← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وابتداء المدَّة: (من حَدَث بعد لُبس (٧) على طاهر) العين، فلا يمسح على نجس اختلفت مدة المسح هنا؟ قلتُ: لأن مشقة خلع الخفين في السفر وغسل الرجلين أكثر من مشقة خلعهما في الحضر والإقامة؛ لقلة المياه، وللخوف غالبًا في السفر، بخلاف الحضر، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد المسح للمقيم والمسافر في هذه المدة؟ قلتُ: لأن أغلب الأسفار لا تزيد عن ثلاثة أيام في العادة، ولأن هذه المدة مناسبة للمسح على الخف في الإقامة والسفر؛ فلو زاد المسح على هذه المدة في الإقامة والسفر: للحق الرِّجل الضرر بسبب عدم غسلها وعدم تعرضها للهواء الطلق، فإن قلتَ: لا يجوز المسح في الحضر؛ للمصلحة؛ حيث لا توجد مشقة فيه، وهذه رواية عن مالك، - كما جاء في "المعونة" (١/ ١٣١)، - قلتُ: هذا اجتهاد بالمصلحة، ولا اجتهاد مع النص - وهو: حديث علي السابق - ثم المقيم يجد مشقة لكنها أخف من مشقة المسافر، فإن قلتَ: إن المسافر يمسح المدة التي يحتاجها دون تحديد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه: فليصلِّ فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة" حيث إن هذا مطلق في مُدة المسح وحُمِل على المسافر؛ للمصلحة؛ حيث إن المقيم لا مشقة عنده كما سبق، وهو لبعض المالكية - كما جاء في "الإشراف" (١/ ١٣٢) - قلتُ: إن حديث علي السابق مُقيد بمدة وهي زيادة وذلك بمنطوقه ومفهومه، وهو يوم وليلة، للمقيم، وثلاثة للمسافر، وحديثكم مطلق، فيُحمل المطلق على المقيد، فنعمل بحديث علي؛ لكونه مقيدًا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين" فعندنا: يُعمل بحديث علي؛ لكونه أتى بزيادة ثقة، فقيد بها الحديث المطلق، وعندهم: يُعمل بالمطلق، وكذا: "تعارض المصلحة مع السنة" فعندنا: يقدم الحديث دون المصلحة، وعندهم لا. (٧) مسألة: تبدأ مدة المسح من حَدَث بعد لُبْس: فمثلًا: إذا توضأ المقيم لصلاة العصر من يوم السبت ثم لبس الخفين بعد ذلك مباشرة، ثم بقي على طهارته، ثم =

стр. 142

ولو في ضرورة (٨)، ويتيمم معها لمستور (٩) (مباح) فلا يجوز المسح على مغصوب، ولا على حرير لرجل؛ لأن لبسه معصية، فلا تُستباح به الرُّخصة (١٠) (ساتر أحدث قبل صلاة المغرب ثم حضرت صلاة المغرب: فإنه يتوضأ ويمسح عليهما، فتبدأ مُدة المسح من قُبيل صلاة المغرب، ويستمر المسح إلى قبيل المغرب من يوم الأحد؛ للتلازم؛ حيث إن الخف قد جُعِل مانعًا من سراية الحَدَث إلى القدم، ومعنى المنع إنما يتحقق عند الحَدَث، فيلزم ذلك اعتبار ابتداء المدة من هذا الوقت؛ لأن هذه المدة ضُربت توسعة وتيسيرًا؛ نظرًا لتعذُّر خلع الخفين في وقت إرادة التطهر فيه، والحاجة إلى التوسعة عند الحدث لأن الحاجة إلى النزع تكون عنده، أي: إن الحدث سبب للوضوء فتُعتبر المدة من وقت السبب، وقد ذكر هذا السرخسي في "المبسوط"، وابن قدامة في "المغني" تنبيه: يُشترط فيما يُمسح عليه شروط أربعة سيأتي بيانها في المسائل الآتية: (٨) مسألة: في الأول - من شروط ما يُمسح عليه - وهو: أن يكون طاهرًا، فلا يمسح على خف نجس سواء كانت النجاسة نجاسة عينية كخف مصنوع من جلد خنزير، أو كانت نجاسة طارئة كخف عليه بول أو غائط؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا تصح الصلاة بثوب نجس فكذلك لا يصح المسح والصلاة بخف نجس، والجامع: أن كلًّا منهما ملبوس تُشترط طهارته في الصلاة، لوقوع التَّضاد بين النجاسة والطهارة، وهذا هو المقصد من هذا الشرط. (٩) مسألة: إذا لبس خفًّا نجسًا؛ للضرورة: كأن يخشى على نفسه الهلاك من برد، أو عدو: فإنه يتوضأ، ولا يمسح عليه، ولا يخلعه، وإنما يتيمم عن غسل القدمين، وكذلك يفعل مع أي مستور بشيء نجس، وضعه ضرورة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية من الضرر، وفيه عدم المسح على نجس. (١٠) مسألة: في الثاني - من شروط ما يُمسح عليه - وهو: أن يكون مُباح اللبس: فلا يُمسح على خف محرم كأن يكون مسروقًا أو مغصوبًا، أو مصنوعًا من =

стр. 143

للمفروض) ولو بشدِّه، أو شرجه كالزربول الذي له ساق وعُرى يدخل بعضها في بعض، فلا يُمسح ما لا يستر محلَّ الفرض؛ لِقِصَره أو سعته (١١)، أو صفائه (١٢)، حرير أو ذهب أو فضة لرجل؛ للقياس، بيانه: كما أن المسافر سفر معصية لا يُباح له الترخُّص بالإفطار وقصر الصلاة فكذلك لا يُباح له المسح على خف محرم، والجامع: أن الرخصة لا تُستباح بالمعصية في كل، فلو أبيحت الرخصة بها: لكان ذلك إعانة له على تلك المعصية، وإقرارًا له على المنكر، وهذا لا يرد به الشرع، وهذا هو المقصد من هذا الشرط. (١١) مسألة: في الثالث - من شروط ما يُمسح عليه - وهو: أن يكون ساترًا للمحلِّ المفروض غسله: بأن يكون قد غطى جميع الرِّجل ومعها الكعبان، ولو حصلت تلك التغطية بالشَّدِّ وربط بعض الخف ببعضه الآخر بخيوط - كما هو معروف الآن - فيجوز المسح عليه، لكن لا يجوز المسح على خف لا يستر كل الرِّجل بسبب قِصَره وصِغَره، أو بسبب سعته بحيث تخرج بعض الرِّجل عند المشي على الخف؛ للتلازم؛ حيث إن المقصد من مشروعية المسح هو: دفع مشقة النَّزع، والخف الذي توجد فيه هذه المشقة هو: الساتر لجميع المفروض غسله فيلزم اشتراطه، لكون القصير أو الواسع لا مشقة في نزعه. (١٢) مسألة: يُباح المسح على خف أو جورب رقيق شفاف ترى العين الرِّجل من خلاله بشرط: عدم وصول الماء إليها؛ للتلازم؛ حيث إن عدم وصول الماء إلى الرِّجل - وهذا هو المقصد من ستر المفروض غسله -: يلزم منه إباحة المسح على خف شفاف يصف البشرة؛ لحصول ذلك الشرط، وعدم تأذي الرجل بذلك الماء، وهذا المقصد من إباحة ذلك، فإن قلتَ: لا يباح المسح على ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الشرط - وهو: ستر المفروض غسله - عدم إباحة المسح عليه، قلتُ: ليس المقصود بالستر للمفروض هنا هو: =

стр. 144

أو خرق فيه وإن صَغُر حتى موضع الخرز (١٣)، فإن انضم، ولم يبد منه عدم رؤية الرِّجل بالعين، وإنما المقصود به: عدم وصول شيء من الماء الممسوح به إلى الرِّجل - كما سبق - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في تفسير "الستر" ما هو؟ " فعندنا: الساتر: ما يمنع وصول الماء، وعندهم: الساتر ما يمنع وصول الماء، ويمنع رؤية الرِّجل معًا. (١٣) مسألة: لا يجوز المسح على خف مخروق ترى الرِّجل من خلال هذا الخرق، سواء كان هذا الخرق كبيرًا، أو صغيرًا وسواء كان هذا الخرق من موضع الخرز والخياطة أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن الخف المخروق خرقًا كبيرًا لا يجوز المسح عليه اتفاقًا، فكذلك لا يجوز المسح على الخف المخروق خرقًا صغيرًا والجامع: أن كلًّا منهما لا يمنع الماء الممسوح به من الوصول إلى الرِّجل، واحتمال تضرر الرِّجل بهذا الماء؛ وفساد الخف، وظهور رائحة كريهة - وهذا هو المقصد من عدم الجواز هنا، فإن قلتَ: يُباح المسح على خف مخروق خرقًا صغيرًا وهو قول بعض الشافعية وتبعهم ابن تيمية وابن عثيمين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن الصحابة قد مسحوا على خفافهم، وكان يغلب عليها الخرق؛ نظرًا لفقرهم، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، ولم يبين عدم جوازه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فدل ذلك على جوازه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المسح على خف مخروق فيه دفع مشقة وتيسير على الناس فجاز لذلك، قلتُ: أما السنة التقريرية فلا يصح الاستدلال بها هنا؛ لأن الفقر لا يدل على خرق خف الفقير؛ فقد يلبس الفقير أحسن الخفاف، ويلبس الغني ما دون ذلك، ثم لا نسلِّم أنه يغلب على خفافهم الخرق؟ بل العكس هو الصحيح؛ حيث يغلب على الظن سلامتها عند الصحابة؛ قياسًا على سلامة ثيابهم في الصلوات، والحكم للغالب، وعلى فرض أنه يوجد =

стр. 145

شيء: جاز المسح عليه (١٤) (يثبت بنفسه) فإن لم يثبت إلا بشدِّه: لم يجز المسح عليه، وإن ثبت بنعلين: مسح إلى خلعهما ما دامت مدته، ولا يجوز المسح على ما يسقط (١٥) (من خُفّ) بيان لطاهر، أي: يجوز المسح على خف يُمكن متابعة المشي خرق في خفاف بعض الصحابة: فإنه يُحتمل أنه ﷺ لم يعلم بذلك؛ لأنه لا يُنظر إلى الخفاف التي على الأرجل عادة، ويُحتمل أنه خرق قد انضم بعضه إلى بعض بحيث لا ترى الرِّجل، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما المصلحة: فلا نسلمها؛ لأن أصل المسح ثبت رخصة؛ وفقًا لمشقة النزع، والمسح بدل عن غسل الرِّجل، فلا بدَّ أن يكون البدل يسدُّ مسدَّ المبدل تمامًا، فيلزم على ذلك: أن يستر جميع ما يجب غسله، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة التقريرية" فعندنا: يقدم القياس؛ لعدم تطرق الاحتمال إليه، بخلاف السنة التقريرية حيث تطرق إليها الاحتمال وتطرق الاحتمال يُضعف الدليل، وعندهم: تقدَّم السنة التقريرية؛ لقوتها عندهم. (١٤) مسألة: إذا كان الخرق الذي في الخف يسيرًا، وانضم بعضه إلى بعض بحيث غلب على الظن عدم وصول الماء إلى داخل الخف أثناء المسح: فيجوز المسح عليه؛ للتلازم؛ حيث إن ستر المحل المفروض غسله قد وجد - وهو: شرط المسح كما سبق في مسألة (١١) - فيلزم: جواز المسح نظرًا لتوفر شرطه. (١٥) مسألة: في الرابع والأخير - من شروط ما يُمسح عليه - وهو: أن يكون ثابتًا بنفسه عند متابعة المشي عليه بدون مشقة، سواء كان ثابتًا بشيء كنعل أو لا، فلا يُمسح على خف يسقط عند المشي أو الذي يحتاج إلى شدّ من حين إلى آخر؛ للمصلحة؛ حيث إن الذي لا يثبت بنفسه يشق المشي عليه، ويسهل خلعه وهذا لا تدعو الحاجة إلى لبسه، فلا تتعلق به رخصة، وهذا هو المقصد من هذا الشرط، تنبيه: الأشياء التي يُمسح عليها: ستة، سيأتي بيانها فيما يلي من المسائل:

стр. 146

فيه عرفًا، قال الإمام أحمد: "ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن رسول الله ﷺ " (١٦) (وجورب صفيق) وهو: ما يُلبس في الرِّجل على هيئة الخف من غير الجلد؛ لأنه ﷺ "مسح على الجوربين والنعلين" رواه أحمد وغيره، وصححه الترمذي (١٧) (ونحوهما) أي: نحو الخف والجورب كالجرموق، ويسمى "الموق"، (١٦) مسألة: في الأول - مما يُمسح عليه - وهو: الخف، وهو: كل ما يستر الرِّجل إلى ما فوق الكعبين من جلد - وهو الأغلب - أو خشب أو حديد أو زجاج أو نحو ذلك مما توفرت شروط أربعة - كما سبق في مسائل (٨، ١٠، ١١، و ١٥) -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح على خف مصنوع من جلد، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز المسح على خف من جلد، فكذلك يُمسح على ما يُصنع من غيره، والجامع: مشقة النزع عند كل وضوء في الجميع، فإن قلتَ: لِمَ جاز المسح على ما صُنع من جلد، وما صنع من غيره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس؛ لأن بعض البلاد قد لا يصلح فيها الخف المصنوع من جلد، وبعض العباد قد لا يستطيع الحصول عليه. (١٧) مسألة: في الثاني - مما يُمسح عليه - وهو: الجورب، وهو: كل ما يستر الرِّجل إلى ما فوق الكعبين على صفة الخف من غير جلد كالصوف ونحوه - ويُسمى عندنا بـ "الشراب" - فهذا يُمسح عليه بشرط: كونه صفيقًا لاصقًا ببشرة الرِّجل؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح على الجوربين، والنعلين الملبوسين على الجوربين، الثانية: القياس؛ بيانه: كما يُمسح على الخف، فكذلك يُمسح على الجورب والجامع: مشقة النزع في كل، وهذا هو المقصد الشرعي، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة قد مسحوا على الجورب كعلي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط كونه صفيقًا مع أن هذا بمعنى اشتراط "ثبوته بنفسه"؟ السابق ذكره في مسألة (١٥)؟ قلتُ: إنه كرَّر =

стр. 147

وهو: خف قصير، فيصح المسح عليه؛ "لفعله ﷺ " رواه أحمد وغيره (١٨) (و) يصح المسح أيضًا (على عمامة) مباحة (لرجل) لا لامرأة؛ لأنه ﷺ "مسح على الخفين والعمامة" قال الترمذي: "حسن صحيح" هذا إذا كانت (محنَّكة) وهي: التي يدار منها تحت الحنك كَوْر - بفتح الكاف - فأكثر (أو ذات ذُؤابة) - بضم المعجمة وبعدها همزة مفتوحة - وهي: طرف العمامة المرخى، فلا يصح المسح على العمامة الصَّمَّاء، ويُشترط أيضًا: أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس فيُعفى عنه؛ لمشقة التحرُّز منه، بخلاف الخف، ويستحب مسحه معها (١٩) ذكر ذلك للتأكيد؛ والاهتمام به؛ لأن الغالب في الجورب: الخفة وعدم ثبوته بنفسه وظهور الرِّجل أثناء المشي فيه. (١٨) مسألة: في الثالث - مما يُمسح عليه - وهو: الجرموق، أو الموق، وهو: شيء يُشبه الخف ولكنه أوسع منه، يُلبس عادة فوق الخف - كما في "اللسان" (١٠/ ٣٥٠) -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح عليه - كما رواه ابن عمر - الثانية: القياس، بيانه: كما يُمسح على الخف فكذلك يُمسح على الجرموق والجامع: مشقة النزع في كل وهذا هو المقصد منه. (١٩) مسألة: في الرابع - مما يُمسح عليه - وهو: العمامة التي على رأس الرجل، فهذه يُمسح عليها بشرطين: أولهما: أن تكون محنَّكة - وهي التي يُدار منها شيء تحت الحنك والذقن - أو أن تكون ذات ذؤابة - وهي وجود طرف مُرْخَى منها في الخلف - فلا يصح - على هذا - المسح على عمامة خلت من أحد هذين وهي العمامة الصماء، ثانيهما: أن تكون هذه العمامة ساترة لجميع الرأس الذي جرت العادة بمسحه، أما ما جرت العادة بكشفه عند العرب كالأذنين، وجوانب الرأس، أو مقدمه: فلا يُشترط ستره بالعمامة، لكن، =

стр. 148

(و) على (خُمُر نساء مُدارة تحت حلوقهن)؛ لمشقة نزعها كالعمامة (٢٠)، بخلاف يستحب أن يمسح هذا المكشوف مع مسحه للعمامة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح على عمامته وناصيته، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعمر وأنس قد مسحوا على العمامة، الثالثة: القياس، بيانه: كما يجوز المسح على الخف فكذلك يجوز المسح على العمامة بالشرطين السابقين، والجامع: مشقة النزع في كل، وهذا هو المقصد من ذلك، فإن قلتَ: لِمَ خصص المسح على العمامة للرجل فقط؟ قلتُ: لتحريم لبس العمامة على المرأة؛ لأن في ذلك تشبُّه بالرجال فيدخل في عموم قوله ﷺ : "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" واللعن: عقاب، والعقاب لا يكون إلا على فعل محرم، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط في المسح عليها هذا الشرطان؟ قلتُ: لأنهما إذا توفرا فيها: أشبهت الخف في مشقة النزع، فتعلقت بها رخصة المسح، فإن قلتَ: لِمَ عُفي عن كشف الأذنين ومقدم الرأس وجوانبه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تغطية ذلك يشق ويصعب التحرر منه، نظرًا لكثرة العمل وتعرض ذلك للهواء، فدفعًا لذلك عُفي عن كشفه؛ بخلاف الخف فلا يعفى عن كشف شيء من الرِّجل؛ لعدم صعوبة ستره، فإن قلتَ: لِمَ استُحب مسح ما ظهر مع العمامة؟ قلتُ: للاحتياط للدِّين، ولإزالة ما علق عليه من غبار. (٢٠) مسألة: في الخامس - مما يُمسح عليه - وهو: خمار المرأة، وهو: ما تغطي به المرأة رأسها وتستره به - كما في "المصباح" (١٨١) - فهذا يمسح عليه بشرط: أن يكون قد أُدير على حلقها؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما جاز المسح على الخف والعمامة المحنكة، فكذلك يجوز المسح على الخمار المدارة على حلق المرأة، والجامع: مشقة النزع في كل، وهذا هو المقصد من مشروعية ذلك، =

стр. 149

وقاية الرأس (٢١)، وإنما يمسح جميع ما تقدم (في حدث أصغر) لا في حدث أكبر، بل يُغسل ما تحتها (٢٢) (و) يمسح على (جبيرة) مشدودة على كسر أو جرح الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أمَّ سلمة قد مسحت على خمارها، تنبيه: كثير من العلماء قد خالف في المسح على العمامة والخمار، وسبب الخلاف هنا: "الاختلاف في صحة الأحاديث المثبتة للمسح على العمامة والخمار" فعندنا: صحيحة، وعندهم: لم تصح، وكذا: "وجود مشقة النزع كما وُجدت في الخف" فعندنا: موجودة، وعندهم: لا. (٢١) مسألة: لا يُمسح على كل شيء جُعل وقاية للرأس من حر أو برد كالطاقية، أو الغترة أو الشماغ أو نحو ذلك - مما لم نذكره فيما سبق -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مشقة النزع لهذه الأشياء - كالطاقية وغيرها -: عدم جواز المسح عليها. [فرع]: يُشترط للمسح على الجورب، والجرموق، والعمامة، والخمار التوقيت بمدة، وهو: يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛ للقياس، بيانه: كما أن هذا التوقيت يُشترط للمسح على الخف - كما سبق في مسألة (٦) - فكذلك يُشترط هذا في المسح على الجورب، والجرموق، والعمامة والخمار، والجامع: دفع الضرر عن الماسح؛ حيث إن عدم المسح قد يضر بكثير من الناس لمشقة النزع، والمسح بدون توقيت قد يضر بالمفروض غسله - وهو ما تحت الملبوس - لكن اختلفت مدة المسافر عن مدة المقيم؛ نظرًا لاختلاف المشقة، وهذا هو المقصد من هذا الشرط، وقد سبق ذلك في مسألة (٦). (٢٢) مسألة: المسح على خف وجورب وجرموق، وعمامة، وخمارٍ يجوز في الوضوء عن حَدَث أصغر كبول وغائط وريح، ولا يجوز المسح عليها في الاغتسال عن حَدَث أكبر: كجنابة وحيض ونفاس؛ للسنة القولية؛ حيث قال صفوان: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة =

стр. 150

ونحوهما (لم تتجاوز قدر الحاجة) وهو: موضع الجرح والكسر وما قرب منه، بحيث يحتاج إليه في شدِّها، فإن تعدَّى شدُّها محل الحاجة: نزعها، فإن خشي تلفًا أو ضررًا: تيمم لزائد (٢٣) ودواء على البدن تضرر بقلعه كجبيرة في المسح أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" حيث دل هذا على نفي النزع للخف إذا أراد الشخص أن يتوضأ من حَدَث أصغر، بل يمسح عليه - إذا كان في المدة -، ودل على إثبات النزع ووجوبه إذا أراد الشخص أن يغتسل من حَدَث أكبر كجنابة فيغسل ما تحتها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، والاغتسال من الحيض والنفاس مثل الجنابة؛ لعدم الفارق، ونزع الجورب والجرموق والعمامة والخمار كنزع الخف عند الاغتسال؛ لعدم الفارق والإقامة كالسفر في النزع وعدمه لحدث أكبر أو أصغر، لعدم الفارق، فيكون ما سبق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ لا يُنزع في الحدث الأصغر، بخلاف الحدث الأكبر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحدث الأصغر يتكرر كثيرًا في اليوم والليلة، فلو خلع لكل وضوء: للحق الناس ضيق ومشقة فدفعاً لذلك: شرع عدم النزع، بخلاف الحدث الأكبر فإنه قليل الوقوع خاصة في الأسفار فلا يشق النزع. (٢٣) مسألة: في السادس والأخير - مما يُمسح عليه - وهو: الجبيرة - وهي: العيدان أو الخرق أو القطن التي توضع على الكسر أو الجرح؛ ليلتئم، - فهذه يُمسح عليها بشرط: أن يكون الجبر على محل الجرح أو الكسر، بحيث لا يتجاوزه ولا يتعدَّاه، فإن احتاج إلى تجاوزه فإنه يفعل ذلك بقدر الحاجة ويمسح على الجميع، فإن زاد على ذلك وعلم هذا بعد أن فرغ من الجبر: فإنه يجب عليه نزع الزائد إن لم يخف ضررًا، فإن خافه فإنه يتركه ويتيمَّم له؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ - في صاحب الشجُّة -: "إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جُرحه خِرقة ثم يمسح عليها" وهذا في الحدث الأكبر والأصغر مثله، الثانية: المصلحة؛ حيث إن نزع العيدان التي على الكسر أو الجرح عند كل =

стр. 151

عليه (٢٤) (ولو في) حدثٍ (أكبر)؛ لحديث صاحب الشُّجة: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعضُد أو يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها، ويغسل سائر جسده" رواه أبو داود (٢٥) والمسح عليها عزيمة (٢٦) (إلى حلِّها) أي: يمسح على الجبيرة إلى حلِّها، أو وضوء وغسل ما تحتها فيه مشقة عظيمة، بل قد يؤدي إلى الهلاك، وهو أشق بكثير من نزع الخف ونحوه، فدفعًا لذلك جاز المسح عليها، فإن قلتَ: لِمَ يتيمم؟ قلتُ: احتياطًا للبقعة التي لم تغسل. (٢٤) مسألة: إذا كان في بدن الشخص شيء كدُمَّل، أو شقٍّ أو نحوه وخشي إن مسَّه الماء يتضرر بتأخر الشفاء أو بألم أو نحو ذلك: فإنه لا يغسله بالماء، بل يمسح عليه، ويغسل باقي البدن، ويتيمم؛ للقياس، بيانه: كما أنه يمسح على الجبيرة فكذلك هنا، والجامع: دفع الضرر من الغسل في كل، وهو المقصد من هذا الحكم. (٢٥) مسألة: يُمسح على الجبيرة عند كل وضوء وكل غُسل؛ للسنة القولية؛ حيث إن صاحب الشجة الذي أصابته جنابة في سفر، سأل أصحابه، فقالوا: لا نجد لك رخصة في التيمم مع وجود الماء فاغتسل، فمات، فلما علم النبي ﷺ بذلك، قال: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ثم يغسل سائر جسده" حيث دل منطوقه على جواز المسح على الجبيرة في الحدث الأكبر، ودل مفهوم الموافقة الأولى على جواز المسح على الجبيرة في الحدث الأصغر، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مفسدة وصول الماء إلى الجرح فيهلك كما هلك صاحب الشجة. (٢٦) مسألة: المسح على الجبيرة رخصة واجبة لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن أكل الميتة للمضطر رخصة واجبة؛ فكذلك المسح على الجبيرة مثله، والجامع: دفع الضرر الغالب على الظن في كل، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من =

стр. 152

برء ما تحتها وليس مؤقتًا كالمسح على الخفين ونحوهما؛ لأن مسحها للضرورة فيتقدَّر بقدرها (٢٧) (إذا لبس ذلك) أي: ما تقدم من الخفين ونحوهما، والعمامة، والخمار، والجبيرة (بعد كمال الطهارة) بالماء ولو مسح فيها على حائل، أو تيمم لجرح، فلو غسل رِجْلًا ثم أدخلها الخف: خلع ثم لبس بعد غسل الأخرى، ولو نوي جُنب رفع حدثه، وغسل رجليه، وأدخلهما الخف، ثم تمم طهارته، أو مسح كون المسح على الجبيرة حكم ثابت على خلاف الدليل؛ لعذر: أن يكون رخصة؛ لأن هذا هو حدُّ الرخصة، فإن قلتَ: كيف يكون رخصة مع أنه واجب؟ قلتُ: لأن حقيقة الرخصة قد وجدت في المسح على الجبيرة، والوجوب قدر زائد على الإباحة، ولا يدخل في مسمَّى الرخصة، ولكنه شيء يجوز أن يجامع الحل - كما قال ذلك ابن السبكي في "الأشباه والنظائر" (٦٥٠) - وقد بينته في كتابي: "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس" فإن قلتَ: إن المسح على الجبيرة عزيمة وهو قول المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الوجوب يجتمع مع الرخصة أو لا؟ " فعندنا: يجتمع، وعندهم: لا. (٢٧) مسألة: لا وقت محدد للمسح على الجبيرة، بل يمسح عليها من وقت وضعها إلى أن يبرأ الكسر أو الجرح وإزالة تلك العيدان سواء طال الوقت، أو قصر؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للمضطر الأكل من الميتة ويستمر في ذلك حتى يجد الأكل المعتاد بدون تحديد مدة فكذلك الماسح على الجبيرة يمسح حتى يبرأ جرحه، والجامع: أن كلًا منهما رخصة واجبة ثبتت ضرورة، والضرورة تقدَّر بقدرها سواء طال الزمن أو قصر، وهذا هو المقصود من عدم تحديد وقت للمسح عليها، بخلاف المسح على غيرها من خف وغيره حيث شرع لدفع مشقة النزع فقط.

стр. 153

رأسه ثم لبس العمامة ثم غسل رجليه، أو تيمم ولبس الخف أو غيره: لم يمسح (٢٨) (٢٨) مسألة: يُشترط في المسح على الأشياء الخمسة - وهي: الخف، والجورب، والجرموق، والعمامة، والخمار -: أن تكون ملبوسة على طهارة كاملة: بأن يتوضأ أو يغتسل بالماء وضوءًا أو غسلًا كاملًا، فإذا فرغ: يلبس هذه الأشياء، فإذا أحدث بعد ذلك وأراد الوضوء يمسح، وبناء على ذلك: لو غسل رجلًا ثم أدخلها الخف، ثم غسل الرِّجل الأخرى فأدخلها الخف الآخر، أو أنه على جنابة، وأراد بالغُسل رفع الحدث الأكبر والأصغر، فبدأ برجليه فغسلهما وأدخلهما الخفين، ثم تمم طهارته بغسل سائر جسده، أو أنه لما غسل وجهه ويديه ومسح رأسه لبس العمامة، أو لبست المرأة الخمار، ثم غسلا رجليهما، أو أنه تيمم؛ لعدم وجود الماء، ثم لبس خفيه، ثم صلى، ثم وجد الماء: فإنه في هذه الحالات وغيرها مما شابهها لا يجوز له المسح إذا أحدث وتوضأ، بل لابد من خلع ما لبسه وغسل ما تحته؛ حيث إنه لبس الخف أو غيره في هذه الحالات قبل كمال الطهارة، أو لبس في حال عدم القدرة على الماء - في التيمم - فقدر بعد ذلك عليه؛ فيلزم عدم صحة المسح؛ لتخلُّف شرط المسح؛ للسنة القولية؛ حيث قال المغيرة: كنت مع النبي ﷺ ، فلما فرغ من مسح رأسه أهويتُ لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فيلزم من هذا اللفظ: أنه أدخلهما في حال كون الرِّجلين طاهرتين معًا بالماء، وإدخال الخف في الرِّجل الأولى بعد غسلها وقبل غسل الأخرى، أو لبس العمامة قبل الرِّجلين: لا يُطلق عليه أنه لبس بعد كمال الطهارة، وغير الخف من الممسوحات كالخف في ذلك؛ لعدم الفارق، ومن تيمم ثم لبس، ثم وجد الماء بطل لبسه؛ لبطلان تيممه فلا يطلق عليه أنه لبس على طهارة، وهذا كله من باب "مفهوم الموافقة".

стр. 154

ولو جبيرة، فإن خاف نزعها تيمَّم (٢٩)، ويمسح مَنْ به سلسُ بول أو نحوه إذا لبس بعد الطهارة؛ لأنها كاملة في حقِّه، فإن زال عذره: لزمه الخلع واستئناف الطهارة كالمتيمم يجد الماء (٣٠) (وإن مسح في سفر ثم أقام): أتمَّ مسحُ مقيم إن بقي منه شيء، (٢٩) مسألة: يجوز المسح على الجبيرة ولو لُبست بدون طهارة وبدون تيمم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في حديث صاحب الشجة -: "ويمسح عليها" وهذا مطلق؛ حيث لم يُبين أنه على طهارة أو لا، ولم يوجد مقيِّدٌ له، فيعمل به على إطلاقه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تأخير الجبر إلى أن يتطهر صاحب الكسر أو الجرح يؤدي إلى الإضرار به، فدفعًا لذلك: شرع عدم اشتراط الطهارة هنا، فإن قلتَ: تُشترط الطهارة في المسح على الجبيرة؛ فإن خاف نزعها: تيمم عنها - كما ذكر المصنف هنا -؛ للقياس، بيانه: كما تُشترط الطهارة في المسح على الخف وغيره من الممسوحات فكذلك تشترط في الجبيرة والجامع: أن كلًا منها حائل دون غسل البشرة، قلتُ: نعم إن الأصل أن هذا يُشترط في الكل، ولكن الجبيرة خُصِّصت بمخصِّصين هما: السنة القولية، والمصلحة كما سبق ذكرهما، ثم إن قياسكم فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الكسر أو الجرح يأتي فجأة، وإذا أصابه الماء يتضرر هذا الكسر أو الجرح - كما يقوله الأطباء - بخلاف الخف وغيره من الممسوحات فلا يكون فيه ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض مطلق السنة مع القياس" فعندنا: يُعمل بالمطلق ولا يقوى القياس على تقييده، وعندهم: القياس قد قيد مطلق السنة. (٣٠) مسألة: إذا أصيب الإنسان بنجاسة مستمر خروجها كمن به سلس بول، أو قروح سيَّالة، أو دوام ريح، أو امرأة تُستحاض: فإنه إذا تطهر طهارة كاملة، ولبس خفًا أو غيره من الممسوحات: يمسح عليها عند الوضوء، أما إذا زال عذره وشُفي: فلا يمسح ولو كان في مدة المسح، للقياس، بيانه: كما أن =

стр. 155

وإلا خلع (أو عكس) أي: مسح مقيمًا ثم سافر: لم يزد على مسح مقيم؛ تغليبًا لجانب الحضر (أو شكَّ في ابتدائه) أي: ابتداء المسح هل كان حضرًا أو سفرًا؟ (فمسح مقيم) أي: فيمسح تتمة يوم وليلة فقط؛ لأنه المتيقن (٣١) (وإن أحدث) في المتيمم، لفقد الماء يلبس الخف ويمسح عليه مدة المسح - السابقة الذكر - فإذا وجد الماء: بطل التيمم، ولا يمسح بعد ذلك ولو كان في مدة المسح فكذلك صاحب هذا العذر - وهو من به سلس بول مثلًا - يمسح المدة المحددة، فإذا زال عذره وشُفي: لا يمسح ولو كان في مدة المسح، والجامع: أن كلًا منهما لبس هذه الأشياء على طهارة كاملة في حقه، فصح المسح، فلما زال عذر كل واحد منهما: بطلت طهارتهما، فلا يمسح، وعليه نزع ما لبسه وغسل ما تحته. (٣١) مسألة: يمسح الشخص مسح مقيم - وهو يوم وليلة فقط في أربع حالات هي: الحالة الأولى: إذا كان موصوفًا بالإقامة بالحضر وهذا واضح، الحالة الثانية: إذا لبس مسافر خفه على طهارة، ثم أحدث، وقبل وصوله إلى بلده توضأ ومسح عليه، ثم وصل إليه: فإنه يُتم مسح مقيم - إن بقي من المدة وهي "يوم وليلة" - شيء، وإن لم يبق: خلع وغسل رجليه، الحالة الثالثة: إذا لبس مقيم خفه، ثم أحدث وتوضأ ثم مسح عليه، وصلى، ثم سافر: فإنه يتم مسح مقيم، الحالة الرابعة: إذا شك في ابتداء المسح: فلا يدري هل ابتدأ بالمسح على الخفين في حالة إقامته، أو في حال سفره؟: فإنه يتم مسح مقيم؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل غسل القدمين، فإذا اشترك زمنان: زمن إقامة وزمن سفر في مسح: فإنا نقدم أقل المدة التي تُسرعُ بالعمل بالأصل - وهو: غسل القدمين -؛ تغليبًا لجانب الحظر على جانب الإباحة، فإن قلتَ: لِمَ يمسح مسح مقيم؟ قلتُ: للاحتياط في الدِّين، والأخذ باليقين، والابتعاد عما فيه شك واحتمال، فإن قلتَ: إنه في الحالة الثالثة يمسح مسح مسافر، وهو قول أكثر =

стр. 156

الحضر (ثم سافر قبل مسحه: فمسح مسافر)؛ لأنه ابتدأ المسح مسافرًا (٣٢) (ولا يمسح قلانس): جمع قلنسوة، وهي المبطَّنات كدنيَّات القضاة، والنَّوميِّات، قال في "مجمع البحرين": "على هيئة ما تتخذه الصوفية الآن" (و) لا يمسح (لفافة) وهي: الخرقة تشدُّ على الرِّجل تحتها نعل أو لا، ولو مع مشقة؛ لعدم ثبوتها بنفسها (ولا) يمسح (ما يسقط من القدم أو) خفًا (يُرى منه بعضه) أي: بعض القدم، أو شيء من الحنفية ورواية عن أحمد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن" فإذا مسح ثم سافر: فإنه يصدق عليه وصف السفر، فتكون عليه أحكام المسافر، قلتُ: إن هذا يحتمل أن المراد بالنص: المسافر الذي يسافر قبل مسحه الخف، ويحتمل غير ذلك، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، والاستصحاب المذكور أحوط للدِّين فيُعمل به فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المراد بالمسافر الوارد في نص الحديث". (٣٢) مسألة: يمسح الشخص مسح مسافر - ثلاثة أيام بلياليها - في حالتين: الحالة الأولى: إذا لبس خفه وهو مسافر وانتهت مدته وهو موصوف بالسفر وهذا واضح، الحالة الثانية: إذا لبس خفه وهو مُقيم، ثم أحدث، ثم سافر قبل أن يتوضأ وقبل المسح: فإنه يتم مسح مسافر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن"، وهذا ابتدأ المسح الفعلي في حال السفر، فيكون موصوفًا بالسفر، فيلزم أن يكون له ما للمسافر من الرخص، ومنها المسح، فإن قلتَ: لم يمسح مسح مسافر أنه لبس وهو مقيم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة؛ حيث عومل معاملة من لبس في حال السفر، تنبيه: كل ما قيل في الخف فيما سبق من المسائل يقال في الجورب، والجرموق، والعمامة، والخمار، ولا فرق.

стр. 157

محل الفرض؛ لأن ما ظهر: فرضه الغَسْل، ولا يُجامع المسح (٣٣) (فإن لبس خفًا على خف قبل الحَدَث) ولو مع خرق أحد الخفين: فالحكم للـ) خف الـ (فوقاني)؛ (٣٣) مسألة: الأشياء التي لا يجوز المسح عليها هي: أولًا: القلنسوة، وهي التي تسمى بالعمامة الصماء، وهي قريبة من "الطاقية" عندنا، وهي التي توضع على الرأس، يلبسها من يتولى القضاء، وهي حمراء اللون كثيرًا، وبعضهم يلبسها عند النوم لذلك تسمى بالنوميات، ثانيًا: اللُّفافة، وهي: أن يلف الإنسان على رجله خرقة ويشدُّها عليها: سواء كان تحت هذه اللفافة نعل أو لا، ثالثًا: الخف الذي يسقط من القدم عند المشي عليه، رابعًا: الخف الذي يُرى منه بعض القدم، وهو: الخف المخروق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط التحنيك للعمامة، أو كونها ذات ذؤابة - كما سبق في مسألة (١٩) -: عدم جواز المسح على القلنسوة، ويلزم من اشتراط كون الخف يثبت بنفسه - كما سبق في مسألة (١٥): عدم جواز المسح على اللفافة، وعلى الخف غير الثابت، ويلزم من اشتراط كون الخف ساترًا للمحل المفروض غسله - كما سبق في مسألة (١١) -: عدم جواز المسح على خف يُرى منه بعض القدم، أو مخروق، وقد سبق بيانه في مسألة (١٣) - أيضًا -، فإن قلتَ: اللفافة يجوز المسح عليها، وهو قول بعض العلماء كابن تيمية وتبعه ابن عثيمين، للقياس، بيانه: كما يجوز المسح على الخف فكذلك يجوز المسح على اللفافة، والجامع: مشقة النزع في كل، بل إن نزع اللفافة أشق من نزع الخف، فيكون قياسًا أولى، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن اللفافة لا ضابط لها: فقد يتساهل بعضهم فيها ويضع خرقة بالية على القدم، وقد يتشدد فيها بعض الناس، بخلاف الخف: فإن له ضابط معروف بأوصاف معتادة عند كل الناس، ومع هذا الفارق: فلا قياس. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في اللفافة هل تشبه الخف في الثبوت؟ " فعندنا: لا تشبهها، وعندهم: نعم.

стр. 158

لأنه ساتر، فأشبه المنفرد، وكذا: لو لبسه على لفافة، (٣٤) وإن كانا مخرَّقين: لم يجز المسح ولو سترا، (٣٥) وإن أدخل يده من تحت الفوقاني ومسح الذي تحته: جاز، (٣٦) وإن أحدث، ثم لبس الفوقاني قبل مسح التحتاني أو بعده: لم يمسح الفوقاني، بل (٣٤) مسألة: إذا تطهر، ثم لبس خفًا، ثم لبس عليه خفًا آخر، أو تطهر ثم لبس لفافة، ثم لبس عليها خفًا وهذا قبل الحدث، ثم أحدث وأراد الوضوء: فإنه يمسح على الخف الفوقاني في الصورتين؛ للقياس، بيانه: كما جاز المسح على الخف المنفرد، فكذلك يجوز المسح على الخف الملبوس على خف آخر، أو على لفافة، والجامع: ثبوته بنفسه، وستر المحل، مشقة النزع، وهذا هو المقصد منه. (٣٥) مسألة: إذا تطهر، ثم لبس خفًا مخروقًا، ثم لبس عليه خفًا آخر مخروقًا أيضًا قبل أن يُحدث، ثم أحدث وأراد الوضوء: فلا يجوز المسح على الفوقاني ولا التحتاني: سواء سترا المحل المفروض غسله أو لا؛ للقياس، بيانه: كما لا يجوز المسح على الخف المخروق المنفرد - كما سبق في مسألة (١٣) - فكذلك لا يجوز المسح على خف مخروق ملبوس على خف مخروق آخر، والجامع: عدم صلاحية الخف للمسح عليه في كل؛ نظرًا لخرقه، فإن قلتَ: لِمَ لا يجوز المسح هنا؟ قلتُ: لاحتمال وصول بعض الماء إلى القدم؛ نظرًا لاحتمال تطابق الخرقين فيكون - بذلك - جامعًا بين المسح والغسل، وهذا لا يجوز، وقد يؤدي إلى الإضرار بالقدم والخف. (٣٦) مسألة: إذا لبس خفًا على خف بعد كمال الطهارة، فلما أحدث وأراد الوضوء: لم يمسح على الفوقاني، بل أدخل يده فمسح على التحتاني: فإن هذا يجوز؛ للتلازم؛ حيث إن كل واحد منهما يصح المسح عليه فيلزم منه: صحة المسح على التحتاني فقط.

стр. 159

ما تحته (٣٧) ولو نزع الفوقاني بعد مسحه: لزم نزع ما تحته (٣٨) (ويمسح) وجوبًا (أكثر العمامة) ويختصُّ ذلك بدوائرها (و) يمسح أكثر (ظاهر قدم الخف) والجرموق، والجورب، (٣٩) وسُنَّ أن يمسح بأصابع يده (من أصابعه) أي: أصابع (٣٧) مسألة: إذا تطهر ثم لبس خفًا، ثم أحدث، ثم لبس خفًا آخر فوق الأول قبل أن يمسح على التحتاني في تطهر، أو أنه تطهر ثم لبس خفًا، ثم أحدث، ثم أراد الوضوء فمسح عليه، ثم صلى، ثم لبس خفًا آخر فوقه، ثم أحدث وأراد الوضوء: فإنه لا يجوز المسح على الفوقاني في الحالتين بل يخلعه ويمسح على التحتاني؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لبسه للفوقاني على غير طهارة: عدم صحة المسح عليه؛ لفقدانه شرط المسح وهو أن يلبس على طهارة كما سبق في مسألة (٢٨). (٣٨) مسألة: إذا تطهر، ثم لبس خفًا، ثم لبس خفًا آخر فوقه، ثم أحدث، وأراد الوضوء فمسح على الفوقاني، ثم صلى، ثم بعد ذلك نزع الفوقاني: فلا يجوز المسح على التحتاني إذا أراد الوضوء، بل ينزعه، ويغسل القدم؛ للتلازم؛ حيث إنه قد ابتدأ بمسح الفوقاني، ثم أزاله بنزعه فيلزم منه: عدم جواز المسح على التحتاني؛ لكون محل المسح الأول قد زال، فلا يُكمَّل بالثاني؛ لئلا يقع تلفيق: يمسح على هذا مرة ويمسح على هذا مرة، وهذا هو المقصد منه. (٣٩) مسألة: يجب أن يمسح الرَّجل أكثر العمامة خاصة دوائرها وأكوارها، وتمسح المرأة أكثر خمارها، ويجب عليهما: أن يمسحان أكثر ظاهر الخف والجورب والجرموق؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال المغيرة: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهر خفيه" فيلزم من ذلك: أنه مسح أكثر ما ظهر من الخف، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يجب مسح أكثر ما ظهر من الخف فكذلك يُمسح أكثر العمامة والخمار والجورب والجرموق، والجامع: أن كلًا منها ممسوح قد غطى به شيئًا مغسولًا فأجزأ مسح أكثر ظاهره؛ تيسيرًا وتسهيلًا على الناس، وهذا هو المقصد منه.

стр. 160

رجليه (إلى ساقه): يمسح رجله اليُمنى بيده اليُمنى، ورجله اليُسرى بيده اليُسرى، ويُفرِّج أصابعه إذا مسح، وكيف مسح: أجزأ، (٤٠) ويكره غسله، وتكرار مسحه (٤١) (دون أسفله) أي: أسفل الخف (وعَقِبهِ) فلا يُسنُّ مسحهما، ولا يجزيء لو اقتصر عليه (٤٢) (و) يمسح وجوبًا (على جميع الجبيرة)؛ لما تقدم من حديث (٤٠) مسألة: طريقة المسح على الخف ونحوه المستحب: أن يُبلل ثلاثة من أصابع يده اليُمنى ويُلصقها بظاهر الخف الذي على الرِّجل اليمنى بادئًا مما يُحاذي أصابع هذه الرِّجل ومنتهيًا بأول ساقها، مُفرِّقًا تلك الأصابع، ويفعل بيده اليُسرى ويمسح بها الخف الذي على الرِّجل اليُسرى مثل ما سبق، وأي شيء يُسمَّى مسحًا: يجزيء - ولو لم يفعل ما سبق -؛ للسنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: "أنه ﷺ قد مسح ظاهر خفيه بيده" - كما قال المغيرة - ويلزم من لفظ "يده": أنه مسح بأصابعه؛ لأنها هي آلة المسح، ويلزم من كون أقل الجمع ثلاثة - كما قلتُ في كتابي: أقل الجمع عند الأصوليين -: أنه يكفي المسح بثلاثة أصابع، وهذا مطلق؛ حيث لم تتبيَّن الطريقة التي مسح بها ﷺ فيلزم من ذلك: إجزاء كل طريقة في المسح، ثانيهما: "أنه ﷺ يعجبه التيامن في شأنه كله" - كما قالت عائشة -، وهذا يشمل ما نحن فيه، فيُستحب التيامن هنا. (٤١) مسألة: يُكره أن يغسل ما عليه من خف ونحوه، ويُكره أن يُكرِّر مسحه عدة مرات، للمصلحة؛ حيث إن ذلك سيؤدي إلى وصول الماء إلى الرِّجل أو الرأس، وإلى تضرُّر الخف ونحوه من الممسوحات من كثرة الماء، فدفعًا لذلك: حكم بالكراهية هنا، وهو يُعتبر من إضاعة المال المنهي عنه. (٤٢) مسألة: إذا مسح على أسفل الخف ونحوه - وهو ما يطأ به الأرض - أو مسح على عقبه - وهو: مؤخر العرقوب مع ظاهر الخف: فلا بأس بذلك، لكن المستحب الاقتصار على ظاهر الخف، ولو اقتصر على مسح أسفل الخف =

стр. 161

صاحب الشجة (٤٣) (ومتى ظهر بعض محل الفرض) ممن مسح (بعد الحدث) بخرق أو عقبه دون ظاهره: فلا يُجزيء هذا المسح ولا يصح؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال المغيرة: "رأيتُ النبي ﷺ يمسح ظاهر الخفين" حيث دل مفهوم الصفة على عدم جواز المسح على أسفلهما وعقبهما فقط، لكن إن مسحهما مع ظاهر الخف: أجزأ ولكنه خلاف السنة، فإن قلتَ: لِمَ لا يُستحب مسح أسفل الخف مع ظاهره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يحتمل أن يكون في أسفله بعض النجاسات؛ فإذا مسحه: تنجست يده، فدفعًا لذلك شرع عدم الاستحباب، فإن قلتَ: يُستحب مسح أسفل الخف مع ظاهره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قال المغيرة "فمسح رسول الله ﷺ على أعلى الخف وأسفله"، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر "قد مسح على أسفل الخف وأعلاه" قلتُ: أما خبر المغيرة: فهو ضعيف، ضعفه أبو زرعة وأحمد، وأما فعل الصحابي: ابن عمر: فهو اجتهاد منه، ولا يحتج به؛ لأنه معارض للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مسح على ظاهر الخف فقط، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض السنتين الفعليتين" فعندنا: تقدم الأولى لقوتها، وضعف الأخرى، وعندهم: يُعمل بهما معًا؛ لأن الثانية أتت بزيادة من ثقة فتقبل، وكذا: "تعارض السنة الفعلية فعل الصحابي" فعندنا: يُعمل بالسنة، وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي؛ لإتيانه بزيادة. (٤٣) مسألة: يجب أن يُمسح على جميع الجبيرة - ظاهرها وأسفلها وجوانبها - بشرط: عدم التضرُّر بذلك، فإن غلب على ظنه الضرر بذلك: فإنه يمسح ما يستطيعه منها، ويتيمم للباقي؛ للسنة القولية، حيثُ قال ﷺ في صاحب الشجة -: "ثم يمسح عليها" حيث يلزم من هذا اللفظ: أن يُعمِّم المسح على جميع أجزاء الجبيرة؛ لأن الضمير في قوله: "عليها" راجع إلى الجبيرة والتقدير: "ثم يمسح على الجبيرة -" و"الجبيرة" مفرد محلى بأل وهذا من صيغ العموم، =

стр. 162

الخف، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف، أو ظهر بعض الرأس وفحش، أو زالت جبيرة: استأنف الطهارة، فإن تطهر ولبس الخف ولم يُحدث: لم تبطل طهارته بخلعه، ولو كان توضأ تجديدًا ومسح (أو تمت مدته) أي: مدة المسح: (استأنف الطهارة) ولو في صلاة؛ لأن المسح أقيم مقام الغسل، فإذا زال، أو انقضت مدته: بطلت الطهارة في الممسوح فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعَّض (٤٤). فيشمل جميع أجزائها، فإن قلتَ: لِمَ يُمسح عليها جميعًا، بخلاف الخف فيمسح على ظاهره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا ضرر في المسح عليها جميعًا؛ لعدم دخول الماء تحتها وعدم نجاستها، وعدم المشقة، أما الخف فتوجد مشقة في مسحه كله ويوجد احتمال نجاسة في أسفله، فاختلفا، ونظرًا لذلك اختلف الحكم، فإن قلتَ: لِمَ سقط تعميم مسح الجبيرة عند وجود الضرر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. (٤٤) مسألة: يُبطل المسح على ما سبق ويُبطل الطهارة أمران: أولهما: تمام مدة المسح، أي: إذا تطهر ثم لبس الخف، ثم تمت مدة المسح للمقيم أو المسافر أو خلع بعد الحدث وقبل انتهاء المدة، فإن الطهارة تبطل وإن كان قد توضأ ومسح، وعليه أن يقطع صلاته - إن كان في صلاة - ويُعيد الطهارة مع غسل القدمين بالماء، ثانيهما: ظهور بعض المحل المفروض غسله بعد الحدث، أي: إذا تطهر ثم لبس الخف، ثم أحدث، ثم توضأ ومسح، ثم ظهر من الرِّجل بعض أصابعه: فإن طهارته تبطل، ويجب عليه أن يخلع، ويتوضأ ويغسل رجليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث قال ﷺ : "ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر وللمقيم يوم وليلة" حيث إن مفهوم العدد يدل على بطلان المسح حين انتهاء هذه المدَّة، وهذا يلزم منه بطلان الطهارة في الممسوح، فيرجع الأمر إلى الغسل؛ =

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذ لو لم تبطل الطهارة بانتهاء هذه المدة: لما كانت هناك فائدة في هذا التحديد بهذه المدة؛ ولا تبطل الطهارة في الرِّجلين فقط؛ لكون الطهارة لا تتبعَّض الثانية: القياس: بيانه: كما أنه لو أدخل قدمه في الخف فأحدث قبل استقرار هذه الخف: فإنه لا يجوز المسح عليه، فكذلك إذا ظهر بعض المحل المفروض غسله بعد الحدث لا يجوز المسح على الخف فيه، والجامع: عدم الاستقرار في كل، ومعروف: أن استقرار وثبوت الممسوح عليه شرط للمسح، فإن قلتَ: لِمَ بطلت الطهارة في الأمر الأول؟ قلتُ: نظرًا لسراية الحدث السابق إلى الرِّجلين فلما بطلت الطهارة في عضو: بطلت في سائر الأعضاء؛ لأن الطهارة لا تتبعض، ولاشتراط الموالاة في الوضوء؛ لكون الوضوء عبادة واحدة، فإن قلتَ: لِمَ بطلت الطهارة في الأمر الثاني؟ قلتُ: لأن حكم ما ظهر من الرِّجل: الغسْل، وحكم ما استتر بالخف: المسح، فإذا اجتمع ظهور بعض البشرة، وخفاء بعضها الآخر: غُلِّب حكم الغسل؛ لأنه هو الأصل، ولا يمكن الجمع بين البدل والمبدل، ولحصول مفسدة دخول بعض الماء إلى داخل الخف، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد الأمر الثاني بالمسح بعد الحدث؟ قلتُ: لأنه إذا تطهر، ثم لبس الخف، ثم خلع ذلك قبل الحدث، أو أنه لم يُحدث ولكنه توضأ مسنونًا - كتجديد الوضوء -: فلا تبطل طهارته؛ للاستصحاب، حيث إن الطهارة السابقة باقية على ما هي عليه؛ إذ لم يوجد حَدَث بعدها، فنستصحبها ونعمل بها، فإن قلتَ: إن هذين الأمرين لا يُبطلان الطهارة، وإنما يُبطلان المسح، فيُصلي بذلك حتى يُحدث، =

стр. 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو قول الحسن البصري وسليمان بن حرب، وابن تيمية وابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إن المسلم قد تطهر ومسح قبل الخلع أو انقضاء المدة، أو ظهور بعض محل الفرض، والطهارة لا تبطل إلا بالحَدَث، وهذه الأمور - وهي: تمام مدة المسح، والخلع بعد الحدث وقبل تمام المدة، وظهور بعض المحل المفروض غسله - ليست بأحداث ولا من نواقض الطهارة، فتبقى الطهارة على ما هي عليه، فيُصلي بها حتى يُحدث، قلتُ: إن الاستصحاب غير صحيح؛ لوجود شيء يُغيِّر الحالة؛ حيث إن الحدث السابق على آخر مسح هو: المبطل للطهارة حقيقة: حيث إنه أحدث ثم مسح - لأجل التطهر - وعفى الشارع عن هذا؛ رخصة، نظرًا لمشقة النزع عند كل وضوء في خلال تلك المدة، لكن لما وقع النزع، أو ظهر بعض محل الفرض، أو انتهت المدة: فإن تلك الرخصة لا يُعمل بها؛ نظرًا لزوال العذر الذي وُجدت تلك الرخصة من أجله، فيجب حينئذٍ أن يغسل الرِّجل؛ نظرًا لعودة الحَدَث السابق إليه - كما سبق بيانه -، وهذا مبطل للطهارة في هذا الممسوح، وإذا بطلت الطهارة في عضو واحد: بطلت الطهارة في سائر الأعضاء - كما سبق بيانه - تنبيه: ما قيل في الخف هنا يُقال في غيره من الممسوحات، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل بطلان الطهارة في عضو واحد يُبطل الطهارة في جميع الأعضاء أم لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا و"هل ورد ما يُغيِّر المستصحب أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا. هذه آخر مسائل باب "المسح على الخفين" ويليه باب: "نواقض الوضوء"

стр. 165

باب نواقض الوضوء أي: مفسداته، وهي: ثمانية: أحدها: الخارج من سبيل، وأشار إليه بقوله: (ينقض) الوضوء (ما خرج من سبيل) أي: مخرج بول أو غائط، ولو نادرًا أو طاهرًا كولد بلا دم، أو مقطرًا في إحليله، أو محتشى وابتل، لا الدائم كالسلس والاستحاضة فلا ينقض؛ للضرورة (١) (و) الثاني: (الخارج من بقية البدن) سوى السبيل (إن كان باب نواقض الوضوء وفيه سبع وعشرون مسألة: (١) مسألة: في الأول - من نواقض الوضوء - وهو: الخارج من السبيلين المقدور على منعه: سواء كان عاديًا كالبول، والغائط، والريح، والمني، والوَدي، أو كان نادرًا، كخروج ريح من ذكر رجل، أو قُبُل أنثى، أو الدم، أو الحصى أو الشعر، يخرج من الدبر أو القبل وهو رطب، وسواء كان هذا الخارج نجسًا - كما سبق - أو طاهرًا: كأن تلد المرأة ولدًا دون خروج دم معه، أو يخرج منه دود أو شعر أو حصى ناشف، أو أدخل في إحليله - وهو: مجرى البول من ذكره - دهن ونحوه، ثم أخرجه، أو حشى دُبُره قطنًا وأدخله فيه، ثم أخرجه منه، سواء ابتل أو لا، كل ذلك ينقض الوضوء، أما إن لم يقدر على منع ما يخرج منه كمن به سلس بول، أو خروج ريح مستمر، أو استحاضة: فإن هذا ينقض الوضوء لكن عفي عنه؛ للضرورة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فأوجب الوضوء من خروج الغائط، حيث إن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فلو لم يكن هذا ناقضًا للوضوء: لما أوجب الوضوء منه، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قول صفوان: "أمرنا رسول الله ﷺ : إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، لكن =

стр. 166

بولًا أو غائطًا قليلًا كان أو كثيرًا (أو) كان (كثيرًا نجسا غيرهما) أي: غير البول من غائط أو بول أو نوم" فلو لم تكن هذه الأمور ناقضة للوضوء: لما أوجب الوضوء منها؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب - وقد سبق - ثانيها: قوله ﷺ : "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" فلو لم يكن الريح ينقض الوضوء: لما بطلت الصلاة بسببه، وهو مفهوم غاية، ودل عموم المفهوم هنا على: ما خرج من ذلك معتادًا أو غير معتاد، ثالثها: قوله ﷺ للمستحاضة -: "توضيء لكل صلاة" فلو لم تكن الاستحاضة ناقضة للوضوء لما أوجب الوضوء منه؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، وسلس البول والريح المستمران مثل الاستحاضة؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"؛ الثالثة: قول الصحابي: حيث قال ابن عباس: "المني يوجب الغسل، والمذي والودي ففيهما إسباغ الوضوء"، الرابعة: القياس؛ بيانه: كما أن سائر الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، فكذلك خروج الشيء من السبيلين وإن كان طاهرًا، أو مبتلًا، أو أدخل شيئًا فيهما وأخرجه منهما، والجامع: أن كلًا منها خارج من طريق يغلب على الظن من وجود نجاسة فيه، الخامسة: المصلحة؛ حيث إن من لا يقدر منع ما خرج منه كسلس بول، أو ريح مستمر أو استحاضة لو كُلِّف بإعادة الوضوء والصلاة كلما خرج منه شيء أثناء الصلاة: للحقه حرج ومشقة وضيق فدفعًا لذلك: عُفي عما خرج منه أثناء صلاته، أو بعد تطهره ضرورة من باب "المشقة تجلب التيسير"، وهذه المصلحة مُخصِّصة لعموم الكتاب والسنة السابق ذكرهما، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من نواقض الوضوء؟ قلتُ: لمنافاة ما خرج من السبيلين للطهارة والنظافة؛ حيث إن هذا الخارج تستقذره النفوس السليمة، وما تستقذر تلك النفوس لا يمكن أن يتعبَّد الله وهي حالَّة فيه.

стр. 167

والغائط كقيء ولو بحاله؛ لما روى الترمذي: "أنه ﷺ قاء فتوضأ"، والكثير ما فحش في نفس كل أحد بحسبه، (٢)، وإذا انسدَّ المخرج وانفتح غيره: لم يثبت له أحكام (٢) مسألة: في الثاني - من نواقض الوضوء - وهو: الخارج من بقية البدن - من غير السبيلين، وهذا له حالتان: الحالة الأولى: إن كان هذا الخارج بولًا أو غائطًا: فإنه ينتقض الوضوء سواء كان قليلًا أو كثيرًا، كأن توجد فتحة يخرج منها هذا، الحالة الثانية: إن كان هذا الخارج غير بول وغائط - كالدم، أو القيح، والصديد، أو الدود أو القيء - سواء تغيَّر أو خرج بصفة الطعام الذي أكله -: فإن هذا ينقض الوضوء بشرطين: أولهما: أن يكون كثيرًا - وهو ما فَحُش وعظم في نفس المتوسطين من الناس، دون المتشددين أو المتساهلين -، ثانيهما: أن يكون نجسًا، فلا ينقض البصاق، فإذا اجتمع هذان الشرطان في هذه الحالة: نقض الخارج الوضوء؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال صفوان: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم" حيث بيّن هنا أن الغائط والبول ينقضان الوضوء، ويمسح على الخف عند الوضوء، وهذا عام، فيشمل من خرج بوله وغائطه من مخرجه المعتاد أو من غير المعتاد؛ لأن لفظ "بول وغائط ونوم" نكرة وقعت في سياق نفي، وهي من صيغ العموم؛ لأن تقدير الحديث: " … لا ننزع خفافنا من غائط وبول، بل يُمسح عليها عند نقض الوضوء والتطهر، بخلاف الجنابة فيجب أن ننزعها" الثانية: السنة الفعلية؛ "حيث إنه ﷺ قاء فتوضأ" فعلَّة وضوئه هو: القيء؛ لذكره الحكم وهو مقرون بالفاء بعد ذكر القيء، وهذا مطلق، فلم يبين أن ما قاءه خرج بحاله، أو كان متغيرًا، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، فكذلك الخارج من بقية البدن ينقضه إذا كان على صفته من النجاسة والاستقذار، كالدم والقيء والصديد ونحوها والجامع: أن كلًا منها نجاسة =

стр. 168

المعتاد (٣) (و) الثالث (زوال العقل) أي: تغطيته قال أبو الخطاب وغيره: ولو تلجَّم ولم يخرج منه شيء؛ إلحاقًا بالغالب (إلا يسير نوم من قاعد أو قائم) غير مُحتبٍ، أو متكيء، أو مُستند، وعُلِم من كلامه: أن الجنون، والإغماء، والسكر ينقض كثيرها تستقذره النفوس السليمة ولا يُتعبد بشيء هذه صفته، وهذا هو المقصد من هذا هذا الحكم، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط الشرط الأول وهو كونه كثيرًا في الحالة الثانية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القليل مما ليس ببول أو غائط معفو عنه، كقليل الدم والصديد؛ لأنه لا يسلم منه أحد، فلو نقض هذا القليل الوضوء: للحق كثيرًا من الناس المشقة، فدفعًا لذلك عُفي عنه؛ لكونه نجاسة غير مغلَّظة، بخلاف البول والغائط فقليله ينقض الوضوء مثل كثيره؛ لأن نجاسته مغلَّظة، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط الشرط الثاني، وهو كونه نجسًا في الحالة الثانية؟ قلتُ: لأن الخارج من غير السبيلين قد يكون طاهرًا كالبُصاق والنخامة ونحوهما، تنبيه: عرَّف المصنف الكثير بأنه: "ما فحش في نفس كل أحد بحسبه" وهذا فيه نظر؛ لأن الناس يختلفون بالتشدُّد والتساهل، لذا يكون تعريفه الصحيح كما سبق في الحالة الثانية. (٣) مسألة: إذا انسدَّ المخرج الطبيعي المعتاد للبول والغائط وهما: القُبُل والدُّبر - وانفتح مخرج آخر في موضع من البدن: فلا تثبت لهذا المخرج المنفتح أحكام المخرج الطبيعي، وبناء على هذه القاعدة: فإنه لو خرج شيء نجس قليل - غير بول وغائط - من هذا المخرج المنفتح أو مسّه أحد: فلا ينقض الوضوء، وكذا: لو خرج بول أو غائط منه: فلا بدَّ من غسله، ولا يُجزيء فيه الاستجمار بالأحجار، وكذا: لو أولج فيه ذكر فلا يجب عليه الغسل إلا إذا أنزل؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأحكام الشرعية قد تعلَّقت وثبتت في المخرج المعتاد، وأما غيره: فلم تثبت فيه تلك الأحكام، فيبقى على النفي الأصلي.

стр. 169

ويسيرها، ذكره في "المبدع" إجماعًا، وينقض أيضًا: النوم من مضطجع وراكع وساجد مطلقًا كمحتبٍ ومُتكيء ومُستند، والكثير من قائم وقاعد؛ لحديث: "العين وكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ" رواه أحمد وغيره، و "السَّه" حلقة الدبر (٤) (و) الرابع (٤) مسألة: في الثالث - من نواقض الوضوء - وهو: زوال العقل: بأن لم يُدرك الشخص ما يدور حوله من أحداث: سواء كان هذا بسبب نوم، أو سكر، أو جنون، أو إغماء، وسواء كان هذا النوم وقع في حالة قيام، أو قعود، أو اضطجاع، أو سجود، أو ركوع، أو كان متكئًا، أو مستندًا على شيء، أو محتب - وهو: الجلوس على الإليتين وضم ساقيه وركبتيه إلى صدره -، وسواء كان النوم والإغماء والسكر والجنون أخذ وقتًا طويلًا أو قصيرًا وسواء تلجَّم وسد المخرج أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول صفوان: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم"، حيث ذكر هنا أن "النوم" ناقض للوضوء، ويمسح على الخف عند الوضوء، وهذا عام، فيشمل النوم القليل والكثير والنوم الواقع في جميع الحالات؛ لأن لفظ "نوم" نكرة في سياق نفي، وهي من صيغ العموم، لأن تقدير الحديث: "لا ننزع خفافنا من نوم"، ثانيهما: قوله ﷺ : "العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ" فأوجب الوضوء على كل من نام من غير تفريق بين الحالات التي نام عليها، وبين القليل والكثير منه؛ لأن "من" الشرطية من صيغ الوجوب، ولأن الأمر هنا مطلق، ويقتضي الوجوب، و "السَّه" اسم من أسماء الدُّبُر، فإذا كانت العين مفتوحة؛ لعدم النوم؛ فإنها ستمنع الدبر من أن يخرج منه شيء، وإن كانت قد انغلقت بسبب النوم: فإن الغالب أنه سيخرج من الدبر شيء، الثانية: القياس، بيانه: كما أن النوم مطلقًا ينقض الوضوء فكذلك السكر والإغماء والجنون تنقضه، والجامع: أن كلًا منها يغطي العقل ويُزيله عن إدراك ما يحدث =

стр. 170

(مسُّ ذكر) آدمي، تعمده أو لا (متَّصل) ولو أشل أو أقلف، أو من ميِّت، (٥) حوله، فإن قلتَ: لِمَ كان زوال العقل من نوم وغيره ناقضًا للوضوء؟ قلتُ: لأنه يغلب على الظن استرخاء البدن، وانفراج مخرج الحدث، وهذا يؤدي إلى خروج الحدث، فأقيم الذي زال عقله مقام الخارج منه الحدث فعلًا، وعومل معاملته؛ عملًا بالغالب على الناس، كما أقيم التقاء الختانين مقام المنزل للمني في وجوب الغسل؛ عملًا بالغالب فعومل معاملته في الحكم، فإن قلتَ: إن القائم أو القاعد إذا ناما نومًا قليلًا: فإن وضوءهما لا ينتقض، وهو قول كثير من العلماء وذكره المصنف هنا؛ للسنة التقريرية؛ حيث كان الصحابة ينتظرون صلاة العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يخرج عليهم النبي ﷺ فيصلي بهم، ولا يتوضئون، ولم يُنكر النبي ﷺ عليهم ذلك - كما رواه أنس - والنائم وهو قائم مثل النائم وهو قاعد؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، قلتُ: إنه يُحتمل أن يكون النبي ﷺ لم يعلم بذلك، ويُحتمل أنه علم ولكن كانوا يعلمون ما يدور حولهم، فخفقان رؤوسهم لا يدل على نومهم، بل على استرخائهم فقط، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، ثم إن قلَّة النوم ليست دليلًا على عدم خروج شيء: فقد ينام شخص قليلًا ويستغرق فيه أكثر من استغراقه في نوم كثير؛ فإن قلتَ: إن القاعد والقائم يكون مخرج الحدث مجتمعًا عادة فيغلب على الظن عدم خروج شيء، قلتُ: إذا نام الشخص: فإنه يغلب على الظن خروج شيء من مخرج حدثه مطلقًا، دون تفريق؛ إذ النوم يُرخي جميع أعضاء البدن. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل السنة التقريرية تقوى على تخصيص القولية؟ " فعندنا لا تقوى التقريرية على تخصيص القولية لورود الاحتمال، وعندهم تقوى على تخصيصها. (٥) مسألة: في الرابع - من نواقض الوضوء - وهو: مسُّ ذكر آدمي متصل بكفِّه بشرط: أن يكون هذا المس بشهوة، فهذا ينقض الوضوء مطلقًا، أي: سواء =

стр. 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تعمد ذلك، أو كان ناسيًا أو ساهيًا أو غافلًا، وسواء مسَّ ذكره أو ذكر غيره، وسواء كان الممسوس حيًا أو ميتًا، وسواء كان الذكر أشلًا لا نفع فيه، أو فيه نفع، وسواء كان أقلفًا - وهو الذي لم يُختتن - أو لا، وسواء كان الممسوس ذكره صبيًا أو كبيرًا؛ لقاعدتين الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من مسَّ ذكره فليتوضأ" - كما روته بُسرة - حيث أوجب الوضوء من مس الذكر، لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا عام لجميع ما ذكر من الحالات، لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، فيلزم من وجوب الوضوء من مسَّه: أنه ناقض للوضوء، الثانية: القياس، بيانه: أن مسَّ المرأة ينقض الوضوء بشرط: أن يكون بشهوة، وهذا ما دلت عليه السنة الفعلية، حيث قالت عائشة: "إذا سجد غمزني فقبضتُ رجلي" فلو كان المس بغير شهوة ناقضًا للوضوء: لبطلت صلاة النبي ﷺ ، لبطلان الوضوء بسبب المس، فإذا كان الأمر كذلك في مس المرأة، فكذلك تشترط الشهوة في مس الذكر لأجل أن يكون هذا المس ناقضًا للوضوء، والجامع: إثارة الشهوة التي يغلب على الظن خروج حَدَث بسببها، وهذا هو المقصد من هذا الحكم، فإن قلتَ: إن مس الذكر لا ينقض الوضوء مطلقًا؛ للسنة القولية؛ حيث سأل رجل النبي عن مسَّ الرجل لذكره بعد وضوئه، فقال ﷺ : "وهل هو إلا بضعة منك" - كما رواه قيس بن طلق - وهذا من أقيسة النبي ﷺ : فكما أنك إذا مسست يدك لا ينتقض وضوؤك فكذلك إذا مسست ذكرك، قلتُ: إن حديث قيس هذا ضعيف كما قال أبو زرعة وأبو حاتم، وعلى فرض صحته: فإنه منسوخ بحديث بسرة؛ لأن راوي حديث بسرة هو أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام، وأما حديث قيس فقد رواه أبوه طلق وهو متقدم الإسلام، وهذا من طرق الناسخ والمنسوخ من النصوص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث قيس ضعيف ومنسوخ أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.

стр. 172

لا الأنثيين ولا بائن، أو محله (٦) (أو) مس (قُبُل) من امرأة - وهو: فرجها الذي بين أسكتيها؛ - لقوله ﷺ : "من مس ذكره: فليتوضأ" رواه مالك والشافعي وغيرهما، وصححه أحمد والترمذي، وفي لفظ "من مسَّ فرجه: فليتوضأ" صححه أحمد، ولا ينقض مسُّ شفريها، وهما حافتا فرجها (٧) وينقض المس بيد بلا حائل، ولو كانت (٦) مسألة: لا ينقض الوضوء مسُّ الخصيتين، ولا مس الذكر البائن - وهو: المقطوع - أو مسُّ محل الذكر المقطوع مطلقًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من مسَّ ذكره فليتوضأ" حيث دل مفهوم الشرط على أن من مس غير الذكر: من خصيتين، أو ذكر مقطوع أو محله: فلا ينتقض وضوؤه، وإذا قطع ذكر شخص: فلا يُسمى أنه ذكر له، لكون الذكر هو المتصل بالشخص، فإن قلتَ: لِمَ لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: لأنه لا يغلب على الظن خروج حَدَث بمس ذلك. (٧) مسألة: إذا مسَّ رجل بكفه قُبُل امرأة - وهو محل الجماع - وما حوله من شفريها ونحو ذلك فإنه ينقض الوضوء إذا كان بشهوة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من مسَّ فرجه فليتوضأ" وهذا مطلق، وخصَّصه بالشهوة: القياس الذي ذكرناه في مسألة (٥)، والفرج: عام لكل ما ذكرناه هنا، فإن قلتَ: لِمَ ينقض الوضوء هذا؟ قلتُ: لما ذكرنا في مسألة (٥)، فإن قلتَ: إن مس الشفرين من المرأة لا ينقض الوضوء ولو كان بشهوة، - وهو ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الفرج المذكور في الحديث يشمل الفرج وما حوله، أو خاص فيما ينفرج؟ " فعندنا: يشمله، وعندهم: لا، هو خاص فيما ينفرج فقط.

стр. 173

زائدة سواء كان (بظهر كفه أو بطنه) أو حرفه، من رؤوس الأصابع إلى الكوع؛ لعموم حديث: "من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر: فقد وجب عليه الوضوء" رواه أحمد، لكن لا ينقض مسُّه بالظفر (٨) (و) ينقض (لمسهما) أي: لمس الذكر (٨) مسألة: المسُّ الناقض للوضوء - فيما سبق - هو: لمس ببشرة كفه - من الكوع إلى أطراف الأصابع - بشهوة وهو شامل لظاهر الكف وباطنه، وحرفه، وجوانبه، والأصلي منه والزائد، أما لو مس من وراء حائل، أو مس بذراعه، أو بأظفاره: فلا ينقض الوضوء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء" و "اليد" تطلق على جميع أجزاء الكف إلى أطراف الأصابع، دون الذراع، والأظفار، ودل بمفهوم الشرط على أن مس ذلك بالذراع، أو بالأصابع، أو من وراء حائل كثوب لا ينقض الوضوء، لأن المس بهذه الأمور لا يُسمى مسَّاً حقيقة وشرعًا؛ ولكون الظفر كالمنفصل من البدن، فإن قلتَ: لِمَ كان المس بالكف هو الذي ينقض الوضوء؟ قلتُ: لأنه يُثير الشهوة غالبًا بهذا المس الذي يكون سببًا لخروج حَدَث في الغالب، من مني وودي، ومذي، فإن قلتَ: إن المس بباطن الكف هو الذي ينقض الوضوء فقط، وهو قول مالك والشافعي والليث؛ للتلازم؛ حيث إن آلة المس واللمس هي: باطن الكف، فيلزم من ذلك أن المس بغير الباطن منه لا ينقض الوضوء، قلتُ: لا فرق بين المس بباطن الكف أو بظاهره أو بشيء منه إذا كان بشهوة؛ لكون ذلك يثير شهوة تتسبَّب في خروج حَدَث من مني أو مذي أو ودي غالبًا، فإن قلتَ: لِمَ كان المس من وراء حائل أو بالذراع، أو بالظفر لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: لأن المس بهذه الأشياء لا يغلب على الظن خروج حَدَث بسببها، فلم تنقض؛ عملًا بالغالب. [فرع]: إذا مسَّت المرأة قبلها بيدها بشهوة، أو مست قبل امرأة أخرى بشهوة: فإنه ينتقض وضوؤها؛ للقياس، بيانه: كما أن الرجل إذا مس ذكره، أو ذكر غيره بشهوة ينتقض =

стр. 174

والقُبُل معًا (من خنثى مشكل) لشهوة أولا؛ إذ أحدهما أصلي قطعًا (٩) (و) ينقض أيضًا (لمس ذكَرٍ ذَكَره) أي: ذكر الخنثى المشكل؛ لشهوة؛ لأنه إن كان ذكرًا: فقد مسَّ ذكره، وإن كان امرأة: فقد لمسها لشهوة، فإن لم يمسه لشهوة، أو مسَّ قُبُله لم ينتقض (أو أنثى قُبُلَه) أي: وينقض لمس أنثى قُبُل الخنثى المشكل (لشهوة فيهما) أي: في هذه والتي قبلها؛ لأنه إن كان أنثى فقد مسَّت فرجها، وإن كان ذكرًا: فقد لمسته لشهوة، فإن كان المس لغيرها، أو مسَّت ذكره: لم ينتقض وضوؤها (١٠) (و) الخامس وضوؤه - كما سبق في مسألة (٥) - فكذلك المرأة مثله، والجامع: خروج حَدَث بسببه غالبًا، من مني أو ودي أو مذي فعومل معاملة الخارج منه الحدث، وهذا هو المقصد من هذا الحكم. (٩) مسألة: الخنثى المشكل - وهو: من له ذكر رجل، وقُبُل امرأة - إذا لمس ذكره وقُبُله معًا بشهوة: فإنه ينتقض وضوؤه، أما إذا لمس أحدهما فلا ينتقض؛ للتلازم؛ حيث يُقطع بأن أحدهما فرج أصلي، ويلزم من مس الفرج الأصلي: نقض الوضوء إذا كان بشهوة كما قلنا في مسألة (٥ و ٨)؛ لأنه يغلب على الظن خروج حدث بسببه، أما إذا لمس الخنثى ذكره فقط، أو فرجه فقط: فلا ينتقض وضوؤه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الشك في كونه أصليًا أو زائدًا أن يبقى على طهوريته، لأن الشك لا يُعمل به، وهذا هو المقصد من الحكم، فإن قلتَ: إن مس الخنثى للذكر والقُبُل معًا ينقض الوضوء بشهوة أو بغير شهوة، وهو ما ذكره المصنف؛ قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك. (١٠) مسألة: إذا مسَّ رجل ذكرَ الخنثى، أو مسَّ قبله، أو مست امرأة ذكر الخنثى أو مست قُبُلَه فإن وضوء الرجل والمرأة ينتقض بشرط: أن يكون هذا المس منهما بشهوة، أما إن كان بغير شهوة: فلا ينتقض وضوؤهما؛ للقياس، بيانه: كما أن الرجل إذا لمس ذكر رجل آخر أو لمس قُبُل امرأة لشهوة: ينتقض وضوؤه، وكما أن المرأة إذا لمست ذكر رجل، أو لمست قُبُل امرأة أخرى: ينتقض =

стр. 175

(مسَّه) أي: الذكر (امرأة بشهوة)؛ لأنها التي تدعو إلى الحدث و "الباء" للمصاحبة، والمرأة شاملة للأجنبية، وذات المحرم، والميتة، والكبيرة، والصغيرة المميزة، وسواء كان المس باليد أو غيرها، ولو بزائد لزائد، أو أشل (أو تمسُّه بها) أي: ينقض مسها للرجل بشهوة كعكسه السابق (١١) (و) ينقض (مسُّ حَلَقة دُبُر)؛ لأنه فرج سواء وضوؤها فكذلك إذا لمس كل من هذا الرجل والمرأة ذكر وقبل الخنثى فإنه ينتقض وضوؤهما، لأن هذا الخنثى إن كان ذكرًا فقد مسَّ الرجل ذكر رجل آخر، وإن كان أنثى فقد لمسها بشهوة، وكذا يُقال في المرأة أي: إن كان الخنثى: أنثى: فقد مست المرأة فرج امرأة أخرى، وإن كان الخنثى رجلًا: فقد مسته لشهوة، والجامع في هذا كله: خروج حدث من مني أو مذي أو ودي في الغالب بسبب هذا المس المصاحب بالشهوة وهذا هو المقصد من هذا الحكم. (١١) مسألة: في الخامس - من نواقض الوضوء - وهو: مسَّ الرجل للمرأة، ومس المرأة للرجل فهذا ناقض الوضوء الماس بشرط: أن يكون ذلك بشهوة، وهذا مطلق في الماس، أي سواء كان الماس كبيرًا أو صغيرًا، حرًا أو عبدًا ممن يطأ مثله، وسواء كانت الممسوسة كبيرة أو صغيرة، حرة أو أمة، أجنبية أو من محارمه، حية أو ميتة، عاقلة أو مجنونة ممن يوطأ مثلها، وسواء كان المس منهما وقع باليد أو بالرجل، بعضو أصلي، أو زائد أو أشل أو نحو ذلك؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ حيث أوجب الشارع التطهر من ملامسة النساء؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وهو عام لكل لامس أو ملموس بأي آلة؛ لأن هذا يلزم من لفظ "لامستم"، ولأن "النساء" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "فإذا سجد غمزني فقبضتُ رجلي" حيث يلزم من لفظ "غمزني" أنه لمسها بيده وهو يصلي؛ لأن آلة الغمز هي "اليد" وهذا يدل =

стр. 176

كان منه أو من غيره (١٢) (لا مسَّ شعر وسنَّ وظفر) منه، أو منها، ولا المس بمفهوم الحال على أن المس بغير شهوة لا ينقض الوضوء؛ إذ لو كان ينقضه: لبطلت صلاته ﷺ ، نظرًا لبطلان وضوئه، وهذه السنة قد خصَّصت عموم الآية السابقة، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الرجل إذا مس المرأة بشهوة: فإنه ينتقض وضوؤه، فكذلك المرأة إذا مست الرجل بشهوة ينتقض وضوؤها، والجامع: أن كلًا منهما قد وُجد منه مس مُصاحبًا بشهوة مُسبِّب لخروج حدث في الغالب، فإن قلتَ: لِمَ كان المس بغير شهوة لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النساء المحارم والرجال المحارم يكثرون في المنازل، فلو كان مس أحدهما للآخر ناقضًا للوضوء ولو بغير شهوة: للحق أكثر الخلق حرج ومشقة، فدفعًا لذلك: شرع عدم النقض بمس بغير شهوة. (١٢) مسألة: إذا مس الشخص حلقة دُبُره وما حولها من الصفحتين أو الفخذين، أو مس حلقة دبر غيره وما حولها من ذكر أو أنثى: فإن وضوءه ينتقض بشرط: أن يكون هذا المس بشهوة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من مسَّ فرجه فليتوضأ" و "الفرج" يطلق على القُبُل والدُّبُر؛ نظرًا لانفراجهما، فأوجب الوضوء من مسِّه؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فلو لم يكن مس الفرج ناقضًا للوضوء: لما أوجب الوضوء منه، وهذا من اللوازم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن مس الذكر ينقض الوضوء إذا كان بشهوة - كما سبق في مسألة (٥) - فكذلك مسُّ الدُّبر وما حوله ينقض الوضوء إذا كان بشهوة، والجامع: وجود الشهوة التي تتسبب في خروج حدث غالبًا، وهذا هو المقصد الشرعي منه، وهذا القياس قد خصَّص السنة القولية السابقة، فإن قلتَ: إنَّ مس حلقة الدبر ينقض الوضوء ولو لم يكن هناك شهوة وهذا ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.

стр. 177

بها (١٣) (و) لا مسُّ رجل لـ (أمرد) ولو بشهوة (١٤) (ولا) المسُّ (مع حائل)؛ لأنه (١٣) مسألة: إذا مس رجل ببشرته شعر امرأة أو سِنَّها أو ظفرها، أو مسَّ بشعره، أو سنِّه، أو ظفره بشرة امرأة، أو مست امرأة ببشرتها شعر رجل، أو سِنِّه أو ظفره، أو مست امرأة بشعرها وسنها أو ظفرها بشرة رجل: فإنه لا ينتقض وضوء كل من الرجل والمرأة مطلقًا، أي: سواء كان بشهوة أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن مس المنفصل من البدن لا ينقض الوضوء فكذلك مسُّ هذه الأشياء مثله، والجامع: عدم خروج حدث بسبب هذا المس في الغالب، وهذا هو المقصد منه. (١٤) مسألة: إذا مس رجل أمردًا - وهو: الشاب الذي اخضَّر شاربه ولم تنبت لحيته كما في "المصباح" (٢/ ٥٦٨) -: فإنه ينتقض وضوء ذلك الرجل إذا كان المس بشهوة؛ للقياس، بيانه: كما أن مس الرجل للمرأة بشهوة ينقض الوضوء فكذلك مسُّه للأمرد مثلها والجامع: أن كلًا منهما مسٌّ صاحبته شهوة تسبَّب في خروج الحدث غالبًا، وهذا هو المقصد الشرعي منه، فإن قلتَ: إن مس الرجل للأمرد لا ينقض الوضوء ولو كان بشهوة وهو الذي ذكره المصنف هنا للكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ حيث دل مفهوم الصفة من ذلك على أن غير المرأة لا ينقض الوضوء: سواء كان شابًا أمردًا أو لا، وسواء كان هذا المس بشهوة أو لا، وهذا مستفاد من عموم هذا المفهوم، قلتُ: إن القياس الذي ذكرناه أقوى من هذا المفهوم؛ لأن القياس قطعي؛ لعدم الفارق بين الأمرد والمرأة في إثارة الشهوة، ويسميه بعضهم مفهوم موافقة مساوي، وهو مقدَّم على مفهوم المخالفة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم الكتاب" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وعندهم: يقدم المفهوم.

стр. 178

لم يمس البشرة (١٥) (ولا) ينتقض وضوء (ملموس بدنه ولو وُجِد منه شهوة) ذكرًا كان أو أنثى، وكذا: لا ينتقض وضوء ملموس فرجه (١٦) (وينقض غسل الميت) (١٥) مسألة: إذا مس رجل امرأة من وراء حائل كثوب ونحوه: فإن وضوء الرجل ينتقض إذا كان المسُّ بشهوة؛ للقياس، بيانه: كما أن مس الرجل للمرأة بدون حائل بشهوة ينقض الوضوء فكذلك مسُّ الرجل للمرأة بشهوة من وراء حائل ينقضه والجامع: وجود الشهوة المسبِّبة لخروج حدث غالبًا في كل منهما، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: إن مس الرجل للمرأة من وراء حائل لا ينقض الوضوء: سواء كان بشهوة أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن مس ثياب المرأة وهي منفصلة عنها لا ينقض الوضوء، فكذلك مسها وهي لابسة لها مثل ذلك، والجامع: عدم مس بشرة المرأة الذي هو محل الشهوة عادة، قلتُ: إن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إن مس ثياب المرأة وهي موجودة داخلها يختلف عن مسها وهي ليست موجودة داخلها اختلافًا واضحًا؛ حيث إن مسها وهي لابسة لها يُحرك الشهوة غالبًا، أما مسها وهي منفصلة ولم تكن المرأة داخلها فلا يحرك الشهوة غالبًا، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بمس المرأة مباشرة؛ لأنه أكثر شبهًا بها، وألحقوه بالثياب المنفصلة، لأنه أكثر شبهًا بها عندهم، وهذا يُسمَّى بقياس الشبه. (١٦) مسألة: إذا لمس رجل امرأة، أو لمست امرأة رجلًا: فإن الملموس بدنه أو فرجه ينتقض وضوؤه إذا أحسَّ بالشهوة؛ أما إذا لم يحس بها: فلا ينتقض؛ للقياس، بيانه: كما أن اللامس بشهوة ينتقض وضوؤه، فكذلك الملموس مثله، والجامع: وجود الشهوة المسببة لخروج حدث غالبًا في كل منهما، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: إن الملموس بدنه أو فرجه لا ينتقض وضوؤه؛ سواء أحسَّ بالشهوة أو لا وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ =

стр. 179

مسلمًا كان أو كافرًا، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس: "أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء"، و "الغاسل" هو: من يُقلِّبه ويُباشره، ولو مرَّة، لا من يصب عليه الماء، ولا من يُؤمِّمه، وهذا هو السادس (١٧) لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ حيث دل مفهوم الصفة على أن الملموس بدنه أو فرجه لا ينتقض وضوؤه مطلقًا؛ لعدم وصفه بأنه "لامس"، قلت: لا فرق بين اللامس والملموس إذا وُجدت الشهوة منهما؛ حيث إن خروج الحدث هي السبب فيه، سواء كان لامسًا، أو ملموسًا، وهذا يعرفه كل عاقل متدبر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم الكتاب" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وعندهم: يقدم المفهوم. (١٧) مسألة: في السادس - من نواقض الوضوء - وهو: غسل الميت، فإذا غسله متطهر: فإنه ينتقض وضوؤه إذا مس بشرته، وصاحب ذلك شهوة؛ للقياس، بيانه كما أن من مسَّ حيًا بشهوة ينتقض وضوؤه، فكذلك من مس ميتًا بشهوة مثله، والجامع: خروج حدث في الغالب في كل، بخلاف عدم المس كأن يصب الماء، أو يؤممه، أو كان المس بدون شهوة، فلا يلزم منه خروج شيء في الغالب فيبقى على الأصل، وهو متيقن طهوريته، فيُعمل على ذلك، وهذا ثابت من الاستصحاب، وهذا هو المقصد الشرعي من ذلك، فإن قلتَ: غسل الميت ينقض الوضوء: سواء شعر بشهوة أو لا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر وابن عباس "كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء" ولم يرد تقييده بشهوة أو بغير شهوة، قلتُ: يُحتمل أن يكون هذا الأمر منهما أمر إيجاب، ويُحتمل أن يكون أمر استحباب، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع قول الصحابي" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وعندهم: يقدم قول الصحابي.

стр. 180

(و) السابع (أكل اللحم خاصة من الجزور) أي: الإبل، فلا ينقض بقية أجزائها كالكبد، وشرب لبنها، ومرق لحمها، سواء كان نيئًا، أو مطبوخًا، قال أحمد: "فيه حديثان صحيحان: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة" (١٨) (و) الثامن المشار (١٨) مسألة: أكل اللحم لا ينقض الوضوء، سواء كان لحم إبل، أو لا، وسواء كان مطبوخًا أو نيئًا، وهو مذهب الجمهور؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال جابر بن عبد الله: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار" وفي رواية: "مما غيّرت النار" وهذا عام فيشمل جميع اللحوم - ومنها لحم الإبل -؛ لكونه مما يُطبخ؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن أكل لحم الخنزير لا ينقض الوضوء وهو حرام أكله، فإن أكل لحم غيره - ومنها الإبل - لا ينقض الوضوء من باب أولى، فيكون قياسًا أولى، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن الخلفاء الأربعة - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وابن مسعود وأبي بن كعب، وابن عباس وكثيرين من الصحابة: أنه لا ينقض الوضوء شيء من اللحم، فإن قلتَ: لِمَ لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مأكول أكثر المسلمين من اللحم وخاصة لحم الإبل، لذلك سُميت "لحم الجزور" لكثرة ما يجزر فلو كان أكله ينقض الوضوء: للحق كثيرًا منهم الحرج والمشقة خاصة قلة المياه، ثم إن أكل لحم الإبل ليس فيه استقذار - كما سبق في نواقض الوضوء - فهو لا ينافي الطهارة والنزاهة، فإن قلتَ: إن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "توضأوا من لحوم الإبل"؟ - كما رواه جابر بن سمرة وروى نحوه البراء، قلتُ: هذا الحديث منسوخ بحديث جابر بن عبد الله السابق؛ حيث صرح بلفظ النسخ الصريح وهو قوله: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار" ولا يمكن أن يصرح الصحابي العدل العارف بدلالات الألفاظ بذلك إلا إذا كان متيقنًا =
следующие страницы →