Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
باب الضَّمان
مأخوذ من الضمن، فذمَّة الضامن في ذمَّة المضمون عنه، ومعناه شرعًا: التزام ما وجب على غيره مع بقائه وما قد يجب (١)، ويصح بلفظ ضمين وكفيل، وقبيل،
باب الضَّمان والكفالة
وفيه ثلاث وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: الضَّمان لغة: الالتزام ومنه قول الشخص: "أنا ضامن وضمين المال" أي: التزمته، وقوله: "ضمَّنته المال": أي: ألزمته إيّاه، وهو مشتق من "الضمن" وهو في الاصطلاح: "أن يلتزم عدل يصح تبرُّعه ما وجب وما سيجب على غيره مع بقاء ذلك على المضمون عنه" مثال ضمان ما وجب: أن يشتري زيد سيارة بعشرة آلاف مؤجَّلة إلى سنة من بكر، وضمن محمد زيدًا قائلًا لبكر: "أنا أضمنه: فإن لم يأت لك زيد بالعشرة في الوقت المحدَّد فإني أدفعها لك" ومثال ضمان ما سيجب: أن يستأجر زيد بكرًا على بناء حائط بعشرة آلاف فيقول محمد لبكر: "أنا أضمن زيدًا إن أنت أكملت البناء وإن لم يدفع لك العشرة فأنا أدفعها" وذلك لأن العشرة الآلاف لا يتقرَّر وجوبها إلّا بعد البناء، وقوله: "مع بقاء ذلك على المضمون عنه" يُشير به: أن ضمان محمد لزيد - وهو المضمون عنه - لا يسقط هذا الواجب - وهي العشرة آلاف - عن زيد، بل يكون هذا المال واجبًا على الضامن - وهو محمد - وعلى المضمون عنه - وهو زيد - أيُّهما دفع أولًا سقط عن الآخر؛ للتلازم؛ حيث إن الحق واحد للمضمون له، فإذا استوفى المضمون له حقَّه: لزم من ذلك زوال تعلُّقه بهما معًا، فائدة: أركان الضمان أربعة: ١ - مضمون - وهو الحق وهو العشرة آلاف هنا. ٢ - مضمون له وهو صاحب الحق - وهو بكر هنا. ٣ - مضمون عنه وهو الآخذ لهذا الحق - وهو زيد هنا. ٤ - وضامن وهو الذي التزم بدفع الحق عن غيره - وهو هنا محمد.
стр. 1612
وحميل، وزعيم، "وتحملتُ دينك" أو "ضمنته" أو "هو عندي" ونحو ذلك (٢) وبإشارة مفهومة من أخرس (٣) و (لا يصح) الضمان (إلا من جائز التصرُّف)؛ لأنه إيجاب
(٢) مسألة: يصح الضمان بكل لفظ فهُم منه الضمان على حسب العرف والعادة كأن يقول الضامن لغيره: "أنا ضامن" أو "كفيل" أو "قبيل" أو "ضمين" أو "حميل" أو "زعيم" أو "صبير" أو قوله: "بعه عليه وأنا أعطيك الثمن" أو "اتركه ولا تطالبه وأنا أعطيك ما عليه" أو "حقُّك عندي" أو "أتحمَّل ما عليه" ونحو ذلك من العبارات المفهمة للضمان؛ للقياس؛ كما أن الحرز الذي تحفظ فيه الأموال، والقبض، وكثرة الدم الذي ينتقض الوضوء بها، أو كثرة الحركة التي تُبطل الصلاة يُرجع فيها إلى عرف وعادة أوساط الناس فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منها لم يرد من الشارع تحديده بشيء، وما لم يرد تحديده يُرجع فيه إلى العرف، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(٣) مسألة: يصح الضمان من الأخرس بواسطة إشارة تُظهر أنه التزم ما على غيره من مال؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المتلفظ بأي لفظ يُفهم الضمان يصح ضمانه فكذلك إشارة الأخرس المفهمة للضمان تصح والجامع: إفهام الضمان في كل. فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير معاملة الآخرين والتوسعة عليهم. (فرع): الضمان جائز؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ و "الزعيم" هو: الكفيل كما فسَّره به ابن عباس، وتفسير الصحابي مقبول؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الزَّعيم غارم" ومعلوم: أن الغارم هو الضامن، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على جواز الضمان فإن قلتَ: لِمَ جاز الضمان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس، بل تدعو الحاجة والضرورة إلى الضمان لمن لم يجد من يُعطيه نقودًا إلّا به كما قال ابن القيم.
стр. 1613
مال، فلا يصح من صغير، ولا سفيه (٤)، ويصح من مفلس؛ لأنه تصرُّف في ذمته (٥)، ومن قنٍّ ومكاتب بإذن سيدهما، ويُؤخذ مما بيد مكاتب، وما ضمنه قنٌّ من سيده (٦)، (ولرب الحق مطالبة من شاء منهما) أي: من المضمون والضامن (في الحياة
(٤) مسألة: يُشترط في الضامن: أن يكون جائز التصرُّف - وهو: الحر المكلَّف، سواء كان رجلًا أو امرأة - وعليه: فلا يصح ضمان الصبي والمجنون والسفيه، والعبد والمكاتب بغير إذن سيدهما؛ للقياس؛ بيانه: كما أن البائع والمشتري يُشترط فيهما أن يكونا جائزي التصرُّف فكذلك الضامن، والجامع: أن كلًّا منهما يُوجب على نفسه مالًا بعقد، وهذا لا يلتزم به إلّا جائز التصرُّف، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الضمان وثيقة تكون عند المضمون له، إن لم يدفع المضمون عنه: يُطالب الضامن بالدفع، وجائز التصرُّف ومن له حق التبرُّع هو الذي يستطيع أن يفي بما ضمنه، بخلاف الصبي والمجنون والسفيه؛ حيث إنهم لا يملكون شيئًا بالفعل، وبخلاف العبد والمكاتب؛ حيث إنهم لا يملكون شيئًا بالفعل ولا بالقوة.
(٥) مسألة: يصح الضمان من المفلس - وهو: الذي لا مال عنده -، ولو كان محجورًا عليه؛ للتلازم؛ حيث إن ضمانه تصرُّف منه في ذمته، وهو مُكلَّف حرٌّ له حقُّ التبرُّع والتصرف فيلزم منه: صحة ضمانه؛ إذ لا مانع منه شرعًا، فإن قلتَ: لِمَ صح ضمانه مع الحجر عليه؟ قلتُ: لأن الحجر عليه كان لأجل ماله؛ لوفاء الغرماء، ولم يُحجر عليه في ذمته (فرع): يُطالب المفلس المحجور عليه بما ضمنه بعد فكِّ الحجر عنه؛ للتلازم؛ حيث إن تقدُّم حق الغرماء يلزم تأخير المطالبة بما ضمنه إلى أن يُفكُّ الحجر.
(٦) مسألة: يصح ضمان العبد إذا أذن سيده بذلك، ويأخذ المضمون له الحق - وهو المال المضمون - من سيده الذي أذن له بذلك، ويصح ضمان المكاتب - وهو الذي اشترى نفسه من سيده بمال يقضيه له على فترات - إذا أذن هذا السيد =
стр. 1614
والموت)؛ لأن الحق ثابت في ذمتهما، فملك مطالبة من شاء منهما؛ لحديث "الزعيم غارم" رواه أبو داود، والترمذي، وحسَّنه (٧) (فإن برئت ذمَّة المضمون عنه) من الدَّين
الذي باعه على نفسه، ويأخذ المضمون له الحق - وهو المال المضمون - من يد ذلك المكاتب، للقياس؛ بيانه: كما أن السيد لو أذن لعبده ولمكاتبه بالتصرُّف في بعض البيوع التي تخصهما فإن ذلك يصح، ويتحمَّل السيد ما وجب عليهما من الحقوق فكذلك ضمانهما إذا أذن سيدهما، ويتحمَّل السيد ما وجب عليهما، أو تأخير سداد ثمن المكاتب، والجامع: أن الحجر في كل منهما لحماية حق السيد فإذا أذن انفكَّ ذلك الحجر، فإن قلتَ: لِمَ يأخذ المضمون له المال من سيد العبد مع أن العبد هو الذي ضمن؟ قلتُ: لأن السيد لما أذن للعبد بالضمان: تعلَّق الحق بذمته كما لو أذن له بالاستدانة.
(٧) مسألة: صاحب الحق - وهو المضمون له - لا يُطالب الضامن إلا إذا تعذَّرت مطالبة المضمون عنه - وهو قول مالك في إحدى الروايتين عنه وكثير من العلماء -؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المرتهن لا يبيع العين المرهونة إلّا بعد تعذُّر الاستيفاء من الراهن فكذلك المضمون له لا يُطالب الضامن إلّا بعد تعذُّر أخذ حقه من المضمون عنه، والجامع: أن كلًّا من العين المرهونة والضامن وثيقة يُقصد منها حفظ الحق؛ لئلا يضيع حق المضمون له والمرتهن، الثانية: العرف والعادة؛ حيث إنه قد اعتاد الناس على مطالبة الأصل - وهو المضمون عنه الذي أخذ المال - أولًا، فإن تعذَّرت تلك المطالبة بسبب غيابه أو إفلاسه، أو مماطلته: فإنهم يطالبون الضامن، ومن طالب الضامن مع قدرته على مطالبة المضمون عنه فهو مستقبح غير طارق للطريق السوي في المطالبة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن المضمون عنه هو الذي أخذ المال من المضمون له واستفاد منه، دون الضامن، فيكون المضمون عنه هو أصل في المطالبة، والضامن بديلًا عنه، ولا يمكن أن يُذهب إلى البدل أن المبدل موجود كالتراب مع الماء، فإن =
стр. 1615
المضمون بإبراء، أو قضاء، أو حوالة ونحوها: (برئت ذمة الضامن)؛ لأنه تبع له (٨)،
قلتَ: إن المضمون له يُطالب من شاء منهما في الحياة أو بعد الممات؛ ولو كان المضمون عنه مليًا باذلًا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المضمون له حق مطالبة المضمون عنه - وهو الأصل - فكذلك له حق مطالبة الضامن، والجامع: ثبوت الحق في ذمة كل منهما، فلا فرق بينهما، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المضمون عنه هو الأصل والمبدل، والضامن هو التبع والبدل، فلا يُمكن تساويهما في المطالبة؛ نظرًا لتقدُّم الأصل على التبع، وتقدُّم المبدل على البدل في الأحكام كلها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قسنا الضامن على العين المرهونة؛ لأنه أكثر شبهًا بها، وهم قاسوا الضامن على المضمون عنه؛ لكثرة شبهه به عندهم، وهذا يُسمَّى بـ "قياس غلبة الأشباه" تنبيه: قوله ﵇: "الزعيم غارم" لا يصح للاستدلال به على أن المضمون له يُطالب من شاء منهما لأنه يُحتمل أن يكون الزعيم - وهو الضامن - غارمًا للمال الذي قد يفوت بسبب عدم دفع المضمون عنه له للمضمون له بعد مطالبته إيَّاه، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن منه، ويؤيد ما ذكرناه.
(٨) مسألة: إذا برئت ذمة المضمون عنه بسبب قضائه للدَّين الذي عليه، أو بسبب أن المضمون له قد أبرأه، أو بسبب أن المضمون عنه قد أحال المضمون له على مليء ورضي المضمون له بذلك: فإن ذمة الضامن تبرأ، ولا يُطالب بشيء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العين المرهونة تنفكّ إذا قضى الراهن ما عليه من الدَّين، أو أبرأه المرتهن، أو أحال الراهن المرتهن إلى مليء ورضي المرتهن فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا من الضامن والعين المرهونة وثيقة للاحتياط من أن المال سيعود لمستحقه، - وهو المضمون له، والمرتهن - فإذا عاد: فلا فائدة من التمسّك بالضامن، أو العين المرهونة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن الضامن تبع =
стр. 1616
(لا عكسه)، فلا يبرأ المضمون عنه ببراءة الضامن؛ لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع (٩)، وإذا تعدَّد الضامن: لم يبرأ أحدهم ببراءة الآخر، ويبرؤون بإبراء المضمون عنه (١٠) (ولا يُعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا) معرفته للمضمون (له)؛ لأنه لا يُعتبر رضاهما، فكذا معرفتهما (١١) (بل) يُعتبر (رضى الضامن): لأن الضمان تبرُّع
للمضمون عنه، فإذا برئت ذمة الأصل فقد برئت ذمة الفرع والتبع.
(٩) مسألة إذا برئت ذمَّة الضامن - بأن أقرَّ المضمون له أن الضامن قد برئت ذمته -: فإن ذمة المضمون عنه لا تبرأ، ويحق للمضمون له أن يُطالبه بالدَّين؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العين المرهونة لو انفسخت من غير استيفاء المرتهن حقه من الراهن: فلا يسقط الحق عن الراهن، وتبقى ذمته مشغولة به، فكذلك الضامن لو برئت ذمته: فإن المضمون عنه لا تبرأ ذمته، والجامع: أن كلًّا من العين المرهونة والضامن وثيقة انحلَّت من غير استيفاء الدَّين والحق، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل لا يبرأ بسبب براءة التبع؛ حيث إن الضامن تبع.
(١٠) مسألة: إذا ضمن شخصان أو أكثر شخصًا واحدًا والتزموا بدفع ما عليه إن عجز عن ذلك وأبرأ المضمون له أحد الضامنين: فإن ذمة الضامن الآخر لا تبرأ، أما إذا برئت ذمة المضمون عنه بسبب قضائه للدين ونحوه: فإن جميع الضامنين تبرأ ذممهم؛ للتلازم؛ حيث إن إن إبراء أحد الضامنين لا تعلُّق له بالضامن الآخر؛ لكونه غير فرع له فيلزم عدم إبراء ذمَّة الآخر، ويلزم من إبراء المضمون عنه: إبراء جميع الضامنين؛ لأنهم يتعلَّقون به، وهم فروع له، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المضمون له.
(١١) مسألة: لا يُشترط في صحة الضمان: أن يكون الضامن عارفًا للمضمون عنه، فيصح أن يقول زيد لبكر: "من استدان منك شيئًا فأنا أضمنه"، ولا يُشترط أيضًا: أن يكون الضامن عارفًا للمضمون له، فيصح أن يقول زيد: "من باع بكرًا شيئًا أو أقرضه فأنا أضمنه"؛ للتلازم؛ حيث إن الضمان هو التزام حقٍّ - =
стр. 1617
بالتزام الحق، فاعتبر له الرضى كالتبرُّع بالأعيان (١٢) (ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم)؛ لقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنابه زعيم﴾ وهو غير معلوم؛ لأنه يختلف (١٣) (و) يصح أيضًا ضمان ما يؤول إلى الوجوب كـ (العواري والمغصوب والمقبوض بسوم) إن ساومه وقطع ثمنه، أو ساومه فقط؛ ليريه أهله: إن رضوه وإلا ردَّ، وإن أخذه ليريه أهله بلا مساومة، ولا قطع ثمن: فغير مضمون (١٤) (و) يصح
كما سبق تعريفه في مسألة (١) - والتزام ذلك يكون ولو جُهل المضمون عنه، أو المضمون له فيلزم: عدم اشتراط معرفتهما، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: لأن المقصود والغرض هو دفع الحق والمال للمضمون له، فإذا حصل ذلك المقصود، فاشتراط معرفة ذلك زيادة لا يُحتاج إليها.
(١٢) مسألة: يُشترط في صحة الضمان: أن يكون الضامن راضيًا، فلا صحَّة لضمان مُكره عليه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن التبرُّع بالأعيان لا يصحّ إلّا برضى المتبرِّع، فكذلك الضمان لا يصح إلا برضى الضامن والجامع: أن كلًّا منهما قد تبرَّع بالتزام حق، فلا يُعتبر: لا بالرضى منه، فإن قلتَ: لِمَ يُشترط ذلك؟ قلتُ: لكونه لا دفع إلّا برضى والضامن هو الذي سيدفع الحق إن لم يدفع المضمون عنه ذلك الحق.
(١٣) مسألة: لا يُشترط في صحة الضمان: أن يكون الشيء المضمون معلومًا، فيصح ضمان المجهول كأن يقول زيد لبكر: "أنا ضامن لك ما على محمد، أو ما يُقرُّ لك به محمد من مال" وهذا يُشترط فيه: أن يكون مآله إلى العلم، ومعرفة مقداره؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم﴾ ومعلوم: أن حمل البعير غير معلوم؛ لاختلاف كثرة الحمل وقلَّته باختلاف الإبل، وقوة تحمُّل بعضها دون بعض للحمل، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: لكونه التزام حق في الذمة من غير معاوضة حالية.
(١٤) مسألة: يصح ضمان ما يؤول إلى الوجوب - كما سبق بيانه في تعريف الضمان في مسألة (١) - كالعارية - أو المغصوب، وما يُجعل من جُعْل لمن بنى شيئًا، أو =
стр. 1618
ضمان (عهدة مبيع): بأن يضمن الثمن إذا استحقّ المبيع، أو رد بعيب، أو الأرش إن خرج معيبًا، أو يضمن الثمن للبائع قبل تسليمه، أو إن ظهر به عيب أو استحق فيصح؛ لدعاء الحاجة إليه، وألفاظ ضمان العهدة: "ضمنت عهدته" أو "دركه" ونحوهما (١٥)، ويصح أيضًا ضمان ما يجب: بأن يضمن ما يلزمه من دين، أو ما
نفقة مستقبلة، ونحو ذلك، والمراد من ضمانها: ضمان استنقاذها، أو ردها، أو قيمتها عند تلفها، وكذلك يصح ضمان المقبوض بسوم وقطع للثمن بأن يساوم زيد بكرًا على سلعة ويقطع بثمنها، ثم يأخذها زيد ليريها أهل بيته: فإن رضوا بها أخذها، وإن لم يرضوا بها: ردَّها على بكر: فإنه يصح أن يضمن محمد ما أخذها زيد، أما إن لم يقطع بالثمن، ولم يساوم: فلا صحة للضمان؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الزعيم غارم" وهو عام للواجب المستقر، ولغيره، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الحقوق الثابتة في الذمة يصحّ ضمانها فكذلك العواري والغصوب، والجامع: أن كلًّا منها مضمونة على من هي في يده، فإن قلتَ: لِمَ لا يُضمن ما لم يُساوم عليه، ولم يقطع بالثمن؟ قلتُ: لعدم قبضه على وجه العوض.
(١٥) مسألة: يصح ضمان عهدة مبيع: بأن يضمن محمد الثمن عن بائع لمشتر، وهو الواجب بالبيع قبل تسليمه إن ظهر المبيع مستحقًا لغير بائع، أو رد المبيع على بائع بعيب، أو دفع أرش جناية إن ظهر به عيب؛ للمصلحة: حيث إن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو مُنع الضمان في مثل ذلك: لتضرَّر كثير من الناس؛ حيث قد يؤدي إلى امتناع المعاملات مع كثير من الناس غير المعروفين، فصحّ الضمان في ذلك؛ دفعًا لذلك (فرع): صيغ الضمان بالعهدة هي أن يقول الضامن هنا: "ضمنتُ عهدته" أو يقول لمشتر: "ضمنت خلاصك منه" أو يقول: "متى خرج المبيع مستحقًا: فقد ضمنتُ لك الثمن" ونحو ذلك مما يدل على المراد من غير تقييد بصيغة معينة.
стр. 1619
يُداينه زيد لعمرو ونحوه (١٦) وللضامن إبطاله قبل وجوبه (١٧) (لا ضمان الأمانات) كوديعة، ومال شركة، وعين مؤجَّرة؛ لأنها غير مضمونة على صاحب اليد فكذا ضامنه (١٨) (بل) يصح ضمان (التعدِّي فيها) أي: في الأمانات؛ لأنها حينئذٍ تكون مضمونة على من هي بيده كالمغصوب (١٩)، وإن قضى الضامن الدَّين بنية الرجوع: رجع، وإلا: فلا، وكذا كفيل، وكل مؤدٍ عن غيره دينًا واجبًا (٢٠)
(١٦) مسألة: يصح ضمان ما وجب كأن يقول محمد الضامن: "أضمن ما يُقضى به على زيد" أو "أضمن ما يدل الدليل على أنه مطالب به" أو "أضمن كل ما يُقرُّ به" ويصحّ ضمان ما لا يجب ولكنه يؤول إلى الوجوب بقول محمد الضامن "أضمن ما سيجب من الأجرة على زيد" وكذا في مهر قبل الدخول وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذه الحقوق لازمة وجواز إسقاطها: جواز ضمانها.
(١٧) مسألة: يجوز للضامن إبطال ضمان ما يجب قبل وجوبه على المضمون عنه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اشتغال ذمته به: جواز إبطاله؛ لأن الأمور منوطة بانشغال الذمة بها أو عدم ذلك.
(١٨) مسألة: لا يصح ضمان الأمانات كالوديعة، والعين المؤجَّرة، ومال شركة، وعين مدفوعة إلى خياط وقصَّار؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوديعة لا يضمنها من هي بيده إذا تلفت وبلا تفريط منه، فكذلك الضامن لا يضمنها من باب أولى؛ لأنه فرع عنه.
(١٩) مسألة: يصح ضمان التعدِّي في الأمانات كأن يقول محمد لبكر: "ادفع لزيد الخياط وأنا أضمن عدم تعديه" أي: ضامن لما دفعته إليه إذا تعدَّى أو تلف بفعله، فيكون إن تلف بغير فعله، أو بلا تفريط: فلا شيء على الضامن؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المغصوب والمعار يصح ضمانهما فكذلك هنا والجامع: أن كلًّا منها يضمنها من هي بيده، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس.
(٢٠) مسألة: إذا قضى الضامن دين المضمون عنه وأعطاه المضمون له بنية الرجوع إلى =
стр. 1620
غير نحو زكاة (٢١).
فصل: في الكفالة، وهي: التزام رشيد إحضار من عليه حق ما لي لربِّه، وتنعقد بما ينعقد به ضمان (٢٢)، ...............................................
المضمون عنه وأخذ ما دفعه الضامن منه، أو قضى الكفيل دين المكفول به بنيّة الرجوع إليه وأخذه منه، أو أدَّى شخص عن غيره شيئًا واجبًا كمن أنفق على زوجة غيره بنيّة الرجوع إلى زوجها، أو أنفق شخص على أولاد غيره بنية الرجوع إلى وليهم: فإن الضامن، أو الكفيل، والمنفق الناوي الرجوع: يرجع إلى المضمون عنه، أو المكفول به، أو الزوج أو ولي الأولاد، أما إن لم ينوِ واحد ممن سبق الرجوع إلى من عليه الحق: فلا يرجع إليه، وليس له حق المطالبة بما دفعه؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن القاضي إذا قضى دينًا عن شخص عند امتناعه وهو ناوي أن يرجع إليه به: فإنه يُطالب ذلك الشخص بما عليه، فكذلك هؤلاء - أعني الضامن، والكفيل، والمنفق - يطالبون المضمون عنه، والمكفول به والذي يجب عليه الإنفاق والجامع: أن كلًّا منهم مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان والتزام من هو عليه ثانيهما: كما أن المتصدِّق عن غيره لا يرجع إلى المتصدَّق عنه فيه فكذلك من الضامن أو الكفيل أو المنفق الذي يدفع عن غيره ولا ينوي الرجوع إلى المضمون عنه، أو المكفول به، أو من وجب عليه الإنفاق: لا يُرجع إليهم، والجامع: أن كلًّا منهم متبرِّع متطوع بما فعله.
(٢١) مسألة: إذا دفع زيد عن بكر مالًا واجبًا على بكر يفتقر إلى النية: كأن تجب على بكر زكاة، أو كفارة، أو نذر فدفعه عنه زيد: فلا يرجع زيد إلى بكر ليأخذ ما دفعه منه، ولا تبرأ ذمة بكر؛ للتلازم؛ حيث إن صحة براءة الذمة عند دفع ذلك شروط بوجود النية عند من وجب عليه الحق، فيلزم من عدم النية: عدم صحة براءة الذمة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن تلك الأعمال فيها قربة إلى الله، ولا تصح هذا إلّا بنية وقصد.
(٢٢) مسألة: الكفالة لغة: الالتزام، وهي في الاصطلاح: التزام شخص رشيد بإحضار =
стр. 1621
وإن ضمن معرفته: أخذ به (٢٣) (وتصح الكفالة بـ) بدن (كل) إنسان عنده (عين
من تعلَّق به حق مالي من دين أو عاريَّة أو نحوهما لرب الحقِّ، فإن قلتَ: ما الفرق بين الكفالة والضمان؟ قلتُ: الفرق هو: أن الكفالة عقد واقع على بدن المكفول به، فالكفيل ملتزم بإحضار بدن المكفول به، أما الضمان فهو عقد واقع على الحق الذي على المضمون عنه، فيضمنه الضامن ويرجعه إلى المضمون له إن امتنع المضمون عنه عن الدفع: سواء أحضر بدن المضمون عنه أو لا. (فرع): الكفالة جائزة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقًا من الله لتأتنني به إلا أن يُحاط بكم﴾ فمنع يعقوب أن يخرج يوسف مع إخوته إلّا إذا تكفَّلوا بأن يُرجعوه معهم، الثانية: السنة القولية؛ حيث إن رجلًا لزم غريمًا له حتى يقضي أو يأتي بجميل فقال ﵇: "أنا أحمل" فإن قلتَ: لِمَ جازت الكفالة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحاجة تدعو إلى الاستيثاق بضمان المال أو البدن، وضمان المال - وقد سبق بيانه فيما قبل هذه المسألة - قد يمتنع منه بعض الناس فلو لم تجز الكفالة، بالنفس لأدّى إلى منع بعض المعاملات المحتاج إليها فيحصل بعض الضيق والحرج فدفعًا لذلك: جازت الكفالة (فرع ثان): تنعقد الكفالة بالصيغ التي ينعقد بها الضمان كما سبق في مسألة (٢) كقول الكفيل: "أنا ضمين ببدنه" و"زعيم به"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الكفالة، نوعًا من الضمان: أن تكون صيغه تصلح صيغًا لها.
(٢٣) مسألة: إذا ضمن شخص معرفة المستدين: صحَّ ذلك، كما لو جاء زيد ليستدين من بكر، فقال بكر: "أنا لا أعرفك وأنا لا أعطي من لا أعرفه" فقال محمد لبكر: "أنا ضمنتُ لك معرفته، أعرِّفك من هو، وأين سكنه": فإن هذا يُقبل، ويُؤخذ بإحضاره، فإن لم يحضر المستدين - وهو زيد - أو هرب: فإن بكرًا يُطالب محمدًا بإحضاره، فإن عجز محمد عن إحضاره: فإنه يضمن ما عليه ويُسلِّمه لبكر؛ للقياس؛ بيانه: كما لو قال محمد لبكر تكفَّلتُ بإحضار زيد: فإنه يصح، =
стр. 1622
مضمونة) كعارية ليردَّها، أو بدلها (و) تصحّ أيضًا (ببدن من عليه دين) ولو جهله الكفيل؛ لأن كلًّا منهما حق مالي، فصحَّت الكفالة به كالضمان (٢٤) و (لا) تصح ببدن من عليه (حد) لله تعالى كالزنا أو لآدمي كالقذف؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا كفالة في حدٍّ" (ولا) ببدن من عليه (قصاص)؛ لأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني، ولا بزوجة وشاهد (٢٥)، .........................
فكذلك لو قال له "أنا ضمنت لك معرفته" والجامع: أن كلًّا منهما توثقة لمن له المال وهو هنا بكر.
(٢٤) مسألة: يصح أن يُكفل بدن كل من يلزمه الحضور لمجلس الحكم بسبب دين لازم، أو يؤول إلى اللزوم، أو بسبب عين مضمونة كعارية، ومغصوبة؛ ليردَّها إن كانت باقية، أو يرد بدلها: ويصحّ هذا مطلقًا، أي: سواء كان الكفيل عالمًا بالمال وبقدر العارية أو المغصوب أو جاهلًا به إذا كان مما يؤول إلى العلم؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح ضمان الدَّين اللازم، والعين ولو كان مجهولًا فكذلك تصح الكفالة به والجامع: أن كلًّا من الدَّين والعين حق مالي، وهو قياس أولى؛ حيث إن الدَّين يصح ضمانه ولو كان مجهولًا إذا آل إلى العلم مع أنه التزام بالمال ابتداء فتكون الكفالة التي لا تتعلَّق بالمال ابتداء أولى بالصحة، وهذا لحفظ الحقوق، وهو المقصد منه.
(٢٥) مسألة: لا يصح أن يُكفل بدن من عليه حدٌّ سواء كان هذا الحد حقًا من حقوق الله تعالى كحد الزنا، والسرقة، أو شرب الخمر، أو كان حقًا من حقوق الآدميين كحد القذف، ولا يصح أن يُكفل بدن من عليه قصاص، ولا يصح أن يكفل شخص زوجة لزوجها في حق الزوجية، ولايصح أن يُكفل شاهد؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من الكفالة: استيفاء الحق من الكفيل إن لم يُحضر المكفول، وهذا لا يمكن في الحدود والقصاص، والزوجة لزوجها، والشاهد؛ لكون الحق عليهم يستحيل استيفاؤه من الكفيل فلزم عدم صحة الكفالة في مثل =
стр. 1623
ولا بمجهول (٢٦)، أو إلى أجل مجهول (٢٧)، وتصح: "إذا قدم الحاج: فأنا كفيل بزيد شهرًا" (٢٨) (ويُعتبر رضى الكفيل)؛ لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه (لا) رضى
تلك الأمور، فإن قلتَ: يصح أن يُكفل بدن من عليه حد لآدمي، وهو قول مالك، ورواية لأحمد، ورجَّحه ابن تيمية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه حقًا لآدمي: أن تصح الكفالة به كسائر حقوق الآدميين قلتُ: هذا بعيد؛ لأن الحدود عقوبات وزواجر بدنية، ولا يُعاقب ولا يُزجر بدنيًا إلا نفس فاعل ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" فعندنا يُرجَّع الأول؛ لتقوية المصلحة له، وعندهم: يُرجع الثاني. تنبيه: حديث: "لا كفالة في حد" لايصح الاستدلال به؛ لأنه ضعيف، والضعيف لا يحتج به في إثبات الأحكام.
(٢٦) مسألة: لا يصح أن يُكفل بدن شخص مجهول؛ للتلازم؛ حيث إن هذا لا يمكن تسليمه لصاحب الحق عند طلبه فلزم عدم صحة ذلك.
(٢٧) مسألة: لا يصح أن يكفل بدن شخص إلى أجل مجهول كأن يقول زيد لبكر: "إذا هبَّت الرياح فأنا كفيل بإحضار محمد" ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث لا يُمكن أن يُطالب هذا بإحضاره إلا إذا هبَّت الرياح، وهذا أمره مجهول فلا يصح كالبيع المؤجَّل إلى وقت مجهول.
(٢٨) مسألة: يصح أن يكفل بدن شخص إلى وقت معلوم عادة وعرفًا كقوله: "إذا قدم الحاج فأنا كفيل بإحضار محمد" أو يقول: "إذا حصد الزرع، أو جُزَّ النخل فأنا كفيل بإحضار محمد" ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح البيع المؤجّل ثمنه بذلك التوقيت فكذلك تصح الكفالة والجامع: أنه في كل منهما قد جُهل له أجل لا يمنع من حصول المقصود منه ولا غرر ولا جهالة فيه، فلا يقع تنازع وهذا هو المقصد منه.
стр. 1624
(مكفول به) أوله كالضمان (٢٩) (فإن مات) المكفول: برئ الكفيل؛ لأن الحضور سقط عنه (أو تلفت العين بفعل الله تعالى) قبل المطالبة: برئ الكفيل؛ لأن تلفها بمنزلة موت المكفول به، فإن تلفت بفعل آدمي: فعلى المتلف بدلها ولم يبرأ الكفيل (أو سلَّم) المكفول (نفسه: برئ الكفيل)؛ لأن الأصل: أداء ما على الكفيل، أشبه ما لو قضى المضمون عنه الدَّين، وكذا يبرأ الكفيل إذا سلَّم المكفول بمحل العقد وقد حلَّ الأجل أو لا، بلا ضرر في قبضه، وليس ثمَّ يد حائلة ظالمة (٣٠)، وإن تعذر إحضار
(٢٩) مسألة: يشترط في صحة الكفالة: أن يرضى الكفيل، ولا يُشترط في ذلك رضى مكفول به، ولا رضى مكفول له، بل يصح أن يكفل زيد بكرًا لمحمد وإن لم يرضَ بكر ولا محمد؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أنه يُشترط رضى الضامن - كما سبق - ولا يُشترط رضى المضمون عنه، فكذلك هنا يُشترط رضى الكفيل، ولا يُشترط رضى المكفول به، والجامع: أن كلًّا من الضامن والكفيل قد التزم حقًا ابتداء، فلا يلزمه هذا الحق إلّا برضاه، وأن كلًّا من المضمون عنه والمكفول قد حمَّل غيره قضاء ما عليه فيكون ذلك من صالحه، فلا يُشترط رضاه. ثانيهما: كما أن المشهود له لا يُشترط رضاه في صحة الشهادة فكذلك المكفول له والجامع: أن كلًّا من الشهادة والكفالة وثيقة له لا قبض فيها فتصحّ بدون رضى، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الآخرين.
(٣٠) مسألة: تبرأ ذمة الكفيل في أربع حالات: الحالة الأولى: إذا مات المكفول: فإن ذمة الكفيل تبرأ؛ للتلازم؛ حيث إن سقوط إحضاره نظرًا لموته يلزم منه: براءة ذمة الكفيل؛ لعدم وجود شيء يُحضره، الحالة الثانية: إذا تلفت العين المكفول بها بسبب فعل الله تعالى قبل المطالبة: فإن ذمة الكفيل تبرأ، أما إن تلفت العين بفعل آدمي: فإن ذمة الكفيل لا تبرأ، ويُطالب هذا الآدمي الذي أتلفها ببدل عنها؛ للتلازم؛ لأن تلف العين المكفول بها يتسبَّب في هدم ركن من أركان الكفالة فيلزم =
стр. 1625
المكفول مع حياته، أو غاب ومضى زمن يمكن إحضاره فيه: ضمن ما عليه إن لم يشترط البراءة منه (٣١)، ......................................................
منه: براءة ذمة الكفيل؛ لعدم وجود شيء يُطالب بسببه بخلاف تلفها بسبب آدمي: فلا تبرأ ذمة الكفيل بذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود متلف العين: انشغال الذمة بذلك فيُطالب متلفها ببدلها، الحالة الثالثة: إذا سلَّم المكفول نفسه للمكفول له: فإن ذمة الكفيل تبرأ؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذمة الضامن تبرأ إذا قضى المضمون عنه الدَّين الذي عليه وأعطاه للمضمون له، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما قد حصل ما لزمه من أجله ففي الضمان: دفع المضمون عنه الدين الذي عليه، وفي الكفالة قد سلَّم المكفول نفسه للمكفول له. الحالة الرابعة: إذا سلَّم الكفيل المكفول للمكفول له بمحل العقد: سواء بعد حلول الأجل أو قبله بدون إضرار يلحق بالمكفول له عند قبضه: فإن ذمة الكفيل تبرأ، ما إن حصل ضرر بتسليم المكفول المكفول له قبل حلول أجله: فإن ذمَّة الكفيل لا تبرأ؛ للتلازم؛ حيث إن الكفيل قام بما عليه - وهو: تسليم المكفول للمكفول له - فيلزم منه: براءة ذمته، ويلزم من تسليمه له مع حصول بعض الضرر على المكفول له قبل الحلول: عدم براءة ذمة الكفيل؛ دفعًا لذلك الضرر؛ حيث إن هذا يُفوِّت عليه بعض حقوقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا التفصيل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للكفيل، وللمكفول له كما هو واضح من تلك الحالات الأربع.
(٣١) مسألة: إذا تعذَّر إحضار المكفول مع حياته، أو امتنع الكفيل من إحضاره، أو غاب المكفول زمنًا يمكن إحضاره فيه: فإن الكفيل يضمن ما على المكفول من الدَّين هذا إذا لم يشترط الكفيل البراءة من الدَّين عند تعذُّر إحضار المكفول، أما إن اشترط ذلك قائلًا: "أنا أكفله، ولكني لا أضمن ما عليه من الدَّين إن لم أحضره": فإنه لا يضمن ما عليه إن لم يُحضره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ =
стр. 1626
ومن كفله اثنان فسلَّمه أحدهما: لم يبرأ الآخر (٣٢) وإن سلَّم نفسه: برئا (٣٣).
حيث قال ﵇: "الزعيم غارم"، وهذا عام للضمان والكفالة، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من استثناء ضمان ما عليه: عدم ضمان ما عليه إن لم يُحضره؛ عملًا بشرطه، وهو هذا الاستثناء.
(٣٢) مسألة: إذا كفل زيد وبكر محمدًا معًا، أو منفردين، فسلَّم زيد محمدًا للمكفول له - وهو خالد -: فإن ذمة زيد تبرأ، ولا تبرأ ذمة بكر؛ للتلازم؛ حيث إن انحلال إحدى الوثيقتين بتسليم المكفول لا يلزم منه انحلال الوثيقة الأخرى؛ قياسًا على ما لو أُبرأ أحدهما دون الآخر.
(٣٣) مسألة: إذا كفل زيد وبكر محمدًا: فسلَّم محمد نفسه للمكفول له - وهو خالد -: فإن ذمة زيد وبكر تبرأ؛ للتلازم؛ حيث إن أداء الأصل - وهو المكفول - ما وجب على زيد وبكر - وهو: إحضار نفسه للمكفول له - يلزم منه إبراء ذمة الكفيلين - وهما زيد وبكر - لزوال ما في ذمتهما من إحضاره.
هذه آخر مسائل باب "الضمان والكفالة" ويليه باب "الحوالة"
стр. 1627
باب الحوالة
مشتقة من التحوُّل؛ لأنها تُحوِّل الحقَّ من ذمة إلى ذمة أخرى (١)، وتنعقد بأحلتك، وأتبعتك بدينك على فلان ونحوه (٢) و (لا تصح) الحوالة (إلا على دين
باب الحوالة
وفيه ثنتان وعشرون مسألة:
(١) مسألة: الحوالة لغة: مشتقة من التحوُّل وهو: الانتقال من شيء إلى شيء آخر ومنه قولهم: "تحوَّل فلان من داره إلى دار أخرى" أي: انتقل، وهي في الاصطلاح: نقل دين من ذمة شخص إلى ذمة شخص آخر يطالبه المحيل بدين، فمثلًا: زيد يُطالب بكرًا بعشرة آلاف فأحال بكر زيدًا إلى محمد؛ ليُطالبه بدينه: فإن زيدًا المحال يتحوَّل بالمطالبة بدينه إلى محمد - المحال عليه - ويترك بكرًا - المحيل - وهذا يكون بشروط سيأتي بيانها. (فرع): الحوالة جائزة؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على جوازها، ومستند ذلك السنة القولية: حيث قال ﵇: "من أحيل بحقه على مليء فليحتل" وصرفت المصلحة هذا الأمر من الوجوب إلى الإباحة والجواز؛ حيث إن المحافظة على حق المحال واجبة؛ لئلا يُحال إلى ذمة شخص بغير رضاه، فإن قلتَ: لِمَ جازت الحوالة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن نقل الدَّين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فيه توسعة وتنفيس عن المحيل، وفيه إبقاء ومحافظة على حقّ المحال.
(٢) مسألة: تنعقد الحوالة بلفظ "أحلتك بحقك على محمد" أو "اتبعتك بدينك على محمد"؛ للسنة القولية: حيث ورد هذان اللفظان عنه ﵇ فقال: "من أحيل بحقه على مليء فليحتل" وقال: "مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليُتبع"، وتنعقد بأي لفظ يُفهم منه الحوالة كقول المحيل: "أطلب حقك من محمد" أو "خذ حقك منه"؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الألفاظ يحصل منها مقصود =
стр. 1628
مستقر)؛ إذ مقتضاها إلزام المحال عليه بالدَّين مطلقًا، وما ليس بمستقر عرضة للسقوط، فلا تصح على مال كتابة، أو سَلَم، أو صداق قبل دخول، أو ثمن مدة خيار، ونحوها (٣)، وإن أحاله على من لا دين عليه: فهي وكالة (٤) والحوالة على ما له
الحوالة: فلزم انعقادها بها تنبيه: اشترط لصحة الحوالة ستة شروط سيأتي بيانها.
(٣) مسألة: في الأول - من شروط صحة الحوالة - وهو: أن يُحيل بكر زيدًا على محمد - المحال عليه - الذي يُطالبه بكر بدين مستقر كأن يكون لبكر ثمن مبيع عند محمد أو قرض ونحو ذلك، أما إن كان الدَّين الذي على المحال عليه - وهو محمد - غير مستقر: كأن يكون محمد عبدًا لبكر فاشترى محمد نفسه منه على مبلغ يُقسِّطه عليه على فترات - وهي المكاتبة -، أو كان محمد قد أخذ نقودًا من بكر في مجلس العقد؛ ليُسلِّمه سلعة يُسلم فيها، أو أخذت امرأة صداقًا من بكر ولم يدخل بها بكر، أو باع بكر على محمد سلعة بثمن وهما في مدة خيار المجلس أو الشرط، أو نحو ذلك: فإن الحوالة لا تصح؛ للمصلحة: حيث إن بكرًا إذا أحال زيدًا على محمد الذي له عليه دين مستقر: فإن زيدًا يستطيع استيفاء حقه من محمد؛ لاستقرار الدَّين عليه، وعدم قدرة محمد على إبطاله، أما لو أحاله على محمد الذي له عليه دين غير مستقر كدين مكاتبة، أو سَلَم، أو صداق لامرأة لم يدخل بها، أو كان محمد في مدة الخيار: فإن زيدًا قد لا يستطيع أخذ حقه من محمد؛ لاحتمال أن يقوم محمد بإسقاط ذلك الدَّين: فقد يُعجز نفسه عن المكاتبة، وقد ينقض السلم، وقد لا يشتري السلعة من كان مدة الخيار، وقد لا يدخل بكر بالمرأة التي دفع إليها الصداق فيفوت بذلك حق المحال - وهو زيد - وهذا يؤدِّي إلى التنازع.
(٤) مسألة: إذا أحال بكر زيدًا على محمد، وبكر لا يُطالب محمدًا بأي دين: فإن ذلك لا تكون حوالة، بل هي وكالة؛ حيث إن بكرًا يقوم بتوكيل محمد بتسديد ما عليه من الدين لزيد؛ للتلازم؛ حيث إن كون الحوالة نقل دين من ذمة شخص إلى ذمة =
стр. 1629
في الديوان، أو الوقف إذن في الاستيفاء (٥) (ولا يُعتبر استقرار المحال به) فإن أحال المكاتب سيده، أو الزوج زوجته: صح؛ لأن له تسليمه، وحوالته تقوم مقام تسليمه (٦) (ويُشترط) أيضًا للحوالة: (اتفاق الدَّينين) أى: تماثلهما (جنسًا) كدنانير بدنانير، أو دراهم بدراهم، فإن أحال من عليه ذهب بفضة أو عكسه: لم يصح (ووصفًا) كصحاح بصحاح، أو مضروبة بمثلها، فإن اختلفا: لم يصح (ووقتًا) أي: حلولًا، أو تأجيلًا أجلًا واحدًا، فلو كان أحدهما حالًا، والآخر مؤجَّلًا، أو أحدهما يحل بعد شهر، والآخر بعد شهرين: لم يصح (وقدرًا)، فلا يصح بخمسة على ستة؛ لأنها إرفاق كالقرض، فلو جُوِّزت مع الاختلاف: لصار المطلوب منها الفضل فتخرج عن موضوعها (٧) (ولا يُؤثِّر الفاضل) في بطلان الحوالة، فلو أحال بخمسة من
شخص آخر يُطالبه المحيل بدين فيلزم من الحوالة على شخص آخر لا يُطالبه بشيء: أن تكون وكالة، وهذا هو الفرق بين الحوالة والوكالة.
(٥) مسألة: إذا أحال بكر - الذى هو ناظر وقف - زيدًا - الذي هو من المستحقين من مال ذلك الوقف - إلى محمد - الذي عنده شيء من ربع ذلك الوقف كأجرة مثلًا -: فإن هذا لا يُسمَّى حوالة، وإنما ذلك وكالة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُعتبر إذنًا لزيد بالاستيفاء، وهذا يلزم منه: أن يكون ذلك وكالة؛ لتوفّر حقيقة الوكالة عليه.
(٦) مسألة: لا يُشترط في صحة الحوالة: استقرار المحال به من دين ونحوه: فلو أحال المكاتب - وهو العبد الذي اشترى نفسه - سيده إلى شخص آخر أو أحال الزوج زوجته بصداقها إلى آخر قبل الدخول: فإن الحوالة تصح بمال المكاتب، وتبرأ ذمة المكاتب، والزوج بمجرَّد الحوالة، ويكون عقد الحوالة بمنزلة القبض؛ للتلازم؛ حيث إن الواجب على المحيل - وهما المكاتب والزوج هنا - هو تسليم المحال - وهما: السيد، والزوجة هنا - ثمن المكاتبة، والصداق، ويلزم من قبول المحال ذلك: صحة الحوالة؛ لكون تلك الحوالة تُنزَّل منزلة تسليمه ذلك.
(٧) مسألة: في الثاني - من شروط صحة الحوالة - وهو: أن يتماثل الدَّين الذي على =
стр. 1630
عشرة على خمسة، أو بخمسة على خمسة من عشرة: صحَّت؛ لاتفاق ما وقعت فيه الحوالة، والفاضل باق بحاله لربِّه (٨) (وإذا صحَّت) الحوالة: بأن اجتمعت شروطها:
المحيل مع الدَّين الذي على المحال عليه في أمور أولها: تماثلهما في جنس الدَّين، فإذا كان زيد يُطالب بكرًا ذهبًا، وأراد بكر أن يُحيله إلى شخص آخر فلا بدَّ أن يُحيله على شخص يطالبه بكر بذهب، ولا يُحيله إلى شخص يُطالبه بكر بفضة، فإن فعل: فلا تصحّ الحوالة، ثانيها: تماثلهما في صفة الدَّين فإذا كان زيد يُطالب ذهبًا صحاح: فإن بكرًا يُحيله إلى شخص يُطالبه بكر بذهب صحاح، ولا يُحيله إلى شخص يُطالبه بذهب فاسد فإن فعل: فلا تصحّ الحوالة، ثالثها: تماثلهما في وقت حلول الدَّين، فلا بدَّ أن يكون وقت حلول الدَّين عند المحيل هو نفس وقت حلول الدَّين عند المحال عليه، دون تأخير أو تقديم، فلو كان الدين الذي عند المحيل حالًا، والذي عند المحال عليه مؤجَّلًا أو العكس، أو كان أحدهما مؤجلًا إلى شهر، والآخر مؤجلًا إلى شهرين: لم تصح الحوالة، رابعها: تماثلهما في قدر الدَّين، فلا تصحّ الحوالة بخمسة على ستة ونحو ذلك، أو بخمسة على ثمانية؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو اختلف دين المحيل عن المحال عليه في جنس، أو صفة، أو وقت حلول، أو قدر لأدَّى إلى تفاضل، واختلاف وزيادة أو نقصان أو نحو ذلك، مما يُفضي إلى تفويت بعض الحق عن مستحقه، فتكون بذلك خارجة عن موضوعها وهو: الإرفاق بالناس وقضاء حاجتهم، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(٨) مسألة: الفاضل من المال المحال به أو المحال عليه لا يُؤثِّر في بطلان الحوالة، فلو كان زيد يُطالب بكرًا بدين قدره عشرة آلاف، وكان بكر يُطالب محمدًا بدين قدره خمسة آلاف، وأحال بكر زيدًا على محمد بخمسة من تلك العشرة ليأخذها من محمد: لصحَّت الحوالة، وإن فضل شيء من دين زيد على بكر، وكذلك: لو كان زيد يُطالب بكرًا بخمسة آلاف، وبكر يُطالب محمدًا بدين قدره عشرة آلاف، وأحال بكر زيدًا على محمد بأن يأخذ منه خمسة من العشرة التي عنده له: لصحَّت =
стр. 1631
(نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل) بمجرَّد الحوالة، فلا يملك المحتال الرجوع على المحيل بحال: سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذَّر لمطل أو فلس أو موت، أو غيرها (٩)، وإن تراضى المحتال والمحال عليه على خير من الحق، أو دونه في الصفة أو القدر، أو تعجيله، أو تأجيله، أو عوضه: جاز (١٠) (ويُعتبر) لصحّة الحوالة (رضاه) أي: رضى المحيل؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدَّين على المحال
الحوالة، وإن فضل شيء من دين بكر على محمد، للتلازم؛ حيث يلزم من اتفاق ما وقعت فيه الحوالة: صحتها، والفاضل في الصورتين يكون لربِّ الدَّين الأصلي.
(٩) مسألة: إذا اجتمعت شروط الحوالة الستة - كما سبق في مسألتي (٣ و ٧) وكما سيأتي في مسائل (١١ و ١٢ و ١٣ و ١٥): فإنه بمجرَّد ذلك تنقل الحق - وهو المال المحال به - من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وبذلك تبرأ ذمة المحيل، ولا يملك المحال حينئذٍ الرجوع إلى المحيل مطلقًا: أي: سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذَّر بسبب مطل المحال عليه، أو إفلاسه، أو موته؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المحال لو أبرأ المحيل من دينه: فإن ذمَّة المحيل تبرأ، فكذلك ذمة المحيل تبرأ إذا أحال المحال على المحال عليه، ورضي المحال والجامع: أنه في كل منهما تحوَّل الحق عن المحيل برضى المحال، فلا حق عليه لأحد، وهذا هو المقصود من مشروعية الحوالة.
(١٠) مسألة: إذا تمَّت الحوالة بشروطها، ووقع اتفاق بين المحال، والمحال عليه على شيء أكثر من الحق - وهو المال المدين -، أو أقل في صفته، أو قدره، أو تعجيل المؤجَّل منه، أو تأجيل المعجَّل، أو أن يأخذ المحال عوضًا عن الدَّين، وتراضيا على ذلك: فإن هذا يصح؛ للتلازم؛ حيث إنه لما تمَّت الحوالة بشروطها: أصبح الحق لهما يستطيع أحدهما إسقاطه عن الآخر برضاه، فيلزم جواز ذلك؛ لكون الحق لا يتعدَّاهما، (فرع): إن أخذ المحال عوضًا عن الدين من المحال عليه فلا بدَّ أن يكون هذا العوض من جنسه، فإن كان من غير جنسه فيشترط فيه التقابض في مجلس العقد - كما قلنا في ربا النسيئة -.
стр. 1632
عليه (١١)، ويُعتبر أيضًا علم المال (١٢)، وأن يكون مما يثبت مثله في الذمّة بالإتلاف من الأثمان، والحبوب ونحوها (١٣) و (لا) يُعتبر (رضى المحال عليه)؛ لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الدفع إليه (١٤) (ولا رضى المحتال) إن أُحيل (على ملئ) ويُجبر على اتباعه؛ لحديث أبي
(١١) مسألة: في الثالث - من شروط صحة الحوالة -: وهو: أن يكون المحيل راضيًا بهذه الإحالة؛ للتلازم؛ حيث إن الحق - وهو الدَّين - عليه، فلا يلزمه أداؤه. على جهة الدَّين الذي على المحال عليه فيلزم من ذلك رضى المحيل لسداد هذا الدَّين من غريمه - وهو المحال عليه -، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إنه لو أكره المحيل على الإحالة فقد يشقُّ عليه، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(١٢) مسألة: في الرابع - من شروط صحة الحوالة - وهو: أن يكون المال - وهو الحق وهو الدَّين - المحال به وعليه - معلومًا للعاقدين بحيث يكون كل من الدينين مما يصحّ السَّلَم فيه: مثليًا كان أو لا؛ للمصلحة: حيث إن هذا العلم يمنع الجهالة عند التسليم، فدفعًا للغرر والجهالة والاختلاف: اشترط ذلك.
(١٣) مسألة: في الخامس - من شروط صحة الحوالة - وهو: أن يكون المحال به - وهو الدَّين وهو الحق والمال - مما يثبت مثله في الذِّمَّة إذا تلف بأي سبب كأثمان الأشياء والثمار والحبوب، مما يُكال، أو يوزن، أما ما لا يثبت مثله كالمتقوِّمات: فلا تجوز الإحالة في شيء منها، وكذا ما لا يوزن، أو لا يُكال لا تصح الحوالة فيه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السَّلَم يُشترط فيه ذلك فكذلك الحوالة مثله، والجامع: قطع الخلاف والتنازع في كل.
(١٤) مسألة: لا يُشترط في صحة الحوالة: أن يكون المحال عليه راضيًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يجوز للمحيل أن يُقيم وكيلًا للمطالبة بحقه من المحال عليه ولو لم يرض المحال عليه، فكذلك يجوز أن يُحيل المحيل على المحال عليه شخصًا يطالبه بدين - وهو: المحال - بدون رضى المحال عليه، والجامع: أن كلًّا من الوكيل والمحال قد أقامه المحيل مقام =
стр. 1633
هريرة يرفعه: "مطل الغني ظلم وإن أتبع أحدكم على مليء فليتبع" متفق عليه، وفي لفظ: "من أحيل بحقه على مليء فليحتل" والمليء: القادر بماله، وقوله، وبدنه: فماله: القدرة على الوفاء، وقوله: أن لا يكون مماطلًا وبدنه: إمكان حضوره إلى مجلس الحاكم، قاله الزركشي (١٥) (وإن كان) المحال عليه (مُفلسًا ولم يكن) المحتال (رضي)
نفسه في القبض والاستيفاء من المحيل عليه، فلزم المحال عليه الدفع إلى من أتاه من قِبَل المحيل، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط رضى المحال عليه؟ قلتُ: لأن المحال عليه يجب عليه الدفع: سواء كان هذا الدفع للمحيل، أو للمحال، أو للوكيل.
(١٥) مسألة: في السادس - من شروط صحّة الحوالة -: وهو أن يكون المحال راضيًا بأن يأخذ دينه من المحال عليه سواء كان المحال عليه مليئًا أو لا - وهو قول جمهور العلماء -؛ للمصلحة: حيث إن حق المحال في ذمة المحيل برضاه، فلا يجوز نقله إلى المحال عليه بغير رضاه؛ إذ قد يكون المحال عليه كثير المماطلة، أو قد توجد بين المحال والمحال عليه عداوة، فيلحق الضرر بالمحال، فدفعًا لذلك: اشتُرط رضى المحال، فإن قلتَ: لا يُشترط رضى المحال، فإذا أحيل شخص إلى مليء وقادر: فإنه يُجبر على قبول ذلك، ويجب عليه طلب حقه من المحال عليه؛ - وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول كثير من الحنابلة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أحيل على مليء فليحتل" فأوجب على المحال قبول الإحالة إذا أُحيل على مليء؟ لأن الأمر في قوله: "فليحتل" مطلق، وهو يقتضي الوجوب - قلتُ: إن المصلحة التي ذكرناها فيما سبق قد صرفت الأمر - الوارد في قوله: "فليحتل" - من الوجوب إلى الاستحباب؛ حماية وحفظًا لحقوق المسلمين. فائدة: اشترط أكثر الحنابلة في وجوب قبول الحوالة على المحال وإن لم يرضَ: أن يكون المحال عليه قادرًا على الوفاء من ماله، وأن لا يكون مماطلًا، وأن يُمكن إحضاره في مجلس الحكم والقضاء؛ احترازًا من الوالد، ومن الغائب عن البلد، وعن السلطان الذي لا يمكن إحضاره؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل تصلح المصلحة أن تكون صارفة للأمر الوارد في =
стр. 1634
بالحوالة عليه: (رجع به) أي: بدينه على المحيل؛ لأن الفلس عيب، ولم يرض به: فاستحقّ الرجوع كالمبيع المعيب، فإن رضي بالحوالة: فلا رجوع له إن لم يشترط الملاءة؛ لتفريطه (١٦) (ومن أحيل بثمن مبيع) بأن أحال المشتري البائع به على من له عليه دين فبان البيع باطلًا: فلا حوالة (أو أُحيل به) أي: بالثمن، (عليه) بأن أحال البائع على المشتري مدينه بالثمن، (فبان البيع باطلًا) بأن بان المبيع مستحقًا، أو حرًا، أو خمرًا: (فلا حوالة)؛ لظهور: أن لا ثمن على المشتري؛ لبطلان البيع، والحوالة فرع على لزوم الثمن، ويبقى الحق على ما كان عليه أولًا (١٧) (وإذا فسخ البيع) بتقايل، أو
الحديث من الوجوب إلى الندب أو لا؟ " فعندنا: تصلح، وعندهم: لا تصلح.
(١٦) مسألة: يحق للمحال الرجوع إلى المحيل ويأخذ حقه منه بدلًا من المحال عليه إذا توفَّر أمران: أولهما: أن يكون المحال عليه مُفلسًا ثانيهما: أن يكون المحال لم يرض بتلك الحوالة، بل أُكرِه عليها، أما إن كان مليئًا وقد رضي المحال بالحوالة ولم يشترط كونه مليئًا: فلا يستحق الرجوع - وإن لم يأخذ حقه من المحال عليه كما سبق في مسألة (٩) - لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه إذا بان للمشتري وجود عيب في السلعة التي اشتراها: فإنه يرجع إلى البائع إذا لم يرضَ به، فكذلك المحال الذي أُحيل إلى المحال عليه المفلس ولم يرضَ به يرجع إلى المحيل، والجامع: وجود عيب يستحق بسببه الرجوع، وهو العيب في السلعة، والإفلاس في المحال عليه. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من رضى المحال بالإحالة على مفلس: عدم رجوعه إلى المحيل؛ نظرًا لزوال شغل ذمة المحيل بسبب رضى المحال، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المحال.
(١٧) مسألة: تبطل الحوالة في صورتين: الصورة الأولى: إذا اشترى زيد من بكر سلعة بعشرة آلاف ريال، وكان زيد يُطالب محمدًا بدين قدره عشرة آلاف ريال، فأحال زيد بكرًا على محمد ليأخذ منه ثمن تلك السلعة - وهي العشرة الآلاف - لكن بان بطلان البيع الواقع بين زيد وبكر بأي شيء تسبَّب في بطلانه: فلا صحّة للحوالة =
стр. 1635
خيار عيب أو نحوه: (لم تبطل) الحوالة، لأن عقد البيع لم يرتفع، فلم يسقط الثمن، فلم تبطل الحوالة، وللمشتري الرجوع على البائع؛ لأنه لما ردَّ المعوَّض: استحقّ الرجوع بالعوض (ولهما أن يُحيلا) أي: للبائع أن يحيل (المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى، وللمشتري أن يُحيل المحتال عليه على البائع في الثانية (١٨)، وإذا اختلفا فقال: "أحلتك" قال: "بل وكَّلتني" أو بالعكس: فقول مدّعي الوكالة (١٩)، وإن اتفقا
فيرجع المشتري - وهو زيد - على محمد - وهو من كان عليه دينه وكأن الحوالة لم تكن، الصورة الثانية: إذا أحال البائع - وهو بكر - مدينه - وهو محمد - على المشتري - وهو زيد - بالثمن بأن يأخذ منه ثمن السلعة التي اشتراها؛ لأنه يُطالب البائع - وهو بكر - بقدر هذا الثمن فبان أن البيع باطل بأن كانت السلعة التي يعتقد أنها عبد بان أنه حر، أو كانت السلعة خمرًا لا يصح بيعهما: فلا تصح الحوالة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بطلان البيع عدم لزوم الثمن، وإذا لم يلزم الثمن: فلا حوالة؛ لكون الحوالة فرعًا على لزوم الثمن فتبطل الحوالة؛ نظرًا لبطلان أصلها.
(١٨) مسألة: إذا فسخ البيع بسبب خيار عيب، أو إقالة أحدهما للآخر بعد قبض الحق - وهو مال المحال به -: فإن الحوالة لا تبطل؛ للتلازم؛ حيث إن عقد البيع لم يرتفع، ويلزم من ذلك: عدم سقوط الثمن، والحوالة مرتبطة بالثمن؛ حيث يلزم من وجود الثمن وجود الحوالة، فيكون المحيل قد نقل المحال نقلًا صحيحًا وبرأ من الثمن، ويبرأ المحال عليه من دين المشتري، ويرجع المشتري إلى البائع ليأخذ حقه منه - بعد فسخ البيع - ويحق للبائع أن يُحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى - في مسألة (١٧) - وهي ما إذا أحال المشتري البائع على من له عليه دين -؛ نظرًا لثبوت دينه على من أحاله المشتري عليه؛ قياسًا على سائر الديون المستقرة، وكذلك: يحق للمشتري أن يُحيل المحال عليه على البائع في الصورة الثانية - التي في مسألة (١٧) - وهي: ما إذا أحال البائع على المشتري مدينه؛ نظرًا لثبوته عليه؛ قياسًا على الدَّين.
(١٩) مسألة: إذا اختلف زيد مع بكر: فقال بكر لزيد: "أحلتك على محمد لتأخذ ما =
стр. 1636
على "أحلتك" أو "أحلتك بدَيني"، وادَّعى أحدهما إرادة الوكالة: صُدِّق (٢٠)، وإن اتفقا على: "أحلتك بدينك": فقول مدعي الحوالة (٢١) وإذا طالب الدائن المدين فقال: "أحلت علي فلانًا الغائب" وأنكر رب المال: قبل قوله مع يمينه، ويُعمل بالبيّنة (٢٢).
علي لك منه" فقال زيد: "بل وكَّلتني أن آخذ ذلك منه"، أو قال بكر: "وكَّلتك" فقال زيد: "بل أحلتني": فإنه يُقبل قول مدَّعي الوكالة في القبض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قول مدَّعي الوكالة: أن الحق باق، وهو الأصل: فيلزم قبول قوله؛ استصحابًا لبقائه؛ ولكون التغيير يحتاج إلى دليل.
(٢٠) مسألة: إذا اتفق رب الدَّين - وهو زيد - والمدين - وهو بكر - على قول المدين - وهو بكر - لرب الدين - وهو زيد -: "أحلتك على محمد" أو قوله: "أحلتك بديني على محمد" وادَّعى زيد إرادة الوكالة من ذلك، وادَّعى بكر إرادة الحوالة: فإنه يُقبل قول من ادَّعى إرادة الوكالة مع يمينه؛ للتلازم؛ حيث إن الأصل بقاء الدَّين على كل من المحيل - وهو بكر - والمحال عليه - وهو محمد - في حين أن مدّعي الحوالة يدّعي نقله فلزم صدق ما قاله مدَّعى الوكالة؛ لكونه مبقيًا على الأصل، وهو بقاء الدين.
(٢١) مسألة: إذا اتفق زيد - وهو رب الدين - على قول مدين له - وهو بكر: "أحلتك بدينك" وادعى أحدهما إرادة الحوالة والأخر ادعى إرادة الوكالة ولا بينة، فإنه يقبل قول مدعي الحوالة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الحوالة بدينه: عدم احتمال الوكالة.
(٢٢) مسألة إذا طالب محمد بكرًا قائلًا: "إنّك قد أحلتَ علي زيدًا الغائب" فأنكر بكر -: فإنه يُقبل قول بكر مع يمينه إن لم توجد بيّنة، وإن وُجدت بيّنة على ما ادّعاه محمد: عمل بها، وكذلك إذا قال زيد لمحمد: "إن بكرًا الغائب قد أحالني عليك" فأنكر محمد: فإنه يُقبل قول محمد مع يمينه إلا إذا أقام زيد بينة على ما قاله: فإنه يُعمل بها؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر" وهو واضح الدلالة، وهو عام لما نحن فيه.
هذه آخر مسائل باب "الحوالة" ويليه باب "الصلح".
стр. 1637
باب الصلح
هو لغة: قطع المنازعة، وشرعًا: معاقدة يُتوصَّل بها إلى إصلاح بين متخاصمين (١) والصلح في الأموال قسمان: على إقرار، وهو المشار إليه بقوله: (إذا
باب الصلح
وفيه ست وأربعون مسألة:
(١) مسألة: الصلح لغة: التوفيق بين خصمين، لقطع المنازعة بينهما، وإعلان السلم بينهما فيكون قطع المنازعة والسلم: ثمرة للتوفيق، واصطلاحًا: هو: "معاقدة بين اثنين، أو طائفتين يُتوصَّل بسببها إلى إصلاح بينهما؛ لقطع النزاع الواقع بسبب الأموال" فإن قلتَ: لِمَ خُصِّص ذلك بالأموال؟ قلتُ: لأن العلماء أجمعوا على جواز الصلح في خمسة أنواع: أولها: الصلح بين المسلمين والكفار - وقد سبق في باب الجهاد - ثانيها: الصلح بين أهل عدل وبغي - وسيأتي في باب: قتال أهل البغي -، ثالثها: الصلح بين زوجين خيف انفصالهما - وسيأتي في باب عشرة النساء - رابعها: الصلح بين متخاصمين في غير الأموال وهو متفرق في عدة أبواب ستأتي، خامسها: الصلح بينهما في الأموال، وهو هذا الباب الذي نحن فيه (فرع): الصلح العادل مستحب بالإجماع، ومستنده قواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ وقال: ﴿والصلح خير﴾ حيث وصف الصلح في الآيتين بأنه خير، وكل خير مأمور به، وقال: ﴿فأصلحوا بينهما﴾ فأوجب الإصلاح بين كل طائفتين؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، والوجوب مستلزم للجواز، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا" وهو عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "الصلح" اسم جنس عرف بأل =
стр. 1638
أقرَّ له بدين أو عين فأسقط) عنه من الدين بعضه (أو وهب) من العين (البعض وترك الباقي) أي: لم يُبرئ منه ولم يهبه: (صح)؛ لأن الإنسان لا يُمنع من إسقاط بعض حقه كما لا يُمنع من استيفائه؛ لأنه ﷺ : "كلَّم غرماء جابر؛ ليضعوا عنه" (٢) ومحل صحة ذلك إن لم يكن بلفظ الصلح، فإن وقع بلفظه: لم يصح؛ لأنه صالح عن بعض
وهو من صيغ العموم، وقد بين اشتراط العدالة في الصلح في قوله: "إلا صلحًا حرَّم حلالًا .. " فهذا ليس بجائز؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "ردُّوا الخصوم حتى يصطلحوا" فأمر بالصلح بين الخصوم إن كان للصلح وجه فإن قلتَ: لِمَ شُرع الصلح؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يتسبَّب في اجتماع المسلمين، وتآلف قلوبهم، ولذلك حسن الكذب لأجل الصلح، وللمصلح من الأجر أعظم من أجر الصائم القائم تطوعًا.
(٢) مسألة: إذا كان زيد يُطالب بكرًا بعشرة آلاف ريال، وأقرَّ بكر بذلك، أو كان زيد يُطالب بكرًا بعين كعشرة ثياب، وأقرَّ بكر بهذه العين، فأسقط المقرُّ له - وهو زيد - من الدَّين بعضه كألف، أو أسقط من العين بعضه كثوب مثلًا أو وهب الألف والثوب للمقرِّ - وهو بكر -، وترك التسعة الآلاف، والتسعة ثياب بدون إسقاط، أو هبة، أو إبراء: فإن هذا يصح، ويكون زيد مطالبًا لبكر بتسعة آلاف، وتسعة ثياب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇ "قد كلَّم غرماء جابر بن عبد الله ليضعوا عنه" و"قد أشار ﵇ على غرماء الذي أصيب في حديقته بأن يضعوا عنه النصف، فأخذوه منه" وهذا لأجل الصلح ونبذ التنازع، ودفع المشقة، فلو لم يكن ذلك الإسقاط جائزًا لما أشار به ﵇. الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز للمسلم أن يستوفي حقه كاملًا بدون منع من أحد، فكذلك يجوز له إسقاط بعض حقه والجامع: أن كلًّا منهما له كامل التصرّف فيما يملكه تنبيه: لا يصح الإسقاط إلا بأربعة شروط ستأتي.
стр. 1639
ماله ببعض: فهو هضم للحق (٣)، ومحلُّه أيضًا (إن لم يكن شرطاه) بأن يقول: "بشرط: أن تعطيني كذا" أو "على أن تعطيني أو تعوضني كذا" ويقبل على ذلك، فلا يصح؛ لأنه يفضي إلى المعاوضة، فكأنه عاوض عن بعض حقه ببعض، واسم "يكن" ضمير الشأن، وفي بعض النسخ: "إن لم يكن شرطًا" أي: بشرط (٤) ومحلُّه أيضًا: أن
(٣) مسألة: في الأول - من شروط صحة الإسقاط -: وهو: أن يكون بلفظ الهبة أو الإبراء أو الإسقاط، دون التلفُّظ بلفظ "الصلح"، فإن كان بلفظ "الصلح" فلا يصحّ الإسقاط؛ للتلازم؛ حيث إن لفظ "الإسقاط" أو "الهبة" أو "الإبراء" لا يقتضي معاوضة والصلح يقتضي معاوضة، فلو سمَّاه صلحًا مع أنه تنازل عن بعض ماله بدون معاوضة: لكان هذا ظلم وغصب وهضم لحقه، فيلزم ابتعادًا عن ذلك: أن يتلفظ بالإسقاط، أو الهبة أو الإبراء، فإن قلتَ: إذا لم يتلفظ بلفظ "الصلح" خرج عن كونه من باب الصلح قلتُ: لا يخرج، بل هو صلح في المعنى والمقصود؛ إذ المقصود من ذلك كله هو: قطع المنازعة، وهذا يحصل بغير لفظ الصلح، وسمَّى كثير من العلماء ذلك صلحًا ولا مانع من ذلك؛ لأن الخلاف في اللفظ فقط.
(٤) مسألة: في الثاني - من شروط صحة الإسقاط - وهو: أن لا يشترط المقرُّ له - وهو زيد - على المقرِّ - وهو بكر - العوض من أجل ذلك الإسقاط كأن يقول زيد لبكر: "سأسقط عنك ألفًا من عشرة آلاف، وتعوضني أو تعطيني هذا الثوب": فإن اشترط ذلك وقبل الآخر: فلا يصح هذا الإسقاط، أو الإبراء، أو الهبة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط العوض التناقض مع مقتضى الإسقاط، أو الإبراء، أو الهبة؛ لأنها تكون بدون عِوَض تنبيه: الصحيح في عبارة المتن: "إن لم يكن شرطًا" وقد ورد في بعض نسخه كذلك؛ لأن المراد: إن لم يكن المسقط، أو الواهب، أو المبرئ قد شرط ذلك الشرط.
стр. 1640
لا يمنعه حقه بدونه، وإلا بطل؛ لأنه أكل لمال الغير بالباطل (٥) (و) محلُّه أيضًا: أن لا يكون (ممن لا يصلح تبرُّعه) كمكاتب، وناظر وقف، وولي صغير ومجنون؛ لأنه تبرُّع، وهؤلاء لا يملكونه (٦)، إلا إن أنكر من عليه الحق ولا بيّنة؛ لأن استيفاء البعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه (٧) (وإن وضع) رب الدَّين (بعض)
(٥) مسألة: في الثالث - من شروط صحة الإسقاط - وهو: أن لا يمنع المقرُّ - وهو بكر - حقَّ المقرِّ له - وهو زيد - بدون هذا الإسقاط، أو الإبراء، أو الهبة، فإن منعه حقَّه بأن قال بكر لزيد: "لن أعطيك حقَّك إلّا بعد أن تسقط عني بعض الدَّين" فأسقط زيد عنه ذلك البعض لذلك: فإنه لا يصح؛ للتلازم؛ حيث إن منع بكر حق زيد بدون الإسقاط يلزم منه أكل لمال الغير بالباطل، وهذا محرَّم.
(٦) مسألة: في الرابع - من شروط صحة الإسقاط - وهو: أن يكون المسقط، والواهب والمبرئ ممن يصحّ تبرُّعه، وهو الحر المكلَّف صحيح الملك، أما إذا لم يصح تبرُّعه كالعبد، والمكاتب - قبل أن يُسدِّد ما عليه لسيده - وولي الصغير والمجنون، والسفيه وناظر الوقف: فإنه لا يصح أن يسقط أو يُبرئ، أو يُوهب شيئًا للغير؛ للتلازم؛ حيث إن الإسقاط يصح ممّن يملك ما يُسقط منه، تمام الملك، ويستطيع التبرّع منه: فيلزم أن هؤلاء لا يصح منهم الإسقاط أو التبرُّع مما تحت ولا يتّهم من أموال؛ لكونهم لا يملكونه.
(٧) مسألة: إذا كان زيد وليًا على صبي، وكان بكر عنده لهذا الصبي ألفا ريال مثلًا، وطالبه بهما زيد؛ بناء على أنه ولي على الصبي، وأنكر بكر هذا المبلغ، ولا تُوجد بيّنة عند الصبي ووليه: فيجوز للولي وهو زيد - أن يُسقط بعض هذا المال عن بكر؛ لأجل أن يدفع باقيه لزيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إنكار بكر لكل المبلغ: جواز إسقاط زيد لبعضه لأجل أن يدفع الباقي؛ لأن أخذ البعض من الحق والمال أولى من تركه كله؛ حيث إن الذي لا يدرك كله لا يُترك كله، وهو من باب "تعارض المفسدتين.
стр. 1641
الدَّين (الحال وأجَّل باقيه: صح الإسقاط فقط)؛ لأنه أسقط عن طيب نفسه، ولا مانع من صحته، ولم يصح التأجيل؛ لأن الحالَّ لا يتأجَّل (٨)، وكذا: لو صالحه عن مائة صحاح بخمسين مكسَّرة: فهو إبراء من الخمسين، ووعد في الأخرى ما لم يقع بلفظ "الصلح" فلا يصح كما تقدم (٩) (وإن صالح عن المؤجَّل ببعضه حالًا): لم يصح
(٨) مسألة: إذا أسقط المقرُّ له - وهو زيد - بعض الدّين الذي حلَّ الذي له على المقر - وهو بكر - كأن يكون له على بكر عشرة آلاف، فأسقط عنه ألفين، وأجَّل الباقي - وهو: ثمانية آلاف -: فإنه يصحّ الإسقاط والتأجيل معًا - وهو قول بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم وغيرهما -؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز لصاحب الدَّين أن يُسقط دينه كله عن المدين، فكذلك يصح له أن يسقط بعضه وكما يجوز له أن يُؤجِّل قبض القرض والعارية، فكذلك يجوز تأجيل الدَّين بدون زيادة أو فائدة ترجع إلى المؤجِّل والجامع: أن كلًّا منهما أسقط حقه بطيب نفس منه وبدون فائدة أو زيادة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الإسقاط والتأجيل فيه تنفيس على المؤجَّل له، والمسقَط عنه مع عدم وجود مفسدة فإن قلتَ: إنه يصح الإسقاط، دون التأجيل هنا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الدَّين حالًّا: عدم تأجيله قلتُ: بل يتأجل الدَّين الحال؛ لكون تعجيله وتأجيله من حق رب الدَّين: فإن أجَّله فقد أسقط حقه برضاه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في تأجيل الدَّين الحال هل هو من حق صاحب الدَّين وربه أو لا؟ " فعندنا: أنه من حقِّه، وعندهم: أنه ليس من حقِّه.
(٩) مسألة: إذا صالح صاحب الدَّين المدين عن مائة دينار صحيحة بخمسين مكسَّرة ووعد في الخمسين الأخرى: فيصحّ الإبراء في الخمسين، دون أن يجعل الخمسين الأخرى مكسَّرة بشرط: أن لا يقع هذا بلفظ "الصلح"، فإن وقع بلفظه: فلا يصح ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن كونه وقع بطريقة الوعد: لا يلزم الوفاء به ويلزم =
стр. 1642
في غير الكتابة؛ لأنه يبذل القدر الذي يحطُّه عوضًا عن تعجيل ما في ذمَّته. وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز (أو بالعكس): بأن صالح عن الحال ببعضه مُؤجَّلًا: لم يصح إن كان بلفظ "الصلح" كما تقدَّم، فإن كان بلفظ "الإبراء" ونحوه: صح الإسقاط دون التأجيل وتقدَّم (١٠)، (أو أقرَّ له ببيت) ادَّعاه (فصالحه على سكناه) ولو
من اقتضاء صيغة الصلح: المعاوضة: عدم جواز وقوع ذلك الإسقاط بلفظ الصلح؛ لكون الإسقاط لا يقتضي المعاوضة، وكونه قبل مكسَّرة عن صحاح هو: إسقاط.
(١٠) مسألة: إذا كان زيد يُطالب بكرًا بدين قدره ألفا ريال مؤجَّلة إلى سنة، وقبل مضي السنة قال زيد لبكر: "أعطني ألفًا الآن نقدًا، وأسقط عنك الباقي صلحًا" فإن هذا يصح: سواء كان كاتبًا أو لا؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قال في ذلك "لا بأس به" فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسقط وهو زيد ينتفع بذلك المعجَّل، وبكر ينتفع بذلك المسقط، في حين عدم وجود أي نوع من أنواع الربا، تنبيه: يصح عكس المسألة السابقة: بأن صالح عن الدَّين الحال ببعضه مؤجَّلًا كأن يُسقط بعض الحال ويُؤجِّل باقيه بدون عوض وقد سبق بيانه في مسألة (٨) فإن قلتَ: لا يصح ما جاء في المسألة وعكسها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز إعطاؤه عشرة حالَّة بعشرين مؤجَّلة فكذلك لا يجوز الصلح عن المؤجل ببعضه حالًا، والجامع: أنه في كل منهما يبذل القدر الذي يحطُّه ليكون عوضًا عن تعجيل ما في ذمته وهذا فيه نوع ربا، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث لا توجد صورة الربا؛ بل هذا عكسه؛ حيث إن الربا يتضمَّن الزيادة في أحد العِوَضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمَّن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فحصل النفع للطرفين كما بينتُ سابقًا، أما عكس المسألة فتصح، وقد أجبت عن دليل المخالفين وهو التلازم في مسألة (٨) (فرع): يصح الصلح إذا عجَّل المكاتب بعض الثمن، وأسقط عنه سيده =
стр. 1643
مدَّة معيّنة كسنة (أو) على أن (يبني له فوقه غرفة) أو صالحه على بعضه: لم يصح الصلح؛ لأنه صالحه عن ملكه على ملكه، أو منفعته، وإن فعل ذلك: كان تبرُّعًا، متى شاء: أخرجه وإن فعله على سبيل المصالحة معتقدًا وجوبه عليه بالصلح: رجع عليه بأجرة ما سكن وأخذ ما كان بيده من الدار؛ لأنه أخذه بعقد فاسد (١١) (أو صالح مُكلَّفًا؛ ليُقر له بالعبودية): أي: بأنه مملوكه: لم يصح (أو) صالح (امرأة لتقرّ له بالزوجية بعوض: لم يصح) الصلح؛ لأن ذلك صلح يُحلُّ حرامًا؛ لأن إرفاق النفس،
الباقي، هذا عند المخالفين؛ للتلازم؛ حيث إن المسقط هو سيده فتلزم صحته؛ لأنه ليس بين المكاتب وسيده ربا، أما عندنا فيصحّ: سواء كان مكاتبًا أو لا كما تقدَّم.
(١١) مسألة: إذا أقرَّ زيد بأن هذا البيت لبكر، فصالح المقرُّ له - وهو بكر - على أن يسكنه المقرّ مدة مُعيَّنة كسنة، أو غير معيّنة، أو على أن يبني له فوق البيت غرفة، أو على أن يأخذ بعض البيت برضى كامل: فإن هذا الصلح يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح أن يهب صاحب الدار نصف داره لغيره، أو أن يُبرأه من نصف دينه برضاه فكذلك يصح أن يُصالحه على ما ذكرناه، والجامع: الرضى بترك بعض حقه في حين عدم وجود محذور، فإن قلتَ: لا يصح الصلح - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ وإن فعل ذلك: فإنه لا يكون صلحًا، بل تبرع من بكر فيه معنى المصالحة قد اعتقد وجوب ذلك بالصلح، ولبكر الرجوع إلى زيد وأخذ منه أجرة المدة التي سكن البيت فيها، وأخذ الغرفة؛ للتلازم؛ حيث إن كونه قد صالحه عن ملكه على ملكه أو منفعته يلزم منه بأنه أخذه بعقد فاسد والعقد الفاسد يترتّب عليه الصلح الفاسد قلتُ: هذا لا يلزم؛ لأن صاحب الدار وهو المقرّ له وهو بكر - قد صالح المقرَّ - وهو المدَّعى عليه - بتمام رضاه من غير أن يترتَّب على ذلك محذور شرعي، أما إن كان صاحب الدار - وهو بكر - مُكرهًا على ذلك فإنه لا يصح هذا الصلح؛ لكونه قد تمّ بدون رضى، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازم مع القياس".
стр. 1644
وبذل المرأة نفسها بعِوَض لا يجوز (١٢) (وإن بذلاهما) أي: دفع المدَّعى عليه العبودية، والمرأة المدعى عليها الزوجية عوَضًا (له) أي: للمدعي (صلحًا عن دعواه: صح)؛ لأنه يجوز أن يعتق عبده، ويفارق امرأته بعوض، ومن علم بكذب دعواه: لم يبح له أخذ العِوَض؛ لأنه أكل لمال الغير بالباطل (١٣) (وإن قال: أقرّ لي بديني وأعطيك منه كذا، ففعل) أي: فأقرَّ بالدَّين: (صح الإقرار)؛ لأنه أقر بحق يحرم عليه إنكاره، و
(١٢) مسألة: لا يجوز الصلح على شيء لا يجوز أخذ العِوَض عنه: كأن يدَّعي زيد أن بكرًا هذا عبده، فينكر بكر ذلك، فيُصالحه زيد على مال ليُقرَّ له بالعبودية، أو يدَّعي زيد أن تلك المرأة زوجته فتنكر ذلك، فيُصالحها زيد على مال لتقرُّ له بالزوجية، فهذا كله لا يصح؛ للتلازم؛ حيث إن إقرار الحرّ بأنه عبد، أو إقرار المرأة بأنها زوجة ببدل مال يُتفق عليه يلزم منه تحليل الحرام؛ لأن إرقاق الحرّ نفسه حرام، وبذل المرأة نفسها ببدل أو غير بدل حرام، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية لحقوق الناس.
(١٣) مسألة: إذا ادَّعى زيد بأن بكرًا هذا عبد له، أو ادَّعى بأن هذه المرأة زوجته فبذل بكر مالًا ليدفع عن نفسه دعوى زيد عن طريق الصلح ويُكفّ عنه وبذلت تلك المرأة لتدفع عنها دعوى زيد عن طريق الصلح، ويكفّ عنها: فإنه يجوز ذلك؛ للقياس؛ بيانه كما أنه يجوز للرجل أن يُعتق عبده، ويفارق زوجته بعوض، فكذلك يجوز ما نحن فيه، بل هذا أولى، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفاع عن النفس (فرع): إذا علم زيد بأنه كاذب في دعواه: أن بكرًا عبد له أو أن دعواه أن فلانة زوجته بعد أخذ العوض منهما لما نفيا ذلك عن نفسيهما: فإن هذا العِوَض يكون حرامًا عليه؛ للتلازم؛ حيث إنه أقرَّ بأنه كاذب في ذلك فيلزم أنه أخذ ذلك العِوَض بدون مقابل، فيكون قد أكل مال الغير بالباطل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم من نفسه.
стр. 1645
(لا) يصح (الصلح)؛ لأنه يجب عليه الإقرار بما عليه من الحق، فلم يحلّ له أخذ العوض عليه، فإن أخذ شيئًا: ردَّه (١٤)، وإن صالحه عن الحق بغير جنسه كما لو اعترف له بعين أو دين فعوَّضه عنه ما يجوز تعويضه: صح: فإن كان بنقد عن نقد: فصرف، وإن كان بعوض: فبيع، يُعتبر له ما يُعتبر فيه، ويصح بلفظ "صلح" وما يؤدِّي معناه، وإن كان بمنفعة كسكنى دار: فإجارة، وإن صالحت المعترفة بدين أو عين بتزويج نفسها: صح، ويكون صداقًا، وإن صالح عمّا في الذمّة بشيء في الذمّة: لم يجز التفرّق قبل القبض؛ لأنه بيع دين بدين، وإن صالح عن دين بغير جنسه: جاز مطلقًا، وبجنسه: لا يجوز بأقل أو أكثر على وجه المعاوضة (١٥)، ويصح الصلح عن
(١٤) مسألة: إذا قال زيد لبكر: "أقر لي بديني الذي عليك وهو ألف ريال وأعطيك منه مائة ريال" فأقرّ بكر بذلك: فإن الإقرار صحيح، ويُعمل به، فيجب على بكر أن يدفع ألف ريال لزيد، ولا يصح الصلح: فلا يُجبر زيد على إعطاء بكر المائة، فإن أخذ بكر شيئًا: فيجب عليه أن يردُّه؛ للتلازم؛ حيث إن بكرًا قد أقرَّ بشيء يحرم عليه إنكاره فيلزمه ما أقرَّ به كله، بدون عوض ويلزم من عدم العِوَض: عدم صحة الصلح؛ إذ لا يصح الصلح إلّا بعوض، ويلزم من إقرار بكر بكامل الألف: وجوب ردِّ ما أخذه؛ لبيان كذبه بسبب إقراره فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال الناس من أن تؤكل بالباطل، (فرع): الصلح على الإقرار نوعان: أولهما: الصلح على إقرار الواقع على جنس الحق المقرر به، وقد سبق في المسائل السابقة، ثانيهما: الصلح على إقرار واقع على غير جنس الحق المقرّ به وسيأتي بيانه في المسألتين الآتيتين.
(١٥) مسألة: الصلح عن الحق المقرّ به بغير جنسه: كاعترافه له بعين أو دين فعوَّضه عنه بما يجوز التعويض عنه يقع في صور أولها: أن يكون الصلح بنقد عن نقد مثل إذا أقرّ زيد لبكر بألف درهم فصالحه بكر بمائة دينار، أو العكس: فإن هذا يُعتبر معاملة بالصَّرف، يُشترط له شروط الصرف السابقة. ثانيها: أن يكون =
стр. 1646
مجهول تعذَّر علمه من دين أو عين بمعلوم، فإن لم يتعذَّر علمه: فكبراءة من مجهول (١٦). فصل: القسم الثاني: صلح على إنكار، وقد ذكره بقوله: (ومن ادِّعي عليه
الصلح بعِوَض عن ثمن، كعشرة دراهم بثوب أو صلح بعِوَض عن عِوَض كثوب بثوب، فهذا يُعتبر معاملة بالبيع يُشترط له ما يشترط للبيع؛ وهذا يصح بلفظ "صلح" أو بأي لفظ يُؤدِّي إلى معناه كلفظ "هبة" و "بيع" ونحوهما، قياسًا على سائر المعاوضات ثالثها: أن يكون الصلح عن نقد أو عِوَض مقرّ به بمنفعة كسكنى دار، أو عمل عبد عنده، فهذا يُعتبر معاملة بالإجارة يُشترط له ما يُشترط للإجارة. رابعها: إذا أقرَّت امرأة بأن هذا الألف ريال لبكر، أو أن هذا البيت له، فصالحها بكر على أن يكون ذلك صداقًا لها ويتزوجها به: صحَّ الصلح والنكاح، فيُشترط فيه ما يُشترط للنكاح، خامسها: إذا أقرّ زيد: بأن في ذمّته ألف ريال لبكر هي قرض عليه له فصالحه بكر بأن يدفع له عنها مائة صاع من البر: صحَّ ذلك بشرط: أن لا يتفرّقا قبل القبض؛ لكونه بيع دين بدين فيما إذا تفرّقا قبل القبض وهو منهي عنه وقد سبق بيانه في الربا والصرف. سادسها: إذا أقرّ زيد بأن عليه دين لبكر - غير دين سَلَم - فصالحه على أن يأخذ منه شيئًا غير جنس الدَّين كثياب بعشرة ريالات: فإن هذا يجوز: سواء كان المأخوذ أقلّ من الدَّين، أو أكثر، أو مساويًا بشرط: أن يتقابضا قبل التفرّق؛ أما إن أخذ منه شيئًا من جنس الدَّين كبر ببر: فيجوز بشرط: التساوي بين المأخوذ والدَّين، وأن يكون على وجه المعاوضة، وقد سبق بيانه في الربا والصرف.
(١٦) مسألة: إذا كان لبكر على زيد دين، أو عين، وجهلا مقدار ذلك الدين، وصفة تلك العين، وتعذَّر علم ذلك عليهما: فإنه يصح الصلح عن ذلك بشيء معلوم بأن يتراضيا على أن يدفع زيد لبكر نقودًا عن ما جهلاه، وكل واحد يُسامح الآخر فيما زاد أو نقص وكذلك فيما لم يتعذَّر علمه يصحّ الصلح عنه بشيء معلوم، ويُبرئ كل واحد صاحبه من أي نقص أو زيادة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة =
стр. 1647
بعين أو دين فسكت، أو أنكر وهو يجهله) أي: يجهل ما ادُّعي به عليه (ثم صالح) عنه (بمال) حالٍّ أو مؤجَّل: (صح) الصلح؛ لعموم قوله ﵇ "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا" رواه أبو داود، والترمذي وقال: "حسن صحيح" وصحَّحه الحاكم (١٧)، ومن ادُّعي عليه بوديعة أو تفريط فيها أو
القولية؛ حيث قال ﵇:- "لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما -: "استهما وتوخيا الحق، وليُحلِّل أحدكما صاحبه" الثانية: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للنزاع، وعدم إشغال الذمة بشيء قد تراضيا على إسقاطه. (فرع): الصلح في الأموال قسمان: أولهما: صلح على إقرار، وقد سبق بيانه في المسائل السابقة، ثانيهما: صلح على إنكار أو سكوت، وسيأتي بيانه في المسائل الآتية.
(١٧) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال زيد: "إن لي عندك عينًا كعبد" أو قال: "إن لي عندك دينًا كألف ريال" فأنكر بكر، أو سكت، وهو - في حال السكوت أو الإنكار - يجهل ما ادَّعاه عليه زيد من العين أو الدَّين، ثم صالح - أعني بكر - عن ذلك بمال يدفعه لزيد معجَّل أو مؤجَّل: فإن هذا الصلح صحيح؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" وهو عام فيشمل ما نحن فيه وغيره؛ لأن "الصلح" اسم جنس معرَّف بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لا يصح على الإنكار فلا يشمله عموم الحديث؛ للتلازم؛ حيث إنه مُتضمِّن للمعاوضة عمّا لا تصحّ المعاوضة عليه فيلزم عدم صحته؛ لكون المدَّعى عليه - وهو بكر لم يُقر بشيء فيكون مخالفًا لقواعد الشرع. قلتُ: بل يصحّ الصلح على الإنكار كما قلنا فيشمله الحديث بعمومه، وهو وقع على معاوضة وهي: أن المنكر - وهو بكر - قد افتدى نفسه من الدعوى واليمين وتكليف إقامة البيّنة، ويدفع ما يدفعه لأجل ذلك، والمدعي - وهو زيد - أخذ ما أخذه عوضًا عن حقه الذي يعتقد ثبوته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في وجود عِوَض في هذا الاتفاق" فعندنا توجد معاوضة حقيقية: فصحّ الصلح، وعندهم: =
стр. 1648
قراض، فأنكر، وصالح على مال: فهو جائز، ذكره في "الشرح" وغيره (١٨) (وهو) أي: صلح الإنكار (للمدَّعي بيع)؛ لأنه يعتقده عوضًا عن ماله فلزمه حكم اعتقاده (يُردُّ معيبه) أي: معيب ما أخذه من العِوَض (ويفسخ الصلح) كما لو اشترى شيئًا فوجده معيبًا (ويؤخذ منه) العِوَض إن كان شِقصًا (بشفعة)؛ لأنه بيع (١٩)، وإن صالحه ببعض عين المدَّعى به: فهو فيه كمنكر (٢٠) (و) الصلح (للآخر) المنكر (إبراء)؛
لا توجد معاوضة حقيقية فلم يصح.
(١٨) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال له: "إن لي عندك وديعة" أو قال له: "إن لي عندك وديعة فتلفت بسبب تفريط منك" أو قال له: "إن لي عندك مالًا قد أقرضتك إيّاه" ونحو ذلك، فأنكر بكر، أو سكت، فصالح بكر عن ذلك بمال يدفعه إلى زيد معجَّل أو مؤجَّل: فإن هذا الصلح جائز؛ للسنة القولية: وهي ما ذكرناها في مسألة (١٧)، والمقصد كما سبق فيها تنبيه: نص ابن قدامة أبو الفرج على ذلك في كتابه: "الشرح الكبير".
(١٩) مسألة: صلح الإنكار - الذي سبق في مسألتي (١٧ و ١٨) - له أحكام البيع للمدَّعي - وهو زيد -: فإن وجد زيد العِوَض الذي دفعه إليه المدَّعى عليه - وهو بكر - معيبًا: فله ردُّه إليه ويفسخ الصلح، وإن وجده شقصًا يشفع فيه: فإنه يأخذ من بكر عوضه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن بكرًا لو اشترى من زيد سلعة: فإن له أحكام البيع، فكذلك يكون ذلك في صلح الإنكار كما قلنا والجامع: أنه في كل منهما يعتقد زيد أن هذا المال الذي دفعه إليه بكر عوض عن سلعته فيكون في الصلح بيعًا باعتبار اعتقاده.
(٢٠) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال: "إن نصف الدار التي بيدك لي" فأنكر المدعى عليه - وهو بكر - فصالحه المدَّعي - وهو زيد - ببعض هذه العين التي بيده - وهي الدار - على ربعها: فإنه يصح ذلك، ولكن لا يكون حكم ذلك حكم البيع، بل يكون حكم المدعي في هذا الصلح كحكم المدَّعى عليه - وهو المنكر -: =
стр. 1649
لأنه دفع المال افتداء ليمينه، وإزالة للضرر عنه، لا عوضًا عن حق يعتقده (فلا ردَّ) لما صالح عنه بعيب يجده فيه (ولا شفعة) فيه؛ لاعتقاده أنه ليس بِعوَض (٢١) (وإن كذب أحدهما) في دعواه أو إنكاره، وعلم بكذب نفسه: (لم يصح) الصلح (في حقه باطنًا)؛ لأنه عالم بالحق، قادر على إيصاله لمستحقه، غير معتقد أنه محق (وما أخذه حرام) عليه؛ لأنه أكل للمال بالباطل (٢٢)، .....................................
فلا يرد زيد بعيب ونحوه؛ للتلازم؛ حيث إن المدَّعي - وهو زيد - يعتقد أنه أخذ بعض عين ماله مسترجعًا ممّن هو عنده فيلزم: أن لا يكون لذلك أحكام البيع، وهذا فيه حماية لحق المدّعى عليه.
(٢١) مسألة: صلح الإنكار - الذي سبق في مسألتي (١٧ و ١٨) - له أحكام الإبراء للمدَّعى عليه - وهو بكر - وليس بيعًا؛ فليس له رد ما صالح عليه بعيب ونحوه ولا شفعة فيه إن كان شقصًا من عقار؛ للمصلحة: حيث إن المدَّعى عليه قد سكت أو أنكر ما ادَّعاه عليه زيد، ودفع ذلك المال لا لاعتقاده أن لزيد حقًا له، وإنما دفعه له؛ لإزالة الضرر عن نفسه؛ صيانة لنفسه عن التبذُّل والخصومة التي قد لا تليق به، ولافتداء يمينه - كما سبق بيانه -؛ وهذا لا يُسمَّى عوضًا حقيقة، وهذا فيه حماية لحق المدعي، وهو المقصد منه.
(٢٢) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال لبكر: "لي عليك دين" وكذب زيد في ذلك - أي: ادَّعى شيئًا يعلم أنه ليس له -، أو أن بكرًا أنكر ذلك أو سكت وكذب في إنكاره وسكوته - أي: أنكر شيئًا يعلم أنه حق لزيد -، وصالح أحدهما الآخر: فإن هذا الصلح باطل في حق من علم كذب نفسه، وما أخذه أحدهما من الآخر يكون حرامًا، ولو حكم به حاكم؛ للتلازم؛ حيث إن أحدهما قادر على إيصاله الحق لمستحقه معتقد أنه لا يستحق ذلك، ومع ذلك لم يفعل فيلزم من ذلك: أنه أكل مال الآخر بالباطل، وهو محرَّم بالإجماع، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال وحقوق الآخرين.
стр. 1650
وإن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه: صح، ولم يرجع عليه (٢٣)، ويصح الصلح عن قصاص، وسكنى دار، وعيب بقليل وكثير (٢٤) (ولا يصح) الصلح (بعوض عن حد
(٢٣) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال زيد: "إن لي عندك ألف ريال" فأنكر بكر، فصالح عن المنكر - وهو بكر - محمد، بأن يُسقط عنه مائتي ريال، ويدفع محمد عن بكر ثمانمائة فيصح ذلك، ولا يرجع محمد على المنكر - وهو بكر - ليأخذ منه ما دفعه لزيد - وهي: الثمانمائة - وإن نوى الرجوع إليه عند الصلح هذا إن لم يأذن بكر بالصلح، أما إن أذن بذلك الصلح: فإنه يرجع إلى بكر فيأخذ ما دفعه لزيد - وهي: الثمانمائة إن نوى الرجوع؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما يصح أن يقضي محمد دين بكر إلى زيد فكذلك يصح أن يُصالح عنه بدفع مبلغ من المال عنه لزيد، والجامع: أنه في كل منهما قصد، براءته وقطع الخصومة عنه الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تبرُّع محمد، بالصلح بهذا المبلغ: عدم الرجوع إلى بكر ليأخذ منه المبلغ الذي صالح زيدًا عليه؛ لكون محمد قد أدَّى عن بكر مالًا عن طريق صلح لم يأذن له فيه، ولا في الأداء، ويلزم من إذن بكر لمحمد في الصلح على ذلك: رجوع محمَّد إلى بكر ليأخذ منه ذلك المبلغ إن نوى الرجوع أثناء الصلح فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع التنازع بين المسلمين.
(٢٤) مسألة: يصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العِوَض عنه: سواء كان مما يجوز بيعه أو مما لا يجوز بيعه وسواء مع إقرار أو إنكار، فيصح الصلح عن القصاص، والصلح عن سكنى الدار إذا اشترطه البائع بمبلغ والصلح عن عيب المبيع، والصلح عن قيمة المتلف بأكثر أو أقل؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن الحسن والحسين وسعيد بن العاص قد بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات، فأبى أن يقبلها، فلو لم يصح الصلح في ذلك لما فعل هؤلاء الصحابة ذلك، والصلح بأقل، والصور المذكورة مثل ذلك؛ لعدم الفارق.
следующие страницы →