Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
ولا يلزم المحرم جزاءان (٢) (ويحرم قطع شجرة) أي: شجر الحرم (وحشيشه الأخضرين) اللَّذين لم يزرعهما آدمي؛ لحديث: "ولا يُعضد شجرها، ولا يُحشُّ حشيشها" وفي رواية: "ولا يُختلى شوكها"، ويجوز قطع اليابس والثمرة وما
الحرم مثله، والجامع: أن كلًا منهما مُنع لحق الله تعالى؛ حيث إنه في حماه، فإن قلتَ: لم حُرِّم ذلك؟ قلتُ: لأن هذا الصيد معصوم الدم؛ لكونه قد التجأ إلى حمى الله تعالى حول بيته، كالخائف الذي لجأ إلى بيت الله فاحتمى به. [فرع]: إذا جلب المحل صيدًا من خارج الحرم: فيباح أن يذبحه في مكة ويأكله؛ لإقرار الصحابي؛ حيث إن عبد الله بن الزبير وبعض الصحابة قد أقرُّوا بذلك ولم يُنكروه، وفيه مصلحة. [فرع آخر]: إذا كان شخص خارج الحرم فرمى صيدًا كان داخل الحرم: فقتله، أو كان الصيد على غصن داخل الحرم، فقتله شخص في الحل، أو أمسك طائرًا في الحل فهلك فراخه الذين في الحرم وعلم بذلك: فعليه جزاء الصيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المحرم عليه جزاء الصيد الذي قتله فكذلك المحل الذي هو خارج الحرم مثله هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد قتل صيدًا معصوم الدم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لصيد الحرم من التحايل لصيده. [فرع ثالث]: إذا كان شخص في الحرم وهو محلُّ فقتل صيدًا في الحل بأي آلة: فلا جزاء عليه؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: حلُّ الصيد، واستُثنيَ صيد الحرم فحرم بالنص كما سبق فبقي ما عداه على أصله، وهو حلُّه، فيُستصحب ذلك ويُعمل به، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي التوسعة على المسلمين.
(٢) مسألة: إذا قتل المحرم صيدًا في الحرم: فعليه جزاء واحد، ولا يجب عليه جزاءان: جزاء لأجل إحرامه، وجزاء لكونه قتله داخل الحرم، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وهو مطلق في المكان والحال: ويكفي في امتثاله جزاء واحد؛ فإن قلتَ: لمَ لا يجب إلا جزاء واحد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخفيف على العباد.
стр. 1227
زرعه الآدمي، والكمأة، والفقع (٣)، وكذا: الإذخر كما أشار إليه بقوله: (إلا الإذخر) قال في القاموس: حشيش طيِّب الرائحة؛ لقوله ﷺ : "إلا الإذخر" (٤)
(٣) مسألة: يحرم قطع وإزالة شجر الحرم البري وحشيشه، إذا كان أخضرًا، ولم يزرعه آدمي، أما إن كان يابسًا، أو ثمرًا، أو قام آدمي بزراعته، أو كان تحت الأرض مثل الفقع، والكمأة: فتجوز إزالته ولا شيء في ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يُختلى خلاها، ولا يُعضد شوكها" وفي رواية "ولا يُحش حشيشها" فحرم ذلك؛ لأن النهي مُطلق، فيقتضي التحريم، وقوله: "ولا يُحشُّ حشيشها" زيادة ثقة مقبولة، ويلزم من ذلك: أن اليابس، والفقع والكمأة، والثمرة وما زرعه الآدمي: يُباح قطعه والانتفاع به؛ لكونه لا يُسمَّى حشيشًا، فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الشارع قد جعل كلَّ شيء مُحرّمًا فيها، وينعم بحمى الله تعالى، وهو مؤكِّد بحرمة مكة، فإن قلتَ: لمَ جاز قطع ما يُنتفع به، أو ما هو من زراعة الآدمي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سد حاجة المسلم، وفيه حماية لحق الآدمي الذي تعب في زراعة ذلك. [فرع]: يُباح للشخص أن يترك بهائمه ترعى من أشجار وحشيش مكة بنفسها؛ للسنة التقريرية، حيث إنه ﷺ لم يُنكر ذلك لما رأى بهائم من إبل الصدقة، والهدي والأضاحي ترعى من هذه الأشجار والحشيش، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس.
(٤) مسألة: يُباح للمحرم وغيره قطع وإزالة نبات الإذخر - وهو: حشيش له رائحة طيِّبة له أطراف دقيقة -؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ لما نهى عن قطع شجرها وحشيشها استثنى ذلك قائلًا: "إلا الإذخر" فيدل على إثبات إباحة قطعه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإذخر يحتاجه الناس في اشتعال النار بالحطب، وفي جعله في أسقف بيوتهم، وبين اللَّبنات في القبر ونحو ذلك.
стр. 1228
ويباح انتفاع بما زال، أو انكسر بغير فعل آدمي ولو لم يَبُنْ (٥)، وتضمن شجرة صغيرة عرفًا بـ "شاة" وما فوقها بـ "بقرة" روي عن ابن عباس، ويُفعل فيها كجزاء صيد (٦)،
(٥) مسألة: يُباح للمحرم وغيره أن ينتفع بأي غصن سقط على الأرض، أو انكسر، ولو لم ينفصل عن الشجرة بشرط: أن لا يكون ذلك من فعله؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ولا يُعضد شجرها، ولا يُحشُّ حشيشها" فحرم الشارع هنا قطع الشجرة أو أي غصن منها، ودل بمفهوم الصفة على أنه ينتفع بما سقط على الأرض أو انكسر بدون فعله؛ لكونه لا يُسمَّى قطعًا، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة لهم، بدون ضرر على أحد.
(٦) مسألة: إذا قطع شجرة صغيرة: فعليه شاة، وإذا قطع كبيرة فعليه بقرة، فيجب عليه أن يذبحهما، أو يشتري بقيمة الشاة، أو البقرة طعامًا، فيُعطي كل مسكين أو فقير من فقراء مكة مُدًّا من بُرٍّ أو أرز، ويُعطيه نصف صاع من غيرهما، أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه إذا قتل صيدًا فعليه جزاؤه، كل بحسبه، فكذلك إذا قطع شجرة فعليه جزاؤها كل بحسبه، والجامع أن كلًا منهما قد حرم الاعتداء عليه، وهو في حمى الله، الثانية: قول الصحابي وفعله، حيث إن عمر ﵁ أمر بقطع شجرة كانت في المسجد تضرُّ بالطائفين وفدى، وأن ابن عباس وابن الزبير ﵃ قالا: في الدوحة: بقرة، وفي الجزلة: شاة و"الدَّوحة": الشجرة العظيمة، و"الجزلة" الشجرة الصغيرة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لانتهاك حرمة الله المكانية، فائدة: الذي يحكم بأن الشجرة صغيرة أو كبيرة، أو متوسطة هما المسلمان المكلَّفان العدلان الخبيران المتوسطان في أحكامهما.
стр. 1229
ويُضمن حشيش وورق بقيمته (٧)، وغصن بما نقص (٨)، فإن استخلف شيء منها: سقط ضمانه كردِّ شجرة فتنبت، لكن يضمن نقصها (٩)، وكُره إخراج تراب الحرم وحجارته إلى الحلِّ (١٠)، لا ماء
(٧) مسألة: إذا أزال حشيشًا وقطعه مما في حدود الحرم: فإنه يضمنه بقيمته: بأن يُقوِّم عدلان خبيران هذا الحشيش بما يُعادله من الأثمان، فيشتري بذلك الثمن طعامًا: ويفعل به - كما فصَّلناه في مسألة (٦) -؛ للمصلحة؛ حيث إنه يشقُّ فعل غير ذلك فيه.
(٨) مسألة: إذا قطع غصنًا من شجرة: فتُقيَّم تلك الشجرة كلها، ثم يُنزع ما يُقابل ثمن ذلك الغصن، ويشتري به طعامًا - ويفعل به كما قلنا في مسألة (٦) -؛ للقياس، بيانه: كما أن من قطع جُزءًا من صيد كذنبه مثلًا: فإنه تجب عليه قيمة ذلك الذنب فقط - كما سبق في الفرع التابع لمسألة (١٣) من باب "جزاء الصيد" فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد قطع جُزءًا من محظور فيجب ضمانه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنه نقص بقلعه فوجب ضمانه.
(٩) مسألة: إذا قطع شجرة، أو قلع حشيشًا، ثم ردَّه، أو ردَّ مثله فنبت كالأول بدون نقصان: فإنه يسقط ضمانه، أما إن وجد نقصان عما كان في الأول: فإنه يضمن ما نقص بقدره قيمة - كما فصَّلنا في مسألة (٦) -؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو قطع شعر عمرو، ثم نبت ذلك الشعر: فلا ضمان على زيد، وإن نبت ناقصًا: فإن زيدًا يضمن ذلك النقص، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر جناية على حق الغير، فيقتضي الضمان، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على حقوق الآخرين من انتهاكها.
(١٠) مسألة: يُكره إخراج تراب أو حجارة كانت داخل حدود الحرم، وجعله في الحل؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن عمر قد كرها ذلك، فإن قلتَ: =
стр. 1230
زمزم (١١)، ويحرم إخراج تراب المساجد، وطيبها للتبرُّك وغيره (١٢) (ويحرم صيد) حرم (المدينة)؛ لحديث علي ﵁: "المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، لا يُختلى خلاها، ولا يُنفَّر صيدها، ولا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا أن يُعلِّف رجل بعيره" رواه أبو داود (١٣) (ولا جزاء) فيما حرم من صيدها وشجرها وحشيشها قال
لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا أُخرج ذلك قد يُهان، وقد يُعظَّم تعظيمًا مخالفًا للعقيدة كما يفعل بعض "الجهلة" فمنعًا للإهانة، أو التعظيم المحتملين: كُرِه ذلك.
(١١) مسألة: يُباح إخراج ماء زمزم عن الحرم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن عائشة كانت تحمله من مكة إلى المدينة، وتُخبر أنه ﷺ قد فعله، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ماء زمزم لما شرب له، فيُستعمل سواء كان ذلك داخل الحرم أو لا.
(١٢) مسألة: يحرم إخراج بعض تراب المساجد وطينها إلى خارجها بقصد التبرُّك به: سواء كانت المساجد الثلاثة - المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى - أو غيرها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك بدعة لم تكن على عهد النبي ﷺ ولا أصحابه، وكل بدعة ضلالة، فسدًا للذرائع؛ حرم ذلك.
(١٣) مسألة: يحرم صيد ما دخل في حدود حرم المدينة المنورة، وقطع شجرها، وإزالة حشيشها لغير حاجة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "اللهم إن إبراهيم حرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمتُ المدينة ما بين مآزميها: أن لا يراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يُخبط فيها شجرة إلا لعلف" وقال: "إني حرمتُ المدينة ما بين لابتيها لا يُقطع غضاها، ولا يُصاد صيدها" والجمع بين الحديثين يُفيد ما قلناه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: إكرامًا لها، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بالمدينة، ويثرب، وطيبة؟ قلتُ: سُمِّيت بالمدينة لاشتقاق ذلك من الدِّين؛ =
стр. 1231
أحمد - في رواية بكر بن محمد -: "لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحدًا من أصحابه حكموا فيه بجزاء (١٤) (ويُباح الحشيش) من حرم المدينة (للعلف)؛ لما تقدَّم (١٥) (و) يُباح اتخاذ (آلة الحرث ونحوه) كالمساند، وآلة الرَّحل من شجر حرم المدينة؛ لما روى أحمد عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله: إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا فرخِّص لنا فقال: "القائمتان، والوسادة، والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يُعضد، ولا يُخبط منها شيء" و"المسند": عود البكرة (١٦)، ومن أدخلها صيدًا:
لكونه قد غلب عليها، وسميت بيثرب نسبة إلى الأرض التي هي فيه؛ حيث إنه يُسمَّى بهذا، وسميت بطيبة أو طابة، لأنها طهرت من الشرك والخبث.
(١٤) مسألة: إذا قتل شخص صيدًا أو قطع شجرة، أو أزال حشيشًا وهو داخل حدود حرم المدينة المنورة: فإنه يأثم، ولا جزاء ولا ضمان عليه؛ للاستقراء؛ حيث إنه قد ثبت بعد الاستقراء والتتبُّع لما ورد عنه ﷺ وأصحابه أنهم كانوا لا يحكمون على من فعل ذلك بشيء، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا في المدينة، خلافًا لمكة؟ قلتُ: لأن حرمتها أدنى من حرمة مكة؛ حيث إن مكة فيها بيت الله، ويحمي الله تعالى من حام حول بيته: إذ لا يجوز دخولها بغير إحرام لمن أراد النسك، وتؤدَّى فيها المناسك، وتذبح فيها الهدي، بخلاف المدينة كما هو معلوم.
(١٥) مسألة: يُباح لأي شخص أن يأخذ من الحشيش أو الشجر النابت في حرم المدينة، ويُعلِّفه لبهائمه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا أن يُعلِّف رجل بعيره" فأثبت إباحة أخذ حشيش المدينة للتعليف؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، والمصلحة في ذلك لا تخفى على أحد.
(١٦) مسألة: يُباح لأن شخص أن يأخذ من أشجار حرم المدينة ما يُنتفع به في صنع محراث، أو آلة رحل، أو الآلات التي يُسحب بها الماء من البئر كالمسند، =
стр. 1232
فله إمساكه وذبحه (١٧)، وحرمها: بريد في بريد وهو: (ما بين عير) جبل مشهور بها (إلى ثور) جبل صغير لونه إلى الحمرة فيه تدوير ليس بالمستطيل خلف "أُحده" من جهة الشمال، وما بين "عير" إلى "ثور" هو ما بين لابتيها، واللَّابة: الحَرَّة، وهي: أرض تركبها حجارة سود (١٨) وتُستحب المجاورة بمكة وهي أفضل من المدينة، قال
والعارضة، والوسادة، والقائمتين؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد رخَّص لأهل المدينة أن يأخذوا من أشجارها ما سبق ذكره، ويُقاس على ذلك كل ما يُنتفع به غير ما ذكر؛ لأن القياس على المحصور بالعدد يجوز ويعم ذلك أهل المدينة وغيرهم؛ لأن الأصل عموم الأحكام، ولا تخفى مصلحة الناس في ذلك.
(١٧) مسألة: إذا دخل صيد داخل المدينة، أو دخل بيتًا لشخص: فيجوز إمساكه وذبحه وأكله، ولا يجب إرساله، ولا شيء في ذلك؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ كان يقول لصبي يلعب بعصفور صغير: "يا أبا عمير ما فعل النُّغير؟ " -كما رواه أنس - وكان لا يُنكر ذلك، ولم يُبيِّن ﷺ تحريم ذلك، فدل على إباحته: لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويدل مفهوم الموافقة الأولى: على جواز ذبحه وأكله، وهذا تيسير من الله على العباد.
(١٨) مسألة: حدود حرم المدينة المنورة: بريد طولًا في بريد عرضًا، وكل بريد أربعة فراسخ، وهو ما بين جبل "عير" وهو جبل جنوب الميقات إلى جبل "ثور" وهو جبل خلف جبل "أحد" المشهور من جهة الشمال، وما بين لابتيها هو حدٌّ لحرمها من جهتي المشرق والمغرب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "حرم المدينة ما بين ثور وعير"، وقال: "ما بين لابتيها حرام" والمراد باللَّابة: الحرة، وهي: الأرض التي يُوجد على سطحها حجارة سود. [فرع]: لا يوجد إلا حَرَمان: حرم مكة، وحرم المدينة، فلا صحة لما يُقال: "حرم القدس" أو حرم المسجد الإبراهيمي، أو حرم وادي وج بالطائف؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الحل =
стр. 1233
في "الفنون": الكعبة أفضل من مجرد الحجرة فأما والنبي ﷺ فيها: فلا والله، ولا العرش وحملته، ولا الجنة؟ لأن بالحجرة جسدًا لو وُزِن به لرجح" أ. هـ. وتُضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل (١٩).
في جميع الأراضي، واستثنى الشارع حرم مكة، والمدينة؛ لورود النص فيهما - وغيرهما يبقى على الأصل وهو: الحل، فنستصحبه ونعمل به، فإن قلتَ: إن وادي وجِّ حرم يحرم صيده وقطع شجره وهو قول الشافعي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صيد وج وعضاها محرم" قلتُ: إن هذا الحديث قد ضعَّفه كثير من أئمة الحديث ومنهم أحمد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في هذا الحديث الذي احتج به الشافعي" فعندنا: ضعيف، وعند الشافعي: قوي.
(١٩) مسألة: يُستحب أن يسكن المسلم بمكة مجاورًا لبيت الله تعالى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنكِ لأحب البقاع إلى الله" - يقصد مكة - فيلزم من هذا: أن مكة أفضل من المدينة وغيرها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره، وتُضاعف فيها الحسنات، وكذا السيئات، وقد أُلِّف في فضل مكة على المدينة مؤلَّفات عديدة، تنبيه: قوله: "قال في الفنون" إلى قوله: "لرجح" حكاه المصنف عن ابن عقيل، وهذا يُستبعد أن يقوله عالم من علماء الأمة كابن عقيل؛ لعدم قبول الشرع والعقل له، ولذلك ينبغي أن لا يُنقل.
هذه آخر مسائل باب "حكم صيد الحرم المكي والمدني وحكم النبات فيهما" ويليه باب "طريقة وصفة دخول مكة والطواف والسعي"
стр. 1234
باب ذكر دخول مكة وما يتعلَّق به من الطواف والسعي
(يُسنُّ) دخول مكة (من أعلاها) والخروج من أسفلها (١) (و) يُسنُّ دخول (المسجد) الحرام (من باب بني شيبة)؛ لما روى مسلم وغيره عن جابر: "أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ثم دخل" (٢)، ويُسنُّ: أن يقول عند دخوله: "بسم الله وبالله ومن الله، وإلى الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك" وإذا خرج قال: "افتح لي أبواب فضلك" ذكره في "أسباب الهداية" (٣)
باب طريقة وصفة دخول مكة والطواف والسعي
وفيه أربع وأربعون مسألة:
(١) مسألة: يُستحب أن تُدخل مكة من أعلاها - أي من جهة الحجون ومن ثنية كداء وهو طريق بين جبلين - ويُستحب الخروج من أسفلها - أي: من كُدي عند ذي طوى، وهو المعروف بباب الشبيكة -؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الدخول من تلك الجهة يواجه باب الكعبة، وتكون أقرب شيء إليه، والبيوت تُؤتى من أبوابها، وخروجه من تلك الجهة أنسب وأسهل.
(٢) مسألة: يُستحب أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة - وهو يُوجد بالمسعى تجاه مقبرة المعلاة قرب باب السلام -؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أقرب الأبواب إلى الكعبة، ويواجه بذلك باب الكعبة والحجر الأسود، وهذا أشرف جهات الكعبة.
(٣) مسألة: يُستحب أن يقول الداخل للمسجد الحرام: "بسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك" ويُستحب أن يقول الخارج منه - بعد =
стр. 1235
(وإذا رأى البيت: رفع يديه)؛ "لفعله ﷺ " رواه الشافعي عن ابن جُريج (وقال: ما ورد) ومنه: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبرًا وزد مَنْ عظَّمه، وشرَّفه ممن حجه واعتمره تعظيمًا وتشريفًا، وتكريمًا ومهابةً وبرًا" "الحمد لله رب العالمين كثيرًا كما هو أهله، وكما ينبغي لكريم وجهه، وعز جلاله" و"الحمد لله الذي بلّغني بيته، ورآني لذلك أهلًا، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك" "اللهم تقبَّل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت" يرفع بذلك صوته (٤) (ثم يطوف مضطبعًا) في كل أسبوعه استحبابًا إن
"وإلى الله" -: "اللهم افتح لي أبواب فضلك"؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُستحب أن يقول ذلك عند دخول المساجد العادية والخروج منها فكذلك يقوله عند دخوله المسجد الحرام والخروج منه بجامع: أن كلًا منها مساجد الله تعالى، بل إن المسجد الحرام أولى بذلك؛ لأنه أعظم المساجد، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى بركة ما سيفعل من صلاة في المسجد، وعمل خارجه كما قاله ابن الجوزي في كتابه: "أسباب الهداية".
(٤) مسألة: يُستحب لمن دخل المسجد الحرام ورأى الكعبة أن يقف على مقربة منها، ويرفع كفيه إلى السماء ويقول رافعًا صوته: "اللهم أنت السلام ومنك السلام .. " إلى آخر ما ذكره المصنف؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قال ذلك رافعًا يديه، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كانوا يفعلون ذلك، الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه يُستحب رفع الصوت في التلبية فكذلك ما نحن فيه مثله، والجامع: أن كلًا منهما ذكر مشروع، وهو من شعار الحج والعمرة، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء ورفع اليدين ورفع الصوت به مناسب للحال؛ حيث إنه أقرب للاستجابة، لكونه قد وصل من السفر أشعث أغبر من أثر السفر.
стр. 1236
لم يكن حامل معذور بردائه، و"الاضطباع": أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، وإذا فرغ من الطواف: أزال الاضطباع (٥) (يبتدئ المعتمر بطواف العمرة)؛ لأن الطواف تحية المسجد الحرام فاستُحبَّت البدائة به، ولفعله ﷺ (و) يطوف (القارن والمفرد للقدوم) وهو: الورود (٦) (فيُحاذي الحجر الأسود بكُلِّه) أي: بكل بدنه، فيكون مبدأ طوافه، لأنه ﷺ كان يبتدئ به (٧)
(٥) مسألة: يُستحب للحاج والمعتمر أن يضطبع عند طواف القدوم والعمرة بأن يجعل طرفي ردائه فوق كتفه الأيسر، ويجعل وسطه تحت كتفه الأيمن، فيكون كتفه الأيمن مكشوفًا، يفعل ذلك في الأشواط السبعة، فإذا فرغ منها: أزال ذلك وغطَّى كتفيه بردائه، يفعل هذا إن لم يكن حاملًا بردائه بعض الأشياء من متاع، أو طفل ونحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن الاضطباع يجعل الطائف أنشط في القيام بهذه العبادة، ويسقط عنه إن حمل شيئًا؛ لوجود المشقة.
(٦) مسألة: يبدأ المحرم الداخل للمسجد الحرام وهو يريد نُسكًا بالطواف على الكعبة، وينويه لطواف العمرة إن كان مُتمتِّعًا، أو معتمرًا، وينويه لطواف القدوم إن كان قارنًا أو مفردًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قام بالطواف على البيت قبل أن يفعل أيَّ شيء - كما قالت عائشة ﵂؛ الثانية: فعل الصحابي؛ حيث ثبت أن أبا بكر وعمر وابنه وعثمان ﵃ كانوا يطوفون أول ما يدخلون المسجد الحرام إذا كانوا مُريدين لنسك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الطواف تحية المسجد الحرام، ويُبدأ بالتحية قبل كل شيء، فإن قلتَ: لمَ سُميَّ بطواف القدوم؟ قلتُ: لأنه أول ما يفعله القارن والمفرد حين يقدم ويرد مكة.
(٧) مسألة: إذا أراد أن يطوف بالبيت: فإنه يقف مُقابل الحجر الأسود بجميع بدنه، وينظر إليه، ثم يبدأ الطواف؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للاحتراز من أن يميل عنه يمينًا أو يسارًا فيقلُّ أجره.
стр. 1237
(ويستلمه) أي: يمسح الحجر بيده اليمنى، وفي الحديث: "أنه نزل من الجنة أشدُّ بياضًا من اللَّبن فسوَّدته خطايا بني آدم" رواه الترمذي وصحَّحه (٨) (ويُقبِّله)؛ لما روى عمر ﵁ أن النبي ﷺ استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفت فإذا بعمر بن الخطاب يبكي فقال: "يا عمر هاهنا تسكب العبرات" رواه ابن (ماجه) (٩) نقل الأثرم: ويسجد عليه، وفعله ابن عمر وابن عباس (١٠) (فإن شقَّ) استلامه وتقبيله: لم يُزاحم، واستلمه بيده و (قبَّل يده)؛ لما روى مسلم عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ استلمه وقبَّل يده" (١١) (فإن شقَّ): استلمه بشيء وقبَّله، روي
(٨) مسألة: يُستحب عند ابتداء الطواف: أن يستلم الحجر الأسود بأن يمسح عليه بيده اليمنى؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لتحيته بالمصافحة كما يفعل في بني آدم، لذلك انقلب لونه الأبيض إلى أسود بسبب خطايا بني آدم كما ورد.
(٩) مسألة: يُستحب عند ابتداء الطواف: أن يُقبِّل الحجر الأسود، للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لإتمام تحيته بالتقبيل، وكأنه يُقبِّل شخصًا اشتاق إليه لمحبته.
(١٠) مسألة: يُستحب أن يميل وينهزع باتجاه الحجر عند تقبيله كهيئته عندما يُريد السجود؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن ابن عمر قد فعل ذلك، وقال: إني رأيتُ رسول الله ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لتأكيد التذلُّل لله، ولتيسير التقبيل.
(١١) مسألة: إذا شقَّ استلام الحجر باليد وتقبيله: فإنه يستلمه بيده فقط، ثم يُقبِّلها؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفعُ مزاحمة الناس، وفيه دفع مفسدة عنه وعن غيره.
стр. 1238
عن ابن عباس (١٢)، فإن شقَّ (اللُّمس: أشار إليه) أي: إلى الحجر بيده أو بشيء، ولا يُقبِّله، لما روى البخاري عن ابن عباس قال: "طاف النبي ﷺ على بعير، كُلَّما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبَّر" (١٣) (ويقول) مستقبل الحجر بوجهه - كُلَّما استلمه - (ما ورد) ومنه: "بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ "؛ لحديث عبد الله بن السائب: "أن النبي ﷺ كان يقول ذلك عند استلامه" (١٤) (ويجعل البيت عن يساره)؛ لأنه ﷺ طاف
(١٢) مسألة: إذا شقَّ استلام الحجر بيده: فإنه يستلمه بشيء كعصا ونحوه ثم يُقبِّل ذلك الشيء؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ كما سبق في مسألة (١١).
(١٣) مسألة: إذا شقَّ استلام ولمس الحجر بيده أو بأي شيء: فإنه يُشير إليه بيده أو بأي شيء، ولا يُقبِّل آلة الإشارة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيه دفع مشقة عنه وعن غيره، ولا داعي لتقبيل آلة الإشارة؛ لعدم لمسها له.
(١٤) مسألة: يُستحب أن يقول عند الابتداء بالطواف واستقباله للحجر ما ورد، ومنه: "بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ " أما عند ابتداء كل شوط فيقتصر على قول: "بسم الله والله أكبر"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تأكيد للتوحيد، وسبب لبركة الدعاء ويقتصر في كل شوط أن يقول: "بسم الله، والله أكبر" لأن الطواف كالصلاة؛ حيث إنه في الصلاة يُكبِّر تكبيرة الإحرام ثم يدعو دعاء الاستفتاح في ابتدائها، ولا يفعل ذلك في الركعات الأخرى، والطواف مثلها.
стр. 1239
كذلك وقال: "خذوا عني مناسككم" (١٥) (ويطوف سبعًا يرمل الأفقي) أي: المحرم من بعيد من مكة (في هذا الطواف) فقط إن طاف ماشيًا، فيُسرع المشي، ويُقارب الخطى (ثلاثًا) أي: في ثلاثة أشواط (ثم) بعد أن يرمل الثلاثة أشواط (يمشي أربعًا) من غير رمل؛ لفعله ﷺ (١٦)، ولا يُسن رمل الحامل معذور، ونساء، ومحرم من مكة
(١٥) مسألة: يجب أن يجعل الكعبة عن يساره أثناء الطواف؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم" وكان ﷺ يجعل الكعبة عن يساره أثناء طوافه، فوجب؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك مع أن اليمين تستعمل لكل شيء مكرَّم؟ قلتُ: ليكون قلبه محل الإيمان قريبًا من الكعبة؛ محبة لله وتعظيمًا له، وللاعتماد على الرجل اليسرى عند الدوران على الكعبة وهذا أنشط للعمل.
(١٦) مسألة: يُستحب للآفاقي - وهو من جاء مُحرمًا من المواقيت الخمسة -: أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط - وهو: الإسراع في المشي ومقاربة الخطى - ثم يمشي في الأشواط الأربعة الباقية مشيًا عاديًا، وذلك في طواف العمرة للمتمتع، والمعتمر، وفي طواف القدوم للقارن والمفرد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك في العمرة، والقِران، وعمرة التمتع، والإفراد مثل ذلك؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لمَ استحب الرَّمل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إبطال لما زعمه كفار قريش من أن المسلمين قد أضعفتهم حُمَّن يثرب، واستمر عليه النبي ﷺ حتى بعد فتح مكة؛ للتذكير فيما عاناه المسلمون في سبيل الدعوة إلى الله، فإن قلتَ: لمَ لا يُفعل الرَّمل في الأشواط الأربعة الباقية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الاستمرار في الرَّمل فيه مشقة، فدفعًا لذلك لم يُشرع روي عن ابن عباس، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي الدوران حول الكعبة شوطًا؟ قلتُ: لأن الشوط عند العرب هو الجري مرة إلى الغاية.
стр. 1240
أو قربها (١٧)، ولا يُقضى الرَّمل إن فات في الثلاثة الأولى (١٨)، والرَّمل أولى من الدنوِّ من البيت (١٩)، ولا يُسنُّ رمل، ولا اضطباع في غير هذا الطواف (٢٠)، ويُسن أن (يستلم الحجر والركن اليماني) في (كل مرة) عند محاذاتهما؛ لقول ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في طوافه" قال نافع: "وكان
(١٧) مسألة: لا يُستحب الرَّمل لمن حمل معه مريضًا أو صغيرًا أو متاعًا، ولا يُستحب أن ترمل النساء، ولا من رافقهن، ولا يُستحب أن يرمل من أحرم داخل حدود الحرم؛ للمصلحة؛ حيث إنَّ رمل من حَمَل معه شيئًا فيه مشقة، ورَمْل النساء فيه تسبُّب لظهور عورتها، ورَمْل من رافقهن بدونهن فيه مشقة عليهم وعليهن، ورَمْل من هو داخل الحرم لا يُحقق الغرض الذي من أجله شرع الرَّمل، فدفعًا لذلك كله: لم يشرع الرمل هنا.
(١٨) مسألة: إذا لم يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى: فإنه يسقط عنه؛ للتلازم حيث إن الرَّمل شرع في الثلاثة الأولى فيلزم من فوات محلِّه: سقوطه، ولا يُقاس عليها غيرها.
(١٩) مسألة: إذا تمكَّن من الرَّمل: فإنه يفعله وإن كان بعيدًا عن البيت، وهو أفضل من الدنو منه مع عدم الرَّمل؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان لا يترك الرَّمل، ولكن دنوُّه من البيت لم يرد فيه شيء، فيكون مُباحًا، فيقدَّم المستحب على المباح؛ تحصيلًا لأجر المستحب، وهو المقصد منه.
(٢٠) مسألة: لا يُشرع الرَّمل ولا الاضطباع في غير طواف العمرة للمتمتع والمعتمر، وطواف القدوم للقارن والمفرد؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم مشروعيتهما، ولكن شُرعا؛ للسنة الفعلية في هذا الطواف، ويبقى غيره من أنواع الطواف على الأصل: وهو عدم الرمل والاضطباع فيها، فنستصحبه ونعمل به.
стр. 1241
ابن عمر يفعله" رواه أبو داود، فإن شقَّ استلامهما: أشار إليهما، لا الشامي - وهو أول ركن يمرُّ به - ولا الغربي - وهو ما يليه - (٢١) ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، وفي بقية طوافه: "اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم" وتسنُّ القراءة فيه (٢٢) (ومن ترك شيئًا من الطواف) ولو يسيرًا من شوط من السبعة: لم
(٢١) مسألة: يُستحب أن يستلم الحجر، والركن اليماني - وهو: الركن الواقع في جهة اليمن الذي هو قبل الركن الذي فيه الحجر - إذا ساواهما وذلك في يده إن قدر، فإن شقَّ ذلك: فإنه يُشير إلى الحجر الأسود فقط، أما الركن اليماني فلا يُشير إليه، وذلك في كل شوط، ولا يستلم الركن الشامي - وهو: أول ركن يمرُّ به بعد ركن الحجر، وهو المتجه إلى الشام - ولا يستلم الركن الغربي، وهو المتجه إلى الغرب، ولا يُشير إليهما؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ لا يفعل ذلك في الركن الشامي والغربي؟ قلتُ: للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم الاستلام والإشارة، ولكن شرع ذلك في الحجر والاستلام في اليماني؛ لثبوت ذلك بالسنة الفعلية، فيبقى الباقي على الأصل وهو عدم الاستلام والإشارة، فإن قلتَ: لمَ لا يُشير إلى الركن اليماني؟ قلتُ: للاستصحاب؛ حيث لم يرد ذلك في الشريعة، فيبقى على نفيه.
(٢٢) مسألة: يُستحب أن يدعو أثناء طوافه بما شاء، ويقرأ القرآن، ومن ذلك قوله: "اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم"، ويقول بين الركن اليماني والحجر: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الدعاء والقراءة أفضل الذكر، فناسب قوله هنا.
стр. 1242
يصح؛ لأنه ﷺ طاف كاملًا وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢٣) (أو لم ينوه) أي: ينوي الطواف: لم يصح؛ لأنه عبادة أشبه الصلاة، ولحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (أو) لم ينو (نسكه): بأن أحرم مُطلقًا، وطاف قبل أن يصرف إحرامه لنسك مُعيَّن: لم يصح طوافه (٢٤) (أو طاف على الشاذَرْوَان) بفتح الذال - وهو: ما فضل من
(٢٣) مسألة: إذا ترك شيئًا من شوط يعرفه ولو يسيرًا: فلا يصح ذلك الشوط، ويُعيده، ويُكمل طوافه؛ للسنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد طاف بالبيت طوافًا كاملًا، وقال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا الذي ترك جُزءًا من شوط لا يُسمَّى طائفًا بكل البيت، فيلزم عدم صحته؛ لعدم إتيانه به على المشروع. [فرع]: إذا شكَّ بعد فراغه من الطواف هل طاف سبعًا أو ستًا؟ أو شكَّ هل ترك جُزءًا من شوط أو لا: فطوافه صحيح، أما إذا شكَّ في ذلك قبل فراغه من الطواف: فإنه يزيد شوطًا آخر؛ للمصلحة؛ حيث إن فعل شوط بعد الفراغ من الطواف فيه مشقة، أما فعله قبل ذلك: فلا مشقة فيه عادة فخولف في الحكم لأجل ذلك. [فرع آخر]: إذا قطع طوافه لعذر: كأن يقطعه؛ لكونه قد أحدث فيه وذهب ليتوضأ أو فصل بين شوطين فصلًا غير طويل، أو حضرت جنازة وصلى عليها، أو أقيمت صلاة مفروضة: فإنه يبني على ما سبق، ويُكمل طوافه؛ للمصلحة؛ حيث إن استئناف الطواف من جديد للمعذور بذلك فيه مشقة، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(٢٤) مسألة: يُشترط أن ينوي المحرم أنه سيطوف لعمرة التمتع، أو للعمرة، أو للقِران، أو للإفراد، فلو لم ينو، أو نوى في أثنائه، أو نوى طوافًا لكنه لم يُعيِّن نسكه: فلا يصح طوافه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" والطواف عمل شرعي فلا يصح إلا بنية أنه طاعة، ويُنوى نوع تلك الطاعة؛ لعموم لفظ "الأعمال" كما سبق فإن قلتَ: لمَ اشتُرط =
стр. 1243
جدار الكعبة -: لم يصح طوافه؛ لأنه من البيت فإذا لم يطف به: لم يطف بالبيت جميعه (٢٥) (أو) طاف على (جدار الحِجْر) بكسر الحاء المهملة: لم يصح طوافه؛ لأنه ﷺ طاف من وراء الحجر والشاذَرْوَانَ وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢٦) (أو) طاف
ذلك؟ قلتُ: لما ذكرناه في سبب اشتراط النية لجميع العبادات، فإن قلتَ: لا تُشترط النية هنا وهو قول بعض الحنفية وبعض الشافعية؛ للقياس، بيانه: كما أن نية الصلاة من أولها تكفي عن جميع أفعالها؛ فكذلك نية النسك عند الإحرام من الميقات تكفي عن جميع أفعاله قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن أعمال الصلاة مُتقاربة، لذلك اشتُرط الموالاة فيها، بخلاف الحج فإن أعماله متباعدة، فقد يكون بين إحرامه من الميقات ووصوله للكعبة الساعات الطويلة بل الأيام أحيانًا، لذلك لا بد من تجديد النية لكل عمل من أعمال الحج، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في أعمال الحج هل هي مثل أعمال الصلاة من حيث النية أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم نعم.
(٢٥) مسألة: إذا طاف فوق الشاذَرْوَان - وهي شيء مُرتفع عن الأرض ملتصق بجدار الكعبة فاضل عنه؛ ليحميه من السقوط -: فلا يصح طوافه؛ للتلازم؛ حيث إن الواجب: الطواف بجميع البيت، والشاذروان داخل فيه، فيلزم من الطواف فوقه: عدم الطواف بجميع البيت، بل ببعضه، وهذا يلزم منه: عدم صحة طوافه.
(٢٦) مسألة: إذا طاف دون الحِجْر - وهو: البناء المقوَّس بين الركن الشمالي الشامي، وبين الركن الغربي - أو طاف على جداره: فلا يصح طوافه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن الحِجْر فقال: "إنه من البيت" و"منْ" للتبعيض، والمراد أن الحِجْر داخل =
стр. 1244
وهو (عريان أو نجس) أو مُحدِث: (لم يصح) طوافه؛ لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه" رواه الترمذي، والأثرم عن ابن عباس ﵃ (٢٧)، ويُسنُّ
في البيت، وإذا كان الأمر كذلك: فلا يصح الطواف دونه أو فوق جداره؛ لكونه لا يُسمَّى طائفًا بجميع البيت، الثانية: السنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد طاف من وراء الحِجْر، وقال: "خذوا عني مناسككم" وهذا يلزم منه: أنه من البيت؛ لذا طاف من وراءه؛ ليُحقِّق الطواف بجميع البيت، فإن قلتَ: إذا كان الحِجْر من البيت، فلِمَ لم يبن مع الكعبة؟ قلتُ: لأن قُريشًا لما أرادت أن تبني البيت على قواعد إبراهيم من كسب حلال: لم يكن عندهم منه ما يتحمَّل نفقة بناء البيت كله، فأجمعوا على ترك بعضه، ولم يتركوا الجهة التي فيها الحجر الأسود؛ لفضله وكرامته، ولم يتركوا جهة الركن اليماني؛ لفضله عندهم، فكان الأولى بالترك الجهة الشمالية الغربية بهذه المساحة التي تسمَّى بـ "الحجر" فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بالحِجْر؟ قلتُ: نظرًا لتحجيره بالجدار فصار كالحجرة، وقد فعل ذلك به ليُطاف من ورائه، وقد سمَّاه بعضهم بالحطيم، وهذا غير صحيح؛ لأن الحطيم: ما بين الحجر الأسود والمقام كما ورد.
(٢٧) مسألة: إذا طاف وهو عريان - أي مُتكشِّف العورة وهي من السِّرَّة إلى الركبة للرجل، والمرأة كلها عورة -، أو كان مُحدِثًا - حدثًا أكبر أو أصغر -: فلا يصح طوافه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلَّمون فيه" فيلزم من تشبيه الطواف بالصلاة: عدم صحة طواف مُنكشف العورة، والمحدِث؛ لأن ستر العورة والطهارة شرطان من شروط الصلاة، فيكونان شرطين للطواف، فيلزم من عدمهما: بطلان الطواف والصلاة؛ فإن قلتَ: لمَ لا يصح طواف مُنكشف العورة، والمحدث؟ قلتُ: لما ذكرناه في سبب اشتراط ستر العورة والطهارة للصلاة وقد سبق في باب "شروط الصلاة".
стр. 1245
فعل باقي المناسك كلها على طهارة (٢٨)، وإن طاف المحرم لابس مخيط: صحَّ وفدى (٢٩) (ثم) إذا تمَّ طوافه (يُصلِّي ركعتين) نفلًا، يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص بعد الفاتحة، وتُجزئ مكتوبة عنهما، وحيث ركعهما: جاز، والأفضل كونهما (خلف المقام)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣٠) فصل:
(٢٨) مسألة: يُستحب أن يعمل الحاج والمعتمر باقي المناسك - غير الطواف - وهو على طهارة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكمل في الدِّين، وأطهر للمسلمين.
(٢٩) مسألة: إذا طاف الرَّجل المحرم وهو لابس للمخيط: فيصح طوافه، ولكن تجب عليه فدية أذى - وهو: إما ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدُّ من البر أو الأرز، أو نصف صاع من غيرهما -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كمال شروط الطواف؛ صحته، ويلزم من فعل المحظور - وهو لبس المخيط -: إخراج فديته، وقد سبق.
(٣٠) مسألة: إذا فرغ من طوافه: فإنه يُستحب أن يصلي ركعتين نفلًا يقرأ في الأولى بالفاتحة ثم بسورة "الكافرون" ويقرأ في الثانية الفاتحة ثم بسورة الإخلاص، ويُصلِّي هاتين الركعتين في أي مكان اختاره ولو خارج المسجد الحرام، ولكن الأفضل: أن يُصلِّيهما خلف مقام إبراهيم مباشرة إن أمكن؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلَّاهما خلف مقام إبراهيم، وقرأ بهاتين السورتين، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد صلَّاهما خارج المسجد الحرام، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لاستكمال شكر الله وتعظيمه، فإن قلتَ: لمَ يقرأ بهاتين السورتين؟ قلتُ: لتجديد التوحيد، فإن قلتَ: لمَ لم يُعيِّن لهما مكانًا معينًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بمقام إبراهيم؟ قلتُ: لأن إبراهيم قد قام عليه حين ارتفع بناء الكعبة؛ ليُكمله؛ وكان هذا المقام قريبًا جدًا من الكعبة فأبعده عمر ﵁؛ لما رأى أن الناس قد تضايقوا منه عند طوافهم.
стр. 1246
(ثم) بعد الصلاة يعود و (يستلم الحَجَر)؛ لفعله ﷺ (٣١) ويُسنُّ الإكثار من الطواف كل وقت (٣٢) (ويخرج إلى الصفا من بابه) أي: باب الصفا؛ ليسعى (فيرقاه) أي: الصفا (حتى يرى البيت) فيستقبله (ويُكبِّر ثلاثًا ويقول ما ورد) ثلاثًا، ومنه: "الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يُحيي ويُميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ويدعو بما أحب ولا يُلبِّي (٣٣) (ثم ينزل) من الصفا (ماشيًا إلى) أن يبقى بينه وبين (العلم الأول) وهو: الميل الأخضر في ركن المسجد نحو ستة أذرع (ثم يسعى) ماشيًا سعيًا
(٣١) مسألة: إذا فرغ من ركعتي الطواف: يُستحب له أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه بيده، ولا يُقبِّله؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك؛ فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في تعظيم بيت الله، وهذا فيه أعظم الأجر، وفيه توديعه إلى لقاء قريب.
(٣٢) مسألة: يُستحب الإكثار من الطواف على الكعبة في كل وقت؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك من أعظم مُحصِّلات الحسنات؛ حيث إن النظر إلى الكعبة عبادة كما قال كثير من السلف.
(٣٣) مسألة: إذا فرغ من ركعتي الطواف: فإنه يتوجَّه إلى الصفا؛ ليسعى، فيرقى الصفا، ثم يقف مُوجِّهًا وجهه إلى الكعبة، ويرفع يديه، ويقول: "الله أكبر .. " إلى آخر ما ذكره المصنف هنا، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية، حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد فعل ذلك وأطال الدعاء وهو واقف هنا، فإن قلتَ: لمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجديد التوحيد، وسبب لاستجابة الدعاء، تنبيه: قوله: "ولا يُلبِّي" سيأتي بيانه في مسألة (٤٤).
стр. 1247
(شديدًا إلى) العلم (الآخر) وهو: الميل الأخضر بفناء المسجد حذاء دار العباس (ثم يمشي ويرقى المروة، ويقول ما قاله في الصفا ثم ينزل) من المروة (فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعل ذلك) أي: ما ذكر من المشي والسعي (سبعًا: ذهابه سعية، ورجوعه سعية) يفتتح بالصفا، ويختم بالمروة (٣٤)،
(٣٤) مسألة: طريقة السعي بين الصفا والمروة: أنه إذا فرغ من التكبير والدعاء الذي يقوله إذا اعتلى الصفا: فإنه ينزل من الصفا ماشيًا أو راكبًا، فإذا وصل إلى العَلَم الأخضر الأول: فيُستحب للرجل الماشي أن يُهرول قليلًا، فإذا وصل إلى العَلَم الأخضر الثاني: يترك الهرولة، ويمشي مشيًا عاديًا إلى أن يصل إلى المروة - وهو: جبل صغير مقابل للصفا -، فإذا صعد عليه استحب أن يفعل ويقول مثل ما فعل وقال عندما صعد الصفا، ثم ينزل من المروة ماشيًا فإذا وصل إلى العَلَم الأخضر: فإنه يُهرول قليلًا، فإذا وصل إلى العلم الأخضر الآخر يمشي، ويستمر في ذلك حتى يصل إلى أول الصفا، وهكذا يفعل في ستة الأشواط الباقية، فتكون سبعة: ذهابه من الصفا إلى المروة يُعتبر شوطًا واحدًا، ورجوعه من المروة إلى الصفا يُعتبر شوطًا واحدًا، فيكون مُفتتحًا سعيه بالصفا، ومُختتمًا له بالمروة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع السعي، وشرع الركض بين العلمين؟ قلتُ: للتذكير بعظمة الله وقدرته على صنع المعجزات؛ حيث إن قصة ذلك: أن إبراهيم قد ترك إسماعيل وأمه بين الصفا والمروة، ففرغ ما عندهما من طعام وشراب، فجعل إسماعيل يبكي من شدة العطش وهو طفل، فبدأت أمه تدور بين الصفا والمروة لعلها ترى أحدًا يُنقذها، سبع مرات، وكانت كلما مرت من عند ولدها أسرعت في المشي - وهو: هذا الذي بين العَلَمَين - فنزل جبريل بأمر من الله فضرب برجله الأرض فنبع الماء - وهو المعروف بماء زمزم - فشربت أم إسماعيل فدرَّ لبنها فأرضعت ولدها، وسُمِّي جبل الصفا بهذا: لصلابة وقوة حجارته، وسمي =
стр. 1248
ويجب استيعاب ما بينهما في كل مرَّة، فيُلصق عقبه بأصلهما إن لم يرقهما، فإن ترك مما بينهما شيئًا ولو دون ذراع: لم يصح سعيه (٣٥) (فإن بدأ بالمروة: سقط الشوط الأول) فلا يحتسبه (٣٦)، ويُكثر من الدعاء والذكر في سعيه، قال أبو عبد الله: كان
جبل المروة بذلك لبياض حجارته ولمعانها. [فرع]: يُباح أن يسعى راكبًا شيئًا ولو من غير عذر؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك في السعي دون الطواف؟ قلتُ: لأن الطواف صلاة، والصلاة لا تصح على الراحلة فكذلك الطواف، أما السعي فليس بصلاة: لذلك جاز السعي على الراحلة وبلا طهارة.
(٣٥) مسألة: يجب أن يكون سعيه مستوعبًا لما بين الصفا والمروة في كل شوط: بأن يتم الشوط من أول الصفا إلى أول المروة بحيث يلصق بهما لصوقًا لا يترك شيئًا بينه وبين أحدهما، فإن ترك مساحة ولو مترًا واحدًا أو نصفه قصدًا: فإن ذلك الشوط الذي ترك منه ذلك يفسد فيُعيده؛ للتلازم؛ حيث إن الواجب السعي بين الصفا والمروة، والذي ترك شيئًا لا يُسمَّى ساعيًا، فيلزم بطلان ذلك الشوط الذي ترك منه شيئًا.
(٣٦) مسألة: إذا بدأ بالسعي من المروة: فإنه يسقط الشوط الأول من الحساب، فيجب أن يبدأ من الصفا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ابدأ بما بدأ الله به" وقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويلزم منه: أنه لو بدأ من المروة: فإن الشوط الأول يكون فاسدًا؛ لكونه مخالفًا لما أمر الله به، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كل شوط منفرد عن الآخر، فيكفي أن يُعيد الفاسد، دون أن يعيد الأشواط كلها؛ لما فيه من المشقة العظيمة.
стр. 1249
ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: "رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم" (٣٧)، ويُشترط له نية وموالاة، وكونه بعد طواف نسك ولو مسنونًا (٣٨) (وتُسنُّ فيه الطهارة) من الحدث والنَّجس (والستارة) أي: ستر العورة، فلو سعى مُحدثًا، أو نجسًا، أو عريانًا: أجزأه (٣٩) (و) تُسنُّ (الموالاة) بينه وبين
(٣٧) مسألة: يُستحب الإكثار من الذكر والدعاء في السعي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما جُعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله " الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن مسعود "كان يدعو في سعيه" لمناسبة ذلك للمقام والحال.
(٣٨) مسألة: يُشترط أن ينوي لسعيه، فينوي أنه يسعى لعمرة، أو لحج التمتع أو القِران أو الإفراد، وكذلك تُشترط الموالاة بين الأشواط، فلا يفصل بينها فصلًا طويلًا بدون عذر؛ وكذلك يُشترط أن يسعى بعد طواف نسك ولو كان ذلك نافلة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما تشترط النية والموالاة في الطواف فكذلك السعي مثله والجامع: أن كلًا منهما عبادة واحدة فلا تصح إلا بنية، ومتابعة العمل فيها، الثانية: الاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء وتتبع أحوال النبي ﷺ وأحوال أصحابه أنهم كانوا لا يسعون إلا بعد طواف. [فرع]: يُباح الفصل القصير بين شوطين من أشواط السعي لعذر كحصر بول أو غائط، أو صلاة فرض، أو صلاة جنازة، أو شرب ماء، أو أكل شيء احتاجه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة قد تلحق به؛ لكون وقت السعي طويلًا.
(٣٩) مسألة: يُستحب أن يكون الساعي على طهارة من الأحداث والأنجاس، وأن يكون ساترًا لعورته، ولا يجبان، فلو سعى، بلا طهارة، أو هو مُنكشف العورة: صحَّ سعيه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم تعلُّق السعي بالبيت: عدم وجوب الطهارة والستارة؛ لكونهما يختصان بما يتعلَّق به كالصلاة والطواف، =
стр. 1250
الطواف (٤٠)، والمرأة لا ترقى الصفا ولا المروة، ولا تسعى سعيًا شديدًا (٤١)، وتُسنُّ مبادرة معتمر لذلك (٤٢) (ثم إن كان مُتمتعًا لا هدي معه: قصر من شعره) ولو لبَّده، ولا يحلقه ندبًا؛ ليُوفِّره للحج، (وتحلَّل)؛ لأنه تمت عمرته (وإلا) بأن كان مع المتمتع هدي: لم يُقصِّر و (حلَّ إذا حج) فيُدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، والمعتمر غير المتمتع يحلُّ: سواء كان معه هدي، أو لم يكن في أشهر الحج أو غيرها (٤٣) (والمتمتع) والمعتمر (إذا شرع في الطواف: قطع التلبية)؛
الثانية: المصلحة؛ حيث إن الطهارة والستارة قد استحبَّا للساعي؛ لأن ذلك فيه كمال الدِّين، وتمام الصيانة للمؤمنين، والبعد عن الفتن والفساد والمفسدين.
(٤٠) مسألة: تُستحب الموالاة بين الطواف والسعي: بأن يسعى بعد الطواف مباشرة، ولا يجب ذلك، فلو طاف صباحًا، ثم سعى مساء: لصحَّ ذلك، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم تعلُّق السعي بالبيت: عدم وجوب الإتيان به بعد الطواف مباشرة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الموالاة بين الطواف والسعي فيه الحزم على إنهاء نسكه؛ لئلا يحدث ما يُفسده فاستُحب.
(٤١) مسألة: لا يُشرع للمرأة أن ترقى الصفا ولا المروة ولا تُسرع في مشيها بين العَلَمَين عند سعيها؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد نهى المرأة عن ذلك فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع ذلك في حقها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرأة عورة، فيُخشى إن هي أسرعت أو رقت: أن تظهر عورتها، أو تزاحم الرجال في ذلك، فدفعًا لذلك: لم يُشرع لها ذلك.
(٤٢) مسألة: يُستحب للمعتمر أن يُبادر بالسعي إذا فرغ من الطواف؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك في عمرته، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة التي ذكرناها في مسألة (٤٠).
(٤٣) مسألة: إذا فرغ المتمتع من طوافه وسعيه: فإنه يُقصِّر من شعره، وبذلك يتحلَّل، فيحلُّ له كل شيء؛ نظرًا لتمام عمرته، أما إن كان قارنًا - وهو الذي =
стр. 1251
لقول ابن عباس يرفعه: "كان يُمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر" قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" ولا بأس بها في طواف القدوم سرًّا (٤٤).
نواه وساق الهدي معه - أو كان مفردًا: فإنه لا يُقصِّر شعره، بل يستمر في إحرامه إلى أن يفرغ من حجه في يوم النحر، أما إن كان معتمرًا فقط: فإنه بعد فراغه من السعي يُقصِّر أو يحلق، ثم يحلُّ: سواء كان ذلك في أشهر الحج أو لا، وسواء كان قد ساق الهدي أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من كان معه هدي: فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليُقصِّر وليتحلَّل" فوجب هذا الفعل؛ لأن الأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ إذا اعتمر فقط: حلَّ بعد سعيه مُطلقًا، فإن قلتَ: لمَ أمر المتمتع بالتقصير هنا؟ قلتُ: لأجل أن يُوفِّر شعره ليحلقه إذا فرغ من حجه.
(٤٤) مسألة: إذا استلم المتمتع والمعتمر الحجر الأسود مُريدًا الطواف لذلك: فإنه يقطع التلبية - وهو قوله: "لبيك اللهم لبيك … " -، أما القارن أو المفرد: فإنه يقطع التلبية عند البدء برمي جمرة العقبة يوم النحر؛ للسنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: قول ابن عباس: "كان النبي ﷺ يُمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر"، ثانيهما: أنه ﷺ كان قارنًا فلم يزل بالتلبية حتى رمى جمرة العقبة في يوم النحر والمفرد مثله؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن التلبية إجابة إلى العبادة، وشعار للإقامة عليها، فإذا شرع فيما ينافيها وهو التحلُّل منها، أو البدء فيما يوصِّل إلى التحلل - وهو: الطواف للمعتمر، والمتمتع، ورمي الجمرة للقارن والمفرد -: فإنه يكون =
стр. 1252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قد شرع بشيء آخر له ذكر ودعاء آخر؛ حيث إن لكل عبادة وحالة ما يُناسبها، تنبيه: قوله: "ولا بأس بها في طواف القدوم سرًا" يقصد أنه يُباح أن يُلبِّي سرًا في حالة طواف القدوم، قلتُ: إن الراجح ما قلناه؛ لقوة دليله.
هذه آخر مسائل باب "طريقة وصفة دخول مكة والطواف والسعي" ويليه باب "صفة الحج والعمرة وبيان أركانهما وواجباتهما وسننهما"
стр. 1253
باب صفة الحج والعمرة
(يُسنُّ للمُحلِّين بمكة) وقربها حتى المتمتع - حلَّ من عمرته - (الإحرام بالحج يوم التروية) وهو: ثامن ذي الحجة، سُمِّي بذلك، لأن الناس كانوا يتروون فيه الماء لما بعده (قبل الزوال) فيُصلي بمنى الظهر مع الإمام ويسن أن يحرم (منها) أي: من مكة، والأفضل: من تحت الميزاب (ويُجزئ) إحرامه (من بقية الحرم) ومن خارجه، ولا دم عليه (١)، والمتمتع إذا عُدم الهدي وأراد الصوم: سُنَّ له أن يُحرم يوم السابع؛
باب صفة الحج والعمرة وبيان أركانهما وواجباتهما وسننهما
وفيه ثمان وثمانون مسألة:
(١) مسألة: يُستحب للمحل أن يُحرم للحج من المكان الذي هو نازل فيه من مكة، وذلك قبل صلاة الظهر من يوم الثامن من ذي الحجة - وهو يوم التروية -، وإن خرج إلى أي ميقات وأحرم منه: فلا بأس، ويُصلِّي الظهر في مِنى، لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد نزل بالأبطح، ثم أحرم منه يوم التروية، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن أكثر أصحاب النبي ﷺ قد نزلوا بالأبطح، وأحرموا منه، ثم خرجوا إلى منى، وصلوا فيها الظهر، ولم يُنكر عليهم النبي ﷺ : الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن عمر ﵃ كانا يحرمان يوم التروية قبل صلاة الظهر، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بيوم التروية؟ قلتُ: لأن الناس كانوا يروون الماء ويجمعونه لاستعماله في اليوم التاسع وهو يوم عرفة، تنبيه: قوله: "والأفضل من تحت الميزاب" يقصد أن المستحب أن يكون الإحرام للحج من تحت ميزاب الكعبة؛ بأن يكون ملاصق لها، قلتُ: هذا لا دليل عليه، فلا يكون مستحبًا، ثم إن هذا ممتنع ضرورة.
стр. 1254
ليصوم الثلاثة محرمًا (٢) (ويبيت بمنى) ويُصلِّي مع الإمام استحبابًا (٣) (فإذا طلعت الشمس) من يوم عرفة: (سار) من منى (إلى عرفة) فأقام بنمرة إلى الزوال يخطب بها الإمام أو نائبه خطبة قصيرة مُفتتحة بالتكبير، يُعلِّمهم فيها الوقوف ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة (٤) (وكلها) أي: كل عرفة (موقف إلا بطن عُرَنة)؛
(٢) مسألة: يُستحب للمتمتع الذي لم يجد الهدي: أن يُحرم من اليوم السابع من ذي الحجة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا سيجعله يصوم الثلاثة الأيام التي في الحج وهو في حالة إحرامه، وفي ذلك من الأجر مالا يحصل في غيره.
(٣) مسألة: يُستحب للمحرم بالحج أن يُصلِّي في منى الظهر والعصر والمغرب والعشاء في اليوم الثامن، ويبيت فيها ليلة التاسع؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا المكان بمنى؟ قلتُ: لأن الدم يُمنى فيه ويُصبُّ لكثرة ما يذبح فيه.
(٤) مسألة: إذا صلى الفجر بمنى: فيُستحب له أن يجلس قليلًا فيها حتى تطلع الشمس، وبعد ذلك يسير إلى عرفة، ويقف فيها وهو ركن، ويُستحب للإمام أو نائبه أن يخطب الناس خطبة قصيرة بمسجد نمرة وذلك بعد الزوال، يُعلِّم الناس فيها أحكام الشريعة عامة، وأحكام الحج خاصة باختصار، ويفتتح تلك الخطبة بالتكبير لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الحج عرفة"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خطب الناس في هذا اليوم، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يعلم الناس أمور حجهم ودينهم، فإن قلتَ: لمَ يبدأ الخطبة بالتكبير؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان أن الله أعظم وأكبر من هذا التجمُّع، وأكبر من كل شيء قد يعظم في نفوس بعض الناس من خلفاء وملوك وسلاطين، فتصح عقيدة المتيقِّن من ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب تقصير الخطبة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التقصير في هذا المقام =
стр. 1255
لقوله ﷺ : "كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنة" رواه ابن ماجه (٥) (وسُنَّ أن يجمع) بعرفة من له الجمع (بين الظهر والعصر) تقديمًا (٦) (و) أن (يقف راكبًا)
مناسب؛ نظرًا لمراعاة حال الناس من التعب والمشقة، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا المكان بعرفة؟ قلتُ: لأن جبريل قد حج بإبراهيم ﵉، فلما وصل هذا المكان قال إبراهيم: عرفتُ، وهو المروي عن كثير من الصحابة والتابعين، وقيل غير ذلك.
(٥) مسألة: يُباح للحاج أن يقف بجميع ما يُطلق عليه اسم عرفة، إلا بطن عُرَنَة - وهو: واد يسيل فيه الماء - فلا يجزئ الوقوف فيه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "قد وقفتُ هنا، وعرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عُرَنة" فأوجب الشارع ترك وادي عُرَنَة؛ لأن الأمر في قوله: "وارفعوا" مُطلق، فيقتضي الوجوب، فيلزم منه: أن الوقوف في شيء من وادي عُرَنَة لا يُجزئ؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه والنهي يقتضي الفساد: فلا صحة للوقوف في المنهي عنه، فإن قلتَ: لمَ قال ﷺ ذلك وهو واقف في عرفة؟ قلتُ: لأنه رأى الناس قد اجتمعوا عليه وتزاحموا فبيَّن لهم أن الأمر فيه سعة.
(٦) مسألة: يُستحب للإمام أو نائبه ومن صلى خلفه من أهل مكة وغيرهم: أن يجمعوا الظهر والعصر جمع تقديم مع قصرهما بأذان واحد وإقامتين: بأن يؤذن بعد الزوال، ثم يقيم لصلاة الظهر فيُصليها ركعتين، ثم يُسلِّم، ثم يقيم لصلاة العصر فيُصليها ركعتين ثم يُسلِّم؛ للسنة الفعلية والتقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، وصلى بصلاته كل من حج معه من الصحابة وأقرهم على ذلك، ولم يُرو أنه أمر أهل مكة - ممن حج معه - بالإتمام، أو نهاهم عن الجمع، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والاستعداد للدفع إلى مزدلفة فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المشقة عن الحجاج، =
стр. 1256
مستقبل القبلة (عند الصخرات وجبل الرحمة)؛ لقول جابر: "إن النبي ﷺ جعل بطن ناقته القصوى إلى الصَّخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة" ولا يُشرع صعود جبل الرحمة، ويُقال له: "جبل الدعاء" (ويُكثر الدعاء مما ورد) كقوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يُحيي ويُميت، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسر لي أمري" ويكثر الاستغفار، والتضرع، والخشوع، وإظهار الضعف، والافتقار، ويُلحُّ في الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة (٧)
وهو معلوم، ولأجل أن يتفرَّغوا للذكر والدعاء، فإن قلتَ: إنه ﷺ قد أمر أهل مكة بالإتمام قائلًا: "أتموا الصلاة فإنا قوم سفر" لذلك قال المصنف: "ممن له الجمع" يقصدهم؟ قلتُ: إنه ﷺ قال ذلك لأهل مكة في غزوة الفتح لما صلى بهم داخل مكة - كما صحَّت الرواية -، أما عرفة ومزدلفة ومنى فهي خارج مكة فيجوز لهم القصر والجمع فيها.
(٧) مسألة: يُستحب أن يقف بعرفة قريبًا من جبل الرحمة، ويكون أمامه وهو مُستقبل للقبلة إن استطاع، ولا يُشرع صعوده، ويمكث إلى أن تغرب الشمس، على أية حالة أراد: أي: سواء كان واقفًا، أو جالسًا، أو مضطجعًا، وسواء كان راكبًا أو لا، ويُستحب أن يُكثر وهو في هذه الحالة من الدعاء، والتكبير، والتهليل، والتحميد، وأن يكون خاشعًا متذللًا، مُتلهفًا، مُفتقرًا، مُلحًّا بالدعاء بما شاء من أمور آخرته ودنياه، ولا يجوز له أن يستبطئ الاستجابة؛ لقاعدتين؛ الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فوعد أن يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهو مخلص العبادة، ولا يُخلف الله وعده، وستأتيه الإجابة قطعًا ولو بعد حين، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد وقف بقرب هذا الجبل راكبًا ناقته، وهو مستقبل القبلة، ولم يصعده، وقد أكثر ﷺ من الدعاء في هذا المكان قال ابن عباس: "رأيت النبي ﷺ بعرفات يدعو ويداه =
стр. 1257
(ومن وقف) أي: حصل بعرفة (ولو لحظة) أو نائمًا، أو مارًّا، أو جاهلًا أنها عرفة (من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهل له) أي: للحج: بأن يكون مُسلمًا مُحرمًا بالحج، ليس سكرانًا، ولا مجنونًا، ولا مُغمى عليه: (صحَّ حجه)؛ لأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف (وإلا) يقف بعرفة، أو وقف في غير زمنه، أو لم يكن أهلًا للحج: (فلا) يصح حجه؛ لفوات الوقوف المعتدِّ به (٨) (ومن وقف) بعرفة (نهارًا
إلى صدره كاستطعام المسكين"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن استقبال القبلة، وجبل الرحمة في هذا اليوم العظيم سبب للاستجابة.
(٨) مسألة: الوقوف بعرفة يبدأ من طلوع الفجر يوم عرفة وهو التاسع، وينتهي بطلوع الفجر يوم النحر - وهو اليوم العاشر - فإذا وقف المحرم المسلم العاقل المختار في أي جزء من ذلك الوقت ولو دقيقة: فإنه يصح حجه، سواء بعد الزوال أو قبله ولو كان نائمًا، أو جاهلًا أن هذا المكان هو عرفة، لكنه قاصد له، أما إن كان حالة مروره بهذا المكان كافرًا، أو غير محرم، أو مجنونًا، أو مغمى عليه، أو وقف بغير زمن الوقوف فلا يصح وقوفه وبالتالي لا يصح حجه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في حديث عروة بن المضرَّس -: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حجه" قال ذلك في مزدلفة، وهو عام ليوم عرفة، واليوم يكون من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، والليلة تكون من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، فإن قلتَ: لمَ كان وقت الوقوف طويلًا هكذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين المسلمين من الحصول على ذلك؛ لكونه الركن الأعظم في الحج؛ لقوله ﷺ : "الحج عرفة"، فإن قلتَ: لمَ صحَّ حج من وقف وهو لا يعلم أن ما وقف فيه هو عرفة؟ قلتُ: لكونه وجد في أرض عرفة، في زمن الوقوف، وهو مسلم عاقل محرم مختار ناوي للوقوف وقاصد له كما حصل لعروة بن المضرَّس، فإن قلتَ: لمَ صحَّ حج من كان نائمًا طول وقت =
стр. 1258
ودفع) منها (قبل الغروب ولم يَعُد) إليها (قبله) أي: قبل الغروب، ويستمر بها إليه: (فعليه دم) أي: شاة؛ لأنه ترك واجبًا، فإن عاد إليها واستمر للغروب، أو عاد بعده قبل الفجر: فلا دم عليه؛ لأنه أتى بالواجب، وهو: الوقوف بالليل والنهار (٩)،
عرفة مع أنه لا يشعر بشيء؟ قلتُ: لكونه في حكم المستيقظ؛ إذ لو نُبِّه لتنبَّه، بخلاف المجنون، والمغمى عليه، والسكران، فإن قلتَ: لمَ لم يصح وقوف السكران والكافر، والمجنون، والمغمى عليه، ومن وقف بغير مكان عرفة، ومن وقف في غير زمنه؟ قلتُ: لفوات شرط صحة الوقوف الشرعي في هؤلاء الستة، فإن قلتَ: إن من وقف قبل الزوال من يوم عرفة، فلا بدَّ أن يقف بعد الزوال ولو لحظة، فإن ترك الوقوف بعد الزوال: لم يصح حجه وهو قول الجمهور؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد وقف قبل الزوال وبعده وقال: "خذوا عني مناسككم" قلتُ: إن لفظ السنة القولية التي ذكرناها مطلق في الأزمان - وهو قوله: "من شهد صلاتنا … " - فيُجزئ الوقوف قبل الزوال وحده، ويُجزئ الوقوف بعد الزوال وحده، والقولية أقوى من الفعلية؛ لتطرق الاحتمال إلى الفعلية فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القولية" فعملنا بمطلق السنة القولية، لضعف السنة الفعلية هنا.
(٩) مسألة: إذا وقف في عرفة في النهار: فيجب عليه أن يقف جُزءًا من الليل، فلو خرج من عرفة قبل غروب الشمس، ولم يرجع إليها: فحجه صحيح، ويجب عليه دم وهو ذبح شاة، أما لو رجع إليها واستمر إلى الغروب، أو عاد إليها في الليل: فلا شيء عليه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو وقف ساعة من ليل صحَّ حجُّه، فكذلك يصح حج من وقف ساعة من نهار، والجامع: أن كلًا منهما قد وقف في زمن الوقوف، الثانية: التلازم؛ حيث إن الواجب هو الوقوف بالنهار وإدراك جزء من الليل، فيلزم من ذلك أن من ترك =
стр. 1259
(ومن وقف ليلًا فقط: فلا) دم عليه قال في "شرح المقنع": "لا نعلم فيه خلافًا"؛ لقول النبي ﷺ : "من أدرك عرفات بليل: فقد أدرك الحج" (١٠) (ثم يدفع بعد الغروب) مع الإمام أو نائبه على طريق المأزِمَين (إلى مزدلفة) وهي: ما بين المأزمين إلى وادي "مُحسِّر"، ويُسن: كون دفعه (بسكينة)؛ لقوله ﷺ : "أيها الناس السكينة السكينة" (١١) (ويُسرع في الفجوة)؛ لقول أسامة: "كان رسول الله ﷺ يسير العنق،
الليل عليه دم؛ لكونه أخلَّ بالواجب عليه، وهذا جبر له، ويلزم عدم وجوب شيء على من عاد إليها في النهار وانتظر حتى غابت الشمس، أو عاد إليها ليلًا؛ لكونه قد أتى بالواجب عليه فبرأت ذمته.
(١٠) مسألة: إذا وقف في عرفة في ليلة العاشر من ذي الحجة - وهي ليلة العيد - ولو ساعة: صحَّ حجُّه، ولا شيء عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار: فقد تمَّ حجه" وهذا عام فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين كما هو معلوم.
(١١) مسألة: إذا غربت الشمس وهو في عرفة: فإنه يدفع ويتحرَّك ذاهبًا إلى مُزدلفة، ويُستحب أن يكون ذلك في حالة السكينة والهدوء والدعاء والذكر؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك وكان يُشير إلى الناس قائلًا: "أيها الناس السكينة السكينة" أي: عليكم بالسكينة والهدوء، فإن قلتَ: لمَ يدفع بعد غروب الشمس؟ قلتُ: لمخالفة الكفار، حيث إنهم يدفعون قبل غروبها، فائدة: طريق "المأزِمَين" يؤدِّي إلى مُزدلفة بصورة سريعة، وهو مخالف لطريق "ضب" الذي دخل منه إلى عرفة، وهذا العمل يُحقِّق دخول عرفة من طريق، والخروج منها عن طريق آخر كصلاة العيد، فإن قلتَ: لمَ استحب أن يمشوا بهدوء وسكينة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع أذى التزاحم عن الناس، فإن قلتَ: لمَ استحب الدعاء والذكر في حالة الدفع؟ قلتُ: لأنه من أوقات الاستجابة.
стр. 1260
فإذا وجد فجوة نصَّ" أي: أسرع؛ لأن "العنق" انبساط السير، و"النص" فوق العنق (١٢) (ويجمع بها) أي: بمزدلفة (بين العشائين) أي: يُسنُّ لمن دفع من عرفة: أن لا يصلي المغرب حتى يصل إلى مزدلفة فيجمع بين المغرب والعشاء من يجوز له الجمع قبل حطِّ رَحْلِه (١٣)، وإن صلى المغرب بالطريق: ترك السنة وأجزأه (١٤) (ويبيت بها) وجوبًا؛ لأن النبي ﷺ بات بها وقال: "خذوا عني مناسككم" (وله الدفع) من مزدلفة قبل الإمام (بعد نصف الليل)؛ لقول ابن عباس: "كنت فيمن
(١٢) مسألة: يُستحب الإسراع في الدفع من عرفة إلى مزدلفة إن وجد مُتسعًا لا يوجد فيه أحد؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ يسير العنق، فإذا وجد فجوة نصَّ" - كما قال أسامة - أي: إذا وجد مُتسعًا من المكان أسرع وظهر وهو المراد من "النَّص" هنا، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين الوصول إلى مُزدلفة بسرعة؛ وبين عدم إيذائه لغيره.
(١٣) مسألة: يُستحب لمن دفع إلى مُزدلفة أن يصلي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا في مزدلفة بأذان وإقامتين، وهذا قبل إنزال متاعه من دابته أو سيارته؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك بجميع الحجاج الذين معه: سواء كانوا من أهل مكة أو لا، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين خاصة مع قلة الماء وكثرة الناس، وضيق الوقت، تنبيه: قوله: "من يجوز له الجمع" فيه إشارة إلى أن أهل مكة لا يجمعون ولا يقصرون هنا، وقد أبطلناه في مسألة (٦).
(١٤) مسألة: إذا صلى المغرب في وقتها في الطريق بين عرفة ومزدلفة: أجزأه ذلك، لكنه مخالف للمستحب؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى المغرب والعشاء في مُزدلفة جمعًا وقصرًا، والنبي ﷺ لا يفعل إلا الواجبات والمستحبَّات فترك ما فعله مخالفة لسنته المستحبة، لكنه يجزئه؛ لكونه فعل ما له فعله.
стр. 1261
قدم النبي ﷺ في ضَعَفَة أهله من مُزدلفة إلى منى" متفق عليه (و) الدفع (قبله) أي: قبل نصف الليل (فيه دم) (١٥)، على غير سقاة ورعاة (١٦)، سواء كان عالمًا بالحكم،
(١٥) مسألة: يجب على الحاج أن يبيت في مُزدلفة إلى ما قبل صلاة الفجر - وهو: ثلثا الليل -، وهو قول المحققين من العلماء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عباس: "كنتُ فيمن قدم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى" "وقد رخَّص لأم سلمة ﵂ ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر" وهذا يدل بمفهوم الصفة على أنه يجب على الأقوياء أن يبيتوا ليلة مزدلفة فيها إلى أن يذهب ثلثا تلك الليلة - أي: حتى يغيب القمر - ومن لم يفعل ذلك من الأقوياء فعليه دم، وهو ذبح شاة؛ نظرًا لتركه واجبًا قد فعله ﷺ ، وقال "خذوا عني مناسككم"، وإذا بات ثلثي الليل يوصف بأنه بات ليلة، فإن قلتَ: يبيت إلى ما بعد نصف الليل فقط، وله بعد ذلك الذهاب منها، وإن تركها قبل نصف الليل: صحَّ حجه وعليه دم، وهو ذبح شاة وهو الذي ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد بات فيها إلى هذا الوقت، وقال: "خذوا عني مناسككم" قلتُ: إن هذا لا يدل على ما ذهبتم إليه؛ لكون البيات لا يطلق ولا يوصف به إلا من بات كامل الليل، أو أكثره، وهو ثلثاه وهو الذي ذكرناه، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف فيما يُطلق عليه البيات" فعندنا: يُطلق على من بات كل الليل أو أكثره وهو ثلثاه، وعندهم يطلق على من بات أكثر من نصفه بقليل.
(١٦) مسألة: يُباح لمن يخدم الحجاج وهو محرم كالسقاة، والرعاة، ورجال الأمن والصحة: أن يدفعوا من مزدلفة إلى منى قبل منتصف الليل، ولا شيء عليهم؛ للسنة القولية؛ حيث "رخَّص النبي ﷺ للسقاة في ذلك" والرعاة، ورجال الأمن والصحة مثلهم في خدمة الحجاج؛ لعدم الفارق؛ من باب "مفهوم الموافقة" وهذا كله لدفع المفسدة عن الأمة.
стр. 1262
أو جاهلًا، عامدًا، أو ناسيًا (١٧) (كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة (بعد الفجر) فعليه دم؛ لأنه ترك نُسُكًا واجبًا (١٨) (لا) إن وصل إليها (قبله) أي: قبل الفجر فلا دم عليه، وكذا: إن دفع من مزدلفة قبل نصف الليل، وعاد إليها قبل الفجر لا دم عليه (١٩) (فإذا) أصبح بها: (صلى الصبح) بغلس، ثم (أتى المشعر الحرام) وهو: جبل صغير بالمزدلفة سُمِّي بذلك؛ لأنه من علامات الحج (فيرقاه، أو يقف عنده ويحمد الله ويُكبِّره) ويُهلِّله (ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين، ويدعو
(١٧) مسألة: إذا لم يبت ليلة مُزدلفة فيها وهو جاهل بالحكم، أو ناسي، أو غافل، أو مكره: صحَّ حجُّه ولا شيء عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا عام لجميع الأحكام ومنها أحكام الحج لأن "الخطأ والنسيان" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم، ولأن "ما" في قوله: "وما استكرهوا عليه" موصولة وهي من صيغ العموم وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: إن من لم يبت فيها وهو من الأقوياء: صحَّ حجه وعليه دم: سواء كان عالمًا أو لا، ناسيًا أو لا، عامدًا أو لا، وهذا قول المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(١٨) مسألة: إذا وصل إلى مُزدلفة بعد صلاة الفجر بلا عذر من جهل، أو نسيان، أو إكراه أو غفلة - فعليه دم وهو ذبح شاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مبيته بمزدلفة: وجوب الدم عليه؛ لتركه نسكًا واجبًا؛ لقول ابن عباس: "من ترك نُسُكًا فعليه دم".
(١٩) مسألة: إذا خرج من مزدلفة قبل مضي ثلثي الليل - أو قبل نصفه عند بعضهم - وعاد إليها قبل صلاة الفجر، أو لم يصل إليها أصلًا إلا قبل صلاة الفجر؛ فلا شيء عليه؛ للتلازم، حيث يلزم من وجوده فيها إلى صلاة الفجر: عدم وجوب شيء عليه؛ لكونه فعل ماله فعله.
стр. 1263
حتى يُسفر)؛ لأنه في حديث جابر: أن النبي ﷺ لم يزل واقفًا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدًا، فإذا أسفر: سار قبل طلوع الشمس بسكينة (٢٠)، (فإذا بلغ مُحسِّرًا) - وهو: واد بين مُزدلفة ومنى، سُمِّي بذلك، لأنه يحسر سالكه -: (أسرع) قدر (رمية حجر) إن كان ماشيًا، وإلا: حرَّك دابته: "لأنه ﷺ لما أتى بطن مُحسِّر: حرَّك قليلًا"
(٢٠) مسألة: يُستحب أن يمكث في مُزدلفة حتى يصلي الفجر من اليوم العاشر -، ثم يأتي المشعر الحرام - وهو: جبل صغير يقع في مُزدلفة بُني عليه المسجد الموجود الآن - فيقف عنده: فيحمد الله، ويُثني عليه بما هو أهله، ويشكره على ما هداه، ويُكبِّره ويُعظمه، ويستغفره، ويتوب إليه، ويقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم يدعو بما شاء حتى يُسفر، ثم يسير قبل طلوع الشمس على هيئة السكينة والهدوء متوجهًا إلى منى؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحبَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من أوقات الاستجابة فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا الجبل بالمشعر الحرام؟ قلتُ: لكونه من علامات الحج؛ حيث إنه داخل في حدود الحرم، بخلاف عرفة فإنها مشعر ومنسك، لكنها مشعر حلال، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي الدفع بالإفاضة؟ قلتُ: لأنه دفع بكثرة، ومنه قولهم: "أفاض الماء" أي: دفعه وصبَّه بكثرة، فإن قلتَ: لمَ استحب قراءة الآيتين؟ قلتُ: لمناسبتهما للمقام؛ إذ تُذكِّران المسلم بأوامر الله تعالى، كما أنه من المناسب للساعي بين الصفا والمروة أن يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، فإن قلتَ: لِمَ يُستحب أن يسير إلى منى قبل طلوع الشمس قلتُ: لمخالفة المشركين؛ حيث إنهم يفيضون من مُزدلفة بعد طلوع الشمس، ومخالفتهم مقصد شرعي.
стр. 1264
كما ذكره جابر (٢١) (وأخذ الحصى) أي: حصى الجمار من حيث شاء، وكان ابن عمر يأخذ الحصى من "جَمْع"، وفعله سعيد بن جبير، وقال: "كانوا يتزوَّدون الحصى من جمع" (٢٢) والرمي: تحية منى فلا يبدأ قبله بشيء (٢٣)، (وعدده)
(٢١) مسألة: إذا مرَّ من وادي مُحسِّر - وهو الكائن بين مُزدلفة ومنى وهو سائر إلى منى -: يُستحب أن يسرع في السير قليلًا: سواء كان ماشيًا أو راكبًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: مخالفة الكفار؛ حيث إنهم كانوا إذا مرُّوا بهذا الوادي توقفوا ليتذكَّروا آبائهم، وأجدادهم وأمجادهم، ثانيهما: أن هذا الوادي قد عُذِّب فيه أصحاب الفيل الذين جاءوا مع أبرهة ليهدموا بيت الله، وينقلونه إلى مكان آخر، وكل أرض عُذِّب فيها أقوام يُشرع الإسراع عند المرور بها، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا الوادي بهذا الاسم؟ قلتُ: لأن أصحاب الفيل قد تحسَّروا على أنفسهم لما رأوا العذاب؛ وقيل: لأن الفيل وأصحابه قد حسروا وانقطعوا عن الذهاب.
(٢٢) مسألة: إذا جاوز وادي مُحسِّر يكون قد دخل حدود منى، فيأخذ الحصى السبع التي يُريد أن يرمي بها جمرة العقبة من "منى" أو من أيِّ مكان شاء؛ للسنة القولية؛ حيث أمر النبي ﷺ ابن عباس "بأن يلتقط الحصى السبع من منى" ولم يُعيِّن الصحابة مكانًا مُعينًا لالتقاطها، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: يُستحب أخذ الحصى من مزدلفة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يفعل ذلك، وكان كثيرًا من الصحابة يفعلون ذلك كما حكاه سعيد بن جبير قلتُ: فعل الصحابي هذا غير مُعتبر؛ لمخالفته السنة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع السنة القولية".
(٢٣) مسألة: إذا وصل إلى منى اليوم العاشر: فأول شيء يبدأ به هو رمي جمرة العقبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ =
стр. 1265
أي: عدد حصى الجمار (سبعون) حصاة، كل واحدة (بين الحمَّص والبندق) كحصى الخذف، فلا تُجزئ صغيرة جدًا، ولا كبيرة (٢٤)، ولا يُسنُّ غسله (٢٥) (فإذا وصل إلى منى وهي من وادي مُحسِّر إلى جمرة العقبة): بدأ بجمرة العقبة فـ (رماها بسبع حصيات متعاقبات) واحدة بعد واحدة، فلو رمى دفعة واحدة: لم يُجزئه إلا عن واحدة، ولا يُجزئ الوضع (يرفع يده) اليمنى حال الرمي (حتى يُرى بياض إبطه)؛ لأنه أعون على الرمي (ويُكبِّر مع كل حصاة) ويقول: "اللهم اجعله حجًا
قلتُ: لأن الرمي تحية منى، كما أن الطواف تحية المسجد الحرام لمن أراد، وصلاة ركعتين تحية دخول أيِّ مسجد.
(٢٤) مسألة: عدد حصى رمي الجمار سبعون حصاة، كل حصاة بحجم حبة الحمُّص، أو أقل قليلًا، أو قدر نواة التمرة، أو قدر أنملة الإصبع، ولا يُجزئ الرمي بأكبر من ذلك، وإلا أصغر، وطريقة ذلك: أن يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات في اليوم العاشر، ويرمي الثلاث الجمرات بإحدى وعشرين حصاة في اليوم الحادي عشر، وكذلك يرميها في اليوم الثاني عشر، فيكون مجموع الحصيات تسعًا وأربعين حصاة لمن أراد أن يتعجَّل، ويرميها في اليوم الثالث عشر بإحدى وعشرين فيكون مجموع الحصيات سبعين لمن أراد أن يتأخر، للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد رمى هذا العدد، وبهذا الحجم، ومن رمى بأقل أو أكثر خالف ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: تأسيًا بإبراهيم ﵇ حين عرض له الشيطان في أمكنة الجمرات الثلاث؛ حيث رماه بسبع في كل مكان من هذه الأمكنة، وطردًا للشيطان من تأثيره على إيمان المسلم.
(٢٥) مسألة: لا يُستحب غسل الحصاة التي تُرمى الجمار بها؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد الاستقراء أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يكونوا يغسلوا الجمار، فغسلها يكون من المحدثات، فيكون بدعة.
следующие страницы →