Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
ضرر (٣٨) (و) الشرط الخامس: (أن يكون) المعقود عليه (مقدورًا على تسليمه) لأن ما لا يُقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم: فلم يصح بيعه (فلا يصح بيع آبق) علم خبره أو لا؛ لما روي أحمد عن أبي سعيد: "أن رسول الله ﷺ نهى عن شراء العبد وهو آبق" (و) لا بيع (شارد و) في (طير في هواء) ولو ألف الرجوع إلا أن يكون بمغلق، ولو طال زمن أخذه. (و) لا بيع (سمك في ماء)؛ لأنَّه غرر ما لم يكن مرئيًا بمحوز يسهل أخذه منه؛ لأنَّه معلوم يمكن تسليمه (٣٩). (ولا) يصح بيع (مغصوب من غير غاصبه،
أخذ الحطب والعشب ووضعه في حزم، وفي حرز مثله، وأخذ النفط ووضعه في أوانيه - وهي: البراميل أو المواصير - وأخذ الطير والسمك ووضعه في مكانها، وبذل جهدًا في ذلك كله: فإنه يملكه بذلك، فيجوز بيعه واستعماله وتأجيره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بذل جهد في جمعه ووضعه في حوزته، وحرز مثله، وهو مما يُباح أخذه شرعًا: أن يتملَّكه ويلزم من تملُّكه إياه: جواز بيعه واستعماله وإجارته.
(٣٨) مسألة: لا يجوز لزيد أن يدخل أرض عمرو لأخذ ماء، أو عشب أو حطب أو طير أو سمك أو نحو ذلك إلا بعد إذنه - أي: إذن عمرو - ولا يجوز لعمرو أن يمنع زيدًا من الدخول لأخذ ذلك بشرط: عدم وجود ضرر على عمرو، فإن وُجد: فله منعه وإن لم يُوجد هذا الضرر ومنعه عمرو: فإن زيدًا يدخل وإن لم يرضَ عمرو؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من الدخول بغير إذن عمرو: التصرُّف في ملك غيره وهذا لا يجوز، الثانية: القياس بيانه: كما أن الولي إذا منع موليته من النكاح من غير وجه حق: فإنه يجوز أن يزوِّجها غيره ممن يليه في الولاية عليها، فكذلك هنا إذا منع عمرو زيدًا من الدخول من غير ضرر: فإن زيدًا يدخل وإن لم يأذن عمرو، والجامع منع الآخرين حقوقهم بغير عذر، الثالثة المصلحة؛ حيث إنه إذا وُجد ضرر يلحق بعمرو إذا دخل زيد: فإنه يُمنع زيد من الدخول؛ رفعًا للضرر عن عمرو.
(٣٩) مسألة: في الخامس - من شروط صحّة البيع وهو أن يكون البائع قادرًا على تسليم =
стр. 1402
أو قادر على أخذه) من غاصبه؛ لأنَّه لا يقدر على تسليمه، فإن باعه من غاصبه، أو قادر على أخذه: صحّ؛ لعدم الغرر، فإن عجز بعدُ فله الفسخ (٤٠) (و) الشرط
المعقود عليه للمشتري، والمشتري قادرًا على تسليم الثمن للبائع، وبناء على ذلك: لا يصحّ بيع عبد هارب سواء عُلم مكانه المختفي فيه أو لا، ولا يصح بيع بهيمة شاردة ولا طير في هواء، ولا سمك في ماء، ولو وقع: لا يصحّ البيع، إلا إذا كان الطير أو السمك مرئيًا في مكان ممكن أخذه وتسليمه: فهذا يصح بيعه: سواء طال وقت أخذه من مكانه أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﵇ "نهى عن بيع الغرر" وبيع ما لا يمكن تسليمه في الحال فيه غرر على المشتري وعدم علمه بالمبيع؛ لأن الغرر هو: ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه والنهي، مطلق فيقتضي التحريم، والفساد، أي: فساد البيع إن وقع وهذا عام لجميع الحالات التي فيها الغرر كبيع عبد هارب، وبيع شيء شارد وسمك في ماء، وطير في هواء؛ لأن الغرر اسم جنس محلى بأل وهو من صيغ العموم. ثانيهما: أنه ﵇ نهى عن شراء العبد وهو آبق" وذلك لعدم القدرة على تسليم هذا العبد، والطير في الهواء، والبهيمة الشاردة، والسمك في الماء كالعبد الهارب؛ لعدم الفارق؛ من باب "مفهوم الموافقة" بجامع: عدم القدرة على التسليم. الثانية: القياس، بيانه: كما لا يجوز بيع المعدوم فكذلك لا يجوز بيع ما لا يمكن تسليمه والجامع: عدم تمكين المشتري من الانتفاع بالمبيع بعد العقد. الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من القدرة على تسليم الطير، أو السمك الموجودين في موضع معيَّن: صحّة بيعه؛ لتحقُّق الانتفاع بالمبيع بعد العقد، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ هي حماية حقوق المسلمين من الاعتداء عليها، وسلبها ببيع شيء لا يُقدر على تسليمه، أو شراء من لا يستطيع دفع الثمن، فيقع تنازع واختلاف، فدفعًا لذلك: اشتُرط ذلك.
(٤٠) مسألة: إذا غصب زيد من عمر دارًا: فلا أن يبيعها عمرو إلّا على زيد - =
стр. 1403
السادس: (أن يكون) المبيع (معلومًا) عند المتعاقدين؛ لأن جهالة المبيع غرر، ومعرفة المبيع إما (برؤية) له، أو لبعضه الدال عليه مُقارنة، أو مُتقدِّمة بزمن لا يتغيَّر فيه المبيع ظاهرًا، ويلحق بذلك ما عرف بلمسه، أو شمِّه، أو ذوقه (أو صفة) تكفي في السَّلَم، فتقوم مقام الرؤية في بيع ما يجوز السَّلم فيه خاصة (٤١) ولا يصحّ بيع الأنموذج: بأن
وهو الغاصب - أو على بكر القادر على أخذها من زيد فقط، ولكن هذا المشتري - وهو بكر هنا - إذا بان عجزه عن أخذها من زيد: فله فسخ البيع، وأخذ الثمن من عمرو، ويُقبل قول المشتري - وهو بكر - في ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن قدرة عمرو على تسليم الدار المباعة من غاصبها وهو زيد، أو تسليمها لمن يقدر على أخذها من زيد - وهو بكر - يلزم منه: صحّة البيع؛ نظرًا لتوفّر شرطه، وهو: القدرة على التسليم وانتفاء الضرر، ويلزم من عدم القدرة على تسليم الدار لغيرهما، أو عجز بكر عن أخذها: عدم صحّة البيع؛ لانتفاء شرطه - وهو القدرة على التسليم - ووجود الغرر فتكون صحة البيع وعدمها تدور مع وجود الشرط وعدمه.
(٤١) مسألة: في السادس - من شروط صحة البيع - وهو: أن تكون السلعة المباعة معلومة لدى البائع والمشتري حين العقد، وهذا العلم يكون بإحدى الطرق التالية؛ أولها: رؤية تلك السلعة ومشاهدتها، أو رؤية بعضها الدالة على بقيتها: سواء كانت تلك الرؤية مقارنة للعقد، أو متقدِّمة عليه بزمن لا تتغيَّر فيه السلعة تغيُّرًا ظاهرًا، وهذا فيما يَكفي فيه الرؤية ثانيها: وصف تلك السلعة وصفًا دقيقًا يكفي عن المشاهدة، وهذا في الشيء الذي لا يمكن انضباطه إلا بالوصف، كما يوصف ما يُسلم به: بأن يذكر البائع كل ما يختلف به الثمن غالبًا، وهذا الوصف يكون بالقول حتى كأنك تراه؛ ويكون بذكر مثيل له مما يُشاهد، ويكون في الأشياء التي يسلم بها كالمكيل والموزون والمعدود والمذروع. ثالثها: سماع صوت السلعة فيما يشترى ليسمع كالمذياع، والأشرطة، رابعها: تذوق السلعة فيما يُشترى ليؤكل كالعسل والتمر ونحوهما. خامسها: شمُّ السلعة فيما يُشترى ليُشم كالطيب ونحوه، =
стр. 1404
يُريه صاعًا مثلًا، ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه (٤٢).
ويصح بيع الأعمى وشراؤه بالوصف واللَّمس، والشم، والذَّوق فيما يعرفون به كتوكيله (٤٣) (فإن اشترى ما لم يره) بلا وصف (أو رآه وجهله) بأن لم يعلم ما هو
سادسها: لمس السلعة فيما يُشترى ليُلبس كالثياب والأقمشة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر" والسلعة إذا لم تكن معلومة لدى المتبايعين: فإن بيعها فيه غرر وجهالة وهذا منهي عنه؛ والنهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد. الثانية: القياس، بيانه: كما أن السَّلَم يصح بالوصف - كما قال ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" فكذلك البيع يصح بالوصف، وهذا فيما يمكن ضبطه بالوصف، والسماع، والذوق، والشم، واللمس كالوصف؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية المسلمين من أن يُغرُّون، ويُخدعون، فيقع أكل أموال الناس بالباطل، وهذا حرام بالإجماع، ويؤدي إلى الاختلافات والمنازعات.
(٤٢) مسألة: بيع الأنموذج - وهو: أن يُظهر البائع صاعًا من البر أو الأرز ويقول: "أبيع عليك ما عندي من البر أو الأرز مثل هذا الصاع، أو هذا الأنموذج" - يصحّ بشرط: أن يكون كله على صفة الصاع المظهر، أو الثوب، أو نحو ذلك؛ للتلازم: حيث يلزم من رؤية بعضه ووصف الباقي ووروده على ما ظهر: صحّة بيعه، فإن قلتَ: لا يصحّ بيع الأنموذج، وهو ما ذكره المصنف هنا: للتلازم؛ حيث يلزم من عدم رؤية المبيع كله وقت العقد: صحّة عدم بيعه؛ لعدم شرطه. قلتُ: هذا لا يمنع صحّة بيعه؛ لكونه بان أن الباقي كالصاع أو الثوب المظهر، فيكون بعضه ظاهرًا، وبعضه موصوفًا فلا غرر ولا جهالة في ذلك فيلزم صحّته، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازمين".
(٤٣) مسألة: يصح أن يبيع الأعمى ويشتري السلع التي يمكن له معرفتها بطريق =
стр. 1405
(أو وصف له بما لا يكفي سَلَمًا: لم يصح) البيع؛ لعدم العلم بالمبيع (٤٤)، (ولا يُباع حمل في بطن ولبن في ضرع مُنفردين)؛ للجهالة، فإن باع ذات لبنٍ أو حملٍ: دخلا تبعًا (٤٥)
الوصف، واللمس، والشم، والذوق، والسماع؛ للتلازم: حيث إن معرفة السلعة المباعة بتلك الطرق يلزم منها: صحّة بيعه، لها، وشرائها؛ لعدم وجود الغرر والجهالة، وبذلك يصح توكيله في البيع والشراء أيضًا؛ لعدم الفارق، وهذا فيه توسعة على الناس، وهو المقصد الشرعي.
(٤٤) مسألة: إذا قال البائع: "بعتك هذه الدار أو هذه الآلة بكذا" والمشتري لم يرَ داخل تلك الدار أو الآلة ولم يسمع أوصافهما، أو رأى الدار، ولكنه يجهل ما تحتويه من غرف، ودرج، ونحو ذلك، أو رأى الآلة ولكنه جهل منافعها الكثيرة، أو وصف البائع له تلك الدار أو الآلة وصفًا لا يكفي فيما اشتُرط في السَّلَم من وصف كأن يترك وصفًا يختلف بسببه الثمن: فإن البيع لا يصح في تلك الحالات؛ للتلازم: حيث إن عدم رؤية الدار أو الآلة وعدم وصفها وصفًا دقيقًا يلزم منه: عدم صحّة البيع؛ لعدم وجود شرطه وهو: العلم بالمباع عند العقد، فإن قلتَ: لمَ لا يصح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وهي: أن ذلك يُؤدِّي إلى الجهالة والغرر فينتج عنهما: الاختلاف والتنازع، وأكل أموال الناس بالباطل.
(٤٥) مسألة: لا يصح بيع حمل في بطن بهيمة، ولا لبن في ضرع بهيمة بأن يقول البائع: "بعتك ما في بطن هذه الشاة دون الشاة نفسها" أو يقول: "بعتك اللَّبن الذي داخل ضرع هذه الشاة، دون الشاة نفسها" أما إذا باع الشاة وهي حامل، أو كان في ضرعها لبن: فإن المحمول به، واللَّبن يتبعان الشاة المباعة فيكونان للمشتري؛ للتلازم: حيث إن عدم رؤية المحمول به واللبن في الضرع، وصعوبة وصفهما وصفًا دقيقًا يلزم منه عدم صحة البيع؛ لعدم وجود شرطه، وهو: العلم بالسلعة المباعة عند العقد، ويلزم من بيع الشاة: أن يتبعها كل ما لم ينفرد عنها =
стр. 1406
(ولا) يُباع (مسكٌ في فأرته) أي: الوعاء الذي يكون فيه؛ للجهالة (٤٦) (ولا نوى في تمره)؛ للجهالة (٤٧) (و) لا (صوف على ظهر)؛ لنهيه ﵇ عنه في حديث ابن
قبل العقد كصوفها إلّا إذا اشترطه البائع، فإن قلتَ: لمَ لا يصح بيع اللَّبن الذي في الضرع، ولا الحمل الذي في البطن؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جهالة للمحمول به، واللبن وأوصافهما، ويُؤدِّي ذلك عادة إلى المنازعات والخصومات، وأكل مال الناس بالباطل.
(٤٦) مسألة: لا يصح بيع مسك في فأرته - وهو: كيس يكون فيه دم يتدلَّى عند سِرِّ غزال المسك، وهو نوع من الظباء -؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز بيع الحمل وهو في البطن فكذلك لا يجوز بيع المسك في فأرته والجامع: جهالة الصفة والمقدار. فإن قلتَ: لمَ لا يصح بيعه؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إنه مجهول العين والصفة، فيكون في بيعه غرر وأكل مال الآخرين بالباطل. فإن قلتَ: يصح بيعه، وهو قول بعض الشافعية وابن القيم واختاره ابن عثيمين؛ للقياس: بيانه: كما يجوز ما مأكوله في جوفه كالرُّمان والبطيخ، فكذلك يجوز بيع المسك في فأرته، والجامع: أن كلًّا منهما جُعل له هذا الوعاء يصونه ويحفظه، ويُجهل ما في وسطه. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ حيث إن ما مأكوله في جوفه إذا أخرج: قبل بيعه: فإنه يفسد ويتلف بعد مُدَّة، أما المسك إذا أخرج: فلا يفسد، بل تبقى رائحته طيبة، ومع الاختلاف: لا قياس، فإن قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قسناه على المحمول به؛ لأن المسك أكثر شبهًا به، بجامع؛ الجهالة فيه، وهم قاسوه على ما مأكوله في جوفه؛ لأنَّه أكثر شبهًا به عندهم، فيكون من باب "قياس غلبة الأشباه".
(٤٧) مسألة: لا يصحّ بيع النَّوى وهو داخل تمره، والبيض وهو داخل الدَّجاجة؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز بيع الحمل وهو في البطن، واللَّبن وهو في الضرع فكذلك لا يجوز بيع النوى والبيض هنا، والجامع: جهالة الصفة والمقدار في كلٍّ =
стр. 1407
عباس، ولأنه متصل بالحيوان، فلم يجز إفراده بالعقد كأعضائه (٤٨) (و) بلا يع (فجل ونحوه) مما المقصود منه مُستتر بالأرض (قبل قلعه)؛ للجهالة (٤٩) (ولا يصح بيع
منهما، والمقصد حماية الناس من الاختلاف والتنازع، وأكل أموال بعضهم بالباطل.
(٤٨) مسألة: يصح بيع صوف على ظهر بهيمة بشرط: جزِّه في الحال، وعدم تأذِّي الحيوان بذلك؛ للتلازم؛ حيث إن العلم به برؤيته أو وصفه، أو لمسه، والقدرة على تسليمه في الحال: يلزم منه: صحّة بيعه لتوفر شرطه، وانتفاء الجهالة والغرر، وعدم وجود تنازع في ذلك غالبًا، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: لا يصح بيع صوف على ظهر وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﵇ أن يُباع صوف على ظهر" وهذا النهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لا يجوز بيع عضو من الحيوان في حياته كيده فكذلك لا يجوز بيع شعره، والجامع: أن كلًّا منهما مُتَّصل بالحيوان فلا يجوز إفراده بالعقد قلتُ: أما الحديث: فيُحتمل أن يكون المراد بالصوف المنهي عن بيعه هو الذي لا يُقدر على تسليمه، أو هو الذي يضرّ الحيوان إذا أُخذ منه، وهذا متفق على أنه لا يصح بيعه وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ حيث إن بيع عضو من الحيوان متّصل به وهو حي لا يمكن استلامه إلّا بعد ذبح الحيوان؛ بخلاف الصوف فيُمكن استلامه وإبقاء الحيوان على قيد الحياة، ومع الاختلاف لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في دلالة الحديث هل يتطرَّق إليها الاحتمال أو لا؟ " فعندنا يتطرّق إليها الاحتمال، وعندهم: لا، وكذا: "الاختلاف في الصوف هل هو مثل عضو اللّحم من الحيوان أو لا؟ " فعندنا: يختلفان، وعندهم: يتشابهان.
(٤٩) مسألة: لا يصحّ بيع الفجل، أو البصل، أو الجزر ونحوها مما يكون المراد من =
стр. 1408
الملامسة) بأن يقول: "بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمستَه: فهو عليك بكذا" أو يقول: "أيُّ ثوب لمستَه: فهو لك بكذا" (و) لا بيع (المنابذة) كأن يقول: "أيُّ ثوب نبذتَه إلي - أي: طرحته -: فعليك بكذا"؛ لقول أبي هريرة: "إن النبي ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة" متفق عليه، وكذا: بيع الحصاة كـ "اِرمِها فعلى أي ثوب وقعت فلك بكذا" ونحوه (٥٠) (ولا) بيع (عبد) غير مُعيَّن (من عبيده ونحوه) كشاة من قطيع،
شرائها هو الانتفاع بما استتر بالأرض، دون أوراقه الظاهرة أما إذا قُلع: فيصح بيعه؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز بيع الحمل في البطن فكذلك لا يجوز بيع تلك الأشياء والجامع: جهالة صفة المباع ومقداره وعدم القدرة على رؤيته، مما يؤدِّي إلى الغرر والتنازع وأكل مال الناس بالباطل، وهو المقصد منه، فإن قلتَ: يصح بيع ذلك، وهو قول كثير من المالكية، وهو رواية عن أحمد رجَّحها ابن تيمية؛ للتلازم؛ حيث إن عدم التغرير بذلك؛ لكون أهل الخبرة يعرفون صفات ما ما لم يُر بسبب رؤيتهم لأوراقه الظاهرة يلزم منه: صحته قلتُ: هذا لا يُسلَّم فقد يقع اختلاف، ولو سُلِّم: فإن العارفين لذلك نوادر من الناس - وهم أهل الخبرة - والباقي من الخلق - وهم الأغلب - يجهلون ذلك، فيقع الغرر عليهم، مما يؤدِّي إلى التنازع كما سبق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الاختلاف: هل ظهور أوراق تلك الأشياء يدل على معرفة الباطن منها أو لا؟ " فعندنا: لا يدل على شيء، وعندهم يدل.
(٥٠) مسألة: لا يصح بيع الملامسة بأن يقول البائع للمشتري: "أيُّ ثوب لمستَه: فهو عليك بمائة ريال" أو يقول: "أبيعك ثوبي بثوبك" ولا ينظر أحدهما إلى ثوب الآخر، بل يلمسه، وكذا لا يصح بيع المنابذة بأن يقول البائع للمشتري: "أيُّ ثوب نبذته وطرحته عليَّ فهو عليك بمائة ريال"، وكذا: لا يصح بيع الحصاة بأن يقول البائع للمشتري: "اِرم هذه الحصاة فأيُّ ثوب سقطت عليه: فهو لك بمائة ريال، أو يقول البائع: "بعتك من هذه الأرض قدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا =
стр. 1409
وشجرة من بستان؛ للجهالة، ولو تساوت القِيَم (٥١) (ولا) يصح (استثناؤه إلا مُعينًا) فلا يصح: "بعتك هؤلاء العبيد إلّا واحدًا"؛ للجهالة، ويصحّ إلّا هذا ونحوه؛ لأنَّه ﵇ "نهى عن الثُّنيا إلا أن تُعلم" قال الترمذي: حديث صحيح (٥٢) (وإن
رميتها بمبلغ خمسين ألف ريال"؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع الملامسة والمنابذة، وبيع الحصاة" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لمَ لا يصح هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه البيوع الثلاثة فيها جهالة وغرر، وتؤدّي إلى التنازع وأكل أموال الناس بالباطل؛ فإن قلتَ: لمَ خُصِّصت هذه البيوع بالذكر مع أنها داخلة فيما سبق؟ قلتُ: لأنها بيوع كان أهل الجاهلية يجيزونها.
(٥١) مسألة: لا يصحّ بيع شيء غير مُعيَّن من أشياء متساوية كأن يقول البائع: "بعتك عبدًا من عبيدي بعشرة آلاف" أو يقول: "بعتكَ شجرة من أشجاري هذه بكذا" أو يقول: "بعتك شاة من هذه المجموعة بكذا"؛ للتلازم؛ حيث إن عدم معرفة المباع بالرؤية ولا بالوصف يلزم منه: عدم صحة البيع؛ لفقدان شرطه، فإن قلتَ: لِمَ لا يصح هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جهالة وغرر، فيؤدِّي إلى أكل مال الناس بالباطل.
(٥٢) مسألة: لا يصحّ أن يبيع مجموعة من الأغنام أو الأشجار أو العبيد أو السيارات، أو الدُّور ونحو ذلك ويستثني واحدًا مبهمًا كأن يقول البائع: "بعتك هذه الأغنام إلّا واحدة، أو يقول: "بعتك هؤلاء العبيد إلا واحدًا" أما إن استثنى منها واحدًا وعرَّفه بأن أشار إليه قائلًا: "إلّا هذه الشاة" أو "إلّا هذا العبد" أو وصف الشاة المستثناة، والعبد المستثنى بوصف لا يختلط بغيره: فيصح البيع؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع الثُّنيا إلا أن تُعلم" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، فأفسد بيع مجموعة أشياء قد استُثني منها شيء واحد ومبهم، وأثبت صحّة بيع المجموعة إن استُثني شيء قد عُلم بالإشارة، أو بالوصف؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن =
стр. 1410
استثنى) بائع (من حيوان يُؤكل رأسه وجلده وأطرافه: صح)؛ لفعله ﵇ في خروجه من مكة إلى المدينة، رواه أبو الخطاب، فإن امتنع المشتري من ذبحه: لم يُجبر بلا شرط، ولزمته قيمته على التقريب، وللمشتري الفسخ بعيب يختصّ هذا المستثنى (وعكسه) أي: عكس استثناء الأطراف في الحكم استثناء (الشحم والحمل) ونحوه مما لا يصح أفراده بالبيع، فيبطل البيع باستثنائه، وكذا: لو استثنى منه رطلًا من لحم ونحوه (٥٣) (ويصحّ بيع ما مأكوله في جوفه كرمَّان وبطِّيخ) وبيض؛ لدعاء الحاجة
قلتَ: لمَ لا يصح الأول، وصحّ في الثاني؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لم يصح في الأول: لوجود الجهالة والغرر فيؤدِّي إلى أكل أموال الناس بالباطل، وصحّ في الثاني لأن المستثنى المعيَّن: توفَّر فيه شرط صحة البيع.
(٥٣) مسألة: إذا قال البائع للمشتري: "بعتك هذه الشاة كلها إلّا رأسها، وجلدها، وأطرافها كيدها ورجلها": فإن البيع يصح، فإن اشتُرط البائع ذبحها في الحال: أُجبر المشتري على ذبحها ويُعطى البائع، ما استثناه من الرأس أو الأطراف أو تجب على المشتري قيمة ما استثناه البائع وإن لم يشترط: بقي شريكًا له فيها حتى يذبحها، فإن رأى المشتري في رأس الشاة عيبًا يؤثر في بدنها: فله ردُّها، وأخذ الثمن من البائع، أما إن استثنى البائع شيئًا داخل الشاة كأن يقول: "بعتك هذه الشاة إلّا شحمها أو حملها، أو رطلًا من لحمها": فلا يصح البيع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﵇ عن بيع الثُّنيا إلا أن تعلم" وهذه الأطراف كالرأس، والرجل واليد معلومة بالرؤية فثبت صحتها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ودلَّ أيضًا على أن استثناء الدواخل كالشحم والحمل، وبعض اللَّحم يُبطل البيع؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد. الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد فعل ذلك الاستثناء عند هجرته من مكة إلى المدينة. فإن قلتَ: لِمَ صح في الحالة الأولى، ولم يصح في الثانية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأطراف ظاهرة تعلم بالرؤية فلا جهالة ولا غرر فيها، ولا يقع التنازع فيها، =
стр. 1411
لذلك، ولكونه مصلحة؛ لفساده بإزالته (و) يصح بيع (الباقلاء ونحوه) كالحمُّص، والجوز واللوز (في قشره) يعني ولو تعدَّد قشره؛ لأنَّه مفرد مضاف فيعمّ، وعبارة الأصحاب "في قشريه"؛ لأنَّه مستور بحائل من أصل خلقته أشبه الرُّمَّان (٥٤) (و) يصح بيع (الحب المشتدّ في سُنبله): لأنَّه ﵇ جعل الاشتداد غاية للمنع، وما بعد الغاية يُخالف ما قبلها، فوجب زوال المنع (٥٥) (و) الشرط السابع (أن يكون الثمن معلومًا) للمتعاقدين أيضًا كما تقدَّم؛ لأنَّه أحد العوضين فاشترط العلم به كالمبيع (٥٦)
أما الدواخل كالشحم والحمل، واللحم فلم تعلم برؤية ولا بوصف، فتقع الجهالة والغرر في ذلك، ويقع التنازع فيها عادة.
(٥٤) مسألة: يصحّ بيع كلّ شيء يُؤكل ما في جوفه دون قشره وظاهره مثل: الرمان، والبطيخ، والبرتقال، والموز، والبيض، والباقلاء - وهو: الفول - واللوز، والحمُّص ونحو ذلك؛ للمصلحة: حيث إن إخراجه من قشره قبل بيعه يُفسده ويُتلفه، فدفعًا لتلك المفسدة: صحَّ بيعه في قشره مع عدم رؤية ما يُستفاد منه.
(٥٥) مسألة: يصح بيع الحب المشتد وهو داخل سُنبله وقشره؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع الحب حتى يشتدَّ" فأباح الشارع بيع الحب بعد اشتداده، دلّ على ذلك مفهوم الغاية؛ حيث إن ما بعد لفظ "حتى" يخالف في الحكم ما قبلها، وهذا عام لما كان داخل قشره وسنبله، ولما كان خارج ذلك؛ لأن "الحب" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحب إذا أخرج من قشره غالبًا ما يفسد، فدفعًا لذلك أُجيز ذلك.
(٥٦) مسألة: في السابع - من شروط صحّة البيع - وهو: أن يكون الثمن معلومًا للمتعاقدين برؤيته جميعه عند العقد، أو مُتقدِّم عليه بزمن لا يتغيَّر فيه، أو بوصف - كما سبق في مسألة (٤١) -؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط العلم بالسلعة المباعة برؤية أوصفه - كما سبق في الشرط السادس في مسألة (٤١) - فكذلك يُشترط العلم بالثمن، والجامع: أن كلًّا منهما عوض عن الآخر في هذا =
стр. 1412
(فإن باعه برقمه) أي: ثمنه المكتوب عليه، وهما يجهلانه، أو أحدهما: لم يصح؛ للجهالة (أو) باعه (بألف درهم ذهبًا وفضة): لم يصح؛ لأن مقدار كل جنس منهما مجهول (أو) باعه (بما ينقطع به السعر) أي: بما يقف عليه من غير زيادة: لم يصح؛ للجهالة (أو) باعه (بما باع) به (زيد وجهلاه أو) جهله: (أحدهما: لم يصح البيع؛ للجهل بالثمن، وكذا: لو باعه كما يبيع الناس، أو بدينار أو درهم مطلق وثمَّ نقود متساوية رواجًا (٥٧)، وإن لم يكن إلا واحدًا، أو غَلَب: صح، وصُرف إليه (٥٨)،
البيع، فإذا اشتُرط في أحدهما اشتُرط في الآخر، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه محافظة لحقوق الناس من أن تؤكل بالباطل.
(٥٧) مسألة: إذا جهل المتبايعان أو أحدهما ثمن السلعة: فلا يصحّ البيع، فمثلًا: لو قال البائع للمشتري: "بعتك هذا الثوب بثمنه المكتوب عليه"، أو قال له: بعتك هذه الدار بألف درهم ذهبًا وفضة" أو قال له: "بعتك إيّاها بألف بعضها ذهب، وبعضها فضة" أو قال له: "بعتك هذا الثوب بما ينقطع ويقف عليه السعر في المساومة من غير زيادة" أو قال له: "بعتك إيّاه بالثمن الذي باع به زيد" أو قال له: "بعتك إيّاه بالثمن الذي يبيع به الناس" أو قال له: "بعتك إيّاه بدينار أو درهم" وأطلق وكان الناس في البلد يتعاملون بعدة دنانير، وعدة دراهم يختلف كل واحد منها في الثمن كالريال السعودي والريال القطري وكالدينار الكويتي، والدينار العراقي مثلًا: وكل واحد من المتبايعين يجهل هذا الثمن الذي في تلك الصور السبع، أو كان الجاهل له أحدهما: فلا يصحّ البيع؛ للتلازم؛ حيث إن جهلهما، أو جهل أحدهما بالثمن يلزم منه: عدم صحّة البيع؛ لفقدان شرط البيع - وهو العلم بالثمن - فإن قلتَ: لمَ لا يصح البيع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدِّي إلى أكل أموال الناس بالباطل؛ والتنازع؛ بسبب الجهالة في الثمن.
(٥٨) مسألة: إذا قال البائع للمشتري: "بعتك هذا الثوب بدينار" وأطلق، وكان أهل البلد أو أغلبهم يتعاملون بدينار معيَّن: فإن البيع يصح ويُصرف إلى ذلك الدينار =
стр. 1413
ويكفي علم الثمن بالمشاهدة كصبرة من دراهم، أو فلوس، ووزن صنجة، وملء كيل مجهولين (٥٩) (وإن باع ثوبًا أو صبرة) وهي: الكومة المجموعة من الطعام (أو) باع (قطيعًا كل ذراع) من الثوب بكذا (أو) كل (قفيز) من الصبرة بكذا (أو) كل (شاة) من القطيع (بدرهم: صح) البيع، ولو لم يعلما قدر الثوب، والصبرة، والقطيع؛ لأن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم؛ لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلَّق بالمتعاقدين، وهي: الكيل، والعد، والذرع (٦٠) (وابن باع من الصبرة كل قفيز
المعيَّن فقط؛ للتلازم؛ حيث إن عدم وجود غير هذا النقد مما يُسمَّى بدينار في هذه البلدة، أو غلب تعاملهم به يلزم منه: صحّة البيع؛ لتوفِّر شرط البيع، وهو: العلم بالثمن، وعدم الجهالة.
(٥٩) مسألة: يُعلم الثمن بطريق المشاهدة كأن يقول البائع: "بعتك هذه الدار بما يساوي وزن هذا الحجر فضة" أو يقول: "بعتك هذه الدار بما يساوي ملء هذا الوعاء، أو هذا الكيس ذهبًا" أو "بما يساوي هذا الكيس بر، أو أرز أو شعير" وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذلك: معرفة الثمن بوضوح فلا توجد جهالة، ولا يحصل تنازع غالبًا.
(٦٠) مسألة: إذا قال البائع للمشتري: "بعتك هذا القماش من الأثواب كل متر أو ذراع بعشرة ريالات" أو قال: "بعتك هذه المجموعة من الطعام - وهي الصبرة والكومة - كل صاع - أو قفيز - بخمسة ريالات - أو قال: "بعتك هذه المجموعة من الأغنام كل شاة بمائة ريال": فإن البيع صحيح، ولو لم يعلما أو أحدهما: قدر القماش، أو قدر الطعام، أو قدر الأغنام للتلازم؛ حيث إن المبيع قد علماه برؤيتهما له، وعلما - أيضًا - الثمن بالتصريح به، ومجموعه عُلم عن طريق ذرع القماش، وكيل الطعام، وعدِّ الأغنام، فيلزم من ذلك: صحّة البيع: لوجود شرطه، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك المعاملة يحتاجها الناس كثيرًا، وهي لا تؤدِّي إلى الغرر، ولا التنازع غالبًا.
стр. 1414
بدرهم): لم يصح؛ لأن "مِنْ" للتبعيض و "كل" للعدد فيكون مجهولًا، بخلاف ما سبق؛ لأن المبيع الكل، لا البعض فانتفت الجهالة، وكذا: لو باعه من الثوب كل ذراع بكذا، أو من القطيع كل شاة بكذا: لم يصح؛ لما ذكر (٦١) (أو) باعه (بمائة درهم إلا دينارًا): لم يصح (وعكسه) بأن باع بدينار أو دنانير إلا درهمًا: لم يصح؛ لأن قيمة المستثنى مجهولة، فيلزم الجهل بالثمن؛ إذ استثناء المجهول من المعلوم يُصيِّره مجهولًا (٦٢) (أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذَّر علمه) كهذه الفرس، وما في بطن أخرى
(٦١) مسألة: إذا قال البائع للمشتري: "بعتك من هذا القماش: كل متر أو ذراع بعشرة ريالات" أو قال: "بعتك من هذه المجموعة من الطعام - والصبرة - كل صاع أو قفيز بخمسة ريالات" أو قال: "بعتك من هذا القطيع من الأغنام: كل شاة بمائة ريال": فالبيع صحيح، وهو قول كثير من العلماء منهم ابن عقيل؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا قال: "أجرتك هذه الدار كل شهر بألف ريال": فإنه يصح فكذلك تصح هذه الصيغ من البيع والجامع: أن كلًّا من تلك الصيغ يعلم منها البائع أو المؤجِّر: العين المباعة والمنفعة وثمنها، فلا جهالة فيهما ولا غرر، فإن قلتَ: إن تلك الصيغ الثلاث لا يصح البيع بها وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن "مِنْ" للتبعيض، و "كل" تفيد العموم في العدد، وهذا يلزم منه عدم معرفة البائع بالمباع من القماش، أو الطعام، أو الأغنام؛ لكونه قابلًا للكثير والقليل، فيلزم عدم صحة البيع؛ لعدم شرطه، وهو: العلم بالمباع قلتُ: بل يعرف البائع الكمية التي سيأخذها المشتري من القماش والطعام والأغنام إذا تمَّ اختياره لها، وهنا يُسلِّمه البائع القدر الذي اختاره بثمنه، وهذا لا جهالة فيه، ولا غرر كالصورة الأولى التي ذكرناها في مسألة (٦٠)، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: هل تعبير البائع بـ "مِنْ" التبعيضية في هذه الصور تلزم منه الجهالة في المباع أو لا؟ فعندنا: لا، وعندهم، نعم.
(٦٢) مسألة: إذا قال البائع للمشتري: "بعتك هذه الدار بمائة دينار إلّا درهمًا" أو =
стр. 1415
(ولم يقل: كل منهما بكذا: لم يصح) البيع؛ لأن الثمن يوزَّع على المبيع بالقيمة، والمجهول لا يمكن تقويمه، فلا طريق إلى معرفة ثمن المعلوم، وكذا: لو باعه بمائة، ورطل خمر، وإن قال: كل منهما بكذا: صحّ في المعلوم بثمنه؛ للعلم به (٦٣) (فإن لم
قال: "بعتك إيّاها بألف درهم إلّا دينارًا": فلا يصحّ البيع إن كانت قيمة الدينار والدرهم غير معلومة من قبل الدولة، أما إن كانت معلومة: فيصحّ البيع؛ للتلازم؛ حيث إن قيمة الدينار والدرهم إذا كانت غير معلومة فإن المستثنى ورد من غير جنس المستثنى منه فيلزم من ذلك الجهل بالثمن؛ لأن استثناء المجهول من المعلوم يُحوِّله إلى مجهول؛ لعدم معرفة قيمة المستثنى، وهذا يلزم منه: عدم صحّة البيع؛ لفقدان شرطه، وهذا يُفضي إلى الغرر والتنازع فلذا لم يصحّ، أما إذا عُلمت قيمة الدينار والدرهم من قبل الدولة: فلا جهالة في ذلك؛ لمعرفة الثمن فيصحّ البيع فلو قال: "بعتك هذا الثوب بمائة درهم إلّا دينارًا" وكانت قيمة الدينار الرسمية عشرة دراهم: فتكون قيمة الثوب: تسعين درهمًا وهكذا.
(٦٣) مسألة: إذا باع معلومًا ومجهولًا بثمن واحد، ولا يمكن معرفة ثمن المجهول: فلا يصحّ البيع فمثلًا: لو قال البائع للمشتري: "بعتك هذه الشاة، وما في بطن تلك الشاة الأخرى بمائة ريال" أو قال: "بعتك هذه الشاة، وكذا رطلًا الخمر بمائة ريال": فلا يصح؛ للتلازم: حيث إن الثمن معلوم، والمبيع قد عُلم بعضه، وجهل البعض الآخر: إما لتعذر علمه؛ لكونه حملًا، أو لكونه لا قيمة له في الإسلام كالرطل من الخمر فيلزم عدم صحّة البيع: لفقدان شرطه، وهو: العلم بالمبيع فإن قلتَ: لمَ لا يصح ذلك؟ قلتُ: لأن الثمن يُقسَّم على المبيع بالقيمة، والحمل، والرطل من الخمر لا يمكن تقويمهما؛ للجهالة فيهما، بخلاف ما لو حدَّد لكل قسم ثمنًا مُعيَّنًا بأن قال: "الشاة بثمانين، وما في بطن الأخرى بعشرين" فإن هذا يصح في الشاة فقط؛ لعدم الجهالة في كل.
стр. 1416
يتعذَّر) علم مجهول بيع مع معلوم: (صحّ في المعلوم بقسطه) من الثمن؛ لعدم الجهالة، وهذه إحدى مسائل تفريق الصفقة الثلاث، والثانية: أشير إليها بقوله: (ولو باع مشاعًا بينه وبين غيره كعبد) مُشترك بينهما (أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء) كقفيزين مُتساويين لهما: (صحّ) البيع (في نصيبه بقسطه) من الثمن؛ لفقد الجهالة في الثمن؛ لانقسامه على الأجزاء، ولم يصح في نصيب شريكه؛ لعدم إذنه، والثالثة ذكرها بقوله: (وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو) باع (عبدًا وحرًا أو) باع (خلَّا وخمرًا صفقة واحدة) بثمن واحد: (صح) البيع (في عبده) بقسطه (وفي الخل بقسطه) من الثمن؛ لأن كل واحد منهما له حكم يخصُّه، فإذا اجتمعا: بقيا على حكمهما، ويُقدَّر خمر خلًّا، وحر عبدًا؛ ليتقسَّط الثمن (٦٤) (ولمشتر الخيار إن جهل الحال) بين
(٦٤) مسألة: تفريق الصفقة هي: أن يُجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه في عقد واحد، ثم يُفرَّق بينها، والمراد بالصفقة: العقد سُمِّي بذلك: نظرًا لكون كل واحد من المتبايعين يُصفِّق بيديه عند العقد، والمراد بتفريقها: تصحيح بعض هذه الصفقة، وإبطال البعض الآخر، وهي صورٌ ثلاث: أولها: أن يقول البائع للمشتري: "بعتك هذا الثوب، وثوبًا آخر صفته كذا وهو يساوي الثوب المشار إليه بمبلغ وقدرة مائة ريال" فيصحّ البيع، ويُحسب الثوب الحاضر بقسطه، وهو: خمسون ريالًا، فيدفعها المشتري، ويأخذ الثوب الحاضر، ثانيها: أن أرضًا أو عبدًا مشتركًا بينه وبين غيره اشتراكًا مُشاعًا: فيصحّ البيع في ملك البائع فقط، دون ملك شريكه، فيكون للمشتري نصف الأرض، أو نصف العبد، وكذلك: إذا باع شخص شيئًا مُشتركًا بينه وبين آخر غير مشاع لكن الثمن ينقسم عليه بالأجزاء مثل: صاعين من الأرز أحدهما للبائع والآخر لشريكه، فخلطهما معًا وباعهما بعشرة، فيصحّ البيع في صاع البائع فقط، ولا يصحّ البيع في شريكه، فيردّ المشتري صاعًا، ويردّ عليه البائع ثمنه وهو: خمسة، ثالثها: أن يبيع شخص عبده وعبد غيره بغير إذن ذلك الغير، أو باع ذلك الشخص عبده وحرًا، أو باع =
стр. 1417
إمساك ما فيه البيع بقسطه من الثمن، وبين ردِّ المبيع؛ لتبعيض الصفقة عليه (٦٥) وإن باع عبده وعبد غيره بإذنه، أو باع عبديه لاثنين، أو اشترى عبدين من اثنين، أو وكيلهما بثمن واحد: صحَّ وقسَّط الثمن على قيمتهما (٦٦)، وكبيع إجارة، ورهن،
خلًا وخمرًا بعقد واحد بثمن واحد: فالبيع صحيح فيما يخصُّه وهو: عبده، والخل، ويُقوَّم الثمن على حسب تقرير أهل المعرفة، فمثلًا: لو باع عبده وعبد غيره بعشرة آلاف وقدِّر عبد غيره بستة آلاف: فإن عبده يكون بأربعة آلاف، فيُعيد المشتري عبد غير البائع، ويُعيد البائع ستة آلاف ويُعطيها المشتري، وكذلك العمل فيما إذا باع عبدًا، وحرًا، فيُقدَّر الحرّ على أنه عبد فيُقوَّم، وكذلك العمل فيما إذا باع خلًا وخمرًا: فيُقدّر الخمر على أنه خل، ويُقوم ثمنه، ويُخصم من الثمن الكلي، ويُرجع للمشتري، ويؤخذ منه ما لا يحلّ بيعه كالحر، والخمر، للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الجهالة بالمبيع والثمن في الصور الثلاث: صحّة البيع فيها، نظرًا لتوفّر شرطه.
(٦٥) مسألة: إذا جهل المشتري ما فعله البائع في الصور الثلاث - المذكورة في مسألة (٦٤) -: فهو بالخيار: فإن شاء أمضى البيع، وردَّ ما لا يمكن بيعه، وأخذ قسطه من الثمن، وإن شاء ردَّ البيع كله وأخذ ما دفعه كله، أما إن كان المشتري يعلم ما فعله البائع - من أنه باع حقه وحق غيره ونحو ذلك من الصور السابقة -: فإنه لا خيار له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الجهالة والغرر وتبعيض الصفقة: صحة البيع فيما هو تحت ملك البائع، ويلزم من عدم علم المشتري بما فعله البائع في الصور الثلاث: ثبوت الخيار له في الصفقة، ويلزم من علمه بما فعله البائع: عدم ثبوت الخيار له؛ لأنَّه دخل في العقد مع رضاه.
(٦٦) مسألة: إذا باع عبده وعبد غيره بإذنه لشخص بثمن واحد، أو باع عبدين له لشخصين بثمن، واحد أو اشترى عبدين من شخصين أو من وكيلهما بثمن واحد، أو باع شخصان عبديهما لشخصين آخرين بثمن واحد: فالبيع صحيح في =
стр. 1418
وصلح ونحوها (٦٧).
فصل: (ولا يصح البيع) ولا الشراء (ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني) أي: الذي عند المنبر عقب جلوس الإمام على المنبر؛ لأنَّه الذي كان على عهد رسول الله ﷺ فاختصَّ به الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ والنهي يقتضي الفساد (٦٨)، وكذا: قبل النداء لمن منزله بعيد في
تلك الصور الأربع، ويُقسَّط ويُقسَّم الثمن على العبدين فكل يأخذ ما يُقابل عبده؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الجهالة بالثمن والمبيع، وإمكان تقسيط وتقسيم الثمن: صحة البيع؛ لتوفُّر شرطه.
(٦٧) مسألة الإجارة، والرَّهن، والصلح ونحو ذلك من سائر العقود كالبيع في تفريق الصفقة بصورها الثلاث - كما سبق بيانها في مسألة (٦٤) وما بعدها - فلو أجَّر زيد داره ودار عمرو بغير إذنه: فإن الإجارة تصحّ في دار زيد فقط، دون دار عمرو، ويرد المستأجر دار عمرو، ويُرجع زيد له أجرة دار عمرو، هذا إن شاء، وإن شاء أبطل عقد التأجير كله فله ذلك إن كان جاهلًا بما فعله زيد، أما إن كان عالمًا به: فلا خيار للمستأجر - كما ذكرنا ذلك في مسألة (٦٥) - وكذا القول إن أذن عمرو لزيد في تأجير داره مع دار زيد، ويُقسط بثمن واحد ويُقسط ويُقسَّم الثمن - كما سبق ذكره في مسألة (٦٦) - للتلازم؛ وقد سبق بيانه في مسائل (٦٤ و ٦٥ و ٦٦).
(٦٨) مسألة: الذي تجب عليه صلاة الجمعة - وهو: الذكر الحر، المكلَّف، المستوطن في بلد له اسم واحد، الذي لا يبعد سكنه عن الجامع أكثر من فرسخ واحد - كما سبق في مسألة (٧) من باب الجمعة من كتاب: "الصلاة" - هذا يحرم بيعه وشراؤه بعد النداء الثاني لصلاة الجمعة، وهو الذي يكون بعد جلوس الإمام على المنبر، ولو وقع البيع في هذا الوقت: فلا يصح؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا =
стр. 1419
وقت وجوب السعي عليه وتحرم المساومة، والمناداة إذًا؛ لأنها وسيلة للبيع المحرم، وكذا: لو تضايق وقت مكتوبة (٦٩) (ويصح) بعد النداء المذكور البيع لحاجة كمضطر
الْبَيْعَ﴾ فحرَّم الشارع البيع بعد النداء الثاني، ويفسد إذا وقع في هذا الوقت؛ لأن النهي في قوله: "وذروا" مطلق، فيقتضي التحريم، والفساد، وهو فساد المنهي عنه، فإن قلتَ: لِمَ خصِّص النداء الوارد في الآية بالنداء الثاني؟ قلتُ: لأنَّه لا يُوجد إلّا نداء واحد في عهده ﵇، وهو الذي يكون بعد جلوس الإمام على المنبر، ونزلت الآية بذكره، فيُخصَّص النداء به، أما النداء الأول فقد جعله عثمان ﵁؛ لاقتضاء المصلحة له، لما كبُرت المدينة وكثُر سكانها ولم يُنكر ذلك الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًا منهم على مشروعية النداء الأول، ومستنده المصلحة، فإن قلتَ: لمَ حرم البيع بعد النداء الثاني، ولا يصح إن وقع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الاشتغال بالبيع والشراء والتجارة عمومًا مشُغل لقلب المسلم عن الانتباه لما يُقال في الخطية، ومشغل له عن صلاته؛ لكونه أهم ما ينشغل به المسلم من أمور معاشه.
(٦٩) مسألة: يحرم البيع والشراء على من وجبت عليه صلاة الجمعة قبل النداء الثاني لها إذا كان بعيدًا عن الجامع، ولم يبق عنده من الوقت إلا ما يكفي للمشي إليه والوصول حين النداء الثاني، وكذا: تحرم المساومة والمفاوضة على السلعة المباعة بين البائع والمشتري بعد النداء الثاني، وكذا: يحرم أن يقوم البائع بالمناداة على سلعته بعده، وإن لم يشتر منه أحد، وكذا: يحرم البيع والشراء عند دخول الوقت المضيَّق للصلاة المفروضة وهو: آخر وقتها الذي يتَّسع لركعاتها فقط قبل خروج وقتها، وكذا: تحرم جميع المهن والصناعات أيضًا عند دخول الوقت المضيق للمفروضة؛ وإذا وقع بيع في هذه الصور: فلا يصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الاشتغال بتلك الصور: وقوع البيع بعد النداء الثاني، أو فوات الخطبة وبعض الصلاة، أو فوات الصلاة المفروضة. وقت الأداء للصلاة المكتوبة بلا عذر، =
стр. 1420
إلى طعام، أو سترة ونحوهما إذا وجد ذلك يُباع (٧٠)، ويصح أيضًا (النكاح، وسائر العقود) كالقرض، والرَّهن، والضَّمان والإجارة، وإمضاء بيع خيار؛ لأن ذلك يقلُّ وقوعه، فلا تكون إباحته ذريعة إلى فوات الجمعة، أو بعضها، بخلاف البيع (٧١) (ولا
وكلها محرمة، وما يؤدي إلى الحرام حرام مثله، ومعلوم أنه إذا حُرِّم شيء: حُرِّمت جميع مقدماته، فما لا يتم فعل الحرام إلا به: فهو حرام؛ فإن قلت: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم من أن يشتغل عن عبادته التي خُلق لأجلها.
(٧٠) مسألة: يجوز البيع والشراء بعد النداء الثاني لصلاة الجمعة عند الضَّرورة كأن يضطر مسلم إلى طعام؛ خشية الهلاك أو المرض على نفسه أو على من يعول أو على أي شخص رآه، وكذا: إذا اضطر إلى سترة يستر بها عورته: فإن هذا يجوز له أن يشتريهما ولا يحرم على البائع أن يبيعهما إذا علم الحال؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إبقاء على النفس وفيه ستر العورة الواجبان، ضرورة، وهذا فيه دفع مفسدة ومضَرَّة، ودفع المفسدة مُقَدَّم على جلب المصلحة، تنبيه: قوله: "الحاجة" يُعبِّر كثير من الفقهاء بالحاجة ويقصدون بها الضرورة، والأولى: أن يُصرِّحوا بلفظ "الضرورة"؛ لكونها هي المقصودة هنا، ولوجود الاختلاف بين الحاجة والضرورة.
(٧١) مسألة: تصح سائر العقود والمعاملات - غير البيع - بعد النداء الثاني من يوم الجمعة: كعقد الإجارة والقرض، والرهن، والضمان، وإمضاء بيع فيه خيار أو فسخه، والنكاح ونحو ذلك؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ حيث دلَّ مفهوم الصفة على جواز العقود الأخرى - غير البيع - وهو واضح؛ فإن قلتَ: لِمَ صحَّت تلك العقود، دون البيع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك العقود لا يُلجأ إليها إلّا عند الضرورة عادةً، فتكون نادرة الوقوع، ووقوعها لا يصل إلى درجة انشغال القلب بها عن العبادة؛ لسهولتها على النفس؛ إذ يُمكن إدراك ما فات منها، بخلاف البيع: فهو مُشغل للقلوب؛ لأن المبيع قد خرج ولا يمكن إدراكه =
стр. 1421
يصح بيع عصير) ونحوه (ممن يتّخذه خمرًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (ولا) بيع (سلاح في فتنة) بين المسلمين؛ لأنَّه ﷺ نهى عنه، قاله أحمد قال: "وقد يقتل به، وقد لا يقتل به"، وكذا: بيعه لأهل حرب، أو قطَّاع طريق؛ لأنَّه إعانة على معصية، ولا بيع مأكول ومشموم لمن يشرب عليهما المسكر، ولا قدح لمن يشرب به خمرًا، ولا جوز وبيض لقمار، ويحرم أكله ونحو ذلك (٧٢) (ولا) بيع
فيشتدُّ هذا على قلب المسلم، فيؤدِّي إلى انشغاله عن الصلاة، فإن قلتَ: إن جميع العقود: سواء كان عقد بيع، أو غيره تحرم بعد النداء الثاني للجمعة، وهو قول بعض العلماء من الحنابلة وغيرهم، وأيَّده ابن عثيمين؛ للقياس، بيانه: كما أنه يحرَّم عقد البيع فكذلك سائر العقود مثله، والجامع: أن كلًّا منها يُعتبر عقد معاوضة مُشغل للقلب عن الصلاة. قلتُ: إن هذا قياس فاسد؛ لأمرين: أولهما: أنه قياس مع النص؛ حيث إن مفهوم قوله تعالى: "وذروا البيع" دلَّ على جواز هذه العقود - غير البيع - بعد النداء الثاني وقد سبق، ثانيهما: أنه قياس مع الفارق؛ لأن البيع كثير الوقوع بين الناس؛ لكونه مصدر رزق كثير منهم، وهو مشغل للقلب عادة - كما سبق بيانه - بخلاف غير البيع من العقود: فإنه نادر الوقوع، لكون الناس لا يتعاملون بها إلّا عند الضرورة، وغير مشغل للقلب عادة - كما سبق بيانه - ومع وجود النص والفارق: لا قياس فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع النص".
(٧٢) مسألة: إذا غلب على ظنّك أن المشتري لشيء عندك سيستعمله بالمحرمات بعلامات وقرائن: فلا يجوز لك أن تبيعه ذلك الشيء، فمثلًا: إذا غلب على ظنك أن المشتري لهذا العنب، أو الشعير سيجعله خمرًا، أو أن المشتري لهذا السلاح، أو التروس، أو الدروع سيستعمله في فتنة بين المسلمين، أو حرب، أو قطع طريق، أو أن المشتري لهذا المأكول، أو الطيب سيشرب عليه ما يُسكره، أو المشتري لهذا الإناء سيستعمله لحفظ الخمر، أو أن المشتري لهذا البيض أو الجوز، أو البندق سيستعمله للقمار، أو =
стр. 1422
(عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه)؛ لأنَّه ممنوع من استدامة مُلكه عليه؛ لما فيه من الصَّغار فمنع من ابتدائه، فإن كان يعتق عليه بالشراء: صح؛ لأنَّه وسيلة إلى حُرِّيته (٧٣) (وإن أسلم) قنٌّ (في يده) أي: يد كافر، أو عند مُشتريه منه، ثم ردَّه لنحو
المشتري لهذا العبد سيستعمله للواط، أو المشتري لهذه الجارية سيستعملها للزنا، أو المشتري لهذه الدار سيستعملها للمعاصي والمنكرات: فإن البيع عليه حرام ولا يصح إذا وقع، أما إن وقع الشكّ في ذلك: فالبيع صحيح، ولكنه مكروه، أما إن لم يغلب على الظن شيء، ولم يشك: فالبيع جائز بلا كراهة؛ للكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حيث حرّم البيع المؤدِّي إلى محرم؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهو عام لكلّ ما ذكرناه من الصور؛ لأن "الإثم" و "العدوان" لفظ مفرد محلَّى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم البيع هنا ولا يصح؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن ذلك فيه حماية أفراد المسلمين، والمجتمع الإسلامي من المعاصي والمنكرات، والحروب والفتن، ودفع مفاسد هذه الأمور، مُقدَّم على جلب مصالح البيع والشراء [فرع] يحرم أكل ما اكتُسب بواسطة القمار؛ للتلازم، حيث يلزم من كونه قد أُخذ بطريق غير شرعي: أنه حرام أكله [فرع ثان]: الإجارة والإعارة كالبيع في هذه المسألة وهي مسألة (٧٢).
(٧٣) مسألة: إذا كان بيع العبد المسلم على كافر وسيلة إلى إعتاقه كأن يكون العبد ذا رحم محرم كابن الكافر وإن نزل، أو أبيه وإن علا ونحو ذلك، أو علَّق السَّيد العتق على بيعه على كافر بأن يقول البائع للكافر: "إذا ملكت هذا العبد فهو حُرٌّ" ففي هاتين الصورتين يصح بيع العبد المسلم على الكافر، ولا يصحّ بيعه عليه في غيرهما؛ للمصلحة: حيث إن بيعه على كافر إذا كان سببًا ووسيلة إلى عتقه فإنه يصح؛ دفعًا لمفسدة الرِّق، وإن لم يكن البيع سببًا لعتقه: فلا يصح؛ دفعًا لمفسدة الذُّل والصَّغار التي ستلحق العبد المسلم إذا كان تحت ذلك الكافر؛ قياسًا على استحباب شراء العبيد المسلمين الذين تحت الكفار.
стр. 1423
عيب: (أُجبر على إزالة مُلكه) عنه بنحو: بيع أو هبة، أو عتق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (ولا تكفي مكاتبته)؛ لأنها لا تُزيل ملك سيده عنه، ولا بيعه بخيار؛ لعدم انقطاع علقه عنه (٧٤) (وإن جمع) في عقد (بين بيع وكتابة) بأن باع عبده شيئًا وكاتبه بعوض واحد صفقة واحدة (أو) جمع بين (بيع وصرف) أو إجارة، أو خلع، أو نكاح بعوض واحد: (صح) البيع، وما جُمع إليه (في غير الكتابة) فيبطل البيع؛ لأنَّه باع ماله لماله، وتصحّ هي؛ لأن البطلان وُجد في البيع فاختُصَّ به (ويُقسَّط العوض عليهما) أي: على المبيع وما جمع إليه بالقيم (٧٥)
(٧٤) مسألة: إذا أسلم عبد بيد كافر أو أسلم عند مشتريه من كافر فردّه المشتري إلى الكافر بعيب وجده فيه فإن إمام المسلمين أو نائبه، يجبر ذلك الكافر على إزالة مُلكه عن هذا العبد عن طريق: بيعه على مسلم، أو هبته له، أو إعتاقه، ولا يُقبل من الكافر: أن يُكاتب العبد - بأن يشتري العبد نفسه من سيده الكافر على أقساط يُسدِّدها على مراحل - ولا يُقبل من الكافر أن يبيعه بالخيار؛ لقواعد، الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه" حيث دلَّ هذان النصَّان على عدم جواز إبقاء العبد المسلم تحت يد الكافر؛ لكون إبقائه فيه تسليط الكافر عليه، وهذا مخالف لمنطوق الآية والحديث؛ لأن ذلك يُعتبر من أفراد عموم هذين النَّصَّين؛ لأن "سبيل" نكرة في سياق نفي، و "الإسلام" مفرد محلى بأل، وهما من صيغ العموم، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من عقد المكاتبة، والعقد الذي فيه خيار: عدم انقطاع العبد المسلم عن الكافر، مما يُؤدِّي إلى إذلال العبد: فلزم عدم قبول المكاتبة والبيع بالخيار من الكافر.
(٧٥) مسألة: إذا جمع بين بيع وصرف بأن قال البائع للمشتري: "بعتك دينارًا بصاع أرز وعشرة دراهم" أو جمع بين بيع ونكاح قائلًا: "بعتك هذه الدار وزوجتك أختي بخمسين ألف". أو جمع بين بيع وإجارة قائلًا: "بعتك هذه السيارة، =
стр. 1424
(ويحرم بيعه على بيع أخيه) المسلم (كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة)، لقوله ﷺ : "لا يبع بعضكم على بيع بعض" (و) يحرم أيضًا (شراؤه على شرائه كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة)؛ لأنَّه في معنى البيع المنهي عنه، ومحل ذلك: إذا وقع في زمن الخيارين؛ (ليفسخ) المقول له العقد (ويعقد معه) وكذا: سومه على سومه بعد الرضا صريحاً، لا بعد رد (ويبطل العقد فيهما) أي: في البيع على بيعه والشراء على شرائه، ويصح في السوم على سومه، والإجارة كالبيع في ذلك (٧٦)، ويحرم بيع حاضر لباد، ويبطل إن قدم لبيع سلعته بسعر يومها جاهلًا
وأجرتك هذه الدار لمدة سنة بعشرين ألف": فالبيع صحيح في تلك الصور الثلاث، ويقسط ويقسم الثمن على المباع وما جُمع إليه على حسب قيمة كل واحد في السوق عند أهل الخبرة والعدالة، لكنه إذا جمع بين بيع ومكاتبة قائلًا لعبده: "بعتك هذه الدار وكاتبتك بمائة ألف": فإن المكاتبة صحيحة، والبيع فاسد؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما يصحّ بيع ما فيه شفعة وما لا شفعة فيه بثمن واحد، ويُقسَّط ويُقسَّم الثمن على قيمتهما فكذلك يصح البيع وما جُمع معه في الصور الثلاث السابقة ويُقسَّط ويُقسَّم الثمن على كل من المباع وما جمع معه كل بحسبه، والجامع: أن كلًّا منهما فيه عقد واحد، وعوض واحد، وممكن تقسيط وتقسيم الثمن، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من جمع بيع دار ومكاتبة: أن يبيع ماله لماله، أو ملكه لملكه؛ لأن العبد ملك للسَّيد، فيكون قد باع داره - التي هي ملكه - على عبده - الذي هو ملكه أيضًا - وهذا منع من صحّة البيع؛ لكونه خاصًا بالبيع، ويلزم منه: صحّة المكاتبة؛ لعدم وجود مانع من صحتها، فتصحّ بقسطها من الثمن، فائدة: الصرف مبادلة نقد بنقد، أي: مبادلة دنانير بدراهم، ودولارات بريالات كما سيأتي، والمكاتبة: أن يشتري العبد نفسه من سيده على أقساط يُسدِّد على مراحل، فإذا تمَّ السداد: عتق العبد.
(٧٦) مسألة: يحرم بيع المسلم على بيع أخيه المسلم مثل: أن يبيع زيد ثوبًا بعشرة =
стр. 1425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ريالات على عمرو فيقول بكر لعمرو - في وقت خيار المجلس أو الشرط بين زيد وعمرو -: "أنا أبيعك مثله بتسعة" ويحرم أيضًا شراؤه على شرائه مثل: أن يبيع زيد ثوبًا على عمرو بتسعة، فيقول بكر - في وقت الخيارين -: "كيف تبيعه بهذا الثمن؟ فأنا لا أبيع مثله إلّا بعشرة"، وبكر يقصد من هذا: أن يفسخ عمرو عقد البيع مع زيد، ويتركه ويعقد معه - أعني بكر - فهذا هو المحرم، ولو وقع عقد مع بكر في هاتين الصورتين: فلا صحّة لهذا العقد، ويحرم أيضًا: السوم على السوم بعد رضا البائع والسائم: كأن يقول عمرو لزيد: "أنا أشتري هذا الثوب منك بعشرة" فقبل زيد، بعد ذلك قال بكر: "أنا أشتريه باثني عشر"، ولكن لو باع زيد على بكر ذلك الثوب باثني عشر: فإنه يصح، مع إثم بكر، وهذا الكلام يصح في الإجارة ونحوها من العقود؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يبع بعضكم على بيع بعض" فحرم البيع على البيع، ويلزم منه: تحريم الشراء على الشراء، ويفسد العقد إن وقع البيع؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تلك التصرُّفات - وهي البيع على البيع، والشراء على الشراء، والسوم على السوم وسائر العقود - تؤدِّي إلى العداوة والبغضاء بين المتعاملين بذلك، مما يُفضي إلى الفتن والتقاطع بين الناس، فشرع دفع ذلك، ودفع مفاسد تلك المعاملات مُقدَّم على جلب مصالحها، فإن قلتَ: لِمَ صحّ العقد في مسألة السوم على السوم مع التحريم؟ قلتُ: لأن المنهي عنه في الحديث السابق هو البيع على البيع، ويستلزم ذلك الشراء على الشراء، والسوم أُلحق بهما في التحريم لاقتضاء المصلحة لذلك كما سبق بيانه، وهذا لا يؤدي إلى إبطال العقد، فرع: المراد بالسوم هنا هو: الزيادة في الثمن بعد رضا البائع ولكن قبل العقد، وليس المراد ما يُقال في السوق عادة عند تعريض سلعة للبيع - "مَنْ يزيد؟ " فإن هذا يجوز؛ للإجماع؛ حيث إن المسلمين يفعلون ذلك =
стр. 1426
بسعرها وقصده الحاضر، وبالناس حاجة إليها (٧٧) (ومن باع ربويًا بنسيئة) أي: مؤجَّل، وكذا: حالٌّ لم يُقبض (واعتاض عن ثمنه ما لا يُباع به نسيئة) كثمن بُرٍّ اعتاض عنه بُرًّا، أو غيره من المكيلات: لم يجز؛ لأنه ذريعة لبيع ربوي بربوي نسيئة، وإن اشترى من المشتري طعامًا، بدراهم، وسلَّمها إليه، ثم أخذها منه وفاءً، أو لم يُسلِّمها إليه، لكن قاصَّه: جاز (٧٨) (أو اشترى شيئًا) ولو غير ربوي (نقدًا بدون ما
بدون نكير من أحد.
(٧٧) مسألة: يحرم بيع حاضر - وهو: من يستوطن البلدان - لواحد من أهل البادية الغريب عن الأسواق وصفة ذلك: "أن يقدم زيد من أهل البادية بسلعة لا يعرف سعرها في داخل البلد وأراد بيعها بسعر يومها، وكان الناس بحاجة إليها، وأراد عمرو من أهل الحضر عارف لسعرها: أن يبيع عن زيد تلك السلعة" فإذا توفّرت تلك الشروط: فهو حرام وإذا باعها عمرو لزيد فلا يصح البيع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "ولا يبع حاضر لباد" حيث حرم بيع الحاضر سلعة شخص من أهل البادية، وأفسد هذا البيع إن وقع؛ لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك، وفسد البيع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع بعض الرزق على الناس، وهذا محرم، وقد وردت رواية تشير إلى ذلك وهي قوله ﵇: "دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض" فرع: إذا لم يُباشر عمرو بيع سلعة زيد ولكنه أشار إليه ونصحه، وبيَّن له أسعار السوق لمثل هذه السلعة: فهذا غير محرم؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".
(٧٨) مسألة: إذا باع زيد على عمرو عشرين صاعًا من البر بثمن مؤجَّل وقدره مائة ريال يدفعه بعد سنة من العقد، فلما دارت السنة وحلَّ قبض الثمن - وهو مائة ريال -: طالب زيد به، فقال عمرو: "خذ خمسين صاعًا من التمر بدلًا من المائة =
стр. 1427
باع به نسيئة) أو حالًا لم يقبض (لا بالعكس: لم يجز)؛ لأنه ذريعة إلى الربا، ليبيع ألفًا بخمسمائة، وتُسمَّى "مسألة العينة" وقوله: "لا بالعكس" يعني: لا إن اشتراه بأكثر مما باعه به، فإنه جائز، كما لو اشتراه بمثله، وأما عكس مسألة العينة بأن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة: فنقل أبو داود يجوز بلا حيلة، ونقل حرب: أنها مثل "مسألة العينة" وجزم به المصنف في "الإقناع" وصاحب "المنتهى" وقدَّمه في "المبدع" وغيره قال في "شرح المنتهى": وهو: المذهب؛ لأنه يُتَّخذ وسيلة للربا كمسألة العينة. وكذا: العقد الأول فيهما؛ حيث كان وسيلة إلى الثاني فيحرم، ولا يصح (٧٩)
ريال" فهذا جائز، وهو قول كثير من العلماء منهم ابن قدامة وابن تيمية، وكذا: إن اشترى زيد من عمرو طعامًا بمائة ريال، وسلَّم زيد المائة إلى عمرو، ثم أخذها زيد منه وفاءً عن ثمن البر السابق، أو لم يُسلِّم زيد المائة لعمرو، ولكنه قال له: إن تلك المائة التي هي ثمن الطعام عن تلك المائة التي هي ثمن البر وإن زاد أو نقص: كمله أحدهما - وهذه المقاصَّة - فهذا أيضًا جائز؛ للتلازم؛ حيث إن بُعْد هاتين الصورتين عن التعامل بالربا: يلزم منه صحتهما، فإن قلتَ: إن الصورة الأولى لا تجوز - وهو ما ذكره المصنف هنا - للمصلحة: حيث إنها حيلة ووسيلة إلى التعامل بالربا؛ لكونه وقع مع ربوي، وهو: البر، والحيَل إلى الحرام: حرام، فيُمنع؛ سدًا للذرائع. قلتُ: كون هذا حيلة إلى التعامل بالربا بعيد، وما كان بعيدًا فهو نادر، والنادر لا بأس بوقوعه إذا وجد عذر - كما أشار إلى ذلك ابن قدامة وابن تيمية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في تلك الصورة هل هي من صور الربا أو لا"؟ فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(٧٩) مسألة: لا يصح البيع بالعينة، وهي: صور أولها: أن يبيع زيد على عمرو سيارة بعشرة آلاف ريال تُدفع بعد سنة، ثم يشتريها زيد من عمرو بثمانية آلاف حالًا =
стр. 1428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونقدًا، ثانيها: أن يحتاج زيد ألف ريال نقدًا، فيذهب إلى عمرو ويطلب منه ذلك، فيذهب عمرو إلى بكر فيشتري منه كمية من الأرز مثلًا فيبيعها عمرو على زيد بألف ومائتين إلى سنة، فيُلامسها بيده، ثم يشتريها بكر من زيد بتسعمائة نقدًا، وكمية الأرز لم تتحرَّك من مكانها، ولم يكن قصد عمرو الشراء، ولكنه أراد أن يكسب من وراء هذه العملية، ثالثها: أن يذهب زيد إلى عمرو ويقول له: "أنا أريد هذه الدار، أو هذه السيارة"، فيذهب عمرو ويشتريها من أصحابها بمائة ألف - مثلًا - ثم يبيعها على زيد بمائة وعشرين ألفًا إلى سنة أو أقساطًا على عدد من السنوات، وهذا منتشر فعله هذه الأيام. فهذه صور البيع بالعينة، وهي حرام، أما عكس مسألة العينة فهو جائز، وصورة ذلك: أن يبيع زيد على عمرو سيارة بعشرة آلاف نقدًا، ثم يشتريها زيد بعشرة نقدًا، أو يشتريها باثني عشر ألف نقدًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزروع وتركتم الجهاد: سلَّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه من قلوبكم حتى ترجعوا إلى دينكم" فحرَّم البيع بالعينة؛ لأنه توعَّد على من باع بها، والتوعُّد عقاب، ولا يُعاقب إلّا على فعل حرام، وتلك الصور الثلاث تسمَّى عينة؛ لأن العاقد أخذ عينًا وأُعطى عينًا فيما يظهر، وهو الثمن والمثمن، ويُسمِّي المتعامل بذلك بيعًا، وهو في الحقيقة حيلة إلى الربا وذلك لكون العقد الأول لم يُفصل إلا لأجل الثاني -، فإن قلتَ: لِمَ حرَمت هذه الطريقة المسمَّاة بالعينة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنك لو نظرت إلى تلك الصور الثلاث: لوجدت أن البيع بها حيلة وخداع على الله تعالى في التعامل بالربا لوجود الظلم على الفقراء، وعدم الرحمة بهم فإن قلتَ: لِمَ جاز عكس العينة؟ قلتُ: لعدم وجود حيلة وخداع، وظلم؛ لأن ذلك المحتاج قد اشتُريت منه سلعته بثمن مساوٍ للثمن الذي اشتراها =
стр. 1429
(وإن اشتراه) أي: اشترى المبيع في مسألة العينة أو عكسها (بغير جنسه): بأن باعه بذهب، ثم اشتراه بفضة، أو بالعكس (أو) اشتراه (بعد قبض ثمنه أو بعد تغيُّر صفته:) بأن هزل العبد، أو نسي صنعته، أو تخرَّق الثوب (أو) اشتراه (من غير مشتريه): بأن باعه مشتريه، أو وهبه، ونحوه، ثم اشتراه بائعه ممّن صار إليه: جاز (أو اشتراه أبوه) أي: أبو بائعه (أو ابنه) أو مكاتبه، أو زوجته: (جاز) الشراء ما لم يكن حيلة على التوصل إلى فعل مسألة العينة (٨٠) ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما
به، أو أعلى منه، فلم يُوجد ظلم عليه.
(٨٠) مسألة: يجوز أن تُشترى السلعة المباعة في مسألة العينة وصورها أو عكسها في خمس صور: أولها: إذا باع زيد على عمرو سيارة بمائة ألف ريال إلى سنة، ثم اشتراها زيد بغير جنس الثمن كأن اشتراها بخمسين ألف جنيهًا، أو اشتراها بدار أو العكس: ثانيها: إذا باع زيد سيارة على عمرو بمائة ألف ريالًا إلى سنة، وبعد مُضي السنة قبض زيد الثمن، وهو مائة ألف ثم بعد ذلك اشترى زيد تلك السيارة بخمسين ألف ريالًا. ثالثها: إذا باع زيد سيارة على عمرو بمائة ألف ريال إلى سنة، وبعد مُدَّة تعيَّبت تلك السيارة بفسادها: فاشتراها زيد بعشرين ألف ريال، رابعها: إذا باع زيد على عمرو سيارة بمائة ألف إلى سنة، ثم باعها عمرو على بكر بثمانين ألف، ثم اشتراها زيد من بكر بسبعين ألف، أو اشتراها زيد من وارث عمرو لما مات، خامسها: إذا باع زيد سيارة على عمرو بمائة ألف، ثم اشتراها والد زيد، أو ابن زيد من عمرو بثمانين أو أقل أو أكثر. ففي تلك الصور الخمس يجوز شراء السلعة المباعة في مسألة العينة؛ للتلازم؛ حيث إن اختلاف الجنس، وقبض الثمن بعد حلول المدة، ووجود العيب في السلعة، وكون البائع قد اشتراها من غير الذي باعها عليه: سواء كان قريبًا أو لا: يلزم منه عدم وجود حيلة إلى الربا، وهذا يجعل البيع والشراء صحيحًا.
стр. 1430
يُساوي مائة بأكثر؛ ليتوسَّع بثمنه: فلا بأس، وتُسمَّى "مسألة التورُّق" (٨١)، ويحرم التسعير (٨٢)، والاحتكار في قوت آدمي، ويُجبر على بيعه كما يبيع الناس (٨٣)، ولا
(٨١) مسألة: يصحّ البيع بالتورُّق عند الحاجة، وصورة ذلك: أن يذهب زيد إلى عمرو صاحب سيارة مثلًا فيشتري زيد من عمرو تلك السيارة بأعلى من ثمنها الآن في السوق، ثم يبيعها على غيره بثمنها في السوق، فمثلًا: إذا كانت السيارة تساوي أربعين ألفًا، فإن زيدًا يشتريها من عمرو بخمسين ألفًا ينقدها له بعد سنة من عقد البيع، ثم يذهب زيد، ويبيعها على غيره نقدًا، فيقضي بهذا النقد حاجته، هذا يصحّ؛ للمصلحة: حيث إن الحاجة قد تُلجيء المسلم إلى ذلك، فأبِيحت؛ سدًا لحاجته، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بالتورُّق؟ قلتُ: لأن مقصود المشتري هو أخذ الورق والفضة؛ ليسدَّ حاجته فيها.
(٨٢) مسألة: يجوز تسعير السلع - وهو: أن يضع الإمام أو نائبه سعرًا لكلّ سلعة يُلزم به التجار - ولكن بشروط: أولها: أن يمتنع التجار عن بيع السلع التي يضطر الناس إليها بسعر المثل، ثانيها: أن ينظر المسعِّر إلى الثمن الذي اشترى التاجر تلك السلعة به عند التسعير حتى لا يُظلم، ثالثها: أن يُزال هذا التسعير عند زوال الضرورة التي دعت إليه، فإن توفَّرت تلك الشروط: جاز، أما إن تخلّف شرط منها: فالتسعير حرام؛ للمصلحة: حيث إن مصلحة الناس، ودفع المفسدة عنهم إذا لم يتم إلا بالتسعير: قد أجاز ذلك؛ دفعًا لتلك المفسدة، وإن لم يُحتج إليه: فلا يجوز التسعير؛ لإفضائه إلى ظلم التجار.
(٨٣) مسألة: يحرم الاحتكار في قوت الآدميين - وهو: أن يشتري التاجر ما يستطعمه الناس ويقتاتونه، ويحبسه عنده مع حاجتهم إليه، ولا يُخرجها إلّا بعد أن يغلى ثمنها عليهم - وبناء عليه: يجب على الإمام أو نائبه على إجباره على بيع ما احتكره بالسعر الذي يبيع به الناس؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُعتبر ظلمًا لعموم الناس، ودفع الظلم واجب على الأفراد والحكّام، ولتلك المصلحة يُجبر أيُّ شخص يُخبئ =
стр. 1431
يكره ادِّخار قوت أهله ودوابه (٨٤)، ويُسنُّ الإشهاد على البيع (٨٥).
الأسلحة أن يبيعها على المجاهدين في سبيل الله، والأمثلة على ذلك كثيرة.
(٨٤) مسألة: يُباح للمسلم أن يدَّخر بعض الأطعمة السنة والسنتين لنفسه ولأهله ودوابه وما يخصُّه بشرط: أن لا ينوي بذلك التجارة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "كنتُ نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة أما الآن فكلوا، وادَّخروا، وتصدّقوا". فأباح الادّخار للحوم، وغيرها من الأطعمة مثلها؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة".
(٨٥) مسألة: يُستحب: أن يُشهد المسلم على بيعه وشرائه إن كانت السلعة غالية الثمن؛ للكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وصرفت هذا الأمر من الوجوب إلى الندب الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ والمقصد من ذلك: حفظ حقوق الناس، وقطع التنازع والاختلاف.
هذه آخر مسائل: (حقيقة البيع وحكمه، وشروط صحّته وموانعه وما يجوز وما لا يجوز منه، ويليه: باب "بيان الصحيح والفاسد من الشروط التي يشترطها أحد المتبايعين".
стр. 1432
باب الشروط في البيع
والشرط هنا: إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة، ومحل المعتبر منها: صلب العقد، وهي ضربان (١)، ذكر الأول منهما بقوله (منها صحيح) وهو: ما وافق مقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع (٢): أحدها: شرط مقتضى البيع كالتقابض، وحلول الثمن، فلا يُؤثِّر فيه؛ لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد،
باب بيان الصحيح والفاسد من الشروط التي يشترطها أحد المتبايعين
وفيه سبع عشرة مسألة:
(١) مسألة: المراد به: أن يشترط المتعاقدان، أو أحدهما شرطًا، أو شروطًا فيها مصلحة للمشترط، ويلتزم بذلك الآخر، ويقارن هذا الاشتراط العقد، وإن تقدَّم على العقد قليلًا: فلا بأس، وإن تأخر في وقت خيار المجلس وخيار الشرط: فلا بأس، وبعض تلك الشروط صحيح، والبعض الآخر فاسد، وإليك بيانها.
(٢) مسألة: الشروط الصحيحة هي: كلُّ شرط وافق مقتضى العقد الشرعي، وترتَّب عليه ولم ينه عنه الشارع، ولم يُبطله، للاستصحاب: حيث إن الأصل في العقود والشروط: الصحة إلّا إذا ورد دليل من الشارع ينهى عنه فيكون المنهي عنه فاسدًا بحكم الشارع، أما ما لم يرد من الشارع نهي عنه: فنستصحب الأصل فيه وهو: الصحة، فإن قلتَ: لِمَ كان الأصل في العقود والشروط الصحة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البيوع والمعاملات كلها لا يستغني عنها أحد، فجَعْل الأصل فيها الصحة هو المناسب لمراعاة أحوال الناس، وهو من باب التيسير والتوسعة على الناس؛ فيُحكم على كل شرط بالصحة إذا لم نعلم دليلًا شرعيًا ينهى عنه.
تنبيه: الشروط الصحيحة ثلاثة أنواع، سيأتي بيانها.
стр. 1433
فلذلك أسقطه المصنف (٣)، الثاني: شرط ما كان من مصلحة العقد (كالرهن) المعيَّن أو الضامن المعيَّن (و) كـ (تأجيل الثمن) أو بعضه إلى مدة معلومة (و) كشرط صفة في المبيع كـ (كون العبد كاتبًا، أو خصيًا، أو مسلمًا) أو خياطًا مثلًا (والأمة بكرًا) أو تحيض، والدابة هملاجة، والفهد - أو نحوه - صيودًا فيصح، فإن وفى بالشرط، وإلا فلصاحبه الفسخ، أو أرش فقد الصفة، وإن تعذَّر ردٌّ: تعيَّن أرش (٤)، وإن شرط
(٣) مسألة: في الأول - من أنواع الشروط الصحيحة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شروطًا هي أصلًا ثابتة؛ لاقتضاء عقد البيع لها، ولحكم الشرع فيها: كأن يشترط المتبايعان أو أحدهما قبض السلعة، وقبض الثمن، وردَّ المبيع عند وجود عيب مُعتبر شرعًا، فهذا يُعتبر تأكيدًا لذلك لا تأصيل؛ لذلك لم يذكر ذلك أكثر الفقهاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود العقد: اشتراط ذلك بدون أن يُصرِّح بها أحد المتبايعين.
(٤) مسألة: في الثاني - من أنواع الشروط الصحيحة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شروطًا فيها مصلحة العقد تعود للمشترط له: كأن يقول البائع: "بعتك هذه السيارة بخمسين ألف ريال تحلّ بعد سنة مثلًا، لكن بشرط: أن أرهن دارك هذه، فإن لم تعطني تلك الخمسين بعد مضي السنة: أبيع دارك، وآخذ الخمسين ألف من ثمنها" أو يقول: "بعتك تلك السيارة بخمسين ألف بشرط: أن يضمنك أو يكفلك فلان ويُعيِّنه"، أو يقول المشتري: "اشتريت تلك السيارة بخمسين ألف بشرط: أن تكون مؤجَّلة إلى سنة، أو بعضها مؤجَّل وهو: عشرون ألف منها لمدّة سنة" أو يقول المشتري: "اشتريتُ هذا العبد بشرط: أن يكون كاتبًا، أو مقطوع الخصيتين، أو مسلمًا، أو خياطًا، أو غوَّاصًا، أو راميًا" أو يقول: "اشتريت هذه الأمة بكذا بشرط: أن تكون بكرًا أو أنها تحيض" أو يقول: "اشتريت هذه الدابة بكذا بشرط: أن تكون سريعة المشي" ونحو ذلك من الشروط: فإن هذا البيع صحيح والشرط صحيح، فإن تحقَّق الشرط الذي =
стр. 1434
صفة فبان أعلى منها: فلا خيار (٥) (و) الثالث: شرط بائع نفعًا معلومًا في مبيع غير
اشترطه أحدهما: فإنه يُمضي البيع، وإن لم يتحقق: فللمشترط الخيار بين أمرين: أولهما: إما أن يفسخ العقد، ويردّ السلعة ويأخذ البائع سلعته، والمشتري ثمنه الذي دفعه، ثانيهما: أن يأخذ أرش وثمن فقد الصفة التي اشترطها في السلعة المباعة وطريقة ذلك: أن يقوَّم العبد الخياط بعشرة آلاف مثلًا، ويقوم غير الخياط بثمانية، فيرد البائع على المشتري ألفين أرشًا لفقد الصفة التي اشترطها ولم يجدها، وهذا الأرش يتعيَّن إن تعذر رد السلعة بأن مات البائع - مثلًا -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا" فأثبت صحّة أيِّ شرطٍ لا يوجد فيه إحلال حرام، أو تحريم حلال، وتحقق ذلك فيما ذكرناه من الشروط السابقة، حيث لا مانع منها شرعًا؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الشروط، الصحة إلا ما ورد في الشرع النهي عنه، وهذه الشروط لم يرد في الشرع النهي عنها، فتكون صحيحة على الأصل.
(٥) مسألة: إذا اشترط المشتري شرطًا بالسلعة بأن يُريدها على صفة فبانت بصفة أحسن وأعلى مما اشترطه كأن يشترط في العبد أن يكون كاتبًا، فبان عالمًا - بعد شرائه له: فله الفسخ، ورد العبد، وأخذ ما دفعه ثمنًا من البائع؛ للمصلحة؛ حيث إن اشتراط ذلك فيه مصلحة للمشتري؛ لكون العبد العالم قد يشتغل بعلمه عن خدمة من اشتراه أو أن من اشتراه سيراعيه؛ نظرًا لعلمه، وبذلك يخسر خدمته، وتقلّ قيمته إذا أراد بيعه، فإن قلتَ: ليس له الفسخ في هذه الحالة، ولا الإرش وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث يلزم من وجود ما اشترطه وزيادة: إلزامه بالبيع؛ لأن في ذلك مصلحته وزيادة، قلتُ: إن اشتراط أي مُشتر لأي شرط له مقصد عنده ومصلحة قد لا تكون مصلحة عند غيره، فقد تكون صفة العلم في العبد من أعظم المصالح عند زيد، ولكنها ليست مصلحة عند =
стр. 1435
وطء ودواعيه (نحو: أن يشترط البائع سكنى الدار) أو نحوها (شهرًا، وحملان البعير) أو نحوه المبيع (إلى موضع مُعيَّن)؛ لما روى جابر: "أنه باع النبي ﷺ جملًا، واشترط ظهره إلى المدينة" متفق عليه، واحتجّ في "التعليق" و"الانتصار" وغيرهما "بشراء عثمان من صهيب أرضًا، واشترط وقفها عليه وعلى عقبه" ذكره في "المبدع" ومقتضاه: صحة الشرط المذكور، ولبائع إجارة، وإعارة ما استثنى، وإن تعذَّر انتفاعه بسبب مشتر: فعليه أجرة المثل له (أو شرط المشتري على البائع) نفعًا معلومًا في مبيع كـ (حمل الحطب) المبيع إلى موضع معلوم (أو تكسيره، أو خياطة الثوب) المبيع (أو تفصيله) إذا بيَّن نوع الخياطة أو التفصيل، واحتج أحمد لذلك بما روى أن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب، وشارطه على حملها، ولأنه بيع وإجارة: فالبائع كالأجير، وإن تراضيا على أخذ أجرته ولو بلا عذر: جاز (٦) (وإن جمع بين شرطين) من غير
عمرو؛ لكون العبد يُشترى للخدمة، لا للفتوى ونحو ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين".
(٦) مسألة: في الثالث - من أنواع الشروط الصحيحة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا، أو أحدهما شروطًا فيها نفع معلوم يكون في مبيع - غير وطء ومقدِّماته - كأن يقول البائع: بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن أسكنها سنة أو شهرًا" أو يقول: "بعتك هذا البعير بألف بشرط: أن أركبه إلى البلدة الفلانية، فيوفي المشتري بهذا: فإن لم يمكّن المشتري البائع من ذلك: فعليه أن يستأجر للبائع دارًا يسكنها سنة أو شهرًا على حسب الشرط، وعليه أن يستأجر للبائع بعيرًا أو سيارة توصله إلى البلدة المذكورة، وإن أعطاه مقابل ذلك الشرط نقودًا برضى بينهما جاز، وأيضًا، من الشروط الصحيحة في ذلك، أن يقول المشتري للبائع: "اشتريت هذا الحطب، أو هذا التمر بشرط: أن توصله إلى منزلي، أو يقول: "اشتريت هذا الثوب بشرط: أن تفصِّله عليّ أو تخيطه بطريقة معيّنة وإن أعطى البائع المشتري نقودًا عِوَضًا عن هذا الشرط جاز، والإجارة هنا كالبيع تمامًا؛ لقاعدتين: =
стр. 1436
النوعين الأولين كحمل حطب، وتكسيره، وخياطة ثوب وتفصيله: (بطل البيع)؛ لما روى أبو داود، والترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحلُّ سلف، وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٧)، والضرب الثاني من الشروط أشار إليه بقوله (ومنها فاسد) وهو: ما يُنافي
الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﵇ قد اشترى جملًا من جابر بن عبد الله، واشترط جابر أن يركب عليه إلى المدينة، فوافقه النبي ﷺ على ذلك، فلو لم يصحّ البيع مع الشرط: لما وافق ﵇ على ذلك؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الشروط الصحة - كما سبق بيانه - فتكون هذه الشروط صحيحة؛ لعدم ورود ما يُبطلها من الشارع؛ استصحابًا للأصل. فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منافع، ودفع مفاسد عن المسلمين، فإن قلتَ: لا يصح بيع وشرط؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇: "عن بيع وشرط" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد قلتُ: هذا الحديث لم يصح إسناده، كما قال ابن القيم، وهو مخالف للسنة التقريرية والاستصحاب السابق ذكرهما، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في صحّة حديث النهي عن بيع وشرط" فعندنا: لم يصحّ، وعندهم: يصح.
(٧) مسألة: يصح أن يشترط البائع أو المشتري شرطين فأكثر في عقد واحد: إذا اتّفقا على ذلك، وكان في مصلحة العقد، وكان الشرطان غير منهي عنهما شرعًا: فيصحّ أن يشترط البائع رهنًا، وضمانًا معًا، ويصحّ أن يشترط المشتري: "أن يكون العبد - مثلًا - كاتبًا، وأن يؤجَّل ثمنه إلى سنة" ويصح: أن يشترط البائع: أن يسكن الدار التي باعها سنة وأن يسكن قريبه في دار المشتري الثانية سنة" ويصح أن يشترط المشتري: "أن يقوم البائع بخياطة الثوب الذي اشتراه منه، وتفصيله، وإيصاله إلى منزله" ذهب إلى ذلك كثير من العلماء المحققين منهم ابن =
стр. 1437
مُقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع (٨) أحدها: (يبطل العقد) من أصله (كاشتراط أحدهما على الآخر عقدًا آخر كَسَلف) أي: سَلَم (وقرض، وبيع، وإجارة، وصرف) للثمن أو غيره، وشركة، وهو: "بيعتان في بيعة" المنهي عنه، قاله أحمد (٩)، الثاني: ما يصح معه البيع، وقد ذكره بقوله: (وإن شرط:
تيمية؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الشروط الصحّة إلّا ما نهى عنها الشارع، وجمع الشروط المتّفق عليها من المتبايعين مع عدم النهي عنها: لم يرد من الشارع النهي عنها فنستصحب ذلك، ونعمل به، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الشرطين في مصلحة المتعاقدين أو العقد: صحتهما؛ إذ لا مانع من ذلك، فإن قلتَ: لا يصح ذلك وإذا وجد: فإن البيع يبطل وهو ما ذكره المصنف هنا، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" ولفظ "لا يحل" من صيغ الحرام الصريحة قلتُ: المقصود بالشرطين المنهي عنهما: الشرطان اللذان ليسا في مصلحة العقد كما فسّره الإمام أحمد، واللذان فيهما أو في أحدهما محذور شرعي كأن يشترط البائع على المشتري: "أن لا يطأ الأمة التي باعها عليه وأن لا يبيعها على أحد غيره" قال ابن القيم: "كل شرط خالف حكم الله وكتابه: فهو باطل، وما لم يخالف حكمه: فهو لازم" قلتُ: وهذا عام كشرط الواحد والأكثر منه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المقصود من الشرطين في الحديث".
(٨) مسألة: الشروط الفاسدة في البيع هي: كل شرط خالف مقتضى العقد الشرعي، وتنافى مع ما يقتضيه، وورد من الشارع ما يُبطله ويُفسده، تنبيه: الشروط الفاسدة ثلاثة أنواع، وسيأتي بيانها.
(٩) مسألة: في الأول - من أنواع الشروط الفاسدة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شرطًا يفسد ويُبطل العقد كله بسبب اشتراط عقد في عقد، وهو المسمَّى "بالبيعتين في بيعة" وهو: اشتراط أحد المتبايعين على الآخر عقدًا =
стр. 1438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
آخر يضاف إلى عقد البيع مثل: أن يقول البائع للمشتري: "بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تبيعني سيارتك بعشرين ألف" أو يقول المشتري: "اشتريتُ منك تلك الدار بمائة ألف بشرط: أن تسلفني أو تسلمني الآن ألف ريال وأعطيك عنها مائة صاع من الأرز بعد سنة" أو يقول البائع: "بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تؤجرني دارك الأخرى بعشرين ألف لمدّة سنة" أو يقول: "اشتريتُ هذه الدار بعشرة آلاف دينار ذهبًا بشرط أن تصرفها بكذا دراهم" أو يقول: "بعتك هذه الدار بكذا بشرط: أن تشاركني في المصنع الفلاني" فكل ذلك يُبطل أصل البيع؟ لقواعد: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا يحلُّ بيع وسَلَف" فنهى عن الجمع بين عقد البيع، وعقد السلف - أو السَّلَم - والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وثانيهما: أنه ﵇ "نهى عن بيعتين في بيعة" وشرط السلف، والقرض، والإجارة، والصرف، والشركة مع البيع يُعتبر بيعتان في بيعة واحدة، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهو فساد العقد كله. الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لا يجوز نكاح الشغار - وهو: قول الأب: "أزوجك ابنتي بشرط أن تزوجني ابنتك" ونحوه - فكذلك لا يجوز اشتراط أحد المتعاقدين عقدًا آخر، والجامع: إدخال عقد في عقد في كل. الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال ابن مسعود: "صفقتان في صفقة ربا"، والصفقة: هي البيع، وهذا يلزم منه: التحريم؛ لكونه يُؤدِّي إلى محرم، فإن قلتَ: لِمَ كان هذا الشرط يُبطل البيع كله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك وسيلة إلى الربا، وأكل مال الناس بالباطل؛ لوجود استغلال المشترط للآخر؛ فإن قلتَ: تصحّ تلك الشروط، ويصحّ البيع، وهو قول الإمام مالك، وتبعه بعض العلماء كابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المعاملات والشروط الصحة والحلّ، ولم يُوجد ما يمنع تلك الشروط. قلتُ: إن السنة =
стр. 1439
أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع، وإلا: ردُّه أو) شرط أن (لا يبيع) المبيع (ولا يهبـ) ـه (ولا يعتقـ) ـه (أو) شرط (إن أعتق فالولاء له) أي: للبائع (أو) شرط البائع على المشتري: (أن يفعل ذلك) أي: أن يبيع المبيع، أو يهبه ونحوه: (بطل الشرط وحده)؛ لقوله ﵇: "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله: فهو باطل وإن كان مائة شرط" متفق عليه، والبيع صحيح؛ لأنه ﷺ في حديث بريرة أبطل الشرط، ولم يُبطل العقد (١٠) (إلا إذا شرط) البائع (العتق) على المشتري، فيصح الشرط أيضًا،
القولية، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة التي ذكرناها قد غيَّرت ذلك الأصل من الحل إلى الحرمة، ثم إن تساهل الناس في تلك الشروط يؤدِّي غالبًا إلى استغلال الناس بشروط يشترطونها في بيوعهم. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في تلك الأدلة هل غيرت ما استصحب من الأصل أم لا" فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(١٠) مسألة: في الثاني - من أنواع الشروط الفاسدة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شرطًا فاسدًا؛ لمنافاته لمقتضى البيع شرعًا، ولكنه لا يُفسد عقد البيع، أي: يصحّ البيع دون الشرط مثل: أن يقول المشتري: "اشتريتُ منك هذه الثياب بألف بشرط: أن لا أخسر في السوق إذا بعتها" أو يقول: "اشتريتها بألف بشرط: أن أبيعها في السوق وإن لم أبعها فسأردَّها إليك وآخذ ثمنها" أو يقول البائع: "أبيعك هذه الدار بكذا بشرط: أن لا تبيعها على أحد، ولا تهبها لأحد، أو لا تتصدَّق بها على أحد" أو يقول: "أبيعك هذا العبد بكذا بشرط: أنك إذا أعتقته "فالولاء لي" - أي: يكون كأنه من أقاربي - أو يقول: "بعتك هذا العبد بكذا بشرط: أن تبيعه على فلان، أو تهبه له" ونحو ذلك، فهذه الشروط باطلة" ويصح البيع: سواء رضي المتبايعان أو لا، وسواء كان في ذلك الشرط مصلحة لهما أو لا؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" والمراد: أن =
стр. 1440
ويُجبر المشتري على العتق إن أباه، والولاء له، فإن أصرَّ: أعتقه حاكم (١١)، وكذا: شرط رهن فاسد كخمر، ومجهول، وخيار أو أجل مجهولين، ونحو ذلك، فيصح البيع، ويفسد الشرط (١٢) (و) إن قال البائع: (بعتك) كذا بكذا (على أن تنقدني الثمن
أي شرط في المعاملات لم ترد الموافقة عليه من الشارع: فهو باطل لوحده؛ ثانيهما: أن عائشة أرادت شراء بريرة فأبى مالكوها إلا بشرط: أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء" ثم قال: "إنما الولاء لمن أعتق" حيث لزم من ذلك إبطال الشرط فقط، ولم يُبطل العقد بدليل قوله: "خذيها" أي: بالبيع، فإن قلتَ: لِمَ بطل الشرط وصحَّ البيع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الشرط يُعتبر تصرُّف في حقوق الآخرين وأملاكهم، وهذا يؤدِّي إلى إذلالهم والنيل من كرامتهم، ولم يُوجد ما يمنع من صحة البيع؛ للتوسعة.
(١١) مسألة: إذا اشترط البائع العتق على مشتري عبده قائلًا: "بعتك هذا العبد بكذا بشرط: أن تعتقه بعد مُدَّة"، فقال المشتري: "قبلتُ": فإن الشرط يصح وكذا: البيع، ويُجبره الحاكم على إعتاقه، فإن أبى المشتري: أعتقه الحاكم للسنة القولية: حيث إن عائشة لما أرادت شراء بريرة اشترط عليها أسيادها عتقها وولاءها، فأنكر النبي ﵇ شرط الولاء بقوله: "الولاء لمن أعتق- وأقرَّ العتق، وهذا من لوازم إنكاره، للولاء، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ الشرط هنا مع البيع؟ قلتُ: لأن الشارع يتشوَّف إلى العنق، ويحثُّ عليه.
(١٢) مسألة: إذا اشترط أحد المتبايعين شرطًا لا يُتعامل به في الإسلام، أو اشترط شرطًا غير معين في الزمن: فلا يصح هذا الشرط، ويصحّ البيع كأن يقول البائع: "بعتك هذا الثوب بمائة تعطيني إيّاها بعد شهرين بشرط أن أرهن عندي هذا الإناء من الخمر، أو هذا الخنزير" أو "بشرط: أن يضمنك أحد أقربائك بدون تعيين" أو قال له: "بعتك هذه الدار بكذا بشرط: أن يكون لي الخيار" بدون تعيين مُدَّة هذا الخيار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فساد التعامل =
следующие страницы →