← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

عبدًا) أو أمة (له مال: فماله لبائعه إلّا أن يشترطه المشتري)؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: "من باع عبدًا وله مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع" رواه مسلم (فإن كان قصده) أي: المشتري (المال) الذي مع العبد (اشترط علمه) أي: العلم بالمال (وسائر شروط البيع)؛ لأنه مبيع مقصود أشبه ما لو ضمَّ إليه عينًا أخرى (وإلا) يكن قصده المال: (فلا) يُشترط له شروط البيع، وصحّ شرطه ولو كان مجهولاً؛ لأنه دخل تبعًا أشبه أساسات الحيطان، وسواء كان مثل الثمن أو فوقه أو دونه، وإذا شرط مال العبد، ثم ردَّه بإقالة أو غيرها: ردَّه معه (وثياب الجمال) التي على العبد المبيع (للبائع)؛ لأنها زيادة على العادة، ولا يتعلَّق بها حاجة العبد (و) ثياب لبس (العادة للمشتري)؛ لجريان العادة ببيعها معه (٢٧)، ويشمل بيع دابة كفرس لجاماً طيب الأكل للثمرة هو علامة جعلها الشارع لبدء صلاحية تلك الثمرة، وحدَّد بها وقت جواز بيعها كما حدَّد الشارع وقت البلوغ بالخمسة عشر سنة، أو الإنبات من القبل، أو خروج المني، والحيض عند المرأة، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تفريق بين وقت الصلاحية والجواز ووقت عدم ذلك. (٢٧) مسألة: إذا اشترى شخص عبدًا له مال، أو عليه شيء من الألبسة له قيمة: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان للعبد مال، أو عليه ذهب أو فضة: فإن ذلك كله للبائع إلّا إذا اشترطه المشتري قائلاً: "اشتريته وماله من مال يدخل معه" وقبل البائع، فهنا يكون العبد وماله للمشتري على حسب الشرط؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من باع عبدًا له مال: فماله لبائعه إلّا أن يشترطه المبتاع": أي: إذا اشترطه المشتري: فلا يكون المال للبائع، بل للمشتري؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي. فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن العقد قد تمَّ على عين العبد، دون ماله فيبقى المال لا يتناوله عقد البيع، ثانيًا: إن كان العبد له مال، وكان قصد المشتري للعبد هو: الحصول على ماله، دون العبد نفسه، =

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واشترط بأن يكون ماله مع بيعه: فيصح اشتراط ذلك - كما سبق في الحالة الأولى -، ولكن يُشترط في ذلك: أن يُوجد فيه شرائط صحة البيع السابقة، ومنها: أن يكون المال معلوم القدر، وأن لا يؤدِّي ذلك إلى التعامل بالربا - كما قلنا في بيع عينين في بيعة واحدة -؛ للقياس؛ بيانه: كما تشترط شروط البيع في بيع عينين في بيعه واحدة: من علم بحقيقة العينين وعدم وجود ربا بينها وبين الثمن، فكذلك في بيع العبد إذا قصد المشتري ماله: فإنه يُشترط فيه ذلك، والجامع: أن كلاً من شراء العبد وماله، وشراء العينين في بيعة واحدة مقصود في البيع، ثالثًا: إذا لم يقصد من شرائه الحصول على مال العبد، وإنما قصد العبد؛ لينتفع به: فهذا لا يُشترط علمه بمال العبد، ولا يُشترط شيء من شروط البيع، ويصحّ أن يشترط: أن يكون مال العبد له: سواء علم مقدار مال العبد حال العقد، أو جهله، وسواء كان المال من جنس الثمن أو لا، وسواء كان المال عينًا أو ديناً، وسواء كان مال العبد مثل ثمنه، أو فوقه أو دونه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن أساسيات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف، والحمل في البطون تدخل في المبيع تبعًا إذا لم تُقصد بنفسها، ولا يشترط علمها ولا شروط البيع فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلاً منهما غير مقصود في العقد، فصار تبعًا، وحكم التابع حكم المتبوع، رابعاً: إذا ردَّ المشتري العبد الذي له مال بأي سبب من أسباب الرَّد بإقالة، أو خيار، أو بعيب، أو تدليس: فيجب على المشتري هذا أن يرد معه ماله، وإن تلف ماله فيردُّ قيمته؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه قد ردَّ العبد بذلك السبب فكذلك ماله مثله والجامع: أن كلاًّ منهما عين مال أخذه المشتري به فيردَّه بالفسخ، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قيمة العبد تزيد بسبب هذا المال، وتنقص بسبب انعدامه وهذا إضرار بالبائع، فيجب على المشتري أن يدفع ما يُزيل هذا النقص، خامسًا: إذا كان على العبد ثياب زينة وجمال: فهي =

стр. 1543

ومقوداً، ونعلاً (٢٨). للبائع إلا إذا اشترطه المشتري كما قلنا فيما إذا كان له مال، أما إن كانت ثيابه عادية: فهي للمشتري؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو باع دارًا فيها بسط وستائر وأثاث فاخر: فإن هذه الأمور للبائع، فكذلك ثياب الزينة التي على العبد تابعة للبائع، الثانية: العرف والعادة؛ حيث جرت العادة والعرف على أن الثياب العادية التي على العبد أثناء البيع تكون للمشتري؛ لكون ذلك يُتسامح فيه (فرع): الأمة كالعبد فيما سبق من تلك الأحكام الخمسة في المسألة السابقة. (٢٨) مسألة: إذا باع دابة: فإنه يتبع تلك الدابة أمور ثلاثة: أولها: المقود، وهو الشيء الذي يقود به الإنسان الحيوان: سواء كان حبلاً أو لا، ثانيها: اللجام، وهو: ما يُجعل في فم الدابة، ثالثها: النعل، وهو: الشيء الذي يُجعل واقياً لأرجل الحيوان من الأرض؛ لقاعدتين: الأولى: العرف والعادة؛ حيث جرت العادة عند الناس، أن تلك الأمور الثلاثة تابعة للمشتري، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لا يمكن للمشتري أن يذهب بالدابة بسلام من موضع البيع إلى داره إلّا بتوفر هذه الأشياء الثلاثة. هذه آخر مسائل باب: "بيع الأصول والثمار" ويليه باب "السَّلَم".

стр. 1544

باب السَّلَم هو: لغة أهل الحجاز، و "السَّلَف" لغة أهل العراق، وسُمِّي سَلَماً؛ لتسليم رأس المال في المجلس وسلفاً؛ لتقديمه (وهو) شرعًا. (عقد على موصوف) ينضبط بالصفة (في الذمة) فلا يصحّ في عين كهذه الدار (مؤجَّل) بأجل معلوم (بثمن مقبوض بمجلس العقد) (١)، وهو جائز بالإجماع؛ لقوله ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" متفق عليه (٢) (ويصح) السَّلم باب السَّلَم وفيه ثلاث وأربعون مسألة: (١) مسألة: السَّلَم لغة مأخوذ من تسليم شيء معلوم، وهو في الاصطلاح: "عقد على شيء يصحّ بيعه موصوف في الذمّة مؤجَّل بأجل معلوم بثمن مقبوض بمجلس العقد" والمراد به: تعجيل الثمن وتأخير المثمن، وصورته: أن يبيع زيد سلعة في الذمة موصوفة مؤجَّلة بزمن محدَّد بمائة ريال يدفعها المشتري في مجلس العقد، ويقبضه البائع - وهو زيد هنا -، ويؤخَّر السلعة إلى وقت معروف عند المتبايعين، فلا يصح ذلك على عين مثل قوله: "بعتك هذه الدار"، وهو نوع من البيع لذلك تُشترط له شروط صحة البيع، ولهذه المعاملة شروط وصفات سيأتي بيانها، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي سَلَماً؟ قلتُ: نظرًا لتسليم رأس المال، وهو الثمن في مجلس العقد، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي سَلَفًا؟ قلتُ: نظرًا لتقديم رأس المال وهو الثمن في مجلس العقد، والسلف هو المتقدم من كل شيء، لذلك سُمِّي المتقدمون من أهل السنة والجماعة بالسَّلف، والسلف والسلم واحد في الحكم، تنبيه: قوله: "السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق" قلتُ: هذا فيه نظر؛ حيث إنه ﵇ قد وجد أهل المدينة يسلفون فقال: "من أسلف". (٢) مسألة: السلم جائز؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستند الإجماع =

стр. 1545

(بألفاظ البيع)؛ لأنه بيع حقيقة (و) بلفظ (السَّلَم والسلف)؛ لأنهما حقيقة فيه؛ إذ هما اسم للبيع الذي عُجِّل ثمنه، وأُجِّل مثمنه - (بشروط سبعة) زائدة على شروط البيع، والجار متعلِّق بـ "يصح" (٣) (أحدها: انضباط صفاته) التي يختلف الثمن باختلافها اختلافًا كثيرًا ظاهرًا: لأن ما لا يمكن ضبط صفاته يختلف كثيرًا، فيفضي إلى المنازعة والمشاقة (بمكيل) أي: كمكيل من حبوب وثمار، وخلٍّ ودُهن، ولبن ونحوها (وموزون) من قطن، وحرير، وصوف، ونحاس، وزئبق، وشبٍّ، وكبريت، قاعدتان: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ والأجل إما أن يكون بتأجيل الثمن أو المثمن، ولفظ الآية عام لهما، أيَّد ذلك ابن عباس، حيث قال "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مُسمَّى قد أحلَّه الله في كتابه وأذن فيه" ثم قرأ هذه الآية، الثانية: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇: "لما قدم المدينة وجد الناس يسلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" وهذا يلزم منه إباحة السلم والسلف بشرط سيأتي بيانها، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البائع يستفيد من الثمن المعجَّل لشراء حوائجه، والمشتري يستفيد برخص الثمن في السلعة المؤجلة؛ حيث جرت العادة: أن السلعة إذا كانت مؤجَّلة فإن ثمنها يكون أقلَّ من ثمنها فيما لو كانت معجَّلة. (٣) مسألة: السلم يصح بكل لفظ صحَّ في البيع كقول البائع: "بعتك ما صفته كذا وكيله كذا إلى الوقت كذا بمائة ريال تسلمها إليّ في هذا المجلس" ويصح بلفظ "السلم" و "السلف"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون السلم نوعًا من أنواع البيع: صحة انعقاده بألفاظ البيع، ويلزم من كونه يُسلم ويُسلف في هذه المعاملة: صحة انعقادها بهذين اللَّفظين، لكونهما حقيقة فيها. تنبيه: يصح السَّلَم بشروط سبعة خاصة بهذه المعاملة - وهي: السَّلم والسَّلف وهو: تعجيل الثمن وتأجيل المثمن - وإليك بيانها بالتفصيل في المسائل الآتية.

стр. 1546

وشحم، ولحم نيء ولو مع عظمه إن عيَّن موضع قطع (ومذروع) من ثياب وخيوط (٤) (وأما المعدود المختلف كالفواكه) المعدودة كرمَّان: فلا يصح السَّلم فيه؛ لاختلافه بالصغر والكبر (و) كـ (البقول)؛ لأنها تختلف، ولا يمكن تقديرها بالحزم (و) كـ (الجلود) لأنها تختلف ولا يمكن ذرعها؛ لاختلاف الأطراف (و) كـ (الرؤوس) والأكارع؛ لأن أكثر ذلك العظام والمشافر (و) كـ (الأواني المختلفة الرؤوس، والأوساط كالقماقم، والأسطال الضيقة الرؤوس)؛ لاختلافها (و) كـ (الجواهر) واللؤلؤ، والعقيق ونحوه؛ لأنها تختلف اختلافًا متبايناً بالصغر والكِبر، وحُسن التدوير، وزيادة الضوء، والصفا (و) كـ (الحامل من الحيوان) كأمة حامل؛ لأن الصفة لا تأتي على ذلك، والولد مجهول غير محقَّق، وكذا: لو أسلم في أمة وولدها؛ لندرة جمعهما الصفة (٥) (وكل مغشوش)؛ لأن غشَّه يمنع العلم بالقدر المقصود منه. (٤) مسألة: في الأول - من شروط صحة السَّلم - وهو: أن تكون السلعة المباعة المؤجَّلة مما تُضبط صفاتها بحيث لا تختلف اختلافًا يُؤثِّر بالثمن كأن تكون من المكيلات كالحبوب، والثمار واللبن، ودهن، وخلّ، ونحو ذلك، أو تكون السلعة من الموزونات كالقطن والنحاس، أو اللحم، أو الشحم ونحوها، أو تكون السلعة من المذروعات كالأقمشة ونحوها؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم" والكيل والوزن مما يمكن ضبطه، والذرع مثلهما؛ لعدم الفارق، فيكون من باب "مفهوم الموافقة" فلزم من ذلك: اشتراط هذا الشرط، فإن قلتَ: لِم شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المكيل والموزون، والمذروع لا يمكن أن تتغيَّر صفاتها وإن طال الزمن، وهذا يُبعد من الاختلاف والمنازعات بين المتبايعين غالبًا. (٥) مسألة: لا يصح السلم في أي شيء لا يمكن ضبطه بالصفة بأن تكون آحادها ومفرداتها متفاوتة كل واحدة مختلفة عن الأخرى بصفة كالمعدودات من تفاح وبرتقال، ورُمَّان ونحوها، والبقول، والجلود، والرؤوس، والأكارع من بهيمة =

стр. 1547

فإن كانت الأثمان خالصة: صحّ السَّلم فيها ويكون رأس المال غيرها (٦)، ويصح السَّلم في فلوس، ويكون رأس المال عَرَضاً (٧) (وما يجمع أخلاطاً) مقصودة (غير متميزة كالغالية) والندِّ (والمعاجين) التي يُتداوى بها (فلا يصح السَّلَم فيه)؛ لعدم انضباطه (٨) (ويصح) السَّلَم (في الحيوان) ولو آدمياً؛ لحديث أبي رافع: "أن النبي ﷺ الأنعام، وجميع الجواهر، والياقوت والمرجان، والحامل من الحيوانات، والإماء، وجميع ما يحتمل الغشُّ كالألبان ونحوها، وجميع الأواني مختلف الرؤوس، والأوساط، وحُسن التدوير وعدم ذلك: فهذا كله لا يصح السَّلَم فيه؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم ضبط صفته، ووجود التفاوت فيه: عدم صحة السَّلَم فيه؛ لكونه قد فقد شرطاً من شروطه - وهو ضبط الصفة - وإذا عدم الشرط: عدم الحكم؛ فإن قلتَ: لِم شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يؤدِّي إلى المنازعات والاختلافات بين البائع والمشتري؛ حيث إن كل واحد منهما يدَّعي ما هو في مصلحته، مما سيفضي إلى الغرر، وأكل مال الناس بالباطل. (فرع) المعدود الذي ينضبط كعدد من الثياب موصوفة يجوز السلم فيه للتلازم: حيث يلزم من انضباطه؛ جواز السلم فيه؛ لعدم الغرر فيه. (٦) مسألة: لا يصح السَّلم في الأثمان المغشوشة كأن يسلم نقد مقبوض في مجلس العقد بنقد مغشوش بعد سنة، أما إن كان الثمن صحيحًا خالصًا: فإنه يصح السلم فيه بشرط: أن يكون رأس المال غير تلك الأثمان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ضبطه وعدم جواز إسلام أحد النقدين في الآخر: عدم صحَّة السَّلم فيه، ويلزم من كون رأس المال من غيرها: صحَّة السَّلَم؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرِّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن السلم في المغشوش يُفضي إلى بيع الغرر المنهي عنه. (٧) مسألة: يصح السَّلَم في فلوس: سواء كانت وزنًا أو عَدَّاً بشرط: أن يكون رأس المال عَرَضاً من عروض التجارة: للتلازم؛ حيث يلزم من ضبطه: صحة السَّلَم فيه. (٨) مسألة: لا يصح السَّلَم في شيء يجمع أخلاطاً بعضها متميزة وبعضها غير متميزة =

стр. 1548

استسلف من رجل بكراً" رواه مسلم (٩) (و) يصح أيضًا في (الثياب المنسوجة من نوعين) كالكتَّان، والقطن ونحوهما؛ لأن ضبطها ممكن، وكذا: نشاب، ونبل مريشان، وخفاف، ورماح (و) يصح أيضًا في (ما خلطه) بكسر الخاء (غير مقصود كالجبن) فيه الإنفحة (وخلُّ التمر) فيه الماء (والسكنجبين) فيه الخلُّ (ونحوها) كالشيرج، والخبز، والعجين (١٠) الشرط (الثاني: ذكر الجنس والنوع) أي: جنس المسلم فيه ونوعه (وكل وصف يختلف به) أي: بسببه (الثمن) اختلافًا (ظاهرًا) كلونه وقدره، وبلده (وحداثته وقِدَمَه) ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأنه قد يتعذَّر، كالغالية - وهي: الطيب المركَّب من مسك وعنبر وعود ودهن - والنَّدِّ - وهو: الطيب المخلوط بمسكٍ وكافور - والمعاجين - وهي: الأشياء التي تُعجن مع بعضها للتداوي بها -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ضبط ما سبق ذكره: عدم صحة السلم فيه؛ لكونه فقد شرطاً من شروطه، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جهالة، وهذا فيه غرر لا يجوز. (٩) مسألة: يصح السَّلَم في الحيوانات والآدمي كالعبيد إذا أمكن ضبطه بالوصف بالسن، والعلامات، وذكر الأجل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث أمر ﵇ عبد الله بن عمرو بن العاص أن يبتاع البعير بالبعيرين، وبالأبعرة إلى مجيء "الصدقة" وهذا فيه تقديم الثمن وهو البعير الواحد على المثمن وهما البعيران، وهذا هو السلم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد استسلف بكراً من رجل، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الحيوان والعبد يصح أن يكونا صداقاً فكذلك يصح أن يُسلم فيهما، والجامع أن كلاًّ منها مال يُشترى ويُباع، ويمكن ضبطه، ولا يقع فيه غرر ولا جهالة غالبًا. (١٠) مسألة: يصح السَّلَم في الثياب المنسوجة من نوعين قصداً كالثياب المنسوجة من القطن والكتان، والسهم الفارسي، والعربي، وما جُعل فيه ريش، والخف المنسوج من نوعين، ونحو ذلك، ويصح في المختلط من غير قصد كالجبن الذي =

стр. 1549

ولا ما لا يختلف به الثمن، لعدم الاحتياج إليه (١١) (ولا يصح شرط) المتعاقدين خالطته الأنفحة - وهو شيء يؤخذ عند أول ولادة البهيمة -، وكذا: خلُّ التمر المختلط بالماء، وكذا: السكنجبين - وهو مركّب من سكر وخل -، وكذا: الخبز المختلط بالملح، ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُمكن ضبطه بالصفة، ولا يقع فيه تفاوت عادة: فلزم صحّة السلم فيه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك لا جهالة فيه، فلا يؤدي إلى الغرر المنهي عنه. (١١) مسألة: في الثاني - من شروط صحة السَّلَم - وهو: أن توصف السلعة المباعة المسلم فيها وصفاً يؤثِّر في الثمن تأثيراً ظاهرًا فيقول البائع: "بعتك بهذه المائة عشرين صاعًا من بر، من نوع اللقيمي الجديد الجيد الوارد من القصيم أو من الأحساء - مثلًا - الأحمر" فيُشترط ذكر تلك الصفات في السلعة المسلم بها، أي: لا بدَّ من ذكر جنس المباع، ونوعه، ووقت إنتاجه، وكونه جيدًا أو رديئاً، والبلد الذي أُنتج به، ولونه؛ لكون ذلك يؤثِّر في ثمنه، أما الذي لا يؤثر: فلا يُذكر، ولا يُشترط ذكر جميع صفاته؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن الثمن يُشترط فيه العلم بجميع صفاته، فكذلك المثمن - وهو المسلم فيه، أي: يُشترط في كل واحد ما يُشترط في الآخر - الثانية: السبرُ والتقسيم؛ حيث إن العلم بالمباع شرط في صحة البيع - كما سبق - وطريق العلم به إما الرؤية، أو الوصف، ولا ثالث لهما، والرؤية في السلم مُتعذِّرة، فتعيَّن الوصف الدقيق. فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك الصفات وإن كثرت إلا أنها تجعل المشتري يدخل على بيّنة تمنع الاختلاف بين المتعاقدين، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذكر جميع الصفات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مُتعسِّر، فيندر التعامل بالسَّلَمَ، فإن قلتَ: لِمَ لا تُذكر الأوصاف التي لا يختلف فيها الثمن؟ قلتُ: لكون الحاجة هي التي دعت إلى ذكر الأوصاف؛ لمنع الاختلاف في الثمن، أما ما لا يُؤثِّر فيه: فلا حاجة إلى بيانه.

стр. 1550

(الأردأ، أو الأجود)؛ لأنه لا ينحصر؛ إذ ما من رديء أو جيد إلا ويحتمل وجود أردأ أو أجود منه (١٢) (بل) يصح شرط (جيِّد ورديء)، ويجزئ: ما يصدق عليه أنه جيِّد أو رديء، فيُنزَّل الوصف على أقلِّ درجة (١٣) (فإن جاء) المسلم إليه (بما شرط) للمسلم: لزمه أخذه (أو) جاءه بـ (أجود منه) أي: من المسلم فيه (من نوعه ولو قبل محلِّه) أي: حلوله (ولا ضرر في قبضه: لزمه أخذه)؛ لأنه جاءه بما تناوله العقد وزيادة تنفعه (١٤)، وإن جاء بدون ما وصف، أو بغير نوعه من جنسه: فله أخذه ولا (١٢) مسألة لا يصح أن يشترط المتعاقدان أو أحدهما أن يكون المباع - المسلم فيه - أجود ما في السوق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من هذا الشرط: حصول الاختلاف بينهما غالبًا؛ لأنه ما فيه شيء أجود إلّا ويحتمل وجود ما هو أجود منه، وقطع الاختلاف واجب: فلم يصح ذلك، وهذا هو المقصد منه، (فرع): يصح اشتراط: كون المباع أردأ شيء في السوق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القدرة على تسلُّم ما هو خير منه: صحة ذلك، وقطع التنازع به، فإن قلتَ: لا يصح الاشتراط هنا أيضًا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود شيء رديء إلا ويُحتمل وجود ما هو أردأ منه: وقوع التنازع قلتُ: يُقطع التنازع بتسليمه ما هو أجود منه قليلًا. (١٣) مسألة: يصح: أن يُشترط كون المباع - وهو: المسلم فيه - جيِّداً، أو رديئاً من تمر، أو بُرٍّ ونحوهما؛ فإذا جاء وقت التسليم يُسلَّم المشتري أقلَّ درجة في الجودة أو الرداءة، أو فوقه مما يصدق عليه أنه جيد أو رديء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إمكان الحصول عليه: صحة ذلك. فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا يحصل بسبب ذلك اختلاف غالبًا. (١٤) مسألة: إذا جاء البائع بالمباع - وهو المسلم فيه - مع توفِّر شرطه، أو جاء به بأجود من ذلك الشرط: لزم المشتري أن يقبضه إذا لم يتضرَّر بقبضه: سواء في وقت حلوله، أو قبله أو بعده، للتلازم؛ حيث إن البائع قد حقَّق للمشتري ما =

стр. 1551

يلزمه (١٥)، وإن جاءه بجنس آخر: لم يجز له قبوله (١٦)، وإن قبض المسلم فيه فوجد به عيبًا: فله ردُّه وإمساكه مع الأرش (١٧) الشرط (الثالث: ذكر قدره) أي: قدر المسلم تناوله العقد بينهما وزيادة تعجيله، وما هو أجود منه فيلزم: أن يقبضه، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط عدم الضرر في قبضه؟ قلتُ: لأنه إذا وُجد الضَّرر على المشتري عندما يُقدِّم له البائع سلعته على الوقت المحدَّد: فلا يلزمه أن يقبله؛ لأنه له غرض في تأخيره، بأن يكون بحاجة إلى أكله في ذلك الوقت، أو كان الوقت مخوفاً يخشى المشتري من قبضه، فلا يلزمه قبضه قبل حلول وقته. (١٥) مسألة: إذا جاء البائع بالمباع - وهو المسلم فيه - بدون ما وصفه به، أو جاء بالمباع من الجنس الذي أتُّفق عليه، ولكنه بغير نوعه كأن يتّفقان على أنه ضأن، ثم أتاه بمعز: فيُباح للمشتري أن يأخذ ذلك، ولكن لا يلزمه ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن الحقَّ له، وقد رضي به بدون صفاته، وبغير نوعه، فيكون قد أسقط حقه فيلزم إباحة أخذه، ويلزم من عدم توفّر صفاته ونوعه التي اتفق عليها: عدم إلزامه بأخذ ذلك؛ لكون ذلك من حقه. (١٦) مسألة: إذا جاء البائع بالمباع - وهو المسلم فيه - بغير جنسه التي اتفق البائع والمشتري عليه كأن يتّفقا على أنه بر، فيُعطيه تمراً: فلا يجوز للمشتري أن يأخذه ويقبله؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره" وفي لفظ: "فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه" فحرم الشارع صرف المسلم فيه إلى غيره وهو: استبدال جنسه بجنس غيره، ولو أخذه لا يُجزئ عن الأصل؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس من أن يُتحايل عليها فتُؤكل بالباطل؛ حيث إن الأخذ قد يأخذ في وقت، ثم يتسخَّط طول عمره؛ لما فات عليه من فوائد ما أسلم فيه. (١٧) مسألة: إذا قبض المشتري المسلم فيه - كالتمر أو البر - فوجد فيه عيبًا: فهو =

стр. 1552

فيه (بكيل) معهود فيما يُكال (أو وزن) معهود فيما يُوزن؛ لحديث: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" متفق عليه (أو ذرع يُعلم) عند العامة؛ لأنه إذا كان مجهولاً: تعذَّر الاستيفاء به عند التلف فيفوته العلم بالمسلم فيه (١٨) فإن شرطا مكيلاً غير معلوم بعينه، أو صنجة غير معلومة بعينها: لم يصح، بالخيار: إن شاء ردَّه، وأخذ الثمن الذي دفعه في مجلس العقد، وإن شاء أمسكه وأمضى البيع، وأخذ أرش ذلك العيب - كما سبق في البيع -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذلك جائز في سائر البيوع فكذلك يجوز في المسلم فيه، والجامع: أن كلاًّ منها أنواع من البيوع. (١٨) مسألة: في الثالث - من شروط صحة السَّلَمَ - وهو: أن يُذكر قدر المسلم فيه، ويكون ذلك معلومًا ومعروفاً لدى أكثر الناس: فيُعلم قدره بالكيل فيما يُكال كالحبوب والتمر، ويُعلم قدره بالوزن فيما يوزن كالحديد والنحاس، ويُعلم قدره بالذرع فيما يُذرع كالقماش؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم" فقد أوجب: أن يُبيَّن قدر ما يُكال بالكيل، ويُبيَّن قدر ما يوزن بالوزن، والمذروع مثلهما؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الثمن معلوم قدره إن كان ذهبًا فمعلوم به، وإن كان فضة فمعلومة به فكذلك يُشترط في المثمن العلم بقدره كيلاً في المكيلات، ووزناً في الموزونات، وذرعاً في المذروعات والجامع: أن كلاًّ منهما عوض عن الآخر، فإذا كانت معرفة قدر الثمن وجنسه شرطاً في السلم، فكذلك يجب أن تكون معرفة قدر الآخر وجنسه شرطاً، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو كان المسلم فيه مجهولاً: لتعذَّر الاستيفاء به عند تلف المسلم فيه - وهو العين المباعة -، فيحصل بسبب ذلك اختلاف المتعاقدين مما يؤدِّي إلى أكل أموال الناس بالباطل.

стр. 1553

وإن كان معلومًا: صحّ السلم دون التعيين (١٩) (وإن أسلم في المكيل) كالبر، والشيرج (وزنًا، أو في الموزون) كالحديد (كيلاً: لم يصح) السلم؛ لأنه قدَّره بغير ما هو مقدَّر به، فلم يجز، كما لو أسلم في المذروع وزنًا، ولا يصح في فواكه معدودة كرمَّان، وسفرجل ولو وزنًا (٢٠)، الشرط (الرابع: ذكر أجل معلوم) للحديث (١٩) مسألة: إذا اتفقا على شرط مكيل غير معلوم بعينه عند أكثر الناس، أو اتفقا على شرط وزن غير معلوم عند أكثر الناس: فلا يصح السَّلَم، أما إن كانا معلومين عند فلان: فإنه يصح السَّلم فيما اعتاد الناس كيله ووزنه، دون ما عيناه من كيل، أو وزن فلان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم العلم في الكيل، أو الوزن: عدم صحة السلم، ويلزم من علم ذلك ولو كان خاصًا بواحد معين له كيل، أو وزن معلوم: صحته إذا كيل، أو وزن فيما تعارف الناس عليه. (٢٠) مسألة: يصح السلم في المكيل وزنًا، وفي الموزون كيلاً، وفي المعدود وزنًا أو كيلاً وهو رواية عن أحمد، وهو قول كثير من العلماء؛ للتلازم؛ حيث إن الغرض والقصد هو تسليمه المسلم فيه من غير تنازع واختلاف، فإذا عُرف قدر الشيء معرفة دقيقة بوزن، أو كيل فيما تعارف عليه أكثر الناس: فإنه يلزم صحة السلم فيه كصحة البيع في ذلك، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس بأن يتعاملوا بما جرت عليه العادة والعرف عندهم، فإن قلتَ: لا يصح السلم في الموزونات كيلاً، ولا العكس - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه مبيعاً يُشترط فيه معرفة قدره: أن لا يصح السلم فيه بغير ما هو مقدَّر به كما لا يصح أن يُسلم في المذروع وزنًا، لذلك لا يصح السلم في المعدود ولو وزن؛ لكونه غير مقدَّر بالوزن، بل بالعدد قلتُ: إن المقصود باشتراط ذكر قدر المسلم فيه كيلاً في المكيلات، ووزناً في الموزونات هو: قطع المنازعات بين المتبايعين عند تلف المسلم فيه، ويمكن تحقق هذا القصد إذا أسلم في الموزون كيلاً، وأسلم في المكيلات وزنًا، وأسلم في المعدودات كيلاً ووزناً إذا عُرف مقدار ذلك معرفة دقيقة بأيِّ طريق؛ وهذا فيه مصلحة عامة؛ إذ =

стр. 1554

السابق، ولأن الحلول يُخرجه عن اسمه ومعناه ويُعتبر: أن يكون الأجل (له وقع في الثمن) عادة كشهر (فلا يصح) السَّلم إن أسلم (حالاً)؛ لما سبق (ولا) إن أسلم إلى أجل مجهول كـ (إلى الحصاد والجذاذ) وقدوم الحاج؛ لأنه يختلف، فلم يكن معلومًا (ولا) يصح السلم (إلى) أجل قريب كـ (يوم) ونحوه؛ لأنه لا وقع له في الثمن (٢١) (إلا) أن يُسلم (في شيء يأخذه منه كل يوم) أجزاءً معلومة (كخبز ولحم ونحوهما) من يختلف الناس في العصور، فقد يكون ما يوزن في بعض العصور: يُكال، وقد يكون ما يُكال يوزن كما هو في العصر الحالي؛ حيث إن الحبوب تُكال وتُوزن، وهذا فيه توسعة على الناس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في تعارض لفظ الحديث مع العمل بمقصده" فعملنا بالمقصد منه - وعملوا: باللفظ فقط، دون مقصده. (٢١) مسألة: في الرابع - من شروط صحة السَّلَم - وهو: أن يكون المسلم فيه مؤجَّلاً إلى مُدَّة معلومة للمتعاقدين، مؤثِّرة في الثمن، ومساعدة لأصحاب السلع المسلم فيها كالمزارعين والتجار على حسب العادة، فلا يصح السَّلم في سلعة مقبوضة في مجلس العقد، ولا يصح السَّلم إلى أجل غير محدَّدة تحديداً دقيقاً ولا يصح السلم إلى مدة قصيرة لا تؤثِّر في الرفق بالثمن كيوم أو يومين، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" فاشترط لصحة السَّلم: كونه إلى أجل محدَّد يستفيد منه الطرفان؛ لأن الأمر هنا مُطلق، فيقتضي الوجوب، فيلزم منه: اشتراطه الأجل؛ إذ لا يصح بدونه، ودلَّ مفهوم الصفة من ذلك على عدم صحة السلم إذا لم يُوجد الأجل، وعدم صحته إذا لم يكن هذا الأجل معلومًا، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن السَّلم قد شُرع لمراعاة المتعاقدين؛ حيث إن صاحب السلعة المسلم فيها سينتفع بالمال المقدم له، والدافع للثمن سينتفع برخص السلعة المؤجَّلة، وأُجِّل ذلك إلى وقت محدَّد عندهما لمنع اختلاف المتعاقدين في وقت =

стр. 1555

كل ما يصح السلم فيه؛ إذ الحاجة داعية إلى ذلك، فإن قبض البعض وتعذَّر الباقي: رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للباقي فضلاً على المقبوض؛ لتماثل أجزائه، بل يُقسِّط الثمن عليهما بالسوية (٢٢) الشرط (الخامس: أن يُوجد) المسلم فيه (غالبًا في التسليم، فإن قلتَ: لِمَ لا يصح السلم حالاً؟ قلتُ: للتلازم؛ حيث يلزم من حقيقة السلم ومعناه: أن لا يكون حالاً؛ إذ لو كان حالاً: لكان بيعًا عادياً، فإن قلتَ: لِمَ اشترط: أن يكون الأجل مؤثراً في الثمن؟ قلتُ: حتى لا يتعامل الناس بالسلم في اليوم واليومين والثلاثة؛ لأن العادة جرت: أن لا يتأثر الثمن في رخصه بالنسبة للمشتري، ولا أن ينتفع البائع من استلامه مُقدَّمًا. (فرع): يصح السَّلم إلى الجذاذ والحصاد وإلى قدوم الحاج؛ للعرف والعادة؛ حيث إن وقت الجذاذ والحصاد وقدوم الحاج معروف عادة وعُرفاً فلا يتسبَّب ذلك في اختلاف المتبايعين؛ لكونه لا يتفاوت، ويُسلَّم المسلم فيه - وهو: السلعة المباعة - عند أول الجذاذ، وأول الحصاد، وأول حاج يقدم؛ لكونه يصدق عليه ذلك، فإن قلتَ: لا يصح السلم إلى الجذاذ والحصاد وإلى قدوم الحاج وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن وقت الحصاد والجذاذ وقدوم الحاج يختلف باختلاف الأحوال، فيتسبَّب في وقوع الخلاف بين المتبايعين في وقت تسلُّم السلعة، فدفعاً لذلك لا يصح السلم في ذلك؟ قلتُ: بل يصح والاختلاف لا يقع في مثل هذه المواعيد عادة، وإذا ارتفعت المفسدة: صح ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يحصل اختلاف في مثل هذه المواعيد أولًا؟ فعندنا: لا يحصل عادة، وعندهم: يحصل. (٢٢) مسألة: إذا أسلم في شيء يأخذ منه كل يوم أو كل شهر قسطاً كأن يُعطي زيد بكراً مائة ريال في المجلس ويقول له سآخذ منك كل يوم خبزاً بريال واحد حتى تنتهي المائة: فيصح السلم في ذلك، فإن أخذ زيد بالمائة كلها: يكون بكر قد برأت ذمته، وإن أخذ بنصفها فقط، فإن بكراً يُعيد إليه النصف الباقي - وهي =

стр. 1556

محلِّه) بكسر الحاء، أي: وقت حلوله؛ لوجوب تسليمه إذًا، فإن كان لا يُوجد فيه، أو يُوجد نادرًا كالسَّلم في العنب والرطب إلى الشتاء: لم يصح (٢٣) (و) يُعتبر أيضًا وجود المسلم فيه في (مكان الوفاء) غالبًا، فلا يصح إن أسلم في ثمرة بستان صغير مُعيَّن، أو قرية صغيرة، أو في نتاج من فحل بني فلان، أو غنمه، أو مثل هذا الثوب؛ لأنه لا يؤمن تلفه، وانقطاعه (٢٤) و (لا) يُعتبر وجود المسلم فيه (وقت خمسون - من غير تفاضل؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن كل بيع يجوز إلى أجل واحد، فكذلك، يجوز إلى عدَّة آجال، وعدة أوقات، والجامع: أن كلاً منها يُسمَّى بيعًا، ولا جهالة ولا غرر فيه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تماثل أجزاء المثمن: المقبوض وغيره: أن يرجع بكر الثمن الذي لم يأخذ زيد به خبزاً - وهو نصفه - إلى زيد بدون فضل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الناس يحتاجون لمثل هذه الطريقة، فأبيحت. (٢٣) مسألة: في الخامس - من شروط صحة السلم - وهو: أن يكون المباع - وهو المسلم فيه المؤجَّل - موجودًا غالبًا في وقت حلوله؛ ليتمكَّن البائع من تسليمه والوفاء به في وقت الانتفاع به، أما إن كان لا يُوجد أصلًا في الوقت المحدَّد كبيع العبد الهارب، أو كان يُوجد ولكنه نادر كأن يبيع عنباً، أو رطباً إلى وقت الشتاء: فإن هذا لا يصح؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن تسليم المباع - وهو المسلم فيه - من شروط صحة السلم فيلزم من وجوده غالبًا صحة السَّلم، ويلزم من عدم وجوده: عدم صحته؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما لا يصح بيع العبد الهارب في مجلس العقد، فكذلك لا يصح بيعه سَلَماً، والجامع: عدم القدرة على تسليم المباع في وقت الحلول في كل، فإن قلتَ: لِمَ اشترط هذا الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية وضمان الثمن الذي دفعه المسلم؛ وفيه منع من الغرر. (٢٤) مسألة: لا يصح السَّلم إذا عيَّن مكانًا ضيِّقاً لتسليم المسلم فيه كأن يقول: =

стр. 1557

العقد)؛ لأنه ليس وقت وجوب التسليم (٢٥) (فإن) أسلم إلى محل يوجد فيه غالبًا فـ (تعذَّر) المسلم فيه: بأن لم تحمل الثمار تلك السنة (أو) تعذَّر (بعضه: فله) أي: لربِّ السلم (الصبر) إلى أن يُوجد فيُطالب به (أو فسخ) العقد في (الكل) إن تعذَّر الكل (أو) في (البعض) المتعذِّر (ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه) أي: عوض الثمن التالف؛ لأن العقد إذا زال: وجب ردُّ الثمن، ويجب ردُّ عينه إن كان باقياً، أو عوضه إن كان تالفاً؛ أي: مثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان مُتقوِّمًا، هذا: إن فسخ في الكل، فإن فسخ في البعض فبقسطه (٢٦)، الشرط (السادس: أن يقبض الثمن "أبيعُك بهذه الدراهم التي سلَّمتني إيّاها ثمر هذا البستان الصغير جدًا بعينه"، وكذا لا يصح إذا عيَّن شيئًا معينًا لا يُمكنه أن يحيد عنه كقوله: "بعتك بعيرًا يكون من نتاج فحل بني زيد بهذه الدنانير التي سلمتني إياها" أو يقول: "بعتك ثوباً مثل هذا الثوب الذي عليك أسلمه لك فيما بعد" أو يقول: "بعتك بهذه الدراهم شاة من شياه زيد" ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يصح السلم في شيء قدَّره بمكيال معين كصاع فلان، أو قدره بصنجة معينة كميزان فلان - كما سبق - فكذلك لا يجوز السلم هنا والجامع: أن كلاً منها لا يُؤمن تلفه وانقطاعه، فيتضرَّر المتبايعان. (٢٥) مسألة: لا يُشترط في السَّلم وجود المسلم فيه حال العقد، بل يصح السَّلم: سواء كان المسلم فيه موجودًا حال العقد، أو كان بعضه موجودًا، أو كان معدوماً؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجلٍ معلوم" وهذا مطلق في وجود المسلم فيه وعدمه؛ حيث سكت عن هذا، وهذا يلزم منه عدم اشتراط ذلك. فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين؛ إذ لو اشتُرط ذلك: لضاق عليهم الأمر، ولما أسلموا سنتين وثلاث. (٢٦) مسألة: إذا تعذَّر على البائع أن يُسلِّم المباع - وهو المسلم فيه - عند حلول وقته =

стр. 1558

تاماً)؛ لقوله ﷺ : "من أسلف في شيء فليُسلف" الحديث، أي: فليُعط قال الشافعي؛ لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يُفارق من أسلفه، ويُشترط: أن يكون رأس مال السلم (معلومًا قدره ووصفه) كالمسلم فيه، فلا يصح بصبرة لا يعلمان قدرها، ولا بجوهر ونحوه مما لا ينضبط بالصفة، ويكون القبض (قبل التفرُّق) من المجلس، وكل مالين حُرِّم النسأ فيهما: لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ لأن السلم من شرطه التأجيل (وإن قبض البعض) من الثمن في المجلس (ثم افترقا) قبل قبض الباقي: (بطل فيما عداه) أي: عدا المقبوض، وصحَّ في المقبوض، ولو جعل ديناً سَلَماً: لم يصح (٢٧) وأمانة، أو عينًا مغصوبة، أو عارية بسبب عدم وجود ثمار في تلك السنة، أو تعذَّر أن يُسلِّم بعضه: فالمشتري له الخيار - وهو الدافع للثمن في مجلس العقد -: إن شاء صبر إلى أن يُوجد المباع في سنة أخرى أو بعضه، فيستوفي، وإن شاء فسخ العقد، ويأخذ رأس المال الذي دفعه إن كان موجودًا، أو عوضه إن كان غير موجود بعينه، وإن فسخ في بعض المباع دون بعض: فإنه يأخذ الثمن الذي يُقابل ما لم يأخذه بقسطه؛ للمصلحة: حيث إن هذا المال قد دفعه ليأخذ عوضًا عنه الشيء المباع، فلما تعذَّر التسليم، يُرجع إليه ثمنه؛ لئلا يُؤكل بالباطل. (٢٧) مسألة: في السادس - من شروط صحة السلم - وهو: أن يقبض المسلم إليه - وهو البائع - أو وكيله الثمن تاماً معلومًا قدره ووصفه وذلك في مجلس العقد قبل أن يتفرّق المتعاقدان، فإن تفرقا قبل القبض: بطل السَّلم، وإن قبض البائع بعض الثمن في المجلس ثم تفرقا قبل قبض الباقي: صح في المقبوض، وبطل فيما لم يقبض؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم" فيلزم من قوله: "فليُسلف" اشتراط قبض الثمن في مجلس العقد، والمراد بذلك: فليُعط في مجلس العقد، لكونه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يُفارق من أسلفه - وهو تعليل الشافعي - الثانية: =

стр. 1559

يصح؛ لأنه في معنى القبض (٢٨) (وإن أسلم) ثمناً واحدًا (في جنس) كبر (إلى أجلين) كرجب وشعبان مثلًا (أو عكسه) بأن أسلم في جنسين كبر وشعير إلى أجل كرجب مثلًا (صح) السلم (إن بيَّن) قدر (كل جنس وثمنه) في المسألة الثانية بأن يقول: "أسلمتك دينارين: أحدهما في اردبِّ قمح صفته كذا، وأجله كذا، والثاني في اردبيَّن شعيراً صفته كذا والأجل كذا" (و) صح أيضًا إن بيَّن (قسط كل أجل) في المسألة الأولى بأن يقول: "أسلمتك دينارين: أحدهما في إردبِّ قمح إلى رجب والآخر في القياس وهو من وجوه: أولها: كما أن الصَّرف لا يصح إلا بالدفع في المجلس فكذلك السلم لا يصحّ إلا بدفع الثمن في المجلس، والجامع: أن كلاً منهما عقد معاوضة لا يجوز فيه تأخير الثمن، ثانيها: أن المباع وهو المسلم فيه لا يصح إلا إذا كان معلومًا قدره ووصفه فكذلك الثمن مثله، والجامع: أن كلاًّ منهما عوض فيُشترط في أحدهما ما يُشترط في الآخر، ثالثها: أنه كما يجوز بيع تفريق الصفقة، وتقسيم الثمن على كليهما، فكذلك يجوز السلم فيما قبض من الثمن دون ما لم يُقبض، الثالثة: التلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم قبض الثمن في مجلس العقد في السلم: أن يكون بيع دين بدين وهذا لا يجوز، فيلزم دفع الثمن حتى لا يلزم هذا اللازم الباطل، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قبض الثمن فيه مراعاة لحال البائع - وهو صاحب السلعة - وقد شُرع السلم من أجل ذلك، وفي بيان قدره وصفته منع للاختلاف والتنازع بين المتعاقدين، كما قلنا في بيان المباع وهو المسلم فيه. (٢٨) مسألة: إذا جعل زيد عبدًا أمانة عند بكر، أو أن بكراً قد غصب هذا العبد من زيد، أو أنه استعاره منه ثم اشترى زيد بهذا العبد مائة صاع من بُرٍّ يُسلِّمها بكر لزيد بعد الحصاد: فإن هذا السلم يصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قبض بكر للثمن - وهو هنا العبد - وتأجيل المثمن - وهو البر-: أن يصح ذلك؛ لوجود حقيقة السلم هنا.

стр. 1560

اردبِّ وربع مثلًا إلى شعبان" فإن لم يُبيِّن ما ذكر فيهما: لم يصح؛ لأن مقابل كل من الجنسين، أو الأجلين مجهول (٢٩)، الشرط (السابع: أن يُسلم في الذِّمَّة فلا يصح) السلم (في عين) كدار وشجرة؛ لأنها رُبَّما تلفت قبل أوان تسليمها (٣٠)، (و) لا يُشترط ذكر مكان الوفاء؛ لأنه ﵇ لم يذكره، بل (يجب الوفاء موضع (٢٩) مسألة: إذا أسلم ثمناً واحدًا في جنس واحد إلى أجلين: كأن يقول زيد في شهر محرم: "أسلمتك ألف ريال على أن تسلِّمني أربعين صاعًا من البر في أول رجب، وأن تسلمني خمسين صاعًا في أول شعبان من هذه السنة": فإن هذا يصح بشرط: أن يُبيِّن قسط كل شهر - كما مثَّلنا، وكذا: يصح عكسه: بأن يُسلِّمه زيد ثمناً واحدًا في جنسين إلى أجل واحد كأن يقول زيد: "أسلمتك ألف ريال على أن تُسلِّمني تسعين صاعًا من البر والشعير في أول رجب" فهذا يصح بشرط: أن يُبيِّن كلَّ جنسٍ وثمنه بأن يقول سبعمائة ريال لسبعين صاعًا من البر صفته كذا، وثلاثمائة ريال لعشرين صاعًا من الشعير صفته كذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن بيع الأعيان يجوز إلى أجل وإلى أجلين وأكثر، وكما يجوز بيع جنسين بثمن واحد فكذلك السَّلم مثله، والجامع: أن كلاً منها يعتبر بيعًا، فإن قلتَ: لِمَ صحّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك في الصورتين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا لم يُبيِّن ما ذكر فإنه يؤدِّي إلى الغرر والجهالة، وهو يفضي إلى أكل مال المسلم بالباطل. (٣٠) مسألة: في السابع - من شروط صحة السَّلم - وهو: أن يُسلم في الذِّمَّة، فلا يصح السَّلم في عين: كأن يستلم زيد عشرة آلاف من بكر في دار موجودة الآن وهذا قد سبق الكلام عنه في الشرط الرابع وهو: "أن يكون المسلم فيه مُؤجَّلاً إلى مدة معلومة" - وذلك في مسألة (٢١) -؛ حيث إن المؤجَّل لا يكون إلّا في الذِّمَّة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إمكان تسليمه واستلامه وبيعه في الحال: عدم صحة السَّلم فيه، ورُبَّما تلفت العين قبل وقت استلامها.

стр. 1561

العقد)؛ لأن العقد يقتضي التسليم في مكانه، وله أخذه في غيره إن رضيا (٣١)، ولو قال: "خذه وأجرة حمله إلى موضع الوفاء": لم يجز (٣٢) (ويصح شرطه) أي: الوفاء (في غيره) أي: غير مكان العقد؛ لأنه بيع، فصحّ شرط الإيفاء في غير مكانه كبيوع الأعيان (٣٣)، وإن شرطا الوفاء موضع العقد: كان تأكيدًا (٣٤) (وإن عقدا) السَّلم (ببر) ية (أو بحر: شرطاه) أي: مكان الوفاء لزوماً، وإلا: فسد السَّلم؛ لتعذُّر الوفاء (٣١) مسألة: لا يُشترط ذكر مكان الوفاء، وتسليم المسلم فيه، بل يجب الوفاء في موضع العقد إن كان صالحًا لذلك عادة، فإن لم يكن صالحًا: فإن المسلم فيه يستلمه مُستحقه في أي مكان يصلح له، وتراضيا عليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" فلم يذكر مكان الوفاء، فلم يُشترط، الثانية: العرف والعادة؛ حيث دلَّت العادة على أن الوفاء يكون في مكان العقد فاكتفي بذلك عن ذكره والشرط العرفي كاللفظ، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. (٣٢) مسألة: إذا قال البائع للمشتري في وقت تسليم المسلم فيه: "خذه وأجرة حمله إلى موضع الوفاء": فإن هذا لا يصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذا معاوضة عن بعض السَّلم: عدم صحته. (٣٣) مسألة: يصح أن يشترط المتعاقدان: أن يقوم البائع بالوفاء بالمسلم فيه في غير مكان العقد؛ للقياس؛ بيانه: كما يصحّ ذلك في بيع الأعيان فكذلك يصح في السَّلم والجامع: أن كلاً منها يُسمَّى بيعًا، ولا جهالة في ذلك ولا غرر، وهو المقصد منه. (٣٤) مسألة: إذا شرط المتعاقدان: أن يكون مكان الوفاء بالمسلم فيه مكان العقد: فإن هذا يكون تأكيدًا لما يقتضيه العقد؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو اشترطا تعيين الكيل الذي يتعاملان به المشهور: فإنه يصحّ ذلك ويكون تأكيدًا فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما شرطاً ما يقتضيه العقد بالقول.

стр. 1562

موضع العقد، وليس بعض الأماكن سواه أولى من بعض فاشترط تعيينه بالقول كالكيل (٣٥)، ويُقبل قول المسلم إليه في تعيينه مع يمينه (٣٦) (ولا يصح بيع المسلم فيه) لمن هو عليه أو غيره (قبل قبضه)؛ لنهيه ﵇: "عن بيع الطعام قبل قبضه" (٣٧) (٣٥) مسألة: يجب أن يشترط المتعاقدان في السَّلم مكان الوفاء وتسليم المسلم فيه؛ ويتّفقان عليه إذا عقدا السَّلم في الصحراء، أو البحر، أو دار حرب، فإن لم يذكرا ذلك: فإن السلم يفسد: للقياس، بيانه: كما يجب اشتراط تعيين الوفاء بالكيل قولًا إذا كان المسلم فيه مما يجوز فيه الوزن والكيل، فكذلك يجب ذكر مكان الوفاء إذا عقدا السَّلم في صحراء، أو بحر، أو دار حرب، أو أي مكان لا يمكن التسليم فيه، والجامع: قطع النزاع والاختلاف في كل؛ لكون كل مكان في الصحراء أو في البحر ليس بأولى من له المكان الآخر فيقع التنازع فدفعاً لذلك شرع هذا، فإن قلتَ: لِمَ يفسد السلم أن لم يُعينا مكانًا للوفاء به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يتعذَّر الوفاء في مكان العقد الذي يقتضيه؛ لما ذكرنا، وهذا يؤدي إلى فساد العقد كله، وأيُّ عقد يؤدِّي إلى تنازع بين المتعاقدين: فهو باطل. (٣٦) مسألة: إذا اختلف المتعاقدان في مكان الوفاء واستلام المسلم فيه - وهو المباع -: فقال المشتري: "إني أستلم في السوق الفلاني"، وقال البائع - وهو: المسلم إليه: "إني سأسلِّمك في داري": فإنه يُقبل قول البائع وهو المسلم إليه مع يمينه أنه صادق في هذا المكان؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُقبل قول الغارم مع يمينه فيما غرم، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلاً منهما غارم فيما لو تلف المباع. (٣٧) مسألة: لا يصح للمشتري أن يبيع المسلم فيه - وهو العين المباعة المؤجَّلة - قبل أن يقبضه: سواء كان هذا البيع على بائعه - وهو المسلم إليه - أو غيره؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇: "عن بيع الطعام حتى يستوفيه" وفي رواية "قبل قبضه"، فحرَّم بيع المسلم فيه - وهو المباع - قبل قبضه من البائع وهو المسلم إليه، ولو باع المشتري ذلك: كان البيع فاسدًا، لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم =

стр. 1563

(ولا) يصح أيضًا (هبته) لغير من هو عليه؛ لعدم القدرة على تسليمه (٣٨) (ولا الحوالة به)؛ لأنها لا تصلح إلا على دين مستقر، والسَّلم عرضة للفسخ (ولا) الحوالة (عليه) أي: على المسلم فيه، أو رأس ماله بعد فسخ (٣٩) (ولا أخذ عوضه)؛ لقوله عليه والفساد، والمنهي عن بيع السلعة على البائع وغيره، فهو عام لهما؛ لأن "بيع" نكرة في سياق نفي، وهو النهي، فإن قلتَ: لِمَ لا يصح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بيعه قبل قبضه قد لا يمكنه من تسليمه للمشتري الجديد، وقد يستغلُّه البائع - وهو المسلم إليه - فيشتريه بثمن بخس، فيكون فيه أكل مال الآخرين بالباطل. (٣٨) مسألة: لا يصح للمشتري: أن يهبّ المسلم فيه - وهو: العين المباعة المؤجَّلة - قبل أن يقبضه ذلك المشتري، أما إن أراد هبته للمسلم إليه وهو البائع: فيصح؛ للقياس، بيانه: كما لا تصح هبة المباع عينًا قبل قبضه من البائع فكذلك لا تصح هنا والجامع: أن كلاً منها لا يُقدر على تسليمه، فإن قلتَ: لِمَ صحت هبته لبائعه؟ قلتُ: لأن المسلم فيه وهو المباع في يده فيستطيع الاستفادة منه. (٣٩) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر عشرين صاعًا من البر، وقبض بكر ثمنها من زيد - وهو مائة ريال - واتّفقا على أن يُسلم بكرٌ البرَّ هذا بعد سنة، وكان محمد يُطالب زيداً بمائة ريال، فحوَّله زيد على بكر ليأخذ، ذلك البر منه عن المائة التي يُطالبه بها: فلا يصح ذلك، وكذلك لا يصح لبكر أن يُحوِّل زيداً إلى خالد ليأخذ منه ذلك البر - بدلًا عن مائة كان يُطالبه بها -، وكذلك: لا يصح لزيد أن يُحوِّل محمدًا إلى بكر ليأخذ منه رأس ماله بعد فسخه للبيع وقبل قبضه، للتلازم؛ حيث إن الحوالة لا تصحّ إلا على دين مستقر والمسلم فيه - وهو العين المؤجَّلة - غير مستقر؛ لكونه عرضة للفسخ، ورأس المال الذي لم يُقبض عرضه لعدم القدرة على استلامه فلزم من ذلك: عدم صحة الحوالة به ولا عليه ولا الحوالة على رأس ماله بعد الفسخ وقبل قبضه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه غرر وجهالة، ووقوع تنازع غالبًا، فدفعاً لذلك لا تصح =

стр. 1564

السلام: "من أسلم في شيء: فلا يصرفه إلى غيره" وسواء فيما ذُكر إذا كان المسلم فيه موجودًا أو معدوماً، والعوض مثله في القيمة، أو أقل، أو أكثر (٤٠)، وتصح الإقالة في السَّلم (٤١) (ولا يصح) أخذ (الرَّهن والكفيل به) أي: بدين السَّلم، رويت كراهته عن علي، وابن عباس، وابن عمر؛ إذ وضع الرهن للاستيفاء من ثمنه عند تعذُّر الصور الثلاث السابقة. (٤٠) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر عشرين صاعًا من الشعير بمائة ريال، واستلم بكر تلك المائة في مجلس العقد، واتفقا على أن يقع استلام الشعير بعد سنة: فلا يصح أن يأخذ زيد تمراً عن الشعير قبل قبض الشعير: سواء كان العِوض - وهو: التمر - أقلَّ أو أكثر أو مساويًا لقيمة الشعير، وسواء كان المسلم فيه - وهو: الشعير - موجودًا أو معدوماً بل لا بدَّ أن يأخذ زيد المسلم فيه - وهو الشعير - بعينه - أو يأخذ ما دفعه وهو - وهو المائة -؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أسلم في شيء: فلا يصرفه إلى غيره" فحرم أخذ غير المسلم فيه، ولو أخذه لا يصح؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهو عام لما ذكرنا؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن أخذه العِوض عن المسلم فيه يُعتبر بيعًا للمسلم فيه بذلك العوض، أي: بيع الشعير بالتمر قبل قبض الشعير ولا يجوز بيع الشيء قبل قبضه - كما سبق -، لكونه يُؤدِّي إلى الاختلاف والتنازع فدفعاً لذلك: شرع هذا. (٤١) مسألة: تصح الإقالة في جميع ما أُسلم فيه، أو بعضه: بأن يقول أحد المتعاقدين: "أقلني من هذه البيعة أو بعضها" فإن قبل الآخر: فإن البائع - وهو المسلم إليه - يرد الثمن إلى المشتري - وهو المسلم - إن كان بقاياً، وإن لم يكن باقياً: ردَّ مثله، أو قيمته؛ للقياس: بيانه: كما تصحّ الإقالة في بيع الأعيان فكذلك تصح في بيع المؤجَّل والجامع: أن كلاً منها يُسمَّى بيعًا، وفيه إبراء لذمة الآخر من أي تعلُّقات لازمة.

стр. 1565

الاستيفاء من الغريم، ولا يمكن استيفاء المسلم فيه من عين الرهن، ولا من ذمَّة الضامن؛ حذراً من أن يصرفه إلى غيره (٤٢)، ويصحّ بيع دين مستقر كقرض، أو ثمن مبيع لمن هو عليه بشرط قبض عوضه في المجلس، وتصحّ هبة كل دين لمن هو عليه، ولا يجوز لغيره، وتصحّ استنابة من عليه الحق للمستحق (٤٣). (٤٢) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر أصواعاً من بر بعشرة آلاف، واستلم بكر ثمنها هذا في مجلس العقد، واتفقا على أن يقع استلام الأصواع من البائع - وهو المسلم إليه - بعد سنة: فإنه لا يصح أن يرهن بكر هذه الأصوع عند محمد عن دين يُطالبه به محمد هذا، ولا يصح أن يكفل بكر أحدًا بهذا المسلم فيه؛ للتلازم؛ حيث إن الرهن إنما يجوز بشيء يُمكن استيفاؤه من ثمنه عند تعذُّر الاستيفاء من الغريم، وكذلك الكفالة بالمسلم فيه، ولا يمكن استيفاء المسلم فيه من عين الرهن، ولا من ذمة الضامن؛ فقد يصرفه إلى غير المسلم فيه فلزم عدم صحته، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للتحايل لأكل أموال الناس بالباطل. (٤٣) مسألة: إذا كان زيد يُطالب بكراً بألف دينار ديناً عليه لزيد: فيصح أن يبيع زيد تلك الدنانير على بكر ويأخذ عنها دراهم، أو إبل، أو غنم، ويصح أن يهبها زيد لبكر بشرط: قبض عوضه في المجلس العقد والتفرق ولا شيء بينهما، ولا يصح بيع ذلك الدَّين - وهي ألف دينار - لغير بكر؛ للسنة القولية: حيث كان الصحابة يبيعون الإبل بالبقيع بالدنانير، ويأخذون عنها الدراهم فسألوا النبي ﵇ فقال: "لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء" فلا بدَّ من هذا الشرط لهذا النوع من البيع، وخصِّص هذا ببيعه على من هو عليه الدين، أما غيره فلا يصح؛ لأنه غير قادر على تسليمه، ولا يصح بيع دين غير مستقر كدين كتابة عبد؛ لكونه قد يعدل العبد عن الكتابة، تنبيه: قوله: "وتصح استنابة من عليه الحق للمستحق" قد سبق بيان ذلك في باب "الخيار". هذه آخر مسائل باب "السَّلم" ويليه باب "القرض".

стр. 1566

باب القرض بفتح القاف، وحكي كسرها، ومعناه لغة: القطع، واصطلاحًا: دفع مال لمن ينتفع به ويردُّ بدله (١)، وهو جائز بالإجماع (وهو مندوب)؛ لقوله ﵇ في حديث ابن مسعود: "ما من مسلم يُقرض مسلمًا قرضاً مرَّتين إلا كان كصدقة مرَّة" وهو مباح للمقترض وليس من المسألة المكروهة؛ لفعله ﵇ (٢) (وما يصح باب القرض وفيه سبع عشرة مسألة: (١) مسألة: القرض: لغة: القطع، ومنه قولهم: "أقرض زيد بكراً" أي: قطع له شيئًا من ماله ليعطيه بكراً، وهو في الاصطلاح: أن يدفع زيد لبكر مالًا بدون عوض لينتفع به بكر، ويردُّ بكر بدله بعد الانتفاع بالأول، فإن قلتَ: لِمَ جُعل باب القرض بعد باب السَّلم؟ قلتُ: لأن فيه شبهاً من السَّلم والسلف؛ حيث إن فيه دفع مال في المجلس، وتأجيل سداده بدون عوض، لذلك يُسمَّى عند العامة "السَّلف" فإن قلتَ: لِم جُعل باب القرض في باب المعاملات والمعاوضات مع أنه من باب الإرفاق والتبرّع؟ قلتُ: لأن فيه نوع معاملة مسلم مع أخيه المسلم، وهذا خلاف قاعدة "المعاملات"؛ حيث إنه لا عوض فيه، فإن قلتَ: ما الفرق بينه وبين الهبة والعارية؟ قلتُ: إن الشيء المعار يردُّ بنفسه، والموهوب لا يُردُّ أصلًا، أما الشيء المقترَض فيُردُّ بدله. (٢) مسألة: إذا طلب زيد من بكر قرضاً: فإن هذا الاقتراض مباح من زيد ويُستحب لبكر أن يُقرض زيداً إن استطاع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر" الثانية: السنة الفعلية حيث إنه ﵇: "قد استسلف بكراً" - وهو: الصغير من الإبل، ونظراً لهاتين القاعدتين: قد أجمع العلماء على جوازه، فإن قلتَ: لِمَ استُحب القرض؟ =

стр. 1567

بيعه) من نقد أو عرض: (صح قرضه) مكيلاً كان أو موزوناً أو غيرهما؛ لأنه ﵇ استسلف بكراً (إلا بني آدم) فلا يصح قرضهم؛ لأنه لم يُنقل، ولا هو من المرافق، ويُفضي إلى أن يقترض جارية يطؤها ثم يردُّها (٣)، ويُشترط معرفة قدر القرض، ووصفه، وأن يكون المقرض ممن يصحُّ تبرُّعه (٤)، ويصح بلفظه، وبلفظ "السَّلف"، وكل ما أدَّى معناهما، وإن قال: "ملكتك" ولا قرينة على ردِّ بدل: فهبة (٥) (ويملك) قلتُ: للمصلحة؛ لأن فيه رفقاً بالمحاويج: فقد يحتاج مسلم مالًا وليس عنده ما يرهنه، ولا يتحمَّل الدَّين، ففتح الشارع هذا الباب؛ لينتفع المقرض والمقترض، فالمقترض ينتفع بالأجر العظيم الذي وعده الله إيّاه قال ﵇: "من نفَّس عن مسلم كربة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كُرب الآخرة" والمقترض ينتفع في قضاء حاجته، وبهذا يحلُّ التعاون والتعاضد في المجتمع، فإن قلت: لِمَ كان القرض أفضل من الصدقة؟ قلتُ: لأن المستقرض لا يطلب قرضاً إلا من حاجة ماسة قد ألمّت به، بخلاف من تُصدِّق عليه فقد يكون عنده قوت يومه. (٣) مسألة: يصحُّ قرض كل شيء صحَّ بيعه من مكيلٍ، وموزونٍ، ومذروعٍ ومعدودٍ ومنافع إلا بني آدم كالعبيد والإماء فلا يصح القرض فيهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذه الأشياء تنفع الآخرين من غير ضرر على الآخرين: صحة قرضها، ويلزم من وجود الضَّرر على الآدميين - كالعبيد والإماء -: عدم صحة قرضهم. (٤) مسألة: يُشترط لصحة القرض شرطان: أولهما: أن يكون الشيء المقترض معلومًا قدره ووصفه - كما في السَّلم - ثانيهما: أن يكون المقرض ممن يصحَّ بيعه وتبرُّعه، فلا يُقرض صبي ومجنون، ولا يُقرض وليهما من مالهما، ولا ناظر وقف منه ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السَّلم يُشترط فيه ذلك فكذلك القرض، والجامع: أن كلاًّ منهما مال يجوز فيه الاختلاف فيه، فاشترط ذلك فيه؛ لدفع ذلك، وهو المقصد منه. (٥) مسألة: يصح القرض بأيِّ صيغة تُفهم بأن المراد هو القرض مثل: "أقرضتك" أو =

стр. 1568

القرض (بقبضه) كالهبة، ويتم بالقبول، وله الشراء به من مُقرضه (٦) (فلا يلزم ردُّ عينه)؛ للزومه بالقبض (بل يثبت بدله في ذمَّته) أي: ذمَّة المقترض (حالاً ولو أجَّله) المقرض؛ لأنه عقد مُنع فيه من التفاضل: فمنع الأجل فيه كالصَّرف، قال الإمام: القرض حال، وينبغي: أن يفي بوعده (٧) (فإن ردَّه المقترض) أي: ردَّ القرض بعينه: "سلَّفتك" أو "ملكتك هذا على أن تردَّ عليَّ بدله" أو "خذ هذا انتفع به وردَّ عليّ بدله" أو قال زيد لبكر: "أقرضني" فقال بكر: "خذ هذا" ونحو ذلك، أما إن قال: "ملَّكتك هذا" ولم توجد قرينة على ردِّ بدله: فإن يكون هبة لا قرض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ "القرض" و "السلف" وما يُفهم ذلك: أن المراد القرض؛ لوروده في الشرع، ويلزم من لفظ "ملكتك" بدون قرينة تدل على ردِّ البدل: أن المراد الهبة؛ عملًا بالظاهر؛ لكون التمليك من غير عوض هبة. (٦) مسألة: يملك المقترض الشيء المقترض بقبضه من المقرِض، وليس للمقرض استرجاعه، ويتم القرض بقبول المقترض، ولذا فللمقترض التصرُّف بكل حرية بهذا القرض ومنه: أن يشتري به من مُقرضه أيَّ شيء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الهبة تملك بقبضها، ويتصرَّف القابض لها كما شاء بها فكذلك القرض مثلها، والجامع: أن كلاًّ منهما عقد لازم يقف التصرُّف فيه على القبض فيُوقف الملك عليه. (٧) مسألة: إذا قبض المقترض الشيء المقترض وملكه بذلك: فلا يجب عليه ردُّ عين ذلك الشيء المقترض، بل الذي يثبت في ذمته بدله، وللمقرض طلب بدله من المقترض في الحال، فإن أجَّله: فلا يُعتبر ذلك التأجيل؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشيء المتلف يجب على المتلف بدله حالاً ولا يجب عليه عينه، فكذلك المقترض هنا، والجامع: أن كلاًّ منهما فيه سبب يُوجب ردَّ المثل في المثليات، ثانيهما: كما أن الصَّرف لا يجوز التأجيل فيه بل يُشترط أن يكون حالاً، فكذلك القرض مثله، والجامع: أن كلاًّ منهما عقد يُمنع فيه التفاضل فمنع =

стр. 1569

(لزم) المقرض (قبوله) إن كان مثلياً؛ لأنه ردَّه على صفة حقِّه: سواء تغيَّر سعره أو لا، حيث لم يتعيَّب (٨)، وإن كان مُتقوِّماً: لم يلزم المقرض قبوله، وله الطلب بالقيمة (٩) (وإن كانت) الدراهم التي وقع القرض عليها (مكسَّرة أو) كان القرض (فلوسًا فمنع السلطان المعاملة بها) أي: بالدراهم المكسَّرة أو الفلوس: (فله) أي: للمقرض (القيمة وقت القرض)؛ لأنه كالعيب، فلا يلزمه قبولها، وسواء كانت باقية أو استهلكها، وتكون القيمة من غير جنس الدراهم، وكذلك المغشوشة إذا حرَّمها الأجل فيهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه تيسير على المقترض بأن لا يُطالب بالعين؛ لكونها قد تتلف، وعلى المقرض: بأن يكون له المطالبة بحقه في الحال؛ لكونه متبرعاً فقد يحتاج حقَّه؛ لسدِّ حاجته، ويُستحب للمقترض أن يفي بوعده وهو: ردُّه بأي وقت شاء المقرض. (٨) مسألة: إذا ردَّ المقترِض عين المال المقترَض: وكان هذا المال مثلياً كالمكيلات والموزونات: فيلزم المقرض قبوله وأخذه: سواء نقص سعره أو زاد إلا إذا تعيَّب المقرض بعيب - كأن يُصيب البر مثلًا رطوبة فتفسده - فلا يلزم المقرِض قبوله؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن المسلم فيه لو رُدَّ: فإنه يلزم المسلم إليه قبوله، فكذلك هنا، والجامع: أنه في كل منهما ردٌّ على صفته التي أخذه بها؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن المقرِض يتضرَّر إذا رد إليه المقترض القرض وهو معيب، فدفعاً لذلك لا يلزمه أخذه. (٩) مسألة: إذا ردّ المقترض عين المال المقرَض وكان متقومًا كالثياب والحيوانات وكل شيء - غير المكيل والموزون - مما لا مثل له: فلا يلزم المقرض قبوله، بل يُطالب المقرض المقترض بالقيمة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشيء إذا تلف وهو لا مثل له: فإنه يجب على المتلف قيمة ذلك الشيء، فكذلك الحال هنا، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ضمان حق المقرض.

стр. 1570

السلطان (١٠) (ويردُّ) المقترض (المثل) أي: مثل ما أقترضه (في المثليات)؛ لأن المثل أقرب شبهاً من القيمة، فيجب رد مثل فلوس غلت، أو رخصت، أو كسدت (و) يرد (القيمة في غيرها) من المتقومات، وتكون القيمة في جوهر ونحوه يوم قبضه، وفيما يصح سلم فيه يوم قرضه (فإن أعوز) أي: تعذَّر (المثل: فالقيمة إذًا) أي: وقت إعوازه؛ لأنها حينئذٍ تثبت في الذمة (١١) (ويحرم) اشتراط (كل شرط جرَّ نفعًا) كأن يُسكنُه داره، أو يقضيه خيرًا منه؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة: أخرجه عن موضوعه (١٢) (وإن بدأ به) أي: بما فيه نفع كسكنى داره (بلا شرط) ولا (١٠) مسألة إذا أقرض زيد بكراً نقودًا مكسَّرة، أو مقصوصة، أو أقرضه فلوسًا منع السلطان التعامل بها، وأصدر غيرها: فيجب على المقترض - وهو بكر - قيمتها وقت القرض، وهو: ثبوتها في ذمَّة المقترض: سواء كانت باقية، أو مستهلكة فيقوم بكر بتقويمها، ثم يُعطي زيداً قيمتها كما قال الإمام أحمد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشيء إذا أصابه عيب عند المشتري وأراد ردَّه: فإنه يردُّ قيمته، فكذلك هنا؛ والجامع: وقوع العيب في كل؛ لكون منع السلطان لها، وكسرها منع لإنفاقها، وإبطال لماليتها، وهذا كله حماية لحقوق المقرض. (١١) مسألة: يجب على المقترض أن يردَّ على المقرض مثل ما اقترضه إن كان له مثل كفلوس وكيل وموزون يصح السَّلم فيه - كما سبق - بدون نقصان القيمة، أو زيادتها، أما إن لم يكن له مثل، أو تعذَّر المثل كالمتقوِّمات مثل الثياب، والحيوانات، والجواهر مما لا يُضبط بالصفة يوم قبضه: فإنه يُقوَّم في وقت وجوبه في الذمة - وهو حين القرض -؛ للتلازم؛ حيث إن المثل أقرب شبهاً بما أقرضه إياه من شبهه بالقيمة فيلزم: أن يُلحق بما يُماثله بدلًا من قيمته، ويلزم من عجزه عن إيجاد المثل للشيء المقرض: أن يثبت في ذمته قيمة القرض؛ لكونه لا يقدر إلّا على ذلك، وهذا فيه مراعاة لحالة المقترض، وعدم النقص من حق المقرض. (١٢) مسألة: يحرم على المقرض: أن يشترط على المقترض شرطاً يقتضي جرَّ نفعًا إلى =

стр. 1571

مواطأة، بعد الوفاء: جاز، لا قبله (أو أعطاه أجود) بلا شرط: جاز؛ لأنه ﷺ استسلف بكراً فردَّ خيرًا منه، وقال: "خيركم أحسنكم قضاء" متفق عليه (أو) أعطاه (هدية بعد الوفاء: جاز)؛ لأنه لم يجعل تلك الزيادة عوضًا في القرض، ولا وسيلة إليه (١٣) (فإن تبرَّع) المقترض (لمقرضه قبل وفائه بشيء: لم تجر عادته به) قبل القرض: (لم يجز إلا أن ينوي) المقرض (مكافأته) على ذلك الشيء (أو احتسابه من دينه) فيجوز المقرض بأن يقول زيد لبكر: "أنا سأقرضك عشرة آلاف بشرط: أن تجعلني أسكن دارك شهرًا" أو "بشرط أن تردَّ برًا جيدًا عن البر الذي أقرضتك إيّاه" أو نحو ذلك؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن مسعود: "كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا"، وقال ابن عمر: "سلف تُسلِّفه تريد به وجه الله فلك وجه الله، وسلف تريد به وجه صاحبك فلك وجه صاحبك، وسلف لتأخذ به طيبًا بخبيث فذلك الربا"، فإن قلتَ: لِمَ حرم هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القرض عقد إرفاق بالآخرين، وقربة إلى الله، فإذا شُرط ذلك: كان استغلالاً لهذا المقترض وتحايل لأكل ماله بغير حق؛ لكونه قد زاده ما اشترطه، وهذا هو الربا، وإخراج عن ما وضع له. (١٣) مسألة: إذا بدأ المقترض فأعطى ما فيه نفع للمقرض كان يسكنه المقترض داره، أو راعاه في أجرة شيء، أو أعطاه شيئًا أجود مما أعطاه المقرض، أو أزيد منه، في القدر أو الصفة أو أعطاه هدية بدون شرط، أو مواطأة واتفاق وذلك بعد وفاء القرض، وردَّ المقترَض: فإن ذلك كله جائز؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "خيركم أحسنكم قضاء" ويلزم من ذلك الإحسان: أن يزيد المقترض في القرض عند الوفاء؛ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد استسلف بكراً - وهو الصغير من الإبل - فردَّ خيرًا منه. الثالثة: التلازم؛ حيث إن المقترض لما لم يجعل ما زاده عند الوفاء عِوضًا في القرض، ولا وسيلة إليه: فإنه يلزم منه: جوازه، فإن قلتَ: لِمَ جُعل ذلك جائزاً؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر من مكارم الأخلاق التي حثَّ الشارع عليها ومن باب جزاء الإحسان =

стр. 1572

له قبوله؛ لحديث أنس مرفوعًا قال: "إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه، أو حمله على الدابة فلا يركبها، ولا يقبله إلّا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" رواه ابن ماجه وفي سنده جهالة (١٤) (وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر: لزمته) الأثمان أي: بالإحسان. (١٤) مسألة: إذا تبرَّع المقترض - وهو زيد - بشيء وأعطاه مُقرضه - وهو بكر - قبل وفائه القرض: فله حالات ثلاث: الحالة الأولى: إن كان من عادة زيد أن يتبرَّع ويُهدي بكراً شيئًا قبل أن تحصل بينهما عملية القرض بمدة: فإنه يجوز لمقرضه - وهو بكر - أن يأخذ ذلك التبرع المعتاد؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لا يُؤدِّي إلى الزيادة؛ لكون العادة جارية بينهما بذلك فيلزم جواز ذلك الحالة الثانية: إذا لم تكن بينهما عادة في مثل ذلك، ولكنه تبرَّع له بنية مجازاته، وفعل مثل ما فعل معه من النفع، أو نوى بهذا التبرُّع: أن يحسب المقرض هذا من دينه، وأن يخصمه منه: فيجوز للمقترض أن يأخذ ذلك وأن يقوم بخصمه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا عام؛ لأن "الأعمال" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن المقترض أراد المكافأة، أو الاحتساب من دينه: فلا مانع منه، الحالة الثالثة: إذا لم تكن لزيد - وهو المقترض - عادة بالتبرّع للمقرض - وهو بكر -، ولم ينوِ شيئًا: فلا يجوز للمقرض أن يأخذ شيئًا؛ لسد الذرائع؛ حيث إن ذلك قد يُتَّخذ ذريعة إلى تأخير الدَّين؛ نظرًا لأخذ هذا التبرّع أو الهدية، أو أي منفعة، فيؤدِّي إلى الربا؛ لكونه سيعود إليه ماله مع أخذ الفضل - وهو: المتبرَّع به أو الهدية الآتي من المقترض - فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه أجيز الأخذ في الحالتين الأوليين، لتحقيق التواصل والألفة والمحبة والترابط بين المسلمين، ولم يُجز في الثالثة؛ لكونه يؤدّي إلى باطل - وهو الربا - وما أدَّى إلى باطل فهو باطل، تنبيه: قوله "إلا أن ينوي المقرض مكافأته" قلتُ: الصحيح في العبارة: "إلا أن =

стр. 1573

مثلها؛ لأنه أمكنه قضاء الحق من غير ضرر فلزمه، ولأن القيمة لا تختلف فانتفى الضرر (و) يجب (فيما لحمله مؤنة قيمته) ببلد القرض؛ لأنه المكان الذي يجب التسليم فيه، ولا يلزمه المثل في البلد الآخر؛ لأنه لا يلزمه حمله إليه (فإن لم تكن) قيمته (ببلد القرض أنقص) صوابه: "أكثر" فإن كانت القيمة ببلد القرض أكثر: لزم مثل المثلي؛ لعدم الضرر إذًا (١٥)، ولا يُجبر ربُّ الدَّين على أخذ قرضه ببلد آخر إلا فيما لا مؤنة ينوي المقترض … كما بيّنته في المسألة، تنبيه آخر: الحديث لا يصحّ الاستدلال به؛ لضعفه. (١٥) مسألة: إذا أقرض زيد بكراً شيئًا في بغداد، وطالب زيد بكراً بأن يُسلِّمه الشيء المقرض في مكة: فله حالتان: الحالة الأولى: إن كان القرض أثماناً، أو ما لا مؤنة لحمله: فإنه يلزم المقترض أن يدفع مثل تلك الأثمان، لا عينها، أو قيمتها في مكة؛ للتلازم؛ حيث إن المقترض أمكنه قضاء القرض من غير ضرر عليه من حمل، أو اختلاف قيمة: فلزم المقترض أن يدفع القرض في مكة؛ إذ لا فرض بينها وبين بغداد في ذلك، الحالة الثانية: إن كان القرض غير أثمان، أو في حملة مشقة ومؤنة كالحديد: فلا يلزم المقترض أن يقضيه في مكّة ولا غيرها، وتجب قيمته في بلد القرض - وهو بغداد - بشرط: أن تكون القيمة قد روعي فيها قيمته في بلد القرض، ولا تكون أنقص من قيمته في بلد الطلب - وهو مكة -؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أن مكان تسليم القرض هو المكان الذي استلم القرض فيه فيلزم اعتبار القيمة فيه، دون نقصان أو زيادة، ولا تُعتبر قيمته في بلد المطالبة - وهو مكة هنا - مطلقًا، ثانيهما: أن وفائه في بلد المطالبة فيه - وهو مكة هنا - يلزم منه أن تزيد القيمة أو تنقص عن قيمة القرض فتكون هناك زيادة تؤدّي إلى الربا المحرم، وكذا: يلزم من حمل القرض - كالحديد ونحوه - إلى بلد المطالبة فيه وهو مكة هنا - أن يلحق المقترض ضرر في حمله، والضرر يزال، فوجب ما ذكرناه، لقطع الحيل التي تؤدِّي إلى أكل مال الناس بالباطل.

стр. 1574

لحمله مع أمن البلد والطريق (١٦)، وإذا قال: "اقترض لي مائة ولك عشرة": صحَّ؛ لأنها في مقابلة ما بذله من جاهه، ولو قال: "اضمنِّي فيها ولك ذلك": لم يجز (١٧). (١٦) مسألة: إذا استلم المقترض القرض في بغداد - مثلًا - وأراد أن يوفي المقرض في بلد آخر كمكة مثلًا: فلا يُجبر المقرض: أن يأخذ ذلك ويستلمه في مكة - مثلًا -: فإن المقرض يُخيَّر بين أن يأخذه وبين أن يمتنع: سواء كان الطريق آمنًا أو لا، وسواء كان لحمله مؤنة أو لا، وسواء تضرَّر المقرض أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن مكان القرض - وهو بغداد هنا - هو الذي يجب تسليم القرض فيه: فيلزم الوفاء به، وهذا من حق المقرض إلا إذا أسقط المقترض حقه، فيكون كغيره ممن يُسقطون حقوقهم، فإن قلتَ: إنه إذا كان لا مؤنة لحمل القرض كالأثمان مع أمن الطريق والبلد: فإنه يلزم المقرض قبول الشيء الذي أقرضه واستلامه وهذا ما ذكره المصنف هنا، للتلازم؛ حيث يلزم من عدم لحوق الضرر إلى المقرض: أن يقبل ذلك قلتُ: إن تقدير الضرر وعدمه راجع إلى المقرض: فهو بالخيار في ذلك؛ لأن الحقَّ له، فلا يُلزم بشيء؛ لأن إلزامه بشيء قد يُلحق به الضرر من حيث لا نعلم فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين". (١٧) مسألة: إذا قال زيد لبكر: "اقترض لي من محمد مائة درهم ولك عشرة منها وأعطني التسعين" فإن ذلك يصح، ولا يصح أن يقول زيد لبكر: "أقترض لي من محمد مائة واضمنِّي فيها ولك عشرة منها"؛ للتلازم؛ حيث إن الصيغة الأولى لا ضمان فيها، وأخذ بكر أجرته على توسطه بين زيد ومحمد فلزم صحتها، أما الصيغة الثانية ففيها ضمان وهو بمثابة قرض جرَّ نفعًا: فلزم عدم صحته؛ لأنه يؤدي إلى الربا. هذه آخر مسائل باب "القرض" ويليه باب "الرَّهن".

стр. 1575

باب الرَّهن هو لغة: الثبوت والدوام، يُقال: "ماء راهن" أي: راكد، و "نعمة راهنة" أي: دائمة، وشرعًا: توثقة دين بعين يُمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها (١) وهو جائز: بالإجماع (٢)، ........................................... باب الرَّهن وفيه خمس وستون مسألة: (١) مسألة: الرَّهن لغة هو: الحبس الثابت والدائم، يُقال "ماء راهن" أي: راكد محبوس عن الجريان، و"نعمة راهنة" أي: دائمة محبوسة عليك وكل ما احتُبس به شيء: فهو رهينة، ومُرتهنة، وهو في الإصطلاح: "المال الذي جُعل وثيقة عند المرتهن؛ ليستوفي منه أو من ثمنه إن تعذَّر استيفاؤه من غريمه - وهو الراهن" - فمثلًا: لو اشترى زيد من بكر سيارة بمائة ألف ريال على أن يدفع المائة بعد سنة، واشترط بكر أن يرهن زيد داره عنده، فرهن زيد تلك الدار، فإذا مضت تلك السنة ولم يدفع زيد المائة: فإنه يحقُّ لبكر أن يبيع تلك الدار، ويأخذ حقَّه - هو المائة - ويرد الباقي إلى زيد إن بقي شيء، فإن قلت: لِمَ جُعل باب الرهن بعد باب القرض؟ قلتُ: لأن القرض دين، فزيد قد يمتنع أن يُقرض بكرًا إلا إذا أخذ منه شيئًا؛ ليستوثق لنفسه من أن ماله الذي أقرضه لن يؤكل بالباطل. (٢) مسألة: الرَّهن جائز في السفر والحضر؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ فأجاز الرهن هنا، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن عائشة قالت: "اشترى رسول الله ﷺ طعامًا من يهودي ورهنه درعه"، وهذا يدلّ على جوازه في الحضر. الثالثة: الإجماع على جوازه في السفر، فإن قلتَ: لِمَ جاز الرهن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه المحافظة على مال المرتهن من التحايل على أخذه بالباطل، ودفع التنازع. والاختلاف. فإن قلتَ: =

стр. 1576

ولا يصح بدون إيجاب وقبول، أو ما يدلَّ عليهما (٣)، ويُعتبر معرفة قدره، وجنسه، وصفته (٤)، وكون راهن جائز التصرُّف مالكًا للمرهون أو مأذونًا له فيه (٥) و (يصح) لا يصح الرهن إلّا في السفر ومع عدم الكاتب؛ للكتاب؛ حيث إن الآية السابقة قد اشترطت ذلك قلتُ: إن الرَّهن جائز في السفر والحضر: سواء وجد كاتب أو لا، وسواء كان ذلك في السفر أو لا، وما ذكرته الآية قد خرج مخرج الأغلب؛ لأن الأغلب عند الناس عدم وجود كاتب في السفر، وعدم وجود النقد فيه، فبيَّنت الآية ذلك، فيكون لا مفهوم لذلك الشرط - كما بينتُ ذلك في شروط مفهوم المخالفة الاثني عشر في كتابي المهذَّب (٤/ ١٨٠٢) - والسنة الفعلية تؤيد ذلك كما سبق، وكان وجوده في المدينة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الشرط الموجود في الآية هل له مفهوم أو لا؟ فعندنا: لا مفهوم له، وعندهم: له مفهوم. (٣) مسألة: يُشترط لصحة الرهن: أن يُوجد إيجاب وقبول من الراهن والمرتهن كقول الراهن: "رهنتك هذا الشيء" فيقول المرتهن: "قبلتُ ذلك الشيء رهنًا عن ديني عليك"، أو ما يدلّ على ذلك ولو لم تكن الصيغة مُصرَّحًا بها، بأن يُعطي الراهن المرتهن شيئًا يساوي الدَّين الذي عليه أو يُقاربه؛ للتلازم؛ حيث إن الرهن فيه استلام وتسليم بين متعاقدين فيلزم الإيجاب والقبول وما يدل على ذلك، وذلك لبيان أنهما قصدا ذلك. (٤) مسألة: يُشترط لصحة الرهن: أن يكون الشيء المرهون معروفًا لدى المتعاقدين من حيث العلم بقدره وقيمته، والعلم بجنسه - هل هو من العقارات أو الحيوانات أو الثياب؟ - والعلم بصفته التي يختلف الثمن باختلافها؛ للتلازم؛ حيث إن المرهون وثيقة بحق فيلزم اشتراط العلم بها؛ لكونه لا يحصل التوثيق بدون معرفة ذلك. فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع للجهالة والغرر. (٥) مسألة: يُشترط لصحة الرهن: أن يكون الراهن جائز التصرف فيكون مُكلَّفًا، =

стр. 1577

الرهن (في كل عين يجوز بيعها)؛ لأن القصد منه الاستيثاق بالدَّين؛ ليتوصَّل إلى استيفائه من ثمن الرهن عند تعذُّره من الراهن، وهذا مُتحقق في كل عين يجوز بيعها (٦) (حتى المكاتب)؛ لأنه يجوز بيعه، ويُمكَّن من الكسب وما يؤدِّيه من النجوم رهن معه، وإن عجز: ثبت الرهن فيه وفي كسبه، وإن عتق بقي ما أدَّاه رهنًا، ولا يصح شرط منعه من التصرف، والمعلَّق عتقه بصفة إن كانت تُوجد قبل حلول الدَّين: لم يصح رهنه وإلا: صحَّ (٧)، ويصح الرهن (مع الحق) بأن يقول: "بعتك هذا بعشرة إلى شهر مالكًا للشيء المرهون، غير محجور عليه، أو يكون قد أذن الشارع له بالتصرُّف فيه كولي على مال صبي ومجنون وسفيه، وأن يكون قد استعار أو استأجر عينًا يصح رهنه مدة استعارته أو استئجاره، للتلازم؛ حيث إن رهن شيء عند آخر هو نوع تصرُّف في ذلك الشيء: فيلزم اشتراط ذلك؛ إذ لا يصح رهنه بدونه، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال الآخرين أن تُرتهن بدون علم، وفيه منع للتحايل لأكل أموال الناس بالباطل. (٦) مسألة: يصح أن يُرهن كلُّ عين يجوز بيعها: سواء كانت نقدًا أو لا، وسواء كانت مؤجَّرة، أو جُعْلًا، أو لا، إلا المنافع: فلا يجوز رهنها مع أنه يصح بيعها؛ للتلازم؛ حيث إن كل ما يجوز بيعه يلزم منه تحقُّق مقصود الرَّهن وهو: الاستيثاق بالدَّين؛ ليتوصَّل المرتهن من ثمن العين المرهونة، ليأخذ حقَّه منه إن تعذَّر استيفاء الدَّين من الغريم الراهن للعين، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن كل ما كان محلًّا للبيع كان محلًّا لحكمة الرهن، وكل شيء محل حكمته. (٧) مسألة: المكاتب - وهو: العبد الذي اشترى نفسه من سيده بأقساط ونجوم يُسدِّدها هذا العبد لسيده على مدة - لا يصح للسَّيد أن يرهنه؛ للتلازم؛ حيث إن استدامة القبض شرط في الرهن، والكتابة تقتضي عدم استدامة القبض؛ لأنه سيعتق نفسه بتسديده لثمنه: فيلزم من ذلك عدم صحة رهنه؛ وذلك لحرمان المرتهن منه في هذه الحالة، وبهذا تفوت مصلحته، فإن قلتَ: يصحّ للسيد أن يرهن المكاتب، =

стр. 1578

ترهنني بها عبدك هذا" فيقول: "اشتريته منك ورهنته"؛ لأن الحاجة داعية إلى جوازه إذًا (٨) (و) يصح (بعده) أي: بعد الحق بالإجماع (٩)، ولا يجوز قبله؛ لأنه وثيقة بحق، وهو ما ذكره المصنف هنا - ويُمكّن هذا المكاتب من الكسب ليفي وليُسدِّد ما عليه لسيده، وهذا المكسب يكون مرهونًا مثله، فإن عجز: فإن الرهن يثبت فيه وفيما اكتسبه وإن عتق بسبب تسديده لثمنه: يكون هذا الثمن مرهونًا، ولا يصح رهنًا له يمنعه من كسبه، ولا يصح رهنه إن عُلِّق عتقه بصفة كأن يقول السَّيد: "هو حرٌّ إذا دخل رمضان وحلول الدَّين عند دخول ذلك الرمضان" حيث لا يمكن بيعه عند حلول الحق؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيعه: فإنه يجوز رهنه والجامع: أنه ثمن في كل، يستطيع المرتهن الاستفادة منه قلتُ: إن عقد رهنه مناف لعقد مكاتبته، فلا يجتمعان؛ إذ يفوت مقصود الرهن؛ لأن هذا العبد سيعتق بمجرَّد تسديده لثمنه فيتضرَّر المرتهن، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مقتضى عقد الرهن هل يُنافي مقتضى عقد المكاتبة أو لا؟ " فعندنا: لا يجتمعان، وعندهم: يجتمعان. (٨) مسألة: يصح الرَّهن عقد البيع وفي صلبه ومع الحق كأن يقول زيد: "بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف تعطيني إيّاها بعد سنة بشرط: أن ترهن عندي دارك هذه" فيقول المشتري - وهو بكر هنا -: "قبلتُ ذلك، ورهنتُ الدار"! للمصلحة: حيث إن الحاجة داعية إلى ثبوته بذلك؛ ليحفظ المرتهن حقه. (٩) مسألة: يصح الرَّهن بعد الحق وبعد العقد كأن يقول زيد: "بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف تحلُّ بعد سنة" فيقول بكر: "اشتريت ذلك" ثم بعد ذلك يقول زيد: أريد أن ترهن عندي شيئًا استوثق من ذلك فيقول بكر: "أرهن داري" فيقبل زيد قائلًا: "قبلتُ"؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك ومستنده قاعدتان: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر فلم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾؛ حيث إن الشارع جعل الرهن بدلًا عن الكتابة فيكون الرهن في محل =

стр. 1579

فلم يجز قبل ثبوته، ولأنه تابع للحق فلا يسبقه (١٠)، ويُعتبر: أن يكون (بدين ثابت) أو مآله إليه حتى على عين مضمونة كعارية، ومقبوض بعقد فاسد، ونفع إجارة في ذمَّة (١١) لا على دين كتابة، أو دية على عاقلة قبل الحلول، ولا بعهدة مبيع، وثمن الكتابة، فيلزم أن يكون الرهن بعد وجوب الحق؛ لأن محلَّ الكتابة هو بعد وجوب الحق، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الضَّمان يكون بعد وجوب الحق فكذلك الرهن والجامع: أن كلًّا منهما عن دين ثابت تدعو الحاجة إلى الوثيقة به. (١٠) مسألة: يصح الرَّهن قبل الحق، بأن يذكر الراهن شيئًا قبل عقد البيع بينهما إذا كان الكلام متصلًا فمثلًا يصح أن يقول زيد - وهو الراهن - "رهنتك هذه الدار بعشرة آلاف تقرضنيها إلى بعد سنة" فيقول المرتهن "قبلتُ"؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز ذلك في الضمان فكذلك يجوز في الرهن والجامع: أن كلًّا منهما عن دين ثابت وأنه وثيقة بالحق، فلا يُفرَّق بين تقديم ذلك أو تأخيره، فإن قلتَ: إنه لا يصح الرَّهن قبل الحق، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشهادة لا تصح قبل ثبوت المشهود لأجله، فكذلك الرهن لا يصح قبل وجوب الحق، والجامع: أن كلًّا منهما تابع للحق فلا يسبقه قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه لا بدَّ من بيان المشهود عليه للشاهدين قبل أن يُدليا بشهادتهما، بخلاف الرهن فهو يجري بين المتبايعين، وإذا وقع تقديم الرهن في العبارة فقط: فلا بأس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض القياسين حيث إنه تنازع الفرع أصلان فنحن ألحقنا الرهن بالضمان؛ لكونه أكثر شبهًا به عندنا، وهم ألحقوه بالشهادة لأنه أكثر شبهًا بها، وهذا يُسمَّى "قياس غلبة الأشباه". (١١) مسألة: يُشترط في الرهن: أن يكون بدين ثابت كقرض كأن يقول الراهن: "أقرضني عشرة آلاف أعطيك إياها بعد سنة وأرهن داري" وكشيء يؤول إليه =

стр. 1580

وأُجرة معينين، ونفع نحو دار مُعيَّنة (١٢) (ويلزم) الرهن بالقبض (في حق الراهن فقط)؛ لأن الحظ فيه لغيره، فلزم من جهته كالضمان في حق الضامن (١٣) (ويصح رهن المشاع) لأنه يجوز بيعه في محل الحق (١٤)، ثم إن رضي الشريك والمرتهن بكونه في كثمن شيء في مدة خيار، وكشيء مضمون مثل العارية، ويصحّ أخذ الرهن على شيء مقبوض بعقد فاسد، ويصحّ أخذ الرهن على نفع إجارة في الذمَّة؛ كمن استؤجر لبناء دار، وقيل له: "نرهن دكانك فإن لم تفعل: بعنا دكانك واستأجرنا من يبني تلك الدار" ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ثبوت الدَّين هو الذي يُقابل ذلك الشيء المرهون فلزم اشتراطه. (١٢) مسألة: لا يصحّ الرهن بدين غير ثابت كدين كتابة - وهي إذا اشترى العبد نفسه على أقساط - فلا يأخذ السَّيد عليه رهنًا، وكدية العاقلة قبل حلوله، وكشيء تابع لمبيع، وكثمن وأجرة معينين عند شخص آخر، ومنافع دار معيّنة؛ للتلازم؛ حيث إن الدَّين هنا غير ثابت؛ إذ يُحتمل أن يعجز العبد، أو يُعجز نفسه عن السداد، ويُحتمل أن تموت العاقلة أو تفقد التكليف قبل الحلول، ويُحتمل عدم ثبوت الثمن والأجرة والنفع في الذمة فلزم عدم صحة الرهن فيه. (١٣) مسألة: الرهن عقد لازم في حقِّ الراهن بعد القبض، وهو عقد جائز في حق المرتهن، يستطيع أن يفسخه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الضامن عقده لازم يلتزم بما ضمنه ويُلزم به فكذلك الراهن، وكما أن المضمون له عقده جائز يستطيع أن يستمر عليه وأن يفسخه فكذلك المرتهن، والجامع: أن الحظ في الضامن والراهن لغيرهما، وأن الحظ في المضمون له والمرتهن لهما، فكل واحد منهما له الفسخ إن شاء، فيكون إسقاطًا لحقهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المرتهن. (١٤) مسألة: يصح رهن المشاع: كأن يكون زيد ومحمد شريكين في دار فيصح لزيد أن يقترض من بكر عشرة آلاف مثلًا على أن يدفعه له بعد سنة ويرهن نصيبه من =
следующие страницы →