Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
وحديد بنحاس: (جازت الثلاثة) أي: الكيل، والوزن، والجزاف؛ لقوله ﵇: "إذا اختلفت هذه الأشياء: فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد" رواه مسلم وأبو داود (٥) (والجنس: ماله اسم خاص يشمل أنواعاً) فالجنس هو: الشامل لأشياء
تُعرف فيه مقادير الأشياء - وهو: الكيل لما يُكال، والوزن لما يُوزن -: يلزم منه عدم صحة بيع شيء بشيء من جنسه إلّا بهذا التماثل، فإن خُولف: لزم منه عدم تحقق ذلك، مما يؤدِّي إلى عدم صحته الشرعية.
(٥) مسألة: إذا باع زيد شيئًا ربوياً بربوي من جنسه - وهي الأشياء الستة: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح - فلا يصح إلا بشرطين: أولهما: التقابض في المجلس قبل التفرُّق، ثانيهما: التساوي دون زيادة، وهذا يُعرف بالمعيار الشرعي - وهو: الكيل لما يُكال، والوزن لما يُوزن - وقد سبق هذا في مسألة (٣)، أما إذا باع ربوياً بربوي من غير جنسه كبيع البر بالشعير: فإنه يُشترط الشرط الأول فقط - وهو التقابض في المجلس - دون الشرط الثاني: فيجوز على هذا: أن يُباع عن طريق الكيل، أو الوزن ويُباع جزافاً - بدون علم بقدره -: فيُباع صاع بر بصاعين من شعير ونحو ذلك، ويُباع بر بتمر وزنًا، ويُباع بعض البر ببعض التمر جزافاً، وإن لم يعلم التقدير؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف الجنس: جواز هذا البيع، أما إذا اختلفت الثلاثة - وهو: الكيل، والوزن، والجزاف: فلا يُشترط شيء، أي: يجوز البيع مُطلقاً: فلو بيع ربوي بغير ربوي، فيجوز التفاضل، ويجوز التفرّق قبل القبض مثل: أن يبيع برًا بثوب، أو أرز بسيارة أو تمر بعبد ونحو ذلك؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "فإذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" والمراد: يجوز بيع المكيل بالموزون، والموزون بالمكيل، والجزاف بالمكيل والموزون؛ وبيع بيع بعضه ببعض كيلاً، ووزناً، وجزافاً، ولكن بشرط: أن يكون يدًا بيد.
стр. 1507
مختلفة بأنواعها، والنوع: هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها، وقد يكون النوع جنسًا، وبالعكس، والمراد هنا: الجنس الأخص والنوع الأخص، فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص فهو جنس، وقد مثَّله بقوله: (كبر ونحوه) من شعير وتمر، وملح (وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز، والأدهان) أجناس؛ لأن الفرع يتبع الأصل، فلما كانت أصول هذه أجناساً: وجب أن تكون هذه أجناساً، فدقيق الحنطة جنس، ودقيق الذرة جنس، وكذا البواقي (٦) (واللحم أجناس باختلاف أصوله)؛ لأنه فرع أصول هي أجناس، فكان أجناساً كالأخباز (٧)، والضأن، والمعز جنس واحد، ولحم البقر والجواميس جنس، ولحم الإبل جنس وهكذا (٨) (وكذا
(٦) مسألة: الجنس: هو الذي تحته عدد من أنواع مختلفة: فالحيوان جنس تحته نوعان: "حيوان ناطق" و "حيوان غير ناطق"، والنوع - وهو الحيوان الناطق -: تحته عدد من الأشخاص، وهو زيد وبكر ومحمد وهكذا، وكذلك: "البر" جنس تحته أنواع هي: "القمح" و "اللقيمي" و "الحنطة"، وكل نوع يتميز بشيء لا يتميز به الآخر، و "النوع" وهو "القمح" تحته أشخاص وهي: "القمح الأحمر، والقمح الأسود" وهكذا، وكذلك يقال في "الشعير" و "التمر" و "الملح"، وما تفرَّع عن الأجناس: أجناس لكنها تابعة لأصولها في جريان الربا: فدقيق الحنطة جنس يتبع الحنطة ودقيق الشعير جنس يتبع الشعير وهكذا.
(٧) مسألة: يُعتبر لحم كل حيوان بعينه جنس، لا يُباع بعضه ببعض إلا بالشرطين السابقين في مسألة (٥) وكل جنس تابع لأصله؛ للقياس، بيانه: كما أن خبز البر من جنس أصله البر، فلا يجوز بيع البر بخبزه، فكذلك اللحم من جنس الحيوان الذي أُخذ منه فلا يجوز بيع الناقة بلحم ناقة أخرى.
(٨) مسألة: الضأن والمعز من جنس واحد، فلا يجوز بيع لحم الضأن بالمعز، أو العكس إلّا بالشرطين السابقين في مسألة (٥)؛ لاتحاد الجنس، ولذلك يقال في البقرة والجاموسة هما من جنس واحد.
стр. 1508
اللَّبن) أجناس باختلاف أصوله؛ لما تقدَّم (٩) (واللحم، والشحم، والكبد) والقلب، والإلية، والطحال، والرئة، والأكارع (أجناس)؛ لأنها مختلفة في الاسم والخلقة، فيجوز بيع جنس منها بآخر متفاضلاً (١٠)، (ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه)؛ لما روى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ : "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (ويصح) بيع اللحم (بـ) حيوان من (غير جنسه) كلحم ضأن ببقرة؛ لأنه ليس أصله، ولا جنسه: فجاز، كما لو بيع بغير مأكول (١١) (ولا يجوز بيع حب) كبر (بدقيقه ولا سويقه)؛ لتعذُّر التساوي؛ لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن، والنار قد أخذت من السويق، وإن بيع الحب بدقيق أو سويق من غير جنسه: صحَّ؛ لعدم
(٩) مسألة: اللَّبن من جنس الحيوان الذي حُلب منه، ولذا: فلا يجوز بيع صاع من لبن البقر بصاع أو أكثر من لبن بقر آخر؛ لاتحاد الجنس، لكن يجوز بيع صاع من لبن بقر بصاع أو أكثر من لبن غنم، للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف الجنس: جوازه.
(١٠) مسألة: ما يوجد داخل الحيوان من لحم وشحم وكبد، وقلب، ورئة، ومصران، ونحوها أجناس مختلطة بعضها عن البعض الآخر، فيجوز أن يشتري كيلو من اللحم بأكثر منه من الشحم، أو يشتري قلباً ورئة بكيلو من اللحم؛ إذا كان يدًا بيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف ذلك في جنسه: جوازه.
(١١) مسألة: لا يصح بيع لحم بحيوان من جنس ذلك الحيوان الذي أخذ منه ذلك اللحم كبيع لحم ضأن بضأن حي، أما إن بيع ذلك اللحم بغير جنسه: فيصح مثل أن يبيع لحم ضأن ببقرة حية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﵇ عن بيع اللحم بالحيوان" والتلازم هو الذي خصَّصه وحمله على جنسه؛ لكونه أصله وجنسه الذي لا يفترق عنه، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز بيع اللحم بثوب، فكذلك يجوز بيع لحم الضأن بغير جنسه كبقرة والجامع: أن كلاًّ منهما ليس بأصله، ولا جنسه.
стр. 1509
اعتبار التساوي إذًا (١٢) (و) لا بيع (نيئة بمطبوخه) كالحنطة بالهريسة، أو الخبز بالنشأ؛ لأن النار تعقد أجزاء المطبوخ، فلا يحصل التساوي (١٣) (و) لا بيع (أصله بعصير) كزيتون بزيت، وسمسم بشيرج، وعنب بعصيره (١٤) (و) لا بيع (خالصه بمشوبه) كحنطة فيها شعير بخالصه، ولبن مشوب بخالص؛ لانتفاء التساوي المشترط، إلا أن يكون الخلط يسيرًا، وكذا: بيع اللَّبن بالكشك، ولا بيع الهريسة، والحريرة، والفالوذج، والسنبوسك بعضه ببعض، ولا بيع نوع منها بنوع آخر (١٥) (و) لا بيع
(١٢) مسألة: إذا باع برًا بدقيق البر - وهو طحينه - أو باع برًا بسويقه - وهو: الحب المحمَّص بالنار -: فلا يصح؛ أما إن باع البر بدقيق الشعير، أو باع الشعير بسويق البر: فيصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون دقيق البر من جنس البر وسويق البر من جنس البر، وتعذُّر تساويهما: عدم صحّة ذلك، ويلزم من عدم اعتبار التساوي إذا اختلفت الأجناس: صحة بيع دقيق البر بالشعير، وبيع سويق البر، بالتمر، فإن قلت: لِمَ شرع الحكم في الحالة الأولى؟ قلتُ: لأن البر إذا طُحن يزيد كيله، وإذا حُمِّص الحب لأجل السويق ينقص كيله، فلم يستويا.
(١٣) مسألة: لا يصح بيع نيء بر وشعير ونحوهما بمطبوخهما؛ لكن يجوز بيع نيء البر بمطبوخ الشعير أو التمر؛ للتلازم، وقد بيّناه في المسألة (١٢)، فإن قلت: لِمَ شرع الحكم هنا؟ قلت: لأن المطبوخ يكون فيه ماء عادة، وهذا يزيد من كيله فلم يجز.
(١٤) مسألة: لا يصح بيع أصل شيء بعصيره كبيع الزيتون بعصيره - وهو زيت الزيتون - وبيع العنب: بعصيره - ونحو ذلك ويصح بيع الشيء بعصير غيره كبيع الزيتون بعصير العنب، وبيع العنب بزيت الزيتون وهكذا؛ للتلازم، وقد بيّناه في مسألة (١٢).
(١٥) مسألة: لا يصح بيع شيء خالص بشيء مشوب من الأنواع الربوية كبيع اللَّبن الخالص الصافي بلبن قد وُضع فيه تمر أو طحين ونحو ذلك، أو بيع بر خالص ببر قد وضع فيه شعير، ولحم ونحو ذلك، ولا بيع نوع منها بنوع آخر مشوب كبيع =
стр. 1510
(رطبه بيابسه) كبيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب؛ لما روى مالك وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص: أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر قال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (١٦) (ويجوز بيع دقيقه) أي: دقيق الرِّبوي (بدقيقه إذا استويا في النعومة)؛ لأنهما تساويا حال العقد على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان (و) يجوز بيع (مطبوخه بمطبوخه) كسمن بقري بسمن بقري مثلًا بمثل (و) يجوز بيع (خبزه بخبزه إذا استويا في النشاف)، فإن كان أحدهما أكثر رطوبة من الآخر: لم يحصل التساوي المشترط، ويُعتبر التماثل في الخبز بالوزن كالنشأ؛ لأنه يقدر به عادة، ولا يمكن كيله، لكن إن يبس ودُقَّ، وصار فتيتاً: بيع بمثله كيلاً (و) يباع (عصيره بعصيره) كماء عنب بماء عنب (ورطبه برطبه) كالرُّطب والعنب بمثله؛ لتساويهما (١٧)، ولا يصح بيع المحاقلة وهي: بيع الحبِّ المشتدِّ في سنبله بجنسه، ويصح
خبز بهريسة، لكن يصح بيع بر خالص بشعير ليس بخالص؛ للتلازم وقد بيّناه في مسألة (١٢).
(١٦) مسألة: لا يصح بيع رطب شيء من الربوي بشيء من يابسه كبيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇: "نهى عن بيع الرطب بالتمر اليابس" والنهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: التلازم؛ حيث إن عدم تساويهما؛ إذ أحدهما أنقص من الآخر: يلزم منه: عدم الصحة، فيكون من باب الربا. تنبيه: ما ذكره المصنف هي أنواع من الأطعمة في عصره، ويُمكن أن يُمثَّل لذلك بالأطعمة المعاصرة.
(١٧) مسألة: إذا تساوت الأشياء الربوية مع بعضها في الكيل والصفة: فيجوز بيعها ببعضها؛ ولذا: يجوز بيع الدقيق بالدقيق من جنسه، ويجوز بيع مطبوخ الأرز بمطبوخ الأرز، والسمن بالسمن، ويجوز بيع يابسه بيابسه كبيع الخبز، بالخبز ويجوز بيع عصيره بعصيره كبيع عصير العنب بعصير العنب، ويجوز بيع رطبه برطبه كبيع رُطب التمر برطب تمر آخر، والعنب بالعنب وهذا كله بشرط: =
стр. 1511
بغير جنسه (١٨)، ولا بيع المزابنة وهي: بيع الرُّطب على النخل بالتمر (١٩)؛ إلا في
التساوي والمثلية والتقابض في الحال بين السلعتين؛ أما إن اختلف الدقيق عن الدقيق الآخر بثقل، أو بكثرة ماء، أو اختلف الخبز عن الخبز الآخر بأي اختلاف يؤثر في الثمن والمصلحة: فلا يجوز البيع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلًا بمثل، سواء بسواء يدًا بيد" فاشتراط في بيع الطعام بالطعام التماثل، والتساوي، والتقابض، ودلّ بمفهوم الصفة: على أنه إذا اختلف أحدهما عن الآخر: فلا يصح البيع، تنبيه: قد يكون فيما سبق من المسائل بعض تكرار الأمثلة وهذا يفعله كثير من العلماء، للمصلحة: حيث إن الناس بحاجة لأن يُصوَّر لهم ما يجري فيه الربا من الأطعمة وما لا يجري.
(١٨) مسألة: يحرم بيع المحاقلة وهو: أن يبيع المزارع حبَّ الزرع المشتد وهو ما زال في سُنبله بحبٍّ من جنسه. كأن يبيع حبَّ بُرٍّ وهو في سنبله ببرٍّ ليس في سُنبله وإذا وقع فهو فاسد. ويصح بيع حب بُرٍّ مشتد في سنبله بحب من غير جنسه كبيعه بحب الشعير، أو بالتمر ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﵇ عن بيع المحاقلة" والنهي مُطلق فيقتضي التحريم، والفساد، الثانية: التلازم، حيث يلزم من الجهل بالتساوي بين الحبِّ في سُنبله، وبين الحبِّ في غير سُنبله: عدم صحّة البيع، ويلزم من اشتراط التساوي بين الحب في سُنبله والحب من الشعير، أو التمر: صحة البيع إذا وُجد التقابض، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلمين من الظلم؛ لعدم التساوي بين المبيعين، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك بالمحاقلة؟ قلتُ: أخذًا من الحقل، وهو المكان الذي فيه زرع تشعَّب ورقه - كما في المصباح (١٤٤) -.
(١٩) مسألة: يُحرم بيع المزابنة وهو: أن يبيع المزارع الرُّطب على رؤوس النخل بالتمر يابساً كيلاً، وإذا وقع البيع: فهو فاسد؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇ =
стр. 1512
العرايا: بأن يبيعه خرصاً بمثل ما يؤول إليه إذا جفَّ كيلاً فيما دون خمسة أوسق لمحتاجٍ لرطبٍ، ولا ثمن معه بشرط الحلول والتقابض قبل التفرُّق، ففي نخل بتخليته، وفي تمر بكيل (٢٠)، ................................................
عن بيع التمر بالتمر إلّا أصحاب العرايا" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التمر والرطب على رؤوس النخل يختلف كيله ووزنه عن التمر اليابس، فلا يحصل تساو بينهما، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك بالمزابنة؟ قلتُ: أخذًا من زبن، يزبن والمراد: الدافع، ومنه قيل للمشتري "زبون"؛ لأنه يدفع غيره عن أخذ المبيع - كما في المصباح (٢٥١) - فائدة: لا يصح بيع كل رطب بيابس كبيع العنب بالزبيب؛ قياسًا على ما سبق.
(٢٠) مسألة: - تصح العرايا - وهي: بيع الرطب على النخلة بمثله تمراً كيلاً - وهي: مستثناة من "بيع المزابنة" بشروط: أولها: أن يكون هذا عن طريق الخرص وهو تخمين العارف بأن هذا الرطب إذا جف يساوي ذلك التمر كيلاً: بأن يقول: "هذا الرُّطب إذا جف يُساوي عشرين كيلوجرام تمراً، فيُعطيه المشتري هذه العشرين، ويأخذ النخلة التي فيها الرُّطب، ثانيها: أن لا يزيد من التمر عن أربعة أوسق، ثالثها: أن يكون المشتري بحاجة إلى ذلك. رابعها: أن لا يُوجد مع المشتري نقد يشتري به رُطباً، خامسها: أن يكون الرطب لا زال موجودًا على رؤوس النخل، سادسها: أن يوجد تقابض وحلول في مجلس العقد، وتُقبض النخلة بأن يُخلِّي البائع بينها وبين المشتري، ويُقبض التمر بمجرَّد الكيل؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما أنه ﵇ "نهى عن بيع المزابنة ورخَّص في العرايا بأن تشترى بخرصها يأكلها أهلها رُطباً" وفي رواية: "فيما دون خمسة أوسق" وهي زيادة ثقة مقبولة، ثانيهما: أنه شكى إلى رسول الله ﵇ أناس لا نقد معهم يبتاعون به رُطباً، ويأكلون مع الناس، وعندهم فضول قوتهم من التمر، فرخَّص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، وهذان النصان قد أثبتا الشروط الأربعة =
стр. 1513
ولا تصح في بقية الثمار (٢١) (ولا يُباع ربوي بجنسه، ومعه) أي: مع أحد العوضين
الأولى، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط الخامس؟ قلتُ: للمصلحة؛ إذ لو جُذَّ الرطب من النخل لفسد، وفاتت الفائدة منه، فإن قلتَ: لِمَ اشترط السادس؟ قلتُ: لأنه بيع مكيل بمكيل من جنسه فالرطب من جنس التمر، فاعتبر فيه التقابض والحلول، فإن قلتَ: لِمَ أُبيحت العرايا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي مراعاة هذا الفقير الذي لا يقدر على شراء رُطب، فأباح الشارع له هذه الطريقة للتخلُّص من الحرج وكذا: لمراعاة المزارع الذي باع نخلاً على شخص فتأذى المزارع من ذلك الشخص فيشتريها منه بتمر كيلاً، فإن قلتَ: لِمَ سمي ذلك بالعرايا؟ قلتُ: لأن مفرده: العرية وهي: التخلية والعزل، وأطلقت على النخلة التي تعزل عن المساومة عند بيع النخل، فيُعريها صاحبها رجلًا محتاجًا، - كما ورد في اللسان (١٥/ ٥٠) وقد أطال ابن منظور الكلام فيها على غير عادته، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد ما يحصل فيه العرايا بما دون خمسة أوسق؟ قلتُ: لئلا يصل إلى الحدّ الذي يوجب الزكاة.
(٢١) مسألة: تصح العرايا في كل الثمار مما يُشابه الرُّطب مع التمر، مثل: بيع العنب بالزبيب بالشروط السابقة - في مسألة (٢٠) - وهو مذهب أكثر العلماء، للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع الرطب بالتمر، فكذلك يجوز بيع العنب بالزبيب والجامع: سدِّ حاجة الفقير، ومراعاة حاله، فإن قلتَ: لا تصح العرايا في بقية الثمار، وهو ما ذكره المصنف هنا للسنة القولية: حيث إنه ﵇: "قد نهى عن بيع المزابنة ورخَّص في العرايا" وقرن الترخيص ببيع العرايا يلزم منه: عدم جوازها في غير الرطب مع التمر، قلتُ: إن المقصود هو: سدُّ حاجة الفقير الذي لا يستطيع أكل ثمر في وقته، وهذا يصدق على الرطب مع التمر وغيره من الثمار، من باب: جواز جريان القياس في الرخص - وقد بينته في كتابي: "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في جريان القياس في الرخص" فعندنا: يجوز، وعندهم: لا يجوز.
стр. 1514
(أو معهما من غير جنسهما) كمدِّ عجوة ودرهم بدرهمين، أو بمدَّي عجوة، أو بمد ودرهم؛ لما روى أبو داود عن فضالة بن عبيد قال: أتي النبي ﷺ بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير، أو سبعة دنانير فقال النبي ﷺ : "لا، حتى تميّز بينهما" قال: فردَّه حتى ميَّز بينهما (٢٢)، فإن كان ما مع الرِّبوي يسيرًا لا يُقصد كخبز فيه ملح بمثله، فوجوده كعدمه (٢٣) (ولا) يُباع (تمر بلا نوى بما) أي: بتمر (فيه
(٢٢) مسألة: لا يصح بيع شيء ربوي - وهي الأشياء الستة الذهب والفضة، والتمر، والبر، والشعير، والملح - بشيء ربوي آخر مع وجود شيء من غير جنسهما في العوضين، أو في أحدهما، وهي مسألة تسمَّى بـ "مسألة: بيع مد عجوة ودرهم" كأن يبيع صاعًا من تمر، بصاع تمر آخر ودرهم، أو يبيع درهمين بدرهم وصاع من بر وهكذا، ولو مع فرض التساوي في الأثمان؛ للسنة القولية: حيث إن رجلًا قد اشترى قلادة فيها ذهب وخرز بتسعة دنانير فقال ﵇: "لا حتى تميز بينهما" وفي رواية: أنه أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع واحدة، ثم قال: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن"، وهذا يدلّ على إعطاء كل شيء ما يُساويه من الثمن، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن هذا يؤدِّي إلى الربا؛ لوجود زيادة بدون مقابل، أو جهل في ذلك؛ لقيام ذلك على التخمين، وهذا طريق إلى أكل أموال الناس بالباطل، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك بـ "مُدِّ عجوة؟ قلتُ: لأن العجوة تمر معروف بالمدينة، فيقول: المشتري مثلًا: "أعطني مُدَّاً من تمر العجوة ودرهم وأعطيك درهمين ومد عجوة" أو نحو ذلك، ومعروف: أن "المدَّ" ربع صاع بمكيل المدينة.
(٢٣) مسألة: إذا اختلط بالشيء الربوي شيء قليل من الربوي أو غيره، فيجوز بيعه بالربوي كبيع تمر لا دبس فيه، بمثله، وبيع خبز فيه ملح بمثله، وبيع الدار الذي في سقفها بعض الذهب اليسير، بالذهب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك غير مقصود عادة: جواز بيعه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك =
стр. 1515
نوى)؛ لاشتمال أحدهما على ما ليس من جنسه، وكذا: لو نزع النوى، ثم باع التمر والنوى بتمر ونوى (٢٤) (ويُباع النوى بتمر فيه نوى و) يُباع (لبن و) يُباع (صوف بشاة ذات لبن وصوف)؛ لأن النوى في التمر، واللبن والصوف في الشاة غير مقصود كدار مموَّه سقفها بذهب: بذهب صح، وكذا: درهم فيه نحاس بمثله، أو بنحاس، ونخلة عليها ثمرة بمثلها، أو بثمر (٢٥)، ويصح بيع نوعي جنس بنوعيه أو نوعه كحنطة حمراء وسوداء ببيضاء، وتمر معقلي وبرنى بإبراهيمي وصيحاني (٢٦) (ومردُّ) أي: مرجع (الكيل لعرف المدينة) على عهد رسول الله ﷺ (و) مرجع (الوزن لعرف مكة زمن النبي ﷺ )؛ لما روى عبد الملك بن عمير عن النبي ﷺ : "المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة" (وما لا عرف له هناك) أي: بالمدينة ومكة: (اعتُبر عرفه في موضعه)؛
فيه رفع الحرج.
(٢٤) مسألة: لا يصح بيع تمر بلا نوى بتمر فيه نوى، ولا بيع التمر بلا نوى واشترى به تمراً، ونوى؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يصح بيع "مدِّ عجوة ودرهم" كما في مسألة (٢٢) - فكذلك لا يصح البيع هنا؛ والجامع: الجهل بالتساوي في كل، وهذا يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
(٢٥) مسألة: يصح بيع النوى بتمر فيه نوى، وبيع لبن بشاة ذات لبن، وبيع صوف بشاة ذات صوف ونحوها من الصور: سواء وجد التفاضل أو لا، وسواء كانت الشاة حية أو مذكاة؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح بيع دار قد جعل في سقفها الذهب القليل جدًا بذهب فكذلك يجوز البيع في تلك الصور الثلاث والجامع: عدم قصد تلك الزيادة في البيع، وهذا مثل ما قيل في مسألة (٢٣).
(٢٦) مسألة: يصح بيع نوعين من جنس واحد بنوع واحد منه كبيع حنطة سوداء وحمراء بحنطة بيضاء، وتمر سكَّري، وتمر نبتة بتمر إخلاص بشرط: التساوي في الكيل، والمثلية والتقابض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اعتبار الجودة: صحة ذلك.
стр. 1516
لأن ما لا عرف له في الشرع يُرجع فيه إلى العرف كالقبض، والحرز، فإن اختلفت البلاد: اعتبر الغالب، فإن لم يكن: رُدَّ إلى أقرب ما يُشبهه بالحجاز (٢٧)، وكل مائع مكيل (٢٨)، ....................................................................
(٢٧) مسألة: مرجع كون الشيء مكيلاً إلى ما تعارف عليه أهل المدينة، ومرجع كون الشيء موزوناً إلى ما تعارف عليه أهل مكة وذلك في عهده ﵇، أما مرجع غير أهل مكة والمدينة فهو ما تعارفوا عليه: فإن كان أهل البلد يتبايعونه بالكيل فهو مكيل، وإن كانوا يتبايعونه بالوزن: فهو موزون، وإن كانوا يتبايعونه بالعد: فهو معدود، فإن وُجد الأمران في بلد واحد: عمل بالأغلب كيلاً أو وزنًا، فإن لم يوجد عُرف عندهم: فعل به كما يفعل بأقربها إلى الحجاز لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث قال ﵇: "المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة" ويُحمل كلامه ﵇ على بيان الأحكام، فما كان مكيلاً بالمدينة في زمنه ﵇: فإنه ينصرف إليه التحريم بتفاضل الكيل، وهكذا يُقال في الموزون في مكة، فلا يجوز أن يتغيَّر بعد ذلك، الثانية: العرف والعادة؛ حيث إن ما لم يُحدَّد من الشارع: فإنه يُرجع في تحديده إلى عرف الناس في غالب أفعالهم كالقبض، والحرز، والتفرُّق، والأقل والأكثر من الدَّم الذي يُفسد الوضوء، والأقل والأكثر من الحركة، التي تُبطل الصلاة، ونحو ذلك، فإن قلت: إن الحبوب كالبر والأرز نحوهما يُباع الآن بالوزن، لا بالكيل، وهذه مخالفة للنَّص؟ قلتُ: يُباع هذا بالدراهم والريالات وما سواها من الأثمان، لكن إذا أردنا بيع صاع من بر بصاع مثله: فلا بدَّ من اعتبار الكيل هنا، ثم إنه لو وقع ذلك: فإنه وقع بالقياس؛ حيث إن قد قيس الصاع بالكيلو، فقُدِّر بأنه ثلاثة كيلوجرام، فكأن ذلك قد كيل بالصاع.
(٢٨) مسألة: جميع المائعات والسوائل إذا أريد بيعها فإنها تباع بالكيل كالألبان، والعصيرات، والأدهان، ونحو ذلك، وجميع الجامدات يُباع بالوزن كالذهب =
стр. 1517
ويجوز التعامل بكيل لم يُعهد (٢٩).
فصل (ويحرم ربا النسيئة) من النسأ بالمدِّ، وهو: التأخير (في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل) وهي: الكيل والوزن (ليس أحدهما) أي: أحد الجنسين (نقدًا)، فإن كان أحدهما نقدًا كحديد بذهب أو فضة: جاز النسأ، وإلا لانسدَّ باب "السَّلَم" في الموزونات غالبًا إلّا صرف فلوس نافقة بنقد، فيشترط فيه الحلول والقبض، واختار ابن عقيل وغيره: لا، وتبعه في "الإقناع" (كالمكيلين والموزونين) ولو من جنسين، فإذا بيع برٌّ بشعير، أو حديد بنحاس: اعتبر الحلول والتقابض قبل التفرّق (وإن تفرّقا قبل القبض: بطل) العقد؛ لقوله ﵇: "إذا اختلفت هذه الأصناف: فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد" والمراد به: القبض (٣٠) (وإن باع مكيلاً
والفضة، والحديد، والحرير، واللحوم، والصوف ونحو ذلك، وما لا يختلف فيه الكيل والوزن كالأدهان يُباع بعضه كيلاً، ويُباع بعضه الآخر وزنًا، فيجوز هذا وهذا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن ﵇ قد توضأ بالمد، وهذا يلزم منه أن السوائل جميعًا تُكال، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المناسب للسوائل الكيل، والمناسب لغيرها الوزن؛ لحفظ أموال الناس.
(٢٩) مسألة: إذا تعارف أهل بلد على كيل يتبايعون به، أو وزن: فإنه يجوز أن يُتعامل بذلك عند البيع والشراء وإن لم يكن ذلك معهوداً فيما سبق من الأزمنة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين، لا سيما عند عدم وجود ما يمنع ذلك.
(٣٠) مسألة: يحرم ربا النسيئة، وهو: "تأخير القبض في بيع كل جنسين اتّفقا في علَّة ربا الفضل، وهي: الكيل والوزن، ليس أحدهما نقدًا"، فإذا بيع مكيل بمكيل، أو موزون بموزون، وافترق البائع والمشتري قبل القبض: بطل العقد فمثلاً: لو باع صاعًا من بر بصاع من شعير: فلا يجوز النسأ في ذلك؛ لاتفاقهما في الكيل الذي هو علة ربا الفضل، أو باع رصاصاً بحديد: فلا يجوز النسأ في ذلك؛ =
стр. 1518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاتفاقهما في الوزن، وهو علَّة رب الفضل، فلا بدَّ في ذلك من التقابض والحلول قبل التفرق، فإن تفرقا قبل القبض: بطل البيع، أما لو باع حديداً بدنانير أو باع صاعًا من بر بريالات: فيصح النسأ والتأخير للمبيع، أو الثمن؛ لكون أحدهما ليس نقدًا، فلم تُوجد علَّة الرِّبا فيهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﵇: "إنما الربا في النسيئة" فبيَّن: أن الربا في مثل ما قلناه، ثانيهما: قوله: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد" فاشترط لصحة بيع أحد الجنسين بمثله: التقابض في المجلس، فلا يجوز مؤخَّراً ومؤجَّلاً، ثالثها: قوله ﵇: "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" حيث دلَّ هذا على صحة النسأ والتأخير إذا كان أحد العوضين نقدًا؛ لكونه لو لم يصح النسأ والتأخير في ذلك لسدّ باب السَّلَم في الموزونات والمكيلات، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن بيع الذهب بالفضة يحرم التفرّق قبل القبض فيه، وإن تفرّقا: بطل البيع، فكذلك هنا، والجامع: أنهما مالان من الأموال التي يجري فيهما الربا وعلّتهما واحدة، وهي الوزن، والكيل، فإن قلتَ: ما سبب حصر النبي ﵇ الربا في النسيئة مع تقسيمه إلى ربا الفضل، والنسيئة؟ قلتُ: خُصَّ ربا النسيئة بهذا الذكر؛ لكونه أعظم وأخطر من ربا الفضل، وأقربهما إلى أكل أموال الناس بالباطل، وهذا مثل قوله ﵇: "الحج عرفة": أي: أن أعظم ركن من أركان الحج هو: عرفة، وهذا واقع في ربا النسيئة، فلو باع زيد على بكر ثوباً بمائة ريال يدفعها بكر بعد سنة، ثم مضت السنة ولم يدفعها بكر، فقال له زيد: نؤخر عليك ونزيدها إلى مائتين إلى العام الذي بعده وهكذا: لكان ذلك أعظم الخطر على المجتمع (فرع) إذا صرف فلوسًا نافقة بنقد: فلا يجوز فيه نسأ وتأخير أحد العِوضين، أي: يُشترط الحلول والتقابض في ذلك، وهو قول أكثر العلماء؛ =
стр. 1519
بموزون) أو عكسه: (جاز التفرُّق قبل القبض و) جاز (النسأ): لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي علَّة ربا الفضل، أشبه الثياب بالحيوان (٣١) (وما لا كيل فيه ولا وزن كالثياب والحيوان يجوز فيه النسأ)؛ لأمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو: أن يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة" رواه أحمد والدارقطني وصحَّحه، وإذا جاز في الجنس الواحد: ففي الجنسين أولى (٣٢) (ولا يجوز بيع الدَّين
للتلازم؛ حيث يلزم من كون الفلوس النافقة مشبهة للنقد: إلحاقها به، وقيل: غير ذلك، بدون استدلال.
(٣١) مسألة: إذا باع مكيلاً بموزون، أو باع موزوناً بمكيل: جاز البيع مطلقًا: أي: سواء تفرَّق البائع والمشتري قبل القبض أو لا، وسواء أُخِّر أحد العوضين أو لا، فيجوز بيع البر باللحم، ويجوز بيع التمر بالفضة، ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع الثياب بالحيوان، وبالعكس مُطلقًا فكذلك يجوز البيع هنا والجامع: أنه في كل منهما لم يتفق المبيع والثمن في علة ربا الفضل - وهي: الوزن والكيل -.
(٣٢) مسألة: الأشياء التي لا تُوجد فيها كيل ولا وزن - وهي: غير الرِّبوية - يجوز فيها النسأ مطلقًا أي: سواء بيع بجنسه أو لا، وسواء كان متفاضلاً أو لا، فيجوز - على هذا - بيع البعير بالبعير، وبالبعيرين وأكثر، ويجوز بيع بعير بمائة ثوب حاضرة أو غائبة إلى سنة، أو إلى أكثر، وكذا: في جميع الأقمشة، والعقارات، والسيارات، والحيوانات؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇: "قد أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يأخذ البعير بالبعيرين والثلاثة إلى إبل الصدقة" وذلك في الاستعداد للغزو، وهذا صريح في جواز النسأ والتفاضل كما قال ابن القيم، الثانية: فعل الصحابي وهو من وجهين: أولهما: أن ابن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه، ثانيهما: أن رافع بن خديج اشترى بعيرًا ببعيرين، وأعطاه أحدهما وقال: "آتيك بالآخر غداً"، فإن قلت: لِمَ =
стр. 1520
بالدَّين) حكاه ابن المنذر إجماعًا؛ لحديث: "نهى النبي ﷺ عن بيع الكاليء بالكاليء" وهو: بيع ما في الذمة بثمن مُؤجَّل لمن هو عليه، وكذا: بحالٍّ لم يُقبض قبل التفرُّق، وجعله رأس مال سَلَم (٣٣).
فصل: (ومتى افترق المتصارفان) بأبدانهما كما تقدَّم في خيار المجلس (قبل قبض الكل) أي: كل العِوض المعقود عليه في الجانبين (أو) قبل قبض (البعض) منه: (بطل العقد فيما لم يُقبض): سواء كان الكل أو البعض؛ لأن القبض شرط لصحة العقد؛ لقوله ﵇: "وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد" ولا يضرُّ طول المجلس
جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الأشياء ليست بربوية، ولا تخص ما يستطعمونه الناس في يومهم وليلتهم، فإن قلتَ: لِمَ ذكر هنا جواز بيع النسأ ولم يذكر جواز الفضل؟ قلتُ: لأن النسأ إذا جاز فمن باب أولى: جواز الفضل، ولكن لا يجوز العكس: فقد يجوز الفضل كبيع صاع بر بصاعين شعير ولكن لا يجوز في ذلك النسأ؛ لأنه لا بدَّ من التقابض فيه والحلول كما سبق.
(٣٣) مسألة: يحرم بيع الدَّين بالدَّين وإذا وقع فهو فاسد كأن يبيع زيد على بكر ثوبين بعشرين صاعًا من البر يدفعها بكر بعد سنة، فيقول زيد بعد مُضي شهر أو أكثر: "اشتر مني تلك الأصواع العشرين بمائة ريال في الذمة" فيشتريها بكر بمائة في الذمة تحل بعد سنة أو أكثر، وهذا بيع النسيئة بالنسيئة، أو يقول زيد: "جعلتُ ما في ذمتك وهي العشرون صاعًا رأس مال سَلَم على أن تعطيني بدلها كذا" أو يقول زيد: "بعتك تلك العشرين صاعًا التي في ذمتك بمائة" ولكن لم يقبض زيد تلك المائة وتفرقا، وهذه صور بيع الدين بالدين؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇: "عن بيع الكالئ بالكالئ" والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد؛ فإن قلتَ: لِمَ يحرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ضرر على المعسر، الذي هو المشتري وهو بكر هنا - حيث يُزاد عليه الثمن حيلة، وهذا فيه أكل أموال الناس بالباطل.
стр. 1521
مع تلازمهما، ولو مشيا إلى منزل أحدهما مصطحبين؛ صح، وقبض الوكيل قبل مفارقة مُوكِّله المجلس كقبض مُوكِّله ولو مات أحدهما قبل القبض فسد العقد (٣٤) (والدراهم والدنانير تتعيَّن بالتَّعيين في العقد)؛ لأنها عوض مشار إليه في العقد، فوجب أن تتعيَّن كسائر الأعواض (فلا تُبدَّل) بل يلزم تسليمها إذا طُولب بها؛ لوقوع العقد على عينها (٣٥) ..........................................................
(٣٤) مسألة: يُشترط في صحة الصَّرف - وهو: بيع نقد بنقد - أن يقبض المشتري المبيع ويقبض البائع الثمن في مجلس العقد، وعدم تفرقهما بأبدانهما، أو وكيلهما قبل ذلك، فإن تفرَّقا أو مات أحدهما: فإن البيع يفسد، ولو تقابضا البعض دون البعض الآخر: فيصح فيما قُبض وبطل العقد فيما لم يُقبض، فمثلاً: لو اشترى زيد ألف درهم بمائة دينار، أو اشترى أربعمائة ريال بمائة دولار: فإنه يصح إذا تقابض البائع والمشتري الثمن والمثمن في نفس المجلس، ولا يصح بدون ذلك؛ للسنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﵇: "وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد" حيث أوجب: التقابض في المجلس؛ لأن ذلك هو اللازم من قوله: "يدًا بيد" ولأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ثانيها: أنه ﵇ "قد نهى عن بيع الذهب بالورق ديناً" ثالثها: أنه نهى "أن يُباع غائب بناجز منها" والنهي في النَّصَّين مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وعليه: فيفسد البيع والصرف إذا تفرّقا قبل التقابض بموت أو غيره، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التأخير في مثل ذلك يؤدي عادة إلى الاختلاف والتنازع، فيفضي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
(٣٥) مسألة: النقود والأثمان كالدراهم والدنانير، والريالات التي يُباع بها ويُشترى تتعيَّن إذا عيّنها البائع والمشتري عند العقد، ويحصل التعيين بالرؤية، وبالقول، وبالإشارة: سواء ضُمَّ إليها اسم النقد أو لا كقوله: "بعتك هذا الثوب بهذه الدراهم" أو "بعتك هذا بهذه" أو "بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم"، ولذا: لا =
стр. 1522
(وإن وجدها مغصوبة: بطل) العقد كالمبيع إذا ظهر مُستحقاً (٣٦) وإن تلفت قبل القبض فمن مال بائع إن لم تحتج لوزن أو عدٍّ (٣٧) (و) إن وجدها (معيبة من جنسها) كالوضوح في الذهب، والسواد في الفضة: (أمسك) بلا أرش إن تعاقدا على مثلين كدرهم فضة بمثله، وإلا: فله أخذه في المجلس، وكذا: بعده من غير الجنس (أو ردَّ)
يجوز للبائع أو للمشتري أن يُبدل ذلك بغير ما عُيِّن عند العقد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر الأعواض تتعيَّن عند العقد، ولا يجوز إبدالها كبيع هذا البعير بهذه الثياب فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلاًّ منها عوض في عقد، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنهما قد يُعيِّنان النقدين، أو أحدهما؛ لغرض قصداه، فإذا أُبدل: فات عليهما أو على أحدهما هذا الغرض والمقصد، فتلحقه مفسدة، فدفعاً لذلك شرع هذا.
(٣٦) مسألة: إذا ظهر أن الدراهم أو الدنانير المعينة مغصوبة أو مسروقة: فالعقد يبطل، فمثلاً: لو اشترى زيد من بكر ثوباً بعشرة دراهم، فتبيَّن أن تلك العشرة قد سرقها زيد: فالعقد يبطل؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو اشترى زيد من بكر ثوباً بعشرة فتبين أن الثوب مغصوب أو مسروق؛ فإنه يبطل العقد، فكذلك العكس، والجامع: أن كلاًّ منهما قد أجرى العقد على ما لا يملكه، ولا يجوز بيع ما لا يُملك، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية أموال الناس وحقوقهم من السرقة.
(٣٧) مسألة: إذا تلفت الدراهم أو الدنانير المعيَّنة بعقد قبل القبض: فإنه يحسب من مال البائع، إن لم تحتج الدراهم والدنانير لوزن أو عد، أما إن احتاجت لهما أو لأحدهما: فإنه يُحسب من مال المشتري؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المبيع المعين لو تلف: فإنه يُحسب من مال البائع، فكذلك الحال هنا، والجامع: التعيين في كل، فإن قلتَ: لِمَ كان يُحسب من مال المشتري - وهو الباذل - إذا احتيج إلى وزن أو عد؟ قلتُ: لتأخيره القبض على البائع.
стр. 1523
العقد للعيب (٣٨)، وإن وجدها معيبة من غير جنسها كما لو وجد الدراهم نحاسا: بطل العقد؛ لأنه باعه غير ما سمَّى له (٣٩). (ويحرم الربا بين المسلم والحربي) بأن يأخذ المسلم زيادة من الحربي؛ لعموم ما تقدَّم من الأدلة (و) يحرم الربا (بين المسلمين مطلقًا بدار إسلام أو حرب)؛ لما تقدَّم (٤٠)، ........................................
(٣٨) مسألة: إذا وجد المشتري الدراهم أو الدنانير معيبة بعيب من جنسها كوجود البياض في الذهب، والسواد في الفضة، والشقوق فيهما ونحو ذلك: فهو بالخيار: إن شاء أمسك بلا إرش، إذا تعاقدا على مثلين كبيع درهم بدرهم، أو بيع دينار بدينار، أما إن كان العقد على غير المثلين: كبيع درهم بدينار: فله أخذ الأرش في المجلس، أو بعده من غير جنسه فيأخذ بعض البر كأرش لذلك، وإن شاء: ردَّ المبيع بسبب ذلك العيب، ولا يأخذ بدله؛ للتلازم؛ حيث إن العقد قد تمَّ على عوضين سليمين، ويلزم من وجود العيب: عدم السلامة، فيلزم الردُّ، فإن أسقط حقه: فإنه يُمسكه بلا أرش - أي: لا يأخذ بدل هذا العيب -، فإن قلتَ: لِمَ لا يأخذ الأرش؟ قلتُ: لأنه لو أخذ الأرش: للزم من ذلك زيادة في بيع الجنس بجنسه، وهذا ربا.
(٣٩) مسألة: إذا وجد المشتري الدراهم أو الدنانير معيبة بعيب من غير جنسها: بطل عقد البيع: سواء كان العيب كثيرًا أو قليلًا كما لو وجد الدراهم نحاساً أو رصاصاً، للقياس؛ بيانه: كما لو باعه فرساً بألف ريال فبان للمشتري: أنه ليس بفرس بل بغل: فإنه يبطل البيع، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد باعه غير ما سُمِّي له.
(٤٠) مسألة: ربا الفضل، وربا النسيئة يحرمان بين المسلمين الموجودين في ديار الإسلام أو في ديار الحرب، ويحرمان بين المسلم والكافر مطلقًا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وهذا عام فيشمل أفراد المسلمين، وعام في الأماكن؛ لأن "الربا" اسم جنس قد =
стр. 1524
إلّا بين سيد ورقيقه (٤١)، وإذا كان له على آخر دنانير فقضاه دراهم شيئًا فشيئًا، فإن كان يعطيه كل درهم بحسابه من الدينار: صحّ، وإن لم يفعل ذلك، ثم تحاسبا بعد فصارفه بها وقت المحاسبة: لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين (٤٢)، وإن قبض أحدهما من
عُرِّف بأل وهو من صيغ العموم، ثانيهما: قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وهو عام مطلقًا - كما سبق - ولفظ "ذروا" فيه "واو الجمع" وهي من صيغ العموم أيضًا ولفظ "ذروا" أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "إنما الربا في النسيئة" وهو عام كما سبق، ثانيهما: قوله: "فمن زاد أو استزاد فقد أربى" وهو عام لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، الثالثة: القياس بيانه: كما أن الربا محرَّم بين المسلمين في ديارهم، فكذلك محرم بين المسلمين وغيرهم من الكفار في ديار المسلمين، أو في ديار الكفار، والجامع: دفع الضرَّر في كل، وهو المقصد من ذلك الحكم.
(٤١) مسألة: ربا الفضل، أو النسيئة يجوزان بين السيد ورقيقه: سواء كان ذلك الرقيق مُدبَّراً - وهو المعتق بعد وفاة السيد - أو كانت أم ولد - وهي: التي أتت بولد من سيدها - أو مكاتباً إذا قال له: "سأعطيك تسعة عن عشرة وهو آخر قسط الأقساط التي عليّ لك"؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون المال والعبد ملكًا للسيد: جواز ذلك؛ إذ لا ضرر على أحد فيه وهو المقصد منه.
(٤٢) مسألة: إذا كان زيد يُطالب بكراً عشرة دنانير: فبدأ بكر يقضي ما عليه بالدراهم شيئًا فشيئًا ويقول له: "هذه الأربعة دراهم عن دينارين، كل شيء بما يُقابله": فإن هذا يصح هذا الصَّرف، أما إن أعطاه الدراهم ويسكت، ثم حاسبه بعد ذلك فصارفه بها وقت المحاسبة: فلا تصح المصارفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذلك أن يكون بيع دين بدين؛ لكونهما تبايعا في الذمَّة، وهذا لا يصح ويلزم من قوله =
стр. 1525
الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمَّة: صحَّ (٤٣).
له: "إن هذه الأربعة دراهم عن دينارين": صحة ذلك؛ لعدم وجود المانع منه شرعًا.
(٤٣) مسألة: إذا كان زيد يُطالب بكراً عشرة دنانير، فقضى بكر ذلك بدراهم شيئًا فشيئًا، ولم يحسب عليه كل درهم بحسابه من العشرة دنانير، فلما تمت مقابلة كل دينار من الدرهم: أخذ بكر من زيد الدراهم ثم مدَّها إلى زيد قائلاً: "هذه عمّا في ذمّتي من الدنانير، فيكون مصارفاً له بعين وذمّة: فإن هذا يصح؛ للتلازم؛ حيث إن وجود عين وذمّة في هذا يلزم منه: صحة ذلك، فلا محذور فيه.
هذه آخر مسائل باب "الربا والصرف" ويليه باب "بيع الأصول والثمار".
стр. 1526
باب بيع الأصول والثمار
"الأصول": جمع أصل، وهو: وهو ما يتفرَّع عنه غيره، والمراد هنا: الدور، والأرض، والشجر، "والثمار": جمع ثمر، كجبل وجبال، وواحد الثمر: ثمرة، (إذا باع دارًا) أو وهبها، أو رهنها، أو وقفها، أو أقرَّ، أو أوصى بها: (شمل) العقد (أرضها) أي: إذا كانت الأرض يصح بيعها، فإن لم يجز كسواد العراق فلا (و) شمل (بناءها وسقفها) لأنهما داخلان في مُسمَّى الدار (و) شمل (الباب المنصوب) وحلقته (والسُّلَّم، والرَّف المسمورين والخابية المدفونة) والرحى المنصوبة، لأنه متصل بها؛ لمصلحتها، أشبه الحيطان، وكذا المعدن الجامد، وما فيها من شجر وعرش (دون ما هو مودع فيها من كنز) وهو المال المدفون (وحجر) مدفون (ومنفصل منها كحبل ودلو، وبكرة، وقفل ومفتاح) ومعدن جار وماء نبع، وحجر رحى فوقاني؛ لأنه غير متصل بها، واللفظ لا يتناوله، ولو كانت الصيغة المتلفظ بها الطاحونة، أو المعصرة: دخل الفوقاني كالتحتاني (١) (وإن باع أرضاً) أو وهبها، أو وقفها، أو رهنها، أو
باب بيع الأصول والثمار
وفيه ثمان وعشرون مسألة:
(١) مسألة: إذا باع زيد دارًا على بكر: فإنه يلزم من هذا البيع والعقد: أن يملك بكر كل ما هو متصل بها لمصلحتها كأرضها، وسقفها، وحيطانها، وسطحها، ومفتاحها، والسلالم، والرفوف المنصوبة، وأي شيء مدفون فيها كالخوابي، والرحى التحتاني المدفون، وبابها، وحلقته، والمعدن المدفون فيها كذهب وفضة، وكل شجر ونخل، وعرش تُقام عليها الأشجار والعنب، أما ما هو منفصل عنها مثل الكنز المدفون فيها من ذهب أو فضة، أو حجر مدفون، أو حبل البئر، والدلو، والبكرة، والفرش، والأثاث، وحَجَر الرحى الفوقاني، وماء جارٍ إلى غير تلك الدار المباعة فلا يتبعها؛ للمصلحة: حيث إن =
стр. 1527
أقرَّ، أو أوصى بها (ولو لم يقل: بحقوقها: شمل) العقد (غرسها وبناءها) لأنهما من حقوقها، وكذا: إن باع ونحوه بستاناً؛ لأنه اسم للأرض، والشجر والحائط (٢) (وإن كان فيها زرع) لا يُحصد إلّا مرة (كبر، وشعير: فلبائع) ونحوه (مبقى) إلى أول وقت أخذه بلا أجرة، ما لم يشترطه مشتر (وإن كان) الزرع (يُجزُّ) مرارًا كرطبة وبقول (أو يُلقط مرارًا) كقثَّاء، وباذنجان و كذا: نحو ورد (فأصوله للمشتري)؛ لأنها تراد للبقاء
ما لا يمكن الاستفادة من الدار استفادة كاملة إلّا به يتبعها؛ وهو غير المنفصل كالأمثلة السابقة وهي تشبه الحيطان، أما ما يمكن الاستفادة بالدار بدونها وهي المنفصلة - كما سبق من الأمثلة - فلا يتبعها، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: حتى يعرف كل واحد من المتبايعين ما له وما عليه، (فرع) إذا نُصَّ على أن الطاحونة، أو المعصرة تابعة للبيع: فإنه يدخل في عقد البيع الرحى الفوقاني والتحتاني، وكل شيء يخص ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من النص على ذلك: دخولهما (فرع ثان): المفتاح متصل بالدار، وهو من مصالحها فيدخل ضمن عقد البيع من باب التلازم، تنبيه: قوله: "إذا كانت الأرض يصح بيعها" يحترز به عن الأرض الموقوفة، فلا يصح بيعها كما سيأتي، تنبيه آخر: قوله: "فإن لم يجز كسواد العراق: فلا" هذا أورده على مذهبه، وقد بيّنا في مسألة (٣٢) من "حقيقة البيع وحكمه وشروط صحته وموانعه" جواز بيع أراضي العراق كغيرها من أراضي ديار الإسلام.
(٢) مسألة: إذا باع زيد أرضاً، أو بستاناً، أو مزرعة على بكر: فإنه يلزم من هذا العقد والبيع: أن يملك بكر كل ما وُجد في هذه الأرض من غرس، وبناء، وأشجار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من العقد: أن يتبع المشتري كل ما ذكر، لأن العقد يقتضيها (فرع) حكم هبة الأرض والبستان والمزرعة أو الدار، أو رهنها، أو وقفها، أو الإقرار بها، أو الوصية بها ونحو ذلك كحكم بيعها فيما يتبع.
стр. 1528
فهي كالشجرة (والجزَّة واللقطة الظاهرتان عند البيع للبائع)، وكذا: زهر تُفتح؛ لأنه كالثمر الموبَّر، وعلى البائع قطعها في الحال (وإن اشترط المشتري ذلك: صح) الشرط، وكان له كالثمر المؤبَّر إذا اشترطه مشتري الشجر (٣)، ويثبت الخيار لمشترٍ ظنَّ دخول ما ليس له من زرع وثمر كما لو جهل وجودهما (٤)، ولا يشمل بيع قرية
(٣) مسألة: إذا كان في تلك الأرض التي باعها زرع كالبر والشعير ونحوهما مما يحصد مرَّة واحدة في العام: فإنه يكون للبائع ونحوه كواهب، وراهن، ومقر، وموصي بها، فعلى هذا: يُبقى حتى يأتي وقت حصده فيأخذه البائع بدون دفع أُجرة، أما إن كان في تلك الأرض المباعة زرع، يُحصد، أو يُجزُّ، أو يُلقط عدَّة مرَّات في العام الواحد كالنعناع، والكراث، والقتِّ، والخيار، وبعض أنواع القرع ونحو ذلك: فإنَّ أول حصدةٍ، وأول جزَّة، وأول لقطة ظاهرة عند العقد تكون للبائع، أما أصول الشجر فهي للمشتري، وإن اشترط المشتري: أن يكون هذا الزرع الذي يحصد أو يُلقط، أو يُجزُّ مرَّة، أو مرَّات له: فإنه يصح هذا الشرط إذا تراضيا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تمام العقد على بيع الأرض ما ذكرناه؛ لكون العادة قد اقتضت ذلك، ويلزم: أن لا يتبع الزرع المحصود أو الملقوط للمشتري؛ لكون البائع هو المودع له في الأرض كالكنز، ويلزم من اشتراط المشتري أو البائع أيِّ شرط: العمل به؛ لكون المسلمين على شروطهم، وهو كالثمر المؤبَّر والمقصد منه: بيان حقوق كل واحد من المتبايعين كما سبق.
(٤) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر أرضاً فيها زرع ونخل، وكان زيد جاهلاً: فظن دخول بعض المزروعات، والثمار الظاهرة في ملكه، أي: اعتقد أنه يملك كل شيء من حين العقد؛ وكان ممن يجهل مثله فبان أنه ليس له: فإنه له الخيار: إن شاء أمسك وأمضى البيع، وإن شاء ردَّ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جهله لذلك: تضرُّره بفوات منفعة البيع، والخيار شُرع لرفع الضرَّر فيثبت له (فرع) يُقبل قول =
стр. 1529
مزارعها بلا نص أو قرينة (٥).
فصل: (ومن باع) أو وهب، أو رهن (نخلاً تشقَّق طلعه) ولو لم يؤبَّر: (فـ) الثمر (لبائع مُبقى إلى الجذاذ إلا أن يشترطه مشتر) ونحوه؛ لقوله ﷺ : "من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبَّر: فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع) متفق عليه. والتأبير: التلقيح، وإنما نصَّ عليه والحكم منوط بالتَّشقُّق؛ لملازمته له غالبًا، وكذا: لو صالح بالنخل، أو جعله أجرة، أو صداقاً، أو عوض عن خلع (٦)، بخلاف وقف، ووصية: فإن
مدّعي الجهل مع يمينه على أنه يجهل ذلك، ويُفعل به كما يُفعل فيما لو جهل البائع وجود الزرع والثمر: فله الخيار.
(٥) مسألة: إذا باع زيد على بكر قرية: فإن البيع يشمل الدور، والأسوار فقط، ولا يشمل المزارع الموجودة فيها إلا إذا وُجد دليل يدلُّ على شمول البيع للمزارع كنص: بأن يقول زيد: "بعتك هذه القرية بمزارعها وثمارها" أو قرينة كأن يقول زيد: "بعتك هذه القرية وأرضها" أو بذل بكر ثمناً يصلح للقرية ولمزارعها؛ للتلازم؛ حيث إن العقد على بيع القرية يقتضي بيع الدور والأسوار فقط فيلزم ذلك، دون دخول المزارع، لعدم اقتضاء العقد لها، ولزم من ذكر الدليل على دخول المزارع: دخولها؛ عملًا به.
(٦) مسألة: إذا باع زيد على بكر نخلاً بعد أن أبَّره - أي: لقَّحه زيد بوضع طلع الفحل على طلع النخل -: فإن الثمر يكون للبائع - وهو زيد هنا - فيجب على بكر أن يُبقيه على النخل إلى وقت جذاذ النخل، فيأخذه البائع، أما إن اشترط المشتري - وهو هنا بكر - قائلاً: "اشتريت منك هذا النخل بشرط: أن يكون هذا الثمر معه" وقبل البائع: فيصح ذلك! للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبَّر: فثمرتها للذي باعها إلّا إن يشترطه المبتاع" فعلَّق الحكم - وهو: كون الثمرة للبائع - بما إذا أبَّره، ودلَّ مفهوم الزمان على أن الثمر يكون للمشتري قبل التأبير، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البائع قد =
стр. 1530
الثمرة تدخل فيهما: أُبِّرت أو لم تؤبَّر كفسخ لعيب ونحوه (٧) (وكذلك) أي: كالنخل (شجر العنب، والتوت، والرمان وغيره) كجمِّيز من كل شجر، لا قشر على ثمرته، فإذا بيع ونحوه بعد ظهور الثمرة: كانت للبائع ونحوه (و) كذا (ما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح، وما خرج من أكمامه: جمع "كُم" وهو: الغلاف (كالورد)
بذل جهده في سقيه ومُراعاته حتى وبَّره، فدفعاً للضَّرر: جُعلت ثمرته له، فإن قلت: لِمَ وجب على المشتري أن يُبقيه للبائع حتى الجذاذ؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن لا نفع فيه إلا بعد أن يحين جذاذه؛ لكونه صالحًا للأكل، وهذا على حسب العادة والعرف، فإن قلتَ: إنه يكون للبائع بعد أن يتشقَّق طلعه وظهر: سواء حصل تأبيره، أو لا وهو ما ذكره المصنف هنا: للتلازم؛ حيث إن تشققه ملازم للتأبير غالبًا قلتُ: لا داعي لهذا مع نصّه عليه على أن الحكم منوط بتأبيره، والتشقق لا يلزم منه التأبير فقد يُؤبِّره البائع بعد تشققه، وقد لا يُؤبِّره، فلذا نصَّ الشارع على التأبير؛ ليكون أوضح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل تحقق التشقق يلزم منه تحقق التأبير أو لا؟ فعندنا: لا، وعندهم: نعم، (فرع) حكم من وهب نخلاً أو رهنه، أو صالح به، أو دفعه جعلاً أو أجرة عمل، أو دفعه صداقاً، أو دفعه عوضًا خلع، أو عوض طلاق، أو عتق: كحكم من باعه بعد تأبيره؛ حيث يكون الثمر لمن وهب، أو رهن، أو صالح، أو الجاعل، أو المؤجِّر، أو الدافع صداقاً، أو عوضًا، أو المعتوق، إلا أن يشترطه الموهوب والمرتهن، أو المصالح به، أو المستأجر، أو المدفوع لها صداقاً، أو عوضًا مخالعة لها، أو المطلقة، أو المعتق؛ للقياس على البائع.
(٧) مسألة: إذا أوقف زيد نخله، أو أوصى به: فإن الثمر يكون لمن أوقف عليهم، أو الموصى لهم، دون زيد: سواء أُبِّرت، أو لم تؤبَّر، للمصلحة: حيث إن المقصود هو: نفع الموقوف عليهم، والموصى لهم: فدخل الثمر العاجل في ذلك، لاستعجال انتفاعهم.
стр. 1531
والبنفسج (والقطن) الذي يحمل في كل سنة؛ لأن ذلك كله بمثابة تشقُّق الطلع (وما قبل ذلك) أي: قبل التشقق في الطلع والظهور في نحو العنب، والتوت والمشمش، والخروج من الأكمام في نحو الورد، والقطن (والورق: فلمشتر) ونحوه، لمفهوم الحديث السابق في النخل، وما عداه: فبالقياس عليه (٨)، وإن تشقَّق أو ظهر بعض ثمره ولو من نوع واحد: فهو لبائع، وغيره لمشتر إلّا في شجرة: فالكل لبائع ونحوه (٩)
(٨) مسألة: إذا باع زيد شجراً على بكر: ففيه تفصيل من حيث ما يتبع البائع والمشتري هو كما يلي: أولًا: إذا كانت ثمرته في أكمام وغلاف، ثم تتفتَّح فتظهر كالقطن، والورد، والياسمين، والنَّرجس، والبنفسج: فما تفتَّح منه: فهو للبائع، وما لم يتفتَّح منه: فهو للمشتري، ثانيًا: ما ظهرت ثمرته بارزة لا قشر عليها ولا نور كالتين، والتوت، والعنب: فما ظهرت ثمرته ونفعه: فهو للبائع، وما لم تظهر فهو للمشتري، ثالثًا: ما يظهر في قشره، ثم يبقى فيه إلى حين الأكل كالموز، والرمان: فما ظهر: فهو للبائع، وما لم يظهر: فهو للمشتري، رابعاً: ما يظهر في قشرين كالجوز واللوز: فما ظهر فللبائع وما لم يظهر: فللمشتري، خامسًا: ما يظهر نوره، ثم يتناثر فتظهر الثمرة كالتفاح والمشمش، والخوخ: فما ظهر نوره وثمرته: فللبائع، وما لم تظهر فللمشتري سادسًا: الأوراق والأغصان، وسائر أجزاء الشجرة المباعة: للمشتري؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن النخل إذا ظهر طلعه فأبِّرت: فإنه للبائع، وإن لم يظهر أو لم تؤبَّر فهو للمشتري فكذلك تلك الأشجار مثل النخل والجامع: أن كلاًّ منهما له ثمر له ظهور وخفاء، ثانيهما: كما أن الحيطان والأسقف للمشتري للدار فكذلك الأغصان والأوراق تابعة للمشتري، والجامع: أنه لا يتم الاستفادة من المبيع إلّا به، فهو يُعتبر من أجزائها وخلق لمصلحتها.
(٩) مسألة: إذا ظهر بعض طلع النخل، أو بعض ثمر الشجر من نوع واحد: فإن الكل يكون للبائع؛ للمصلحة: حيث إنه لو لم يُجعل كله للبائع: للحق الضَّرر بكل من =
стр. 1532
ولكل السقي؛ لمصلحة، ولو تضرَّر الآخر (١٠) (ولا يُباع ثمر قبل بدو صلاحه)؛ لأنه ﵇: "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع" متفق عليه، والنهي يقتضي الفساد (ولا) يُباع (زرع قبل اشتداد حبِّه)؛ لما روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" (١١) (ولا) تُباع (رطبة وبقل، ولا قثاء
البائع والمشتري بسبب الاشتراك، وكثرة الاختلاف في ذلك عادة، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن طلع النخل، وثمر الشجر من النوع الواحد يتلاحق ويتقارب، فإن قلتَ: إنه إذا ظهر بعض طلع النخل: فإن للبائع ما ظهر، دون ما لم يظهر، أما إن ظهر بعض ثمر الشجر: فإن الكل يكون للبائع قلتُ: لم أجد دليلًا على هذا التفريق لا سيما في النوع الأول؛ لكون العادة اقتضت أنه إذا ظهر طلع نخلة: فإنه يظهر طلع النخلة الأخرى أو يقرب من ذلك بوقت لا يتحمَّل هذا التفريق.
(١٠) مسألة: إذا باع زيد نخلاً على بكر بعد تأبيرها: أو شجراً بعد ظهور طلعها: فالثمر للبائع، وله سقي ذلك حتى الجذاذ: سواء تضرَّر المشتري أو لم يتضرَّر، وكذلك المشتري يسقي أصول النخل والشجر، سواء تضرَّر البائع أو لا، ويُرجع في ذلك إلى أهل الخبرة بالمزروعات والمغروسات؛ للتلازم؛ حيث إن العقد يقتضي أن يهتم كلٌّ بما يملكه، فلزم: أن يفعل فيه ما تقتضيه مصلحته.
(١١) مسألة: يحرم بيع ثمر من نخل أو شجر قبل أن يحمرَّ أو يصفرَّ، وهو: ظهور صلاحه للأكل، ويحرم بيع الزرع من بُرٍّ، أو ذرة، أو أرز ونحوها قبل أن يشتدَّ حبُّه ويصلب، وإذا وقع بيع هذين النوعين قبل ذلك: فإن البيع فاسد؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يشتدَّ ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري" والمراد بالزهو: هو بدو الصلاح، بيَّنه الحديث الآخر؛ "حيث نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها" والنهي هنا =
стр. 1533
ونحوه كباذنجان، دون الأصل) أي: منفردة عن أصولها؛ لأن ما في الأرض مستور مغيَّب، وما يحدث منه معدوم، فلم يجز بيعه كالذي يحدث من الثمرة (١٢) فإن أُبيع الثمر قبل بدو صلاحه بأصوله، أو الزرع الأخضر بأرضه، أو أبيعا لمالك أصلهما، أو أبيع قثاء ونحوه مع أصله: صح البيع؛ لأن الثمر إذا أبيع مع الشجر، والزرع إذا أبيع مع الأرض: دخلا تبعًا في البيع، فلم يضرُّ احتمال الغرر، وإذا أبيعا لمالك الأصل: فقد حصل التسليم للمشتري على الكمال (١٣) (إلا) إذا باع الثمرة قبل بدو
مطلق، فيقتضي التحريم، والفساد، فإن قلت: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه بعد بدو الصلاح، واشتداد الحب يبعد وجود عاهة في الثمر والحب عادة، وقبل ذلك: لا تؤمن العاهة والمرض فيها كما أشار إلى ذلك الحديث السابق، وهذا فيه حماية للمشتري من الضرر.
(١٢) مسألة: النبات الذي يُنتفع بأصوله التي تحت الأرض كالرَّطبة - وهي: علف مفضّل لدى البهائم - والبقل - وهي ما اخضرَّت به الأرض - والقثَّاء - وهو: الخيار - والباميا، والباذنجان: هذه كلها لا يجوز بيعها منفردة دون أصولها وعروقها المغيبة في الأرض؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز بيع شيء لم يحدث من الثمرة، فكذلك لا يجوز بيع تلك النباتات لوحدها، بل لا بدَّ من بيعها مع أصولها والجامع: أنه في كل منها بيع معدوم؛ حيث إنه مستور مُغيَّب، ومعلوم: أن بيع المعدوم لا يجوز، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه غرر وجهالة يُؤدِّي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
(١٣) مسألة: يصح بيع الثمر قبل بدو صلاحه مع أصوله وهو شجره، وكذا: يصح بيع الزرع الأخضر قبل اشتداد الحب مع أرضه، وكذا: يصح ما سبق إذا بيعا على مالك أرضهما وأصول شجرهما، وكذا: إن بيع القثَّاء، والبقل، والباذنجان مع أصوله، ولو لم تُبع معه أرضه؛ للتلازم؛ حيث إن بيع الثمر، والزرع مع أصله وأرضه يلزم منه أن الثمر والزرع الأخضر قد دخلا تبعًا في البيع، وقد يكون فيه =
стр. 1534
صلاحها، أو الزرع قبل اشتداد حبِّه (بشرط: القطع في الحال) فيصح: إن انتفع بهما؛ لأن المنع من البيع لخوف التلف، وحدوث العاهة، وهذا مأمون فيما يقطع (أو) إلا إذا باع الرطبة والبقول (جزَّة) موجودة فـ (جزَّة) فيصح؛ لأنه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر (أو) إلا إذا باع القثاء ونحوها (لقطة) موجودة فـ (لقطة) موجودة؛ لما تقدَّم، وما لم يُخلق: لم يجز بيعه (١٤) (والحصاد) لزرع، والجذاذ لثمر (واللقاط) لقثاء ونحوها (على المشتري)؛ لأنه نقل لملكه، وتفريغ لملك البائع عنه فهو كنقل الطعام (١٥) (وإن باعه) أي الثمر قبل بدو صلاحه، أو الزرع قبل اشتداد حبه،
غرر وجهالة يسيران محتملان كما احتملت الجهالة في بيع اللَّبن في الضرع مع الشاة، والنوى في التمر مع التمر فيلزم من ذلك: صحة البيع، ويلزم من بيع الثمر لمالك الشجر، والزرع الأخضر لمالك الأرض: صحة البيع أيضًا؛ لكونه قد ملك الثمر والزرع والأصول، والأرض: فلم يكن فيه جهالة.
(١٤) مسألة: يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والزرع قبل اشتداد حبه، والرطبة والبقول والقثاء ونحو ذلك بشرط: أن يقوم المشتري بقطعه وجزِّه ولقطه بعد العقد مباشرة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لا غرر فيه ولا جهالة فيلزم صحته، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا مضرَّة على أحد في ذلك؛ لأن المنع من البيع بدون ذلك الشرط كان لخوف التلف وضرر المشتري ولكن هذا الخوف غير موجود هنا؛ لكونه سيقوم بقطعه وجزه ولقطه بعد العقد مباشرة، لذلك لا يصح بيع ما لم يخلق من الثمر ونحوه؛ لعدم التمكّن من قطعه، أو جزه أو لقطه، ولكونه معدوماً، والمعدوم لا يصح بيعه.
(١٥) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر شجراً بعد بدو صلاح ثمره، أو زرعًا بعد اشتداد حبه، أو باذنجاناً أو قثاء: فإن حصاد الزرع، وجذاذ الثمر، ولقط القثاء ونحو ذلك على المشتري؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيداً لو اشترى طعاماً من بكر: فإن نقل الطعام وحمله على المشتري - وهو زيد هنا - فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه =
стр. 1535
أو القثاء ونحوه (مطلقًا) أي: من غير ذكر قطع، ولا تبقية: لم يصح البيع؛ لما تقدَّم (أو) باعه ذلك (بشرط البقاء): لم يصح البيع؛ لما تقدَّم (١٦) (أو اشترى ثمرًا لم يبد صلاحه بشرط القطع، وتركه حتى بدا) صلاحه: بطل البيع بزيادته:؛ لئلا يُجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، وتركها حتى يبدو صلاحها، وكذا: زرع أخضر بيع بشرط: القطع، ثم ترك حتى اشتد حبُّه (أو) اشترى (جزَّة) ظاهرة من بقل أو رطبة (أو) اشترى (لقطة) ظاهرة من قثاء ونحوها، ثم تركهما (فنمتا): بطل البيع؛ لئلا يُتّخذ حيلة على بيع الرطبة ونحوها، والقثاء ونحوها بغير شرط القطع (١٧) (أو
في كل منهما نقل لما دخل تحت مُلكه، وتفريغ لملك البائع عنه، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك على المشتري، بينما كان نقل مكيل وموزون على البائع؟ قلتُ: لأن المكيل والموزون يُعتبران من مؤنة تسليم المبيع، وهو على البائع، أما هنا: فإن التسليم يحصل بالتخلية بدون قطع، أو جز، أو حصد، ولذلك يجوز بيعها والتصرُّف فيها وهي لم تقطع أو تحصد أو تجز أو تلقط، وهذا هو سبب التفرقة بين الأمرين.
(١٦) مسألة: إذا باع شخص ثمرة قبل بدو صلاحها، أو زرعًا قبل اشتداد حبِّه، أو قثاء أو نحوه مطلقًا، ولم تشترط التبقية، ولا القطع، ولا الحصد، أو باع ذلك بشرط البقاء؛ فلا يصح البيع في الحالتين؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يشتد ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري" والنهي هنا مُطلق، فيقتضي فساد المنهي عنه، وقد سبق بيان ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه غرر وجهالة تؤدِّي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
(١٧) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر ثمرًا لم يبد صلاحه بشرط القطع، أو اشترى زرعًا أخضر لم يشتد بشرط القطع، أو اشترى جزَّة ظاهرة من بقول أو رطبة أو كراث، أو قت أو نحو ذلك، أو اشترى لقطة مما يُلقط كالقثاء والبطيخ ولكن المشتري - وهو زيد - ترك الثمر حتى بدا صلاحه، وترك الزرع حتى اشتدَّ، وترك =
стр. 1536
اشترى ما بدا صلاحه) من ثمر (وحصل) معه (آخر واشتبها): بطل البيع، قدَّمه في "المقنع" وغيره، والصحيح: أن البيع صحيح، وإن علم قدر الثمرة الحادثة دفع للبائع، والباقي للمشتري، وإلا: اصطلحا، ولا يبطل البيع؛ لأن المبيع اختلط بغيره، ولم يتعذَّر تسليمه، والفرق بين هذه والتي قبلها: اتخاذه حيلة على شراء الثمرة قبل بدوّ صلاحها كما تقدَّم (١٨) (أو) اشترى رطباً (عرية) - وتقدَّمت صورتها في الربا - فتركها (فأتمرت) أي: صارت تمراً: (بطل) البيع؛ لأنه إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب فإذا أتمر: تبيّنا عدم الحاجة: سواء كان الترك لعذر أو لا (والكل) أي: الثمرة وما حدث معها على ما سبق (للبائع)؛ لفساد البيع (١٩) (وإذا بدا) أي: ظهر (ماله صلاح في
ما يُجزُّ وما يُلقط حتى كبُر ونما: فإن البيع يبطل؛ للمصلحة: حيث إن ذلك قد يُتخذ ذريعة وحيلة لشراء هذه الأشياء وتركها؛ ليستفيد المشتري ويتضرر البائع، فسداً لذلك: بطل البيع من أصله، ويأخذ المشتري الثمن الذي دفعه، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(١٨) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر ثمرًا قد بدا صلاحه، أو زرعًا قد اشتد حبه واختلط معه غيره، واشتبه به، وتعسَّر التمييز بينهما: فإن البيع يبطل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من هذا الاختلاط، وعدم التمييز بين المباح وغيره: بطلان البيع كبر جيد قد اختلط ببر رديء، أو كثوب صوف قد اختلط بثوب حرير ونحو ذلك. (فرع) إن وُجد تمييز بينه وبين المشتبه به: فلا يبطل البيع؛ للتلازم؛ حيث يُمكن تسليم المبيع فلزم صحته. تنبيه: لا داعي لذكر الخلاف هنا؛ لأن المسألة مفروضة فيما لا يمكن التمييز، فإن قلتَ: إن المبيع اختلط بغيره، ولم يتعذَّر تسليمه قلتُ: إنه لا يمكن تسليم المبيع إذا اختلط بغيره اختلاطاً لا يمكن التمييز بينه وبين المختلط به، فلا فرق بين هذه المسألة، ومسألة (١٨) من حيث الحكم، ويُوجد فرق بينهما من حيث الدليل.
(١٩) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر عَريَّة - وهي: شراء نخلة فيها رُطب بقدر خرصها =
стр. 1537
الثمرة، واشتدَّ الحبُّ: جاز بيعه) أي: بيع ما ذكر من الثمرة والحب (مطلقًا) أي من غير شرط (و) جاز بيعه (بشرط التبقية) أي: تبقية الثمر إلى الجذاذ، والزرع إلى الحصاد؛ لأمن العاهة ببدو الصلاح (٢٠) (وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ) وله قطعه في الحال، وله بيعه قبل جذِّه (٢١) (ويلزم البائع سقيه) بسقي الشجرة الذي هو
تمراً - كما سبق في مسألة (٢٠) من باب "الربا والصرف" - وتركها المشتري - وهو زيد - حتى صار الرُّطب تمراً: فإن البيع يبطل: سواء كان المشتري تركها لعذرٍ أو لا، للتلازم؛ حيث إن العريَّة قد رُخِّص فيها؛ ليأكل المحتاج من رطبها، فلما تركها حتى أتمرت: تبيَّنا عدم حاجته إلى الرطب: فيلزم عدم صحة البيع؛ لكونه انقلب إلى بيع المزابنة المنهي عنه (فرع) لما بطل البيع في المسائل (١٦ و ١٧ و ١٨ و ١٩) فإن المبيع كله: من ثمر ونحوه يعود للبائع، ويُرجع الثمن كاملًا إلى المشتري؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من بطلان البيع: إرجاع المبيع إلى البائع، وإرجاع الثمن إلى المشتري.
(٢٠) مسألة: إذا ظهر وبدا صلاح الثمرة، واشتدَّ الحب: جاز بيعهما مُطلقًا من غير اشتراط، وجاز بيعهما بشرط القطع، وبشرط تبقيتهما إلى الجذاذ والحصاد؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع الحب حتى يشتدَّ، وتأمن العاهة" حيث دلّ مفهوم الغاية على جواز بيع ذلك بعد بدو الصلاح، واشتداد الحب وأمن العاهة وهذا يلزم منه إبقاؤه؛ لأن ما يُقطع في الحال لا يُخاف العاهة عليه، وإذا بدا صلاحه فقد أُمنت العاهة، فيلزم من ذلك جواز بيعه مُبقى؛ نظرًا لزوال علَّة المنع، وهذا هو المقصد منه.
(٢١) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر ثمرًا بعد بدو صلاحه، أو زرعًا بعد اشتداد حبه: فله - أي: للمشتري - أن يُبقيه إلى الجذاذ والحصاد، وله أن يقطعه في الحال، وله أن يبيعه أو يهبه ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن هذا الثمر، والحب قد أصبح في ملك المشتري بسبب قبضه من البائع بتخلية البائع له، فيلزم من ذلك =
стр. 1538
عليها (إن احتاج إلى ذلك) أي: إلى السقي، وكذا: لو لم يحتج إليه؛ لأنه يجب عليه تسليمه كاملًا فلزمه سقيه (وإن تضرَّر الأصل) بالسقي، ويُجبر عليه إن أبي (٢٢)، بخلاف ما إذا باع الأصل، وعليه ثمر للبائع: فإنه لا يلزم المشتري سقيها؛ لأن البائع لم يملكها من جهته (٢٣) (وإن تلفت) ثمرة أبيعت بعد بدو صلاحها دون أصلها قبل أوان جذاذها (بآفة سماوية) وهي: ما لا صنع لآدمي فيها كالريح، والحر والعطش: (رجع) ولو بعد القبض (على البائع): لحديث جابر: "أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح" رواه مسلم، ولأن التخلية في ذلك ليست بقبض تام، وإن كان التالف يسيرًا لا ينضبط: فات على المشتري (وإن أتلفه) أي: الثمر المبيع على ما تقدَّم (آدمي) ولو البائع: (خُيِّر مشتر بين الفسخ) ومطالبة البائع بما دفع من الثمن (والإمضاء) أي: البقاء على البيع (ومطالبة المتلف) بالبدل (٢٤) (وصلاح بعض) ثمرة (الشجرة
تصرف المشتري فيه تصرُّفاً مطلقًا كسائر السلع المباعة المقبوضة.
(٢٢) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر ثمرًا بعد بدو صلاحه، أو زرعًا بعد اشتداد حبه: فإنه يلزم البائع - وهو بكر هنا - سقي شجر الثمر، وزرع الحب إن احتاج إلى ذلك السقي، ويلزمه أيضًا حراسته بما يُحرس مثله: سواء تضرر الأصل - وهو الشجر - بالسقي أو لا، وإن امتنع البائع عن ذلك: أجبره الحاكم على ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه لا يُمكن للبائع أن يُسلِّمه للمشتري إلّا إذا صلح للانتفاع به، ولا يُمكن ذلك إلّا بسقيه حتى يتكامل فلزمه سقيه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق المشتري.
(٢٣) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر الشجر والنخل وعليها ثمر للبائع - وهو بكر -: لا يلزم المشتري - وهو زيد هنا - سقي ذلك الشجر أو النخل إذا لم يشترطه البائع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مُلكية البائع للثمرة من جهة المشتري: عدم إلزام المشتري على سقيها.
(٢٤) مسألة: إذا اشترى ثمرًا بعد بدو صلاحه، أو زرعًا بعد اشتداد حبه، ثم تلف =
стр. 1539
صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان)؛ لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشقُّ (٢٥)
ذلك: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان التلف بآفة سماوية وجائحة تلفاً كثيرًا كالريح، والأمطار الكثيرة، أو حر شديد، أو برد شديد، أو جراد ونحو ذلك: فإن البيع يبطل، ويأخذ المشتري الثمن الذي دفعه من البائع؛ ثانيًا: إن كان التلف يسيرًا كأن يأكل منه الطير أو يتساقط: فإنه يُحسب على المشتري، ثالثًا: إن كان التلف بفعل آدمي - ولو كان البائع -: فإن المشتري يُخيَّر بين فسخ البيع، ويأخذ ما دفعه من البائع أو إمضاء البيع، ويُطالب المشتري البائع ببدل الثمرة أو الحب المتلف والبائع يُطالب المتلِف؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من باع ثمرًا فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئًا، على ما يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم؟! " وهذا يدلّ على وجوب رد الثمن للمشتري إذا تلف المبيع؛ لكون البيع قد فسد؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي الفساد، الثانية: المصلحة؛ حيث إن التلف اليسير قد لا يسلم منه أحد، ويصعب التحرُّز منه: فكان فواته يُحسب على المشتري، الثالثة: القياس بيانه: كما أن المكيل إذا أتلفه آدمي قبل القبض: فإن للمشتري الخيار، فكذلك الحالة الثالثة. والجامع: أن كلاًّ منهما لم يتم فيه القبض بالتمام؛ حيث إن التخلية ليست قبضاً تاماً؛ الرابعة: التلازم؛ حيث إن كون مؤنته على البائع إلى تتمَّة صلاحه: أن يلزمه ضمانه إذا تلف بآفة سماوية، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس من أن يتحايل عليها الظلمة فتُؤكل بالباطل.
(٢٥) مسألة: إذا ظهر صلاح بعض ثمرة شجرة أو نخلة واحدة في بستان يتكوَّن من عدّة أشجار ونخل: فهو يُعتبر صلاحًا لجميع الثمار التي في الأشجار الأخرى، وكذلك النخل، وصلاح بعض الحب الموجود في سنبلة واحدة يُعتبر صلاحًا لجميع الزرع الذي في تلك الأرض، من جنسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ظهور =
стр. 1540
(ويبدو الصلاح في ثمر النخل: أن تحمرَّ أو تصفرَّ)؛ لأنه ﵇ "نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو" قيل لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمار أو تصفار (وفي العنب: أن يتموَّه حلوا)؛ لقول أنس: "نهى النبي ﷺ عن بيع العنب حتى يسودّ" رواه أحمد، ورواته ثقات، قاله في "المبدع" (وفي بقية الثمر) كالتفاح والبطيخ: (أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله)؛ لأنه ﵇ "نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب" متفق عليه، والصلاح في نحو قثاء: أن يؤكل عادة، وفي حبٍّ: أن يشتدَّ، أو يبيّض (٢٦) (ومن باع
صلاح بعضه: صلاح كله لكون الشجر أو الزرع متقارباً في الصلاح عادة وعرفاً إذا كان من جنس واحد، وهذا فيه تيسير؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اعتبار الصلاح في كل شجرة أو سنبلة يشق على الناس، فدفعاً لذلك: شُرع هذا.
(٢٦) مسألة: طريقة معرفة بدو الصلاح في الثمار والحبوب، وكل شيء يُلقظ: فيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان الثمر ثمر نخل: فيكون بدو صلاحه حين يحمرُّ بلحه أو يصفرُّ، ولو لم يكمل هذا الاحمرار والاصفرار، ثانيًا: إن كان الثمر عنباً فبدو صلاحه إذا ظهرت حلاوته، وظهر ماؤه: سواء كان لونه أسوداً أو أبيضاً، ثالثًا: إن كان الثمر يُلقط - غير النخل والعنب - مثل التفاح والبرتقال، والبطيخ، والرمان، والمشمش، والخوخ، والجوز، والقثاء والباذنجان: فبدو صلاحه يكون حين ينضج ويطيب أكله عادة وعند أهل الخبرة فيه، رابعاً: إن كان الثمر حبًا فبدو صلاحه يكون عند اشتداده، وصُلب حبه؛ للسنة القولية وهي من وجوه: أولها: "نهيه ﵇ عن بيع الثمرة حتى تزهو" وفسَّر أنس زهوها بأنه الاحمرار أو الاصفرار، وتفسير الصحابي للحديث مقدَّم على غيره، لكون قوله حجّة، ثانيها: "نهيه ﵇ عن بيع السنبل حتى يشتدَّ حبُّه" ثالثها: "نهيه ﵇ عن بيع الثمرة حتى يطيب أكلها" وهذا على حسب عرف الناس وعاداتهم، إذ لكل ثمرة وقت يطيب أكله فيه، وبداية احمرار، أو اصفرار الثمرة، أو اشتداد الحب، أو =
стр. 1541
عبدًا) أو أمة (له مال: فماله لبائعه إلّا أن يشترطه المشتري)؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: "من باع عبدًا وله مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع" رواه مسلم (فإن كان قصده) أي: المشتري (المال) الذي مع العبد (اشترط علمه) أي: العلم بالمال (وسائر شروط البيع)؛ لأنه مبيع مقصود أشبه ما لو ضمَّ إليه عينًا أخرى (وإلا) يكن قصده المال: (فلا) يُشترط له شروط البيع، وصحّ شرطه ولو كان مجهولاً؛ لأنه دخل تبعًا أشبه أساسات الحيطان، وسواء كان مثل الثمن أو فوقه أو دونه، وإذا شرط مال العبد، ثم ردَّه بإقالة أو غيرها: ردَّه معه (وثياب الجمال) التي على العبد المبيع (للبائع)؛ لأنها زيادة على العادة، ولا يتعلَّق بها حاجة العبد (و) ثياب لبس (العادة للمشتري)؛ لجريان العادة ببيعها معه (٢٧)، ويشمل بيع دابة كفرس لجاماً
طيب الأكل للثمرة هو علامة جعلها الشارع لبدء صلاحية تلك الثمرة، وحدَّد بها وقت جواز بيعها كما حدَّد الشارع وقت البلوغ بالخمسة عشر سنة، أو الإنبات من القبل، أو خروج المني، والحيض عند المرأة، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تفريق بين وقت الصلاحية والجواز ووقت عدم ذلك.
(٢٧) مسألة: إذا اشترى شخص عبدًا له مال، أو عليه شيء من الألبسة له قيمة: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان للعبد مال، أو عليه ذهب أو فضة: فإن ذلك كله للبائع إلّا إذا اشترطه المشتري قائلاً: "اشتريته وماله من مال يدخل معه" وقبل البائع، فهنا يكون العبد وماله للمشتري على حسب الشرط؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من باع عبدًا له مال: فماله لبائعه إلّا أن يشترطه المبتاع": أي: إذا اشترطه المشتري: فلا يكون المال للبائع، بل للمشتري؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي. فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن العقد قد تمَّ على عين العبد، دون ماله فيبقى المال لا يتناوله عقد البيع، ثانيًا: إن كان العبد له مال، وكان قصد المشتري للعبد هو: الحصول على ماله، دون العبد نفسه، =
стр. 1542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واشترط بأن يكون ماله مع بيعه: فيصح اشتراط ذلك - كما سبق في الحالة الأولى -، ولكن يُشترط في ذلك: أن يُوجد فيه شرائط صحة البيع السابقة، ومنها: أن يكون المال معلوم القدر، وأن لا يؤدِّي ذلك إلى التعامل بالربا - كما قلنا في بيع عينين في بيعة واحدة -؛ للقياس؛ بيانه: كما تشترط شروط البيع في بيع عينين في بيعه واحدة: من علم بحقيقة العينين وعدم وجود ربا بينها وبين الثمن، فكذلك في بيع العبد إذا قصد المشتري ماله: فإنه يُشترط فيه ذلك، والجامع: أن كلاً من شراء العبد وماله، وشراء العينين في بيعة واحدة مقصود في البيع، ثالثًا: إذا لم يقصد من شرائه الحصول على مال العبد، وإنما قصد العبد؛ لينتفع به: فهذا لا يُشترط علمه بمال العبد، ولا يُشترط شيء من شروط البيع، ويصحّ أن يشترط: أن يكون مال العبد له: سواء علم مقدار مال العبد حال العقد، أو جهله، وسواء كان المال من جنس الثمن أو لا، وسواء كان المال عينًا أو ديناً، وسواء كان مال العبد مثل ثمنه، أو فوقه أو دونه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن أساسيات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف، والحمل في البطون تدخل في المبيع تبعًا إذا لم تُقصد بنفسها، ولا يشترط علمها ولا شروط البيع فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلاً منهما غير مقصود في العقد، فصار تبعًا، وحكم التابع حكم المتبوع، رابعاً: إذا ردَّ المشتري العبد الذي له مال بأي سبب من أسباب الرَّد بإقالة، أو خيار، أو بعيب، أو تدليس: فيجب على المشتري هذا أن يرد معه ماله، وإن تلف ماله فيردُّ قيمته؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه قد ردَّ العبد بذلك السبب فكذلك ماله مثله والجامع: أن كلاًّ منهما عين مال أخذه المشتري به فيردَّه بالفسخ، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قيمة العبد تزيد بسبب هذا المال، وتنقص بسبب انعدامه وهذا إضرار بالبائع، فيجب على المشتري أن يدفع ما يُزيل هذا النقص، خامسًا: إذا كان على العبد ثياب زينة وجمال: فهي =
стр. 1543
ومقوداً، ونعلاً (٢٨).
للبائع إلا إذا اشترطه المشتري كما قلنا فيما إذا كان له مال، أما إن كانت ثيابه عادية: فهي للمشتري؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو باع دارًا فيها بسط وستائر وأثاث فاخر: فإن هذه الأمور للبائع، فكذلك ثياب الزينة التي على العبد تابعة للبائع، الثانية: العرف والعادة؛ حيث جرت العادة والعرف على أن الثياب العادية التي على العبد أثناء البيع تكون للمشتري؛ لكون ذلك يُتسامح فيه (فرع): الأمة كالعبد فيما سبق من تلك الأحكام الخمسة في المسألة السابقة.
(٢٨) مسألة: إذا باع دابة: فإنه يتبع تلك الدابة أمور ثلاثة: أولها: المقود، وهو الشيء الذي يقود به الإنسان الحيوان: سواء كان حبلاً أو لا، ثانيها: اللجام، وهو: ما يُجعل في فم الدابة، ثالثها: النعل، وهو: الشيء الذي يُجعل واقياً لأرجل الحيوان من الأرض؛ لقاعدتين: الأولى: العرف والعادة؛ حيث جرت العادة عند الناس، أن تلك الأمور الثلاثة تابعة للمشتري، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لا يمكن للمشتري أن يذهب بالدابة بسلام من موضع البيع إلى داره إلّا بتوفر هذه الأشياء الثلاثة. هذه آخر مسائل باب: "بيع الأصول والثمار" ويليه باب "السَّلَم".
стр. 1544
باب السَّلَم
هو: لغة أهل الحجاز، و "السَّلَف" لغة أهل العراق، وسُمِّي سَلَماً؛ لتسليم رأس المال في المجلس وسلفاً؛ لتقديمه (وهو) شرعًا. (عقد على موصوف) ينضبط بالصفة (في الذمة) فلا يصحّ في عين كهذه الدار (مؤجَّل) بأجل معلوم (بثمن مقبوض بمجلس العقد) (١)، وهو جائز بالإجماع؛ لقوله ﵇: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" متفق عليه (٢) (ويصح) السَّلم
باب السَّلَم
وفيه ثلاث وأربعون مسألة:
(١) مسألة: السَّلَم لغة مأخوذ من تسليم شيء معلوم، وهو في الاصطلاح: "عقد على شيء يصحّ بيعه موصوف في الذمّة مؤجَّل بأجل معلوم بثمن مقبوض بمجلس العقد" والمراد به: تعجيل الثمن وتأخير المثمن، وصورته: أن يبيع زيد سلعة في الذمة موصوفة مؤجَّلة بزمن محدَّد بمائة ريال يدفعها المشتري في مجلس العقد، ويقبضه البائع - وهو زيد هنا -، ويؤخَّر السلعة إلى وقت معروف عند المتبايعين، فلا يصح ذلك على عين مثل قوله: "بعتك هذه الدار"، وهو نوع من البيع لذلك تُشترط له شروط صحة البيع، ولهذه المعاملة شروط وصفات سيأتي بيانها، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي سَلَماً؟ قلتُ: نظرًا لتسليم رأس المال، وهو الثمن في مجلس العقد، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي سَلَفًا؟ قلتُ: نظرًا لتقديم رأس المال وهو الثمن في مجلس العقد، والسلف هو المتقدم من كل شيء، لذلك سُمِّي المتقدمون من أهل السنة والجماعة بالسَّلف، والسلف والسلم واحد في الحكم، تنبيه: قوله: "السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق" قلتُ: هذا فيه نظر؛ حيث إنه ﵇ قد وجد أهل المدينة يسلفون فقال: "من أسلف".
(٢) مسألة: السلم جائز؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستند الإجماع =
стр. 1545
(بألفاظ البيع)؛ لأنه بيع حقيقة (و) بلفظ (السَّلَم والسلف)؛ لأنهما حقيقة فيه؛ إذ هما اسم للبيع الذي عُجِّل ثمنه، وأُجِّل مثمنه - (بشروط سبعة) زائدة على شروط البيع، والجار متعلِّق بـ "يصح" (٣) (أحدها: انضباط صفاته) التي يختلف الثمن باختلافها اختلافًا كثيرًا ظاهرًا: لأن ما لا يمكن ضبط صفاته يختلف كثيرًا، فيفضي إلى المنازعة والمشاقة (بمكيل) أي: كمكيل من حبوب وثمار، وخلٍّ ودُهن، ولبن ونحوها (وموزون) من قطن، وحرير، وصوف، ونحاس، وزئبق، وشبٍّ، وكبريت،
قاعدتان: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ والأجل إما أن يكون بتأجيل الثمن أو المثمن، ولفظ الآية عام لهما، أيَّد ذلك ابن عباس، حيث قال "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مُسمَّى قد أحلَّه الله في كتابه وأذن فيه" ثم قرأ هذه الآية، الثانية: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇: "لما قدم المدينة وجد الناس يسلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال: "من أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" وهذا يلزم منه إباحة السلم والسلف بشرط سيأتي بيانها، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البائع يستفيد من الثمن المعجَّل لشراء حوائجه، والمشتري يستفيد برخص الثمن في السلعة المؤجلة؛ حيث جرت العادة: أن السلعة إذا كانت مؤجَّلة فإن ثمنها يكون أقلَّ من ثمنها فيما لو كانت معجَّلة.
(٣) مسألة: السلم يصح بكل لفظ صحَّ في البيع كقول البائع: "بعتك ما صفته كذا وكيله كذا إلى الوقت كذا بمائة ريال تسلمها إليّ في هذا المجلس" ويصح بلفظ "السلم" و "السلف"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون السلم نوعًا من أنواع البيع: صحة انعقاده بألفاظ البيع، ويلزم من كونه يُسلم ويُسلف في هذه المعاملة: صحة انعقادها بهذين اللَّفظين، لكونهما حقيقة فيها. تنبيه: يصح السَّلَم بشروط سبعة خاصة بهذه المعاملة - وهي: السَّلم والسَّلف وهو: تعجيل الثمن وتأجيل المثمن - وإليك بيانها بالتفصيل في المسائل الآتية.
следующие страницы →