← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كان منه أو من غيره (١٢) (لا مسَّ شعر وسنَّ وظفر) منه، أو منها، ولا المس بمفهوم الحال على أن المس بغير شهوة لا ينقض الوضوء؛ إذ لو كان ينقضه: لبطلت صلاته ﷺ ، نظرًا لبطلان وضوئه، وهذه السنة قد خصَّصت عموم الآية السابقة، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الرجل إذا مس المرأة بشهوة: فإنه ينتقض وضوؤه، فكذلك المرأة إذا مست الرجل بشهوة ينتقض وضوؤها، والجامع: أن كلًا منهما قد وُجد منه مس مُصاحبًا بشهوة مُسبِّب لخروج حدث في الغالب، فإن قلتَ: لِمَ كان المس بغير شهوة لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النساء المحارم والرجال المحارم يكثرون في المنازل، فلو كان مس أحدهما للآخر ناقضًا للوضوء ولو بغير شهوة: للحق أكثر الخلق حرج ومشقة، فدفعًا لذلك: شرع عدم النقض بمس بغير شهوة. (١٢) مسألة: إذا مس الشخص حلقة دُبُره وما حولها من الصفحتين أو الفخذين، أو مس حلقة دبر غيره وما حولها من ذكر أو أنثى: فإن وضوءه ينتقض بشرط: أن يكون هذا المس بشهوة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من مسَّ فرجه فليتوضأ" و "الفرج" يطلق على القُبُل والدُّبُر؛ نظرًا لانفراجهما، فأوجب الوضوء من مسِّه؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فلو لم يكن مس الفرج ناقضًا للوضوء: لما أوجب الوضوء منه، وهذا من اللوازم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن مس الذكر ينقض الوضوء إذا كان بشهوة - كما سبق في مسألة (٥) - فكذلك مسُّ الدُّبر وما حوله ينقض الوضوء إذا كان بشهوة، والجامع: وجود الشهوة التي تتسبب في خروج حدث غالبًا، وهذا هو المقصد الشرعي منه، وهذا القياس قد خصَّص السنة القولية السابقة، فإن قلتَ: إنَّ مس حلقة الدبر ينقض الوضوء ولو لم يكن هناك شهوة وهذا ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.

стр. 177

بها (١٣) (و) لا مسُّ رجل لـ (أمرد) ولو بشهوة (١٤) (ولا) المسُّ (مع حائل)؛ لأنه (١٣) مسألة: إذا مس رجل ببشرته شعر امرأة أو سِنَّها أو ظفرها، أو مسَّ بشعره، أو سنِّه، أو ظفره بشرة امرأة، أو مست امرأة ببشرتها شعر رجل، أو سِنِّه أو ظفره، أو مست امرأة بشعرها وسنها أو ظفرها بشرة رجل: فإنه لا ينتقض وضوء كل من الرجل والمرأة مطلقًا، أي: سواء كان بشهوة أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن مس المنفصل من البدن لا ينقض الوضوء فكذلك مسُّ هذه الأشياء مثله، والجامع: عدم خروج حدث بسبب هذا المس في الغالب، وهذا هو المقصد منه. (١٤) مسألة: إذا مس رجل أمردًا - وهو: الشاب الذي اخضَّر شاربه ولم تنبت لحيته كما في "المصباح" (٢/ ٥٦٨) -: فإنه ينتقض وضوء ذلك الرجل إذا كان المس بشهوة؛ للقياس، بيانه: كما أن مس الرجل للمرأة بشهوة ينقض الوضوء فكذلك مسُّه للأمرد مثلها والجامع: أن كلًا منهما مسٌّ صاحبته شهوة تسبَّب في خروج الحدث غالبًا، وهذا هو المقصد الشرعي منه، فإن قلتَ: إن مس الرجل للأمرد لا ينقض الوضوء ولو كان بشهوة وهو الذي ذكره المصنف هنا للكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ حيث دل مفهوم الصفة من ذلك على أن غير المرأة لا ينقض الوضوء: سواء كان شابًا أمردًا أو لا، وسواء كان هذا المس بشهوة أو لا، وهذا مستفاد من عموم هذا المفهوم، قلتُ: إن القياس الذي ذكرناه أقوى من هذا المفهوم؛ لأن القياس قطعي؛ لعدم الفارق بين الأمرد والمرأة في إثارة الشهوة، ويسميه بعضهم مفهوم موافقة مساوي، وهو مقدَّم على مفهوم المخالفة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم الكتاب" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وعندهم: يقدم المفهوم.

стр. 178

لم يمس البشرة (١٥) (ولا) ينتقض وضوء (ملموس بدنه ولو وُجِد منه شهوة) ذكرًا كان أو أنثى، وكذا: لا ينتقض وضوء ملموس فرجه (١٦) (وينقض غسل الميت) (١٥) مسألة: إذا مس رجل امرأة من وراء حائل كثوب ونحوه: فإن وضوء الرجل ينتقض إذا كان المسُّ بشهوة؛ للقياس، بيانه: كما أن مس الرجل للمرأة بدون حائل بشهوة ينقض الوضوء فكذلك مسُّ الرجل للمرأة بشهوة من وراء حائل ينقضه والجامع: وجود الشهوة المسبِّبة لخروج حدث غالبًا في كل منهما، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: إن مس الرجل للمرأة من وراء حائل لا ينقض الوضوء: سواء كان بشهوة أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن مس ثياب المرأة وهي منفصلة عنها لا ينقض الوضوء، فكذلك مسها وهي لابسة لها مثل ذلك، والجامع: عدم مس بشرة المرأة الذي هو محل الشهوة عادة، قلتُ: إن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إن مس ثياب المرأة وهي موجودة داخلها يختلف عن مسها وهي ليست موجودة داخلها اختلافًا واضحًا؛ حيث إن مسها وهي لابسة لها يُحرك الشهوة غالبًا، أما مسها وهي منفصلة ولم تكن المرأة داخلها فلا يحرك الشهوة غالبًا، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بمس المرأة مباشرة؛ لأنه أكثر شبهًا بها، وألحقوه بالثياب المنفصلة، لأنه أكثر شبهًا بها عندهم، وهذا يُسمَّى بقياس الشبه. (١٦) مسألة: إذا لمس رجل امرأة، أو لمست امرأة رجلًا: فإن الملموس بدنه أو فرجه ينتقض وضوؤه إذا أحسَّ بالشهوة؛ أما إذا لم يحس بها: فلا ينتقض؛ للقياس، بيانه: كما أن اللامس بشهوة ينتقض وضوؤه، فكذلك الملموس مثله، والجامع: وجود الشهوة المسببة لخروج حدث غالبًا في كل منهما، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: إن الملموس بدنه أو فرجه لا ينتقض وضوؤه؛ سواء أحسَّ بالشهوة أو لا وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ =

стр. 179

مسلمًا كان أو كافرًا، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس: "أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء"، و "الغاسل" هو: من يُقلِّبه ويُباشره، ولو مرَّة، لا من يصب عليه الماء، ولا من يُؤمِّمه، وهذا هو السادس (١٧) لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ حيث دل مفهوم الصفة على أن الملموس بدنه أو فرجه لا ينتقض وضوؤه مطلقًا؛ لعدم وصفه بأنه "لامس"، قلت: لا فرق بين اللامس والملموس إذا وُجدت الشهوة منهما؛ حيث إن خروج الحدث هي السبب فيه، سواء كان لامسًا، أو ملموسًا، وهذا يعرفه كل عاقل متدبر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم الكتاب" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وعندهم: يقدم المفهوم. (١٧) مسألة: في السادس - من نواقض الوضوء - وهو: غسل الميت، فإذا غسله متطهر: فإنه ينتقض وضوؤه إذا مس بشرته، وصاحب ذلك شهوة؛ للقياس، بيانه كما أن من مسَّ حيًا بشهوة ينتقض وضوؤه، فكذلك من مس ميتًا بشهوة مثله، والجامع: خروج حدث في الغالب في كل، بخلاف عدم المس كأن يصب الماء، أو يؤممه، أو كان المس بدون شهوة، فلا يلزم منه خروج شيء في الغالب فيبقى على الأصل، وهو متيقن طهوريته، فيُعمل على ذلك، وهذا ثابت من الاستصحاب، وهذا هو المقصد الشرعي من ذلك، فإن قلتَ: غسل الميت ينقض الوضوء: سواء شعر بشهوة أو لا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر وابن عباس "كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء" ولم يرد تقييده بشهوة أو بغير شهوة، قلتُ: يُحتمل أن يكون هذا الأمر منهما أمر إيجاب، ويُحتمل أن يكون أمر استحباب، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع قول الصحابي" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وعندهم: يقدم قول الصحابي.

стр. 180

(و) السابع (أكل اللحم خاصة من الجزور) أي: الإبل، فلا ينقض بقية أجزائها كالكبد، وشرب لبنها، ومرق لحمها، سواء كان نيئًا، أو مطبوخًا، قال أحمد: "فيه حديثان صحيحان: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة" (١٨) (و) الثامن المشار (١٨) مسألة: أكل اللحم لا ينقض الوضوء، سواء كان لحم إبل، أو لا، وسواء كان مطبوخًا أو نيئًا، وهو مذهب الجمهور؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال جابر بن عبد الله: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار" وفي رواية: "مما غيّرت النار" وهذا عام فيشمل جميع اللحوم - ومنها لحم الإبل -؛ لكونه مما يُطبخ؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن أكل لحم الخنزير لا ينقض الوضوء وهو حرام أكله، فإن أكل لحم غيره - ومنها الإبل - لا ينقض الوضوء من باب أولى، فيكون قياسًا أولى، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن الخلفاء الأربعة - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وابن مسعود وأبي بن كعب، وابن عباس وكثيرين من الصحابة: أنه لا ينقض الوضوء شيء من اللحم، فإن قلتَ: لِمَ لا ينقض الوضوء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مأكول أكثر المسلمين من اللحم وخاصة لحم الإبل، لذلك سُميت "لحم الجزور" لكثرة ما يجزر فلو كان أكله ينقض الوضوء: للحق كثيرًا منهم الحرج والمشقة خاصة قلة المياه، ثم إن أكل لحم الإبل ليس فيه استقذار - كما سبق في نواقض الوضوء - فهو لا ينافي الطهارة والنزاهة، فإن قلتَ: إن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "توضأوا من لحوم الإبل"؟ - كما رواه جابر بن سمرة وروى نحوه البراء، قلتُ: هذا الحديث منسوخ بحديث جابر بن عبد الله السابق؛ حيث صرح بلفظ النسخ الصريح وهو قوله: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار" ولا يمكن أن يصرح الصحابي العدل العارف بدلالات الألفاظ بذلك إلا إذا كان متيقنًا =

стр. 181

إليه بقوله: (كل ما أوجب غُسلًا) كإسلام، وانتقال مني ونحوهما: (أوجب وضوءًا إلا الموت) فيوجب الغسل دون الوضوء (١٩) ولا نقض بغير ما مرَّ كالقذف، من أن آخر ما سمعه من النبي ﷺ : ترك الوضوء من أكل جميع اللحوم، وهذا وإن كان عامًا إلا أنه بسبب تصريحه بطريق من طرق النسخ صار ناسخًا للخاص، وهو قريب من معرفة تاريخ ورود النصين، لكونه أشار إلى الأمر الأول، وعلى فرض عدم نسخه: فإن المقصود بالوضوء المأمور به في حديث جابر بن سمرة هو: غسل اليد والمضمضة؛ لأن لحم الإبل فيه دسامة زائدة تلصق باليد والفم غالبًا، فلحماية المسلم من أن يبيت وفي يده أو فمه دسامة أمر بذلك لئلا تأتي بعض الحشرات كالعقارب بسبب هذا الدسم فتلدغه، هذا ما قاله جمهور العلماء، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض حديث جابر بن عبد الله مع حديث جابر بن سمرة والبراء" فعندنا: يقدم حديث جابر بن عبد الله لأنه ناسخ للآخر، وعندهم: يقدم حديث جابر بن سمرة والبراء؛ لأنه خاص والآخر عام، والخاص مقدم، تنبيه: جعل أكثر الحنابلة أكل لحم الإبل هو الناقض السابع للوضوء ولكن الراجح خلاف ذلك. (١٩) مسألة: في السابع - من نواقض الوضوء - وهو: كل شيء أوجب غسلًا: بأن جامع امرأته، أو التقى الختانان، أو حاضت أو نفست المرأة: فإن الوضوء ينتقض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب الغسل عليه - نظرًا لوجود الحدث الأكبر -: انتقاض وضوؤه؛ لكون الحدث الأكبر: حدث أصغر وزيادة، وهذا هو المقصد الشرعي منه، تنبيه: "إسلام الكافر" الذي ذكره لا يصلح مثالًا لذلك لأن الكافر لا طهارة له أصلًا، فكيف ينتقض وضوؤه؟! تنبيه آخر: "انتقال المني دون خروجه" الذي ذكره المصنف لا يصلح مثالًا لذلك؛ لأن انتقال المني لا يوجب غسلًا - كما سيأتي تقريره في باب الغسل - تنبيه ثالث: إذا أوجب الشارع الغسل من شيء كجنابة ونحوها: فإنه لم يوجب الوضوء =

стр. 182

والكذب والغيبة ونحوها، والقهقهة ولو في الصلاة، وأكل كل ما مست النار - غير لحم الإبل -، ولا يُسن الوضوء منهما (٢٠) (ومن تيقن الطهارة وشك) أي: تردَّد (في معه؛ لأن نية رفع الحدث الأكبر تكفي عن نية رفع الحدث الأصغر إذا أحضرهما في قلبه، فتكون عبارة المصنف فيها نظر، والعبارة الأصح أن يقال: "ما أوجب غسلًا: نقض الوضوء"، تنبيه رابع: "الموت" يوجب على الحي غسله، ولا ينقض وضوء الميت؛ لتلازم الحال. (٢٠) مسألة: لا ينقض الوضوء إلا تلك النواقض السبعة - كما سبق في مسائل (١ و ٢ و ٤ و ٥ و ١١ و ١٧ و ١٩) وهذا مطلق، أي سواء فعل معاصي لسانية كالقذف، والكذب، والغيبة، والنميمة، والسبُ والشتم ونحوها، أو فعل قهقهة - وهو: الضحك الذي يتكرر بصوت مرتفع - داخل الصلاة أو خارجها، أو أكل ما يُطبخ على النار، كل هذا لا ينقض الوضوء: فلا يجب الوضوء منها، لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن لا ينقض الوضوء شيء، لكن وردت أدلة تثبت أن تلك السبعة تنقض الوضوء فقط، وغيرها لم يثبت أنها تنقض الوضوء فتبقى على النفي الأصلي، فنستصحب هذا النفي ونعمل به فلا نتوضأ منها، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" وهو عام، وناسخ لما سبقه، وقد سبق بيانه في مسألة (١٨)، فإن قلتَ: إن القهقهة داخل الصلاة تنقض الوضوء، وهو قول كثير من الحنفية؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﵇ أمر من قهقه داخل الصلاة بإعادة الوضوء والصلاة" والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فلو لم تكن القهقهة ناقضة للوضوء: لما أوجب الوضوء منها، قلتُ: إن هذا الحديث ضعيف، كما قال أئمة الحديث، ثم القهقهة لا تُبطل الوضوء خارج الصلاة، فلا يكون مبطلًا لها داخلها؛ قياسًا على ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الاستصحاب مع حديث =

стр. 183

الحَدَث أو بالعكس): بأن تيقَّن الحدث، وشك في الطهارة: (بني على اليقين) سواء كان في الصلاة أو خارجها، تساوى عنده الأمران، أو غلب على ظنه أحدهما؛ لقوله ﷺ : "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" متفق عليه (٢١) (فإن القهقهة"، فعندنا: يُعمل بالاستصحاب؛ لضعف حديث القهقهة، وعندهم يعمل بحديث القهقهة؛ لقوته عندهم، تنبيه: قوله: "غير لحم الإبل" ذكره؛ لأن أكل هذا اللحم عنده من نواقض الوضوء، وهذا مرجوح؛ كما بينت ذلك في مسألة (١٨). [فرع]: لا يُستحب الوضوء من القهقهة، ولا من أكل ما مسَّت النار، ولكن يُستحب الوضوء من المعاصي اللسانية كالقذف والكذب ونحوها؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إنه لم يرد دليل يثبت استحباب الوضوء من القهقهة، أو من أكل ما مسَّت النار، وعدم الدليل دليل على عدم الحكم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه ثبت عن ابن مسعود وعائشة "أنهما كانا يأمران بالوضوء من الكلام المحرم" وهذا الأمر للاستحباب؛ إذ لا ينقض ذلك الطهارة الحسية، وإنما يُحمل على الطهارة المعنوية، وهي: الطهارة من الذنوب، وهذا هو المقصد الشرعي. (٢١) مسألة: إذا كان متيقنًا من طهارته ولكنه شك هل أحدث بعد ذلك أو لا؟ وتردَّد في ذلك: فإنه يبني على ما تيقن منه، وهو الطهارة، ولا يلتفت إلى شكه ويصلي بناء على ذلك، وكذا: لو كان مستيقنًا من حَدَثه، ولكنه شك: هل تطهر بعد ذلك أو لا؟ وتردَّد في ذلك فإنه يبني على ما تيقن منه، وهو: الحدث، ولا يلتفت إلى شكه، وبناء على ذلك: يتطهر ثم يصلي، وهذا مطلق، أي: سواء كان ذلك داخل الصلاة أو خارجها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" - قاله لمن يُخيل إليه أنه يجد شيئًا يخرج منه - حيث دل بمنطوقه ومفهوم الغاية منه على أنه لا يترك صلاته إلا إذا كان متيقنًا من خروج ريح منه إما بسماع =

стр. 184

تيقنهما) أي: تيقن الطهارة والحدث (وجهل السابق) منهما (فهو بضد حاله قبلهما) إن علمها: فإن كان قبلهما متطهر: فهو الآن محدث، وإن كان محدثًا: فهو الآن متطهر؛ لأنه قد تيقن زوال تلك الحالة إلى ضدها، وشك في بقاء ضدها، وهو الأصل، وإن لم يعلم حاله قبلهما: تطهر (٢٢)، وإذا سمع اثنان صوته عند الخروج، أو بشم ريحه، فهنا يحكم بنقض طهارته، أما إذا شك فلم يسمع ولم يشم شيئًا ولكنه متردِّدًا: فلا ينتقض وضوؤه، ولا يبطل ما تيقن منه من الطهارة بهذا الشك، فإن قلتَ: لِمَ لا يُلتفت إلى الشك؟ قلتُ: للمصلحة حيث إنه لو التفت كل شخص إلى ما يشك فيه وعمل به: للحق كثيرًا من الناس الضيق والمشقة؛ لكثرة ما يقع منهم من الشك في حياتهم. (٢٢) مسألة: إذا أراد شخص أن يصلي الظهر - مثلًا - وهو متيقن أنه متطهر، ومتيقن أنه محدث - أيضًا -، ولكنه لا يعلم أيُّهما الأول؟، فإنا نسأله عن حاله قبل دخول وقت الظهر، وله ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: إن قال: إني كنت - قبل دخول وقت الظهر - محدثًا: فإنا نقول له: أنت الآن متطهر فلك أن تصلي الظهر على تلك الطهارة؛ للاستصحاب؛ حيث إنه قد تيقن من انتقاله من الحدث إلى الطهارة، ولكنه شك في زوال تلك الطهارة؛ لكون الحدث المتيقن بعد دخول الوقت يحتمل أنه كان قبل الطهارة، ويُحتمل أنه كان بعدها، إذن: يكون وجوده بعدها مشكوكًا فيه، فيُستصحب المتيقن منه - وهي: الطهارة - ويُعمل، ولا يُلتفت إلى المشكوك فيه، الحالة الثانية: إن قال: "إني كنتُ قبل دخول وقت الظهر متطهرًا" فإنا نقول له: أنت الآن محدث، فيجب عليك أن تتطهر لصلاة الظهر؛ للاستصحاب؛ حيث إنه متيقن من انتقاله من الطهارة إلى الحدث، ولكنه شك في زوال الحدث؛ لأن الطهارة المتيقنة بعد دخول الوقت يُحتمل أنها كانت قبل الحدث، ويُحتمل أنها كانت بعده؛ إذن: يكون وجودها بعده مشكوكًا فيه، فيستصحب المتيقن منه - وهو: الحدث - ويعمل به، ولا =

стр. 185

صوتًا، أو شما ريحًا من أحدهما لا بعينه: فلا وضوء عليهما، ولا يأثم أحدهما بصاحبه، ولا يُصاففه في الصلاة وحده، وإن كان أحدهما إمامًا: أعادا صلاتهما (٢٣) (ويحرم على المحدث مسُّ المصحف) وبعضه، حتى جلده، وحواشيه بيد أو غيرها بلا حائل، لا حمله بعلاقة، أو في كيس، أو كُمِّ من غير مس، ولا تصفحه بكُمِّه، أو عود ولا صغير لوحًا فيه قرآن من الخالي من الكتابة، ولا مس تفسير ونحوه، ويحرم أيضًا مسُّ مصحف بعضو متنجس (٢٤)، وسفر به لدار حرب، وتوسُّده، وتوسد كتب يُلتفت إلى المشكوك فيه، الحالة الثالثة: إن قال: "لا أدري عن حالي قبل دخول وقت الظهر: فلا أدري هل أنا متطهر أو محدث؟ " فإنا نقول له: يجب عليك التطهر ثم تصلي الظهر؛ للاستصحاب؛ حيث إن الحدث متيقن في إحدى الحالتين، فيستصحب ذلك ويعمل به؛ للاحتياط للدِّين، وهذا هو المقصد منه. (٢٣) مسألة: إذا جلس اثنان وهما على طهارة ولا ثالث لهما فسمعا صوتًا، أو شمَّا ريحًا خرج من دُبُرهما، وكل واحد منهما يظن أن ذلك من صاحبه: فإن طهارتهما لا تنتقض بذلك، فإذا حضرت الصلاة: فإنهما يصليان على طهارتهما الأولى، ولكن لا يكون أحدهما إمامًا للآخر، ولا يصف أحدهما بجانب الآخر وحدهما خلف الصف؛ للتلازم؛ حيث إن كلًا منهما قد تيقن من طهارته وظن أن الحدث من صاحبه فيلزم: أن كلًا منهما يصلي على طهارته التي تيقنها، وأن لا يكون أحدهما إمامًا للآخر؛ لأنه يلزم من ظن أحدهما بأن الآخر هو المحدث: عدم صلاحية أحدهما للإمامة بالآخر وعدم صلاحية المصاففة به؛ لأن المحدث لا يكون إمامًا للمتطهر، ولا يصلح للمصاففة معه؛ لكونه يكون بذلك مفردًا خلف الصف؛ لأن وجود المحدث وعدمه واحد ويلزم من ذلك إعادة صلاتهما إن فعلا ذلك. (٢٤) مسألة: يحرم على المحدث: أن يمس المصحف - وهو: الأوراق التي كتب عليها الآيات القرآنية التي بين الجلدتين - وكذا: يحرم مسُّه بعضو متنجس وإن =

стр. 186

فيها قرآن ما لم يخف سرقة، ويحرم - أيضًا - كتب القرآن بحيث يُهان، وكُره مدّ رجل إليه، واستدباره، وتخطيه، وتحليته بذهب أو فضة، وتحرم تحلية كتب علم (٢٥) كان هو على طهارة: سواء كان هذا المس بيده، أو بأي عضو من بشرته، وسواء مسه كله أو مس بعضه، أو نواحيه أو حواشيه، بشرط: أن يكون هذا المس بلا حائل، أما إن مسه بحائل: كان يقلِّب صفحاته بعود، أو من وراء ثوبه، أو حمله بعلاقة، أو كيس، أو مس صبي لوحًا فيه قرآن من الجانب الخالي من الكتابة، أو مس حواشيه المفسرة له، أو كتب فقه أو تفسير فيها الآيات، أو مس ثوبًا مطرزًا بآيات، أو جدران، أو نقود فيها بعض الآيات: فهذا مباح بدون طهارة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر" حيث دل مفهوم الصفة من هذين النصين على أن غير الطاهر - وهو: المحدث - لا يمس القرآن وأنه يمس الأوراق والأشياء المكتوب عليها قرآن من فقه وتفسير وحائط ونحوها؛ لكونها لا تسمى قرآنًا، فإن قلتَ: لم حُرم ذلك؟ قلتُ: لصيانة وحماية كلام الله وإكرامه من الإهانة ونحو ذلك، وهو داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. (٢٥) مسألة: يحرم فعل أي شيء فيه إهانة للمصحف: كأن يسافر به إلى دار حرب، أو أن يضعه في أي مكان فيه إهانة له كالنوم، والجلوس، والاتكاء عليه، واستدباره، ومد رجله إليه، وكذا: يحرم أن يُحلَّى بذهب أو فضة، وكذا كتب العلم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب إكرام القرآن والعمل بما فيه: أن تحرم إهانته، أو وضع شيء فيه يُنافي العبادة كتحليه بذهب أو فضة، ومثله كتب العلم لكون ذلك إسرافًا، لأن ترك الواجب حرام، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لما ذكرناه في مسألة (٢٤)، تنبيه: قوله: "وكره محمد رجل إليه … " قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهية، والراجح: أنه يحرم مثل ذلك.

стр. 187

(و) يحرم على المحدث أيضًا (الصلاة) ولو نفلًا، حتى صلاة جنازة وسجود تلاوة، وشكر، ولا يكفر من صلى محدثًا (٢٦) (و) يحرم على المحدث - أيضًا - (الطواف)؛ لقوله ﷺ "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام" رواه الشافعي في "مسنده". (٢٧). (٢٦) مسألة: تحرم على المحدث الصلاة أي: إن صلى المحدث تهاونًا: فإنه يأثم بذلك ولا يكفر، وصلاته باطلة: سواء كانت صلاته فرضًا أو نفلًا وسواء كانت صلاة جنازة، أو سجود تلاوة، أو سجود شكر، أما إن صلى المحدث استهزاء: فإنه يكفر؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ﴾ حيث أوجب الشارع التطهر لمن أراد الصلاة، لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ" حيث اشترط الوضوء للصلاة المقبولة، فدل مفهوم الغاية على أن الصلاة بلا وضوء غير مقبولة، الثالثة: التلازم وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من استهزائه بأحكام الدين: كفره بها كما ورد في القرآن الكريم، ثانيهما: أن سجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة يُسمى صلاة؛ لوجود التكبير والتسليم، ونية العبادة والدعاء الله فيلزم من ذلك: أنه يُحرم فعله على المحدث، كالصلاة ذات الركوع والسجود، وكسجود السهو، تنبيه: المقصد الشرعي من الطهارة للصلاة قد سبق بيانه، تنبيه آخر: بعض الحنابلة كابن تيمية وابن عثيمين خالفوا في هذا قائلين: يجوز سجود التلاوة والشكر بدون طهارة؛ بناء على أن ذلك السجود ليس بصلاة وهو مرجوح كما سيأتي بيانه في باب "صلاة التطوع". (٢٧) مسألة: يحرم على المحدث الطواف بالكعبة تهاونًا، سواء كان هذا الطواف واجبًا أو نفلًا، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمن حاضت في الحج: "افعلي ما =

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تتطهري" والنهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم والتقدير: يحرم عليك الطواف بالبيت وأنت محدثة بالحيض، فإذا تطهرت: فطوفي، وغير الحيض من الأحداث مثله؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" فإن قلت: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لأن الطائف بالبيت يُناجي ربه بجميع أنواع الذكر والدعاء، فيُناسبه أن يكون متطهرًا ليتقبَّل الله تلك المناجاة، تنبيه: الحديث الذي ذكره المصنف عن الشافعي ضعيف كما قال أكثر أئمة الحديث. هذه آخر مسائل باب "نواقض الوضوء" ويليه باب "الغسل"

стр. 189

باب الغُسْل بضم الغين: الاغتسال، أي: استعمال الماء في جميع بدنه على وجه مخصوص، وبالفتح: الماء، أو الفعل، وبالكسر: ما يغسل به الرأس من خِطْمي وغيره (وموجبه): ستة أشياء (١) أحدها: (خروج المني) من مخرجه (دفقًا بلذة، لا) إن خرج (بدونهما من غير نائم) ونحوه، فلو خرج من يقظان لغير ذلك كبرد ونحوه من غير شهوة: لم يجب به غسل؛ لحديث علي يرفعه: "إذا فضحت الماء فاغتسل وإن لم تكن فاضخًا باب الغُسْل وفيه ست وأربعون مسألة: (١) مسألة: الغُسْل - بضم الغين - هو: الاغتسال، وهو المراد بهذا الباب، وهو: أن يستعمل الشخص - الذي يُريد إزالة الحدث الأكبر عنه من جنابة وغيرها - الماء في جميع بدنه على وجه مخصوص وطريقة مخصوصة - سيأتي بيان ذلك -، فإن قلتَ: لِمَ جُعل هذا الباب بعد باب نواقض الوضوء؟ قلتُ: لأن كل ما أوجب غَسْلًا نقض الوضوء - كما سبق في مسألة (١٩) من باب "نواقض الوضوء"، فأراد أن يبيِّن الأشياء التي توجب الغسل، وكذا: إنه لما بيَّن فروض وسنن الوضوء التي تزيل الحدث الأصغر: أراد أن يبين ما يزيل الحدث الأكبر، وصفته، فإن قلتَ: لِمَ ضُمَّت الغين هنا؟ قلتُ: لتفريق ذلك عن "الغَسْل" - بفتح الغين - الذي هو نفس الماء الذي يُغتسل به وعن "الغِسل" - بكسر الغين - وهو الغسول الخاص بالرأس من خطمي وطين وأشنان وصابون - والخِطمي بكسر الخاء - حبيبات تؤخذ من شجرة تنبت في الصحراء للتنظف بها - كما جاء في "الصحاح" (٥/ ١٧٨١) و "اللسان" (١١/ ٤٩٤) و"المصباح" (١٧٤)، والموجبات ستة، تنبيه: الأشياء التي توجب الغُسْل ستة، سيأتي بيانها في المسائل الآتية:

стр. 190

وإن أفاق نائم ونحوه يمكن بلوغه فوجد بللًا: فإن تحقق أنه مني: اغتسل فقط ولو لم يذكر احتلامًا، وإن لم يتحققه منيًا: فإن سبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر ونحوه، أو كان به أبْرَده: لم يجب الغسل، وإلا: اغتسل وطهَّر ما أصابه؛ احتياطًا (٣) (وإن انتقل) (٣) مسألة: إذا أفاق النائم البالغ، ورأى بعد إفاقته سائلًا في ثوبه أو فراشه: فإن له حالات: الحالة الأولى: إن تأكد أن هذا السائل مني: فإنه يجب عليه الغسل: سواء تذكر احتلامًا أو لا، أو تذكر لذة أو لا، الحالة الثانية: إن غلب على ظنه أنه مني ولم يكن قبل نومه قد لاعب زوجته أو أمته، ولم يفكر ولم ينظر، وخالي من أي مرض: فإنه يجب عليه الغسل، ويغسل البقعة التي سقط عليها هذا السائل، الحالة الثالثة: إن شك هل هو مني أو مذي؟، وكان قد لاعب زوجته أو أمته، أو فكر أو نظر بشهوة، أو كان فيه مرض كأبْرَده - وهو شيء يصيب الإنسان بسبب شدة البرد والرطوبة -: فإنه لا يجب عليه الغسل، ويجب عليه غسل البقعة التي سقط عليها ذلك السائل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث سألت أم سُلَيم النبي ﷺ قائلة: المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال ﷺ : "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل" فأوجب الغسل من خروج المني من النائم؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وهذا عام، فيشمل ما تأكد الشخص أنه مني، وما غلب على ظنه أنه كذلك؛ لكونه لم يسبق نومه شيء مسبب لخروج المذي، وما كان كذلك فلا يُحمل غالبا إلا على خروج المني، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من الملاعبة والتفكير والنظر ووجود مرض خروج مذي غالبًا فبُني الحكم عليه ولم يوجب الغسل؛ لأن خروج المذي لا يوجبه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هنا هذا التفصيل؟ قلتُ: نظرًا لما يغلب على الظن تعيين نوع هذا السائل بسبب الحالات التي تعتري هذا القائم من نومه، فإن قلتَ: لِمَ يغسل البقعة في الحالة الثانية والثالثة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، إذ يحتمل في الحالة الثانية أن يكون السائل مذيًا احتمالًا =

стр. 191

فلا تغتسل" رواه أحمد، و"الفضخ": خروجه بالغلبة قاله إبراهيم الحربي، فعلى هذا: يكون نجسًا، وليس بمذي، قاله في "الرعاية"، وإن خرج المني من غير مخرجه: كما لو انكسر صلبه فخرج منه: لم يجب الغسل، وحكمه حكم النجاسة المعتادة، (٢) (٢) مسألة: في الأول - من موجبات الغُسْل - وهو: خروج المني دفقًا بلذة وشهوة من مخرجه المعتاد، فإن خرج بدون تدفق وشهوة، أو خرج من غير مخرجه المعتاد - كظهره مثلًا -: فإنه لا غسل عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعلي: "إذا فضخت الماء فاغتسل، وإن لم تكن فاضخًا: فلا تغتسل" حيث أوجب الشارع الغُسل على الشخص الذي أخرج منيه من مخرجه المعتاد دفقًا بشهوة؛ لأن الأمر في قوله: "فاغتسل" مطلق وهو يقتضي الوجوب، ولأن لفظ "الفضخ" يلزم منه: أن يكون ذلك الخروج دفقًا بلذة - وهو: الغلبة والشِّدَّة كما جاء في "اللسان" (٣/ ٤٦) - وخروجه من المعتاد لازم أيضًا من لفظ "الفضخ"؛ لكون الذي يُخرجه من غير مخرجه لا يُسمى فاضخًا، وقد سبق بيان أن خروج المني والمذي والودي من غير مخرجه تُعتبر نجاسة خرجت من البدن توجب الوضوء وذلك في مسألة (١) من باب "نواقض الوضوء" فإن قلتَ: لِمَ كان خروج المني بهذه الصفة يوجب الغُسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الاغتسال بالماء يعيد للبدن نشاطه بعد الكسل والثقل والفتور الذي أصابه بسبب خروج ذلك المني بتلك الشدة والغلبة، ويزيل بالاغتسال أيضًا: النجاسات والقاذورات التي أصابته بسبب ذلك الجماع، بخلاف ما إذا خرج ذلك المني بدون تدفق وشهوة، أو خرج من غير مخرجه المعتاد: فإنه لا يحصل منه ذلك: فلم يجب الغسل عليه، فإن قلتَ: ما الفرق بين المني، والمذي؟ قلتُ: "المني": ماء أبيض ثخين له رائحة كرائحة لقاح النخيل وهو طاهر، و "المذي": ماء يخرج لزجًا عند ابتداء الشهوة، وهو أبيض رقيق جدًا، وسيأتي بيان ذلك في باب "إزالة النجاسة".

стр. 192

المني (ولم يخرج: اغتسل له)؛ لأن الماء قد باعد محلَّه، فصدق عليه اسم "الجنب" ويحصل به البلوغ ونحوه مما يترتب على خروجه (فإن خرج) المني (بعده) أي: بعد غسله؛ لانتقاله: (لم يُعِدْه)؛ لأنه مني واحد فلا يوجب غُسْلين (٤) (و) الثاني (تغيُّب مرجوحًا، ويُحتمل احتمالًا راجحًا في الحالة الثالثة: أن يكون السائل مذيًا، والمذي نجس، يجب غسل البقعة الساقط عليها - كما سبق -. (٤) مسألة: إذا أحس بانتقال المني بشهوة، ولكنه لم يخرج بسبب مسكه لذكره أو غير ذلك: فإن هذا لا يوجب الغسل، وهو قول الجمهور؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل" - وهو حديث أم سليم - ثانيهما: قوله ﷺ : "إذا فضحت الماء فاغتسل" - وهو حديث علي - حيث دل مفهوم الشرط من هذين الحديثين على أن الاغتسال لا يجب إذا لم يُر الماء بالعين أو أحس بخروجه قطعًا أو غلبة الظن، - وهو: لم يُدخله في الفرج - فإن قلتَ: لِمَ لا يوجب ذلك الغسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد؛ فلو وجب الغسل بذلك: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة، لكثرة وقوع ذلك، فإن قلتَ: إن هذا يوجب الغسل إن كان بشهوة وإن لم يخرج مني، ويُحكم ببلوغ الصبي بذلك كما لو خرج فعلًا، وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والجنب هو: تباعد الشيء عن محله الأصلي، وإذا انتقل المني من محله الأصلي فقد صدق عليه اسم "الجنب" وعليه: فيجب الغسل والتطهر لذلك؛ لوصفه بأنه "جُنُب"؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يجب الغسل إذا خرج المني بشهوة فكذلك يجب الغسل من انتقال المني بشهوة والجامع: وجود الشهوة في كل، قلتُ: لا نسلِّم أن المجانبة - المأخوذة من لفظ "الجنب" الوارد في الآية - تحصل من انتقال المني من جهة إلى جهة أخرى في الجسم، بل لا تحصل إلا بخروج المني من الجسم كله، وبهذا يجب عليه الاغتسال أما قبل خروجه فلا يجب، أما قياسهم: فهو فاسد؛ لأنه قياس =

стр. 193

حشفة أصلية) أو قدرها إن فقدت وإن لم يُنزل (في فرج أصلي: قُبُلًا كان أو دُبُرًا) وإن لم يجد حرارة، فإن أولج الخنثى المشكل حشفته في فرج أصلي، ولم يُنزل، أو أولج غير الخنثى ذكره في قُبُل الخنثى: فلا غسل على واحد منهما إن لم ينزل، ولا غسل إذا مس الختان الختان من غير إيلاج، ولا بإيلاج بعض الحشفة (ولو) كان الفرج (من بهيمة أو ميِّت) أو نائم أو مجنون أو صغير يجامع مثله، وكذا: لو استدخلت ذكر نائم أو صغير ونحوه (٥) (و) الثالث (إسلام كافر) أصليًا كان، أو مع الفارق؛ لأن المني الخارج بشهوة وجد فيه وصفان: "خروجه" و "الشهوة" أما المني المنتقل بشهوة فقد وجد فيه وصف واحد، وهو: "الشهوة" فقط، ومع هذا الفارق: فلا قياس، ثم إن مجرَّد وجود "الشهوة" أو تحريكها لا يوجب الغسل؛ إذ لو أوجبه: للزم منه وجوب الغسل بلمس المرأة بشهوة، ولوجب الوضوء من الإحساس بالحدث بالقرقرة الداخلية، وهذا لم يقل به أحد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد في الجنب الوارد في الآية" فعندنا: الانتقال من داخل الجسم إلى خارجه بشهوة، وعندهم: الانتقال إلى مكان آخر ولو كان في داخل الجسم مع الشهوة. [فرع]: إذا جامع، أو احتلم: ثم اغتسل بعد ذلك، ثم خرج منه مني بغير شهوة بعد اغتساله: فإنه لا يجب عليه الاغتسال مرة ثانية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا رأت ذلك فلتغتسل" وقوله: "إذا فضخت الماء فاغتسل" - كما سبقا - حيث إن هذا أمر مطلق، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يقتضي التكرار، بل يُكتفى بإيقاع المأمور به مرة واحدة، فإن قلتَ: لِمَ لا يغتسل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير، إذ لو وجب الاغتسال مرة ثانية: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة؛ لكثرة وقوعه. (٥) مسألة: في الثاني - من موجبات الغُسْل - وهو: التقاء الختانين، والمراد به: إذا حصل تغييب حشفة أصلية من - الرَّجل - وهي: الكمرة تكون فوق الذكر - في فرج أصلي من المرأة، وتحاذى ختانهما: وجب الغسل عليهما: سواء أنزل أو لا، وسواء غيَّب تلك الحشفة في قُبُل أو دبر، وسواء غيبها في آدمي، أو بهيمة، =

стр. 194

مُرتدًا، ولو مميزًا، ولو لم يوجد في كفره ما يوجبه؛ لأن قيس بن عاصم أسلم "فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر" رواه أحمد والترمذي، وحسنه (٦) ويستحب وسواء كان المغيب فيه هذا حيًا أو لا، نائمًا أو لا، مكرهًا أو لا، مسلمًا أو لا، عاقلًا أو لا، صغيرًا أو لا، حتى لو أدخلت امرأة ذكر نائم أو مجنون أو صغير في فرجها، وبناء على هذا: فإنه إذا مس الختان الختان من غير تغييب وإيلاج الحشفة، أو أدخل بعضها، أو أدخل الخنثى حشفته في فرج أصلي، أو أدخل غير الخنثى ذكره في قبُل الخنثى: فلا يجب الغسل في تلك الصور، إذا لم ينزل، أما إذا أنزل بشهوة: فيجب الغسل مطلقًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا جلس بين شُعبها الأربع، ومس الختان الختان: فقد وجب الغسل" حيث أوجب الغسل إذا التقى الختانان، ويلزم من التقائهما: تغييب الحشفة في فرج أصلي، وهذا عام لجميع الحالات التي ذكرت؛ لأن "إذا" الشرطية من صيغ العموم، ودل الحديث بمفهوم الشرط على عدم وجوب الغسل إذا لم يلتق الختانان - على الصفة التي ذكرناها - لكونه لا يُسمى التقاء لغة ولا شرعًا، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من موجبات الغسل؟ قلتُ: لأن إدخال الحشفة في فرج أصلي فيه احتمال إثارة شهوة ولذة، يغلب على الظن إنزال مني بسببها، فعومل معاملة من أنزل منيًا فعلًا، كما أوجبنا الوضوء من النوم؛ لأنه أُنزل منزلة الخارج منه حدث فكذلك هنا، فإن قلتَ: لِمَ وجب الغسل إذا أنزل مطلقًا؟ قلتُ: لوجود سبب الغسل، وهو: إنزال المني بشهوة - كما سبق في مسألة (٢) -. (٦) مسألة: في الثالث - من موجبات الغُسْل - وهو: إسلام الكافر، أي: إذا أسلم الكافر: فيجب عليه أن يغتسل: سواء كان كافرًا أصليًا، أو كان مرتدًا، وسواء كان عليه ما يوجب الغسل كجنابة أو لا، وسواء كان كبيرًا أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "قد أمر قيس بن عاصم، وثمامة بن أثال بالاغتسال =

стр. 195

له إلقاء شعره، قال أحمد: ويغسل ثيابه (٧) (و) الرابع: (موت)، (٨) غير حينما أرادا الإسلام" حيث أوجب الغسل هنا؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ولم يستفصل عن حالهما فيعم جميع أحوالهما؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال يُنَّزل منزلة العموم في المقال، وهو: أيضًا عام لجميع من أسلم؛ لأن أمر الواحد من الصحابة هو أمر للجميع، فإن قلتَ: لِمَ وجب عليه الغسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الاغتسال مع نية صحيحة يطهره ويُنزهه من أي نجاسة حسية وهي القاذورات، أو نجاسة معنوية وهو الشرك والكفر والفسق. (٧) مسألة: يُستحب للكافر إذا اسلم أن يُزيل أي شعر فيه: كشعر رأسه، وإبطه وعانته، ويستحب له: أن يغسل ثيابه التي كان قد لبسها في حال كفره؛ للمصلحة؛ حيث إنه في حال كفره لا يحرص على تنظيف شعره، ولا ثيابه، فاستُحب ذلك له إذا أسلم ليُفرق بين حياته في حال كفره القذرة، وبين حياته بعد إسلامه ودخوله في دين النظافة والنزاهة، تنبيه: لو فكر المسلم تفكيرًا دقيقًا في أحكام الإسلام لوجدها تحث على النظافة الداخلية وهي نظافة القلوب من الحقد والحسد والنفاق والغش والخيانة ونحوها، وتحث على النظافة الخارجية وهو المراد بباب الطهارة هنا. (٨) مسألة: في الرابع - من موجبات الغسل - وهو: الموت، أي: إذا مات المسلم: وجب غسله وجوبًا كفائيًا - إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين -؛ للسنة القولية؛ حيث أمر ﷺ "بغسل من مات في عرفة" و "بغسل ابنته" فأوجب غسل الميت هنا؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ أوجب الشارع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تطهير وتنزيه هذا الميت لمقابلة ربه والملكين، ولإبعاد الرائحة الكريهة التي تنبعث من الميت عادة؛ لئلا يؤذي المصلين عليه والحاملين، والدافنين له.

стр. 196

شهيد معركة، (٩) ومقتول ظلمًا - ويأتي - (١٠) (و) الخامس (حيض و) السادس (نفاس) ولا خلاف في وجوب الغسل بهما قاله في "المغني"، فيجب بالخروج، (٩) مسألة: من قاتل في سبيل الله ومات في المعركة فهو شهيد: لا يُغسَّل ولا يصلى عليه؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "أمر بشهداء أحد أن يُدفنوا بدون غسل ولا صلاة" وهذا الأمر بعدم غسلهم ورد بعد النهي عن دفنهم بدون غسل فيقتضي الإباحة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو وجب غسل شهيد المعركة: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق ومشقة؛ لأنهم إذا اشتغلوا بغسلهم انشغلوا عن عدوهم فباغتهم وأضرَّ بهم، وإن انشغلوا بقتال عدوهم: ظهرت روائح كريهة من هؤلاء الشهداء، فإكرامًا لهم ولغيرهم، وإبقاء لأثر هذه العبادة وهي الدماء عليهم: شرع عدم غسلهم. (١٠) مسألة: إذا قتل المسلم ظلمًا: فإنه يُغسل ويُصلَّى عليه كغيره، وهو مذهب الجمهور؛ للقياس، بيانه: كما أن من مات مبطونًا يُسمى شهيدًا ومع ذلك يغسل ويصلى عليه فكذلك من مات مقتولًا ظلمًا مثله، والجامع: أن كلًا منهما يسمى شرعًا شهيدًا؛ حيث قال ﷺ : "من مات دون أهله فهو شهيد .. " إلى قوله: "والمبطون شهيد" فإن قلتَ: إن هذا لا يُغسَّل وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن شهيد المعركة لا يُغسَّل فكذلك هذا لا يُغسَّل والجامع: أن كلًا منهما قتل دون وجه حق، ويُسمَّى شهيدًا قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن شهيد المعركة، ذهب باختياره ويشق غسله على المسلمين - كما سبق - بخلاف المقتول ظلمًا: فإنه قد أكره على القتال والمدافعة، ولا يشق غسله؛ لكونه نادر الوقوع، ومع الافتراق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناه بمن قُتل مبطونًا؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بشهيد المعركة؛ لأنه أكثر شبهًا به عندهم وهذا هو قياس الشبه، أو "غلبة الأشباه".

стр. 197

والانقطاع؛ شرط (لا ولادة عارية عن دم) فلا غسل بها، والولد طاهر (١١) (ومن لزمه الغسل) لشيء مما تقدم: (حرم عليه) الصلاة، والطواف ومسُّ المصحف و (قراءة القرآن) أي: قراءة آية فصاعدًا، وله قول ما وافق قرآنًا إن لم يقصده كالبسملة والحمدلة ونحوهما كالذكر، وله تهجِّيه، والتفكر فيه، وتحريك شفتيه به ما لم يُبين الحروف، وقراءة بعض آية ما لم تطل (١٢) (١١) مسألة: في الخامس والسادس - من موجبات الغُسْل - وهما: الحيض والنفاس، أي: إذا بدأ دم الحيض، أو دم النفاس بالخروج: فإنه يجب الغسل، ولكن يُشترط لصحة الغسل: أن ينقطع دم الحيض ودم النفاس، وعند خروج الولد المصاحب بالدم يكون الولد نجس بسبب تلطخه بذلك الدم، أما إن ولدت ولدًا ولم يُصاحب بدم: فإن الولد طاهر؛ لقاعدتين: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن من انقطع عنها دم الحيض والنفاس يجب عليها الغسل، ومستند ذلك السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم اغتسلي وصلي" والقياس؛ حيث يُقاس النفاس على الحيض؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تلطُّخ الولد بالدم: تنجُّسه؛ لنجاسة الدم، ويلزم من عدم الدم: كونه طاهرًا، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من موجبات الغسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الدِّماء الخارجة نجسة، فإذا خرجت: نجسَّت ما حولها، وأصابت المرأة بالكسل والوهن: فشُرع الغسل عليها؛ لإزالة تلك القاذورات ولإعادة النشاط والقوة لجسم المرأة؛ ليكون مناسبًا ولائقًا للقيام بعبادة الله تعالى. (١٢) مسألة: يحرم على من وجب عليه الغُسل - كالجنب وغيره مما تقدم -: أن يصلي، ويطوف بالكعبة، ويمس المصحف، وأن يقرأ آية فصاعداً، أما قراءة بعض آية - غير طويلة - أو تفكير بالقرآن، أو النظر فيه وتحريك شفتيه فيه =

стр. 198

ولا يُمنع من قراءته متنجسِّ الفم (١٣) ويُمنع الكافر من بدون بيان بعض حروفه، أو قول ما وافق ألفاظ القرآن كالبسملة والحمدلة، والحوقلة ونحو ذلك: فهذا كله مباح إذا لم يقصد به القرآن لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تقرأ الحائض والجنب أيَّ شيء من القرآن" حيث إن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، ودل مفهوم الصفة منه على أن أي شيء لا يُطلق عليه قرآن كبعض آية أو ذكر ونحوه: فإنه مباح قوله، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله في كل أحيانه" وهذا عام في الأزمنة، فيشمل الزمن الذي يكون فيه على جنب؛ لأن لفظ "كان" و "كل" من صيغ العموم، الثالثة: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المحدث حدثًا أصغر لا يصلي ولا يطوف، ولا يمس المصحف فكذلك المحدث حدثًا أكبر - كالجنب - مثله، والجامع النجاسة في كل، بل إن نجاسة الحدث الأكبر أغلظ من نجاسة الأصغر، فيكون قياسًا أولى، ثانيهما: كما أن قراءة القرآن تحرم على الحائض والجنب فكذلك تحرم على غيرهما ممن عليه حدث أكبر كالنفساء، ونحوها، والجامع: وجود الحدث الأكبر في كل، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لتكريم وتعظيم الله ، وكلامه، أصله: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذكر الله هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه "بذكر الله تطمئن القلوب" فلو منع من وجب عليه الغسل من ذكر الله: لَلَحِق أكثر المسلمين حرج ومشقة، ومضره في فوات وقت لم يذكر فيه الله؛ لذلك نجد النبي ﷺ يذكر الله في كل أحيانه، وأمر بأن يكون لسان المؤمن رطبًا من ذكر الله. (١٣) مسألة: يجوز للمسلم المتنجس الفم: أن يقرأ القرآن: كأن يشرب دواء نجسًا، أو أكل المضطر الميتة أو نحو ذلك؛ للسنة القولية، حيث "إنه ﷺ قد نهى الحائض والجنب من قراءة القرآن" - كما سبق - حيث إن مفهوم الصفة قد دلَّ =

стр. 199

قراءته (١٤) ولو رُجي إسلامه (١٥) (ويعبر المسجد) أي: يدخله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: طريق (لحاجة) وغيرها على الصحيح، كما مشى عليه في "الإقناع"، وكونه طريقًا قصيرًا حاجة، وكره أحمد اتخاذه طريقا، ومُصلّى العيد مسجد، لا مُصلى الجنائز (١٦) (ولا) يجوز أن (يلبث فيه) أي في المسجد من عليه على جواز قراءة القرآن لغير الجنب والحائض ونحوهما ممن فيه حدث أكبر، فيشمل عموم هذا المفهوم: من فمه متنجِّس فيجوز له قراءة القرآن؛ لعدم عموم النجاسة في سائر البدن. (١٤) مسألة: الكافر يمنع من قراءة القرآن: سواء كان أصلياً أو مرتدًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فيلزم من وصفهم بالنجاسة: منعهم من قراءة القرآن كما يُمنع من به حدث أكبر من قراءته، فإذا منع المسلم المحدث حدثًا أكبر من ذلك فمنع الكافر منه أولى، فيكون قياسًا أولى - أيضًا - فإن قلتَ: لِمَ يمنع الكافر هنا؟ قلتُ: لتكريم القرآن من الاستهانة به. (١٥) مسألة: إذا كان الكافر يرجى إسلامه: فلا يمنع من قراءة القرآن؛ للمصلحة؛ حيث إن رجاء الإسلام فيه جلب مصلحة له وللمسلمين، فتكون هذه المصلحة مخصّصة لعموم الآية السابقة في مسألة (١٤)، فإن قلتَ: يمنع من قراءته ولو رُجي إسلامه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن رجاء إسلامه لا يُظهره فيلزم منعه منه، قلتُ: إن هذا ضد مصلحته ومصلحة المسلمين كما قلنا، فلا يؤخذ بهذا اللازم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل المصلحة تقوى على تخصيص عموم الآية السابقة أو لا؟ " فنحن نقول: تقوى على ذلك؛ لأنه نظر في المآل، ومن خالف قال: لا تقوى المصلحة على التخصيص هنا. (١٦) مسألة: يحرم على من وجب عليه الغسل: أن يعبر المسجد لغير حاجة، إلا مكان صلاة الجنائز فيجوز عبوره؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: =

стр. 200

غسل (بغير وضوء) فإن توضأ: جاز اللبث فيه (١٧) ويمنع منه مجنون وسكران، ومن ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ حيث إن النهي في قوله: "ولا جنبا" مطلق، وهو يقتضي التحريم، واستثنى من ذلك عابري السبيل وهو: الخاطر المجتاز؛ لحاجته لذلك - كما قال مالك والشافعي - وأثبت إباحة العبور لأن الاستثناء من النفي إثبات، وإباحة، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن مسعود كانا يرخِّصان في العبور، والرخصة لا تكون إلا عند الحاجة، الثالثة: التلازم؛ حيث إن العادة قد جرت على أن المسلمين يجعلون مكانًا يصلون فيه على الجنائز، ولا يصلون فيه الصلاة العادية؛ لكونه لا يسلم من بعض النجاسات التي تخرج من الميت فيلزم من ذلك جواز عبور ذلك المكان واللبث فيه لمن عليه حدث أكبر؛ لعدم الفارق بين النجاسات، فإن قلت: لِمَ حُرم عبور المساجد على من عليه حدث أكبر لغير الحاجة، وأبيح للحاجة؟ قلتُ: لتكريم مساجد الله، ولتكريم من يصلون ويسجدون فيه من أن يلوث بشيء ممن يسقط ممن عليه حدث خاصة الحائض ونحوها، وأبيح للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس قد يحتاج للعبور، فإن قلتَ: يباح للحاجة ولغير الحاجة - كما ذكر المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على هذا الإطلاق. (١٧) مسألة: لا يجوز لمن عليه غسل - كالجنب - أن يجلس ويلبث في المسجد مطلقًا بلا وضوء، فإن توضأ الجنب ونحوه: جاز له الجلوس فيه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" حيث صرَّح هنا بعدم جواز جلوس الجنب والحائض في أيِّ مسجد، والكافر والنفساء كالحائض والجنب؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال زيد بن أسلم: "كان الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ جنبًا فيتوضأ ثم يدخل المسجد فيتحدَّث" فيلزم من التحدُّث في المسجد: الجلوس فيه عادة، وفعل الصحابي هذا قد خصّص عموم الحديث السابق، فإن =

стр. 201

عليه نجاسة تتعدَّى، (١٨) ويباح به وضوء وغسل إن لم يؤذ بهما، وإذا كان الماء في المسجد: جاز دخوله بلا تيمم، (١٩) وإن أراد اللبث فيه للاغتسال: تيمم، وإن تعذر الماء واحتاج للبث: جاز بلا تيمم (٢٠) (ومن غسل ميتًا) مسلمًا أو كافرًا: سن له قلتَ: لِمَ لا يجوز اللبث في المسجد لهؤلاء؟ قلتُ: لتكريم المسجد، ولتكريم المصلين من نجاستهم؛ لأنه يغلب على الظن سقوط شيء نجس منهم، فإن قلتَ: لم جاز لمن توضأ منهم الجلوس فيه؟ قلتُ: لأن الوضوء يخفف من نجاسة هؤلاء، ويُعيد إليهم بعض نشاطهم، ويزيل بعض الروائح الكريهة عنهم. (١٨) مسألة: كل من يغلب على الظن نجاسته يمنع من دخول المسجد كالمجنون، والسكران، والصبيان غير المميزين، ومن كانت مهنتهم الاشتغال بالنجاسات؛ للمصلحة؛ حيث إن منعهم فيه تطهير للمسجد، واحترام وتكريم له، وحماية للمصلين فيه من النجاسة. (١٩) مسألة: يباح للمحدث حدثًا أصغر أن يدخل المسجد بلا تيمم، ويباح له أن يتوضأ ويغتسل داخله بشرط: أن لا يؤذي أحدًا بذلك؛ للاستصحاب حيث إن الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد دليل يمنع من ذلك، فنبقى على هذا الأصل فنستصحبه، ونعمل به؛ فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: لعدم وجود ضرر على أحد، فإن وجد ضرر: فلا يباح؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. (٢٠) مسألة: إذا كان المحدث حدثًا أكبر محتاجًا للجلوس في المسجد بسبب خوف ونحوه ولم يقدر على الاغتسال ولا الوضوء: فإنه يتيمم ويجلس في المسجد، وإن تعذَّر التيمم: جلس فيه بدون تيمم أيضا؛ لقول الصحابي؛ حيث قال علي وابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: "يعني مسافرين لا يجدون ماء فيتيمَّمون" وقول الصحابي هذا قد خصَّص الآية، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضرر وقضاء حاجة، والتيمم - =

стр. 202

الغسل؛ "لأمر أبي هريرة ﵁ بذلك" رواه أحمد وغيره (أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم) أي: إنزال: (سنَّ له الغسل)؛ "لأن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء" متفق عليه، والجنون في معناه، بل أولى، وتأتي بقية الأغسال المستحبة في أبواب ما تستحب له، (٢١) ويتيمم للكل، ولما يسن له الوضوء؛ إن فُعِل - يُخَفّف الحدث؛ لكونه أحد الطهورين تنبيه: الأصح أن يقول: "وإن تعذر التيمم … ". (٢١) مسألة: الأغسال المستحبة للمسلم ثلاثة عشر: أولها: بعد غسل الميت؛ لقول الصحابي؛ حيث إن أبا هريرة "كان يأمر غاسل الميت بالاغتسال" وهذا الأمر للاستحباب؛ لاحتمال سقوط بعض النجاسات من الميت على بدن ذلك الغاسل، فيكون احتياطًا، وهذا المقصد منه، ثانيها: إذا أفاق المغمى عليه أو المجنون؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ اغتسل لما أفاق من الإغماء" والجنون مثله؛ لعدم الفارق وهو من باب "مفهوم الموافقة"؛ لاحتمال خروج بعض النجاسات التي تلطّخ بها الجسم، فشرع هذا لإزالة تلك النجاسات، وهذا المقصد منه، ثالثها: غسل يوم الجمعة، رابعها: غسل صلاة العيدين، خامسها: غسل صلاة الاستسقاء، سادسها: غسل صلاة الكسوف، سابعها: غسل المستحاضة لكل صلاة، ثامنها: غسل الإحرام للحج والعمرة، تاسعها: غسل دخول مكة، عاشرها: غسل الوقوف بعرفة، حادي عشر: غسل المبيت بمزدلفة، ثاني عشر: غسل رمي الجمار، ثالث عشر: غسل الطواف بالكعبة، وسيأتي بيان كل غسل وقاعدته ومقصده الشرعي في كل باب قد تعلق الغسل به، فإن قلتَ: لِمَا اسْتُحبت هذه الأغسال؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في تلك الأغسال إزالة للقاذورات التي يمكن أن تكون قد علقت بالبدن من حيث لا يدري المسلم، وإزالة للروائح الكريهة؛ لئلا يؤذي الآخرين بها عند الاجتماع بهم في تلك المناسبات.

стр. 203

لعذر، (٢٢) (و) صفة الغسل (الكامل) أي: المشتمل على الواجبات والسنن: (أن ينوي) رفع الحدث، أو استباحة الصلاة أو نحوها، (٢٣) (ثم يُسمِّي) وهي - هنا - كوضوء: تجب مع الذكر، وتسقط مع السهو (٢٤) (ويغسل يديه ثلاثًا) كما في (٢٢) مسألة: إذا تعذر استعمال الماء - لفقدانه أو للضرر - وهو يريد أن يتحصل على أجر فعل المستحبات - كالقراءة بمس المصحف، أو الأذان أو نحو ذلك -: فإنه يتيمم، وينوي به التطهر من حدث أكبر أو أصغر - على حسب الحالة التي هو فيها - ويفعل ما أراده؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد تيمم لردِّ السلام، وغيره مثله لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه عدم ضياع وقت بلا عمل صالح، تنبيه: بيان صفة الغسل الكامل سيأتي في المسائل الآتية. (٢٣) مسألة: في الأول - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن ينوي وجوبًا أنه يغتسل لإزالة الحدث الأكبر - من جنابة وغيرها - أو ينوي استباحة ما لا يستباح إلا بطهارة كالصلاة، أو ينوي الاغتسال المستحب، وقد سبق أن تلك النية شرط للوضوء والاغتسال ولجميع الطهارات في مسألة (١٩) من باب "فروض الوضوء وصفته". (٢٤) مسألة: في الثاني - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يسمي استحبابًا قائلًا: "بسم الله" وقد سبق بيان ذلك في مسألة (١٦) من باب: "السواك وسنن الوضوء"، تنبيه: قوله: "تجب مع الذكر .. " هذا على مذهب المصنف، وقد بينت أن التسمية في الطهارات كلها وغيرها: سنة ومستحبة في مسألة (١٦) من باب السواك وسنن الوضوء.

стр. 204

الوضوء، وهو هنا آكد لرفع الحدث عنهما بذلك، (٢٥) (و) يغسل (ما لوثه) من أذى، (٢٦) (ويتوضأ) كاملًا (٢٧) (ويحثي) الماء (على رأسه ثلاثًا يُرَوِّيه) أي: يُروِّي في كل مرة أصول شعره؛ لحديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثًا، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيديه حتى إذا ظن أنه قد روَّى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات ثم غسل (٢٥) مسألة: في الثالث - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يغسل كفيه ثلاث مرات قبل إدخالهما الإناء استحبابًا، يفعل ذلك وإن غلب على ظنه طهارتهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثًا"، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يستحب ذلك في الوضوء، كما في مسألة (٣١) من باب "السواك وسنن الوضوء" فكذلك يستحب هنا، بل غسلهما هنا آكد لإزالة ما فيهما من تلوث فيكون قياسًا أولى، وهذا هو المقصد منه. (٢٦) مسألة: في الرابع - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يغسل الموضع الذي غلب على ظنه أنه ملوث بالنجاسات والقاذورات بعد جماع أو حيض أو نفاس ونحوها، وهذا مستحب، ثم بعد ذلك يغسل كفه الذي غسل به ذلك بشيء مزيل كالصابون أو التراب؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يفعل ذلك" كما قالت عائشة، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من انتشار الأوساخ والقاذورات في سائر البدن. (٢٧) مسألة: في الخامس - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يتوضأ وضوءًا كاملًا على صفة وضوئه للصلاة، وهذا مستحب؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما قالت عائشة - فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: لأن أعضاء الوضوء أشرف أعضاء البدن، فلذا زيد في الاهتمام بها؛ نظرًا لظهورها، والتجمُّل بها، وإظهار المسلم بأحسن صورة وهيئة.

стр. 205

سائر جسده" متفق عليه (٢٨) (ويعم بدنه غسلًا) فلا يجزيء المسح (ثلاثًا) حتى ما يظهر من فرج امرأة عند قعود الحاجة، وباطن شعر، (٢٩) وتنقضه لحيض (٢٨) مسألة: في السادس - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يصب الماء على جميع رأسه ثلاث مرات، ويتأكد أنه قد روَّى أصول شعره بالماء، ووصل إليها في كل مرة؛ للسنة القولية؛ حيث "كان النبي ﷺ يفعل ذلك" - كما قالت عائشة -، فإن قلتَ: لِمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأوساخ والقاذورت تتراكم عادة في شعر الرأس، فتنظيفًا لذلك وإزالة لتلك الأوساخ شرع الشارع غسله وترويته بالماء ثلاث مرات؛ لئلا يؤذي نفسه أو غيره برائحته، ولقطع ما يسببه ذلك من الأمراض. (٢٩) مسألة: في السابع - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يعمم بدنه وجسمه كله بالماء ويغسله به غسلًا وجوبًا ويحرص على مواضع الشعر ومنابته في جميع البدن من ذكر أو أنثى، حتى أن المرأة تغسل ما ظهر من فرجها عند قعودها، ولا يجزيء مسح الجسم بالماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة" حيث أوجب الغسل والإنقاء بالماء؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويقتضي عدم تكرار غسل جميع البدن، فيكفي مرة واحدة، ويلزم من لفظ "وأنقوا" أن المسح لا يكفي ولا يُجزيء، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ كان يغسل سائر بدنه" - كما قالت عائشة وميمونة -، فإن قلتَ: لِمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: لتنظيفه وتطهيره وإزالة القاذورات العالقة به، وإعادة النشاط إليه، فإن قلتَ: يغسل البدن ثلاث مرات - كما ذكره المصنف هنا -؛ قياسًا على غسل شعر الرأس قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع النص، وهو: السنة القولية والفعلية؛ حيث لا يُفهم منهما تكرار غسل البدن، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة" فنحن نعمل بما ظهر من السنة، وهم: عملوا بالقياس لكونه عندهم لا =

стр. 206

ونفاس (٣٠) (ويدلكه) أي: يدلك بدنه بيديه؛ ليتيقّن وصول الماء إلى مغابنه، وجميع بدنه، ويتفقد أصول شعره، وعضاريف أذنيه، وتحت حلقه وإبطيه، وعمق سرته، وبين إليتيه، وطي ركبتيه (٣١) (ويتيامن)؛ لأنه ﷺ كان يعجبه التيامن في يضاد النص، بل زاده حكمًا، تنبيه: إن أريد بغسل البدن ثلاثًا استحبابًا فهذا لا خلاف فيه؛ للمصلحة؛ حيث إن فيه زيادة تنظيف. (٣٠) مسألة: يجب أن تنقض المرأة رأسها إذا أرادت أن تغتسل عن حيض ونفاس، بخلاف غسلها من الجنابة فلا يجب عليها ذلك؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ لعائشة إذا كانت حائضًا: "انقضي رأسك وامتشطي" حيث أوجب عليها نقض رأسها إذا كانت حائضًا؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، والنفساء كالحائض؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيهما: قوله ﷺ لأم سلمة - حينما سألته عن نقض رأسها لغسل الجنابة -: "لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" وهذا يلزم منه عدم وجوب نقض الرأس عند الغسل من الجنابة، وهذا عام للمرأة والرجل إذا كان له ظفائر؛ لأن الخطاب الموجَّه إلى صحابي عام لجميع الناس؛ إذا لم يوجد مخصِّص له، فإن قلتَ: لِمَ وجب نقضه عند غُسل الحيض والنفاس، ولا يجب عند غسل الجنابة؟ قلت: لأن الأصل هو نقضه في كل غسل؛ حتى يصل الماء إلى أصول الشعر، ولكن خُفِّف النقض عن الجنب؛ نظرًا لتكرره؛ حيث إنه يشق نقضه في كل جنابة؛ بخلاف الحائض والنفساء فنظرًا لعدم تكرره: وجب نقضه؛ لعدم المشقة في ذلك. (٣١) مسألة: في الثامن - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يدلك ويفرك بدنه بيديه استحبابًا وذلك أثناء غسله خاصة ما يخفى عادة من البدن كالإبط ومطاوي البدن كالذي تحت حلقه وركبتيه وما بين إليتيه، وداخل سرته وأذنه ونحو ذلك؛ للمصلحة؛ =

стр. 207

طهوره (٣٢) (ويغسل قدميه) ثانيًا (مكانًا آخر) (٣٣) ويكفي الظن في الإسباغ، (٣٤) قال بعضهم: ويحرك خاتمه؛ ليتيقن وصول الماء (٣٥) (و) الغسل (المجزيء) أي: الكافي: حيث إن ذلك يُغلِّب على ظنه وصول الماء إلى هذه المواضع؛ لتكمل طهارته، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: لكون الدلك زيادة على غسل البدن الواجب، وذلك للمبالغة في النظافة، والمنع من الأمراض. (٣٢) مسألة: يُستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن إذا أراد أن يغتسل، ثم الأيسر؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في طهوره" - كما قالت عائشة - فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للحصول على بركة البدء باليمين. (٣٣) مسألة: في التاسع - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يغسل قدميه ثانيًا في موضع غير الموضع الذي اغتسل فيه أولًا، استحبابًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يفعل ذلك" - كما قالت عائشة -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يغلب على الظن أن أكثر القاذورات التي في أعلى البدن قد انحدرت إلى القدمين، فاستُحب ذلك لإزالة هذه القاذورات. (٣٤) مسألة: يكفي في الغسل: أن يغلب على ظن المغتسل: أنه أسبغ وأروى بالماء كلَّ بقعة من بدنه، ولا يُشترط القطع بذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته"، فإن قلتَ: لِمَ يكفي الظن، ولا يشترط القطع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القطع في هذا يشق على المسلم. (٣٥) مسألة: في العاشر والأخير - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يحرك خاتمه وجوبًا إن غلب على ظنه عدم وصول الماء إلى ما تحته؛ للتلازم، حيث يلزم من وجوب غسل جميع البدن - كما سبق بيانه -: أن يغسل ما تحت الخاتم، تنبيه: ما سبق ذكره من الأعمال العشرة هي: أعمال الغسل الكامل المشتمل على الواجبات والمستحبات.

стр. 208

(أن ينوي) كما تقدم (ويُسمِّي) فيقول: "بسم الله" (ويعم بدنه بالغسل مرة) أي: يغسل ظاهر جميع بدنه وما في حكمه من غير ضرر كالفم والأنف والبشرة التي تحت الشعر ولو كثيفة، وباطن الشعر، وظاهره مع مسترسله، وما تحت حشفة أقلف إن أمكن شمرها (٣٦) ويرتفع حدث قبل زوال حكم خبث، (٣٧) ويُستحب سدر في غسل كافر أسلم وحائض، (٣٨) وأخذها مِسْكًا تجعله في قطنة ونحوها تجعلها (٣٦) مسألة: الغسل المجزيء أن ينوي ثم يُعمم بدنه بغسله بالماء مرة واحدة بشرط: أن يكون هذا شاملًا للظاهر من البدن، وللباطن المستطاع غسله، وقد سبق بيان ذلك في مسألتي (٢٣ و ٢٩)، فإن قلتَ: لِمَ كان هذا مجزئًا في الغسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة وكلفة عن المسلمين؛ لقلة المياه، ولمشقة فعل الغسل الكامل، تنبيه: عند من يوجب التسمية: يوجبها بعد النية وقد سبق أنها سنة .. (٣٧) مسألة: إذا وجد خبث ونجاسة على بشرة المسلم، وكان عليه غسل واجب لجنابة، ثم اغتسل له - كما وصفنا سابقًا - ولم تمنع تلك النجاسة من وصول الماء إلى البشرة: فإن حدثه يرتفع؛ للتلازم؛ حيث إنه اغتسل الغسل الشرعي: فيلزم ارتفاع حدثه وإن لم تزل تلك النجاسة؛ حيث إنها لا صلة لها بالحدث، وهذا هو المقصد منه. (٣٨) مسألة: يُستحب للكافر والحائض والنفساء أن يستعملوا في غسلهم سدرًا - وهو: شجرة ثمرها النبق وأوراقها لها رائحة طيبة كما في "اللسان" (٤/ ٣٥٤) - ويكفي عنه الصابون ونحو ذلك من المنظفات؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "قد أمر قيس بن عاصم لما أسلم أن يغتسل بماء وسدر"، وأمر عائشة "أن تغتسل من الحيض بماء وسدر"، والنفساء كالحائض؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مدة =

стр. 209

في فرجها، فإن لم تجد: فطيبًا، فإن لم تجد: فطينًا (٣٩) (ويتوضأ بمدٍّ) استحبابًا، و "المدُّ" رطل وثلث رطل عراقي، ورطل وأوقيتان وسُبُعا أوقية مصري، وثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية دمشقية، وأوقيتان وأربعة أسباع أوقية قُدْسيًا (ويغتسل بصاع) وهو: أربعة أمداد، وإن زاد: جاز، لكن يُكره الإسراف ولو على نهر جار (٤٠) ويحرم أن يغتسل عريانًا الكفر، والحيض والنفاس تطول عادة، وتكثر خلال ذلك القاذورات والأوساخ، فاستحب السدر والصابون؛ لإزالة ذلك. (٣٩) مسألة: يستحب للحائض والنفساء إذا فرغتا من غسلهما: أن تطيبًا محل خروج الدم بأي طيب كمسك ونحوه تجعله في قطنة أو خرقة ثم تلصقها في فرجها وما حوله، فإن لم يتيسَّر الطيب فإنها تجعل طينًا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يقطع الرائحة الكريهة التي تكون عادة في محل خروج الدم، وتُبدل ذلك برائحة طيبة مما يجعلها مقبولة عند زوجها، وسيدها، وجليساتها. (٤٠) مسألة: يُستحب أن يغتسل بصاع من الماء، ويستحب أن يتوضأ بمد وهو: ربع الصاع، فإن زاد في الغسل أو الوضوء عن ذلك: فلا بأس، لكن يُكره الإسراف في تلك الزيادة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أنكر على سعد إسرافه في الوضوء فقال سعد: أفي الوضوء إسراف؟ قال ﷺ : "نعم ولو كنت على نهر جار" وهذا شامل للوضوء والغسل؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ "كان يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع" - كما قال أنس - ثانيهما: قول عائشة: "كنتُ اغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد يُقال له "الفرق""، و "الفرق" يسع ثلاثة أصواع عند أهل الحجاز - كما في "اللسان" (١٠/ ٣٠٦) - فيلزم إباحة الزيادة القليلة، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه المحافظة على الماء؛ لاستعماله في أمور أخرى، وفيه المنع من مرض الوسوسة، =

стр. 210

بين الناس، وكُره خاليًا في الماء (٤١) (فإن أسبغ بأقل) مما ذكر في الوضوء أو الغسل: أجزأه، و"الإسباغ": تعميم العضو بالماء بحيث يجري عليه، ولا يكون مسحًا (٤٢) (أو لذا: كره الإسراف فيه، وفي إباحة الزيادة اليسيرة في استعمال الماء: دفع الحرج من وجود زيادة في ذلك، تنبيه: ما ذكره المصنف من مقاييس المد هي مقادير كانت في زمانه وهو عام (١٠٥١ هـ). (٤١) مسألة: يحرم أن يغتسل المسلم وهو عريان بين الناس، ويُكره أن يبالغ في التَّعرِّي وهو يغتسل وإن كان خاليًا وبعيدًا عن أنظار الناس؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا اغتسل أحدكم فليستتر" حيث أوجب الشارع على المغتسل أن يستتر؛ لأن الأمر مطلق وهو يقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ استتر بثوب واغتسل"، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن المبالغة في التعري قد يؤدِّي إلى أن يؤذيه بعض الجن الساكنين في المياه، فنظرًا لهذا الاحتمال: كُرهت المبالغة في ذلك. (٤٢) مسألة: إذا أسبغ المسلم الوضوء والغسل - بأن أجرى الماء على بدنه - بأقل من مد للمتوضئ، أو أقل من صاع للمغتسل: فإنه يجزئه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وقال تعالى في الوضوء: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. ﴾ حيث أوجب الاغتسال؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، و "الغسل" تعميم العضو، أو البدن بالماء بحيث يسيل ويجري عليه، وقد فعله، فيلزم: أن يجزئه أدنى ما يطلق عليه اسم الغسل، لفعله ما وجب عليه فعله، ولا يُسمى هذا مسحًا؛ لأن "الغسل" غير "المسح" لغة وشرعًا، فإن قلتَ: لِمَ أجزأ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين؛ فلم يُقيَّد المسلم بالمد والصاع بحيث لا يزيد ولا ينقص.

стр. 211

نوي بغسله الحَدَثين) أو الحدث، وأطلق، أو الصلاة ونحوها مما يحتاج لوضوء وغسل: (أجزأ) عن الحدثين، ولم يلزمه ترتيب ولا موالاة (٤٣) (ويُسنُّ لجنب) ولو أنثى وحائض ونفساء انقطع دمهما (غسل فرجه)؛ لإزالة ما عليه من الأذى (والوضوء لأكل) وشرب؛ لقول عائشة ﵂: "رخَّص رسول الله ﷺ للجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة" رواه أحمد بإسناد صحيح (ونوم)؛ لقول عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه، وتوضأ وضوءه للصلاة" متفق عليه، ويكره تركه لنوم فقط (و) يُسنُّ أيضًا: غسل فرجه ووضوؤه لـ (معاودة وطء)؛ لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يُعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا" رواه مسلم وغيره، وزاد الحاكم: "فإنه أنشط للعود"، والغسل أفضل، (٤٤) وكره الإمام أحمد بناء الحمام وبيعه وإجارته، وقال: "من بنى (٤٣) مسألة: إذا كان على المسلم حدث أصغر، وحدث أكبر، ونوى بغسله ارتفاع الحدثين معًا، أو نوى ارتفاع الحدث وأطلق فلم يقيده بالأكبر أو بالأصغر، أو نوى به إستباحة ما لا يُستباح إلا بالطهارة كالصلاة: فإن هذا يُجزيء، ويصح التطهر، ويصلي بعد ذلك، وهذه الحالة لا يشترط فيها ترتيب ولا موالاة - كما سبق في فروض الوضوء -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" فإذا نوى بغُسله ارتفاع الحدثين صحت نيته، وكان العمل مقبولًا شرعًا، وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: لِمَ سقط الترتيب والموالاة عن الوضوء هنا؟ قلتُ: نظرًا لدخول الوضوء ضمن الغُسل؛ إذ الغسل وضوء وزيادة. (٤٤) مسألة: إذا كان على المسلم حدث أكبر - كجنابة ونحوها - وأراد أن يأكل أو يشرب، أو ينام أو يجامع امرأته مرة ثانية: فإن الأفضل أن يغتسل قبل فعل تلك الأمور الأربعة، فإن لم يفعل: فإنه يُستحب أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفعل تلك الأمور الأربعة، وإن لم يفعل ذلك: فلا بأس أن =

стр. 212

حمامًا للنساء ليس بعدل"، (٤٥) وللرجل دخوله بستره مع أمن الوقوع في محرم، ويُحرَّم على المرأة بلا عذر. (٤٦) يفعلها بدون غسل أو وضوء؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قول عائشة: "رخَّص رسول ﷺ للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة" ثانيهما: قوله ﷺ : "إذا آتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يُعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا" ويلزم من "الوضوء": غسل الفرج، والأمر في قوله: "فليتوضأ" للاستحباب؛ حيث صرفه إليه الحديث السابق وهو واضح، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن الغسل هو الأصل، وهو أنفع وأنشط للجسم، والوضوء، وغسل الفرج قبل فعل تلك الأمور الأربعة: يُخفف من الحدث الأكبر، ويُزيل ما علق به من روائح غير مقبولة ونجاسات، وأنشط للعود في الجماع مرة ثانية كما أخرج ذلك الحاكم عنه ﷺ . (٤٥) مسألة: يحرم بناء الحمام للنساء - وهو: مُغتسل عام يُعمل قديمًا داخل المدن يتنظَّف فيه الناس - ويكره بيعه، وشراؤه، وإجارته على الرجال؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تساهل بعورات النساء، والشارع قد غلَّظ في ستر المرأة؛ حتى أن أفضل صلاتها تكون في أقصى بيتها، وما وقع الفساد والفتن إلا بسبب هذا التساهل، فحرم سدًا للذرائع، فإن قلتَ: يُكره ذلك ولا يحرم وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة؛ حيث إنه يحتمل وجود فساد للنساء فيه، وهذا الاحتمال هو الموجب للكراهة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فعندنا: إنها ترقى إلى درجة التحريم، وعندهم: إنها تقتضي الكراهة فقط؛ لأنها محتملة. (٤٦) مسألة: يُحرَّم على الرجل والمرأة دخول الحمام العام إذا لم يأمنا من الوقوع في محرم أو مكروه كأن يوجد أشخاص ينظرون إلى العورات، أو الداخل ينظر =

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى عوراتهم، أما إذا أمنا ذلك: فيُباح للرجل مطلقًا، ويُباح للمرأة إذا وجد عذر عندها كمرض، أو كثرة أقذار، أو طول نفاس، ولا يزول ذلك إلا بماء الحمام؛ لما يتميز به من كثرة الماء وشدة حرارته؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب" ودخول الحمام يلزم منه خلع ثيابها في غير بيت زوجها، وهذا الوعيد دل على تحريم ذلك، لأنه عقاب ولا يعاقب إلا على فعل محرم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس دخل حمامًا بالجحفة، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن عدم النظر إلى العورات يمنع الفتنة، وأن وجود العذر للمرأة من مرض ونحوه هو الذي تسبب في الترخص بدخول الحمام إذا أمنت الوقوع في محرم أو مكروه لدفع الضرر، وهذه المصلحة هي التي خصَّصت عموم السنة القولية السابقة الذكر. هذه آخر مسائل باب "الغسل" ويليه باب "التيمم"

стр. 214

باب التيمُّم في اللغة: القصد، وشرعًا: مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص، وهو من خصائص هذه الأمة، لم يجعله الله طهورًا لغيرها؛ توسعة عليها، وإحسانًا إليها فقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية (١) (وهو) أي: التيمم (بدل طهارة باب التيمُّم - وهو: بدل الوضوء والغُسْل وفيه ثنتان وخمسون مسألة: (١) مسألة: التيمم لغة مأخوذ من "الأمِّ" وهو: القصد، يقال: "أمَّه" أي: قصده، ثم نقل في الشرع للفعل المخصوص الذي هو المراد به في الاصطلاح: وهو: مسح الوجه والكفين بشيء من الصعيد من تراب ونحوه، على وجه التَّعبد، بطرق وشرائط مخصوصة - سيأتي بيانها -، فإن قلتَ: لِمَ ذكر التيمم بعد باب "الغسل"؟ قلتُ: لأنه بدل عن الماء إذا فقد، أو عُجِز عن استعماله، ويذكر البدل بعد المبدل عادة، فإن قلتَ: لِمَ كان التيمم من خصائص هذه الأمة؛ حيث قال ﷺ : "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحد قبلي .. " وذكر منها: "وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورا"؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التيمم فيه توسعة وتيسير لهذه الأمة وإحسان إليها؛ إذ أراد الله تعالى لهم تحصيل مصالح الصلاة في وقتها قبل زواله، فلولا ذلك لأمر عادم الماء بتأخير الصلاة حتى يجد الماء وهذا يفوت عليهم الصلاة في وقتها، وهذا يدل على أن الشارع قد اهتم بمصالح فعل الطاعة في وقتها المحدَّد شرعًا أعظم من اهتمامه بمصالح الطهارة والتنظيف، فإن قلتَ: لِمَ اهتم الشارع بإيقاع العبادة في وقتها دون تقديم أو تأخير؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُقطع بأن الشارع لا يأمر بشيء إلا وفيه جلب مصلحة للعباد، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة، فالمحافظة على إيقاع العبادة في وقتها المحدد فيه مصالح؛ لكون الله قد حصرها في هذا الوقت دون =

стр. 215

الماء) لكل ما يفعل بها عند العجز عنه شرعًا: كصلاة، وطواف، ومس مصحف، وقراءة قرآن، ووطء حائض طهرت، (٢) ويُشترط له شرطان: أحدهما: دخول الوقت، وقد ذكره بقوله: (إذا دخل وقت فريضة) أو منذورة بوقت معيَّن، أو عيد، غيره، قال ابن عباس: "إذا سمعت نداء الله فارفع رأسك فتجده إما يدعوك لخير، أو يصرفك عن شر". (٢) مسألة: التيمم قد جعله الله تعالى بدلًا عن الطهارة بالماء - فيما لا يفعل إلا بالطهارة كالصلاة، والطواف، ومس المصحف، وقراءة القرآن ونحو ذلك -؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث أوجب الشارع التيمم عند عدم الماء؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ودل مفهوم التقسيم هنا على أنه لا يتطهر بغيرهما على الترتيب المذكور، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أقرَّ عمَّارًا على استعماله للتراب لما فقد الماء، ولكنه علَّمه طريقة ذلك قائلًا: "إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه" وكذا: أقرَّ ﷺ عمرو بن العاص لما تيمم؛ نظرًا لخوفه على نفسه من استعمال الماء، وصفة التيمم في الحديث الأكبر والأصغر واحدة، فإن قلتَ: لِمَ جعل التيمم بالتراب بدلًا عن الماء مع وجود الفرق بينهما؛ حيث إن الماء يُطهر وينظف، والتراب يشوِّه ويُقذِّر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الماء والتراب يشتركان في كثرة وجودهما، وتكوين المخلوقات من بشر وحيوان ونبات، فهذه لا يمكن أن تكوَّن بتراب بلا ماء، ولا بماء بلا تراب، فلذا: جمع بينهما، وهذا كله للتيسير على العباد، وقد فصَّلتُ القول في ذلك في الرَّد على النظام القائل: إن الشريعة قد جمعت بين مختلفات كجعل التراب بدلًا عن الماء، لذا لا يجوز فيها القياس وذلك في كتابي "المهذب" (٤/ ١٩٠٩).
следующие страницы →