: «شَأَنَكَ بِبِضَاعَتِكَ فَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى مَنْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ» ، وَاللَّهِ لَا أَنْسَاهُ مَا كُنْتُ حَيًّا أَبَدًا، وَقَالَ عُوَيْفُ الْقَوَافِي يَمْدُحُهُ، وَهُوَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ: [البحر الكامل] يَا طَلْحَ أَنْتَ أَخُو النَّدَى وَعَقِيدُهُ ... إِنَّ النَّدَى إِنْ مَاتَ طَلْحَةُ مَاتَا إِنَّ الْفِعَالَ إِلَيْكَ أَطْلَقَ رَحْلَهُ ... فَبِحَيْثُ بِتَّ مِنَ الْمَنَازِلِ بَاتَا

стр. 468

٤٦٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْيَقْظَانِ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، قَالَ: جَاءَ نُصَيْبٌ الشَّاعِرُ أَبُو مَحْجَنٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَحَمَلَهُ وَكَسَاهُ وَأَعْطَاهُ، فَقَالَ قَائِلٌ لَهُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ أَعْطَيْتَ هَذَا الْحَبَشِيَّ هَذِهِ الْعَطَايَا؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟ إِنَّمَا هِيَ رَوَاحِلُ تُنْضَى، وَثِيَابٌ تَبْلَى، وَثَنَاءٌ يَبْقَى»

стр. 469

٤٦٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقِيَنِي إِيَاسُ بْنُ الْحُطَيْئَةِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عُثْمَانَ، مَاتَ وَاللَّهُ الْحُطَيْئَةُ وَفِي كِسْرِ الْبَيْتِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا أَعْطَاهَا أَبُوكَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ أَبِي فَذَهَبَتْ، وَبَقِيَ مَا قُلْنَا فِيكُمْ، وَذَهَبَ مَا أَعْطَيْتُمُونَا»

стр. 470

٤٦٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالْحٍ، عَنْ سُحَيْمِ بْنِ حَفْصٍ، قَالَ: عَلِقَ مُوسَى شَهَوَاتُ جَارِيَةٍ بِالْمَدِينَةِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَبِيعُوهَا إِيَّاهُ فَبَاعُوهَا إِيَّاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ، وَأَجَّلُوهُ فِيهَا أَجَلَا، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ صَدِيقُهُ سَعِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَتَاهُ فَحَدَّثَهُ بِقِصَّةِ الْجَارِيَةِ، فَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ ثِقَةً بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، فَقَالَ: يَرْزُقُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، فَانْطَلَقَ وَقَدِ انْقَطَعَ ظَهْرُهُ، فَأَتَى سَعِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «ثَمَنُهَا عَلَيَّ، وَمَا يُصْلِحُكَ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْمَئُونَةِ فِي السَّفَرِ عَلَيَّ» ، فَقَالَ مُوسَى: [البحر الطويل] فِدًى لِلْكَرِيمِ الْعَبْشَمِيِّ ابْنِ خَالِدٍ ... بَنِيَّ وَمَالِي طَارِفِي وَتَلِيدِي أَبَا خَالِدٍ أَعْنِي سَعِيدَ بْنَ خَالِدٍ ... أَخَا الْعُرْفِ لَا أَعْنِي ابْنَ بِنْتِ سَعِيدِ وَلَكِنَّنِي أَعْنِي ابْنَ عَائِشَةَ الَّذِي ... أَبُو أَبَوَيْهِ خَالِدُ بْنُ أَسِيدِ عَقِيدُ النَّدَى مَا عَاشَ يَرْضَى بِهِ النَّدَى ... فَإِنْ مَاتَ لَمْ يَرْضَى النَّدَى بِعَقِيدِ دَعُوهُ دَعُوهُ إِنَّكُمْ قَدْ رَقَدْتُمُ ... وَمَا هُوَ عَنْ أَحْسَابِكُمْ بِرَقُودِ يُعْطِي وَلَا يُعْطَى وَيُغْشَى وَيُجْتَدَى ... وَمَا بَابُهُ لِلْمُجْتَدِي بِسَدِيدِ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: عَبْدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَجَانِي، فَبَعَثَ إِلَى مُوسَى، فَسَأَلَهُ فَحَدَّثَهُ بِقَوْلِ الْعُثْمَانِيِّ وَقَوْلِهِ: يَرْزُقُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَا رَزَقَكَ اللَّهُ وَلَا إِيَّاهُ

стр. 471

٤٦٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: حَجَجْتُ فَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ فَوَافَقْتُ بِهَا سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَجَاءَ سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْدِنِي عَلَى مُوسَى شَهَوَاتٍ هَجَانِي، فَقَامَ سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُ مَجْلِسَ الْخَصْمِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَهْجُهُ وَلَكِنَّهُ مَدَحَنِي، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَنْشِدُونِي مَا قَالَ، فَأَنْشَدُوهُ، فَقَالَ: مَا أَسْمَعُهُ هَجَاكَ، ثُمَّ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «ارْفَعْ حَوَائِجَكَ» فَرَفَعَ إِلَيْهِ فِيهَا أَلْفَ أَلْفٍ «فَأَمَرَ لَهُ بِهَا» فَاسْتَكْثَرَهَا الْقَهْرَمَانُ، فَجَاءَ يُوامِرُ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: أَرَدْتَ أَنْ تُبَخِّلَنِي؟ أَوَ أَسْتَكْثِرُهَا لِفَتًى مِنْ قُرَيْشٍ

стр. 472

٤٧٠ - وَأَخْبَرَنِي أَبُو زَيْدٍ النُّمَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأُوَيْسِيِّ، مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: قَدِمَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، فَحَيَّاهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ فَحَيَّاهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ الثَّالِثَةَ فَحَيَّاهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ الرَّابِعَةَ فَتَأَذَّى بِهِ سُلَيْمَانُ، وَقَالَ: وَشِفَاءٌ مِنْ الْمَعِيشَةِ كُورٌ ... فَوْقَ أَصْلَابِ بَازِلٍ خَنْشَلِيلِ فَاتِحًا فَاكَ لِلْمَعِيشَةِ تَلْقَى ... كُلَّ يَوْمٍ عَلَى شِرَاكِ سَبِيلِ قَالَ السَّهْمِيُّ: أَمَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِسَدِّ ذَلِكَ الْفَمُ، وَحَلِّ ذَلِكَ الرَّحْلِ، وَكَشْفِ ذَلِكَ الْغَمِّ لَأَنْتَ. قَالَ سُلَيْمَانُ: «أَمَا وَاللَّهِ لَأَصِلَنَّ رَحِمَكَ وَلَأَعُودَنَّ لَكَ إِلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ» قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَأَخْبَرَنِي الْحَكَمُ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَالَ الْبَيْتَيْنِ

стр. 473

٤٧١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى الْعُكْلِيُّ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ قَالَ ⦗١٤٧⦘: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي ذَكْوَانَ، نَزَلَ الطَّائِفَ وَكَانَ صَدِيقًا لِأَبِي سُفْيَانَ وَأَخًا، وَكَانَ لَهُ مَالٌ وَوَلَدٌ، فَذَهَبَ مَالُهُ، وَدَرَجَ وَلَدُهُ، وَأَتَى لِلشَّيْخِ عُمْرٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُخْلِفَ مُعَاوِيَةُ أَتَاهُ بِالْخُلَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَامَ بِبَابِهِ سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى لَا يَصِلُ إِلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ ﵀ ظَهَرَ يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي رُقْعَةٍ: [البحر البسيط] يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُبْدِي بِنَا ضَجَرَا ... لَوْ كَانَ صَخْرٌ بِعُرْضِ الْأَرْضِ مَا ضَجِرَا مَا بَالُ شَيْخِكَ مَخْنُوقًا بِجِرَّتِهِ ... طَالَ الطِّيَالُ بِهِ دَهْرًا وَقَدْ ضَجِرَا وَمَرَّ حَوْلٌ وَنِصْفٌ مَا يَرَى طَمَعًا ... يُدْنِيهِ مِنْكَ وَهَذَا الْمَوْتُ قَدْ حَضَرَا قَدْ جَاءَ تَرْعَشُ كَفَّاهُ بِمِحْجَنِهِ ... لَمْ يَتْرُكِ الدَّهْرُ مِنْ أَوْلَادِهِ ذَكَرَا قَدْ قَسَرَتْهُ أَمُورٌ فَاقْسَأَنَّ لهَا ... وَقَدْ حَنَى ظَهْرَهُ دَهْرٌ وَقَدْ كَبِرَا نَادَى وَكَلْكَلُ هَذَا الدَّهْرِ يَعْرُكُهُ ... قَدْ كُنْتُ بَابنِ أَبِي سُفْيَانَ مُعْتَصِرَا فَاذْكُرْ أَبَاكَ أَبَا سُفْيَانَ إِنَّ لَنَا ... حَقًّا عَلَيْهِ وَقَدْ ضَيَّعْتَنَا عُصُرَا فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ دَعَا بِهِ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ وَكَيْفَ عِيَالُكَ وَحَالُكَ؟ فَقَالَ: مَا يَسْأَلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّنْ ذَبُلَتْ بَشْرَتُهُ، وَقُطِعَتْ ثَمَرَتُهُ، فَابْيَضَّ الشَّعْرُ، وَانْحَنَى الظَّهْرُ، فَقَدْ كَثُرَ مِنِّي مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَقِلَّ، وَصَعُبَ مِنِّي مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَذِلَّ، فَأَجِمْتُ النِّسَاءَ وَكُنَّ الشِّفَاءَ، وَكَرِهْتُ الْمَطْعَمَ وَكَانَ الْمَنْعَمَ، وَقَصُرَ خَطْوِي، وَكَثُرَ سَهْوِي، فَسُحِلَتْ مَرِيرَتِي بِالنَّقْضٍ، وَثَقُلْتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَرُبَ بَعْضِي مِنْ بَعْضٍ، فَنَحُفَ وَضَعُفَ، وَذَلَّ وَكَلَّ، فَقَلَّ انْحِيَاشُهُ، وَكَثُرَ ارْتِعَاشُهُ، وَقُلِيَ مَعَاشُهُ، فَنَوْمُهُ سُبَاتٌ، وَفَهْمُهُ تَارَاتٌ، وَلَيْلُهُ هُفَاتٌ، كَمِثْلِ قَوْلِ عَمِّكَ: أَصْبَحْتُ شَيْخًا كَبِيرًا هَامَةً لِغَدِ ... تَزْقُو لَدَى جَدَثِي أَوْ لَا فَبَعْدَ غَدِ أَرْدَى الزَّمَانُ حَلُوبَاتِي وَمَا جَمَعَتْ ... كَفَّايَّ مِنْ سَبَدِ الْأَمْوَالِ وَاللَّبَدِ حَتَّى إِذَا صِرْتُ مِنْ مَالِي وَمِنْ وَلَدِي ... مِثْلَ الْخَلِيَّةِ سُبْرُوتًا بِلَا عَدَدِ أَرْسَى يَكُدُّ صَفَاتِي حَدُّ مِعْوَلِهِ ... يَا دَهْرُ قَدْنِيَ مِمَّا تَبْتَغِيهِ قَدِي وَاللَّهِ لَوْ كَانَ يَا خَيْرَ الْخَلَائِفِ مَا ... قَاسَيْتُ فِي أُحُدٍ دَكَّتْ ذُرَا أُحُدِ أَوْ كَانَ بِالْفَرَدِ الْحَوْلِيِّ لَانْصَدَعَتْ ... مِنْ دُونِهِ كَبِدُ الْمُسْتَعِصِمِ الْوَحَدِ لَمَّا رَأَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ ... تَقَلُّبَ الدَّهْرِ مِنْ جَمْعٍ إِلَى بَدَدِ وَأَبْصَرَ الشَّيْخُ فِي حَيْزُومِهِ نَقَعَتْ ... مِنْهُ الْحُشَاشَةُ بَيْنَ الصَّدْرِ وَالْكَبِدِ رَامَ الرَّحِيلَ وَفِي كَفَّيْهِ مِحْجَنُهُ ... يُؤَامِرُ النَّفْسَ فِي ظَعْنٍ وَفِي قَعَدِ إِمَّا جَوَارٍ إِذَا مَا غَابَ ضَيَّعَهَا ... أَوِ الْمُقَامُ بِدَارِ الْهُونِ وَالْفَنَدِ فَأَسْمَحَتْ نَفْسُهُ بِالسَّيْرِ مُعْتَزِمَا ... وَلَوْ تَجَرْثَمَ فِي نَامُوسِهِ الْأَسَدِ فَقَلْبُهُ فَرِقٌ وَمَأْقُهُ شَرِقٌ ... وَدَمْعُهُ غَسِقٌ مِنْ شِدَّةِ الْكَمَدِ لِنِسْوَةٍ عُرُبٍ أَوْلَادُهَا سُغُبٌ ... كَأَفْرُخٍ زُغُبٍ حَلُّوا عَلَى ضَمَدِ رَامَ الرَّحِيلَ فَدَارُوا حَوْلَ شَيْخِهِمُ ... يَسْتَرْجِعُونَ لَهُ إِنْ خَاضَ فِي الْبَلَدِ يَنْعَى أُصَيْبِيَةٌ فِقْدَانَ وَالِدِهِمْ ... وَوَالِهًا وَضَعَتْ كَفًّا عَلَى كَبِدِ قَالُوا: أَبَانَا إِذَا مَا غِبْتَ كَيْفَ لَنَا ... بِمِثْلِ وَالِدِنَا فِي الْقُرْبِ وَالْبُعُدِ قَدْ كُنْتَ تُرْضِعُنَا إِنْ دَرَّةٌ بَكُؤَتْ ... عَنَّا وَتَكْلَؤُنَا بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَغَرْغَرَ الشَّيْخُ فِي عَيْنَيْهِ عَبْرَتَهُ ... أَنْفَاسُهُ مِنْ شَجِيِّ الْوَجْدِ فِي صَعَدِ وَقَالَ يُودِعُ صِبْيَانًا وَنِسْوَتَهُ ... أُوصِيكُمُ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ يَا وَلَدِي فَإِنْ أَعِشْ فَإِيَابٌ مِنْ حَلُوبَتِكُمْ ... أَوْ مِتُّ فَاعْتَصِمُوا بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ فَبَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا، «وَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَكُسًى وَعُرُوضٍ وَحَمَلَهُ» ، فَوَافَى الطَّائِفَ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ دِمَشْقَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَأَرْبَعَةُ أَبْيَاتٍ مِنْ هَذَا الشِّعْرِ أَنْشَدَنِيهَا أَبِي ﵀»

стр. 474

٤٧٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرَيْبٍ الْأَصْمَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ: نا رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي غِمَارِ النَّاسِ، فَشَقَّ عَلَى هِشَامٍ حِينَ دَخَلَ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، فَقَامَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ: أَصَابَتْنَا ثَلَاثَةُ أَعْوَامٍ: فَعَامٌ أَكَلَ الشَّحْمَ، وَعَامٌ أَكَلَ اللَّحْمَ، وَعَامٌ انْتَقَى الْعَظْمَ، وَعِنْدَكُمْ فُضُولٌ مِنْ أَمْوَالٍ، فَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ فَاقْسِمُوهَا بَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِعِبَادِ اللَّهِ فَبِمَا تَحْبِسُهَا عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ لَكُمْ فَتَصَدَّقُوا، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: «مَا حَاجَتُكَ؟» قَالَ: لَيْسَ لِي حَاجَةٌ، فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ: «أَنْفِقْ عَلَى مُقْحَمِي الْمَدِينَةِ» فَرَفَعَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ

стр. 475

٤٧٣ - وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: نا عَمِّي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُرَيْبٍ الْأَصْمَعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا، يَتَحَدَّثُونَ، قَالُوا: سَمِعْنَا عَلِيَّ بْنَ أَصْمَعَ، يَقُولُ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَامِرٍ: «إِذَا طَلَبَتْ إِلَيَّ حَاجَةً فَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سِتْرًا، فَإِنْ يَكُنْ مَنْعٌ لَمْ يَلْقَكَ، وَإِنْ يَكُنْ نُجْحٌ أَتَاكَ»

стр. 476

٤٧٤ - وَقَالَ لِي زِيَادٌ: «لَا تُشْرِكْ فِي مَعْرُوفِي غَيْرِي، فَإِنِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَ هَنَّأْتُكَ، وَإِنْ مَنَعْتُكَ أَحْسَنْتُ الْمَنْعَ، وَأَرْصَدْتُ لَكَ حَاجَةً أُخْرَى»

стр. 477

٤٧٥ - وَحَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: دَخَلَ الْفَرَزْدَقُ عَلَى عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ فِي دَارِهِ بِالزَّاوِيَةِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الْعَرَقُ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: « [البحر البسيط] لَوَلَا ابْنُ عُتْبَةَ عَمْرٌو وَالرَّجَاءُ لَهُ ... مَا كَانَتْ الْبَصْرَةُ الْحَمْقَاءُ لِي وَطَنا أَعْطَانِيَ الْمَالَ حَتَّى قُلْتُ يُودِعُنِي ... أَوْ قُلْتُ أَوْدَعَ لِي مَالًا رآهُ لَنَا فَجُودُهُ مُكْسِبٌ شُكْرًا وَمِنَّتُهُ ... وَكُلَّمَا ازْدَدْتُ شُكْرًا زَادَنِي مِنَنَا يَرْمِي بِهِمَّتِهِ أَقْصَى مَسَافَتِهَا ... وَلَا يُرِيدُ عَلَى مَعْرُوفِهِ ثَمَنَا»

стр. 478

٤٧٦ - حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ السُّلَمِيُّ هَارُونُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِنُصَيْبٍ: هَرِمَ شِعْرُكَ، قَالَ: «لَا وَاللَّهِ وَلَكِنْ هَرِمَ الْجُودُ، لَقَدْ مَدَحْتُ الْحَكَمَ بْنَ الْمُطَّلِبِ بِقَصِيدَةٍ، فَأَعْطَانِي أَرْبَعَمِائَةِ نَاقَةٍ، وَأَرْبَعَمِائَةِ شَاةٍ، وَأَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ» قَالَ: وَسَأَلَ أَعْرَابِيٌّ الْحَكَمَ بْنَ الْمُطَّلِبِ فَأَعْطَاهُ مَالَا، فَبَكَى الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ الْحَكَمُ: «مَا يُبْكِيكَ؟» قَالَ: وَاللَّهُ إِنِّي أَنْفَسُ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ مِثْلَكَ إِذَا مِتَّ

стр. 479

٤٧٧ - أَخْبَرَنِي أَبُو زَيْدٍ النُّمَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ بَعْضُ وُلَاةِ الْمَدِينَةِ الْحَكَمَ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ عَلَى بَعْضِ الْمَسَاعِي فَلَمْ يَرْفَعْ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ الْوَالِي: أَيْنَ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: «أَكَلْنَا لُحُومَهَا بِالْخُبْزِ» قَالَ: فَأَيْنَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ؟ قَالَ: «اعْتَقَدْنَا بِهَا الصَّنَائِعَ فِي رِقَابِ الرِّجَالِ» فَحَبَسَهُ، فَأَتَاهُ وَهُوَ فِي السِّجْنِ بَعْضُ وَلَدِ نَهِيكِ بْنِ يَسَافٍ الْأَنْصَارِيِّ فَمَدَحَهُ، فَقَالَ: [البحر الطويل] خَلِيلَيَّ، إِنَّ الْجُودَ فِي السِّجْنِ فَابْكِيَا ... عَلَى الْجُودِ إِذْ سُدَّتْ عَلَيْنَا مَرَافِقُهْ تَرَى عَارِضَ الْمَعْرُوفِ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... وَكُلَّ ضُحًى يَسْتَنُّ فِي السِّجْنِ بَارِقُهْ إِذَا صَاحَ كَبْلَاهُ طَمَا فِيضُ بَحْرِهِ ... لِزُوَّارِهِ حَتَّى تَحُومَ غَرَانِقُهْ « فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَهُوَ مَحْبُوسٌ»

стр. 480

٤٧٨ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ عُمَارَةَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ لَهُ قَدْرٌ وَخَطَرٌ لَحِقَهُ دَيْنٌ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ نَخْلٍ وَزَرْعٍ، فَخَافَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ، فَشَخَصَ مِنَ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ الْكُوفَةَ وَيَعْمِدُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ، وَكَانَ يَلِي لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعِرَاقَ، وَكَانَ يَبَرُّ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ يُرِيدُهُ، وَأَعَدَّ لَهُ هَدَايَا مِنْ طَرَفِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى قَدِمَ فَيْدَ، فَأَصْبَحَ بِهَا وَنَظَرَ إِلَى فُسْطَاطٍ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ: الْحَكَمُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، فَلَبِسَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَتَلَقَّاهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ فِي صَدْرِ فِرَاشِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ مَخْرَجِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِدَيْنِهِ وَمَا أَرَادَ مِنْ إِتْيَانِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَكَمُ: «انْطَلِقْ بِنَا إِلَى مَنْزِلِكَ، فَلَوْ عَلِمْتُ بِمَقْدَمِكَ لَسَبَقْتُكَ إِلَى إِتْيَانِكَ» ، فَمَضَى مَعَهُ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ، فَرَأَى الْهَدَايَا الَّتِي أَعَدَّ لِخَالِدِ، فَتَحَدَّثَ مَعَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «إِنَّ مَنْزِلَنَا أَحْضَرُ عُدَّةً، وَأَنْتَ مُسَافِرٌ وَنَحْنُ مُقِيمُونَ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا قُمْتَ مَعِي إِلَى الْمَنْزِلِ، وَجَعَلْتَ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْهَدَايَا نَصِيبًا» ، فَقَامَ الرَّجُلُ مَعَهُ، فَقَالَ: خُذْ مِنْهَا مَا أَحْبَبْتَ، فَأَمَرَ بِهَا فَحُمِلَتْ كُلُّهَا إِلَى مَنْزِلِهِ، وَجَعَلَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى إِذَا صَارَ مَعَهُ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَدَعَا بِالْغَدَاءِ وَأَمَرَ بِالْهَدَايَا فَفُتِحَتْ، فَأَكَلَ مِنْهَا، وَأَكَلَ مِنْهَا مَنْ حَضَرَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِبَقِيَّتِهَا تُرْفَعُ إِلَى خِزَانَتِهِ، فَقَامَ وَقَامَ النَّاسُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِكَ مِنْ خَالِدٍ وَأَقْرَبُ مِنْكَ رَحِمًا وَمَنْزِلًا، وَهَا هُنَا مَالٌ لِلْغَارِمِينَ أَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ فِيهِ مِنَّةٌ إِلَّا لِلَّهِ، تَقْضِي بِهِ دَيْنَكَ، ثُمَّ دَعَا لَهُ بِكِيسٍ فِيهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِينَارٍ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ» ، وَقَالَ: «لَقَدْ قَرَّبَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْخَطْوَةَ فَانْصَرِفْ إِلَى أَهْلِكَ مُصَاحَبًا مَحْفُوظًا» فَقَامَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِهِ يَدْعُو لَهُ وَيَتَشَكَّرُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا الرُّجُوعُ إِلَى أَهْلِهِ، وَانْطلَقَ الْحَكَمُ يُشَيِّعُهُ فَسَارَ مَعَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَكَأَنِّي بِزَوْجَتِكَ قَدْ قَالَتْ لَكَ: أَيْنَ طَرَائِفُ الْعِرَاقِ، بَزُّهَا وَخَزُّهَا وَعُرَاضَاتِهَا؟ أَمَا كَانَ لَنَا مَعَكَ نَصِيبٌ؟ ثُمَّ أَخْرَجَ صُرَّةً قَدْ حَمَلَهَا مَعَهُ فِيهَا خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا جَعَلْتَ هَذِهِ لَهَا عِوَضًا مِنْ هَدَايَا الْعِرَاقِ وَوَدَّعَهُ وَانْصَرَفَ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ: جَهِدْتُ بِنَوْفَلِ بْنِ عُمَارَةَ أَنْ يُخْبِرَنِي بِالرَّجُلِ فَأَبَى

стр. 481

٤٧٩ - قَالَ زُبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِيمَا أَجَازَ لَنَا: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَمَّيْهِ مُوسَى وَإِسْمَاعِيلَ ابْنَيْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَا: كَانَ الْقُرَشِيُّ إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُهُ خَلَعَ النَّعْلَ الْأُخْرَى، فَانْقَطَعَ شِسْعُ الْحَكَمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ فَخَلَعَ النَّعْلَ الْأُخْرَى وَمَضَى، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ إِنْسَانٌ نُوِبِيٌّ فَسَوَّى الشِّسْعَ وَجَاءَهُ بِالنَّعْلَيْنِ فِي مَنْزِلِهُ، فَقَالَ لَهُ: «سَوَّيْتُ الشِّسْعَ؟» قَالَ: نَعَمْ، «فَدَعَا جَارِيَتَهُ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا فَدَفَعَهَا إِلَى النُّوبِيِّ» ، وَقَالَ: «ارْجِعْ بِالنَّعْلَيْنِ فَهُمَا لَكَ»

стр. 482

٤٨٠ - قَالَ: وَفِيمَا أَجَازَ لَنَا زُبَيْرٌ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي نَوْفَلُ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو مَالِكٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ هَرْمَةَ لِعَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ هَرْمَةَ يَمْدَحُ الْحَكَمَ بْنَ الْمُطَّلِبِ: « [البحر الطويل] تَصَبَّحَ أَقْوَامٌ عَنِ الْمَجْدِ، وَالْعُلَى ... فَأَضْحَوْا نِيَامَا وَهْوَ لَمْ يَتَصَبَّحِ إِذَا كُدِّحَتْ أَعْرَاضُ قَوْمٍ بِلُؤْمِهِمُ ... نَجَا سَالِمًا مِنْ لُؤْمِهِمْ لَمْ يُكَدَّحِ لِيُمْنِكَ إِنَّ الْمَجْدَ أَطْلَقَ رَحْلَهُ ... لَدَيْكَ عَلَى خِصْبٍ خَصِيبٍ وَمَسْرَحِ»

стр. 483

٤٨١ - وَزَعَمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيِّبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي ضَمْرَةَ، قَالَ: مَرَّ الْحَكَمُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بِسُوقِ الْغَنَمِ أَيَّامَ الْعِيدِ، فَعَرَضَ لَهُ حَرَسُ السُّوقِ فسلَّمُوا عَلَيْهِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَرَدَّ ﵈ وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَثْمَانِ الضَّحَايَا، فَذَكَرُوا أَنَّهَا غَالِيَةٌ وَأَنَّهَا بِثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ. فَالْتَفَتَ إِلَى مَوْلَى أَبِيهِ، عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: «اشْتَرِ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ شَاتَيْنِ مِمَّا يُشِيرُونَ لَكَ إِلَيْهِ» ثُمَّ حَرَّكَ دَابَّتَهُ فَمَضَى

стр. 484

٤٨٢ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ حَمْنَنَ بْنِ عَوْفِ ابْنِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَعْيُوفٍ الْحِمْصِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْحَكَمَ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ بِمَنْبِجَ، قَالَ: وَلَقِيَ مِنْ الْمَوْتِ شِدَّةً، فَقُلْتُ - أَوْ قَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ - وَهُوَ فِي غَشْيَتِهِ: اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ كَانَ، يُثْنِي عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: «مَنِ الْمُتُكَلِّمُ؟» فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُ: أَنَا، قَالَ: " فَإِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ يَقُولُ لَكَ: إِنِّي بِكُلِّ سَخِيٍّ رَفِيقٍ " قَالَ: فَكَأَنَّمَا كَانَتْ فَتِيلَةٌ أَطْفِئَتْ قَالَ الْقَاسِمُ: فَلَمَّا بَلَغَ مَوْتُهُ ابْنَ هَرْمةَ قَالَ شِعْرًا: [البحر البسيط] سَالَا عَنِ الْجُودِ وَالْمَعْرُوفِ أَيْنَ هُمَا ... فَقُلْتُ إِنَّهُمَا مَاتَا مَعَ الْحَكَمِ مَاتَا مَعَ الرَّجُلِ الْمُوفِي بِذِمَّتِهِ ... يَوْمَ الْحِفَاظِ إِذَا لَمْ يُوفَ بِالذِّمَمِ مَاذَا بِمَنْبِجَ لَوْ تُنْبَشْ مَقَابِرُهَا ... مِنَ التَّهَدُّمِ بِالْمَعَرُوفِ وَالْكَرَمِ

стр. 485

٤٨٣ - وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي مُعَاذٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْكِنَانِيُّ، قَالَ: قَدِمَ ابْنُ سَلْمٍ الشَّاعِرُ عَلَى حَرْبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ يَمْدَحُهُ: فَلَمَّا دُفِعْتُ لِأَبْوَابِهِمْ ... وَلَاقَيْتُ حَرْبًا لَقِيتُ النَّجَاحَا وَجَدْنَاهُ يَخْبِطُهُ السَّائِلُونَ ... وَيَأْبَى عَلَى الْعُسْرِ إِلَّا سَمَاحَا يُزَارُونَ حَتَّى تَرَى كَلْبَهُمْ ... يَهَابُ الْهَرِيرَ وَيَنْسَى النُّبَاحَا قَالَ ابْنُ سَلْمٍ: «فَأَرْسَلَ إِلَيَّ بِرِزْمَةِ ثيَابٍ وَبِكِيسٍ» ، فَوَضَعَ رَسُولُهُ الرِّزْمَةَ، وَعَذَرَهُ بِقِلَّةِ مَا أَرْسَلَ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْكَ أَنْ أَعْلِمَكَ مَا بَعَثَ بِهِ، فَإِذَا نَهَضْتَ فَخُذْهُ مِنْ تَحْتِ فِرَاشِكَ، ثُمَّ وَضَعَ تَحْتَ فِرَاشِي أَلْفَ دِينَارٍ

стр. 486

٤٨٤ - حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْمَدِينِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: حَجَّ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ وُلِّينَا هَذَا الْمَقَامَ الَّذِي يُضَاعَفُ لِلْمُحْسِنِ فِيهِ الْأَجْرُ وَعَلَى الْمُسِيءِ الْوِزْرُ، وَنَحْنُ عَلَى طَرِيقِ مَا قَصَدْنا، فَلَا تَمُدُّوا الْأَعْنَاقَ إِلَى غَيْرِنَا، فَإِنَّهَا تُقْطَعُ دُونَنا، وَرُبَّ مُتَمَنٍّ حَتْفُهُ فِي أُمْنِيَتِهِ، فَاقْبَلُوا الْعَافِيَةَ مِنَّا مَا قَبِلْنَاهَا مِنْكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَقَوْلَ لَوْ، فَإِنَّهَا قَدْ أَتْعَبَتْ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَلَنْ تُرِيحَ مَنْ بَعْدَكُمْ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَ كُلًّا عَلَى كُلٍّ» ، فَاعْتَرَضَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْخَلِيفَةُ، فَقَالَ: «لَسْتُ بِهِ وَلَمْ تَبْعُدْ» ، قَالَ: فِيَا أَخَاهُ، قَالَ: «قَدْ أَسْمَعْتَ فَقُلْ» ، قَالَ: لَعَمْرِي، أَنْ تُحْسِنُوا وَقَدْ أَسَأْنَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُسِيئُوا وَقَدْ أَحْسَنَّا، فَإِنْ كَانَ الْإِحْسَانُ مِنْكُمْ فَمَا أَحَقُّكُمْ بِاسْتِتْمَامِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنَّا فَمَا أَحَقَّنَا بِمُكَافَأَتِكُمْ، قَالَ لَهُ عُتْبَةُ: «مَنْ أَنْتَ؟» قَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ يَلْقَاكُمْ بِالْعُمُومَةِ، وَيَخْتَصُّ إِلَيْكُمْ بِالْخُؤُولَةِ، كَثَرَهُ عِيَالٌ، وَوَطِئَهُ زَمَانٌ، وَبِهِ فَقْرٌ، وَعِنْدَهُ شُكْرٌ. فَقَالَ عُتْبَةُ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْكَ، وَأَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ، وَقَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِغِنَاكَ، فَلَيْتَ إِسْرَاعِي إِلَيْكَ يَقَوْمُ بِإِبْطَائِي عَنْكَ»

стр. 487

٤٨٥ - أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْأُمَوِيِّ، قَالَ: دَخَلَ كُثَيِّرٌ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرْضٌ لَكَ يُقَالَ لَهَا غُرَّبٌ، رُبَّمَا أَتَيْتُهَا وَخَرَجْتُ إِلَيْهَا بِوَلَدِي وَعِيَالِي، فَأَصَبْنَا مِنْ رُطَبِهَا وَمِنْ تَمْرِهَا شِرَاءً مَرَّةً، وَطُعْمَةً مَرَّةً، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعْرِيَنِيهَا فَعَلَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: «ذَاكَ لَكَ» ، فَنَدَّمَهُ النَّاسُ، وَقَالُوا: أَنْتَ شَاعِرُ الْخَلِيفَةِ وَلَكَ مِنْهُ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ، هَلَّا كُنْتَ سألْتَهُ الْأَرْضَ قَطِيعَةً؟ فَأَتَى الْوَلِيدَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَاجَةً، قَالَ: إِنَّكَ لَا تَسْتَمْكِنُ مِنْهُ، إِنَّمَا يُؤْتَى بِرْذَوْنُهُ فَيَرْكَبُهُ إِذَا انْصَرَفَ عَنْ مَكَّةَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ. قَالَ: أَجْلِسْنِي قَرِيبًا مِنْ الْبِرْذَوْنِ، فَأَجْلَسَهُ قَرِيبًا مِنْهُ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الْبِرْذَوْنِ قَامَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: «إِيهِ» ، وَعَرَفَ أَنَّ لَهُ حَاجَةً، فَقَالَ: [البحر الطويل] جَزَتْكَ الْجَوَازِيَ عَنْ صَدِيقِكَ نَضْرَةً ... وَأَدْنَاكَ رَبِّي فِي الرَّفِيقِ الْمُقَرَّبِ فَإِنَّكَ لَا تُعْطِي عَلَيْكَ ظُلَامَةٌ ... عَدُوًّا وَلَا تَأْبَى مِنْ الْمُتَقَرِّبِ وَإِنَّكَ مَا تَمْنَعُ فَإِنَّكَ مَانِعٌ ... بِحَقٍّ وَمَا أَعْطَيْتَ لَمْ يُتَعَقَّبِ قَالَ: «لَعَلَّكَ أَرَدْتَ غُرَّبًا؟» قَالَ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: «اكْتُبُوا لَهُ بِهَا كِتَابًا» ، فَفَعَلُوا

стр. 488

٤٨٦ - وَأَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: دَخَلَ كُثَيِّرٌ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، فَأَنْشَدَهُ: إِذَا ابْتدَرَ النَّاسُ الْمَكَارِمَ بَذَّهَا ... عَرَاضَةُ أَخْلَاقِ ابْنِ لَيْلَى وَطُولُهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَأُعْجِبَ بِذَلِكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَقَالَ: «حُكْمَكَ يَا أَبَا صَخْرٍ» قَالَ: أَحْتَكِمُ أَنْ أَكُونَ مَكَانَ ابْنِ رُمَّانَةَ، وَكَانَ ابْنُ رُمَّانَةَ كَاتِبَهُ وَصَاحِبَ أَمْرِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: «تَرَحًا لَكَ، وَمَا أَرَدْتَ إِلَى هَذَا وَلَا عِلْمَ لَكَ بِخَرَاجِهِ وَلَا بِكِتَابِهِ؟ اخْرُجْ عَنِّي» فَنَدِمَ كُثَيِّرٌ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: [البحر الطويل] عَجِبْتُ لِأَخْذِي خُطَّةَ الْغَيِّ بَعْدَمَا ... بَدَا لِي مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبُولُهَا وَأَمِّي صَعْبَاتِ الْأُمُورِ أَرُوضُهَا ... وَقَدْ أَمْكَنَتْنِي قَبْلَ ذَاكَ ذَلُولُهَا وَأَنْتَ امْرُؤٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ عُمَارَةٍ ... أَمُورٌ بِخَيْرَاتِ الْأُمُورِ فَعُولُهَا فَلَمْ أَرَ رَكْبًا جَاءَنَا لَكَ حَاذِيَا ... وَلَا خُلَّةً يَزْرِي عَلَيْكَ دَخِيلُهَا ذَرَا اللَّهُ فِي أَرضِ ابنِ لَيْلَى بَنَاتِهَا ... فَأَمْرَعَ جَوْفَاهَا وَبُورِكَ نِيلُهَا فَقَالَ: «أَمَّا الْحُكْمُ فَلَا، وَقَدْ أَمَرْنَا لَكَ بِعِشْرِينَ أَلْفًا»

стр. 489

٤٨٧ - وَأَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمَ الْأَخْطَلُ الشَّامَ عَلَى بَعْضِ بَنِي أَمَيَّةَ فَامْتدَحَهُ، فَأُخْبِرَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، مُتَبَدِّيًا فِيمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ، وَكَانَتْ جَدَّتُهُ - أَمُّ أَمِّهِ - تَغْلِبِيَّةً، وَعَبْدُ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَتَاهُ الْأَخْطَلُ فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: [البحر الوافر] فَمَنْ يَكُ سَائِلًا بِبَنِي سَعِيدٍ ... فَعَبْدُ اللَّهِ أَكْرَمُهُمْ نِصَابَا « وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَنَاقَةٍ بِرَحْلِهَا» ، فَقِيلَ لَهُ: أَعْطَيْتَ أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا مَا أَعْطَيْتَهُ وَلَمْ تَسْتَمْدِحْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يُرْضِيهِ الْيَسِيرُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «عَلَيَّ بِالْأَخْطَلِ» ، فَجَاءَ فَقَالَ: «إِنِّي أَعْطَيْتُكَ وَلَمْ آمُرْكَ بِشَيْءٍ، فَهِيَ لَكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَإِذَا بَدَا لَكَ فَتَعَالَ»

стр. 490

٤٨٨ - حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ الْقُرَشِيُّ الْمَكِّيُّ، قَالَ: " خَرَجَ قَوْمٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُرِيدُونَ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ بِالشَّامِ، فَمَرُّوا قَرِيبًا مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالُوا: لَوْ مِلْنَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَمَالْوا إِلَيْهِ فَحَبَسَهُمْ «ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بِثَوْبٍ فِيهِ مَالٌ تَحْمِلُهُ عِدَّةٌ» وَقَالَ: «لَوْ كَانَ عِنْدَنَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا أَرْسَلْنَا بِهِ إِلَيْكُمْ» ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: مَا نَحْتَاجُ إِلَى الذَّهَابِ فِي وَجْهِنَا، فِي هَذَا مَا نَكْتَفِي بِهِ، فَارْتَحَلُوا، فَلَمْ يَدْنُ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ غِلْمَانِهِ وَحَشَمِهِ يُعِينُهُمْ عَلَى رِحْلَتِهِمْ. فَلَمَّا وَدَّعُوهُ قَالُوا: لَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ بِرِّكَ وَإِكْرَامِكَ وَصَنِيعِكَ مَا أَعْجَبَنَا، وَلَكِنَّا رَأَيْنَا شَيْئًا أَنْكَرْنَاهُ عِنْدَ رِحْلَتِنَا، لَمْ يَدْنُ مِنَّا أَحَدٌ مِنْ غِلْمَانِكَ وَحَشَمِكَ فِيُعِينَنَا عَلَى رِحْلَتِنَا حَتَّى تَكَلَّفْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَضَحِكَ، وَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَا يُعِينُونَ أَحَدًا عَلَى ١ - رِحْلَتِهِمْ عَنَّا»