← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

حضوره أو شهادته فيه (٣٢) (وتصحُّ الرَّجعة) أي: لو راجع المحرم امرأته: صحَّت بلا كراهة؛ لأنه إمساك، (٣٣) وكذا: شراء أمة للوطء (٣٤) الثامن: الوطء، وإليه الإشارة الفارق؛ حيث إن نكاح الحرة يراد عادة للوطء والولد، أما شراء الأمة فيراد به عادة الخدمة والتجارة، فاختلفا. (٣٢) مسألة: يُكره أن يخطب المحرم امرأة لنفسه أو لغيره، أو أن يحضر عقد نكاح بين مُحلّين؛ أو أن يشهد على ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اشتغال عن كمال العبادة التي أحرم لأجلها، وهذا يُنقص من أجره، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك ولم يحرم؟ قلتُ: لأن الاشتغال بالخطبة أو حضورها، أو الشهادة فيها ليس اشتغالًا بالدنيا خالصًا كالنكاح، فإن قلتَ: لمَ كَرِه حضور عقد نكاح بين مُحلِّين أو الشهادة عليه؟ قلتُ: لأن حضوره عقد نكاح بين محرمين، أو بين مُحرم ومُحل، أو الشهادة على ذلك حرام؛ للتلازم؛ حيث إن عقد نكاح المحرم حرام - كما سبق في مسألة (٣١) - فيلزم أن المشاركة فيه حرام؛ حيث إن الراضي كالفاعل في الإثم. (٣٣) مسألة: إذا طلَّق رجل امرأته: فيصح أن يراجعها وهو مُحرم، بلا كراهة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ حيث بيَّن أن الرجعة إمساك للزوجة، وليس ابتداء نكاح جديد، والأمر هنا مُطلق في الأزمان فيشمل الإمساك جميع الأزمان، ومنها زمن الإحرام، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الرَّجعية مباحة قبل الرَّجعة، فاستدام ذلك بالرجعة، بدليل: عدم الحاجة إلى ولي، ولا شهود، ولا إذن، بخلاف المرأة الأجنبية التي يُراد العقد عليها ابتداء. (٣٤) مسألة: يجوز أن يشتري المحرم أمة للوطء والخدمة والتجارة؛ للتلازم؛ حيث إن الأمة تُشترى عادة لمنفعة الوطء وغيره فيلزم جواز شرائها، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.

стр. 1192

بقوله (وإن جامع) المحرم: بأن غيَّب الحشفة في قُبُل أو دُبُر من آدمي أو غيره: حرم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ قال ابن عباس: هو الجماع، (٣٥) وإن كان الوطء (قبل التحلُّل الأول: فسد نسكهما) ولو بعد الوقوف بعرفة، ولا فرق بين العامد والساهي؛ لقضاء بعض الصحابة ﵃ بفساد الحج ولم يستفصل (يمضيان فيه) أي: يجب على الواطئ والموطوءة المضي في النسك الفاسد، ولا يخرجان منه بالوطء؛ روي عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃ فحكمه كالإحرام الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (ويقضيانه) وجوبًا (ثاني عام) روي عن ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، (٣٦) وغير المكلَّف يقضي (٣٥) مسألة: في الثامن - من محظورات الإحرام - وهو: الجماع والوطء، فلا يجوز للمحرم أن يجامع جماعًا صحيحًا وهو: تغييب حشفته الأصلية في قُبُل أو دُبُر أصلي من آدمي أو غيره، ومن فعله: فإنه يأثم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ و"الرفث" هو: الجماع كما قال ابن عباس، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ويُراد بالنفي - في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ - النهي، وهو مُطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك من محظورات الإحرام؟ قلتُ: لأن ذلك فيه اشتغال عن العبادة التي أحرم لأجلها، وهذا منافٍ للمقصد من مشروعية الإحرام. (٣٦) مسألة: إذا جامع المحرم عامدًا مُختارًا، ذاكرًا لإحرامه، عالمًا بتحريم ذلك قبل التحلل الأول - أي: قبل أن يفعل اثنين من ثلاثة وهي: الرمي والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة -: فإنه يأثم، ويترتب عليه أمور أربعة: أولها: فساد حجِّه هذا، ثانيها: المضي فيه حتى يفرغ منه وإن كان فاسدًا، ثالثها: وجوب قضائه في العام القادم مباشرة، رابعها: وجوب الفدية عليه، وهي ذبح بدنة تكون في القضاء توزَّع على فقراء مكة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام: ثلاثة في =

стр. 1193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، والأربعة هذه تجب عليه سواء جامع قبل الوقوف بعرفة أو بعدها والزوجة مثله في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ حيث أوجب الشارع إتمام الحج والعمرة مطلقًا: سواء كانا صحيحين، أو كانا فاسدين بجماع؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب واستواء الحالتين، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن تلك الأمور الأربعة قد ثبتت عن بعض الصحابة كابن عباس، وأبي هريرة، وعمر وابنه، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃، فإن قلتَ: لمَ وجبت عليه تلك الأمور؟ قلتُ: تغليظًا عليه؛ لكونه قد انتهك بفعله هذا حرمة المكان، والزمان، والهيئة، كما أوجب على من جامع في نهار رمضان عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين مُتتابعين، وإن لم يجد: فإنه يُطعم ستين مسكينًا، فإن قلتَ: تجب تلك الأمور من جامع وهو ناسي أو ساهي، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمرو وبعض الصحابة قد أوجب عليه تلك الأمور بدون أن يستفصل عن حالته لما جامع هل هو عامد أو ناسي؟ فهذا يدل على عموم الحكم للعامد والناسي وغيرهما؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال قلتُ: لا تجب تلك الأمور الأربعة إلا على من ذكرنا صفاته، أما الناسي، أو المخطئ، أو المكره، أو الجاهل فلا تجب عليهم تلك الأمور لو جامعوا وهم محرمون، والزوجة مثله في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه وهذا مخصص لعموم الآية، الثانية: القياس، بيانه: كما أن من جامع في نهار رمضان وهو ناسي، أو مخطئ، أو مكره، أو جاهل لا شيء عليه فكذلك الحال هنا والجامع: وجود العذر في كل، وهذا مخصص لعموم الآية أيضًا، أما عدم استفصال بعض الصحابة: فلا يصلح =

стр. 1194

بعد تكليفه وحجة الإسلام فورًا من حيث أحرم أولًا إن كان قبل ميقات، وإلا: فمنه، (٣٧) وسُنَّ تفرقهما في قضاء من موضع وطء إلى أن يحلَّا، (٣٨) والوطء بعد للاستدلال به؛ لأنه يُحتمل أن ذلك معروف عند الصحابة أن هؤلاء لا يجب عليهم شيء، فلم يستفصل؛ لعلمه بذلك، أو أنه لم يستفصل اجتهادًا منه، ولا اجتهاد مع النص، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في عدم استفصال بعض الصحابة هنا هل يدل على العموم في المقال؛ حيث يعم العامد والناسي أو لا؟ " فعندنا: لا يدل؛ للاحتمال الذي ذكرناه، وعندهم: يدل، وسيأتي زيادة بيان لهذا في باب "الفدية". (٣٧) مسألة: إذا أحرم غير المكلَّف بحج، ثم جامع: فإنه يمضي بهذا الحج الذي أفسده بجماعه هذا ثم بعد تكليفه: يحج فريضته وهي حجة الإسلام، ثم بعدها مباشرة يقضي تلك الحجة التي أفسدها: فيُحرم بهذه الحجة من المكان الذي أحرم به عند حجه تلك الحجة الفاسدة تمامًا: فإن كان قد أحرم بها قبل الميقات: أحرم منه، وإن كان قد أحرم من الميقات أو بعده: فيُحرم من الميقات؛ للتلازم؛ حيث إن حج غير المكلف يعتبر نفلًا، والنفل كالفرض في المضي فيه وقضائه إذا فسد، والقضاء يكون بصفة الأداء: فيلزم ما قلناه من الحكم، ويلزم من كون حجة الإسلام آكد من القضاء: أن تُقدَّم على القضاء؛ لأنها ركن من أركان الإسلام. (٣٨) مسألة: إذا أراد الزوج وزوجته أن يقضيا تلك الحجة التي أفسداها بالجماع من العام القادم: فيُستحب أن يتفرقا في حجة القضاء تلك: بحيث لا يركبان مركوبًا واحدًا، ولا يجلسان في خيمة واحدة، بل يكون الزوج قريبًا منها يراعي أحوالها إلى أن يحلَّان من إحرامهما؛ للمصلحة؛ حيث إنه ظهر منهما من التسرع =

стр. 1195

التحلُّل الأول لا يُفسد النُّسك وعليه شاة ولا فدية على مُكرهة، ونفقة حجِّة قضائها عليه؛ لأنه المفسد لنسكها (٣٩) التاسع: المباشرة دون الفرج، وذكرها بقوله: (وتحرم المباشرة) أي: مباشرة الرجل المرأة (٤٠) (فإن فعل) أي: باشرها (فأنزل: لم إلى إفساد العبادة بالوطء بما يخاف عليهما مثله في القضاء، وهذا فيه احتياط للعبادة، كما قاله الباجي في "المنتقى". (٣٩) مسألة: إذا جامع المحرم عمدًا، وهو مختار، ذاكر، عالم بعد التحلُّل الأول - أي: بعد أن رمى وقصَّر أو حلق -: فإنه يأثم؛ ويجب عليه: أن يخرج إلى أقرب الحل - وهو: التنعيم - ويُحرم من هناك ثم يطوف طواف الإفاضة والسعي، وعليه شاة يذبحها ويُقسِّمها على فقراء مكة، فإن لم يجد فعليه صيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقول الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة قضى بذلك على من جامع بعد التحلل الأول. [فرع]: إذا أحرم بالعمرة، ثم جامع قبل الفراغ من السعي: فإنها تفسد، ويجب عليه أن يمضي في فسادها، ويُكملها، ثم يقضيها مرة أخرى مباشرة؛ ويجب عليه ذبح شاة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام؛ للقياس على الحج تمامًا، [فرع آخر]: إن جامع بعد السعي فلا شيء عليه وإن لم يحلق أو يُقصِّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إتمامها صحيحة: عدم وجوب شيء عليه، تنبيه: قوله: "ولا فدية على مكرهة ونفقة حجة قضائها عليه: لأنه المفسد لنسكها" قلتُ: قد سبق بيان أن الجماع الواقع عن خطأ، أو إكراه، أو نسيان، أو جهل: لا يُفسد الحج، ولا يوجب شيئًا في مسألة (٣٦). (٤٠) مسألة: في التاسع - من محظورات الإحرام - وهو: مباشرة النساء بشهوة دون الفرج، فلا يجوز للمحرم أن يُلامس، أو يُباشر المرأة دون الفرج كتقبيل أو لمس =

стр. 1196

يفسد حجُّه) كما لو لم ينزل، ولا يصح قياسها على الوطء؛ لأنه يجب به الحدُّ دونها (٤١) (وعليه بدنه) إن أنزل بمباشرة، أو قُبْلة، أو تكرار نظر، أو لمس بشهوة أو أمنى باستمناء؛ قياسًا على بدنة الوطء، (٤٢) وإن لم يُنزل: فشاة كفدية بدن بشهوة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا الفعل قد يؤدِّي إلى الجماع والوطء المحرم، فحرم؛ حماية للمحرم من أن يُفسد حجه. (٤١) مسألة: إذا باشر محرم امرأته بشهوة دون الفرج فأنزل: فحجُّه صحيح: سواء كان قبل التحلل الأول أو بعده؛ للقياس، بيانه، كما أنه إذا لم يُنزل لا يفسد حجه فكذلك إذا أنزل هنا لا يفسد حجه، والجامع: أن كلًا منهما فيه استمتاع لا يجب بنوعه الحدُّ، فلم يُفسد الحج، فإن قلتَ: بل يفسد حجه؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو وطأ زوجته وهو محرم يفسد حجه فكذلك إذا باشر مثله والجامع: أن كلًا منهما قد فعل ما يوجب الغسل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الوطء بالزنا يوجب الحد، أما المباشرة: فهي توجب التعزير فقط، وكذلك يختلفان في الاستمتاع وكثير من الأحكام، ومع الاختلاف لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قسنا المباشر المنزل على من لم يُنزل؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على الواطئ؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا ما يُسمَّى بـ"قياس الشبه" أو"غلبة الأشباه". (٤٢) مسألة: إذا باشر محرم امرأته بلمس، أو قُبْلة، أو تكرار نظر، أو استمنى بيده فأنزل المني قبل التحلُّل الأول: فحجه صحيح كما سبق وعليه شاة كما قال الشافعي وأبو حنيفة، فإن لم يجد فعليه صيام عشرة أيام لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن من باشر ولم يُنزل فحجه صحيح وعليه شاة، فكذلك من باشر وأنزل مثله، والجامع: أن كلًا منهما وقع دون الفرج، =

стр. 1197

أذى (٤٣) وخطأ في ذلك كعمد، وامرأة مع شهوة كرجل في ذلك (٤٤) (لكن يحرم) بعد أن يخرج (من الحلِّ)؛ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم (لطواف الفرض) وأن فيه استمتاع لا يوجب الحد، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة قد قضى بالصيام لمن لم يجد الشاة فإن قلتَ: إنه إذا باشر فأنزل فعليه بدنة وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو وطأ في الفرج قبل التحلل الأول لوجبت عليه بدنة، فكذلك إذا باشر دون الفرج فأنزل مثله والجامع: أن كلًا منهما قد فعل ما يوجب الغسل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وقد بيَّناه في مسألة (٤١)، وبينا أيضًا فيها سبب الخلاف، وأنه بسبب: "تعارض القياسين". (٤٣) مسألة: إذا باشر محرم امرأته ولم يُنزل منيًا: فحجُّه صحيح، وعليه فدية أذى - وهو: إما ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، كل مسكين ربع صاع من بر أو أرز أو نصف صاع من غيره -؛ للقياس، بيانه: كما أن من حلق رأسه، أو قلَّم أظفاره، أو تطيب، أو لبس المخيط أو غطى رأسه تجب عليه فدية الأذى فكذلك تجب هنا، والجامع: أن كلًا منها فيه اشتغال عن العبادة بتمتع وملذات منافية للمقصد من مشروعية الإحرام. (٤٤) مسألة: إذا باشر رجل امرأته أو باشرت امرأة زوجها وهما محرمان بشهوة، وهما عامدان، ذاكران، عالمان، مختاران: فإن حجَّهما صحيح، وعلى كل واحد منهما شاة إذا أنزلا منيًا، أما إذا لم يُنزلا: فعليهما فدية أذى - كما سبق في مسائل (٤٠ إلى ٤٣) أما إن كانا مخطئين، أو ناسيين، أو جاهلين، أو مكرهين، وفعلا ذلك، أو فعل أحدهما وهما محرمان: فلا شيء عليهما كما سبق في مسألة (٣٦) - حيث سبقت قواعد ذلك، تنبيه: قوله: "وخطأ في ذلك كعمد" قلتُ: قد سبق الجواب عن ذلك في مسألة (٣٦).

стр. 1198

أي: ليطوف طواف الزيارة مُحرمًا، وظاهر كلامه: أن هذا في المباشرة دون الفرج إذا أنزل، وهو غير مُتَّجه، لأنه لم يفسد إحرامه حتى يحتاج لتجديده، فالمباشرة كسائر المحرَّمات غير الوطء، هذا مقتضى كلامه في "الإقناع" كالمنتهى، و"المقنع"، و"التنقيح"، و"الإنصاف"، و"المبدع"، وغيرها، وإنما ذكروا هذا الحكم فيمن وطئ بعد التحلُّل الأول إلا أن يكون على وجه الاحتياط؛ مراعاة للقول بالإفساد (٤٥) (وإحرام المرأة) فيما تقدَّم (كالرَّجل (٤٦) إلا في اللباس) أي: لباس المخيط، فلا يحرم (٤٥) مسألة: إذا باشر محرم امرأته دون الفرج فأنزل قبل التحلل الأول: فحجُّه صحيح، وعليه شاة - كما سبق بيانه في مسألة (٤٢) - ولا يجب عليه أن يخرج إلى أقرب الحل ليحرم من هناك؛ لكونه لم يفسد إحرامه أصلًا وإنما ذلك واجب على من وطئ امرأته وهو محرم بعد التحلل الأول، مع وجوب شاة، والإثم كما سبق في مسألة (٣٩)، تنبيه: الظاهر أن صاحب المتن قال تلك العبارة سهوًا، أو أن بعض النُّسَّاخ قد زادها، أو أنه قد أخَّر موضعها، تنبيه آخر: قوله: "إلا أن يكون على وجه الاحتياط؛ مُراعاة للقول بالإفساد" قلتُ: هذا لا يصح؛ لأن الاحتياط ومراعاة الخلاف ليسا بدليلين مُعتبرين عند الجمهور. (٤٦) مسألة: إحرام المرأة مثل إحرام الرَّجل تمامًا في المحظورات: فيحرم عليها حلق الشعر - كما في مسألة (٢) - وتقليم الأظافر - كما في مسألة (٣) - والطِّيب - كما في مسألة (١٤) - وقتل الصيد - كما في مسألة (١٥) - وعقد النكاح - كما في مسألة (٣١) - والجماع والوطء - كما في مسألة (٣٥) - والمباشرة - كما في مسألة (٤٠) -؛ للقياس على الرَّجل في ذلك كله، أو عموم النصوص الواردة في الرجال فتشمل النساء.

стр. 1199

عليها، ولا تغطية الرأس (٤٧) (وتجتنب البرقع والقفَّازين)؛ لقوله ﷺ : "لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفَّازين" رواه البخاري وغيره، و"القُفَّازان" شيء يُعمل لليدين يُدخلان فيه يسترهما من الحر كما يعمل للبزاة، (٤٨) ويفدي الرجل والمرأة (٤٧) مسألة: يجب على المرأة أن تلبس المخيط من الثياب، وأن تُغطِّي رأسها أثناء إحرامها؛ للمصلحة؛ حيث إن المرأة عورة فلباسها للمخيط وتغطية رأسها أستر لها، وأحفظ لها من أن تنكشف عورتها بخلاف الرَّجل: فإن عورته من السرة إلى الركبة ولباس الإحرام يكفي لذلك، فحرم أن يُغطي رأسه - كما سبق في مسألة (١٠) - وحرم عليه أن يلبس المخيط - كما في مسألة (١١) - وقد بينا المقصد من ذلك. (٤٨) مسألة: يحرم على المرأة المحرمة وغيرها: أن تلبس البرقع بدون حاجة - وهو: أن تغطي وجهها كله إلا فتحة بقدر العينين، فإن كان في ذلك زينة وتجمُّل: فهو "البرقع" وإن لم يُوجد ذلك، ولكن أوجدت ذلك تنظر فيهما طريقها: فهو "النِّقاب" وكذلك يحرم على المحرمة أن تلبس القفَّازين بدون حاجة، وهما تلبسهما المرأة في يدها لتغطي فيهما جميع الكف وبعض المرفق؛ لحمايته من الحر أو البرد كما يلبسه من يحمل الصقور؛ لئلا يؤذيه عند إطلاقه -؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القُفَّازين" فحرمهما الشارع؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم، وإذا حُرم النِّقاب وهو ليس بزينة، فمن باب أولى أن يحرم البرقع الذي هو زينة من باب مفهوم الموافقة الأولى، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمرأة من أن يطمع فيها أصحاب القلوب المريضة، أو هي تنظر إليهم بقلب مريض فتطمع فيهم، والبرقع والقفازان فيهما نوع ترفُّه وتزين يُنافي المقصد من مشروعية الإحرام.

стр. 1200

بلبسهما (٤٩) (و) تجتنب (تغطية وجهها) أيضًا؛ لقوله ﷺ : "إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها" فتضع الثوب فوق رأسها، وتسدله على وجهها؛ لمرور الرجال قريبًا منها (٥٠) (ويُباح لها التحلِّي) بالخلخال، والسوار، والدملج (٤٩) مسألة: إذا لبس الرجل والمرأة القُفَّازين، أو لبست المرأة النقاب أو البرقع بدون حاجة: فتجب عليهم فدية الأذى - وهي: إما ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين: ربع صاع لكل مسكين من بر أو أرز، ونصف صاع من غيره -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن فدية الأذى تجب على من حلق رأسه، أو قلَّم أظافره، فكذلك ما نحن فيه مثله والجامع: أن كلًا منهما قد زاول التنعُّم والتزين، وهذا مناف للمقصد من مشروعية الإحرام. (٥٠) مسألة: يجب على المرأة المحرمة أن تغطِّي وجهها إن غلب على ظنها وجود رجال بقربها، أما إن لم يغلب على الظن ذلك: فيُستحب لها كشف وجهها؛ للسنة التقريرية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "كان الركبان يمرُّون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذوا بنا: سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا: كشفناه" ولا شك أنه لا يخفى شيء من ذلك على النبي ﷺ ، فإذا لم يُنكره فهو مُقرٌّ به؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا يلزم منه: أنه غلب على ظن عائشة ﵂ ومن معها من النسوة: أن الرجال إذا جاوزوهن لا ينظرون إليهن، فيكون كشفهن حينئذٍ مستحب؛ نظرًا لفعلهن الذي لم يُنكره النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للفتنة، وفيه تيسير على النساء بترك تغطية الوجه عند عدم وجود رجال، تنبيه: ما روي عنه ﷺ أنه قال: "إحرام الرجل في رأسه .. " لا أصل له فيبطل الاحتجاج به كما قال ابن تيمية وابن القيم.

стр. 1201

ونحوها (٥١)، ويُسنُّ لها خضاب عند إحرام (٥٢)، وكُرِه بعده (٥٣)، وكُرِه لهما اكتحال بإثمد؛ لزينة (٥٤)، ولها لبس معصفر وكُحلي، وقطع رائحة كريهة بغير طيب (٥٥) (٥١) مسألة: يُباح للمرأة المحرمة أن تتحلَّى بالذهب والفضة، وأن تلبس الخلخال، والأسورة، والدملج - وهو شيء يُلبس على العضد -، لتقرير الصحابي، حيث إن نساء ابن عمر كن يلبسن الحلي والمعصفر وهن محرمات، ولم يُنكر عليهن ابن عمر ذلك أنه لا يخفى عليه مثل ذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين وتوسعة على نسائهم. (٥٢) مسألة: يُستحب للمرأة أن تخضب رأسها ويديها ورجليها بالحناء عند إحرامها؛ للقياس، بيانه: كما يُستحب أن يتطيب المسلم عند إحرامه فكذلك الخضاب مثل ذلك، والجامع: أن كلًا منهما فيه إزالة للرائحة الكريهة. (٥٣) مسألة: يُكره للمرأة المحرمة أن تخضب رأسها ويديها ورجليها بالحناء بعد إحرامهما؛ للمصلحة؛ حيث إن فعلها ذلك يؤدِّي إلى التقليل من أجر عبادتها؛ لما فيه من التزيُّن والتجمُّل المخالف للمقصد من مشروعية الإحرام. (٥٤) مسألة: يُكره للرجل والمرأة المحرمين أن يكتحلا؛ لقصد التزيُّن، أما إذا اكتحلا ليُزيلا وجعًا في عيونهما: فلا يُكره؛ للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (٥٣). (٥٥) مسألة: يُباح للرجل والمرأة المحرمين أن يفعلا أيَّ شيء يتسبَّب في قطع أيِّ رائحة كريهة من اغتسال ونحوه - غير الطيب -، ويُباح للمرأة أن تلبس أي لباس ساتر - غير مصبوغ بورس وزعفران كما سبق في مسألة (١٤) -؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل أن يُزيل أيَّ رائحة كريهة، وأن تلبس المرأة أيَّ ثوب ساتر إلا ما ورد الشرع بتحريم التطيب به، أو لبسه، أما ما بقي فيُستصحب ويُعمل به؛ تيسيرًا على المسلمين وتوسعة عليهم.

стр. 1202

وأتِّجار، وعمل صنعة ما لم يُشغلا عن واجب أو مُستحب (٥٦)، وله لبس خاتم (٥٧)، ويجتنبان الرَّفث، والفسوق، والجدال (٥٨)، ويُسنُّ قلَّة الكلام إلا فيما ينفع (٥٩). (٥٦) مسألة: يُباح للمحرم أن يُتاجر في الحج ويعمل أيَّ شيء يستطيع صنعه إذا لم يُشغله عن ركن أو واجب في الحج، أو مستحب من مستحباته؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والفضل هو: التجارة بالمال، والصناعة وإن كان محرمًا؛ إذ لا مانع من ذلك؛ حيث إن سبب نزولها يدل على ذلك كما قال ابن عباس، و"نفي الجناح" من صيغ الإباحة فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. (٥٧) مسألة: يُباح للرجل المحرم اتخاذ الخاتم من الفضة؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس ﵃: "لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم"، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. (٥٨) مسألة: يجب على المحرم أن يترك الرفث، - وهو الجماع، ومقدماته -، وأن يترك الفسوق - وهو كل شيء فيه معصية: قولية كانت أو فعلية، صغيرة أو كبيرة - وأن يترك الجدال - وهو كل مماراة ومجادلة ومنازعة تؤدي إلى سب أو شتم ومقاطعة -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والنفي هنا: نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك فيه انشغال عن العبادة. (٥٩) مسألة: يُستحب للمحرم وغيره أن يُقلَّل الكلام فيما لا ينفع في الآخرة؛ للمصلحة؛ حيث إن ترك الكلام فيما لا يعنيه يحفظ له دينه، وعلمه، وصحته، ووقته، فيجتمع له خيرا الدنيا والآخرة، وهذه هي سيرة السلف الصالح. هذه آخر مسائل باب "محظورات الإحرام" ويليه باب "الفدية"

стр. 1203

باب الفدية أي: أقسامها، وقدر ما يجب والمستحق لأخذها (١) (يُخيَّر بفدية) أي: في فدية (حلق) فوق شعرتين (وتقليم) فوق ظفرين (وتغطية رأس، وطيب، ولبس مخيط بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدَّ بُرٍّ أو نصف صاع من تمر أو شعير أو ذبح شاة)؛ لقوله ﷺ لكعب بن عجرة: "لعلك آذاك هوام رأسك" قال: نعم يا رسول الله فقال: "احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك شاة" متفق عليه، و"أو" للتخيير، وألحق الباقي بالحلق (٢) (و) باب الفدية وفيه تسع عشرة مسألة: (١) مسألة: الفدية لغة: الإنقاذ، يُقال: "فديته" إذا أنقذته، أو استنقذته من هلكة، وهي في الاصطلاح: دفع مال أو صيام، أو نسك مقابل ما فعله من محظورات الإحرام التسعة السابقة في باب: "محظورات الإحرام" - وهي: حلق الشعر، وتقليم الأظافر، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، والطيب، وقتل الصيد، وعقد النكاح، والوطء، والمباشرة دون الفرج - فإن قلتَ: لمَ سُمِّي ذلك فدية، ولم يُسمَّ كفارة؟ قلتُ: لأنه يفدي نفسه بما يدفعه أو يفعله في مقابل ما عمله من محظور الإحرام كأنه يُنقذ تلك النفس من هلكة وقع فيها لما وقع في محظور، ولم يُسمَّ كفارة؛ لعظم شأن الإحرام وتأكد حرمته؛ لكونه يفعل حول بيت الله؛ بخلاف الكفارة. (٢) مسألة: إذا فعل المحرم واحدًا من: حلق الرأس أو تقليم الأظافر، أو الطيب، أو تغطية الرأس، أو لبس المخيط: فتجب الفدية عليه، وهي: إما ذبح شاة أو معز، بما يُجزئ في الأضحية، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يُطعم ستة مساكين يُعطي =

стр. 1204

يُخيَّر (بجزاء صيد بين) ذبح (مثل إن كان) له مثل من النِّعم (أو تقويمه) أي: المثل بمحل التَّلف أو قربه (بدراهم يشتري بها طعامًا) يُجزئ في فطرة، أو يُخرج بعدله من طعامه (فيُطعم كل مسكين (مُدًّا) إن كان الطعام بُرًّا، وإلا فمُدَّين (أو يصوم عن كل مُدٍّ) من البر (يومًا)؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية، وإن بقي دون مد: صام يومًا (و) يُخيَّر (بما لا مثل له) بعد أن يقوِّمه بدراهم؛ لتعذُّر المثل، ويشتري بها طعامًا كما مرَّ (بين إطعام) كما مرَّ (وصيام) على ما تقدَّم (٣) كل مسكين ربع صاع من بر أو أرز، أو نصف صاع من غيرهما: من شعير، أو تمر، أو أقط، أو زبيب؛ لقواعد؛ وهي الكتاب، والسنة القولية؛ - وهي: حديث كعب بن عجرة -، والقياس، وقد سبق بيانها والتفصيل فيها في مسألتي (٢، ١٤) من باب "محظورات الإحرام"؛ وكذا: سبق بيان المقصد الشرعي من ذلك في مسألة (٢)، وكذا: سبق بيان أنه ليس المراد بحلق الشعر أو تقليم الأظفار هو: حلق ثلاث شعرات فأكثر أو تقليم ثلاثة أظفار فأكثر وذلك في مسألة (٨) من باب "محظورات الإحرام". (٣) مسألة: إذا قتل المحرم صيدًا أو اصطاده: فعليه جزاؤه، وهو أنه يُخيَّر بين أمور ثلاثة: أولها: إما أن يذبح مثل ما صاد وقتل من بهيمة الأنعام، فلو قتل حمارًا وحشيًا: فعليه بقرة، ولو قتل غزالًا فعليه شاة، وهكذا - كما سيأتي بيانه - يذبح ذلك ويُوزِّعه على فقراء مكة في أي وقت شاء، وهو دم جبران - لا يأكل منه - ثانيها: أو يُقوِّم المثل كالشاة مثلًا بدراهم فيشتري بها طعامًا يصلح أن يُزكَّى به زكاة الفطر - وهو: البر، والأرز، والتمر، والأقط، والشعير، والزبيب - فيُعطي كل مسكين ربع صاع من البر أو الأرز - وهو: المد - أو يُعطيه نصف صاع من غيرهما - وهو المدَّان -، ثالثها: أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا، فتكون عدد الأيام بعدد الأمداد، فالصائد هنا يُخيَّر بين تلك الأمور الثلاثة إن وجد =

стр. 1205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مثلًا لما صاده، أما إن لم يجد مثلًا كأن يصيد جرادًا: فإنه يسقط المثل، ويُخيَّر بين أمرين: أولهما: إما أن يقوَّم ما صاده وقتله ويشتري بقيمته طعامًا، ويُعطي كل مسكين مُدًا - كما سبق بيانه -، ثانيهما: أو يصوم عن كل مد يومًا، وإذا بقي أقل من مُدٍّ من الطعام: فإنه يصوم عنه يومًا كاملًا ولا يجب التتابع؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ فأوجب الشارع جزاء الصيد على المحرم على النحو الذي ذكرناه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت جزاء الصيد على ذلك التفصيل الذي قلناه عن بعض الصحابة، ومنهم ابن عباس، فإن قلتَ: لمَ يُقوَّم المثل، ولا يُقوَّم الصيد نفسه إن وجد مثلًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصيد يشق تقويمه؛ لكونه قليل التداول، فإن قلتَ: لمَ يُقوَّم بدراهم، ثم يُشترى بها طعامًا يُوزَّع على فقراء مكة؟ قلتُ: لأن الله تعالى قد سمَّى ذلك كفارة، ولا يكون كفارة ما لم يجب إخراجه وجعله طعامًا للمساكين، ومالا يجوز صرفه إليهم لا يكون طعامًا لهم، فإن قلتَ: لمَ يُتصدَّق بلحمه ولا يُتصدَّق به وهو حي؟ قلتُ: لأن الله سمَّاه هديًا والهدي يجب ذبحه، ثم إنه يشق على الفقراء ذبحه فإن قلتَ: لمَ يُقوَّم المثل في البلد الذي قتل فيه الصيد أو قريبًا منه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُحقِّق العدالة، فلا يظلم الصائد، ولا الفقراء، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذبح المثل في أي وقت سواء كان وقت أيام النحر أو لا؟ قلتُ: لأن الأمر بإخراج الجزاء الوارد في الآية مطلق في الأزمان؛ فلم يُقيَّد بوقت مُعيَّن، وهذا فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ لا تجوز الصدقة بثمن المثل؟ قلتُ: لأن الشارع في الآية قد خيَّرنا بين ثلاثة أمور ليس بينها "التصدُّق بثمن المثل" فيدل مفهوم العدد =

стр. 1206

(وأما دم متعة وقران: فيجب الهدي) بشرطه السابق؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ والقارن بالقياس على المتمتع (فإن عدمه) أي: عدم الهدي، أو عدم ثمنه، ولو وجد من يقرضه (فصيام ثلاثة أيام) في الحج (والأفضل: كون آخرها يوم عرفة) وإن أخَّرها عن أيام منى: صامها بعد، وعليه دم مُطلقًا (و) صيام (سبعة) أيام (إذا رجع إلى أهله) قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وله صومها بعد أيام منى وفراغه من أفعال الحج، ولا يجب تتابع ولا تفريق في الثلاثة، ولا السبعة (٤) (والمحصر) يذبح منها على عدم مشروعيته، فإن قلتَ: لمَ كان المدُّ من البر يُعادل المدَّين من غيره؟ قلتُ: لأن البر، وما ماثله كالأرز أنفع للفقراء، وأصلح للادِّخار، وقد سبق، فإن قلتَ: لمَ يصوم عن كل مُدٍّ يومًا؟ قلتُ: لكونها كفَّارة دخلها الصيام والإطعام، فكان اليوم في مقابلة المدِّ مثل: كفارة الظهار، والجماع في نهار رمضان، وقتل الخطأ، فإن قلتَ: لمَ يصوم يومًا كاملًا عما نقص عن المد؟ قلتُ: لأن الصوم لا يتبعَّض، فلا يجوز صوم نصف يوم، فإن قلتَ: لمَ لا يجب التتابع في الصوم؟ قلتُ: لأن الأمر الوارد في الآية مُطلق، فلم يشترط التتابع، وهذا من تيسير الشارع. (٤) مسألة: إذا أحرم بالحج مُتمتعًا أو قارنًا فيجب عليه الهدي - وهو: ذبح شاة تُجزئ أضحية - وهو دم شكران: يأكل منه - فإن لم يجد: فيجب عليه أن يصوم عشرة أيام: يصوم ثلاثة منها في مكة، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يستطع: فإنه يصومها كلها عند أهله، وهذا مطلق، أي: سواء وجد من يُقرضه لشراء هديًا أو لم يجد، وسواء كانت تلك الأيام في أيام منى، أو بعدها، وسواء كانت متتابعة أو لا، وسواء قبل يوم عرفة أو بعده، ولكن الأفضل أن يكون آخر الأيام الثلاثة هو يوم عرفة؛ للكتاب؛ حيث؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى =

стр. 1207

هديًا بنية التحلُّل؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ و (إذا لم يجد هديًا: صام عشرة) أيام بنية التحلُّل (ثم حلَّ)؛ قياسًا على المتمتع (٥) (ويجب بوطء الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ حيث أوجب الهدي فيمن حج مُتمتعًا؛ لأن التقدير: "فعليه هدي" و"على" من صيغ الإيجاب، وهذا مطلق، فيشمل ما ذكرنا من الصور دون تقييد، والقارن مثل المتمتع هنا بل أولى منه في وجوب الهدي؛ لأن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد وسعي واحد فهو أولى بإيجاب الهدي؛ لقلة المشقة؛ بخلاف المتمتع، فيكون من باب مفهوم الموافقة الأولى، فإن لم يجد القارن الهدي: فإنه يصوم كالمتمتع، فإن قلتَ: لمَ وجب الهدي عليهما دون المفرد؟ قلتُ: شكرًا لله تعالى على أنه يسَّر له وجمع حجة وعمرة في سفرة واحدة، وأنه جعل المتمتع يفعل ما يشاء بين العمرة والحج، وأنه جعل عمل القارن أقل من عمل المتمتع، فإن قلتَ: لمَ أوجب صيام الثلاثة في الحج؟ قلتُ: لعدم مشقة صيامها في الحج غالبًا كفدية الأذى، وكفارة اليمين: فإن قلتَ: لمَ كان الأفضل جعل آخر صيام الثلاثة يوم عرفة؟ قلتُ: لأجل أن تكون قبل أيام النحر التي هي أيام أكل وشرب وذكر لله. (٥) مسألة: المحصَر - وهو: من أحرم بالحج أو العمرة من الميقات، ثم مُنع من دخول مكة -: فإنه يذبح هديًا في موضع الإحصار - وهو: بدنة أو شاة كما سيأتي بيانه في باب "الفوات والإحصار" - ويفعل ذلك بنية التحلُّل من الإحرام، فإن لم يجد هديًا: فإنه يصوم عشرة أيام: ثلاثة في موضع الإحصار، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ حيث أوجب الشارع الهدي على المحصر؛ لأن التقدير: "إن أحرمت ثم مُنعت من دخول مكة فعليك هدي" و"على" =

стр. 1208

في فرج في الحج) قبل التحلل الأول (بدنة) وبعده شاة، فإن لم يجد البدنة: صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع؛ لقضاء الصحابة (و) يجب بوطء (في العمرة شاة) وتقدَّم حكم المباشرة (وإن طاوعته زوجته: لزمها) أي ما ذكر من الفدية في الحج والعمرة، وفي نسخة "لزماها" أي: البدنة في الحج، والشاة في العمرة، والمكرهة لا فدية عليها، وتقدم حكم من صيغ الوجوب الثانية: القياس، بيانه: كما أن المتمتع إذا لم يجد هديًا: فإنه يصوم عشرة أيام، فكذلك المحصر إذا لم يجد ذلك مثله، والجامع: أن كلًا منهما لم يجد الواجب عليه، وأن كلًا منهما قد ترفَّه بالتحلُّل، فإن قلتَ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المتمتع حصل له مقصوده من الحج والعمرة، أما المحصر فلم يحصل له مقصوده منهما؛ حيث إنه مُنع من دخول مكة ومع هذا الفرق لا يجوز القياس، فلا يجب الصوم عشرة أيام على المحصَر إذا لم يجد الهدي وهو قول كثير من العلماء، وصحَّحه ابن عثيمين قلتُ: بل هو قياس صحيح إذا نظرنا إلى العلَّة الجامعة بينهما وهو: أنه في كل منهما قد ترفَّه بالتحلل والتخلُّص من الإحرام؛ منعًا من المشقَّة عليه بالاستمرار بالإحرام، وهذا مقصد بحد ذاته؛ إذا لو لم يكن ذلك مقصودًا لما وجب عليه هدي أصلًا، ولعُذِر بالحصر نفسه وتحلَّل؛ لأنه ليس من فعله، ولكن لما وجب عليه هدي ولم يجده: وجب عليه بديله وهو: الصوم، فإن قلتَ: لمَ ينوي المحصَر التحلُّل إذا أراد الهدي أو الصوم بخلاف من أكمل نسكه فلا ينوي التحلُّل؟ قلتُ: لأن من أكمل نسكه لا يحتاج إلى نية، أما المحصر: فإنه يُريد التحلُّل من إحرامه قبل إكمال نسكه فاحتاج إلى نية لذلك؛ لأنه كما لا يصح الدخول بالعبادة إلا بنية؛ فكذلك لا يصح الخروج منها قبل كمالها إلا بنية.

стр. 1209

المباشرة دون الفرج (٦)، ولا شيء على من فكَّر فأنزل (٧)، والدم الواجب لفوات، أو ترك واجب كمتعة (٨) فصل: (ومن كرَّر محظورًا من (٦) مسألة: إذا جامع المحرم قبل التحلل الأول: فعليه بدنة، أما إذا جامع بعد التحلل الأول: فعليه شاة، فإن لم يجد: فعليه صيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وإذا جامع في عمرة قبل الطواف والسعي، أو بينهما: فتجب عليه شاة، فإن لم يجد: فإنه يصوم عشرة أيام - كما سبق، وعلى المرأة مثل ما على الرجل إن كانت مطاوعة بخلاف ما إذا كانت مكرهة فلا شيء عليها، ولا يفسد حجها ولا عمرتها، والمباشر دون الفرج: حجه صحيح، وعليه شاة إن أنزل أو لا، وكل ذلك قد سبق في مسائل (٣٥ إلى ٤٦) وفروعها من باب "محظورات الإحرام" ولا داعي لتكراره. (٧) مسألة: إذا فكَّر المحرم فأنزل منيًا: فلا شيء عليه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك لا يسلم منه كثير من الناس، فلو وجب على المفكِّر في ذلك شيء: للحق كثيرًا من الناس مشقة، فدفعًا لذلك: شرع هذا. (٨) مسألة: إذا أحرم بالحج، وفاته الوقوف بعرفة لأي سبب: فله أن يُحلَّ من إحرامه، وعليه ذبح شاة، فإن لم يجد: فعليه صيام عشرة أيام: ثلاثة في موضع تحلُّله، وسبعة إذا رجع إلى أهله، وكذلك: من ترك واجبًا من واجبات الحج كمن يترك رمي الجمرة، أو البيات في مزدلفة من غير عذر: فعليه ذبح شاة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام؛ للقياس، بيانه: كما أن المتمتع يجب عليه ذبح شاة، فإن لم يجد فعليه صيام عشرة أيام، فكذلك من فاته الحج، أو من ترك واجبًا مثله، والجامع: أن كلًا من المتمتع ومن فاته الحج قد ترفَّه بإحلاله من الإحرام، وكلًا من المتمتع وتارك الواجب قد ترفَّه بالراحة، وهذا هو المقصد منه.

стр. 1210

جنس) واحد: بأن حَلَق، أو قلَّم، أو لبس مخيطًا، أو تطيَّب، أو وطئ، ثم أعاده (ولم يفد)؛ لما سبق: (فدى مرة) سواء فعله مُتتابعًا، أو مُتفرقًا؛ لأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة، ولم يُفرِّق بين ما وقع في دُفعة أو دُفعات، وإن كفَّر عن السابق: ثم أعاده لزمته الفدية ثانيًا (٩) (بخلاف صيد) ففيه بعدده ولو في دُفعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١٠) (ومن فعل محظورًا من أجناس) (٩) مسألة: إذا كرَّر المحرم فعل محظور من جنس واحد كأن لبس مخيطًا، ثم نزعه، ثم لبسه مرة أخرى دون أن يفدي للمرة الأولى: فعليه فدية واحدة فقط، أما إن لبس المخيط ثم فدى، ثم لبسه مرة أخرى: فعليه فدية أخرى أيضًا: سواء كان ذلك اللُّبس مُتفرقًا، أو مُتتابعًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد قال لكعب بن عجرة: "احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك شاة" - كما سبق - وهذا مُطلق، فلم يُفرق فيه بين ما وقع من الحلق مُتتابعًا أو متفرقًا، حيث إنه تكفي في ذلك فدية واحدة وغيره من المحظورات كالحلق، من باب مفهوم الموافقة، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه إذا تعددت الأحداث التي من جنس واحد في نقض الوضوء يكفي فيها وضوء واحد كأن يبول، ثم يبول مرة أخرى: فيكفي في ذلك وضوء واحد، أما إن بال، ثم توضأ، ثم بال فإنه يتوضأ مرة أخرى، فكذلك ما نحن فيه مثله، والجامع: أن لكل شيء سببه، ووجود التداخل بين ما يكون من جنس واحد، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الفدية الواحدة عن محظورات كثيرة فيه تيسير على العباد. (١٠) مسألة: إذا قتل المحرم صيدين مثلًا: فعليه جزاءان: سواء قتلهما في وقت واحد، أو في وقتين، أو في رمية واحدة، أو في عدة مرات، وسواء وقع متفرقًا أو مُتتابعًا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ =

стр. 1211

بأن حلق، وقلَّم أظفاره، ولبس المخيط: (فدى لكل مرة) أي: لكل جنس فديته الواجبة فيه: سواء (رفض إحرامه أو لا)؛ إذ التحلُّل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء: "كمال أفعاله" أو "التحلل عند الحصر" أو "بالعذر إذ اشرطه في ابتدائه" وما عدا هذه لا يتحلَّل به، ولو نوى التحلُّل: لم يُحل ولا يفسد إحرامه برفضه، بل هو باقٍ يلزمه أحكامه، وليس عليه لرفض الإحرام شيء؛ لأنه مُجرَّد نية (١١) (ويسقط بنسيان) أو جهل، أو إكراه (فدية لبس، وطيب، وتغطية رأس)؛ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ولفظ "مثل" يلزم منه: أنه كلما قتل صيدًا: لزمه مثله، ومثل الصَّيدين لا يكون مثل أحدهما، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المسلم لو قتل مسلمين في رمية واحدة خطأ: فتلزمه ديتان، فكذلك ما نحن فيه مثله، والجامع: أن كلًا منهما له حق خاص به الذي لا يكفي عنه غيره، وهو المقصد منه. (١١) مسألة: إذا فعل المحرم محظورات من أجناس مختلفة كأن يحلق، ويلبس المخيط، ويتطيَّب: فعليه عن كل واحد فدية، فتجب ثلاث فِدَى في هذا المثال: سواء وقع ذلك دفعة واحدة أو لا، وسواء كان ذلك في وقت واحد أو لا، وسوى نوى فاعل ذلك رفض إحرامه والخروج منه وتركه أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن لكل حدٍّ من الحدود المختلفة عقوبته الخاصة به وإن تعدَّد وقوعها في وقت واحد كمن يقذف ويشرب الخمر، فكل واحد حده، فكذلك المحظورات المختلفة إذا فعلها المحرم لكل محظور فديته الخاصة به، والجامع: عدم التداخل في ذلك، الثانية: الاستقراء؛ حيث ثبت بعد الاستقراء والتتبع: أن التحلُّل من الإحرام يكون بفعل أحد أمور ثلاثة فقط: أولها: استكمال أفعال الحج والعمرة، ثانيها: التحلُّل عند الحصر والفوات كما سبق في مسألتي (٥، ٨) ثالثها: وجود العذر إذا شرطه الخائف قائلًا عند إحرامه: =

стр. 1212

لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ومتى زال عذره: أزاله في الحال (دون) فدية (وطء وصيد، وتقليم وحلق) فتجب مُطلقًا؛ لأن ذلك إتلاف، فاستوى عمده وسهوه كمال الآدمي (١٢)، وإن استدام لُبس محيط: أحرم فيه "وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" كما سبق في مسألة (١٤) من باب "الإحرام وكيفيته" وبناء على ذلك: لا يكون تطيبه، أو لبسه للمخيط، أو حلقه سببًا لتركه ورفضه لإحرامه في الحج أو العمرة وإن نواه، بل هو باق على إحرامه شرعًا إذا لم يُوجد واحد من تلك الأمور الثلاثة، وإن كان لابسًا للمخيط، أو مُتطيبًا، أو تاركًا للمشاعر، ويحسب عليه كل ما يفعله من محظورات الإحرام، لذلك إذا نوى رفض إحرامه وتركه فلا توجب تلك النية عليه شيئًا من دم أو فدية أو كفارة؛ لكونه مستمرًا على إحرامه شرعًا كما سبق بيانه. (١٢) مسألة: المحرم إذا فعل محظورًا من محظورات الإحرام التسعة السابقة في باب: "محظورات الإحرام" - وهي حلق الشعر، وتقليم الأظفار، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، والطيب، وقتل الصيد، وعقد النكاح، والجماع، والمباشرة - وهو مُتعمِّد ذاكر لإحرامه، عالم بالحكم، مختار: فإن عليه فديته، وجزاؤه، وبدنته أو شاته، وإن كان مخطئًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا: فلا شيء عليه، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول داود، وطاووس، وهو لبعض الصحابة كابن عباس ولبعض التابعين كسعيد بن جبير؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فأوجب جزاء الصيد على المتعمِّد فقط، وهذا يدل بمفهوم الصفة على أن غير المتعمِّد: لا يجب عليه شيء، ويعم هذا المفهوم: المكره، والمخطئ، والناسي، والجاهل، وغير القاتل للصيد - كمن حلق رأسه، أو لبس مخيطًا، أو غطى =

стр. 1213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رأسه، أو تطيب، أو جامع، أو عقد نكاحًا، أو باشر، أو قلَّم أظفارًا - مثل القاتل للصيد في العمد وغيره؛ لعدم الفارق المؤثر، فيكون من باب مفهوم الموافقة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "عُفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا عام لجميع أفعال المسلم، فيشمل ذلك جميع ما ذكرناه هنا، فيكون ما وقع عن طريق الخطأ والنسيان معفوًا عنه ومثله ما وقع إكراهًا، أو جهلًا؛ لعدم الفارق المؤثر، فيكون من باب مفهوم الموافقة، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الناسي، والجاهل، والمكره إذا أكل في نهار رمضان فصومه صحيح، فكذلك من فعل هذه المحظورات وهو بتلك الحالة مثله لا شيء عليه، والجامع: أن كلًا منهم قد انتهك حرمة عبادة بعذر، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الأمور بمقاصدها فهو لم يقصد انتهاك حرمة الإحرام، فإن قلتَ: إن جامع المحرم، أو باشر، أو صاد صيدًا، أو قتله، أو قلَّم أظفاره، أو حلق شعره: فتجب عليه الفدية: سواء كان عامدًا أو لا، أما إذا غطى رأسه، أو لبس مخيطًا، أو تطيَّب: فإن الفدية تجب عليه إن كان عامدًا، ذاكرًا، مختارًا، عالمًا، وإن كان غير ذلك: فلا شيء عليه، هذا ما ذكره المصنف هنا لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" حيث إن هذا خاص بتغطية الرأس، ولبس المخيط، والطيب، دون بقية المحظورات، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المسلم إذا أتلف مال غيره: فعليه ضمانه: سواء كان عامدًا، أو مخطئًا أو غير ذلك، فكذلك الحال في الفدية في الجماع، والمباشرة، والصيد، وتقليم الأظفار، والحلق، والجامع: الإتلاف في كل قلتُ: أما الحديث: فلم أجد دليلًا مُخصِّصًا له في تغطية الرأس، ولبس المخيط، والتطيب؛ لكون عمومه قويًا، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الإتلاف الذي يستوي فيه العمد وغيره والعذر =

стр. 1214

ولو لحظة فوق المعتاد من خلعه: فدى (١٣)، ولا يشقُه (١٤) (وكل هدي أو إطعام) يتعلَّق بحرم أو إحرام كجزاء صيد، ودم مُتعة، وقِران، ومنذور، وما وجب لترك وغير العذر هو: ما كان من حقوق الآدميين فقط؛ لكونه من باب الحكم الوضعي؛ حيث إنه إذا وجد السبب وجد الحكم: فهنا وجد الإتلاف: فلا بد من وجود الحكم وهو: ضمان المتلف، أما ما كان في حق الله تعالى: فلا يجب ضمانه؛ نظرًا لإسقاط الله تعالى له؛ تلطُّفًا وتكرمًا وتيسيرًا منه على عباده، ولكونه ليس بحاجة إلى شيء، بخلاف الآدمي، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الحديث هل هو عام أو خاص؟ " و"هل الله تعالى كالآدمي فيما يُتلف؟ " و"تعارض القياسين". (١٣) مسألة: إذا نوى الإحرام وعليه مخيط، ولم يخلعه ليلبس لباس الإحرام، بل استمر على لبس ذلك المخيط وقتًا فوق وقت المعتاد لخلعه، ولو كان لحظة أو ساعة، وهو ذاكر عالم متعمِّد مختار: فتجب عليه فدية - وهي: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين - على ما سبق - أو صيام؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا لبس المخيط أثناء إحرامه: فعليه فدية، فكذلك إذا استمر على لبسه له مثله، والجامع: أن كلًا منهما يوصف بلبس المخيط. (١٤) مسألة: إذا أراد خلع لباسه المخيط: فإنه يخلعه خلعًا عاديًا من عند فتحة رأسه ولو غطَّاه بسبب ذلك، ولا يشقُّه ولا فدية عليه؛ للسنة القولية؛ حيث "أمر ﷺ يعلى بن أُمية بنزع المخيط" وهذا يلزم منه: أن يُنزع نزعًا عاديًا، بدون شقٍّ، فإن قلتَ: لمَ لا تجب فدية على ذلك مع أنه غطَّى رأسه أثناء نزعه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تغطية الرأس هنا غير مقصوده، ولأن شق الثوب المخيط فيه إضاعة للمال، وهو لا يجوز.

стр. 1215

واجب، أو فعل محظور في الحرم (فـ) إنه يلزمه ذبحه في الحرم، قال أحمد: "مكة ومنى واحد"، والأفضل: نحر ما بحج بمنى، وما بعمرة بالمروة، ويلزمه تفرقة لحمه، أو إطلاقه (لمساكين الحرم)؛ لأن القصد: التوسعة عليهم، وهم: المقيم به، والمجتاز: من حاج وغيره ممن له أخذ الزكاة لحاجة (١٥)، وإن سلَّمه لهم حيًا فذبحوه: أجزأ، (١٥) مسألة: إذا وجب هدي تمتع أو قران، أو جزاء صيد، أو نذر في الحرم، أو شاة، أو إطعام يفدي به ما فعله من محظورات الإحرام، في الحرم أو أثناء الإحرام: فإنه يتصدَّق بذلك كله على فقراء مكة: سواء كانوا داخلها، أو خارجها في المشاعر كمنى ومزدلفة، وسواء كانوا من أهل مكة المقيمين فيها دائمًا، أو كانوا من الحجاج الذين أتوا إليها، أو كانوا مارِّين بها بشرط: أن يكونوا مُستحقِّين للزكاة: لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فأوجب الشارع أن محل الذبح مكة، وقال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فأوجب الشارع أن يكون جزاء الصيد في مكة وبقية الفدى مثل ذلك؛ لعدم الفارق، وهو من باب مفهوم الموافقة، وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .. ﴾ حيث خصَّصت الآية الصدقات من اللحوم والأطعمة للذين يستحقون الزكاة من أهل مكة، الثانية: قول الصحابي: حيث قال ابن عباس: "الهدي والإطعام بمكة، والصوم حيث شاء" فإن قلتَ: لمَ كان ذلك لمساكين مكة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على عمارة بيت الله والمسجد الحرام بالطاعة؛ إذ ذلك سيكفل للمجاورين لعبادة الله بعض رزقهم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾. [فرع]: يُستحب أن يذبح الهدي والفِدَى، ويُخرج الطعام في المكان الذي يكثر فيه الفقراء والمساكين من أهل مكة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة ذهابهم إلى مكان توزيع ذلك، فإن قلتَ: المستحب أن يُذبح ما يخصُّ الحج بمنى، وما يخصُّ العمرة بالمروة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد ذبح بمنى" وهذا يلزم منه: ما =

стр. 1216

وإلا: ردَّه وذبحه (١٦) (وفدية الأذى) أي: الحلق (واللُّبس ونحوهما) كطيب، وتغطية رأس، وكل محظور فعله خارج الحرم (ودم الإحصار حيث وجد سببه) من حلٍّ أو حرم؛ لأنه ﷺ نحر هديه في موضعه بالحديبية، وهي من الحلِّ، ويُجزئ بالحرم أيضًا (١٧) (ويُجزئ الصوم) والحلق (بكل مكان)؛ لأنه لا يتعدَّى نفعه لأحد، فلا ذكروه أن يذبح ما يخص الحج في منى، ويُفهم منه: أن يذبح ما يخص العمرة في المروة، قلتُ: إن هذا يدل على ما ذكرناه، وهو الذبح عند المكان الذي يكثر فيه الفقراء؛ لكونه ﷺ حينما ذبح في منى ذبح حول من سيأكله من الناس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مقصود النبي ﷺ حينما ذبح في منى" فعندنا: قصده عند كثرة الناس، وعندهم: قصده المكان. (١٦) مسألة: المحرم يذبح هديه، أو فديته بنفسه، ويُعطي الفقراء اللحم، وإن أعطى الفقراء الهدي، أو الفدية حية كشاة مثلًا فذبحوها وعلم بذلك: فإن هذا يُجزئ، أما إن لم يذبحوها فيجب عليه أن يردَّها، ويذبحها بنفسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوبها في ذمته ذبحها وهذا يتحقَّق إما بنفسه أو بغيره. [فرع]: إن تعذَّر ذبح الهدي والفدية داخل الحرم: فيجوز ذبحها في أي مكان آخر، وتوزع على الفقراء في أي مكان؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فإذا تعذَّر فعل الواجب في المكان الذي وجب فيه، فإنه يجب فعله في مكان آخر غير مُتعذِّر، وهذا فيه توسعة. (١٧) مسألة: إذا فعل محظورًا من محظورات الإحرام كحلق ولبس مخيط، ونحوهما، أو حصل إحصار: فيؤدِّي الفدية والهدي من ذبحٍ وإطعام في المكان الذي حصل فيه المحظور، أو الإحصار: سواء كان داخل الحرم أو خارجه، في حل أو حرم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية، حيث إنه ﷺ قد نحر هديه بالحديبية لما حصر، وهو من الحل، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الحرم =

стр. 1217

فائدة لتخصيصه (١٨) (والدم) المطلق كأضحية (شاة)) جذع ضأن، أو ثني معز (أو سُبُع بدنة) أو بقرة، فإن ذبحها فأفضل، وتجب كلها (وتجزئ عنها) أي: عن البدنة (بقرة) ولو في جزاء صيد كعكسه، وعن سبع شياه: بدنة، أو بقرة مُطلقًا (١٩). موضع للذبح والإطعام فكذلك الحل مثله، والجامع: أن كلًا منهما هو موضع حلِّه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس. [فرع]: يجب أن يكون جزاء الصيد وذبحه داخل الحرم، وإن صيد في الحلال؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى في جزاء الصيد-: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فأوجب الشارع أن يكون المذبوح جزاء الصيد في الحرم، ويأكل فقراء مكة لحمه؛ لأن هذا أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وقد خصَّصه في مكان معيَّن وهي مكة، فيجب فيها، ودل مفهوم المكان على عدم إجزائه في غير مكة، فإن قلتَ: لمَ وجب هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الصيد من حق فقراء مكة، فلما صاده هذا المحرم: وجب أن يُعوِّضه لهم بهذا الجزاء من بهيمة الأنعام. (١٨) مسألة: إذا اختار في فدية الأذى صيام ثلاثة أيام: فإنه يصومها في أي مكان، وفي أي وقت: سواء في مكة، أو عند أهله، وسواء في وقت الحج أو لا؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "الهدي والإطعام في مكة، والصوم حيث شاء" فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه تيسير على الناس، خاصة أن نفعه لا يتعدَّى إلى أحد، فلا فائدة من تخصيصه بمكان مُعيَّن، أما الذبح، والإطعام فنفعه يتعدَّى إلى غيره، فخُصِّص فقراء مكة بهذا النفع. (١٩) مسألة: إذا قيل: "عليك دم" وأطلق في محظورات الإحرام: فالمراد: يجب عليك أحد أمور ثلاثة: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين - على ما سبق تفصيله - أو صوم ثلاثة أيام، بالتخيير بينها، وكذا: إن قيل: "عليك فدية أذى"، وإذا اختار المحرم ذبح شاة عن هدي أو غيره: فالمراد بها: ما يُجزئ في الأضحية =

стр. 1218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من ضأن ومعز، ويُجزئ عنها سُبُع بدنة، أو سبع بقرة، وإن كان عليه سبع من الدماء، أو كان هناك سبعة كل واحد عليه دم: فيُجزئهم ذبح ناقة، أو بقرة - توفَّر فيهما شروط الأضحية -؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أمر كعب بن عجرة بذبح شاة أو صوم، أو إطعام - كما سبق تفصيله في مسألة (٢) من باب: "محظورات الإحرام"، ثانيهما: أن جابرًا قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة". [فرع]: إذا ذبح عن الشاة: بدنة: ناقة أو جمل، أو بقرة فهو أفضل ويُؤجر على سُبُعها أجر إيجاب، والباقي يُؤجر عليه أجر ندب، وهذا له أثره فيما إذا كان عليه دم جبران فذبح بدنة: فإنه لا يأكل من السُبُع الذي هو عن ذلك الدم، أما الباقي: فإنه يأكل منه، فإن قلتَ: إنه إذا عيَّن بدنة عن شاة، فإنها تكون كلها واجبة، ويؤجر عليها أجر واجب قلتُ: هذا غير صحيح؛ لكون المطلوب مُحدَّدًا يعرف الواجب من غيره، فهو كمن أخرج دينارًا زكاة عن عشرين دينارًا: فإن نصفه يكون زكاة واجبة، والنصف الآخر يكون مندوبًا، وهذا قد فصَّلتُ الكلام فيه في كتابي: "الإتحاف" و"المهذَّب". هذه آخر مسائل باب "الفدية" ويليه باب "جزاء الصيد"

стр. 1219

باب جزاء الصيد أي: مثله في الجملة إن كان، وإلا: فقيمته: فيجب المثل من النِّعَم فيما له مثل؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ و"جعل النبي ﷺ في الضبع كبشًا" (١)، باب جزاء الصيد وفيه ثلاث عشرة مسألة: (١) مسألة: إذا قتل محرم صيدًا مُتعمِّدًا، وهو عالم بتحريم ذلك، ذاكر لإحرامه، مختار لذلك، فيجب عليه جزاؤه، وهو: أن يذبح ما يُماثله من بهيمة الأنعام، هذا إن وُجد مثله في الجملة بأن يقرب من صورة وخِلْقة بعض بهيمة الأنعام، ولا يُشترط في المماثلة: التطابق بين ما صاده المحرم من الصيد وبين ما ماثله من بهيمة الأنعام؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ حيث يلزم من لفظ "مثل": عدم اشتراط التطابق؛ لكون المثل لا يُطابق ما يُماثله؛ إذ لو طابقه لكان عينه لا مثله، الثانية: السنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد قضى على من قتل ضبعًا بأن عليه كبشًا من الغنم" ولو دقَّقتَ النظر في الكبش لوجدته يُماثل الضبع من حيث الصورة والخلقة، دون التطابق بينهما من كل جانب، فإن قلتَ: لمَ وجب المثل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق للعدالة؛ حيث إن وجوب المماثلة فيه رد لفقراء مكة مثل الصيد الذي حُرموا منه في صحرائهم، فإن قلتَ: لمَ لا تُشترط المطابقة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التطابق بين الصيد، وبهيمة الأنعام يشق، فدفعًا لذلك لم تشترط. [فرع]: الواجب هو: مثل الصيد المقتول؛ ليذبحه في مكة، ولا تجب قيمته؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة كانوا يقضون بالمثل، ولم =

стр. 1220

ويُرجع فيما قضت فيه الصحابة إلى ما قضوا به فلا يحتاج أن يُحكم عليه مرة أخرى؛ لأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب، ولقوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٢) ومنه (في النعامة بدنة) روي عن عمر، وعثمان، وعلي، يقضوا بها على وجه القيمة؛ إذ لو قضوا على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف القيمة فيه إما برؤية أو إخبار، ولم يُنقل عنهم السؤال عن ذلك حال قضائهم بذلك، فإن قلتَ: لمَ لا تجب القيمة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القيمة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والبيئات، فدفعًا لمشقة ذلك: اعتبرت المثلية؛ تحقيقًا للعدالة. (٢) مسألة: إذا قضى بعض الصحابة بأن هذا الصيد مثل ذلك الحيوان من بهيمة الأنعام: فإنا نأخذ به، ولا يحتاج إلى اجتهاد منا مرة أخرى؛ لقول وفعل وتقرير الصحابي؛ حيث إنه حجة فيما يقوله ويفعله ويُقرِّره، فإن قلتَ: يجوز لغيرهم ممن جاء بعدهم أن يجتهدوا فيما اجتهد فيه الصحابة مرة ثانية، وهو قول مالك؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ حيث إن الآية مُطلقة فيمن توفرت فيه شروط العدالة، وهذا يدخل فيه الصحابة، وغيرهم قلتُ: إن اجتهادات الصحابة في ذلك وغيره مقدَّمة على اجتهادات غيرهم ممن جاء بعدهم؛ للتلازم؛ حيث إن مشاهدتهم للتنزيل، وأخذهم الشريعة من فيِّ النبي ﷺ ، ومعرفتهم لأسباب النزول العامة والخاصة، وشهادة الله لهم ورسوله بالعدالة يلزم منه أنهم أعلم بمقاصد الشريعة من غيرهم: فيكون قولهم أقرب للصواب من قول غيرهم، تنبيه: حديث: "أصحابي كالنجوم" ضعيف عند كثير من أئمة الحديث، وهذا لا يحتج به، لذلك يُقدَّم الاستدلال الذي ذكرناه على الاستدلال به الحديث.

стр. 1221

وزيد، وابن عباس، ومعاوية ﵃؛ لأنها تُشبهها (٣) (و) في (حمار الوحش) بقرة روي عن عمر ﵁ (و) في (بقرته) أي: الواحدة من بقر الوحش: بقرة، روي عن ابن مسعود (و) في (الأيِّل) على وزن "قنَّب" و"وخِلَّب" و"سَيِّد": بقرة، روي عن ابن عباس (و) في (الثيتل): بقرة، قال الجوهري: "الثيتل": الوَعْل المسن (و) في (الوَعْل: بقرة) روي عن ابن عمر أنه قال (في الأروى: بقرة) قال في "الصحاح": الوعل هي: الأروى، وقال في القاموس: الوَعْل بفتح الواو مع فتح العين وكسرها وسكونها: تيس الجبل (٤) (و) في (الضَّبع: كبش) قال الإمام: "حكم فيها رسول الله ﷺ بكبش" (٥) (و) في (الغزالة: عنز) (٦) روي عن جابر عنه ﷺ أنه قال: "في الظبي: شاة"، (و) في (الوَبَر) وهي: دويبة كحلاء دون السنور لا ذنب لها: جَدْي (و) في (الضَّب: جدي) قضى به عمر ﵁ وأرْبَد و"الجدي": الذكر من أولاد المعز (٣) مسألة: إذا قتل المحرم نعامة - وهي طير طويل العنق كثير الرِّيش -: فعليه ذبح بدنة - وهي: الجمل أو الناقة -؛ لقول الصحابي؛ حيث قضى بذلك بعض الصحابة كعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وزيد، ومعاوية ﵃. (٤) مسألة: إذا قتل المحرم حمارًا وحشيًا، أو قتل بقرة من البقر الوحشية أو قتل أيلًا، أو الثَّيتَل: أو الوَعْل وهي أنواع من الضباء الكبيرة القريبة الشكل من البقرة: فعليه ذبح بقرة؛ لقول الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة قد قضى بذلك كعمر، وابنه، وابن مسعود، وابن عباس ﵃. (٥) مسألة: إذا قتل محرم ضَبْعًا: فعليه ذبح كبش من الغنم؛ للسنة القولية؛ حيث حكم بذلك النبي ﷺ . (٦) مسألة: إذا قتل محرم غزالًا: فعليه ذبح عنز أو شاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "في الظبي شاة".

стр. 1222

له ستة أشهر (٧) (و) في (اليربوع: جَفْرة) لها أربعة أشهر، روي عن ابن عمر وابن مسعود (٨) (و) في (الأرنب: عناق) روي عن عمر ﵁، و"العناق": الأنثى من أولاد المعز أصغر من الجفرة (٩) (و) في (الحمامة: شاة) حكم به عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس، ونافع بن عبد الحارث ﵃ في حمام الحرم، وقيس عليه حمام الإحرام، و"الحمام": كل ما عبَّ في الماء وهدر فيدخل فيه: الفواخت، والوراشين، والقطا، والقمري، والدبسي (١٠)، وما لم تقض فيه الصحابة يُرجع فيه إلى قول (٧) مسألة: إذا قتل ضبًّا - وهو حيوان زاحف له ذَنَب طويل - أو قتل الوَبَر - وهو: حيوان أصغر جسمًا من الهرة، وأكبر من الفأرة لا ذنب له -: فعليه ذبح جدي - وهو: الذكر من ولد المعز له ستة أشهر، ويُسمَّى التيس الصغير -؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد قضى بأن من قتل ضبًا فعليه جدي، والوَبَر مثله؛ لعدم الفارق. (٨) مسألة: إذا قتل محرم اليربوع - وهو حيوان يُشبه الفأرة إلا أنه أكبر قليلًا، وأطول رجلًا منه، ويُسمَّى الجربوع -: فيجب عليه أن يذبح جَفْرة، وهو: الجدي الذي له أربعة أشهر فقط -؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن مسعود وابن عمر قد قضيا بذلك. (٩) مسألة: إذا قتل محرم أرنبًا: فعليه ذبح عناق - وهي: الأنثى من ولد المعز لها ثلاثة أشهر -؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد قضى بذلك. (١٠) مسألة: إذا قتل محرم حمامة - وهي: كل ما عبَّ الماء بأن يشرب الماء مرة واحدة من غير مصِّ، ويكرع كما تكرع الشاة له صوت الهدير - فعليه ذبح شاة؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر، وابنه، وابن عباس، وعثمان ﵃ قد قضوا بذلك.

стр. 1223

عدلين خبيرين (١١)، وما لا مثل له كباقي الطيور ولو أكبر من الحمام -: فيه القيمة (١٢)، (١١) مسألة: إذا قتل محرم صيدًا لم يقضِ به الصحابة: فإنه يُرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين في ذلك، فإذا قالا: إن هذا الصيدَ يُماثل هذا الحيوان من بهيمة الأنعام: من حيث الخِلْقة والصُّورة: فإنه يجب على هذا القاتل أن يذبح ذلك الحيوان المشابه له؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فاشترط لتحقيق المماثلة: أن يحكم فيه اثنان عدلان، فإن قلتَ: لمَ اشترطت العدالة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العدالة فيها تحقيق الثقة بما يُقال ويحكم وهي شرط في كل من يُقبل قوله، فإن قلتَ: لمَ اشترطت الخبرة فيهما، دون التفقُّه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لا نثق بقول قائل في ذلك إلا إذا كان من أهل الخبرة الطويلة بالحيوانات، والأثمان، والأسواق، أما الفقيه الذي لا خبرة عنده في ذلك: فلا يُفيد في ذلك لذلك سأل عمر قائلًا: "من يحكم في الضب" مع أن حوله بعض فقهاء الصحابة، فلم يقتصر عليهم، وكان الإمام مالك يسأل عن أمور الحيض والنفاس بعض النساء ذوات الخبرة في ذلك. (١٢) مسألة: إذا قتل محرم صيدًا لم يقض فيه الصحابة، ولم يستطع العدلان الخبيران معرفة ما يُماثله: فإنه يُقيَّم بدراهم، فيشتري المحرم القاتل له بتلك الدراهم طعامًا، فيُعطي كل واحد من مساكين وفقراء مكة مُدًّا من البر، أو الأرز، أو يُعطيه نصف صاع من غيرهما أو يصوم عن كُلِّ مدٍ يومًا - كما سبق تقريره -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ، أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ فخيَّر الشارع بين تلك الأمور الثلاثة: لأن لفظ "أو" للترتيب، ويلزم من ذكر هذه الثلاثة فقط: عدم إجزاء القيمة.

стр. 1224

وعلى جماعة اشتركوا في قتل صيد جزاءٌ واحد (١٣). (١٣) مسألة: إذا اشترك مجموعة من المحرمين في قتل صيد: فعليهم جميعًا جزاء واحد، فلو اشترك ثلاثة منهم في قتل غزال مثلًا: فإنهم يشترون شاة أو عنزًا، كل واحد يدفع ثلث ثمنها، أو يشترون بثمنها طعامًا، ويُوزِّعونه على فقراء مكة: كل واحد يُعطونه مدًا من البر أو الأرز - وهو ربع صاع -، أو يصومون عن كل مد يومًا، وكل واحد يصوم نصيبه، فإذا كان الطعام تسعة أمداد مثلًا: فإن كل واحد يصوم ثلاثة أيام وهكذا، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ حيث أوجب جزاءً واحدًا، وهو مطلق فيمن تفرَّد في الصيد، أو اشترك مع غيره، فكما أن المحرم لو قتل ثلاثة من الصيد: فإن عليه ثلاثة من الجزاءات، فكذلك إذا قتل ثلاثة من المحرمين صيدًا واحدًا: فإن عليهم جزاء واحدا، فالعبرة في الصيد، لا في القاتلين له. [فرع]: إذا أتلف المحرم جُزءًا من الصيد كذَنَبه، أو جناحه، ولم يمت ذلك الصَّيد وذهب: فتجب على المحرم المتلف له قيمة ما أتلفه من ذَنبٍ، أو جناح ونحوهما، ثم يُشترى بتلك القيمة طعامًا، ويوزعه على فقراء مكة - على ما سبق - فمثلًا: لو أتلف المحرم ذَنَب ضبٍّ ولم يمت ذلك الضب، ثم قوِّم الضب بأنه يُساوي مائة درهم، وذنبه يُساوي منه ثلاثين درهمًا، فإنه يُشترى بتلك الثلاثين طعامًا من بر أو أرز، فيُعطى كل فقير من فقراء مكة مُدًّا واحدًا من الطعام، أو يصوم عن كل مد يومًا، وهذا مطلق، أي: سواء كان هذا الصيد له مثل أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للصيد من أن يُعتدى عليه، فيُؤخذ بعضه، وفيه دفع مشقة عن الصائد في أنه يُخرج كل الجزاء مع أنه لم يُتلف إلا بعض الصيد. هذه آخر مسائل باب "جزاء الصيد" ويليه باب "حكم صيد الحرم المكي والمدني، وحكم النبات فيهما"

стр. 1225

باب حكم صيد الحرم أي: حرم مكة (يحرم صيده على المحرم والحلال)، إجماعًا؛ لحديث ابن عباس ﵃: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة" (وحكم صيده كصيد المحرم) فيه الجزاء، حتى على الصغير، والكافر، لكن بحريُّه لا جزاء فيه، ولا يملك ابتداء بغير إرث (١)، باب حكم صيد الحرم المكي والمدني، وحكم النبات فيهما وفيه تسع عشرة مسألة: (١) مسألة: صيد حرم مكة حرام على المحرم - كما سبق - وحرام على المحلِّ - وهو الذي لم يُحرم بنسك - فإذا قتله المحرم أو المحل في الحرم: فعليه جزاؤه - كما سبق تفصيله -، وهذا الحكم شامل للكبير، والصغير، والمسلم والكافر، ولا جزاء في صيد البحر، ولا يملك المحلُّ أيَّ صيد ببيع أو هبة إلا بسبب الإرث - كما سبق بيانه في مسألة (٢١) من باب: "محظورات الإحرام" -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في خطبة حجة الوداع: "إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة" ثم قال: "لا يُختلى خلاها، ولا يُنفَّر صيدها" حيث إنه حرم صيد مكة؛ لأن النهي مُطلق، وهو يقتضي التحريم، وهذا عام؛ لأن "صيدها" جمع منكر أضيف إلى معرفة وهذا من صيغ العموم، فيشمل لكل من صاد صيدها: سواء كان محرمًا، أو محلًا، للمحل والمحرم، والصغير والكبير، والمسلم والكافر: وسواء وقع الصيد بالفعل أو بالإشارة أو نحو ذلك، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المحرم مُنع من الصيد، ويجب عليه جزاؤه، فكذلك المحل الذي يوجد في =

стр. 1226

ولا يلزم المحرم جزاءان (٢) (ويحرم قطع شجرة) أي: شجر الحرم (وحشيشه الأخضرين) اللَّذين لم يزرعهما آدمي؛ لحديث: "ولا يُعضد شجرها، ولا يُحشُّ حشيشها" وفي رواية: "ولا يُختلى شوكها"، ويجوز قطع اليابس والثمرة وما الحرم مثله، والجامع: أن كلًا منهما مُنع لحق الله تعالى؛ حيث إنه في حماه، فإن قلتَ: لم حُرِّم ذلك؟ قلتُ: لأن هذا الصيد معصوم الدم؛ لكونه قد التجأ إلى حمى الله تعالى حول بيته، كالخائف الذي لجأ إلى بيت الله فاحتمى به. [فرع]: إذا جلب المحل صيدًا من خارج الحرم: فيباح أن يذبحه في مكة ويأكله؛ لإقرار الصحابي؛ حيث إن عبد الله بن الزبير وبعض الصحابة قد أقرُّوا بذلك ولم يُنكروه، وفيه مصلحة. [فرع آخر]: إذا كان شخص خارج الحرم فرمى صيدًا كان داخل الحرم: فقتله، أو كان الصيد على غصن داخل الحرم، فقتله شخص في الحل، أو أمسك طائرًا في الحل فهلك فراخه الذين في الحرم وعلم بذلك: فعليه جزاء الصيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المحرم عليه جزاء الصيد الذي قتله فكذلك المحل الذي هو خارج الحرم مثله هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد قتل صيدًا معصوم الدم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لصيد الحرم من التحايل لصيده. [فرع ثالث]: إذا كان شخص في الحرم وهو محلُّ فقتل صيدًا في الحل بأي آلة: فلا جزاء عليه؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: حلُّ الصيد، واستُثنيَ صيد الحرم فحرم بالنص كما سبق فبقي ما عداه على أصله، وهو حلُّه، فيُستصحب ذلك ويُعمل به، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي التوسعة على المسلمين. (٢) مسألة: إذا قتل المحرم صيدًا في الحرم: فعليه جزاء واحد، ولا يجب عليه جزاءان: جزاء لأجل إحرامه، وجزاء لكونه قتله داخل الحرم، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وهو مطلق في المكان والحال: ويكفي في امتثاله جزاء واحد؛ فإن قلتَ: لمَ لا يجب إلا جزاء واحد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخفيف على العباد.

стр. 1227

زرعه الآدمي، والكمأة، والفقع (٣)، وكذا: الإذخر كما أشار إليه بقوله: (إلا الإذخر) قال في القاموس: حشيش طيِّب الرائحة؛ لقوله ﷺ : "إلا الإذخر" (٤) (٣) مسألة: يحرم قطع وإزالة شجر الحرم البري وحشيشه، إذا كان أخضرًا، ولم يزرعه آدمي، أما إن كان يابسًا، أو ثمرًا، أو قام آدمي بزراعته، أو كان تحت الأرض مثل الفقع، والكمأة: فتجوز إزالته ولا شيء في ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يُختلى خلاها، ولا يُعضد شوكها" وفي رواية "ولا يُحش حشيشها" فحرم ذلك؛ لأن النهي مُطلق، فيقتضي التحريم، وقوله: "ولا يُحشُّ حشيشها" زيادة ثقة مقبولة، ويلزم من ذلك: أن اليابس، والفقع والكمأة، والثمرة وما زرعه الآدمي: يُباح قطعه والانتفاع به؛ لكونه لا يُسمَّى حشيشًا، فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الشارع قد جعل كلَّ شيء مُحرّمًا فيها، وينعم بحمى الله تعالى، وهو مؤكِّد بحرمة مكة، فإن قلتَ: لمَ جاز قطع ما يُنتفع به، أو ما هو من زراعة الآدمي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سد حاجة المسلم، وفيه حماية لحق الآدمي الذي تعب في زراعة ذلك. [فرع]: يُباح للشخص أن يترك بهائمه ترعى من أشجار وحشيش مكة بنفسها؛ للسنة التقريرية، حيث إنه ﷺ لم يُنكر ذلك لما رأى بهائم من إبل الصدقة، والهدي والأضاحي ترعى من هذه الأشجار والحشيش، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس. (٤) مسألة: يُباح للمحرم وغيره قطع وإزالة نبات الإذخر - وهو: حشيش له رائحة طيِّبة له أطراف دقيقة -؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ لما نهى عن قطع شجرها وحشيشها استثنى ذلك قائلًا: "إلا الإذخر" فيدل على إثبات إباحة قطعه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإذخر يحتاجه الناس في اشتعال النار بالحطب، وفي جعله في أسقف بيوتهم، وبين اللَّبنات في القبر ونحو ذلك.

стр. 1228

ويباح انتفاع بما زال، أو انكسر بغير فعل آدمي ولو لم يَبُنْ (٥)، وتضمن شجرة صغيرة عرفًا بـ "شاة" وما فوقها بـ "بقرة" روي عن ابن عباس، ويُفعل فيها كجزاء صيد (٦)، (٥) مسألة: يُباح للمحرم وغيره أن ينتفع بأي غصن سقط على الأرض، أو انكسر، ولو لم ينفصل عن الشجرة بشرط: أن لا يكون ذلك من فعله؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ولا يُعضد شجرها، ولا يُحشُّ حشيشها" فحرم الشارع هنا قطع الشجرة أو أي غصن منها، ودل بمفهوم الصفة على أنه ينتفع بما سقط على الأرض أو انكسر بدون فعله؛ لكونه لا يُسمَّى قطعًا، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة لهم، بدون ضرر على أحد. (٦) مسألة: إذا قطع شجرة صغيرة: فعليه شاة، وإذا قطع كبيرة فعليه بقرة، فيجب عليه أن يذبحهما، أو يشتري بقيمة الشاة، أو البقرة طعامًا، فيُعطي كل مسكين أو فقير من فقراء مكة مُدًّا من بُرٍّ أو أرز، ويُعطيه نصف صاع من غيرهما، أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه إذا قتل صيدًا فعليه جزاؤه، كل بحسبه، فكذلك إذا قطع شجرة فعليه جزاؤها كل بحسبه، والجامع أن كلًا منهما قد حرم الاعتداء عليه، وهو في حمى الله، الثانية: قول الصحابي وفعله، حيث إن عمر ﵁ أمر بقطع شجرة كانت في المسجد تضرُّ بالطائفين وفدى، وأن ابن عباس وابن الزبير ﵃ قالا: في الدوحة: بقرة، وفي الجزلة: شاة و"الدَّوحة": الشجرة العظيمة، و"الجزلة" الشجرة الصغيرة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لانتهاك حرمة الله المكانية، فائدة: الذي يحكم بأن الشجرة صغيرة أو كبيرة، أو متوسطة هما المسلمان المكلَّفان العدلان الخبيران المتوسطان في أحكامهما.

стр. 1229

ويُضمن حشيش وورق بقيمته (٧)، وغصن بما نقص (٨)، فإن استخلف شيء منها: سقط ضمانه كردِّ شجرة فتنبت، لكن يضمن نقصها (٩)، وكُره إخراج تراب الحرم وحجارته إلى الحلِّ (١٠)، لا ماء (٧) مسألة: إذا أزال حشيشًا وقطعه مما في حدود الحرم: فإنه يضمنه بقيمته: بأن يُقوِّم عدلان خبيران هذا الحشيش بما يُعادله من الأثمان، فيشتري بذلك الثمن طعامًا: ويفعل به - كما فصَّلناه في مسألة (٦) -؛ للمصلحة؛ حيث إنه يشقُّ فعل غير ذلك فيه. (٨) مسألة: إذا قطع غصنًا من شجرة: فتُقيَّم تلك الشجرة كلها، ثم يُنزع ما يُقابل ثمن ذلك الغصن، ويشتري به طعامًا - ويفعل به كما قلنا في مسألة (٦) -؛ للقياس، بيانه: كما أن من قطع جُزءًا من صيد كذنبه مثلًا: فإنه تجب عليه قيمة ذلك الذنب فقط - كما سبق في الفرع التابع لمسألة (١٣) من باب "جزاء الصيد" فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد قطع جُزءًا من محظور فيجب ضمانه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنه نقص بقلعه فوجب ضمانه. (٩) مسألة: إذا قطع شجرة، أو قلع حشيشًا، ثم ردَّه، أو ردَّ مثله فنبت كالأول بدون نقصان: فإنه يسقط ضمانه، أما إن وجد نقصان عما كان في الأول: فإنه يضمن ما نقص بقدره قيمة - كما فصَّلنا في مسألة (٦) -؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو قطع شعر عمرو، ثم نبت ذلك الشعر: فلا ضمان على زيد، وإن نبت ناقصًا: فإن زيدًا يضمن ذلك النقص، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر جناية على حق الغير، فيقتضي الضمان، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على حقوق الآخرين من انتهاكها. (١٠) مسألة: يُكره إخراج تراب أو حجارة كانت داخل حدود الحرم، وجعله في الحل؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن عمر قد كرها ذلك، فإن قلتَ: =

стр. 1230

زمزم (١١)، ويحرم إخراج تراب المساجد، وطيبها للتبرُّك وغيره (١٢) (ويحرم صيد) حرم (المدينة)؛ لحديث علي ﵁: "المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، لا يُختلى خلاها، ولا يُنفَّر صيدها، ولا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا أن يُعلِّف رجل بعيره" رواه أبو داود (١٣) (ولا جزاء) فيما حرم من صيدها وشجرها وحشيشها قال لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا أُخرج ذلك قد يُهان، وقد يُعظَّم تعظيمًا مخالفًا للعقيدة كما يفعل بعض "الجهلة" فمنعًا للإهانة، أو التعظيم المحتملين: كُرِه ذلك. (١١) مسألة: يُباح إخراج ماء زمزم عن الحرم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن عائشة كانت تحمله من مكة إلى المدينة، وتُخبر أنه ﷺ قد فعله، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ماء زمزم لما شرب له، فيُستعمل سواء كان ذلك داخل الحرم أو لا. (١٢) مسألة: يحرم إخراج بعض تراب المساجد وطينها إلى خارجها بقصد التبرُّك به: سواء كانت المساجد الثلاثة - المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى - أو غيرها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك بدعة لم تكن على عهد النبي ﷺ ولا أصحابه، وكل بدعة ضلالة، فسدًا للذرائع؛ حرم ذلك. (١٣) مسألة: يحرم صيد ما دخل في حدود حرم المدينة المنورة، وقطع شجرها، وإزالة حشيشها لغير حاجة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "اللهم إن إبراهيم حرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمتُ المدينة ما بين مآزميها: أن لا يراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يُخبط فيها شجرة إلا لعلف" وقال: "إني حرمتُ المدينة ما بين لابتيها لا يُقطع غضاها، ولا يُصاد صيدها" والجمع بين الحديثين يُفيد ما قلناه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: إكرامًا لها، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بالمدينة، ويثرب، وطيبة؟ قلتُ: سُمِّيت بالمدينة لاشتقاق ذلك من الدِّين؛ =
следующие страницы →