← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

باب عقد الذِّمَّة وأحكامها الذمة: لغة: العهد، والضمان، والأمان، ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط: بذل الجزية، والتزام أحكام الملَّة، (١) والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢) (لا يُعقد) أي: لا يصح عقد باب عقد الذمة وأحكامها وفيه أربع وعشرون مسألة: (١) مسألة: الذمة: لغة هي: العهد، والضمان، والأمان: بأن تُعطي غيرك عهدًا، أو ضمانًا أو أمانًا بأن لا تؤذيه، وأن تحميه من الآخرين ببدل أو بدونه، وعقد الذمة اصطلاحًا: أن يُدعى الكفار إلى الإسلام، فإن أبوه: فإنهم يُبقون في ديار الإسلام على كفرهم بشرط دفع الجزية، والتزام أحكام الشريعة، ويُسمَّى المعقود له: "ذمِّيًا"، فإن قلتَ: ما الفرق بينه وبين المعاهد والمستأمن؟ قلتُ: المستأمن هو: من دخل دار الإسلام بأمان من إمام المسلمين أو نائبه أو أحد المسلمين، والمعاهد هو: من عقد معه عقد مُعاهدة ومُهادنة ولو كان في ديار الكفار - كما سبق -، وهذان لا يدفعان الجزية، أما الذمي: فهو الذي يُقيم في ديار المسلمين مع دفعه للجزية. (٢) مسألة: يصح عقد الذمة أهل الكتاب بشرطين: أولهما: أن يُعطوا الجزية التي يقدِّرها الإمام عليهم كل عام على وجه الذّلِّ، ثانيهما: أن يلتزموا الأحكام الإسلامية، فتُقام عليهم أحكام الجنايات، والحدود، والعقوبات، والمعاملات؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فأوجب الشارع قتالهم؛ لأن الأمر مُطلق فيقتضي الوجوب، ودلَّ مفهوم الغاية على =

стр. 1367

الذمة (لغير المجوس)؛ لأنَّه يروى أنه كان لهم كتاب فرُفع، فصارت لهم بذلك شبهة، ولأنه ﷺ "أخذ الجزية من مجوس هجر" رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف (وأهل الكتابين): اليهود والنصارى على اختلاف طوائفهم (ومن تبعهم) فتديَّن بأحد الدينين كالسامرة، والفرنج والصابئين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٣) (ولا يعقدها) أي: لا يصح عقد الذمة (إلا) من (إمام أو نائبه)؛ لأنَّه أنهم لا يُقاتلون إذا دفعوا الجزية عن ذل وصغار، الثانية: السنة القولية؛ حيث كان ﷺ يقول لمن يُرسله للغزو: "ادعهم للإسلام، فإن أبوا فادعهم إلى دفع الجزية، فإن أبوا فقاتلهم"، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن حماية حقوق المسلمين تقتضي اشتراط الشرط الثاني، فإن قلتَ: لمَ صحَّ عقد الذمة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعطاء الكافر مهلة ليُفكر في الإسلام، وهذه دعوة إليه، وقد ثبت أن أكثر الكفار أسلموا عن اقتناع بسبب هذه المهلة، فإن قلتَ: لمَ وجبت عليهم الجزية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الجزية بدل وعوض عن قتلهم وأسرهم، وأجرة لحمايتهم، وليس هو بدل عن إقرار دينهم. (٣) مسألة: عقد الذمة يصح لأربعة أصناف من الكفار: أولهم: اليهود، وهم الذين هادوا عن عبادة العجل ويعملون بالتوراة، ثانيهم: النصارى: نسبة إلى بلدة "ناصرة" بالشام، ويعملون بالإنجيل، ثالثهم: المجوس، وهم الذين اعتنقوا المجوسية من العرب وغيرهم بسبب مجاورتهم للفرس، وهم يعملون بكتاب رُفع عنهم، رابعهم: التابعون لليهود أو النصارى أو المجوس، المتدينون بدينهم العاملون بأحد الكتب الثلاثة مثل: "السامرة" طائفة وهي من اليهود: نُسبوا إلى السامري، و "الفرنج" وهم: الروم، ويُقال لهم بنوا الأصفر، وهذه التسمية نسبة إلى جزيرة "فرنجة"، و "الصابئة" وهم: الذين انتقلوا من اليهودية إلى النصرانية أو بالعكس، ولا فرق بين عربي وأعجمي في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ =

стр. 1368

عقد مُؤبَّد، فلا يفتات على الإمام فيه، ويجب إذا اجتمعت شروطه (٤) (ولا جزية) حيث قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فأوجب قتال جميع الكفار؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ودلَّ مفهوم الغاية على أنهم إذا أعطوا الجزية عن ذل وصغار لا يُقاتلون، وهذا عام لجميع الأصناف الأربعة: فاليهود والنصارى يدخلون في هذا العموم بوضوح، وكذا: المجوس؛ إذ كان لهم كتاب فرُفع، وغيرهم من أتباعهم كذلك؛ لأنهم عملوا بتلك الكتب الثلاثة، حيث إن "الذين" الموصولة، و "واو الجمع" في قوله: "أوتوا" من صيغ العموم المتفق عليها، الثانية: السنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد أخذ الجزية من المجوس وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، فإن قلتَ: لمَ صحَّ عقد الذمة مع هذه الأصناف فقط دون غيرهم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هؤلاء يؤمنون بالله، ويعتقدون توحيده، وأنَّه خالق كل شيء، لكنهم لا يؤمنون برسالة محمد ﷺ ، وبهذا نأمنهم على أنفسنا، أما غير تلك الأصناف الأربعة: كعبدة الأوثان، والنيران، والشمس، وأهل الإلحاد: فليسوا مثل من سبق في الإيمان بالله، ولذلك لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل؛ حتى نأمن على أنفسنا منهم. (٤) مسألة: لا يتولّى عقد الذمة مع الكفار إلا إمام المسلمين أو نائبه، فلا يصح من آحاد المسلمين؛ للتلازم؛ حيث إن عقد الذمة مُؤيَّد فيلزم من كونه كذلك: أن لا يفوت الإمام الاطلاع على تفاصيله والنظر فيه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإمام الأعظم أو نائبه يعرف الكفار بشكل مُفصَّل، ويعرف الصالح من الطالح منهم عن طريق جواسيسه وعيونه، فيكون تولِّيه لعقد الذمة أنفع للإسلام والمسلمين، تنبيه: قوله: "ويجب إذا اجتمعت =

стр. 1369

وهي: مال يُؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام بدلًا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا (على صبي ولا امرأة) ومجنون، وزمن وأعمى وشيخ فإن، وخنثى مُشكل (ولا عبد، ولا فقير يعجز عنها)، (٥) وتجب على عتيق ولو لمسلم (٦) (ومتى صار أهلًا لها) أي: للجزية: (أخذت منه في آخر الحول) بالحساب (٧) (ومتى بذلوا الواجب عليهم) شروطه" يقصد: يجب عقد الذمة بشروط ثلاثة: كونه سيدفع الجزية، وكونه سيلتزم بأحكام الشريعة، وكونه من أهل الكتاب، وقد سبق بيان ذلك في مسألتي (٢ و ٣). (٥) مسألة: لا تؤخذ الجزية من أي كافر يعجز عنها: كالصبي، والمجنون، والمرأة، والخنثى، والزَّمن - وهو من أقعده المرض -، والأعمى، والشيخ الفان، والضعيف، والعبد الرقيق، والفقير، والراهب، ونحو هؤلاء ممن شابههم ممن لا يُخاف منهم؛ للمصلحة؛ حيث إن أخذ الجزية من هؤلاء يضرُّ بهم إضرارًا ظاهرًا، فدفعًا لذلك: شرع هذا، وهذا فيه تحبيب للإسلام في نفوس الكفار، وهو دعوة إلى الإسلام. (٦) مسألة: يجب أخذ الجزية على الرجل العتيق من أهل الكتاب: سواء كان الذي أعتقه مسلمًا أو كافرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه حُرًّا مُكلفًا موسرًا قادرًا على القتال أن لا يُقر على دينه، وفي ديار الإسلام إلا بدفع الجزية. (٧) مسألة: تُؤخذ الجزية ممن صار أهلًا لها في آخر العام عن عام كامل كالأجرة، ومن صار أهلًا لها في منتصف العام مثلًا كأن يبلغ الصبي، أو يعقل المجنون ونحو ذلك: فإن الجزية تؤخذ منه عن المدة التي عقل، أو بلغ فيها: فمثلًا لو كانت الجزية تؤخذ عن كل شخص (١٢٠٠) درهمًا في العام كله، وبلغ هذا الصبي من الكفار في منتصف العام: فإنه يؤخذ منه (٦٠٠) درهمًا وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه صار أهلًا لدفع الجزية في هذا الوقت أن تلزمه =

стр. 1370

من الجزية: (وجب قبوله) منهم (وحرم قتالهم) وأخذ مالهم، ووجب دفع من قصدهم بأذى ما لم يكونوا بدار حرب، (٨) ومن أسلم بعد الحول: سقطت عنه (٩) (ويمتهنون عند أخذها) أي: أخذ الجزية (ويُطال وقوفهم، وتُجرُّ أيديهم) وجوبًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ولا يُقبل إرسالها (١٠) فصل: في أحكام أهل الذمة الجزية عن تلك المدَّة بحسابها؛ نظرًا لكون هذا هو الواجب، وهو الذي يُحقق العدالة والإنصاف الذي جاء به الإسلام، وهو المقصد منه. (٨) مسألة إذا دفع أهل الذمة الجزية بأوصافها وشروطها، ووقتها: فيجب على الإمام أو نائبه قبولها، ولا يجوز ردُّها، ولا يجوز مسُّهم بأي أذى: كقتلهم أو أخذ مالهم أو استرقاقهم، أو الاعتداء على أعراضهم أو نحو ذلك، ويجب أيضًا أن يحميهم من أي أذى، إذا كانوا بدار الإسلام، أما إن كانوا بدار الحرب: فلا يجب ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث كان ﷺ يقول: "ادعهم إلى دفع الجزية، فإن هم أجابوك لذلك فاقبل منهم وكفَّ عنهم" فأوجب الشارع كفَّ عنهم كل ما يُؤذيهم؛ لأن الأمر مُطلق فيقتضي الوجوب، والكف مطلق، فيشمل كل ما ذكرناه، وهذا من حقهم علينا. (٩) مسألة: إذا وجبت الجزية على فرد منهم، وحان، دفعها، ولكنه أسلم: فإن تلك الجزية تسقط عنه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من أسلم على شيء فهو له" فمنطوقه قد دلَّ على أن الكافر إذا أسلم وعنده شيء من حقوق الله تعالى لم يدفعه: فإنه يسقط عنه ومفهوم الشرط قد دل على استمراره على دفع الجزية إذا لم يسلم فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحبيب للإسلام، والدعوة إليه. (١٠) مسألة: لا تؤخذ الجزية من ذمي إلا وهو قائم والمسلم الآخذ يكون جالسًا، وأن يُوقف الكافر عند دفعها، وأن تُجرُّ يده، وهذا ينبغي أن يحصل بدون إيقاع =

стр. 1371

(ويلزم الإمام أخذهم) أي أخذ أهل الذمة (بحكم الإسلام في) ضمان (النفس، والمال، والعرض، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه) كالزنا (دون ما يعتقدون حلَّه) كالخمر؛ لأن عقد الذمة لا يصح إلا بالتزام أحكام الإسلام - كما تقدم - وروى ابن عمر ﵃: أن النبي ﷺ أُتيَ بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما: فرجمهما (١١) (ويلزمهم التميُّز عن المسلمين) بالقبور: بأن لا يُدفنوا في مقابرنا، تعذيب لهم، أو يُشق عليهم بطريقة يكرهون الإسلام بسببها، ولا تُقبل منهم بواسطة، بل لا بدَّ أن يدفع كل واحد الجزية بنفسه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وهذه الأفعال التي عليها الكافر عند دفع الجزية يُحقق الصغار والذل له، ويُحقق عزَّة الإسلام، لكن بدون تعذيب لهم؛ لئلا يكرهون الإسلام. (١١) مسألة: يجب على الإمام أو نائبه أن يُعامل الذمي معاملة المسلم في ضمان النفس، والمال، والعرض، وجميع المعاملات، والحدود، والجنايات فيما يعتقدون تحريمه في دينهم، فإذا قتل أو سرق، أو زنا، أو قذف: أقيمت عليهم الحدود، وإذا أتلف شيئًا: وجب ضمان ما أتلفه، وإن فعل معصية لا حد فيها كالغيبة والنميمة ونحوهما: عُزِّر كالمسلم تمامًا، أما إذا فعلوا شيئًا لا يعتقدون تحريمه كشرب الخمر: فلا يُقام عليهم حدُّه، لكن يُمنعون من إظهاره، أما العبادات: كالصلاة والزكاة، والصوم، والحج: فلا يُطالبون بها؛ لقواعد؛ الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ رجم يهوديين قد زنيا وهما محصنان، ورضَّ رأس يهودي كان قد رضَّ رأس جارية بين حجرين حتى ماتت؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن إقامة تلك الحدود والعقوبات عليهم فيه محافظة على حقوق المسلمين، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من عقد الذمة: أن يُقروا على كفرهم فيما يعتقدون حله.

стр. 1372

والحلي بحذف مقدَّم رؤوسهم، لا كعادة الأشراف، ونحو شد زنَّار، ولدخول حمامنا جُلْجُل، أو نحو خاتم رصاص برقابهم، (ولهم ركوب غير خيل) كالحمير (بغير سرج) فيركبون (بإكاف) وهو: البرذعة؛ لما روى الخلال: "أن عمر ﵁ أمر بجزِّ نواصي أهل الذمة، وأن يشدُّوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض" (ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا القيام لهم، ولا بداءتهم بالسلام) أو بـ "كيف أصبحت أو أمسيت أو حالك؟ "، ولا تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم، وشهادة أعيادهم؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها" قال الترمذي حديث حسن صحيح (١٢) (١٢) مسألة: يجب أن يتميز الذمي عن المسلم بما يلي: أولًا: أنه لا يُدفن في مقابر المسلمين، ثانيًا: أن يحلق مُقدِّمة رأسه: بأن يزيلوا النواصي، ثالثًا: أن يشدَّ ويربط وسطه بزنار وهو: الحبل الذي يُرخى شيئًا منه، رابعًا: أن يجعل شيئًا له صوت في عنقه كجرس صغير عند دخول حمام المسلمين - وهو "الجلجل" -، أو يضع في عنقه حبلًا يجعل في وسطه خاتمًا من حديد أو رصاص، خامسًا: أن يركب غير الخيل من حمار أو بغل، وأن يركب عليها بالعرض: بأن تكون رجلاه إلى جانب وظهره من الجانب الآخر، سادسًا: أن يكون ركوبه على ظهر الدابة بدون شيء بينهما، أو بالبردعة - وهو كساء لا قيمة له يُلقى على ظهر الدابة - سابعًا: أن لا يُجعل في صدر المجلس، ولا يقام له إذا أقبل، ولا يُبدأ بالسلام، ولا يُسأل عن حاله في الصباح والمساء، ولا يُهنأ في أفراح، ولا يُعزَّى في مصائب إلا عند الضرورة، ولا يُعاد إذا مرض، ولا يُشهد عيد من أعياده، ويُضيَّق عليه إذا مشى قليلًا؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها" وما ذكر من فعل أشياء لاحتقارهم، وإعزاز الإسلام =

стр. 1373

(ويُمنعون من إحداث كنائس وبيع) ومجتمع لصلاة في دارنا (و) من (بناء ما انهدم منها ولو ظلمًا)؛ لما روى كثير بن مُرَّة قال: سمعتُ عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تُبنى الكنيسة في الإسلام، ولا يُجدَّد ما خرب منها" (١٣) (و) يُمنعون أيضًا (من تعلية بنيان على مسلم) ولو رضي؛ لقوله ﷺ : "الإسلام يعلوا ولا يُعلى عليه" وسواء لاصقه أو لا، إذا كان يُعدُّ جارًا له، فإن علا: وجب مثل مضايقتهم في الطريق؛ لعدم الفارق حيث إن هذا من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ "قد أمر بجزِّ نواصي أهل الذمة وأن يشدُّوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض" الثالثة: المصلحة؛ حيث إن إعزاز المسلمين، والحذر من الذميين وأخذ الحيطة منهم يستلزم تلك الميزات التي ينبغي أن يفعلها الذمي، فإن قلتَ: لمَ يُهنأ الذمي أو يُعزَّى عند الضرورة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب دفع الأذى عن المسلمين. (١٣) مسألة: يجب منع أهل الذمة من إحداث وبناء كنائس لهم، ومجمعات صلاة لهم جديدة، وإذا انهدمت كنيسة: فلا يُسمح لهم بأن يُعيدوها؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "لا تُبنى الكنيسة في الإسلام، ولا يُجدَّد ما خرب منها" فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إذلال لهم، ولا يُؤذن بذلك ولو أذن الكفار ببناء المساجد للمسلمين عندهم؛ لأن ديننا قد نسخ دينهم، فيكون بناء المساجد قائمًا على حق، وبناء الكنائس باطل، ولا يُقرون على الباطل. [فرع]: إذا اعتدى بعض المسلمين على كنيسة لأهل الذمة فهدمها فيجب على الإمام أو نائبه أن يعيدها لهم، أو يأذن لهم في إعادتها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الظلم عنهم - وهو من مقتضيات عقد الذمة -، وفيه تحسين صورة الإسلام عند الكفار، وفيه دعوة إليه، وهذه المصلحة قد خصَّصت عموم قوله ﷺ : "ولا يجدَّد ما خرب منها".

стр. 1374

نقضه (١٤) و (لا) يمنعون من (مساواته) أي: البنيان (له) أي: لبناء المسلم؛ لأن ذلك لا يقتضي العلو، (١٥) وما ملكوه عاليًا من مسلم لا يُنقض، ولا يعاد عاليًا لو انهدم (١٦) (و) يُمنعون أيضًا (من إظهار خمر وخنزير) فإن فعلوا: أتلفناهما (و) من إظهار (ناقوس، وجهر بكتابهم) ورفع صوت على ميت، ومن قراءة قرآن، ومن إظهار أكل وشرب في نهار رمضان، (١٧) وإن صولحوا في بلادهم على جزية أو (١٤) مسألة: يجب منع الذمِّي من أن يبني بناء يكون سقفه أعلى من بناء جيرانه من المسلمين سواء كانت لاصقة لبناء المسلم أو لا، فإن فعل ذلك: يجب أن ينقض حتى يساوي بناء المسلم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه" وهذا عام للأمور المعنوية كالأخلاق ونحوها والأمور الحسية كالبنايات، ونحوها وهذا فيه إعزاز المسلمين. (١٥) مسألة: لا يُمنع الذمي من بناء دار يساوي ارتفاعها بناء المسلم، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه" حيث إن مفهوم الصفة قد دلَّ على أن الذمي لا يمنع من مساواة المسلم في البناء. (١٦) مسألة: إذا اشترى ذمِّي دارًا من مسلم وكان بناؤها أعلى من بناء بعض المسلمين فلا يُنقض، بل يسكنها على ما هي عليه، فإن انهدم لا يُعاد عاليًا؛ للمصلحة؛ حيث إن نقضها إفساد للبناء الذي بناه المسلم، وضياع للمال الذي دفعه الذمي وهذا إضرار به لا يُقرِّه الإسلام؛ لأنَّه: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". (١٧) مسألة: يجب على الإمام أو نائبه أن يمنع الذمي من إظهاره شرب الخمر، وأكله لحم الخنزير، وإن فعل ذلك وجب إتلافهما، وكذلك يمنعه من إظهار قراءة كتبه، ونواقيسه، ويُمنع من رفعه لصوته، ويُمنع من شراء مصحف، وقراءته فيه، ويُمنع من إظهار أكل أو شرب في نهار رمضان؛ للمصلحة؛ حيث =

стр. 1375

خراج: لم يُمنعوا شيئًا من ذلك، (١٨) وليس لكافر دخول مسجد، ولو أذن له مسلم، (١٩) وإن تحاكموا إلينا: فلنا الحكم والترك؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، (٢٠) وإن اتَّجر إلينا حربي: أخذ منه العشر وذمي إن إظهار ذلك فيه إفساد للمسلمين، وتشويش على عباداتهم، وجرح لشعور المسلمين قد يؤثر على بعض ضعاف المسلمين. (١٨) مسألة: إذا وقع بين الكفار والمسلمين صلح وعقدوا هدنة اتفق فيها الفريقان على السلم، وأن يدفع الكفار الجزية للمسلمين أو خراجًا وهم باقون في بلادهم دون أن يدخلوا بلاد المسلمين: فلا يمنعهم إمام المسلمين أو نائبه من فعل أي شيء أرادوه - كما سبق في مسألة (١٧) - ولا يأمرهم بأن يتميزون عن المسلم بشيء من المميزات السبع - كما سبق في مسألة (١٢) -؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للذمي أن يفعل أي شيء داخل منزله دون تدخُّل إمام المسلمين أو نائبه، فكذلك يجوز له أن يفعل أيَّ شيء داخل بلاده، والجامع: عد تضرُّر المسلمين في كل، وهو المقصد منه. (١٩) مسألة: يجب على الإمام أو نائبه أن يمنع أيَّ كافر - ذمي وغيره - من دخول أيِّ مسجد: سواء كان قد أذن له واحد من المسلمين أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس: الأولى؛ بيانه: كما أن الحائض والنفساء والجنب يُمنعون من دخول المساجد وهم مسلمون، فمن باب أولى أن يُمنع الكافر من دخولها، والجامع: النجاسة في كل، بل نجاسة الكافر أغلظ، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر، وعلي، وأبا موسى الأشعري ﵃ قد منعوا كفارًا من دخول المساجد، وأخرجوا من دخل منهم. (٢٠) مسألة: إذا وقع تنازع بين طائفتين من أهل الذمة، أو فردين منهم، وطلبوا أن يحكم بينهم إمام المسلمين أو نائبه: فله الخيار: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء =

стр. 1376

نصف العشر؛ لفعل عمر ﵁، مرَّة في السنة فقط (٢١). ولا تُعشَّر أموال المسلمين (٢٢) تركهم، فإن حكم بينهم: فإنه يحكم بحكم الإسلام وإن لم يطلبوا من إمام المسلمين الحكم بينهم فليس له الحق بأن يُرغمهم على الحكم بينهم فيما تنازعوا فيه إلا إذا خشي على المسلمين من هذا التنازع فيتدخل هنا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وحرف "أو" للتخيير، الثانية: التلازم؛ حيث إن شريعة الإسلام ناسخة لجميع الشرائع السابقة فيلزم: أن لا يصح حكم إلا بها على المسلمين وعلى غيرهم، ويلزم من عقد الذمة: تركهم يحلُّوا مشاكلهم على حسب دينهم إذا لم يطلبوا من إمامنا الحكم بينهم، فإن قلتَ: لمَ شُرع تدخُّل إمام المسلمين إذا خشي على المسلمين من تنازع الكفار فيما بينهم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر من أنواع الدفاع عن المسلمين. (٢١) مسألة: إذا اشتغل كافر حربي بالتجارة في بلاد المسلمين: فإن إمام المسلمين أو نائبه يأخذ عشر مكسبه مرَّة في كل عام دفعة واحدة، وإذا اشتغل كافر ذمي بالتجارة في بلاد المسلمين: فإن الإمام أو نائبه يأخذ نصف عشر مكسبه: فمثلًا لو كسب الحربي مائة درهم: فإنه يؤخذ عشرة دراهم، ولو كسب الذمي مائة: فيؤخذ خمسة دراهم وهكذا؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لكونه قد استعمل الأراضي الإسلامية في تجارته، وفُرِّق بينهما في الأخذ: لأن الحربي لا تُؤخذ منه جزية، والذمِّي تُؤخذ منه، فروعي ذلك. (٢٢) مسألة: لا يجوز للإمام أو نائبه أن يأخذ من أموال المسلمين إلا الزكاة إذا بلغ المال النصاب، وحال عليه الحول، وبناء عليه: فإنه يحرم عليه أن يأخذ عشر أموال المسلمين أو الضرائب، أو الكُلَف ولا غير ذلك؛ للاستقراء؛ حيث إنه =

стр. 1377

(وإن تهوَّد نصراني أو عكسه): بأن تنصَّر يهودي: (لم يُقر)؛ لأنَّه انتقل إلى دين باطل، قد أقرَّ ببطلانه، أشبه المرتد (ولم يُقبل منه إلا الإسلام أو دينه) الأول، فإن أباهما، هُدِّد، وحُبس، وضرُب، قيل للإمام: أنقتله؟ قال: لا (٢٣) فصل: فيما ينقض قد ثبت بعد استقراء وتتبع النصوص الشرعية، وأقوال وأفعال الصحابة: أنه لا تؤخذ من أموال المسلمين إلا زكاتها فقط. (٢٣) مسألة: إذا انتقل نصراني، أو يهودي، أو مجوسي إلى غير دينه - ولم يسلم - وهو من أهل الذمة: فلا يُقبل منه ذلك، فيقال له: إما أن ترجع إلى دينك، وإما أن تُسلم، فإن لم يفعل أحدهما: فإنه يُستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يرجع إلى دينه ولم يُسلم بعدها: فإنه يُقتل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه" حيث: أوجب الشارع قتل من بدَّل دينه؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا الحكم عام فيشمل من ترك الإسلام إلى غيره، ومن ترك اليهودية إلى النصرانية أو بالعكس؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المرتد عن الإسلام يُستتاب ثلاثة أيام فإن رجع إلى الإسلام ترك، وإن لم يرجع: قتل، فكذلك المرتد عن دينه من أهل الذمة إلى دين آخر من أهل الذمة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما قد انتقل إلى دين قد أقر سابقًا بأنه باطل، الثالثة: الاستصحاب؛ حيث إنا قد أقررناه على دينه بشرط دفع الجزية، فإذا تركه، ثم عاد إليه فإنه يُقرُّ على ذلك؛ استصحابًا لما أقررناه عليه أولًا؛ لعدم وجود ما يُغيِّر الحالة، فإن قلتَ: إن هذا يُعزَّر بالضَّرب، والسجن، ولكن لا يُقتل، فإن أصرّ، فإنا نقره على ما انتقل إليه، وهو ما أشار إليه المصنف هنا، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المستمر على دينه من أهل الذمة لا يُقتل فكذلك من انتقل إلى دين غيره من أهل الكتاب مثله والجامع: أن كلًّا =

стр. 1378

العهد (فإن أبى الذمي بذل الجزية) أو الصغار (أو التزام حكم الإسلام) أو قاتلنا (أو تعدَّى على مسلم بقتل أو زنا) بمسلمة، وقياسه اللواط (أو) تعدَّى بـ (قطع طريق، أو تجسيس، أو إيواء جاسوس، أو ذكر الله أو رسوله، أو كتابه) أو دينه (بسوء: انتقض عهده)؛ لأن هذا ضرر يعم المسلمين، وكذا: لو لحق بدار حرب، لا إن أظهر منكرًا، أو قذف مسلمًا، وينتقض بما تقدم عهده (دون) عهد (نسائه، وأولاده) فلا ينتقض عهدهم تبعًا له؛ لأن النقض وُجد منه فاختصَّ به (وحلَّ دمه) ولو قال: "تبتُ" فيُخير فيه الإمام - كأسير حربي - بين قتل ورق ومَنٍّ، وفداء بمال، أو أسير مسلم (و) حل (ماله)؛ لأنَّه لا حرمة له في نفسه، بل هو تابع لمالكه، فيكون فيئًا، وإن أسلم: حُرِّم قتله. (٢٤) منهما لم يخرج عن دين أهل الكتاب قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ لأن المستمر على دينه لم يعتقد بطلان دينه فلم ينتقل، أما من انتقل منه إلى دين آخر فإنه لم يفعل ذلك إلا لأنَّه قد أقرَّ ببطلان دينه الذي عقدنا الذمة معه وهو مُتلبِّس فيه وهو كان مُقرُّ ببطلان الدِّين الذي انتقل إليه، فلم يبقَ إلا أن يعود إلى ما عقدنا الذمة وهو مُتديِّن فيه، وإما أن يُقتل، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية" فعملنا بعموم السنة، وهم خصصوا ذلك العموم بالقياس الذي ذكروه، وكذلك "تعارض القياسين" فنحن قسناه على من ارتدَّ عن دين الإسلام؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على المستمر على دينه؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهذا هو قياس "غلبة الأشباه". (٢٤) مسألة: ينتقض عهد وعقد الذمة مع كافر ذمي إذا امتنع عن دفع الجزية، أو امتنع عن إظهار الصغار والذل، أو امتنع عن الالتزام بأحكام الشريعة، أو أن يُقاتلنا بمفرده، أو مع جماعة، أو يلحق بدار الحرب، أو أن يقتل مسلمًا عمدًا، =

стр. 1379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو أن يزن بمسلمة وإن كانت راضية، أو يفعل فاحشة اللواط بمسلم وإن كان راضٍ، أو أن يقطع الطريق، أو يتجسَّس على المسلمين لحساب الكفار، أو يحمي عنده جاسوسًا للكفار، أو يذكر الله أو رسوله، أو الدين الإسلامي، أو القرآن أو السنة بسوء، ولو قال "تبتُ": فلا يُقبل منه: فهذا يحلُّ ماله، فيُؤخذ ويُجعل في بيت مال المسلمين وهو "فيء" يُصرف في مصالح المسلمين العامة هذا إن فعل بكل الأفعال المضرَّة بعامة المسلمين ما إن أظهر منكرًا، أو قذف مسلمًا بزنا أو لواط، أو ركب خيلًا، أو رفع صوته بكتابه أو نحو ذلك: فلا ينتقض عهده، للتلازم؛ حيث إن عقد الذمة مع أي كافر يقتضي أن لا يفعل أي شيء مما سبق، فيلزم من فعل واحد منها: نقض العهد؛ لكونه لم يلتزم بالعقد كالمسلم إذا لم يلتزم بعقد من العقود، ويلزم من عدم الإضرار بعامة المسلمين: عدم نقض العهد بنحو إظهار مُنكر ونحو ذلك، فإن قلتَ: لمَ حلَّ ماله؟ قلتُ: لأن المالك إذا حل دمه: فإنه يحل ماله تبعًا. [فرع]: إذا نقض فرد من الذميين عهده بأحد الأمور المذكورة في مسألة (٢٤): فإنه يُعاقب وحده، دون أولاده وزوجاته، وأتباعه إذا لم يصدر منهم شيء من الأمور السابقة الذكر - في مسألة (٢٤) -، وهذا مطلق، أي: سواء أنكروا عليه ما فعله أو لا، وسواء لحقوا به في دار الحرب أو لا، ولذلك لا يجوز أن يُؤذي أيَّ واحد من أقرباء من نقض عهده؛ للتلازم؛ حيث إن النقض قد وُجد من شخص بعينه فيلزم أن يتحمَّل عواقبه بنفسه؛ نظرًا لاختصاص ذلك به، وهذا من عدالة الشريعة الإسلامية؛ حيث عمَّت بعدالتها الكفار. [فرع آخر]: إذا نقض الذمي عهده بأحد الأمور السابقة في مسألة (٢٤): فإن الإمام أو نائبه يُخير بين أن يجعله أسير حرب، أو =

стр. 1380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أسير سلم، فإن جعله أسير حرب: فإنه يُخيَّر بين أن يقتله، أو يسترقه، أو يمنُّ عليه بإطلاقه، أو يأخذ مالًا فداءً له، وإن كان أسير سلم: فإن للمسلم أن يجعله عبدًا له؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل بيهود بني قريظة ذلك لما نقضوا العهد، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الغالب فيمن يخون مرة: أنه يخون مرَّات، فلا يؤمن جانبه. [فرع ثالث]: إذا نقض الذمي عهده بأحد الأمور السابقة الذكر في مسألة (٢٤) - ثم بعد ذلك أسلم فلا يجوز أن يُفعل فيه أيُّ شيء من قتل أو رق، أو نحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه فعل المطلوب منه أولًا، وهو الإسلام، فيلزم تركه بدون أذى؛ قياسًا على المسلمين. هذه آخر مسائل باب "عقد الذمة وأحكامها" وهو آخر أبواب كتاب "الجهاد" وهو آخر المجلد الثاني من كتاب "تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع وتنزيل الأحكام على قواعدها الأصولية، وبيان مقاصدها ومصالحها، وأسرارها وأسباب الاختلاف فيها" لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة نفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثالث وأوله: "كتاب البيع"

стр. 1381

كتاب البيع جائز بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١) (وهو) في اللغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، قاله ابن هبيرة، مأخوذ من الباع؛ لأن كل واحد من المتبايعين يمدُّ كتاب البيع حقيقة البيع وحكمه، وشروط صحّته وموانعه وما يجوز وما لا يجوز منه وفيه خمس وثمانون مسألة: (١) مسألة: أجمع العلماء على جواز البيع إذا استكمل شروطه - كما سيأتي - ومستند هذا الإجماع قاعدتان: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ حيث لزم من تلك الآيات جواز البيع. الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا" وقال: "إن التجار يُبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من برَّ وصدق"، الثالثة: الاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء وتتبع أحوال النبي ﵇ وأحوال أصحابه أنهم كانوا يبيع بعضهم على بعض كل ما يقبل البيع من عقار ومنقول، فإن قلتَ: لِمَ جاز البيع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن حياة الإنسان مع غيره تقتضي أن يأخذ منه بعض الأشياء ويُعطيها إياه؛ لضرورة المعايشة، وهذا العطاء والأخذ أحيانًا يكون تملُّكًا أبديًا، وأحيانًا يكون إلى مدة معيَّنة، وأحيانًا يكون بعوض عيني، وأحيانًا يكون بدين، فنظَّم الشارع طريقة ذلك بشروط ومواصفات سيأتي ذكرها، فتصعب الحياة بدون ذلك، بل قد تؤدِّي إلى النزاعات والقتال، فنظَّم الشارع كتاب البيع: لحفظ حقوق الناس في العاجل والآجل، فإن قلتَ: لمَ جُعل كتاب البيع بعد كتاب العبادات؟ قلتُ: لأن العبادات ضرورة من ضرورات المسلم، فقُدِّم، ولا يُمكنه أن يتعبد الله بصورة كاملة إلا بنشاط وقوة، =

стр. 1382

باعه للأخذ والإعطاء، وشرعًا: (مبادلة مال ولو في الذمة) بقول أو معاطاة، والمال عين مباحة النفع بلا حاجة (أو منفعة مباحة) مُطلقًا (كممر) في دار أو غيرها (بمثل أحدهما) مُتعلِّق بمبادلة: أي بمال أو منفعة مباحة: فتناول تسع صور: عين بعين، أو دين، أو منفعة دين بعين، أو دين بشرط الحلول والتقابض قبل التفرّق، أو بمنفعة منفعة بعين، أو دين، أو منفعة، وقوله (على التأبيد) يُخرج الإجارة (غير ربا وقرض) فلا يسميان بيعًا وإن وجدت فيهما المبادلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ والمقصود الأعظم في القرض: الإرفاق وإن قصد فيه التملّك أيضًا (٢) ولا يكون ذلك إلّا بأكل وشرب، واستقرار بسكن، وهذه الأمور لا تتحقق إلّا بشراء، أو بيع، فناسب ذكر البيع بعد العبادة. (٢) مسألة: البيع لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء آخر عوضًا عنه عن طريق مدِّ الباع والذراع، وهو في الاصطلاح: "مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض" فقوله: "مُبادلة مال" يُريد به: اشتراط جعل مال في مقابلة مال آخر بقول أو معاطاة، ويُقصد بالمال: كل عين مباحة النفع بلا حاجة كالذهب والفضة، والأطعمة والعقارات، والمركوبات ونحو ذلك: فخرج بذلك: ما لا يُباح نفعه كشراء آلات الطرب واللهو؛ حيث إن هذه ليست بمال شرعًا، وخرج أيضًا: ما يُباح نفعه للحاجة مثل كلب الصيد؛ حيث إنه لا يُباح شراؤه إلا لحاجة، وأشار بقوله: "ولو في الذمة" إلى صور البيع التسع المباحة: وهي: أولاها: بيع عين بعين: كأن تقول: "بعتك هذه الدار بتلك الدار" مُشيرًا إليهما، أو تقول: بعتك هذه الدار بمائة ألف ريال نقدًا". ثانيها: بيع عين بدين كأن تقول: "بعتك هذه الدار بمائة ألف ريال في الذمة" ثالثها: بيع عين بمنفعة كقولك: "بعتك هذه السيارة بوضع بنيان على سطح بيتك أنتفع به وأتوسَّع فيه" رابعها: بيع دين بعين كقولك: "بعتك العبد الهارب الموصوف بكذا بألف ريال نقدًا" خامسها: بيع دين بدين كقولك: بعتك السيارة الموصوفة بكذا =

стр. 1383

(وينعقد البيع (بإيجاب وقبول) بفتح القاف وحُكي ضمُّها (بعده) أيّ: بعد الإيجاب، فيقول البائع: "بعثك أو ملَّكتُك أو نحوه بكذا" ويقول المشتري: "ابتعتُ، أو قبلتُ ونحوه" (و) يصح القبول أيضًا (قبله) أي: قبل الإيجاب بلفظ أمر أو ماض مُجرَّد عن استفهام ونحوه؛ لأن المعنى حاصل به (٣)، ويصح القبول (مُتراخيًا عنه) أي: عن بالسيارة الموصوفة بكذا" سادسها: بيع دين بمنفعة كقولك: "بعتك السيارة الموصوفة بكذا بطريق وممر أمرُّ به وأمشي عليه من بيتك" سابعها: بيع منفعة بعين كقولك: "بعتك هذا الممرّ بألف ريال نقدًا" ثامنها: بيع منفعة بدين كقولك: "بعتك هذا الممر بألف في الذمة" تاسعها: بيع منفعة بمنفعة كقولك: "بعتك هذا الممر من بيتي، بذلك الممر من بيتك"، وقوله: "بمثل أحدهما" الجار والمجرور متعلقان بـ "مبادلة" والمراد: اشتراط: أن يُبادل المال وهو في الذمة، أو المنفعة المباحة بمثل المال، أو المنفعة ولذلك صارت الصور تسع، وقوله: "على التأبيد" يُشير إلى اشتراط: كون المباع يملكه المشتري إلى الأبد، فخرجت بذلك: الإجارة، والإعارة، فلا يكون العقد عليهما بيعًا؛ لكونهما إلى مدَّة مُعيَّنة - كما سيأتي - وقوله: "غير ربا" يشير إلى أن "الربا" لا يكون بيعًا وإن وجدت فيه صفة البيع والتبادل، فلو قال: بعتك ريالًا بريالين" فظاهره: أنه بيع عين بعين، ولكنه ليس ببيع؛ لأن الله تعالى أنكر على الكفار قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وقوله: "وقرض" يشير به إلى أن "القرض" لا يُسمَّى بيعًا وإن وُجدت فيه مبادلة؛ لكون عقد القرض: عقد إرفاق، وإحسان، وسيأتي بيان ذلك. (٣) مسألة: ينعقد البيع بالصيغة القولية وهي: "الإيجاب" الصادر من البائع و "القبول" الصادر من المشتري، فيقول البائع: "بعتك هذه الدار بعشرة آلاف ريال" ثم بعد ذلك يقول المشتري: "قبلتُ ذلك" أو "ابتعتُ ذلك" أو "اشتريتُ" أو أي لفظ يُفيد قبوله لهذا البيع، ويصح: أن يكون "القبول" قبل "الإيجاب" بلفظ: الأمر =

стр. 1384

الإيجاب ما داما (في مجلسه)؛ لأن حالة المجلس كحالة العقد (فإن تشاغلا بما يقطعه) عرفًا، أو انقضى المجلس قبل القبول: (بطل): لأنهما صارا مُعرضين عن البيع (٤) وإن كقول المشتري: "بعني هذه الدار بعشرة آلاف" فيقول البائع: "بعتك، أو بلفظ الماضي كقول المشتري: "اشتريتُ هذه الدار بعشرة آلاف"، لكن لا يصحّ ذلك بلفظ الاستفهام كقول المشتري: "أتبيعني هذه الدار بكذا؟ "، أو بلفظ التّمنِّي والتَّرجى كقوله "لعلك تبيعني هذه الدار" أو كقوله: "ليتك تبيعني هذه الدار"؛ لقاعدتين: الأولى: إجماع الصحابة؛ حيث إن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز البيع إذا تأخَّر القبول عن الإيجاب، فكذلك يجوز إذا تقدَّم القبول على الإيجاب بلفظ الأمر والماضي والجامع: أن كلًّا منهما يُحقِّق المقصود وهو التراضي، فإن قلتَ: لمَ ينعقد البيع بأي صيغة تُفهم المراد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد، فإن قلتَ: لمَ لا يصح بلفظ الاستفهام ونحوها؟ قلتُ: لكونه لا يدل على شيء. (٤) مسألة: يجوز أن يتأخر القبول عن الإيجاب بشرطين: أولهما: أن يكون القبول بنفس مجلس الإيجاب فمثلًا: يقول البائع: "بعتك هذه الدار بكذا" فيقول المشتري: "قبلتُ ذلك" قبل أن يتفرّقا من مجلسهما، ثانيهما: أن يستمرّ الكلام في ذلك المجلس بشأن بيع تلك الدار - مثلًا - والتفاوض في ذلك، فلا بدَّ لصحّة ذلك من هذين الشرطين: فإن تفرَّقا، أو تشاغلا عن الكلام في الدار - مثلًا - والتفاوض فيها بأخبار الحروب ونحو ذلك ثم عاد المشتري قائلًا: "قبلتُ" فلا صحة لهذا القبول ومن ثمَّ لا يصح البيع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا" فاشترط عدم التفرُّق في المجلس في صحّة البيع، الثانية: العرف والعادة: حيث جرت عادة الناس على أن الانقطاع عن التفاوض في مسألة بيع عين، والانشغال بشيء آخر لا يتّصل بذلك ثم العود إلى ذلك: أنه لا يُسمَّى بيعًا صحيحًا، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث =

стр. 1385

خالف القبول الإيجاب: لم ينعقد، (وهي) أي الصورة المذكورة، أي: الإيجاب والقبول (الصيغة القولية) للبيع (٥)، (و) ينعقد أيضًا (بمعاطاة وهي) الصيغة (الفعلية) مثل: أن يقول: "أعطني بهذا خبزًا" فيُعطيه ما يُرضيه، أو يقول البائع: "خذ هذا بدرهم" فيأخذه المشتري، أو وضع ثمنه عادة، وأخذه عقبه، فتقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول؛ للدلالة على الرضا لعدم التعبد فيه (٦)، وكذا حكم الهبة، إن ذلك فيه حماية المتبايعين من الغرر والغش والتنازع فقد يُخالف أحدهما الآخر في الثمن؛ نظرًا لغياب ذكر المبيع، والإعراض عنه. (٥) مسألة: يُشترط: أن يكون كلام البائع في الإيجاب متّفقًا مع كلام المشتري في القبول في صفة السلعة المباعة، وقدر ثمنها، وصفة هذا الثمن، فإن وقع اختلاف كأن يقول البائع: "بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف صحيحة" فيقول المشتري: اشتريتها بعشرين غير صحيحة" فلا يصحّ البيع، للتلازم؛ حيث إن الاتفاق في ذلك يلزم منه صحّته؛ نظرًا لكونه يدل على تراضيهما، ويلزم من عدم الاتفاق في ذلك: عدم الصحة؛ لانعدام التراضي. تنبيه: قوله: "وهي: أي الصورة المذكورة … الصيغة القولية" قد سبق بيانها في مسألة (٣). (٦) مسألة: ينعقد البيع بالصيغة الفعلية، وتُسمَّى بـ "المعاطاة" وهي: ثلاث صور: أولها: أن تكون المعاطاة من البائع كأن يقول المشتري: "أعطني بهذه العشرة تفاحًا" فيأخذ البائع العشرة، ويُعطيه التفاح، ثانيها: أن تكون المعاطاة من المشتري: كأن يقول البائع: "خذ هذا التفاح بعشرة ريالات" فيأخذ المشتري التفاح، ويُعطيه العشرة، ثالثها: أن تكون المعاطاة منهما كأن يضع المشتري عشرة ريالات ويأخذ التفاح، بدون لفظ؛ لقاعدتين: الأولى: الإجماع؛ حيث إنه ثبت بعد استقراء وتتبُّع أحوال الصحابة والتابعين في البيوع أنهم كانوا يتعاملون بالمعاطاة بصورها الثلاث بدون نكير من أحد وهذا إجماع سكوتي منهم على ذلك. الثانية: القياس، =

стр. 1386

والهدية، والصدقة (٧) ولا بأس بذوق المبيع حال الشراء (٨) (ويُشترط) للبيع سبعة شروط: أحدها: (التراضي منهما) أي من المتعاقدين (فلا يصح) البيع (من مكره بلا حق)؛ لقوله ﵇: "إنما البيع عن تراض" رواه ابن حبان (٩)، فإن أكرهه بيانه: كما ينعقد البيع بالقبول والإيجاب، فإنه ينعقد بالمعاطاة والجامع: أن كلًّا منهما يدلّ دلالة واضحة على الرضا، وهذا مقصود؛ لعدم ورود التعبُّد بصيغة مُعيّنة في البيع، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو تقيَّد كل بائع ومشتر بلفظ القبول والإيجاب لشقّ على كثير من الناس، فدفعًا لذلك: شرع ذلك، وهذا يُعتبر جوابًا عمَّن قال: لا ينعقد البيع إلّا بإيجاب وقبول. (٧) مسألة: الهبة والصدقة والهدية تنعقد بالمعاطاة - كما سبق بيانها -؛ للسُّنّة الفعلية؛ حيث كان ﵇ قد أخذ الهدية التي جاءته من ملك الحبشة، وغيرها، وكان إذا جاءه شيء سأل هل هو هدية أم صدقة؟ فإن كان هدية: أخذها، ولم ينقل عنه قبول أو إيجاب في ذلك، فدلّ على انعقادها بالمعاطاة، والمقصد التيسير على الخلق وهو من أعظم المصالح. (٨) مسألة: يُباح أن يتذوَّق المشتري السلعة المباعة إذا قصد شراءها، فيتذوَّق التمر، والعسل، ونحو ذلك ولو لم يأذن البائع؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كمال الرضا المشترط في البيع، أما إذا لم يقصد الشراء: فلا يجوز له أن يتذوَّق من ملك غيره شيئًا إلّا بعد إذنه. (٩) مسألة: في الأول - من شروط صحّة البيع - وهو: أن يكون المتبايعان مُتراضيين أي: وقع البيع والشراء بكامل الاختيار من البائع والمشتري، فإن أُكرها معًا. أو أُكره أحدهما على البيع أو الشراء، أو فعلا البيع وهما لم يقصداه، وإنما أظهراه ليتخلّصا من ظلم سلطان أو عدو: فلا يصحّ البيع؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فاشترط التراضي بين المتبايعين، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله عليه =

стр. 1387

الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه: صحَّ؛ لأنَّه حمل عليه بحق (١٠)، وإن أُكره على وزن مالٍ فباع مُلكه: كُره الشراء منه وصح (١١) (و) الشرط الثاني (أن يكون العاقد) - وهو: البائع والمشتري - (جائز التصرّف) أي: حرًا مكلَّفًا، رشيدًا (فلا يصحّ تصرّف صبي السلام: "إنما البيع عن تراضٍ" حيث حصر البيع الصحيح في وقوعه على تراضي المتعاقدين، ثانيهما: قوله: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث حرّم الضرر في المعاملات؛ لأن النفي هنا نهي، والنهي مطلق فيقتضي التحريم، وهو عام؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ لكون البيع بدون تراض بين المتعاقدين فيه ضرر، فرفعه واجب، فاشترط التراضي لذلك وهذا هو المقصد من الحكم. (١٠) مسألة: إذا أكره الحاكم شخصًا على بيع بعض أملاكه لأجل الوفاء بدين قد حلَّ: فإن هذا البيع يصحّ، للقياس: بيانه: كما أنه لو أكره المرتد على الرجوع إلى الإسلام: فإنه يصحّ إسلامه، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما قد أُكره وحُمل على حق. (١١) مسألة: إذا باع المضطر ملكه كله أو بعضه بثمن مثله، أو أقل من ذلك كأن يُسجن شخص بسبب عدم الوفاء بدينه، فيضطر لبيع ما يملك لأجل إطلاقه: فإن هذا يصح بيعه، مُطلقًا؛ للمصلحة: حيث إن بيعه فيه مصلحة إطلاقه أكثر من مصلحة تحفّظه على أملاكه، فلا يُوجد ضرر عليه، فإن قلتَ: إنه يصح بيعه مع كراهة الشراء منه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم: حيث إن نفسه متعلِّقة بأملاكه التي باعها اضطرارًا فتلزم الكراهة. قلتُ إن كراهة شراء الآخرين منه يجعلهم يتحرَّجون من الشراء فيتأخَّرون عنه، وهذا يزيد من مشقة حبسه، وقد أشار إلى ذلك ابن تيمية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" ومُراعاة مصلحة تخليصه من سجنه وموافقته على إرادته عندنا أرجح من غيرها.

стр. 1388

وسفيه بغير إذن ولي)، فإن أذن: صحَّ: لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ أي: اختبروهم وإنما يتحقَّق بتفويض البيع والشراء إليه (١٢)، ويحرم الإذن بلا مصلحة (١٣)، (١٢) مسألة: في الثاني - من شروط صحة البيع - وهو أن يكون المتبايعان جائزي التصرُّف بأن يكون كلّ واحد منهما: بالغًا، عاقلًا، حرًا، رشيدًا - وهو الذي يحسن التصرف في ماله - فلو باع أو اشترى صبي، أو مجنون، أو عبد، أو سفيه: فلا يصح البيع ولا الشراء إلّا إذا أذن ولي الصبي والمجنون والسفيه، وسيد العبد: فإنه يصحّ؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ حيث أوجب الشارع أن يُدفع إلى اليتيم ماله بشرط: بلوغه سن النكاح وهو: البلوغ، والحكم عليه بأنه رشيد حسن التصرف لا يشتري شيئًا لا فائدة فيه، ولا يُغبن، ودلّ مفهوم الشرط هنا: على عدم جواز تصرّف الصبي، والسفيه في البيع والشراء، والمجنون مثلهما: لعدم الفارق بجامع: قصور العقل عن إدراك حقائق الأمور من باب: "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من باع عبدًا له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع" حيث يلزم من ذلك: عدم صحّة تصرف العبد في البيع والشراء إلّا بإذن سيده، فإن قلتَ: لمَ اشترط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس من أن تضيع بسبب تصرف بعض ناقصي الإدراك. (١٣) مسألة: يحرم على ولي الصبي والمجنون والسفيه أن يأذن فيما باع أو اشترى هؤلاء إلّا إذا وُجدت مصلحة تُضاف إلى أموالهم؛ وإن أذن فيه بلا مصلحة: فإنه يضمنه؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﵇ "قد نهى عن إضاعة المال" وهذا النهي مُطلق فيقتضي التحريم، وفساد المنهي عنه، فيضمنه ويأثم، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال وحقوق الصبيان والمجانين، والسفهاء من الضياع.

стр. 1389

وينفذ تصرفهما في الشيء اليسير بلا، إذن، وتصرّف العبد بإذن سيده (١٤) (و) الشرط الثالث: (أن تكون العين) المعقود عليها، أو على منفعتها (مباحة النفع من غير حاجة) بخلاف الكلب؛ لأنَّه إنما يُقتنى لصيد أو حرث أو ماشية، وبخلاف جلد ميتة ولو مدبوغًا؛ لأنَّه إنما يُباح في يابس، والعين هنا مقابل المنفعة: فتتناول ما في الذمة (كالبغل والحمار)؛ لأن الناس يتبايعون ذلك في كل عصر من غير نكير (و) كـ (دود القزّ) لأنَّه حيوان طاهر يُقتنى لما يخرج منه (و) كـ (بزره)؛ لأنَّه ينتفع به في المآل (و) كـ (الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد) كالفهد، والصقر؛ لأنَّه يُباح نفعها واقتناؤها مطلقًا (١٥) (إلا الكلب) فلا يصحّ بيعه؛ لقول ابن مسعود: "نهى النبي ﷺ (١٤) مسألة: إذا تصرَّف صبي، ومجنون، وسفيه في شيء يسير لا تقطع به اليد لو سُرق كالشيء الذي ثمنه ثلاثة دراهم، أو خمسة ريالات ونحوها فباع أو اشترى بها: فإن هذا يصحّ وينفذ ولو لم يأذن الولي؛ للتلازم: حيث يلزم من كونه يسيرًا لا يؤثِّر: صحة تصرفه، ولكون ذلك قد جرت به العادة، تنبيه: قوله: "وتصرف العبد بإذن سيده" قد سبق بيانه. (١٥) مسألة: في الثالث - من شروط صحة البيع - وهو: أن تكون العين المعقود عليها أو المعقود على منفعتها مباحة النفع من غير حاجة، وهذا يشمل أكثر السلع كالعقار، وبهيمة الأنعام والألبسة، والمساكن والأواني والزروع، والثمار، والفيلة، وسباع البهائم كالفهود، والأسود، وسباع الطيور كالصقور النافعة، والحمير والبغال، ودود القزِّ، والقز هو: الحرير وبزره - وهو ولده - فهذه يجوز بيعها وشراؤها: سواء كانت كبيرة ينتفع بها حالًا، أو كانت صغيرة لا ينتفع بها إلّا في المآل وسواء كان طاهرًا كالعقار وبهيمة الأنعام، أو اختلف في نجاسته كالحمير والبغال، وسواء كان البيع حالًا أو في الذمة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم: حيث يلزم من جواز الانتفاع بما سبق ذكره واقتناؤه من غير حاجة: جواز بيعه وشرائه وأخذ عوضًا عنه. الثانية المصلحة؛ حيث إن الذي لا نفع فيه لا يجوز =

стр. 1390

عن ثمن الكلب" متّفق عليه (١٦) (١٧)، ولا ولا بيع آلة آلة لهو وخمر ولو كانا ذمَّيين (١٨) للمسلم أن يشتغل به بيعًا وشراء واقتناء، وهو المقصد الشرعي منه، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط بأن يكون النفع من غير حاجة؟ قلتُ: لإخراج الكلب: سواء كان كلب صيد أو حرث، أو حراسة ماشية، لكونه لا يُنتفع به إلّا لحاجة، وسيأتي بيان ذلك، تنبيه: قوله: "وبخلاف جلد ميتة ولو مدبوغًا؛ لأنَّه إنما يُباح في يابس": يُشير إلى أنه لا يجوز بيع الجلد ولو دُبغ. قلتُ: الجلد إذا دُبغ: فإنه يطهر، ويجوز بيعه وشراؤه. وقد فصَّلتُ القول في ذلك في مسألتي (١٠ و ١٦) من باب "باب الأنية التي تحفظ فيها المياه" من كتاب "الطهارة". (١٦) مسألة: يحرم بيع الكلب، وشراؤه مطلقًا؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن ثمن الكلب" فحرَّم بيع الكلب وشراءه؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، والفساد ولكونه يلزم من نهيه عن ثمنه: تحريم بيعه وشرائه، فإن قلتَ: لِمَ حُرم ذلك؟ قلتُ: للنهي عن اقتنائه في غير حال الحاجة للصيد، أو حفظ ماشية أو حرث حيث قال ﵇: "من اقتنى كلبًا إلّا كلب صيد أو ماشية: فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان" وقال أبو هريرة: "أو كلب حرث" وهو يُشبه في ذلك الخنزير. (١٧) مسألة: يجوز بيع وشراء الهر -: وهو: القط - لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما يجوز بيع الحمار وشراؤه فكذلك الهر مثله، والجامع: إباحة الاقتناء، والانتفاع في كل وهو المقصد منه. الثانية: قول الصحابي: حيث إن ابن عباس قد أجاز ذلك. (١٨) مسألة: يحرم بيع آلات اللّهو كمزمار وأيّة آلة موسيقية، والطبل ونحو ذلك، ويحرّم أيضًا بيع الخمر وكذا شراؤهما وتأجيرهما: سواء كان ذلك بين مسلمين، أو بين مسلم وكافر: للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لعن الله الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها ومبتاعها" فحرم بيع الخمر وشراءه؛ لأنَّه توعَّد من يفعل ذلك باللَّعن، وهذا عقاب ولا يُعاقب إلّا على فعل حرام. =

стр. 1391

(والحشرات) لا يصحّ بيعها؛ لأنَّه لا نفع فيها (١٩) إلا عِلَقًا لمصّ الدَّم، وديدانًا لصيد السمك، وما يُصاد عليه كبومة شباشا (٢٠) (والمصحف) لا يصحّ بيعه، ذكر في "المبدع": أن الأشهر: لا يجوز بيعه، قال أحمد: "لا نعلم في بيع المصحف رخصة قال ابن عمر: وددتُ أن الأيدي تُقطع في بيعها" ولأن تعظيمه واجب، وفي بيعه ابتذال، له ولا يُكره إبداله وشراؤه؛ استنقاذًا. وفي كلام بعضهم: يعني من كافر، ومقتضاه أنه إن كان البائع مسلمًا: حرّم الشراء منه؛ لعدم دعاء الحاجة إليه، بخلاف الكافر، ومفهوم "التنقيح" و "المنتهى". يصحّ بيعه لمسلم (٢١) ثانيهما: قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث حرّم الشارع على المسلم أن يفعل أيَّ شيء يضرُّ به أو يضرُّ بغيره؛ لأن النفي هنا: نهي، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، وهو عام فيشمل آلات اللّهو والخمور وغيرها مما ثبت ضررها قطعًا عاجلًا وآجلًا؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلم وللمجتمع الإسلامي من الفساد. (١٩) مسألة: يحرم بيع الحشرات كالجعلان، والخنافس، والفأر، والحيات، والعقارب؛ للمصلحة؛ حيث إنه لا نفع فيها في العاجل ولا في الآجل. (٢٠) مسألة: إن وُجد نفع في بعض الحشرات الخاصة: فيجوز بيعه وشراؤه كأن يُنتفع به في مصِّ الدم الفاسد، أو تُجعل ديدانًا وطعمًا في آخر السَّنَّارة التي تنزل في البحر أو النهر لصيد السمك، أو تُجعل خيالًا تنزل عليه الطيور لصيدها به، وهو المراد من قوله: "كبومة شباشا"؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل إباحة بيع وشراء كل ما فيه نفع، وإنما حرّم بيع بعض الأشياء؛ نظرًا لضررها، وهذا فيه نفع، فبقي الأصل وهو: الإباحة، والمقصد: نفع المسلم. (٢١) مسألة: يجوز بيع وشراء المصحف من المسلم؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب، حيث =

стр. 1392

(٢٢) (والميتة) لا يصحُّ بيعها؛ لقوله ﵇: "إن الله حرَّم بيع الميتة، والخمر إن الأصل: إباحة بيع وشراء كل ما فيه نفع للاقتناء وغيره، ولا أنفع من المصحف، فيُعمل بالأصل. الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز بيع وشراء كتب العلم وفيها من الآيات والأحاديث وشروحهما ما هو معلوم، فكذلك يجوز بيع المصحف، والجامع: النفع العظيم في كل، بل هذا قياس أولى؛ لأن نفع المصحف لمن تدبَّره لا يُقارن بنفع شيء آخر، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو مُنع بيعه: واقتُصر على الإهداء ونحوه: للحق الناس مشقَّة، ولما عمَّت منفعته؛ نظرًا لبخل أكثر الناس أو إهدائهم لمنافقيهم فقط، فدفعًا لذلك: شرع ما قلناه. فإن قلتَ: لا يجوز بيعه، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي، حيث قال ابن عمر: "لا تبيعوا المصحف" وهو نهي مطلق، فيقتضي التحريم. الثانية: التلازم؟ حيث يلزم من بيعه: ابتذاله وعدم صيانته وهذا محرم، فيُحرَّم بيعه المؤدِّي إلى ذلك. قلت: أما قول الصحابي: فهو اجتهاد منه ولا يقوى على معارضة اجتهادنا من الاستصحاب، والقياس والمصلحة، وأما التلازم: فلا نسلِّم أن بيعه ابتذال له، بل نقل إلى آخر سيقوم بصيانته مثل البائع، وأكثر فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع الاستصحاب والقياس والمصلحة" و "الخلاف في بيعه هل يُعتبر ابتذالًا أو لا؟ "، فإن قلتَ: لمَ خُصِّص الجواز بالمسلم؟ قلتُ: لأنَّه يجب شراء المصحف من الكافر، أو من أيِّ فاسقٍ مستخفٍّ به استنقاذًا له منه، ولا يجوز بيعه عليه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تعظيم لكلام الله تعالى. تنبيه: قوله: "ولا يُكره إبداله" هذا ورد بناء على قول القائل: "لا يجوز بيعه" وهو المصنف ومن معه وهو مرجوح كما سبق. (٢٢) مسألة: يجوز بيع القرد وشراؤه إذا كان نافعًا في حراسة مكان أو متاع، للقياس، =

стр. 1393

والأصنام" متفق عليه (٢٣)، ويُستثنى منها السمك والجراد (٢٤) (و) في (السرجين النجس)؛ لأنَّه كالميتة، وظاهره: أنه يصحّ بيع الطاهر منه قاله في "المبدع" (و) لا (الأدهان النجسة ولا المتنجِّسة)، لقوله ﵇: "إنّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه"، وللأمر بإراقته (٢٥) (ويجوز الاستصباح بها) أي: بالمتنجِّسة على وجه لا تتعدَّى نجاسته كالانتفاع بجلد الميتة المدبوغ (في غير مسجد)؛ لأنَّه يؤدِّي إلى تنجيسه ولا يجوز بيانه: كما يجوز بيع الصقر وشراؤه؛ بجامع الانتفاع في كل، أما بيعه وشراؤه لأجل التلاعب به والضحك على حركاته، فلا يجوز، للمصلحة: حيث إن فيه إضاعة وقت ومال، للتلاعب وهو لا يجوز. (٢٣) مسألة: لا يجوز بيع وشراء الميتة والخنزير؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إن الله حرَّم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام"، وضرر ذلك لا يخفى على أحد، وهو المقصد منه. (٢٤) مسألة: يجوز بيع وشراء ميتة السمك والجراد، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "أحلَّ لنا ميتتان ودمان أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان فالطحال والكبد" ويلزم من إحلال أكله: أنه مُنتفع به، فلزم جواز بيعه وشرائه؛ للانتفاع به، وهو المقصد منه. (٢٥) مسألة: لا يجوز بيع أيِّ شيء نجس كالسِّرجين النجس، وهو: السَّماد الذي يوضع للزروع والأشجار المأخوذ من روث حمار، أو عذرة إنسان، وكالأدهان النجسة كدهن شحم الميتة، ولا يجوز أيضًا بيع الأشياء الطاهرة التي ورد عليها شيء نجس فنجَّسه كدهن حيوان طاهر ورد عليها عذرة أو بول إنسان فنجَّسه، أما إن كان السرجين طاهرًا - كروث بهيمة الأنعام - أو أمكن تطهير الدهن المتنجَّس: فيجوز بيعها وشراؤها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﵇: "إذا حرَّم الله شيئًا: حرَّم ثمنه" والنجس والمتنجَّس كالسرجين والدهن يحرم أكله، فيلزم من ذلك: تحريم ثمن بيعه، فلزم: عدم جواز بيعه أو شرائه، =

стр. 1394

الاستصباح بنجس العين (٢٦) ولا يجوز بيع سمٍّ قاتل (٢٧) (و) الشرط الرابع: (أن يكون العقد (من مالك) للمعقود عليه (أو من يقوم مقامه) كالوكيل، والولي؛ لقوله الثانية: القياس، بيانه: كما أن الميتة لا يجوز بيعها فكذلك لا يجوز بيع السرجين النجس والجامع: الضرر في كل، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من الأمر بإراقة الأشياء النجسة كالخمر ولحوم الحمر الأهلية: تحريم بيعها والسرجين النجس مثلها، الرابعة: المصلحة حيث إن السرجين الطاهر يُنتفع به في وضعه كسماد للأشجار والزروع، فلزم: جواز بيعه وشرائه. (٢٦) مسألة: يجوز اتخاذ المصابيح والشموع التي تُنير للناس طريقهم من الأدهان المتنجسة بشروط: أولها: أن لا تتعدَّى النجاسة مُحيط المصباح: بأن يسقط على أرض أو ثياب، ثانيها: أن لا يكون المصباح في مسجد، ثالثها: أن لا يكون هذا الدهن مأخوذًا من نجس العين كأن يؤخذ من دهن الخنزير أو الكلب، أو الميتة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇ قد سُئل وقيل له: أرأيت شحوم الميتة فإنه تُطلى بها السفن، وتُدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا هو حرام" فحرم نجس العين وما يُؤخذ منه، وهذا قد أثبت الشرط الثالث. الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا الدهن المتنجَّس إذا تعدَّى إلى ما بَعُد عن موضع المصباح أو جُعل في مسجد: فإن مفسدته ستكون أعظم من مصلحة الانتفاع به، وما هذا شأنه: فإنه يمنع منه، وهو المقرر للشرطين الأول والثاني. (٢٧) مسألة: لا يجوز بيع السُّمِّ القاتل كسم الأفاعي ونحوها، ولا يجوز التداوي به، أما السم غير القاتل، وهو سم النبات: فيجوز بيعه وشراؤه إن أمكن التداوي بالقليل منه؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إن الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه" فالله حرَّم أكل السم، وأيَّ شيء ضرره أكثر من نفعه، وهذا يلزم منه: تحريم ثمنه الذي يُؤخذ عن طريق بيعه وهذا يلزم منه: تحريم بيعه. الثانية: المصلحة؛ حيث إن المصلحة تقتضي التداوي بالقليل من السم غير =

стр. 1395

﵇ لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك" رواه ابن ماجه والترمذي، وصححه، وخُصَّ منه المأذون له، لقيامه مقام المالك (فإن باع ملك غيره) بغير إذنه: لم يصحّ ولو مع حضوره وسكوته، ولو أجازه المالك، ما لم يحكم به من يراه (أو اشترى بعين ماله) أي: مال غيره (بلا إذنه: لم يصحّ) (٢٨) القاتل، لدفع مفسدة بعض الأمراض. (٢٨) مسألة في الرابع - من شروط صحة البيع - وهو: أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه وقت العقد، أي: أن البائع يملك العين المباعة، والمشتري يملك ما يشتري به، أو أن يكون وكيلًا عن المالك الأصلي في حال حياته، أو وصيًا بالتصرف بعد وفاته، أو وليًا عن غير مكلَّف، أو يكون ناظرًا لوقف، فإن باع ملك غيره أو اشترى بمال غيره بلا إذن منه أو إذن من القاضي: فلا يصحّ البيع: سواء كان هذا الغير قريبًا أو بعيدًا، وسواء كان حاضرًا وقت البيع أو كان غائبًا، وسواء كان ساكتًا أو لا؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا تبع ما ليس عندك" فحرَّم الشارع بيع المسلم ما لا يملك أو شراء شيء بما لا يملك وإن وقع فهو فاسد؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهو شامل للحاضر والساكت وغيرهما. ثانيهما: قوله ﵇: "وَكَّل في البيع والشراء" وهذا يلزم منه: أن الوكيل يتصرَّف كتصرُّف المالك الذي وكَّله، والوصي، والولي، والناظر في الوقف مثل الوكيل؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة": لكون كل واحد منهم قد أذن له الشارع بالتصرُّف، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية أملاك الناس من أن يفقدوها بسبب تصرُّف بعض الظلمة فيها ببيع أو شراء. تنبيه: قوله: "ما لم يحكم به من يراه" يقصد أنه لو حكم قاضٍ من المالكية أو الحنفية أو الشافعية أو الحنابلة بأن البيع أو الشراء يصحّ بعد الإجازة: فإنا نعمل =

стр. 1396

ولو أجيز؛ لفوات شرطه (٢٩) ....... (وإن اشترى له) أي لغيره (في ذمَّته بلا، إذنه، ولم يسمِّه في العقد: صحَّ) العقد؛ لأنَّه مُتصرِّف في ذمَّته، وهي قابلة للتصرُّف، ويصير ملكًا لمن اشترى (له) من حين العقد (بالإجازة)؛ لأنَّه اشتري لأجله، ونزَّل المشتري نفسه منزلة الوكيل، فملكه من اشتُري له كما لو أذن (ولزم) العقد (المشتري بعدمها) أي: عدم الإجازة؛ لأنَّه لم يأذن فيه، فتعيَّن كونه للمشتري (ملكًا) كما لو لم ينوِ غيره، وإن سمَّى في العقد من اشترى له: لم يصح (٣٠)، به، للمصلحة: حيث إن ذلك فيه نبذ للتنازع والاختلاف. (٢٩) مسألة: إذا باع زيد ملك عمرو، أو اشترى بمال عمرو شيئًا، وأجازه عمرو على هذا البيع أو الشراء: فإن البيع والشراء يصحّ وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد؛ للسنة التقريرية: حيث إنه ﵇ قد أعطى عروة بن الجعد البارقي دينارًا ليشتري به شاة فاشترى عروة شاتين، ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، قال: فأتيتُ النبي ﷺ بالدينار والشاة، وأخبرته فقال: "بارك الله في صفقة يمينك" فوافقه على ما فعل، ولم يُفسد بيعه وشراءه، بل أجازه، ولم يتبيَّن من ذلك وكالة بأحد ألفاظها، فإن قلتَ: إنه لا يصح البيع ولا الشراء هنا ولو أجازه المالك فيما بعد، وهو ما ذكره المصنف هنا، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا تبع ما لا تملك" فأفسد البيع والشراء مُطلقًا: سواء أجاز المالك من باع ملكه بلا إذنه أو لا. قلتُ: إن هذا الحديث مقيَّد بحديث عروة، ثم إنه عقد له مُجيز له حال وقوعه فصح وقفه على إجازته. فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الحديثين". (٣٠) مسألة: إذا اشترى زيد دارًا لعمرو في ذمته - أي بدون مال من عمرو أو إذنه - ولم يُسمِّ زيد عمرًا عند العقد: فالبيع صحيح، فإذا أخبر زيد عمرًا بأنه قد اشترى له دارًا بثمن كذا: فإن أجاز عمرو ذلك وقبله: فالدار تكون مُلكًا له من حين العقد، وإن لم يُجز ذلك ولم يقبله: فالدار تكون مُلكًا لزيد لازمة له، أما إن سمَّى زيد عمرًا عند العقد: فلا يصح البيع؛ القاعدتين: الأولى: القياس وهو من =

стр. 1397

وإن باع ما يظنه لغيره: فبان وارثًا، أو وكيلًا: صحَّ (٣١) (ولا يُباع غير المساكن مما فتح عُنوة كأرض الشام ومصر والعراق) وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر ﵃؛ لأن عمر ﵁ وقفها على المسلمين، وأما المساكن فيصحّ بيعها: لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير، ولو كانت آلتها من أرض العنوة، أو كانت موجودة حال الفتح، وكأرض العنوة في ذلك ما جلوا عنه فزعًا منَّا، وما صولحوا على أنه لنا، ونُقِره معهم بالخراج، بخلاف ما صولحوا على أنه لهم كالحيرة، وأُلِّيس، وبانقيا، وأرض بني صلوبا من أراضي العراق، فصح بيعها كالتي أسلم أهلها عليها كالمدينة وجهين: أولهما: كما أن عمرًا لو أذن لزيد في شراء هذه الدار فاشتراها له زيد: فالبيع صحيح، وتكون لعمرو فكذلك إذا اشتراها لعمرو بدون إذنه وأجاز ذلك وقبله مثل ذلك، والجامع: أن زيدًا يُعتبر وكيلًا لعمرو في كلا الحالتين: سواء تقدم أو تأخر، ثانيهما: كما أن زيدًا لو اشترى لنفسه ولم ينوِ أحدًا غيره: فالبيع صحيح، فكذلك إذا نواها لعمرو ولم يُجزه ولم يقبلها، فالبيع صحيح وتكون العقد الدار ملكًا لزيد لازمة له بسبب والجامع: استكمال شروط العقد في كل. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تسمية عمرو في العقد وهو لم يأذن، ولم يُوكَّل: صحة البيع؛ لفقدان الشرط السابق، وهو أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه، وإذا انتفى الشرط: انتفى المشروط، وهو الحكم. (٣١) مسألة: إذا باع ملك غيره فيما يغلب على ظنه، وبعد العقد بان أن ما باعه مُلكه بسبب أنه ورثه، أو بان أنه مُتصرِّف فيه شرعًا كأن يعلم بأنه وكيل، أو وصي، أو ولي، أو ناظر وقف: فالبيع صحيح؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا تبع ما لا تملك" حيث دلَّ مفهوم الصفة على جواز ما يملكه وما ورثه أو كان وكيلًا أو وليًا أو وصيًا أو ناظرًا عليه دخل فيما يملكه ويتصرَّف فيه، فصحَّ البيع؛ نظرًا لتوفّر شرطه.

стр. 1398

(بل) يصحّ أن (تؤجّر) أرض العنوة ونحوها؛ لأنها مؤجَّرة في أيدي أربابها بالخراج المضروب عليها في كل عام، وإجارة المؤجر جائزة (٣٢)، ولا يجوز بيع رباع مكة، ولا إجارتها؛ لما روي سعيد بن منصور عن مجاهد مرفوعًا: "رباع مكة حرام بيعها، وحرام إجارتها" وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "مكة لا تُباع رباعها، ولا تكرى بيوتها" رواه الأثرم، فإن سكن بأجرة: لم يأثم بدفعها، جزم به في (٣٢) مسألة: يجوز بيع وشراء وإجارة الأراضي في ديار المسلمين: سواء كانت مفتوحة صُلحًا، أو عُنوة، أو سواء كان عليها مساكن أو لا؛ للمصلحة: حيث إنه لو مُنع الناس من ذلك بسبب أن بعضها فُتح عُنوة، وبعضها جلوا عنها، وبعضها دفعوا الخراج من أجل إبقائهم عليها: للحق بالناس الحرج والمشقة وصعوبة الحياة؛ لاختفاء تلك المعلومات في الأزمنة المتأخرة، وصعوبة تنظيمها؛ فدفعًا لذلك جاز كل ما قلناه، وأصله: قاعدة: "الضرر يُزال" و "المشقة تجلب التيسير" و "إذا ضاق الأمر اتّسع" و "لا ضرر ولا ضرار"، فإن قلت: إذا فتحت الأرض عُنوة وقهرًا كأرض الشام ومصر، والعراق: فإن أرضها تؤجر، وإن بُني عليها مساكنُ دور: فإن تلك الدور تباع فقط، دون الأرض، والأرض التي جلوا عنها وهربوا منها خوفًا منَّا مثلها، وكذلك ما صالحناهم عليها وكانت بأيديهم بشرط دفع الخراج، أما ما صالحناهم على أنها لهم فقط، أو ما فتحت صلحًا: فيجوز بيع أراضيها وإجارتها ونحو ذلك؛ لإجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن عمر قد فعل ذلك، وتصرَّف الصحابة في عهد عمر على هذا الأساس ولم يُنكر الباقون عليهم فكان إجماعًا سكوتيًا. قلتُ: إن هذا ممكن لما كان المسلمون حديثي عهد بالفتوحات، تُعرف كل أرض ومَنْ فتحها، وبيت مال المسلمين واحد، أما الآن فيشقُ معرفة ذلك، وتصعب الحياة بذلك؛ لكثرة الأراضي، وكثرة الناس، وتعدد الدول الإسلامية، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة العامة مع الإجماع السكوتي".

стр. 1399

"المغني" وغيره (٣٣) (٣٤) (ولا يصحّ بيع نقع البئر) وماء العيون؛ لأن ماءها لا يملك؛ (٣٣) مسألة: يجوز بيع وشراء وتأجير الأراضي والدُّور في مكة، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد وبعض التابعين، ورجَّحه ابن تيمية وابن القيم؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أنه لما قيل للنبي ﷺ : أنزل في دارك لما وصل مكة قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع" يقصد أن عقيل بن أبي طالب قد باع رباع أبي طالب؛ لكونه هو الوارث لها دون إخوته؛ لكونه على دينه، وهذا يلزم منه أن بيع تلك الدور يصح، ولو لم يصح لبقيت دار النبي ﷺ ونزل بها، ثانيهما: قوله: "من دخل داره فهو آمن" فأضاف الدار إليه بلام التمليك. الثانية: إجماع الصحابة السكوتي: حيث كان الصحابة كأبي بكر، والزبير، وأبي سفيان وغيرهم لهم دور فمنهم، من باعها، ومنهم من تركها لورثته، واشترى عمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف، واشترى معاوية دار الندوة، ولم يُنكر ذلك كله فكان إجماعًا سكوتيًا منهم على جواز البيع والشراء والإجارة لأراضي ودور مكة. الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه يجوز بيع وشراء سائر الأراضي في ديار المسلمين فكذلك يجوز ذلك في مكة والجامع: أن كلًّا منها أرض حية لم يرد إليها تمليك لأحد، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن المنع من بيع أراضيها ودُورها فيه مشقَّة وحرج وضيق على المسلمين، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٣٢)، فإن قلتَ: لا يجوز بيع رباع مكة - وهو المنزل والدار الذي يربع ويسكن فيه المسلم - ولا إجارتها، فإن سكن شخص بأجرة: فإنه لا يأثم بدفعها؛ لاضطراه، وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "مكة لا تُباع، رباعها، ولا تكرى بيوتها" وفي رواية: "رباع مكة حرام بيعها، حرام إجارتها" والنهي للتحريم؛ لأنَّه مطلق قلتُ: هذا الحديث قد ضعَّفه كثير من أئمة، الحديث، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في حديثهم الأخير هل هو ضعيف؟ " فعندنا: ضعيف، وعندهم: قوي. (٣٤) مسألة: لا يجوز بيع وإجارة أراضي المناسك كأرض: المسعى، ورمي الجمار، =

стр. 1400

لحديث: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار" رواه أبو داود وابن ماجه، بل رب الأرض أحقّ به من غيره؛ لأنَّه صار في ملكه (ولا) يصحّ بيع (ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك)؛ لما تقدَّم (٣٥)، وكذا معادن جارية كنفط وملح، وكذا لو عشَّش في أرضه طير؛ لأنَّه لا يملكه به: فلم يجز بيعه (٣٦) (ويملكه آخذه)؛ لأنَّه من المباح (٣٧)، لكن لا يجوز دخول ملك غيره بغير إذنه، وحرم منع مستأذن بلا ........ والمواقيت المكانية، ومنى، ومزدلفة، وعرفات والطرق المؤدية إليها؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستند ذلك: المصلحة؛ حيث إنه لو تُعدِّي عليها ومُلِّكت بالشراء: لظلم من اشتراها الحجّاج والمعتمرين بدفع مبالغ عظيمة لأجل استعمالها، وهذا يؤدّي إلى إبطال هذه الشعائر، وهو مناخ من سبق إليه كما قال ذلك النبي ﵇. (٣٥) مسألة: لا يجوز لزيد أن يبيع الماء النابع من بئر أو عين في أرضه، ولا يجوز له بيع ما ينبت في أرضه من عشب وشوك وشجر إذا نبت من السماء. لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﵇: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار" فليس كل واحد من الناس بأولى من الآخر في هذه الأشياء. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود سبب لملكيتها من إحياء، أو شراء، أو إرث: عدم جواز بيعها، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، لا سيما أنهم بحاجة إليها. (٣٦) مسألة: إذا وُجد في أرض زيد نفط - وهو: البترول - أو ملح، أو عش طيور، أو أسماك: فلا يجوز له بيع ذلك إذا لم يتضرر، أما إن وُجد ضرر في عدم البيع: فيجوز البيع لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم مُلكيته بمجرَّد وجوده في أرضه: عدم جواز البيع، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ضرر عدم بيعه أكثر من ضرر بيعه فيقدَّم أخفُّ الضررين، وهو: بيعه. (٣٧) مسألة: إذا أخذ شخص ذلك الماء فوضعه في أواني، أو أحواض، أو برك، أو =

стр. 1401

ضرر (٣٨) (و) الشرط الخامس: (أن يكون) المعقود عليه (مقدورًا على تسليمه) لأن ما لا يُقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم: فلم يصح بيعه (فلا يصح بيع آبق) علم خبره أو لا؛ لما روي أحمد عن أبي سعيد: "أن رسول الله ﷺ نهى عن شراء العبد وهو آبق" (و) لا بيع (شارد و) في (طير في هواء) ولو ألف الرجوع إلا أن يكون بمغلق، ولو طال زمن أخذه. (و) لا بيع (سمك في ماء)؛ لأنَّه غرر ما لم يكن مرئيًا بمحوز يسهل أخذه منه؛ لأنَّه معلوم يمكن تسليمه (٣٩). (ولا) يصح بيع (مغصوب من غير غاصبه، أخذ الحطب والعشب ووضعه في حزم، وفي حرز مثله، وأخذ النفط ووضعه في أوانيه - وهي: البراميل أو المواصير - وأخذ الطير والسمك ووضعه في مكانها، وبذل جهدًا في ذلك كله: فإنه يملكه بذلك، فيجوز بيعه واستعماله وتأجيره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بذل جهد في جمعه ووضعه في حوزته، وحرز مثله، وهو مما يُباح أخذه شرعًا: أن يتملَّكه ويلزم من تملُّكه إياه: جواز بيعه واستعماله وإجارته. (٣٨) مسألة: لا يجوز لزيد أن يدخل أرض عمرو لأخذ ماء، أو عشب أو حطب أو طير أو سمك أو نحو ذلك إلا بعد إذنه - أي: إذن عمرو - ولا يجوز لعمرو أن يمنع زيدًا من الدخول لأخذ ذلك بشرط: عدم وجود ضرر على عمرو، فإن وُجد: فله منعه وإن لم يُوجد هذا الضرر ومنعه عمرو: فإن زيدًا يدخل وإن لم يرضَ عمرو؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من الدخول بغير إذن عمرو: التصرُّف في ملك غيره وهذا لا يجوز، الثانية: القياس بيانه: كما أن الولي إذا منع موليته من النكاح من غير وجه حق: فإنه يجوز أن يزوِّجها غيره ممن يليه في الولاية عليها، فكذلك هنا إذا منع عمرو زيدًا من الدخول من غير ضرر: فإن زيدًا يدخل وإن لم يأذن عمرو، والجامع منع الآخرين حقوقهم بغير عذر، الثالثة المصلحة؛ حيث إنه إذا وُجد ضرر يلحق بعمرو إذا دخل زيد: فإنه يُمنع زيد من الدخول؛ رفعًا للضرر عن عمرو. (٣٩) مسألة: في الخامس - من شروط صحّة البيع وهو أن يكون البائع قادرًا على تسليم =

стр. 1402

أو قادر على أخذه) من غاصبه؛ لأنَّه لا يقدر على تسليمه، فإن باعه من غاصبه، أو قادر على أخذه: صحّ؛ لعدم الغرر، فإن عجز بعدُ فله الفسخ (٤٠) (و) الشرط المعقود عليه للمشتري، والمشتري قادرًا على تسليم الثمن للبائع، وبناء على ذلك: لا يصحّ بيع عبد هارب سواء عُلم مكانه المختفي فيه أو لا، ولا يصح بيع بهيمة شاردة ولا طير في هواء، ولا سمك في ماء، ولو وقع: لا يصحّ البيع، إلا إذا كان الطير أو السمك مرئيًا في مكان ممكن أخذه وتسليمه: فهذا يصح بيعه: سواء طال وقت أخذه من مكانه أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﵇ "نهى عن بيع الغرر" وبيع ما لا يمكن تسليمه في الحال فيه غرر على المشتري وعدم علمه بالمبيع؛ لأن الغرر هو: ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه والنهي، مطلق فيقتضي التحريم، والفساد، أي: فساد البيع إن وقع وهذا عام لجميع الحالات التي فيها الغرر كبيع عبد هارب، وبيع شيء شارد وسمك في ماء، وطير في هواء؛ لأن الغرر اسم جنس محلى بأل وهو من صيغ العموم. ثانيهما: أنه ﵇ نهى عن شراء العبد وهو آبق" وذلك لعدم القدرة على تسليم هذا العبد، والطير في الهواء، والبهيمة الشاردة، والسمك في الماء كالعبد الهارب؛ لعدم الفارق؛ من باب "مفهوم الموافقة" بجامع: عدم القدرة على التسليم. الثانية: القياس، بيانه: كما لا يجوز بيع المعدوم فكذلك لا يجوز بيع ما لا يمكن تسليمه والجامع: عدم تمكين المشتري من الانتفاع بالمبيع بعد العقد. الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من القدرة على تسليم الطير، أو السمك الموجودين في موضع معيَّن: صحّة بيعه؛ لتحقُّق الانتفاع بالمبيع بعد العقد، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ هي حماية حقوق المسلمين من الاعتداء عليها، وسلبها ببيع شيء لا يُقدر على تسليمه، أو شراء من لا يستطيع دفع الثمن، فيقع تنازع واختلاف، فدفعًا لذلك: اشتُرط ذلك. (٤٠) مسألة: إذا غصب زيد من عمر دارًا: فلا أن يبيعها عمرو إلّا على زيد - =

стр. 1403

السادس: (أن يكون) المبيع (معلومًا) عند المتعاقدين؛ لأن جهالة المبيع غرر، ومعرفة المبيع إما (برؤية) له، أو لبعضه الدال عليه مُقارنة، أو مُتقدِّمة بزمن لا يتغيَّر فيه المبيع ظاهرًا، ويلحق بذلك ما عرف بلمسه، أو شمِّه، أو ذوقه (أو صفة) تكفي في السَّلَم، فتقوم مقام الرؤية في بيع ما يجوز السَّلم فيه خاصة (٤١) ولا يصحّ بيع الأنموذج: بأن وهو الغاصب - أو على بكر القادر على أخذها من زيد فقط، ولكن هذا المشتري - وهو بكر هنا - إذا بان عجزه عن أخذها من زيد: فله فسخ البيع، وأخذ الثمن من عمرو، ويُقبل قول المشتري - وهو بكر - في ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن قدرة عمرو على تسليم الدار المباعة من غاصبها وهو زيد، أو تسليمها لمن يقدر على أخذها من زيد - وهو بكر - يلزم منه: صحّة البيع؛ نظرًا لتوفّر شرطه، وهو: القدرة على التسليم وانتفاء الضرر، ويلزم من عدم القدرة على تسليم الدار لغيرهما، أو عجز بكر عن أخذها: عدم صحّة البيع؛ لانتفاء شرطه - وهو القدرة على التسليم - ووجود الغرر فتكون صحة البيع وعدمها تدور مع وجود الشرط وعدمه. (٤١) مسألة: في السادس - من شروط صحة البيع - وهو: أن تكون السلعة المباعة معلومة لدى البائع والمشتري حين العقد، وهذا العلم يكون بإحدى الطرق التالية؛ أولها: رؤية تلك السلعة ومشاهدتها، أو رؤية بعضها الدالة على بقيتها: سواء كانت تلك الرؤية مقارنة للعقد، أو متقدِّمة عليه بزمن لا تتغيَّر فيه السلعة تغيُّرًا ظاهرًا، وهذا فيما يَكفي فيه الرؤية ثانيها: وصف تلك السلعة وصفًا دقيقًا يكفي عن المشاهدة، وهذا في الشيء الذي لا يمكن انضباطه إلا بالوصف، كما يوصف ما يُسلم به: بأن يذكر البائع كل ما يختلف به الثمن غالبًا، وهذا الوصف يكون بالقول حتى كأنك تراه؛ ويكون بذكر مثيل له مما يُشاهد، ويكون في الأشياء التي يسلم بها كالمكيل والموزون والمعدود والمذروع. ثالثها: سماع صوت السلعة فيما يشترى ليسمع كالمذياع، والأشرطة، رابعها: تذوق السلعة فيما يُشترى ليؤكل كالعسل والتمر ونحوهما. خامسها: شمُّ السلعة فيما يُشترى ليُشم كالطيب ونحوه، =

стр. 1404

يُريه صاعًا مثلًا، ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه (٤٢). ويصح بيع الأعمى وشراؤه بالوصف واللَّمس، والشم، والذَّوق فيما يعرفون به كتوكيله (٤٣) (فإن اشترى ما لم يره) بلا وصف (أو رآه وجهله) بأن لم يعلم ما هو سادسها: لمس السلعة فيما يُشترى ليُلبس كالثياب والأقمشة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر" والسلعة إذا لم تكن معلومة لدى المتبايعين: فإن بيعها فيه غرر وجهالة وهذا منهي عنه؛ والنهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد. الثانية: القياس، بيانه: كما أن السَّلَم يصح بالوصف - كما قال ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" فكذلك البيع يصح بالوصف، وهذا فيما يمكن ضبطه بالوصف، والسماع، والذوق، والشم، واللمس كالوصف؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية المسلمين من أن يُغرُّون، ويُخدعون، فيقع أكل أموال الناس بالباطل، وهذا حرام بالإجماع، ويؤدي إلى الاختلافات والمنازعات. (٤٢) مسألة: بيع الأنموذج - وهو: أن يُظهر البائع صاعًا من البر أو الأرز ويقول: "أبيع عليك ما عندي من البر أو الأرز مثل هذا الصاع، أو هذا الأنموذج" - يصحّ بشرط: أن يكون كله على صفة الصاع المظهر، أو الثوب، أو نحو ذلك؛ للتلازم: حيث يلزم من رؤية بعضه ووصف الباقي ووروده على ما ظهر: صحّة بيعه، فإن قلتَ: لا يصحّ بيع الأنموذج، وهو ما ذكره المصنف هنا: للتلازم؛ حيث يلزم من عدم رؤية المبيع كله وقت العقد: صحّة عدم بيعه؛ لعدم شرطه. قلتُ: هذا لا يمنع صحّة بيعه؛ لكونه بان أن الباقي كالصاع أو الثوب المظهر، فيكون بعضه ظاهرًا، وبعضه موصوفًا فلا غرر ولا جهالة في ذلك فيلزم صحّته، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازمين". (٤٣) مسألة: يصح أن يبيع الأعمى ويشتري السلع التي يمكن له معرفتها بطريق =

стр. 1405

(أو وصف له بما لا يكفي سَلَمًا: لم يصح) البيع؛ لعدم العلم بالمبيع (٤٤)، (ولا يُباع حمل في بطن ولبن في ضرع مُنفردين)؛ للجهالة، فإن باع ذات لبنٍ أو حملٍ: دخلا تبعًا (٤٥) الوصف، واللمس، والشم، والذوق، والسماع؛ للتلازم: حيث إن معرفة السلعة المباعة بتلك الطرق يلزم منها: صحّة بيعه، لها، وشرائها؛ لعدم وجود الغرر والجهالة، وبذلك يصح توكيله في البيع والشراء أيضًا؛ لعدم الفارق، وهذا فيه توسعة على الناس، وهو المقصد الشرعي. (٤٤) مسألة: إذا قال البائع: "بعتك هذه الدار أو هذه الآلة بكذا" والمشتري لم يرَ داخل تلك الدار أو الآلة ولم يسمع أوصافهما، أو رأى الدار، ولكنه يجهل ما تحتويه من غرف، ودرج، ونحو ذلك، أو رأى الآلة ولكنه جهل منافعها الكثيرة، أو وصف البائع له تلك الدار أو الآلة وصفًا لا يكفي فيما اشتُرط في السَّلَم من وصف كأن يترك وصفًا يختلف بسببه الثمن: فإن البيع لا يصح في تلك الحالات؛ للتلازم: حيث إن عدم رؤية الدار أو الآلة وعدم وصفها وصفًا دقيقًا يلزم منه: عدم صحّة البيع؛ لعدم وجود شرطه وهو: العلم بالمباع عند العقد، فإن قلتَ: لمَ لا يصح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وهي: أن ذلك يُؤدِّي إلى الجهالة والغرر فينتج عنهما: الاختلاف والتنازع، وأكل أموال الناس بالباطل. (٤٥) مسألة: لا يصح بيع حمل في بطن بهيمة، ولا لبن في ضرع بهيمة بأن يقول البائع: "بعتك ما في بطن هذه الشاة دون الشاة نفسها" أو يقول: "بعتك اللَّبن الذي داخل ضرع هذه الشاة، دون الشاة نفسها" أما إذا باع الشاة وهي حامل، أو كان في ضرعها لبن: فإن المحمول به، واللَّبن يتبعان الشاة المباعة فيكونان للمشتري؛ للتلازم: حيث إن عدم رؤية المحمول به واللبن في الضرع، وصعوبة وصفهما وصفًا دقيقًا يلزم منه عدم صحة البيع؛ لعدم وجود شرطه، وهو: العلم بالسلعة المباعة عند العقد، ويلزم من بيع الشاة: أن يتبعها كل ما لم ينفرد عنها =
следующие страницы →