← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

تجاوزه غير مكلَّف ثم كُلِّف: أحرم من موضعه، (٩) وكُره إحرام قبل ميقات، وبحج قبل أشهره وينعقد (١٠) (وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي هذا القول من ابن عباس، وعلى فرض قوته: فإنه مخالف لما رواه هو بنفسه - حيث إنه هو راوِ حديث "ممَّن يريد الحج والعمرة" - وإذا خالف الصحابي الحديث الذي رواه: فإنا نأخذ بما رواه لا بما رآه كما بينتُ ذلك في كتابي: "مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف"، وكذلك خالف السنة القولية، فلا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف فيما إذا خالف الصحابي ما رواه هل نعمل بما رآه أو بما رواه؟ "، وكذا: "تعارض السنة القولية مع قول الصحابي". (٩) مسألة: إذا تجاوز الكافر والمجنون، والصبي، والعبد، تلك المواقيت بدون إحرام: فلا شيء عليهم، فإن أسلم الكافر، وأفاق المجنون، وبلغ الصبي، وعتق العبد بعد تجاوزهم ذلك فإنهم يُحرمون من الموضع الذي حصل لهم ذلك فيه، وإن كان في نفس مكة ويصح ذلك منهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مرور هؤلاء من تلك المواقيت وهم غير مكلَّفين بالحج: عدم وجوب ذلك عليهم، ويلزم من حصول التكليف بعد تجاوزهم لها: أن يُعاد إليهم وجوب الحج، فيُبادروا بعمل الحج من فورهم. (١٠) مسألة: إذا أحرم بالحج قبل أن يصل إلى ميقاته، أو أحرم به قبل دخول وقته - وهو: شوال، وذو القعدة وذو الحجة -: فإن الإحرام ينعقد، ولكن يُكره له ذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ كان يُحرم من الميقات" ولا شك أنه يفعل الأفضل، وقال ابن عباس: "من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج" وإذا قال الصحابي ذلك: فإن له حكم الحديث المرفوع، ويلزم منه: أن فعل =

стр. 1157

الحجة) منها يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر. (١١) غير ذلك مكروه؛ لمخالفته للسنة، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة طول زمن بقاء الإحرام عليه. (١١) مسألة: المواقيت الزمانية هي: أشهر الحج وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ والأشهر: جمع شهر، وأقل الجمع: ثلاثة - كما بينتهُ في كتابي "أقل الجمع عند الأصوليين" فلا يكون هذا الجمع: شهرين وجزءًا من الشهر، فإن قلتَ: إن أشهر الحج: "شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة" ويكون اليوم العاشر منها وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقول الصحابي؛ حيث ثبت ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وابن مسعود ﵃؟ قلتُ: هذا اجتهاد منهم مُعارض لظاهر الكتاب ولا يصح أن يخصِّصه، ولا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: لمَ كانت ثلاثة أشهر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، إذ يجوز أن يؤخر أعمال الحج إلى آخر ذي الحجة ولو بدون عذر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض قول الصحابي مع الكتاب" فعندنا: يُعمل بظاهر الكتاب، وعندهم: يُعمل بقول الصحابي ويخصص عموم الكتاب. هذه آخر مسائل باب "المواقيت المكانية والزمانية" ويليه باب "الإحرام وكيفيته وأحكامه وأنواع الأنساك والتلبية"

стр. 1158

باب الإحرام لغة: نية الدخول في التحريم؛ لأنه يُحرِّم على نفسه بنيته ما كان مباحًا له قبل الإحرام من النكاح والطيب ونحوهما، وشرعًا: (نية النُسك) أي: نية الدخول فيه، لا نية أن يحج أو يعتمر (١) (سُنَّ لمريده) أي: لمريد الدخول في النسك من ذكر وأنثى (غسل) ولو حائضًا ونفساء؛ لأن النبي ﷺ "أمر أسماء بنت عُميس - وهي نفساء - أن تغتسل" رواه مسلم، و"أمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض" (أو تيمُّم؛ لعدم) أي: عدم الماء، أو تعذُّر استعماله؛ لنحو مرض (٢) (و) سُنَّ له أيضًا باب الإحرام وكيفيته وأحكامه وأنواع الأنساك والتلبية وفيه ثنتان وأربعون مسألة: (١) مسألة: الإحرام لغة: نفس نية الدخول في التحريم، أي: نية المسلم أن يُحرِّم على نفسه ما كان مُباحًا قبل تلك النية، والإحرام اصطلاحًا: نية الدخول في الإحرام للنُّسك الذي يُريده من "تمتُّع" أو "قِران" أو "إفراد" أو "عمرة" وهو بهذه النية يُحرِّم على نفسه كل شيء كان حلالًا قبل ذلك كالنكاح والطيب ونحوهما، ولا بدَّ من قول أو عمل يصير به مُحرمًا؛ إذ لا يكون محرمًا بمجرَّد ما في قلبه من نية حج أو عمرة وقصدهما؛ لأن ذلك القصد بالقلب هو كائن منذ سنوات في بلده كما قرَّره ابن تيمية، وهذا الإحرام كتكبيرة الإحرام في الصلاة تمامًا وقد سبق بيانه. (٢) مسألة: يُستحب أن يغتسل قبل إحرامه، فإن تعذَّر ذلك فيُستحب أن يتوضأ، فإن تعذَّر ذلك لعدم ماء، أو برد أو مرض: فيُستحب أن يتيمَّم،: سواء كان ذكرًا أو أنثى، طاهرة أو حائضًا أو نفساء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "النفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلها غير =

стр. 1159

(تنظُّف): بأخذ شعر وظفر، وقطع رائحة كريهة؛ لئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكَّن منه (٣) (و) سُنَّ له أيضًا (تطيُّب) في بدنه بمسك أو بخور، أو ماء ورد ونحوها؛ لقول عائشة ﵂: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحلِّة قبل أن يطوف بالبيت" وقالت: "كأني أنظر إلى وبيض المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم" متفق عليه، (٤) وكُرِه أن يتطيب في ثوبه (٥) وله استدامة أنها لا تطوف بالبيت"، وقد أمر ﷺ عائشة وأسماء بنت عميس بأن تغتسلا عند الإحرام، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يتجرَّد لإحرامه ويغتسل"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة أيِّ رائحة كريهة قد يتأذى بها الحجاج الآخرون، وقد يتأذى هو بنفسه إذا طال الزمن عليه. (٣) مسألة: يُستحب أن يتنظَّف قبل أن يُحرم بأن يأخذ شعر عانته، وإبطيه، ويُقلِّم أظفاره، ونحو ذلك؛ للمصلحة، حيث إن ذلك فيه منع ظهور رائحة كريهة منه فتؤذيه أو تؤذي الآخرين. (٤) مسألة: يُستحب أن يتطيَّب قبل أن يُحرم بأي طيب، بأن ضع ذلك على رأسه وإبطيه، وبعض بدنه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار رائحة طيبة منه، وهو نافع عند كثرة الزحام. (٥) مسألة: يحرم أن يضع الطيب على لباس الإحرام؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تلبسوا ثوبًا مسَّه الزعفران ولا الورس" وهما من أنواع الطيب، فحرَّم ذلك؛ لأن النهي هنا مُطلق، وهو يقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: لأن الطيب يُنافي المقصد من مشروعية الحج، وهو أنه يأتي أشعث أغبر، فإن قلتَ: إن هذا مكروه فقط، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهة، ولم أجد قرينة قد صرفت هذا النهي من التحريم إلى الكراهة.

стр. 1160

لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه: فليس له أن يلبسه قبل غسل الطيب منه (٦) ومتى تعمَّد مسَّ ما على بدنه من الطيب، أو نحَّاه من موضعه ثم ردَّه إليه أو نقله إلى موضع آخر: فدى، (٧) لا إن سال بعَرَق أو شمس (٨) (و) يُسنُّ له أيضًا (تجرُّد من مخيط) (٦) مسألة: إذا جعل الطيب في لباس الإحرام: فله الاستمرار في لبسه بشرط: أن لا ينزعه، فإن نزعه لاغتسال ونحوه: فلا يلبسه مرة ثانية إلا بعد غسل الطيب منه، وإن لبسه قبل غسله: فعليه فدية؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه قصد التطيُّب، وهذا من محظورات الإحرام فيلزم عدم الجواز، والفدية إن فعل، تنبيه: هذه المسألة مبنية على أن وضع الطبيب في اللباس مكروه - وهو رأي المصنف -، والراجح أنه حرام كما سبق. (٧) مسألة: إذا وضع الطيب على بدنه قبل لبس إحرامه، ثم إنه بعد لبسه لإحرامه تعمَّد مسَّ هذا الطيب بأصابعه بتنحيته عن مكانه، أو تحريكه، أو نقله إلى موضع آخر: فإن عليه فدية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تمسُّوه طيبًا" - في الرجل الذي وقصته ناقته يوم عرفة فمات وهو محرم - حيث حرم عليه الطيب؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لتعمُّده مسَّ الطيب الذي هو من محظورات الإحرام؛ لمنافاته للمقصد من مشروعية الإحرام. (٨) مسألة: إذا سال الطَّيب الذي وضعه على بدنه إلى لباسه أو إلى أي بقعة في البدن بدون قصدٍ منه ولا تعمُّد: فلا شيء عليه؛ للسنة التقريرية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "كنا نضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا: سال على وجهها فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها" فلو كان هذا فيه شيء لبيَّنه النبي ﷺ ، فلما ترك بيانه دلَّ على عدم وجوب شيء فيه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه =

стр. 1161

وهو: كل ما يُخاط على قدر الملبوس عليه كالقميص والسراويل؛ "لأنه ﷺ تجرَّد لإهلاله" رواه الترمذي (٩) (و) سُنَّ له أيضًا: أن (يُحرم في إزار ورداء أبيضين) نظيفين، ونعلين؛ لقوله ﷺ : "وليُحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" رواه أحمد، والمراد بـ"النعلين": التاسومة، ولا يجوز له لبس "السرموزة" و"الجمجم" قاله في "الفروع" (١٠) (و) سُنَّ (إحرام عقب ركعتين) نفلًا، أو عقب فريضة، لأنه ﷺ "أهلَّ يشق منعه من السَّيلان، فدفعًا لذلك: شرع عدم وجوب شيء فيه؛ لأن المشقة تجلب التيسير، فيكون معفوًا عنه. (٩) مسألة: يُستحب أن يتجرَّد من ثيابه العادية المخيطة، ثم يغتسل، ثم يلبس لباس الإحرام؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد تجرَّد لإهلاله"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُسهِّل الاغتسال، ولبس لباس الإحرام، وليتذكَّر قيام الناس يوم القيامة حفاة عراة، وليتذكَّر أنه سيُفعل به كذلك بعد موته وسيُغسَّل، ويُلبس الكفن المشابه للباس الإحرام، وهذا يجعله يترك الدنيا وملذَّاتها، ويُقبل إلى العمل بالشريعة وترك الدنيا؛ لما في ذلك من المصالح الشاملة، فائدة: المراد من "المخيط": كل ما فُصِّل وخيط على هيئة بدن الإنسان بفَتَحات دخول الرأس، واليدين والرجلين كالقمصان، والسراويل، والدروع، والجبَّة والعباءة، ونحو ذلك: سواء كان ذلك قد خيط بخيط أو لا، كأن توضع فتحات من نفس الثوب بدون خياطة. [فرع]: يصح إحرامه بثيابه العادية، ويجب عليه أن يخلعها إذا علم بذلك، ويكون هذا الخلع عاديًا بدون شقِّ، ولا شيء عليه؛ للسنة القولية؛ حيث إن يعلى بن أمية قد أحرم في جُبَّة "فأمره ﷺ بخلعها من رأسه" ولم يرد: أنه أمره بشقِّها أو فدية، فدل على عدم وجوب ذلك؛ تيسيرًا وتوسعة على العباد، وهو المقصد منه. (١٠) مسألة: يُستحب أن يُحرم الرجل في إزار ورداء أبيضين، نظيفين، ونعلين؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين أولهما: قوله ﷺ : "وليُحرم أحدكم في إزار =

стр. 1162

دُبُر الصلاة" رواه النسائي (١١) (ونيته: شرط) فلا يصير مُحرمًا بمجرَّد التجرُّد، أو التلبية من غير نية الدخول في النُّسك؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (١٢) ورداء ونعلين" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ لم يُنكر على أصحابه ما لبسوا في إحرامهم، ثانيهما: قوله ﷺ : "خير ثيابكم البياض" وهو عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ثيابكم" جمع منكَّر أضيف إلى معرفة، وهذا من صيغ العموم، ولفظ "خير" يلزم منه: الاستحباب، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تسوية الناس في لباسهم؛ لمنع التفاخر، وتذكُّر يوم القيامة، وعند تكفينهم، وهذا فيه أعظم العِبَر لمن كان له قلب، فائدة: المراد بـ"النِّعلين": هما النعلان ذات السِّيور التي تظهر بشرة القدم من بينها، ولذلك لا يجوز لبس البابوج - وهو: السَّرموزة -، ولا المداس - وهو: الجمجم؛ لكونهما يُغطيان بشرة القدم. (١١) مسألة: يُستحب أن تجعل إحرامك بعد صلاة نافلة أو فريضة؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال جابر: "أهلَّ النبي ﷺ دُبُر الصلاة"، وهذا عام لصلاة النفل والفرض؛ لأن لفظ "الصلاة" مفرد محلى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ استُحب هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أدعى للقبول؛ لأنه يكون طاعة بعد طاعة، ولشكر الله على أنه أوصله إلى هذا الميقات؛ ليقوم بذلك، تنبيه: لا يجوز أن تكون النافلة في وقت نهي كما سبق. (١٢) مسألة: تشترط النية للدخول في النُّسك الذي يُريد أن يقوم به من: تمتُعٍ أو قِران، أو إفراد، أو عمرة، فلو تجرَّد ولبس لباس الإحرام، ولبَّى بدون أن ينوي ذلك النُّسك: فلا يصح نسكه - وهذا ركن من أركان الحج والعمرة -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى" وهذا =

стр. 1163

(ويُستحب قول: اللهم إني أريد نسك كذا) أي: أن يُعيِّن ما يُحرم به، ويلفظ به وأن يقول: (فيسِّره لي) وتقبَّله مِنِّي، (١٣) وأن يشترط فيقول: (وإن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني)؛ لقوله ﷺ لضباعة بنت الزبير - حين قالت له: إني أريد الحج وأجدني وجعة فقال: "حجِّي واشترطي وقولي: "اللهم محلِّي حيث حبستني" متفق عليه زاد النسائي في رواية إسنادها جيد: "فإن لك على ربك ما استثنيت" فمتى حبس بمرض أو عدو، أو ضلَّ عن الطريق: حلَّ ولا شيء عليه، (١٤) ولو عام؛ لأن "الأعمال" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه لأن "النُّسك" عمل، فيلزم عدم قبوله إلا بنية. (١٣) مسألة: يُستحب أن يدعو عند نيته للنسك الذي يُريد الدخول فيه من تمتعٍ أو قِران، أو إفراد أو عمرة قائلًا: "يسِّره لي وتقبَّله مني"، ولا يتلفظ بالنسك أو ينطق به؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء وتتبُّع أحوال النبي ﷺ وأصحابه أنهم كانوا يدعون الله بذلك عند إحرامهم، ولكنهم لا يتلفظون بالنُّسك الذي يريدون الدخول فيه، فإن قلتَ: لمَ لا يتلفَّظ بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن نيته وقصده تكفي عن ذلك، ولأنه لو نطق كل شخص بما في قلبه من نيات: لتعالت الأصوات من رجال ونساء مما يُسبِّب الاضطراب والفتنة، فدفعًا لذلك: شُرع هذا، فإن قلتَ: إنه يُستحب أن يتلفظ بالنسك الذي يُريد الدخول فيه وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، بل الدليل على منعه؛ حيث إن التلفُّظ بذلك بدعة وإحداث بالدِّين فيكون مردودًا؛ عملًا بعموم قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ". (١٤) مسألة: يُستحب أن يشترط عند إحرامه قائلًا: "وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" هذا إذا كان خائفًا من عدم تمكُّنه من أداء نسكه بسبب ضعف =

стр. 1164

شرط: "أن يُحلَّ متى شاء" أو"إن أفسده: لم يقضه": لم يصح الشرط، (١٥) ولا يبطل يحسُّ به، أو مرض يخشى زيادته، أو عدو يهاجمه، أو عدم معرفته لطريق مكة، أما إن لم يكن خائفًا من شيء عند إحرامه فلا يشترط، ولو اشترط لن ينفعه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن ضباعة بنت الزبير قالت للنبي ﷺ : إني أريد الحج وأجدني وجعة فقال لها: "حجِّي واشترطي وقولي: "وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" فيلزم من لفظ "وجعة": أن الذي يشترط هو الخائف من شيء عند إحرامه، وشرطه ينفعه، أما غير الخائف فلا يشترط ذلك، ولو اشترط لا ينفعه، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان عمر ﵁ يُنكر الاشتراط في الحج ويقول: "أليس حسبكم سنة نبيكم ﷺ أنه لا يشترط" الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة كانوا لا يشترطون ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب أن يشترط الخائف؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن هذا الشرط - وهو: قوله: "وإن حبسني … " - ينفعه؛ حيث إنه لو وقع ما خاف منه لجاز له أن يحلُّ من إحرامه بدون هدي، وهذا فيه تيسير عليه؛ لمراعاة حاله، فإن قلتَ: لمَ لا يشترط كل أحد؟ قلتُ: لكونه لن ينفعه ذلك الشرط حتى لو اشترطه، فلو طرأ عليه طارئ وتحلَّل: فلا يسقط عنه الهدي وإن اشترط، تنبيه: عبارة المصنف يلزم منها: أن الكل يشترط، وهذا غير صحيح كما سبق بيانه. (١٥) مسألة: إذا شرط عند إحرامه قائلًا: "إنه يُحلُّ متى شاء" أو قائلًا: "إن أفسد حجَّه فلن يقضيه": فلا يصح ذلك، فيجب عليه إن حلَّ إحرامه الهدي، وإن أفسده بشيء يجب عليه قضاؤه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب إتمام الحج والعمرة: أن لا يصح هذا الاشتراط، ويلزم من عدم صحتهما: وجوب الهدي، أو القضاء إن حلَّ، أو أفسده.

стр. 1165

الإحرام بجنون أو إغماء، أو سكر كموت، (١٦) ولا ينعقد مع وجود أحدها، (١٧) والأنساك: تمتُّع، وإفراد، وقِران (وأفضل الأنساك: التمتُّع) فالإفراد، فالقِران، قال أحمد: "لا أشكُّ أنه ﷺ كان قارنًا، والمتعة أحب إلي" انتهى، وقال: "لأنه آخر ما أمر به النبي ﷺ : ففي الصحيحين: أنه ﷺ أمر أصحابه لما طافوا وسعوا: "أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديًا" وثبت على إحرامه؛ لسوقه الهدي وتأسَّف بقوله: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سُقتُ الهدي ولأحللتُ معكم" (١٨) (وصفته) أي: التَّمتُّع: (أن (١٦) مسألة: إذا أحرمَ المكلف ثم بعد ذلك جُنَّ، أو أغمي عليه، أو سكر: فلا يبطل إحرامه؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو مات: فإن إحرامه لا يبطل كما في حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم فمات؛ حيث قال ﷺ : "يُبعث يوم القيامة مُلبيًا" فكذلك ما نحن فيه مثله والجامع: زوال العقل، وعدم الإدراك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكونه قد عقد الإحرام وهو بكامل تكليفه ونواه، والطارئ أثناء الإحرام لا يؤثِّر عليه. (١٧) مسألة: لا ينعقد الإحرام ممن هو في حالة جنون، أو إغماء، أو سكر؛ للتلازم؛ حيث إن نية الدخول في الإحرام شرط من شروط الإحرام للحج والعمرة، والمجنون أو المغمى عليه أو السكران لا تصح النية منهم وهم في حالتهم تلك، فيلزم: عدم صحة الإحرام؛ لأن عدم الشرط يلزم منه عدم الحكم. (١٨) مسألة: الأنساك في الحج ثلاثة: التَّمتُّع، والإفراد، والقِران، وأفضلها: التمتع، ثم الإفراد، ثم القِران - وسيأتي بيانها -؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "من أراد منكم أن يُهلَّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يُهلَّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهلَّ بعمرة فليفعل" قالت عائشة ﵂: "فأهلَّ رسول الله ﷺ بحج" وهذا يدل على مشروعية الأنساك الثلاثة، ثانيهما: أنه ﷺ قد أمر الصحابة لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من =

стр. 1166

يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يُحرم بالحج في عامه) من مكة، أو قربها، أو بعيد منها، (١٩) والإفراد: أن يُحرم بحج، ثم يعتمر بعد فراغه منه، (٢٠) والقِران: أن يُحرم بهما معًا، أو بها ثم يُدخله عليها قبل شروعه في طوافها، (٢١) ومن أحرم به، ثم ساق هديًا، وقال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقتُ الهدي ولأحللتُ معكم" وهذا يلزم منه: أن التمتع هو أفضل الأنساك؛ لكونه تمنَّاه وتأسَّف لكونه قارنًا؛ لسوقه الهدي، وأمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يُحلِّلوا بعمرة، ثم يدخلوا في الحج - وهذا هو حقيقة التَّمتُّع، فإن قلتَ: لمَ كانت الأنساك ثلاثة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على العباد ومراعاة أحوالهم البدنية والمالية، فإن قلتَ: لمَ كان الأفضل التمتع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيه جمع عبادات في سفرة واحدة وهي: الحج والعمرة، وذبح الدم، وفيه مراعاة الحاج من أنه يستمتع بما شاء بين إحلاله من العمرة وإحرامه للحج. (١٩) مسألة: صفة التمتع: أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج - وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة قبل التاسع منه -، فإذا فرغ منها يُحلُّ، ثم يتمتَّع بما شاء، ثم يحرم بالحج من عامه ذلك من مكة أو مكان قريب منها، ويقول عند إحرامه هنا: "لبيك عمرة مُتمتِّعًا بها إلى الحج"، لقول الصحابي: حيث قال ابن عمر ﵃: "إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع". (٢٠) مسألة: صفة الإفراد: أن يُحرم بحج فقط، ولا هدي عليه، وعليه طواف واحد وسعي واحد قبل الوقوف بعرفة أو بعده، وإن شاء فليأتي بعمرة بعد هذا، ولكن الأفضل ترك ذلك هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لم يعتمر بعد حجه. (٢١) مسألة: صفة القِران: أن يُحرم بالحج والعمرة جميعًا، ينويهما معًا، ويطوف لهما طوافًا واحدًا، ويسعى لهما سعيًا واحدًا، أو يُحرم بالعمرة، ثم يُدخل الحج =

стр. 1167

أدخلها عليه: لم يصح إحرامه بها (٢٢) (و) يجب (على الأفقي) وهو: من كان مسافة قصر فأكثر من الحرم إن أحرم مُتمتِّعًا أو قارنًا (دم) نسك، لا جبران، بخلاف أهل الحرم، ومن هو منه دون المسافة فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ويُشترط: أن يُحرم بها من ميقات، أو مسافة قصر فأكثر من مكة، وأن لا يُسافر بينهما، فإن سافر مسافة قصر فأحرم فلا دم عليه، (٢٣) وسُنَّ عليها وينويه قبل شروعه في طواف العمرة، إلا من ساق الهدي فيصح منه إدخال الحج عليها، ولو بعد طوافه بالعمرة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد حج قارنًا فنوى الحج والعمرة جميعًا، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "أهللنا بالعمرة، ثم أدخلنا عليها الحج" ولم يُنكره ﷺ ، وهذا يدل على جوازه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من سوقه للهدي جواز إدخال الحج على العمرة ولو بعد طوافها؛ لوضوح قصده. (٢٢) مسألة: إذا أحرم بالحج فقط، ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة وأدخلها على الحج: لم يصح إحرامه بتلك العمرة، ويبقى على إحرامه بالحج؛ للتلازم؛ حيث إن عدم موافقته لصفة التمتع - وهو: الإحرام بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج - وعدم موافقته لصفة القِران - وهو: إحرامه بهما معًا -: يلزم منه أن يبطل إحرامه بالعمرة، والبقاء على إحرام الحج فيكون مفردًا؛ لكونه أتى بصفة غير مُتعبَّد بها شرعًا فتكون مردودة، وهذا هو المقصد منه. (٢٣) مسألة: الآفاقي - وهو: الذي يبعد مسكنه عن مكة مسافة قصر - وهو: (٨٢) كم -: إذا أحرم مُتمتِّعًا أو قارنًا فيجب عليه هدي وهو دم نسك وهو: ذبح شاة - بشرطين: أولهما: أن يُحرم بذلك من أحد المواقيت الخمسة السابقة الذكر - في مسألة (٢) من باب "المواقيت" -، فإن أحرم من مكان دون تلك =

стр. 1168

لمفرد وقارن فسخ نيتهما بحج، وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة؛ لحديث الصحيحين السابق، فإذا حلَّا: أحرما به؛ ليصيرا مُتمتِّعين ما لم يسوقا هديًا، أو يقفا بعرفة، (٢٤) وإن ساقه مُتمتِّع: لم يكن له أن يحلَّ فيُحرم بحج إن طاف وسعى لعمرته قبل المواقيت من جهة مكة -: فلا هدي عليه، ثانيهما: أن لا يُسافر المتمتع بعد إحلاله من العمرة، فإن سافر مسافة قصر، ثم رجع مُحرمًا للحج: فلا دم عليه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ إلى قوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالذي يبعد عن الحرم مسافة قصر هو: الآفاقي؛ حيث لا يكون أهله من حاضري المسجد الحرام، وهو الذي يُحرم من أحد المواقيت، وهو الذي أدَّى عمرة وحجة في سفرة واحدة ولم يُسافر بينهما مسافة قصر، فلزم الشرطان من الآية، فإن قلتَ: لمَ وجب عليه دم نسك، لا دم جبران؟ قلتُ: لأن دم النسك دم شكر فيؤكل منه، ودم الجبران دم وجب لجبران ما نقص من فعل محظور ونحوه، فهذا لا يؤكل منه. (٢٤) مسألة: يُستحب لمن أحرم بإفراد، ولمن أحرم بقِران: أن يفسخا نيتهما، وينويان عمرة مفردة، فإذا أحلَّا منها: أحرما بالحج؛ ليكونا مُتمتِّعين، وذلك بشرطين: أولهما: أن لا يكون القارن قد ساق الهدي، فإن ساقه فلا يصح الفسخ، ثانيهما: أن لا يكونا قد وقفا بعرفة فإن وقفا فيها: لم يصح الفسخ؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي، وهذا الأمر وقع قبل الوقوف بعرفة، فلزم الشرطان من ذلك، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط الشرطان؟ قلتُ: لكونه لما ساق الهدي أصبحت نية القِران مؤكدة بالسوق حيث نواها لله، وما هو لله لا يُنقض، ولأنه نوى بالوقوف بعرفة أنه للحج المفرد أو للقِران، فلا تنقلب النية بعد وقوعها خاصة في الركن الأعظم للحج قال ﷺ : "الحج عرفة".

стр. 1169

حلق، فإذا ذبحه يوم النحر: حلَّ منهما (٢٥) (وإن حاضت المرأة) المتمتعة قبل طواف العمرة (فخشيت فوات الحج: أحرمت به) وجوبًا (وصارت قارنة)؛ لما روى مسلم: أن عائشة ﵂ كانت متمتعة فحاضت فقال لها النبي ﷺ : "أهلِّي بالحج"، وكذا: لو خشيه غيرها، (٢٦) ومن أحرم وأطلق: صحَّ وصرفه لما (٢٥) مسألة: من نوى عند إحرامه نسك التمتع، وهو قد ساق الهدي معه: فلا يحلُّ إحرامه بعد انقضاء طواف وسعي عمرته، لكنه قبل حلقه ينوي الحج فإذا ذبح الهدي يوم النحر ورمى: فإنه يتحلَّل منهما التحلُّل الأول؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "تمتع الناس بالعمرة إلى الحج فقال النبي ﷺ : "من كان معه هدي: فإنه لا يحلُّ من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه" وهذا عام لمن ساق الهدي: سواء كان مُتمتِّعًا أو قارنًا؛ لأن "مَنْ" شرطية، وهي من صيغ العموم. (٢٦) مسألة: إذا أحرمت امرأة بالتمتع، ثم بعد ذلك حاضت أو نفست قبل طواف العمرة، أو في أثنائه، وخشيت أن يفوتها الحج - فيما لو بقيت في أيام عادتها أو نفاسها حتى تطهر -: فيجب عليها أن تقلب نيتها وتُحرم بالحج، وتترك العمرة، وتكون بذلك قارنة، أما إذا حاضت أو نفست بعد طواف العمرة: فإنها تُكمل السعي والتقصير، ثم تحل، ثم تحرم بالحج كالعادة، لكون السعي لا تشترط له الطهارة، وكذلك من أحرم بالتمتع، وخشي أن يفوته الوقوف بعرفة إن هو ذهب إلى الحرم ليؤدِّي العمرة: فإنه يترك العمرة، ويحرم بالحج، ويكون قارنًا؛ للسنة القولية؛ حيث إن عائشة ﵂ كانت مُتمتعة، ثم حاضت قبل أن تطوف طواف العمرة فقال لها النبي ﷺ : "أهلِّي بالحج" ويلزم من ذلك أن تكون قارنة؛ وغيرها ممن خشي فوات الحج إذا هو اشتغل بالعمرة مثل عائشة؛ لعدم الفارق =

стр. 1170

شاء، (٢٧) وبمثل ما أحرم فلان: انعقد بمثله، (٢٨) وإن جهله: جعله عمرة؛ لأنها اليقين، (٢٩) فيكون من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من أحرم بالتمتع أراد أن يجمع حجة وعمرة بسفرة واحدة، فأراد الشارع أن لا يحرمه من ذلك عند حصول عذره، ولكون إدخال الحج على العمرة جائز بلا عذر، فلئن يكون إدخاله على العمرة بالعذر أولى. (٢٧) مسألة: إذا نوى شخص الحج عند إحرامه وأطلق، فلم ينوِ في إحرامه التمتع، أو القِران أو الإفراد: فيصحُّ ذلك، ويصرفه فيما بعد لما شاء مما يناسبه من تلك الأنساك؛ للمصلحة؛ حيث إن أكثر المسلمين لا يعرفون تلك الأنساك ولا الفروق بينها، ولو كُلِّف كل شخصٍ معرفتها لشق ذلك عليهم، فدفعًا لذلك: صحَّ ما نواه، وللتيسير على الناس. (٢٨) مسألة: إذا قال زيد عند إحرامه: "أنا أحرمتُ بمثل ما أحرم به عمرو": فإن إحرام زيد ينعقد بمثل ما أحرم به عمرو: فإن كان عمرًا متمتعًا فزيد كذلك، وإن كان قارنًا فزيد كذلك، وإن كان مفردًا فزيد كذلك؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ سأل علي ﵁ قائلًا: "بمَ أحرمت؟ " فقال علي: بما أحرمتَ به يا رسول الله، فلم يُنكر ذلك النبي ﷺ ، وهذا يلزم منه إقراره على ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الخلق. (٢٩) مسألة: إذا قال زيد عند إحرامه: "أنا أحرمتُ بمثل ما أحرم به عمرو" ولكنه جهل ما أحرم به عمرو: فإن زيدًا يجعل إحرامه عن عمرة؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز صرف تمتُّع وقِران إلى عمرة مع العلم بهما فمن باب أولى جواز صرف ما يُجهل من الأنساك إلى عمرة، والجامع: أن العمرة مُتيقَّنة في كل.

стр. 1171

ويصحُّ: أحرمتُ يومًا، أو بنصف نسك، (٣٠) لا "إن أحرم فلان فأنا مُحرم"؛ لعدم جزمه (٣١) (وإذا استوى على راحلته: قال) قطع به جماعة، والأصح عقب إحرامه: (لبيك اللهم لبيك) أي: أنا مُقيم على طاعتك، وإجابة أمرك (لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) روي ذلك عن ابن عمر عن النبي ﷺ في حديث متفق عليه، (٣٢) وسُنَّ أن يذكر نسكه (٣٠) مسألة: يصح أن يقول عند إحرامه: "أحرمتُ يومًا" أو يقول: "أحرمتُ بنصف نسك"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيته لذلك: أن يحلّ إذا انتهى اليوم، أو انتهى نصف النسك الذي نواهما؛ لأن الأمور بمقاصدها، أما لو قال: "أحرمتُ زمنًا" أو قال: "أحرمتُ نسكًا": فلا يُحل إلا إذا أتمَّ نسكًا كاملًا من تمتع، أو قِران أو إفراد، أو عمرة. (٣١) مسألة: إذا قال زيد: "إن أحرم عمرو فأنا مُحرم": فلا يصح ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن الإحرام عبادة يُشترط فيها الجزم والعزم في نيتها فيلزم من تردُّده في ذلك: عدم صحة هذا الإحرام؛ لعدم وجود شرطه؛ لكون المتردَّد فيه والمشكوك كالمعدوم. (٣٢) مسألة: إذا فرغ من إحرامه: فإنه يُستحب أن يقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك": سواء بعد ركوبه مركوبه أو قبله؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا القول مُتضمِّن لإجابة النداء الذي أمر فيه بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، وهو مُتضمن لتوحيد الله، وامتثال أوامره، وترك نواهيه، وإقرار بالاستمرار على طاعته، وهذه التلبية يُحبُّها الله تعالى، وكلما أكثر العبد منها كلما كان أحبُّ إلى الله وأحظى عنده كما قال ابن القيم، فإن قلتَ: لمَ كُررت التلبية؟ قلتُ: لأنه أراد إقامة بعد إقامة =

стр. 1172

فيها، (٣٣) وأن يبدأ القارن بذكر عمرته، (٣٤) وإكثار التلبية، وتتأكد: إذا علا نشزًا، أو هبط واديًا، أو صلَّى مكتوبة، أو أقبل ليل أو نهار، أو التقت الرفاق، أو سمع مُلبيَّاً، أو فعل محظورًا ناسيًا، أو ركب دابته، أو نزل عنها، أو رأى البيت (٣٥) (يُصوِّت بها لتكثير الاستجابة. [فرع]: تُستحب الزيادة على تلك الألفاظ في التلبية فيقول: "لبيك وسعديك والخير كله بين يديك" ونحو ذلك مما قُصد فيه تعظيم الله؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان عمر وابنه وأنس ﵃ يزيدون في التلبية مثل ذلك، وهو إظهار للعبودية وهو المقصد منه. (٣٣) مسألة: يُستحب أن يُسمِّي في التلبية النسك الذي أحرم به فيقول: "لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج" أو يقول: "لبيك عمرة وحجًا" أو يقول: "لبيك حجًا" أو يقول: "لبيك عمرة"؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أنس: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لبيك عمرة وحجًا"، وهذه التسمية يؤكد ما نواه وقصده من تلك الأنساك، وهو المقصد منه. (٣٤) مسألة: يُستحب أن يبدأ القارن بذكر عمرته عند التلبية فيقول: "لبيك عمرة وحجًا"؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك؛ لكونه قارنًا، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لأن أعمال العمرة يُبدأ بها قبل الحج فقُدِّم في الذكر ما قُدِّم في العمل. (٣٥) مسألة: يُستحب أن يُكثر المحرم من التلبية، ويتأكد هذا الاستحباب إذا اعتلى شيئًا مرتفعًا، أو هبط منه، أو فرغ من صلاة، أو أقبل ليل أو نهار، أو استوى على راحلته، أو التقى بآخر مُحرم، أو سمعه يُلبِّي، أو فعل محظورًا ناسيًا، أو نزل من دابته، أو اعتلى عليها، أو رأى البيت، أو دخل المسجد الحرام، أو دخل أحد مساجد المشاعر؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُكثر التلبية، ويُكررها في بعض تلك المواضيع، والأوقات، الثانية: =

стр. 1173

الرجل) أي: يجهر بالتلبية؛ لخبر السائب بن خلَّاد مرفوعًا: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية" صحَّحه الترمذي، (٣٦) وإنما يُسنُّ الجهر بالتلبية في غير مساجد الحلِّ وأمصاره، (٣٧) وفي غير طواف القدوم والسعي فعل الصحابي؛ حيث كان بعض الصحابة يفعل ذلك في تلك المواضع والأوقات، الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه يأتي بالتكبير في الصلاة عند الانتقال من حال إلى حال، فإذا قام أو ركع، أو سجد كبَّر فكذلك يفعل بالتلبية عند الانتقال من حال إلى حال، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجديد لتعظيم الله تعالى، وهذا يتسبَّب في كثرة الأجر، ومشاركة الجمادات له في ذلك، قال ﷺ : "ما من مسلم يُلبِّي إلا لبَّى ما عن يمينه وشماله من شجر أو حجر أو مذر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا". (٣٦) مسألة: يُستحب أن يرفع الرجل المحرم صوته بالتلبية، ويجهر بها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال بالتلبية" والذي صرف هذا من الوجوب إلى الندب: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ لم يُنكر على من خفض في التلبية، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التلبية شعار الحج، والشعار يرفع عادة ليُقتدى به. (٣٧) مسألة: يُكره الجهر بالتلبية داخل مُدن الحل ومساجدها، وقراها؛ لقول الصحابي؛ حيث أنكر ابن عباس على من سمعه يُلبِّي في المدينة المنورة وقال: "إنما التلبية إذا برزت"، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يقع في ذلك تشويش على الناس، وقد يكون فيه بعض الرياء والسمعة.

стр. 1174

بعده، (٣٨) وتُشرع بالعربية لقادر، وإلا: فبلغته، (٣٩) ويُسنُّ بعدها دُعاء وصلاة على النبي ﷺ (٤٠) (وتخفيها المرأة) بقدر ما تسمع رفيقتها، ويُكره جهرها فوق ذلك؛ مخافة الفتنة (٤١)، (٣٨) مسألة: يُكره الجهر بالتلبية في طواف القدوم، وفي السعي بين الصفا والمروة؛ للمصلحة؛ حيث إن الجهر بها يؤدِّي إلى التشويش على الطائفين والساعين، فدفعًا لذلك: شرع هذا. (٣٩) مسألة: يجب أن تكون التلبية بالعربية من القادر عليها، وأما غير القادر: فيُلبي بلغته؛ للقياس، بيانه: كما أنه يجب أن يذكر الله، ويُكبر في الصلاة بالعربية إن كان قادرًا عليها، وغير القادر يذكر الله ويُكبِّر بلغته فكذلك التلبية مثلهما والجامع: أن كلًا منها ذكر مشروع المقصود منه تعظيم الله، وهذا يكون بالعربية للقادر عليها، ويسقط ذلك عن غير القادر؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه؛ تيسيرًا وتسهيلًا، وهذا هو المقصد. (٤٠) مسألة: يُستحب للمحرم: أن يدعو لنفسه بالفلاح في الدنيا والآخرة، ويصلي على النبي ﷺ بعد فراغه من التلبية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يدعو بعد فراغه من التلبية، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الصلاة والأذان تُشرع فيهما الصلاة على النبي، فكذلك التلبية، والجامع: أن كلًا منهما موضع يُشرع فيه ذكر الله فتُشرع فيه الصلاة على النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مظنة استجابة الدعاء، لكونه ورد بعد ذكر الله، ولاختتام ذلك بالصلاة على النبي ﷺ . (٤١) مسألة: يجب على المرأة أن تخفض صوتها في التلبية بقدر ما تُسمع بها رفيقتها التي بجانبها، ولا يجوز أن تجهر بها فوق ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن صوت المرأة عورة، فلو رفعت صوتها بها لأدَّى إلى أن يفتتن بها من في قلبه مرض، فسدًا لذلك حرم جهرها بها، تنبيه: قوله: "ويُكره جهرها" قلتُ: هذا بعيد؛ لأن الغالب وجود أجنبي قريبًا منها في الطريق إلى الحج والعمرة، والحكم للغالب.

стр. 1175

ولا تكره التلبية لحلال. (٤٢) ............................................................................................. (٤٢) مسألة: تُكره التلبية للحلال - وهو: غير المحرم - وهو قول الإمام مالك؛ لقاعدتين: الأولى: الاستقراء؛ حيث إنه لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم لبُّوا في غير الإحرام، وهذا ثبت بعد استقراء وتتبُّع أحوالهم في ذلك، فلزم عدم مشروعية ذلك، الثانية؛ القياس، بيانه: كما يكره الجهر بالتلبية للمحرم داخل مدن وقرى الحل - كما سبق في مسألة (٣٧) - فكذلك الحال هنا، والجامع: دفع التشويش واللَّبس عن الناس، فإن قلتَ: إن التلبية للحلال لا تكره، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر الأذكار تُشرع للمحرم ولغيره، فكذلك التلبية مثلها، والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر ذكرًا، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الذكر مطلوب من المحرم وغيره، وورد فعله عن النبي ﷺ وأصحابه في الإحرام وغيره، بخلاف التلبية فلم تفعل إلا أثناء الإحرام، ثم إن الذكر لا يُلبس ولا يُشوِّش على أحد، أما التلبية من غير المحرم فهي مُلبسة ومشوشة على الآخرين، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين": فنحن ألحقناه بالجهر بالتلبية للمحرم داخل الحل؛ لكونه أكثر شبهًا به عندنا، وهم ألحقوه بالذكر؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا يُسمَّى بقياس "غلبة الأشباه". [فرع]: يُستحب أن يُلبَّى عن أخرس، وصغير، ومغمى عليه ومجنون، ومريض؛ للقياس، بيانه: كما أن أفعال الحج تُفعل عن هؤلاء فكذلك يُلبَّى عنهم، والجامع: تكميل نسكهم في كل. هذه آخر مسائل باب "الإحرام وكيفيته وأحكامه وأنواع الأنساك والتلبية" ويليه باب "محظورات الإحرام"

стр. 1176

باب محظورات الإحرام أي: المحرَّمات بسببه (١) (وهي) أي: محظوراته (تسعة): أحدها: (حلق الشعر) من جميع بدنه بلا عذر، يعني: إزالته بحلق: أو نتف، أو قلع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) (و) الثاني (تقليم الأظفار) أو قصَّها باب محظورات الإحرام وفيه تسع وخمسون مسألة: (١) مسألة: المقصود بمحظورات الإحرام: الأشياء التي يُمنع المحرم من فعلها أثناء إحرامه، وإذا فعلها لحاجةٍ وهو محرم: فلا إثم عليه، وعليه فدية، وإذا فعلها لغير حاجة: فإنه يأثم، مع وجوب الفدية عليه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد رخَّص لمن آذاه رأسه أن يحلقه، وعليه فدية ولم يأمره بالاستغفار، وهذا يلزم منه: عدم الإثم على من فعل محظورًا لحاجة، ووجوب الفدية، الثانية: القياس، بيانه: كما أن كفارة اليمين تجب إذا حنث بدون إثم، فكذلك الفدية واجبة إذا فعل محظورًا بدون إثم، والجامع: الحاجة في كل، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من ارتكابه المحظور المحرم بلا حاجة: أنه يأثم؛ لكونه ارتكب ما يُعاقب على فعله. (٢) مسألة: في الأول - من محظورات الإحرام - وهو: حلق الشعر وأخذه، فلا يجوز للمحرم أخذ شيء من شعر رأسه أو بدنه بحلق أو قصٍّ، أو نتف، أو قلع، وإن أخذ منه لغير عذر: فإنه يأثم، وعليه فدية، وإن أخذ منه لعذر: فعليه فدية فقط - وهي: إما ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين ربع صاع من بر، أو أرز، أو نصف صاع من تمر أو شعير، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ =

стр. 1177

من يد أو رجل بلا عذر، (٣) فإن خرج بعينه شعر، أو انكسر ظفره فأزالهما أو زالا كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فدلَّت الآية بدلالة الاقتضاء على: جواز أخذ المحرم من شعره إذا كان عنده عذر كالمرض ونحوه، لأن التقدير: "فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه فأخذ: ففدية .. " الثانية: السنة القولية؛ حيث إن كعب بن عجرة قال: كان بي أذى في رأسي فحُملتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: "ما كنتُ أرى الجهد يبلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟ " قلتُ: لا، فنزلت الآية السابقة، فقال النبي ﷺ : "هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين: نصف صاع طعامًا لكل مسكين أو ذبح شاة" حيث إن هذا مُبيِّن ومفُصِّل لما أجمل في الآية السابقة؛ حيث أذن له بالحلق، ثم أوجب عليه الفدية بالتخيير بين تلك الأمور الثلاثة: لأن "أو" للتخيير، وغير الحلق من نتف أو قلع كالحلق في هذا؛ لعدم الفارق من "باب مفهوم الموافقة"، الثالثة: القياس، بيانه: كما يحرم حلق رأس المحرم بدون عذر، ويفدى إذا فعله فكذلك شعر سائر بدنه مثله والجامع: أن كلًا منهما حلقه فيه ترفُّه مناف للمقصد من الإحرام، فإن قلتَ: لمَ كان هذا من محظورات الإحرام؟ قلتُ: لأن "المقصود من الإحرام هو: أن يكون المحرم أشعث أغبر، فالأخذ من الشعر مناف" لذلك؛ لكون ذلك فيه تزيِّن وتجمُّل. (٣) مسألة: في الثاني - من محظورات الإحرام - وهو: تقليم الأظافر، فلا يجوز للمحرم أن يأخذ شيئًا من أظفار أصابع يديه أو رجليه بلا عذر، وإن أخذ منها بعذر أو بغيره: فتجب الفدية عليه - كما سبق بيانها في مسألة (٢) -؛ لقاعدتين؛ الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وقضاء التفث هو: حلق الرأس، وتقليم الأظافر ونتف الإبط - كما قال بعض الصحابة والتابعين - وهذا لا يكون إلا بعد النحر، ويدل مفهوم الزمان على: عدم جواز أخذ شيء =

стр. 1178

مع غيرهما فلا فدية، (٤) وإن حصل الأذى بقرح أو قمل ونحوه فأزال شعره لذلك: فدى، (٥) ومن حُلِق رأسه بإذنه، أو سكت ولم ينهه: فدى، (٦) ويُباح للمحرم غسل من ذلك أثناء الإحرام، الثانية: القياس، بيانه: كما لا يجوز الأخذ من الشعر أثناء الإحرام فكذلك لا يجوز أخذ الأظفار، والجامع: أن كلًا منهما يُفضي إلى الترف والتزين المنافيين للمقصد الشرعي من الإحرام كما سبق. (٤) مسألة: إذا أذاه شعر أو ظفر، فأزالهما؛ دفعًا لذلك الأذى، أو هما زالا وسقطا بلا تدخل منه كأن ينكسر ظفر، أو قطع جلدًا فيه شعر: فإنه لا فدية عليه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو صال وهجم صيد على المحرم، فقتل المحرمُ ذلك الصائل: فلا شيء عليه، فكذلك الحال هنا والجامع: أن ذلك فيه إزالة للأذى عنه في كل، الثانية: التلازم، حيث يلزم من سقوط ظفر أو شعر بلا تدخل منه: عدم الفدية عليه؛ لكونه تابعًا لغيره، والتابع لا يُفرد بحكم، فإن قلتَ: لمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة وحرج وتوسعة على المسلمين. (٥) مسألة: إذا لحق المحرم ضرر بسبب قروح في جلده، أو قمل، أو شدة صداع أو حر أو نحو ذلك: فيُباح أن يحلق شعره بلا إثم، وتجب عليه فدية؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر كعب بن عجرة أن يحلق شعره لما رأى تأذيه من كثرة القمل، وأمره بفدية، ولم يأمره بالاستغفار، وهذا يلزم منه: أنه لا يأثم، وتجب الفدية، والأمر بالحلق للإباحة؛ لأنه ورد بعد حظر، وهذا فيه دفع الضَّرر عنه، وهو مقصد شرعي. (٦) مسألة: إذا حلق عمرو شعر زيد المحرم، وزيد قد أذن بذلك، أو سكت ولم يُنكر ذلك: فإن زيدًا يأثم، وتجب عليه الفدية: سواء كان عمرو حلالًا أو محرمًا؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا المحرم لو حلق شعره بنفسه: فإنه يأثم، =

стр. 1179

شعره بسدر ونحوه (٧) (فمن حلق) شعرة واحدة أو بعضها: فعليه طعام مسكين، وشعرتين أو بعض شعرتين فطعام مسكينين، وثلاث شعرات: فعليه دم (أو قلَّم) ظفرًا فطعام مسكين، وظفرين فطعام مسكينين و (ثلاثة: فعليه دم) أي: شاة، أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام، (٨) وإن خلَّل شعره وشكَّ في سقوط شيء به: وعليه فدية فكذلك إذا أذن لغيره بحلقه أو سكت - في حين أنه يقدر على الامتناع - مثله، والجامع: أنه في كل منهما راضٍ بذلك الحلق، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سد للذرائع والتحايل. [فرع]: إذا حلق المحرم حلالًا - أي: شخص لم يُحرم - أو قلَّم أظفاره: فلا شيء على المحرم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وقوع المحظور - وهو الحلق والتقليم - على المحرم: عدم وجوب شيء عليه؛ لعدم مخالفته للشرع بارتكاب محظور. (٧) مسألة: يُباح للمحرم أن يغسل رأسه وبدنه بماء وسدر وصابون وتحريكه أثناء غسله، ولا شيء عليه فيما لو سقط شعر بسبب ذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد غسل رأسه وهو محرم وحرك رأسه" وهذا يلزم منه: سقوط بعض الشعر عادة، ولو كان فيه شيء لبيَّنه ﷺ ولكنه لم يبينه فيدل على إباحة ذلك؛ لأنه لا يجوز ترك البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مُراعاة لأحوال الناس. (٨) مسألة: تجب الفدية إذا حلق حلقًا أو قلَّم تقليمًا يُماط به الأذى، ويحصل به التزيُّن والترفُّه، وإزالة الشعث، وهذا لا يُقدَّر بشعرة أو شعرتين أو ثلاث، أو ظفر أو ظفرين أو ثلاثة، بل أكثر من ذلك، وهو مذهب الإمام مالك، ويقرب منه مذهب أبي حنيفة - وهو أنه إذا حلق ربع الرأس، وهو ما صحَّحه ابن عثيمين؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ فيلزم من =

стр. 1180

استُحبَّت (٩) الثالث: تغطية رأس الذكر إجماعًا، وأشار إليه بقوله (ومن غطَّى رأسه لفظ: "الأذى" أن تتعلَّق الفدية بحلق ما به أذى، ولا يكون الأذى في أربع أو خمس شعرات إذا أزالهما ذهب الأذى، بل الأذى يأتي من أغلب الرأس، فتكون الفدية واجبة إذا حلق أغلب الرأس، والأظفار مثل ذلك؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، الثانية: السنة القولية؛ وهو حديث كعب بن عجرة - السابق ذكره في مسألة (٢) - حيث أوجب عليه الفدية بسبب حلقه كل شعر رأسه، والأظفار مثله؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنه إذا حلق حلقًا أو قلَّم تقليمًا يحصل به التزين يكون بذلك مُخالفًا للمقصد من مشروعية الإحرام، وهو: أن يكون المحرم أشعث أغبر؛ ليكون أقرب إلى استجابة الدعوة، فإن قلتَ: تجب الفدية على المحرم إذا حلق ثلاث شعرات فأكثر، أو قلَّم ثلاثة أظفار، فأكثر، أما إذا حلق شعرة أو قلَّم ظفرًا: فعليه إطعام مسكين واحد، وإذا حلق شعرتين، أو قلَّم ظفرين: فعليه إطعام مسكينين، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ حيث إن النهي هنا يتوجه إلى الجمع، وأقل الجمع ثلاث شعرات، فتجب الفدية فيها؛ لأنها أقل ما يُحمل عليه الحكم، أما ما هو أقل من ثلاث شعرات: فلا يُحمل على شيء إلا أنه يُحتاط في إطعام مسكين في كل شعرة ومسكينين في كل شعرتين ويُقال في الظفر مثل ذلك؟ قلتُ: إن الآية لا تدلُّ على ما قلتم بالمنطوق ولا بالمفهوم؛ لأن "رؤوس" جمع رأس، وليس جمع شعرات، تنبيه: قد سبق بيان المراد بالفدية في مسألة (٢). (٩) مسألة: إذا خلَّل المحرم شعر رأسه أو لحيته أو بدنه بمشط وشكَّ في سقوط شيء من الشعر: فلا شيء عليه، ولكن يُستحب أن يفدي؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك =

стр. 1181

بملاصق: فدى) سواء كان معتادًا كعمامة، وبرنس، أم لا كقرطاس، وطين، ونَوْرة، وحنَّاء، أو عصبه بسير، أو استظلَّ في محمل راكبًا أو لا، ولو لم يُلاصقه، ويحرم ذلك بلا عذر، لا إن حُمل عليه، أو استظلَّ بخيمة، أو شجرة، أو بيت، (١٠) الرابع: لبس المخيط، وإليه الإشارة بقوله: (وإن لبس ذكر مخيطًا فدى)، (١١) ولا يعقد عليه رداء أكمل لإبراء الدِّين، والشك لا تبنى عليه أحكام. [فرع]: يُباح للمحرم أن يحتجم في رأسه للحاجة، ولو حلق بعض رأسه، ولا شيء عليه؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد احتجم وهو محرم"، ولم يُبيَّن من أيِّ مكان قد احتجم، فينصرف إلى أنه قد احتجم في وسط رأسه؛ لأنه هو العادة فتخصِّصة به، ويلزم من الاحتجام حلق بعض شعر رأسه؛ حيث لا يمكن ذلك إلا به، وهذا توسعة على المسلمين، وهذا هو المقصد منه. (١٠) مسألة: في الثالث - من محظورات الإحرام - وهو: تغطية الذكر لرأسه، فلا يجوز للمحرم الذكر أن يغطِّي رأسه بشيء ملاصق له كالطاقية، والعمامة، والشماغ، والغترة ونحو ذلك، وإن فعل ذلك: فعليه فدية، بخلاف ما لو استظلَّ بخيمة، أو محمل، أو شجرة، أو بيت، أو كان يحمل متاعه على رأسه، أو كان على رأسه شيء يمسكه من التطاير كالحناء والعسل أو نحو ذلك: فهذا لا شيء عليه؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال جابر: "ضربتُ لرسول الله ﷺ قبَّة بنمرة فبقى فيها حتى زالت الشمس في عرفة" وقال ابن عمر ﵃: "رأيت رسول الله يُهلُّ مُلبِّدًا" أي: على رأسه شيء يُلبِّده به، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك محظورًا؟ قلتُ: لأن تغطية الرأس يُعتبر من التزيِّن والتَّرف المخالف للمقصد من مشروعية الإحرام، تنبيه: قوله: "وطين ونَوْرة .. " قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ما ذكره. (١١) مسألة: في الرابع - من محظورات الإحرام - وهو: لبس الذكر المخيط، فلا يجوز للمحرم الذكر أن يلبس مخيطًا، فمن فعل ذلك: فعليه فدية، ويأثم؛ للسنة =

стр. 1182

ولا غيره إلا إزاره ومنطقة، وهميانًا فيهما نفقته مع حاجة لعقد، (١٢) وإن لم يجد نعلين: لبس حُفَّين؛ أو لم يجد إزارًا لبس سراويل إلى أن يجد، ولا فدية، (١٣) الخامس: القولية؛ حيث إنه ﷺ لما سئل عما يلبس المحرم قال: "لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف" وهذه كلها مخيطة فيلزم النهي عنها، والنهي مطلق وهو يقتضي التحريم، فيكون المخيط من محظورات الإحرام، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك محظورًا؟ قلتُ: لأن لبس المخيط فيه نوع تجمُّل وتزيُّن وترفُّه وهو مخالف للمقصد من مشروعية الإحرام، تنبيه: قد سبق بيان والمراد من المخيط، في مسألة (٩) من باب "الإحرام وكيفيته" والمراد من الفدية في مسألة (٢) من هذا الباب. (١٢) مسألة: لا يجوز للمحرم أن يعقد على لباس الإحرام أيَّ شيء بدون حاجة، أما إن احتاج إلى عقد إزاره لسبب خشيته من ظهور عورته، أو لأجل حفظ نفقته بوضع منطقة أو حزام ونحوهما لذلك: فلا بأس؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ قال: "ولا يُعقد عليه شيئًا" الثانية: المصلحة؛ حيث إن دفع المفسدة يقتضي عقد الإزار، حماية له ولماله، فإن قلتَ: لمَ لا يعقد إزاره عند عدم الحاجة؟ قلتُ: لأن فيه شيئًا من التزيُّن المنافي للمقصد من الإحرام. (١٣) مسألة: يلبس المحرم نعلين، فإن لم يجدهما: فله لبس خُفَّين، ويلبس الإزار، فإن لم يجده: فله لبس السراويل، ولا شيء عليه، إلا إذا لبس ذلك مع وجود النعلين والإزار: فعليه فدية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من لم يجد نعلين فليلبس الخفَّين، ومن لم يجد إزارًا: فليلبس السراويل" حيث إن مفهوم الشرط يدل على عدم جواز لبس الخُفَّين أو السراويل عند وجود النِّعلين، والإزار، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة مشيه بلا نعلين، وبلا إزار

стр. 1183

الطيب، وقد ذكره بقوله: (وإن طيَّب) محرم (بدنه أو ثوبه) أو شيئًا منهما، أو استعمله في أكل أو شرب (أو إدَّهن) أو اكتحل أو استعط (بمطيَّب أو شمَّ) قصدًا (طيبًا، أو تبخَّر بعود ونحوه) أو شمَّه قصدًا، ولو بخور الكعبة: أثم و (فدى) ومن الطِّيب: مسك، وكافور، وعنبر، وزعفران، وورس، وورد، وبنفسج، والينوفر، وياسمين، وبان، وماء ورد، وإن شمَّها بلا قصد، أو مسَّ مالا يعلق كقطع كافور، أو شمَّ فواكه، أو عودًا، أو شيحًا، أو ريحانًا فارسيًا، أو نمامًا، أو ادَّهن بدهن غير مطيَّب: فلا فدية، (١٤) السادس: قتل صيد البر واصطياده، وقد أشار إليه بقوله: (١٤) مسألة: في الخامس - من محظورات الإحرام - وهو: الطيب، فلا يجوز للمحرم أن يُطيِّب بدنه، أو لباسه أثناء الإحرام بأيِّ نوع من أنواع الطِّيب؛ وإن فعل ذلك بقصد منه: فإنه يأثم، وعليه فدية، أما إن لم يقصد ذلك: فلا إثم ولا فدية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يلبس من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران ولا الورس" وهذا يدل بمفهوم الموافقة على تحريم التطيُّب للمحرم؛ لكون "الزعفران والورس" من الطِّيب؛ ولأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك من المحظورات؟ قلتُ: لأن التطيب من باب الزينة، والتجمُّل، والترفُّه، وهذا مناف للمقصد من مشروعية الإحرام. [فرع]: يُباح أن يدهن المحرم رأسه وبدنه بأي دهن لا توجد فيه رائحة طيِّبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: لعدم وجود زينة فيه، فلم يُخالف المقصد من مشروعية الإحرام. [فرع آخر]: من فعل محظورًا من المحظورات الخمسة السابقة - في مسائل (٢، ٣، ١٠، ١١، ١٤) وهي: حلق الشعر، أو تقليم الأظافر، أو تغطية الذكر لرأسه، أو لبسه للمخيط، أو الطيب -: فإن الفدية واجبة عليه، وهي: صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين ربع صاع من بر أو أرز، أو نصف صاع من غيره، أما =

стр. 1184

(وإن قتل صيدًا مأكولًا بريًا أصلًا) كحمام، وبط ولو استأنس، بخلاف إبل وبقر أهلية ولو توحشَّت (ولو تولَّد منه) أي: من الصيد المذكور (ومن غيره) كالمتولِّد بين المأكول وغيره، أو بين الوحشي وغيره؛ تغليبًا للحظر (١٥) (أو تلف) الصيد المذكور (في باقي المحظورات التي ستأتي فلا تجب الفدية تلك على مُخالفيها، وإنما تجب أمورًا أخرى سيأتي تفصيلها، وقد ذكرت هذا الفرع؛ لأني رأيت بعض المفتين في الحج لا يُفرِّقون بينها. (١٥) مسألة: في السادس - من محظورات الإحرام - وهو: قتل صيد البر واصطياده، فلا يجوز للمحرم أن يصيد عمدًا صيدًا برِّيًا مأكولًا متوحشًا أصلًا، ولو استأنس كالحمام والبط ونحوهما، وكذا المتولِّد من متوحِّش ومُستأنس، فلو فعل ذلك قصدًا فإنه يأثم، وعليه جزاؤه - كما سيأتي بيانه - بخلاف غير المأكول فيقتل؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فالنهي هنا مطلق فيقتضي تحريم الصيد على المحرم وفساده كالميتة، ثانيهما: قوله تعالى: "أحلَّ لكم صيد البحر" ثم قال: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حُرُمًا" حيث إنها خصِّصت التحريم بصيد البر المأكول فقط؛ لكونه لازمًا من تحليله لصيد البحر دون صيد البر، الثانية: السنة القولية حيث إن الصَّعب بن جثامة قد صاد حمارًا وحشيًا فأتى به النبي ﷺ فردَّه قائلًا: "إنا لم نردُّه عليك إلا أنا حُرُم" فبيَّن أن سبب عدم أكله هو: كونه مُحرمًا، فلزم تحريم الصيد المأكول المتوحِّش فإن قلتَ: لمَ حُرِّم قتل الحيوان المتوحِّش إذا استأنس؟ قلتُ: تبعًا لأصله، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم قتل الحيوان المتولِّد من المتوحِّش والمستأنس؟ قلتُ: تغليبًا للتحريم، حيث إنه إذا اجتمع في شيء حاظر ومبيح: فإنه يُغلَّب جانب الحظر؛ احتياطًا.

стр. 1185

يده) بمباشرة، (١٦) أو سبب كإشارة، ودلالة، وإعانة، ولو بمناولة آلة أو بجناية دابة هو مُتصرِّف فيها: (فعليه جزاؤه)، (١٧) وإن دلَّ ونحوه محرم محرمًا: فالجزاء بينهما (١٨) ويحرم على المحرم أكله مما صاده، أو كان له أثر في صيده، أو ذبح أو صيد لأجله، وما حرم عليه لنحو دلالة أو صيد له لا يحرم على محرم غيره، (١٩) ويضمن بيض (١٦) مسألة: إذا تلف الصيد في يد المحرم مباشرة وهو يستطيع دفع التلف عنه فلم يفعل: فإنه يأثم، وعليه جزاؤه؛ للقياس، بيانه: كما أن المحرم لو أتلفه بصيد: فإنه يأثم وعليه جزاؤه فكذلك الحال هنا مثل ذلك، والجامع: أن كلًا من الصيدين تلف تحت يد معتدية. (١٧) مسألة: إذا تلف الصيد بسبب غير مباشر من المحرم ولكنه مقصود: كأن يدل غيره عليه فيقتله الآخر، أو يُعينه على قتله، أو صيده بمد آلة للصائد أو القاتل له، أو يجعل دابته تقتله برجلها، أو بفمها: فإن ذلك المحرم يأثم، ويجب عليه جزاؤه؛ للقياس، وقد سبق بيانه في المسألة (١٦)، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ للذرائع؛ لئلا يتحايل بعض المحرمين إلى صيد الطيور وغيرها بتلك الطريقة. (١٨) مسألة: إذا دلَّ محرم محرمًا آخر على صيد، أو تعاونا في ذلك: فإن كل واحد منهما يأثم، وعليهما جزاء صيد واحد يُقسَّم بينهما بالمناصفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراكهما في ذلك: أن يكون الجزاء بينهما؛ تحقيقًا للعدالة والإنصاف. (١٩) مسألة: يحرم على المحرم أن يأكل من صَيد قد صيد لأجله، أو أعان على صيده أو ذبحه بإشارة، أو دلالة: سواء أخرج جزاءه أو لا، أما المحرم الذي لم يُصد ذلك من أجله أو لم يُعِن على صيده فيجوز أن يأكل منه: سواء كان الصائد مُحرمًا أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا =

стр. 1186

صيد، ولبنه إذا حَلَبَه بقيمته، (٢٠) ولا يملك المحرم ابتداء صيدًا بغير إرث، (٢١) وإن أحرم وبملكه صيد: لم يُزل، ولا يده الحكمية، بل تزال يده المشاهدة: بإرساله (٢٢) الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حيث حرم أكل الصيد على المحرم الذي صيد من أجله، أو أعان على صيده، لأن النهي مطلق وهو يقتضي التحريم والفساد كالميتة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لحم الصيد للمحرم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد لكم" حيث دلَّ منطوقه على أن لحم الصيد حلال للمحرم بشرط: عدم صيده بنفسه، أو صيد لأجله، ودلَّ مفهوم الشرط على أنه إذا صدتموه، أو صيد لأجلكم: فإنه حرام. (٢٠) مسألة: إذا أتلف المحرم بيض صيد، أو لبنه بقصد منه، أو تسبَّب في ذلك: فإنه يضمنهما بقيمتهما: فيسأل أهل المعرفة بذلك عن ثمن بيض أو لبن هذا الصيد فإذا عرفه: يُخرج ذلك الثمن ويتصدَّق به على فقراء مكة - كما سيأتي بيانه -؛ للتلازم، حيث يلزم من عدم وجود ما يُماثل البيض واللَّبن من بهيمة الأنعام: أن يضمنهما بقيمتهما. (٢١) مسألة: لا يجوز للمحرم أن يملك ابتداءً صيدًا أثناء إحرامه بشراء، أو هبة، أو نحو ذلك إلا إذا كان المحرم قد ورث الصيد من مورِّثه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه يحرم عليه أن يملك خمرًا بعد تحريمها، فكذلك يحرم على المحرم أن يملك صيدًا والجامع: أن كلًا منهما ليس محلًا للتمليك لتحريم الله له، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون المال الموروث يملكه الوارث بدون تصرُّف منه: جواز ملكه له وإن كان محرمًا؛ لأنه ليس من فعله. (٢٢) مسألة: إذا أحرم شخص وكان تحت يده صيد: فلا يُزال ملكه عنه، ولكنه لا يتحكَّم فيه، بل يودعه غيره حتى يتحلَّل، بحيث لا يشاهده، فإن شاهده كأن يكون ذلك الصيد في قبضة يده، أو خيمته، أو قفصه، أو رجله، أو مربوطًا بحبل معه: فإنه يُزل ملك يده له: بأن يقوم بإطلاقه وتخليته، وإن لم يُطلقه: فعليه =

стр. 1187

(ولا يحرم) بإحرام أو حرم (حيوان إنسي) كالدَّجاج، وبهيمة الأنعام؛ لأنه ليس بصيد، وقد كان النبي ﷺ يذبح البُدْنَ في إحرامه بالحرم (٢٣) (ولا) يحرم (صيد البحر) إن لم يكن بالحرم: لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، (٢٤) وطير الماء برِّي، (٢٥) (ولا) يحرم بحرم ولا إحرام (قتل محرَّم الأكل) كالأسد، والنمر، والكلب إلا المتولِّد كما تقدم (٢٦) (ولا) يحرم قتل الصيد (الصائل)؛ دفعًا عن نفسه، جزاؤه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ملكه له قبل الإحرام: استدامة ذلك بعد الإحرام، ويلزم من إمساكه له: الترفُّه بذلك، فيلزم الجزاء عليه. (٢٣) مسألة: يُباح للمحرم وغيره أن يصيد، ويذبح، ويقتل كل حيوان إنسي كبهيمة الأنعام والدجاج، ولو توحَّش: سواء كان داخل الحرم أو خارجه؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد ذبح البُدْنَ وهو محرم في الحرم" وبقية بهيمة الأنعام والدجاج من الحيوانات الإنسية مثل البُدْنَ؛ لعدم الفارق؛ وهو من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ أُبيح هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك فيها وإن توحَّشت؟ قلتُ: تبعًا لأصلها وهو الأنس. (٢٤) مسألة: يُباح للمحرم وغيره: أن يصيد صيد البحر من سمك وغيره إن لم يكن بالحرم؛ للكتاب، حيث قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ وهذا عام للمحرم وغيره، وهذا فيه توسعة على الناس، وهو المقصد منه. (٢٥) مسألة: طيور المياه البحرية: بَرِّية، يحرم صيدها إن كانت بأرض الحرم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها تبيض وتُفرِّخ في البرِّ: أنها برية، فإن كانت بأرض الحرم فيحرم صيدها، وإن فُعل ذلك فيجب الجزاء؛ قياسًا على صيد البر العادي. (٢٦) مسألة: يُباح للمحرم وغيره: أن يصيد ويقتل كل حيوان غير مأكول اللحم في الحرم وغيره كالأسد، والنمر، والكلب، والبعوض والجعلان، والخنافس، =

стр. 1188

أو ماله: سواء خشي التلف أو الضَّرر بجرحه أو لا؛ لأنه التحق بالمؤذيات فصار كالكلب العقور، ويُسنُّ مُطلقًا قتل كل مُؤذٍ غير آدمي، (٢٧) ويحرم بإحرام قتل قمل وضئبانه ولو برميه، ولا جزاء فيه، لا براغيث، وقراد ونحوهما، (٢٨) ويضمن جراد والحية، والعقرب، والغراب، والحدأة ونحو ذلك مما يؤذي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والحية، والفأرة، والكلب العقور" وغيرها مما يُشابهها في الإيذاء مثلها؛ لعدم الفارق، وهو من باب "مفهوم الموافقة" أو من باب "القياس على المحصور بعدد" فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الأذى عن المسلمين، تنبيه: قوله: "إلا المتولِّد" قد سبق بيانه في مسألة (١٥). (٢٧) مسألة: يُستحب للمسلم أن يقتل كل مؤذٍ وصائل عليه من الحيوانات والحشرات، والطيور إذا خاف منه الضرر على نفسه أو ماله: سواء كان مأكولًا، أو لا، وسواء كان وحشيًا أو لا، وسواء كان القاتل محرمًا أو لا، وسواء كان بالحرم أو لا، للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الضرر عن المسلم، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة تنبيه: قوله: "ولا يحرم قتل الصيد الصائل" يفيد أن ذلك مباح فقط قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل يُستحب؛ دفعًا لأذاه كما قلنا. (٢٨) مسألة: يحرم على المحرم قتل القمل الذي على رأسه أو بدنه، أو ضئبانه - وهو بيضه -، ولا يأخذه من بدنه ورأسه ويُلقيه في الأرض، فإن قتله، أو قتل البراغيث والقِراد والبعوض أو رماها: فإنه يأثم، ولا جزاء عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك لا يُسمَّى صيدًا ولا قيمة له، وهي مؤذية بطبعها: أن لا جزاء على قتلها، ويلزم من كون إزالتها فيه نوع ترفُّه وتنعُّم: تحريم قتلها وإلقائها.

стр. 1189

بقيمته، (٢٩) ولمحرم احتاج لفعل محظور فعلُه ويفدى، وكذا: لو اضطرَّ إلى أكل صيد: فله ذبحه وأكله كمن بالحرم، ولا يُباح إلا لمن له أكل الميتة (٣٠) السابع: عقد النكاح، وقد ذكره بقوله: (ويحرم عقد نكاح) فلو تزوَّج المحرم، أو زوَّج مُحرمة، أو كان وليًا أو وكيلًا في النكاح: حرم (ولا يصح)؛ لما روى مسلم عن عثمان ﵁ مرفوعًا: "لا ينكح المحرم ولا يُنكح" (ولا فدية) في عقد النكاح كشراء الصيد، ولا فرق بين الإحرام الصحيح والفاسد، (٣١) ويُكره للمحرم: أن يخطب امرأة كخطبة عقده، أو (٢٩) مسألة: يضمن المحرم الجراد إذا قتله وذلك بدفع قيمته للمساكين، للتلازم؛ حيث إن الجراد برِّي يُشاهد طيرانه: فيلزم جزاؤه على من قتله أو تسبَّب في ذلك، أو يُتصدَّق عن كل جرادة بتمرة. (٣٠) مسألة: إذا احتاج المحرم إلى فعل محظور من محظورات الإحرام كأن يحتاج إلى حلق رأسه، أو لبس المخيط، أو تغطية رأسه، فإنه يفعله، ويفدى بذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين - وكذا: لو اضطر إلى أكل صيد: فإنه يصيده، ويأكل منه ما يدفع عنه الضرر وعليه جزاؤه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: وهو حديث كعب بن عجرة وقد سبق في مسألة (٢)، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز للمضطر أن يأكل من الميتة فكذلك يجوز للمحرم أن يأكل من الصيد إذا اضطر إليه، والجامع: دفع الضرر في كل، وقد بينتُ ذلك في كتابي: "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس". (٣١) مسألة: في السابع - من محظورات الإحرام - وهو: عقد النكاح، فلا يجوز للمحرم أن يتزوج مُحرمة أو مُحلَّة، ولا أن يكون وليًا بأن يُزوج مُحرمة على مُحلِّ، ولا أن يُزوج محلَّه على محل، ولا محرمة على محرم، ولا وكيلًا في ذلك: فإن فعل ذلك، فإنه يأثم، ولا يصح ذلك العقد، بل يكون فاسدًا، ولا تجب عليه فدية في ذلك، سواء كان ذلك الإحرام الذي هو فيه صحيحًا، أو كان فاسدًا =

стр. 1190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بجماع قبل التحلُّل الأول؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يَنكَح المحرم ولا يُنكح" حيث حرم الشارع عقد النكاح مُطلقًا على المحرم، وبيَّن فساده لو وقع؛ لأن النهي هنا مُطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، ولم يُبين وجوب فدية عند وقوع ذلك، فدل على أنه لا فدية فيه؛ حيث لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المحرم إذا اشترى صيدًا: فإنه يفسد عقده لأجل الإحرام ولا فدية فكذلك: إذا عقد النكاح مثله، والجامع: أن كلًا منهما قد فعل عملًا منهيًا عنه في حالة الإحرام، ثانيهما: كما أنه يجب المضي في الإحرام والحج الفاسد، والعمل بكل ما يجب فيه، فكذلك يحرم عليه كل المحظورات ومنها: عقد النكاح، والجامع: الالتزام بالإحرام في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن عمر وابنه وزيد أن عقد النكاح من محظورات الإحرام، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك محظورًا في الإحرام؟ قلتُ: لأن عقد النكاح فيه التفات إلى الدنيا وملذاتها، وهذا مناف للمقصد من مشروعية الإحرام، فإن قلتَ: يجوز عقد المحرم للنكاح، وهو قول كثير من الحنفية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد تزوَّج ميمونة وهو محرم" كما قال ابن عباس، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز للمحرم شراء الأمة وهو مُحرم فكذلك يجوز له تزوج الحرة والجامع: أن كلًا منهما فيه عقد يملك به الاستمتاع قلتُ: أما حديث ابن عباس فهو معارض بقول ميمونة نفسها، وهو: "أنه ﷺ قد تزوَّجها وهو حلال" ومعارض بقول أبي رافع وهو: "تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنتُ أنا الرسول بينهما" فيُرجَّح قولهما على قول ابن عباس؛ لأن ميمونة أعلم بحالها، وأبا رافع أعلم بالواقعة؛ لكونه هو السفير بينهما، وابن عباس كان صغيرًا فيُحتمل اختلاط الأمور عليه، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع =

стр. 1191

حضوره أو شهادته فيه (٣٢) (وتصحُّ الرَّجعة) أي: لو راجع المحرم امرأته: صحَّت بلا كراهة؛ لأنه إمساك، (٣٣) وكذا: شراء أمة للوطء (٣٤) الثامن: الوطء، وإليه الإشارة الفارق؛ حيث إن نكاح الحرة يراد عادة للوطء والولد، أما شراء الأمة فيراد به عادة الخدمة والتجارة، فاختلفا. (٣٢) مسألة: يُكره أن يخطب المحرم امرأة لنفسه أو لغيره، أو أن يحضر عقد نكاح بين مُحلّين؛ أو أن يشهد على ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اشتغال عن كمال العبادة التي أحرم لأجلها، وهذا يُنقص من أجره، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك ولم يحرم؟ قلتُ: لأن الاشتغال بالخطبة أو حضورها، أو الشهادة فيها ليس اشتغالًا بالدنيا خالصًا كالنكاح، فإن قلتَ: لمَ كَرِه حضور عقد نكاح بين مُحلِّين أو الشهادة عليه؟ قلتُ: لأن حضوره عقد نكاح بين محرمين، أو بين مُحرم ومُحل، أو الشهادة على ذلك حرام؛ للتلازم؛ حيث إن عقد نكاح المحرم حرام - كما سبق في مسألة (٣١) - فيلزم أن المشاركة فيه حرام؛ حيث إن الراضي كالفاعل في الإثم. (٣٣) مسألة: إذا طلَّق رجل امرأته: فيصح أن يراجعها وهو مُحرم، بلا كراهة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ حيث بيَّن أن الرجعة إمساك للزوجة، وليس ابتداء نكاح جديد، والأمر هنا مُطلق في الأزمان فيشمل الإمساك جميع الأزمان، ومنها زمن الإحرام، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الرَّجعية مباحة قبل الرَّجعة، فاستدام ذلك بالرجعة، بدليل: عدم الحاجة إلى ولي، ولا شهود، ولا إذن، بخلاف المرأة الأجنبية التي يُراد العقد عليها ابتداء. (٣٤) مسألة: يجوز أن يشتري المحرم أمة للوطء والخدمة والتجارة؛ للتلازم؛ حيث إن الأمة تُشترى عادة لمنفعة الوطء وغيره فيلزم جواز شرائها، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.

стр. 1192

بقوله (وإن جامع) المحرم: بأن غيَّب الحشفة في قُبُل أو دُبُر من آدمي أو غيره: حرم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ قال ابن عباس: هو الجماع، (٣٥) وإن كان الوطء (قبل التحلُّل الأول: فسد نسكهما) ولو بعد الوقوف بعرفة، ولا فرق بين العامد والساهي؛ لقضاء بعض الصحابة ﵃ بفساد الحج ولم يستفصل (يمضيان فيه) أي: يجب على الواطئ والموطوءة المضي في النسك الفاسد، ولا يخرجان منه بالوطء؛ روي عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃ فحكمه كالإحرام الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (ويقضيانه) وجوبًا (ثاني عام) روي عن ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، (٣٦) وغير المكلَّف يقضي (٣٥) مسألة: في الثامن - من محظورات الإحرام - وهو: الجماع والوطء، فلا يجوز للمحرم أن يجامع جماعًا صحيحًا وهو: تغييب حشفته الأصلية في قُبُل أو دُبُر أصلي من آدمي أو غيره، ومن فعله: فإنه يأثم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ و"الرفث" هو: الجماع كما قال ابن عباس، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ويُراد بالنفي - في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ - النهي، وهو مُطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك من محظورات الإحرام؟ قلتُ: لأن ذلك فيه اشتغال عن العبادة التي أحرم لأجلها، وهذا منافٍ للمقصد من مشروعية الإحرام. (٣٦) مسألة: إذا جامع المحرم عامدًا مُختارًا، ذاكرًا لإحرامه، عالمًا بتحريم ذلك قبل التحلل الأول - أي: قبل أن يفعل اثنين من ثلاثة وهي: الرمي والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة -: فإنه يأثم، ويترتب عليه أمور أربعة: أولها: فساد حجِّه هذا، ثانيها: المضي فيه حتى يفرغ منه وإن كان فاسدًا، ثالثها: وجوب قضائه في العام القادم مباشرة، رابعها: وجوب الفدية عليه، وهي ذبح بدنة تكون في القضاء توزَّع على فقراء مكة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام: ثلاثة في =

стр. 1193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، والأربعة هذه تجب عليه سواء جامع قبل الوقوف بعرفة أو بعدها والزوجة مثله في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ حيث أوجب الشارع إتمام الحج والعمرة مطلقًا: سواء كانا صحيحين، أو كانا فاسدين بجماع؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب واستواء الحالتين، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن تلك الأمور الأربعة قد ثبتت عن بعض الصحابة كابن عباس، وأبي هريرة، وعمر وابنه، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃، فإن قلتَ: لمَ وجبت عليه تلك الأمور؟ قلتُ: تغليظًا عليه؛ لكونه قد انتهك بفعله هذا حرمة المكان، والزمان، والهيئة، كما أوجب على من جامع في نهار رمضان عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين مُتتابعين، وإن لم يجد: فإنه يُطعم ستين مسكينًا، فإن قلتَ: تجب تلك الأمور من جامع وهو ناسي أو ساهي، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمرو وبعض الصحابة قد أوجب عليه تلك الأمور بدون أن يستفصل عن حالته لما جامع هل هو عامد أو ناسي؟ فهذا يدل على عموم الحكم للعامد والناسي وغيرهما؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال قلتُ: لا تجب تلك الأمور الأربعة إلا على من ذكرنا صفاته، أما الناسي، أو المخطئ، أو المكره، أو الجاهل فلا تجب عليهم تلك الأمور لو جامعوا وهم محرمون، والزوجة مثله في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه وهذا مخصص لعموم الآية، الثانية: القياس، بيانه: كما أن من جامع في نهار رمضان وهو ناسي، أو مخطئ، أو مكره، أو جاهل لا شيء عليه فكذلك الحال هنا والجامع: وجود العذر في كل، وهذا مخصص لعموم الآية أيضًا، أما عدم استفصال بعض الصحابة: فلا يصلح =

стр. 1194

بعد تكليفه وحجة الإسلام فورًا من حيث أحرم أولًا إن كان قبل ميقات، وإلا: فمنه، (٣٧) وسُنَّ تفرقهما في قضاء من موضع وطء إلى أن يحلَّا، (٣٨) والوطء بعد للاستدلال به؛ لأنه يُحتمل أن ذلك معروف عند الصحابة أن هؤلاء لا يجب عليهم شيء، فلم يستفصل؛ لعلمه بذلك، أو أنه لم يستفصل اجتهادًا منه، ولا اجتهاد مع النص، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في عدم استفصال بعض الصحابة هنا هل يدل على العموم في المقال؛ حيث يعم العامد والناسي أو لا؟ " فعندنا: لا يدل؛ للاحتمال الذي ذكرناه، وعندهم: يدل، وسيأتي زيادة بيان لهذا في باب "الفدية". (٣٧) مسألة: إذا أحرم غير المكلَّف بحج، ثم جامع: فإنه يمضي بهذا الحج الذي أفسده بجماعه هذا ثم بعد تكليفه: يحج فريضته وهي حجة الإسلام، ثم بعدها مباشرة يقضي تلك الحجة التي أفسدها: فيُحرم بهذه الحجة من المكان الذي أحرم به عند حجه تلك الحجة الفاسدة تمامًا: فإن كان قد أحرم بها قبل الميقات: أحرم منه، وإن كان قد أحرم من الميقات أو بعده: فيُحرم من الميقات؛ للتلازم؛ حيث إن حج غير المكلف يعتبر نفلًا، والنفل كالفرض في المضي فيه وقضائه إذا فسد، والقضاء يكون بصفة الأداء: فيلزم ما قلناه من الحكم، ويلزم من كون حجة الإسلام آكد من القضاء: أن تُقدَّم على القضاء؛ لأنها ركن من أركان الإسلام. (٣٨) مسألة: إذا أراد الزوج وزوجته أن يقضيا تلك الحجة التي أفسداها بالجماع من العام القادم: فيُستحب أن يتفرقا في حجة القضاء تلك: بحيث لا يركبان مركوبًا واحدًا، ولا يجلسان في خيمة واحدة، بل يكون الزوج قريبًا منها يراعي أحوالها إلى أن يحلَّان من إحرامهما؛ للمصلحة؛ حيث إنه ظهر منهما من التسرع =

стр. 1195

التحلُّل الأول لا يُفسد النُّسك وعليه شاة ولا فدية على مُكرهة، ونفقة حجِّة قضائها عليه؛ لأنه المفسد لنسكها (٣٩) التاسع: المباشرة دون الفرج، وذكرها بقوله: (وتحرم المباشرة) أي: مباشرة الرجل المرأة (٤٠) (فإن فعل) أي: باشرها (فأنزل: لم إلى إفساد العبادة بالوطء بما يخاف عليهما مثله في القضاء، وهذا فيه احتياط للعبادة، كما قاله الباجي في "المنتقى". (٣٩) مسألة: إذا جامع المحرم عمدًا، وهو مختار، ذاكر، عالم بعد التحلُّل الأول - أي: بعد أن رمى وقصَّر أو حلق -: فإنه يأثم؛ ويجب عليه: أن يخرج إلى أقرب الحل - وهو: التنعيم - ويُحرم من هناك ثم يطوف طواف الإفاضة والسعي، وعليه شاة يذبحها ويُقسِّمها على فقراء مكة، فإن لم يجد فعليه صيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقول الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة قضى بذلك على من جامع بعد التحلل الأول. [فرع]: إذا أحرم بالعمرة، ثم جامع قبل الفراغ من السعي: فإنها تفسد، ويجب عليه أن يمضي في فسادها، ويُكملها، ثم يقضيها مرة أخرى مباشرة؛ ويجب عليه ذبح شاة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام؛ للقياس على الحج تمامًا، [فرع آخر]: إن جامع بعد السعي فلا شيء عليه وإن لم يحلق أو يُقصِّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إتمامها صحيحة: عدم وجوب شيء عليه، تنبيه: قوله: "ولا فدية على مكرهة ونفقة حجة قضائها عليه: لأنه المفسد لنسكها" قلتُ: قد سبق بيان أن الجماع الواقع عن خطأ، أو إكراه، أو نسيان، أو جهل: لا يُفسد الحج، ولا يوجب شيئًا في مسألة (٣٦). (٤٠) مسألة: في التاسع - من محظورات الإحرام - وهو: مباشرة النساء بشهوة دون الفرج، فلا يجوز للمحرم أن يُلامس، أو يُباشر المرأة دون الفرج كتقبيل أو لمس =
следующие страницы →