← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

مجهول تعذَّر علمه من دين أو عين بمعلوم، فإن لم يتعذَّر علمه: فكبراءة من مجهول (١٦). فصل: القسم الثاني: صلح على إنكار، وقد ذكره بقوله: (ومن ادِّعي عليه الصلح بعِوَض عن ثمن، كعشرة دراهم بثوب أو صلح بعِوَض عن عِوَض كثوب بثوب، فهذا يُعتبر معاملة بالبيع يُشترط له ما يشترط للبيع؛ وهذا يصح بلفظ "صلح" أو بأي لفظ يُؤدِّي إلى معناه كلفظ "هبة" و "بيع" ونحوهما، قياسًا على سائر المعاوضات ثالثها: أن يكون الصلح عن نقد أو عِوَض مقرّ به بمنفعة كسكنى دار، أو عمل عبد عنده، فهذا يُعتبر معاملة بالإجارة يُشترط له ما يُشترط للإجارة. رابعها: إذا أقرَّت امرأة بأن هذا الألف ريال لبكر، أو أن هذا البيت له، فصالحها بكر على أن يكون ذلك صداقًا لها ويتزوجها به: صحَّ الصلح والنكاح، فيُشترط فيه ما يُشترط للنكاح، خامسها: إذا أقرّ زيد: بأن في ذمّته ألف ريال لبكر هي قرض عليه له فصالحه بكر بأن يدفع له عنها مائة صاع من البر: صحَّ ذلك بشرط: أن لا يتفرّقا قبل القبض؛ لكونه بيع دين بدين فيما إذا تفرّقا قبل القبض وهو منهي عنه وقد سبق بيانه في الربا والصرف. سادسها: إذا أقرّ زيد بأن عليه دين لبكر - غير دين سَلَم - فصالحه على أن يأخذ منه شيئًا غير جنس الدَّين كثياب بعشرة ريالات: فإن هذا يجوز: سواء كان المأخوذ أقلّ من الدَّين، أو أكثر، أو مساويًا بشرط: أن يتقابضا قبل التفرّق؛ أما إن أخذ منه شيئًا من جنس الدَّين كبر ببر: فيجوز بشرط: التساوي بين المأخوذ والدَّين، وأن يكون على وجه المعاوضة، وقد سبق بيانه في الربا والصرف. (١٦) مسألة: إذا كان لبكر على زيد دين، أو عين، وجهلا مقدار ذلك الدين، وصفة تلك العين، وتعذَّر علم ذلك عليهما: فإنه يصح الصلح عن ذلك بشيء معلوم بأن يتراضيا على أن يدفع زيد لبكر نقودًا عن ما جهلاه، وكل واحد يُسامح الآخر فيما زاد أو نقص وكذلك فيما لم يتعذَّر علمه يصحّ الصلح عنه بشيء معلوم، ويُبرئ كل واحد صاحبه من أي نقص أو زيادة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة =

стр. 1647

بعين أو دين فسكت، أو أنكر وهو يجهله) أي: يجهل ما ادُّعي به عليه (ثم صالح) عنه (بمال) حالٍّ أو مؤجَّل: (صح) الصلح؛ لعموم قوله ﵇ "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا" رواه أبو داود، والترمذي وقال: "حسن صحيح" وصحَّحه الحاكم (١٧)، ومن ادُّعي عليه بوديعة أو تفريط فيها أو القولية؛ حيث قال ﵇:- "لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما -: "استهما وتوخيا الحق، وليُحلِّل أحدكما صاحبه" الثانية: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للنزاع، وعدم إشغال الذمة بشيء قد تراضيا على إسقاطه. (فرع): الصلح في الأموال قسمان: أولهما: صلح على إقرار، وقد سبق بيانه في المسائل السابقة، ثانيهما: صلح على إنكار أو سكوت، وسيأتي بيانه في المسائل الآتية. (١٧) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال زيد: "إن لي عندك عينًا كعبد" أو قال: "إن لي عندك دينًا كألف ريال" فأنكر بكر، أو سكت، وهو - في حال السكوت أو الإنكار - يجهل ما ادَّعاه عليه زيد من العين أو الدَّين، ثم صالح - أعني بكر - عن ذلك بمال يدفعه لزيد معجَّل أو مؤجَّل: فإن هذا الصلح صحيح؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" وهو عام فيشمل ما نحن فيه وغيره؛ لأن "الصلح" اسم جنس معرَّف بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لا يصح على الإنكار فلا يشمله عموم الحديث؛ للتلازم؛ حيث إنه مُتضمِّن للمعاوضة عمّا لا تصحّ المعاوضة عليه فيلزم عدم صحته؛ لكون المدَّعى عليه - وهو بكر لم يُقر بشيء فيكون مخالفًا لقواعد الشرع. قلتُ: بل يصحّ الصلح على الإنكار كما قلنا فيشمله الحديث بعمومه، وهو وقع على معاوضة وهي: أن المنكر - وهو بكر - قد افتدى نفسه من الدعوى واليمين وتكليف إقامة البيّنة، ويدفع ما يدفعه لأجل ذلك، والمدعي - وهو زيد - أخذ ما أخذه عوضًا عن حقه الذي يعتقد ثبوته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في وجود عِوَض في هذا الاتفاق" فعندنا توجد معاوضة حقيقية: فصحّ الصلح، وعندهم: =

стр. 1648

قراض، فأنكر، وصالح على مال: فهو جائز، ذكره في "الشرح" وغيره (١٨) (وهو) أي: صلح الإنكار (للمدَّعي بيع)؛ لأنه يعتقده عوضًا عن ماله فلزمه حكم اعتقاده (يُردُّ معيبه) أي: معيب ما أخذه من العِوَض (ويفسخ الصلح) كما لو اشترى شيئًا فوجده معيبًا (ويؤخذ منه) العِوَض إن كان شِقصًا (بشفعة)؛ لأنه بيع (١٩)، وإن صالحه ببعض عين المدَّعى به: فهو فيه كمنكر (٢٠) (و) الصلح (للآخر) المنكر (إبراء)؛ لا توجد معاوضة حقيقية فلم يصح. (١٨) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال له: "إن لي عندك وديعة" أو قال له: "إن لي عندك وديعة فتلفت بسبب تفريط منك" أو قال له: "إن لي عندك مالًا قد أقرضتك إيّاه" ونحو ذلك، فأنكر بكر، أو سكت، فصالح بكر عن ذلك بمال يدفعه إلى زيد معجَّل أو مؤجَّل: فإن هذا الصلح جائز؛ للسنة القولية: وهي ما ذكرناها في مسألة (١٧)، والمقصد كما سبق فيها تنبيه: نص ابن قدامة أبو الفرج على ذلك في كتابه: "الشرح الكبير". (١٩) مسألة: صلح الإنكار - الذي سبق في مسألتي (١٧ و ١٨) - له أحكام البيع للمدَّعي - وهو زيد -: فإن وجد زيد العِوَض الذي دفعه إليه المدَّعى عليه - وهو بكر - معيبًا: فله ردُّه إليه ويفسخ الصلح، وإن وجده شقصًا يشفع فيه: فإنه يأخذ من بكر عوضه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن بكرًا لو اشترى من زيد سلعة: فإن له أحكام البيع، فكذلك يكون ذلك في صلح الإنكار كما قلنا والجامع: أنه في كل منهما يعتقد زيد أن هذا المال الذي دفعه إليه بكر عوض عن سلعته فيكون في الصلح بيعًا باعتبار اعتقاده. (٢٠) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال: "إن نصف الدار التي بيدك لي" فأنكر المدعى عليه - وهو بكر - فصالحه المدَّعي - وهو زيد - ببعض هذه العين التي بيده - وهي الدار - على ربعها: فإنه يصح ذلك، ولكن لا يكون حكم ذلك حكم البيع، بل يكون حكم المدعي في هذا الصلح كحكم المدَّعى عليه - وهو المنكر -: =

стр. 1649

لأنه دفع المال افتداء ليمينه، وإزالة للضرر عنه، لا عوضًا عن حق يعتقده (فلا ردَّ) لما صالح عنه بعيب يجده فيه (ولا شفعة) فيه؛ لاعتقاده أنه ليس بِعوَض (٢١) (وإن كذب أحدهما) في دعواه أو إنكاره، وعلم بكذب نفسه: (لم يصح) الصلح (في حقه باطنًا)؛ لأنه عالم بالحق، قادر على إيصاله لمستحقه، غير معتقد أنه محق (وما أخذه حرام) عليه؛ لأنه أكل للمال بالباطل (٢٢)، ..................................... فلا يرد زيد بعيب ونحوه؛ للتلازم؛ حيث إن المدَّعي - وهو زيد - يعتقد أنه أخذ بعض عين ماله مسترجعًا ممّن هو عنده فيلزم: أن لا يكون لذلك أحكام البيع، وهذا فيه حماية لحق المدّعى عليه. (٢١) مسألة: صلح الإنكار - الذي سبق في مسألتي (١٧ و ١٨) - له أحكام الإبراء للمدَّعى عليه - وهو بكر - وليس بيعًا؛ فليس له رد ما صالح عليه بعيب ونحوه ولا شفعة فيه إن كان شقصًا من عقار؛ للمصلحة: حيث إن المدَّعى عليه قد سكت أو أنكر ما ادَّعاه عليه زيد، ودفع ذلك المال لا لاعتقاده أن لزيد حقًا له، وإنما دفعه له؛ لإزالة الضرر عن نفسه؛ صيانة لنفسه عن التبذُّل والخصومة التي قد لا تليق به، ولافتداء يمينه - كما سبق بيانه -؛ وهذا لا يُسمَّى عوضًا حقيقة، وهذا فيه حماية لحق المدعي، وهو المقصد منه. (٢٢) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال لبكر: "لي عليك دين" وكذب زيد في ذلك - أي: ادَّعى شيئًا يعلم أنه ليس له -، أو أن بكرًا أنكر ذلك أو سكت وكذب في إنكاره وسكوته - أي: أنكر شيئًا يعلم أنه حق لزيد -، وصالح أحدهما الآخر: فإن هذا الصلح باطل في حق من علم كذب نفسه، وما أخذه أحدهما من الآخر يكون حرامًا، ولو حكم به حاكم؛ للتلازم؛ حيث إن أحدهما قادر على إيصاله الحق لمستحقه معتقد أنه لا يستحق ذلك، ومع ذلك لم يفعل فيلزم من ذلك: أنه أكل مال الآخر بالباطل، وهو محرَّم بالإجماع، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال وحقوق الآخرين.

стр. 1650

وإن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه: صح، ولم يرجع عليه (٢٣)، ويصح الصلح عن قصاص، وسكنى دار، وعيب بقليل وكثير (٢٤) (ولا يصح) الصلح (بعوض عن حد (٢٣) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال زيد: "إن لي عندك ألف ريال" فأنكر بكر، فصالح عن المنكر - وهو بكر - محمد، بأن يُسقط عنه مائتي ريال، ويدفع محمد عن بكر ثمانمائة فيصح ذلك، ولا يرجع محمد على المنكر - وهو بكر - ليأخذ منه ما دفعه لزيد - وهي: الثمانمائة - وإن نوى الرجوع إليه عند الصلح هذا إن لم يأذن بكر بالصلح، أما إن أذن بذلك الصلح: فإنه يرجع إلى بكر فيأخذ ما دفعه لزيد - وهي: الثمانمائة إن نوى الرجوع؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما يصح أن يقضي محمد دين بكر إلى زيد فكذلك يصح أن يُصالح عنه بدفع مبلغ من المال عنه لزيد، والجامع: أنه في كل منهما قصد، براءته وقطع الخصومة عنه الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تبرُّع محمد، بالصلح بهذا المبلغ: عدم الرجوع إلى بكر ليأخذ منه المبلغ الذي صالح زيدًا عليه؛ لكون محمد قد أدَّى عن بكر مالًا عن طريق صلح لم يأذن له فيه، ولا في الأداء، ويلزم من إذن بكر لمحمد في الصلح على ذلك: رجوع محمَّد إلى بكر ليأخذ منه ذلك المبلغ إن نوى الرجوع أثناء الصلح فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع التنازع بين المسلمين. (٢٤) مسألة: يصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العِوَض عنه: سواء كان مما يجوز بيعه أو مما لا يجوز بيعه وسواء مع إقرار أو إنكار، فيصح الصلح عن القصاص، والصلح عن سكنى الدار إذا اشترطه البائع بمبلغ والصلح عن عيب المبيع، والصلح عن قيمة المتلف بأكثر أو أقل؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن الحسن والحسين وسعيد بن العاص قد بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات، فأبى أن يقبلها، فلو لم يصح الصلح في ذلك لما فعل هؤلاء الصحابة ذلك، والصلح بأقل، والصور المذكورة مثل ذلك؛ لعدم الفارق.

стр. 1651

سرقة وقذف) أو غيرهما؛ لأنه ليس بمال، ولا يؤول إليه (٢٥) (ولا) عن (حق شفعة) أو خيار؛ لأنهما لِمَ يُشرعا لاستفادة مال، وإنما شُرع الخيار للنظر في الأحظ، والشفعة؛ لإزالة الضَّرر بالشركة (٢٦) (ولا) عن (ترك شهادة) بحق أو باطل (٢٧) (٢٥) مسألة: لا يصح الصلح عن أي حدّ من الحدود الشرعية، فلو صالح الزاني، أو السارق أو شارب الخمر، أو القاذف شخصًا رآه يفعل ذلك على أن لا يرفعه للسلطان بعوض مالي أو عيني: فلا يصح الصلح، للقياس؛ بيانه: كما أنَّه لا يصح له الصلح وأخذ العوض عن سائر ما لا حق له فيه فكذلك لا يصح الصلح وأخذ العوض عن الحدود، والجامع أن كلًّا منها ليس بحق له ولا ماله، ولا يؤول إليه فلم يجز الاعتياض عنه، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن هذه الحدود شُرعت للزَّجر، والصلح ليس بزجر، فإن قلتَ: إن حدَّ القذف حق لآدمي فلِمَ لا يصح الصلح عنه بعوض كالقِصاص؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: أنَّه حق ليس بمال، ولهذا لا يسقط إلى بدل بخلاف القصاص: فإنه يسقط بعوض، لكونه حافظًا للنفس، ثانيهما: أن حدَّ القذف شُرع لتنزيه العرض، فلا يجوز أن يعتاظ المسلم عن عرضه بمال، فإن قلت: لِمَ سقط حد القذف بدون عوض؟ قلتُ: لكونه حقًّا للمقذوف، فإن أسقط حقَّه فلا بأس، فيكون في ذلك كالقصاص، هذا بناء على أن حق الإسقاط للآدمي. (٢٦) مسألة: لا يصح الصلح عن حق الشفعة، ولا عن حق الخيار في البيع؛ للتلازم؛ حيث إنهما لِمَ يُشرعا من أجل استفادة زيادة مال بل شُرعت الشفعة لإزالة الضرر من شراكة المشتري الجديد، وشُرع الخيار لأجل أن يكون عند المشتري والبائع مهلة للنظر في الأصلح لهما أو لأحدهما: فلم يصح الاعتياض عنهما بعوض فلزم من ذلك: عدم صحة الصلح فيهما. (٢٧) مسألة: لا يصح الصلح عن ترك شهادة على شخص بحق الله تعالى، أو لأي آدمي أو بباطل: بأن يُصالح زيد بكرًا على عوض بأن لا يشهد عليه بحق تلزمه =

стр. 1652

(وتسقط الشفعة) إذا صالح عنها؛ لرضاه بتركها، ويرد العوض (و) كذا حكم (الحد) والخيار (٢٨)، وإن صالحه على أن يُجري على أرضه أو سطحه ماء معلومًا: صح؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن كان بعوض مع بقاء ملكه: فإجارة، وإلا: فبيع، ولا يُشترط في الإجارة هنا: بيان المدَّة؛ للحاجة ويجوز شراء ممر في ملكه، وموضع في حائط يجعله بابًا، وبقعة يحفرها بئرًا، وعلوّ بيت يبني عليه بنيانًا موصوفًا، ويصح فعله صلحًا أبدًا، أو إجارة مدَّة معلومة (٢٩) (وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره) = الشهادة به كدين ونحوه، أو حق الله تعالى لا يسقط بالشبهة كالزكاة، أو يصالحه على أن لا يشهد عليه بالزور كأن يقول زيد لبكر: "أعطني ألف ريال وإلا شهدتُ عليك بالسرقة أو الزنا" ونحو ذلك؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا" فالصلح الذي يحل الحرام، أو يحرم الحلال لا يجوز؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وما نحن فيه منه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق المسلمين من أموال وأعراض وهو معلوم. (٢٨) مسألة: إذا وقع الصلح عن حق الشفعة والخيار على عوض ووقع الصلح عن الحد، بعوض: فإنه يسقط حق الشفعة وحق الخيار ويرد العوض الذي أخذه بسبب هذا الصلح، ويرد العوض الذي أخذه بسبب الصلح عن الحدود إلى من أُخذ منه؛ للتلازم؛ حيث إن رضاه بترك الشفعة والخيار لزم منه إسقاطهما عنه ويلزم من فساد الصلح ردُّ العوض إلى من أخذ منه. (٢٩) مسألة: إذا صالح زيد، بكرًا على أن يُجري على أرضه أو على سطحه ماء، أو يفتح ممرًا في ملكه أو يفتح موضعًا في حائطه يجعله بابًا لداره، أو يحفر في أرضه بئرًا، أو يبني على أرضه، أو بنيانه بنيانًا آخر يستفيد منه: فإن ذلك يصح: سواء فعل ذلك صلحًا أبدًا، أومدة معلومة، وسواء كان ببيع، أو إجارة، وسواء كانت مدة الإجارة مبينة أو لا، ولكن ذلك يُشترط فيه ما يُشترط في البيع أو =

стр. 1653

الخاص به، أو المشترك (أو) حصل غصن شجرته في (قراره) أي: قرار غيره الخاص، أو المشترك أي في أرضه، وطالبه بإزالة ذلك: (أزاله) وجوبًا: إما بقطعه، أوليِّه إلى ناحية أخرى فإن أبي مالك الغصن إزالته: (لواه) مالك الهواء (إن أمكن، وإلا) يمكن: (فله قطعه)؛ لأنه إخلاء لملكه الواجب إخلاؤه، ولا يفتقر إلى حكم حاكم (٣٠)، ولا يجبر المالك على الإزالة؛ لأنه ليس من فعله (٣١)، وإن أتلفه = الإجارة: أن يُعلم صفة ما يُباع أو يُؤجَّر صلحًا بأن يكون معلومًا طولًا وعرضًا، وعمقًا، وأن يعلم العِوَض إن وُجد؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز لبكر أن يبيع أي سلعة لزيد فكذلك يجوز أن يُصالحه على عوض بشيء من أملاكه، والجامع: أن كلًّا منهما فيه نفع مقصود، دون وجود محذور فيه، فإن قلت: لِمَ صح ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن الناس يحتاجون ذلك كثيرًا قديمًا وحديثًا. (٣٠) مسألة: إذا كان لزيد شجرة في منزله أو بستانه وامتدّ غصن منها إلى جاره بكر، وأخذ هذا الغصن حيّزًا من هواء بكر الخاص به، أو أخذ حيِّزًا من قرار بكر وملكه فطلب بكر من زيد أن يُزيل عنه ذلك الغصن: فيجب على زيد أن يُزيله، فإن أبي زيد ذلك فيجوز لبكر أن يُنحِّيه عن ملكه وهوائه بأن يلويه إن استطاع، فإن لِمَ يستطع فلبكر قطعه ولا شيء عليه ولا يحتاج ذلك إلى حكم حاكم؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما يجوز قتل الصائل والهاجم عليه إذا لِمَ يندفع إلّا بالقتل فكذلك يجوز لبكر أن يقطع هذا الغصن إذا لِمَ يمكن ليِّه إلّا بالقطع، والجامع: دفع الأذى والضرر في كل. الثانية: التلازم؛ حيث إن الهواء والقرار ملكٌ لبكر، فأزال بكر ما في ملكه دون تعدٍّ على ملك الغير فيلزم جواز إزالته بدون الحاجة إلى حكم حاكم في ذلك، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلمين من تعدِّي الآخرين عليهم. (٣١) مسألة: إذا طلب بكر من زيد أن يُزيل ذلك الغصن الذي امتدَّ من شجرته - أعني شجرة زيد كما في مسألة (٣٠) -: فإن زيدًا يُجبر على إزالته، وإذا أتلف =

стр. 1654

مالك الهواء مع إمكان ليِّه: ضمنه (٣٢)، وإن صالحه على بقاء الغصن بعوض: لم يجز (٣٣)، وإن اتفقا على أن الثمرة بينهما ونحوه: صح جائزًا، وكذا حكم عرق = ذلك الغصن شيئًا من أملاك بكر: فإن زيدًا يضمن ذلك ويدفع قيمته؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا يجبر على حفظ بهيمته من أن تعتدي على زروع الغير، وإذا أتلفت شيئًا من ذلك فإنه يضمن ما أتلفته، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا من البهيمة والغصن من أملاك زيد، فيكون عليه الغرم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الجار، فإن قلتَ: إن المالك للغصن - وهو زيد - لا يُجبر على إزالته، وإذا أتلف شيئًا: فلا يضمنه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس؛ بيانه كما لا يُجبر على إزالة ما في ملك غيره ولا يضمن ما أتلفه، فكذلك لا يُجبر على إزالة غصن شجرته الذي امتد إلى ملك غيره ولا يضمن ما أتلفه والجامع أن كلًّا منهما ليس من فعل المالك - وهو زيد - قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن هذا الغصن قد امتدَّ شجرته التي يقوم بسقيها والاعتناء بها، ويستطيع إزالتها مع أغصانها، بخلاف ملك الغير فلا يستطيع فعل ذلك فيه، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياسين" فنحن ألحقنا الغصن الممتد إلى هواء الجار بالبهيمة التي اعتدّت على زرع الغير؛ لأنه أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوا الغصن الممتد إلى هواء الجار بملك الغير؛ لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا "قياس غلبة الأشباه". (٣٢) مسألة: إذا أتلف بكر - وهو مالك الهواء - الغصن وقطعه - كما في مسألة (٣٠) - مع أنَّه يستطيع دفع أذاه بليِّه وتنحيته: فإنه يضمنه، ويجب عليه دفع قيمته لصاحب الشجرة - وهو زيد -؛ للقياس؛ بيانه كما أنَّه لوقتل الصائل مع إمكان دفعه بدون قتله: فإنه يأثم، ويضمنه فكذلك الحال هنا، والجامع: التعدِّي في كل. (٣٣) مسألة: إذا صالح مالك الغصن - وهو زيد - بكرًا - وهو جاره مالك الهواء كما =

стр. 1655

شجرة حصل على أرض غيره (٣٤) (ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق)؛ لأنه لم يتعيَّن له مالك، ولا ضرر فيه على المجتازين (٣٥) و (لا) يجوز = في مسألة (٣٠) - على أن يبقيه ممتدًّا في هوائه وملكه بعوض يتّفقان عليه: فإن ذلك يصح؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منفعة لهما، وإبعاد عن القطع؛ لكونه ضررًا، فإن قلتَ: لا يصح ذلك - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن الجهالة بالمصالح عليه؛ لكونه يزيد في الرطب، وينقص في اليابس: يلزم منها: عدم صحّته قلتُ: إن تلك الجهالة لا تمنع الصحة والجواز؛ لكون الزيادة في الرطب أو النقص في اليابس لا تمنع التسليم وهذا معتاد متعارف عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف هل توجد جهالة في المصالح عليه أولا؟ " فعندنا: لا وعندهم: نعم. (٣٤) مسألة: إذا صالح مالك الغصن - وهو زيد - بكرًا - وهو جاره، مالك الهواء كما في مسألة (٣٠) - على أن يبقي الغصن ممتدًّا في هوائه وملكه، وله ثمرة ذلك الغصن أو تكون ثمرته بينهما مناصفة: فإن ذلك يصح صلحًا جائزًا، ولا يلزم، فلو امتنع زيد عن دفع ما صالح به بكرًا من الثمرة بعد مضي مدة: فإنه لا يلزم بذلك، ولكنه يلزم بأجرة المثل؛ للسنة القولية حيث قال ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" وهذا عام فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "الصلح" اسم مفرد معرّف بأل وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منفعة زيد، لئلا يقطع غصنه، ومنفعة بكر في الانتفاع في الثمرة، فإن قلتَ: لِمَ صحّ جوازًا، ولا يلزم؟ قلتُ: لجهالة العوض، فالأصل: عدم جوازه، ولكنه استثني؛ للمصلحة ولعدم المانع منه (فرع): الحكم في عرق شجرة زيد إذا امتدَّ إلى أرض جاره بكر كالحكم في غصنه إذا امتدَّ في هوائه وفي ملكه على التفصيل السابق في المسائل (٣٠ إلى ٣٤). (٣٥) مسألة: يجوز للشخص: أن يفتح أبوابًا ونوافذ للاستطراق والتهوية في الطرق =

стр. 1656

(إخراج روشن) على أطراف خشب أو نحوه مدفونة في الحائط (و) لا إخراج (ساباط) وهو: المستوفي للطريق كله على جدارين (و) لا إخراج (دكَّة) بفتح الدال، وهي: الدكان والمصطبة - بكر الميم (و) لا إخراج (ميزاب) ولو لم يضرُّ بالمارة، إلا أن يأذن إمام أو نائبه ولا ضرر؛ لأنه نائب المسلمين فجرى مجرى إذنهم (٣٦) (ولا يفعل = النافذة، أو على الأراضي المفتوحة؛ للمصلحة: حيث إن فيه مصلحة له، ولا مفسدة ولا ضرر على غيره من المجتازين والمارَّة، وهو حقٌّ لجميع المسلمين، وهو منهم. (٣٦) مسألة: لا يجوز للشخص أن يُخرج روشنًا، أو أي شيء يخرجه من بيته إلى الشارع، ولا يخرج ساباطًا - وهو: الشيء الذي يصل جدار بجدار آخر في الجهة الأخرى -، ولا يُخرج ميزابًا - وهو الذي يخرج منه الماء غير المرغوب فيه من المنزل إلى الشارع - هذا كله لا يجوز إلّا بشرطين: أولهما: عدم الضرر على الآخرين، ثانيهما: أن يأذن الإمام أو نائبه - وهو ممثَّل الآن بوزارة الشؤون البلدية -، فإن عُدم الضرر، وأذن الإمام أو نائبه: جاز فعل تلك الأمور الثلاثة وما ماثلها؛ للمصلحة حيث إن الناس بحاجة إلى فعل تلك الأمور إن لم يكن بها ضرر على الغير، واعتاد الناس فعلها بدون نكير، أما إن كان فيها ضرر: فلا يجوز فعلها: دفعًا للضرر، (فرع): الدَّكَّة - وهي موضع يُبنى بجانب الباب من الخارج يُجلس عليها - لا يجوز بناؤها سواء أذن الإمام أو نائبه أولا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تضييق طريق المسلمين، ومراقبة المارَّة وهو مضربهم، فدفعًا لذلك لم يجز، فإن قلتَ: يجوز بناء الدَّكة - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن بعض الناس يكون بيته ضيِّق فيبني تلك الدَّكة ليجلس عليها هو وضيوفه؛ للحاجة قلت: إن الأصل: عدم جواز وضع الروشن، والساباط، والميزاب ولكن المصلحة الضرورية هي التي جوَّزت وضعها، استثناء؛ مراعاة لظروف وأحوال الناس، أما الدَّكة فلا ضرورة في وضعها، فتبقى على =

стр. 1657

ذلك) أي: لا يُخرج روشنًا، ولا ساباطًا، ولا دكة، ولا ميزابًا (في ملك جار ودرب مشترك) غير نافذ (بلا إذن المستحق) أي: الجار، أو أهل الدَّرب؛ لأن المنع لحق المستحق، فإذا رضي بإسقاطه: جاز (٣٧)، ويجوز نقل باب في درب غير نافذ إلى أوله بلا ضرر (٣٨) = الأصل، وهو: عدم جواز وضعها في طريق المسلمين، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فنتمسَّك نحن بمصلحة الأصل وهو: عدم جواز وضع الدكة؛ لأنها تضيق الطريق بدون ضرورة، وهم يتمسَّكون بالمصلحة الحاجية فيجيزون وضعها. (فرع ثان): إذا تضرَّر أحد الجيران في وضع ساباط، أو ميزاب أو روشن وطالب بإزالته: فإنه يُزال؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع ضرر عن مسلم، ودفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة. (فرع ثالث) إذا أذن الإمام بوضع ما سبق ذكره من روشن وساباط فإنه يكفي عن إذن بقية المسلمين؛ للتلازم؛ حيث إن عدم تصوُّر إذن جميع المسلمين يلزم منه: نيابة إمام المسلمين عنهم، تنبيه: قوله: "ولو لم يضرّ بالمارَّة" قلت: هذا لا يُسلَّم؛ حيث إن ذلك إذا لم يضر بالمارَّة: فإنه يجوز وضعه كما سبق بيانه. (٣٧) مسألة: لا يجوز للشخص أن يُخرج روشنًا، ولا ساباطًا، ولا ميزابًا ويجعله يمتدُّ إلى ملك جاره، وهوائه، ولا يمتدُّ إلى درب وطريق مشترك بينه وبين شخص آخر، وهو غير نافذ إلا إذا أذن ذلك الجار، أو ذلك الشريك: فيجوز بعد رضاه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع ضرر عن جاره أو شريكه، ودفع المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح، أما إذا رضي ذلك الجار أو الشريك: فيجوز؛ لكونه قد أسقط حقه. (٣٨) مسألة: يجوز للشخص أن ينقل بابه الذي في داخل دربٍ غير نافذٍ، ويجعله في أول ذلك الدَّرب بشرط: عدم وجود ضرر على غيره كأن يفتحه أمام باب غيره، أو يصعد إلى هذا الباب الذي فتحه بحيث يطَّلع على بيت غيره، فإن كان ذلك: =

стр. 1658

لا إلى داخل إن لم يأذن من فوقه، ويكون إعارة (٣٩)، ويحرم أن يُحدث بملكه ما يضرُّ بجاره كحمام، ورحى، وتنور، وله منعه، كدق، وسقي يتعدَّى، وحرم أن يتصرَّف في جدار جار، أو مشترك بفتح طاق، أو ضرب وتد ونحوه بلا إذنه (٤٠) (وليس له وضع خشبة على حائط جاره) أو حائط مشترك (إلّا عند الضرورة) فيجوز (إذا لم يُمكنه التسقيف إلّا به) ولا ضرر؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا يمنعنَّ جار جاره أن = فلا يجوز؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة له، أما إن تضرَّر الآخر بذلك: فلا يجوز دفعًا للضرر، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. (٣٩) مسألة: لا يجوز للشخص أن ينقل بابه الذي في وسط، أو أول درب غير نافذ ويجعله في داخله إن لِمَ يأذن له من هو داخل الدَّرب، فإن أذن جاز، ويكون إعارة من الذي أذن وبناء عليه: إن سدَّه ثم أراد فتحه: فإنه لا بدَّ أن يطلب أذنًا جديدًا؛ للمصلحة: حيث إنه يُقدَّم بابه إلى موضع لا يستعمله طريقًا له فيتضرّر غيره بدون فائدة له، فإن أذن وهو داخل الدرب: فقد أسقط حقه. (٤٠) مسألة: يحرم على الشخص: أن يؤذي جاره بفعل شيء في ملكه يتسبَّب في ضرر جاره: كأن يضع حمامًا بجواره يؤذيه برائحته أو رطوبته، أو أن يجعل رحى طاحونة يؤذيه بصوتها، أو يضع تنُّورًا يخبز فيه الخبز يؤذيه برائحته أو رماده، أو يضع قمامته أمام باب جاره، أو يتصرَّف في جدار جاره، أو جدار مشترك بينهما بفتح طاقة، أو ضرب وتد ونحو ذلك بلا إذن ذلك الجار؛ فإن فعل ذلك فلجاره منعه، ورفع الأمر إلى الحاكم إن أبى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهومن صيغ العموم، والنفي هنا: نهي، وهو مطلق فيقتضي التحريم والفساد الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن للجار منع جاره من دَقٍّ في حدادة، ومنعه من سقي يضر بزرعه أو بجدرانه فكذلك له منعه من فعل تلك الأمور، والجامع: دفع الضرر في كل، وهو المقصد منه.

стр. 1659

يضع خشبه على جداره" ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم" متفق عليه (وكذلك) حائط (المسجد وغيره) كحائط نحو يتيم، فيجوز لجاره وضع خشبة عليه إذا لم يُمكن تسقيف إلّا به بلا ضرر؛ لما تقدَّم (٤١) (وإذا انهدم جدارهما) المشترك، أو سقفهما (أو خيف ضرره) بسقوطه (فطلب أحدهما أن يعمر الآخر معه: أُجبر عليه إن امتنع؛ لقوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار"، فإن (٤١) مسألة: يحرم على الشخص: أن يضع خشبه على حائط جاره، أو على حائط مسجد أو وقف، أو حائط يتيم، أو مجنون أو صبي، أو مكاتب إلّا إذا اضطر هذا الشخص إلى وضع خشبة على ذلك الحائط فيجوز كأن يسقف بها ونحو ذلك بشرط: عدم الإضرار بجدار الجار أو المسجد أو الوقف، فإن كان فيه ضرر على غيره: فلا يجوز وإن كان مضطرًا إلى ذلك؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبه على جداره" حيث حرّم منع الجار لجاره من وضع خشبه على جداره؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم وهو عام فيشمل وضعها للضرورة وغيرها؛ لأن "جاره" نكرة أضيف إلى معرفة، وهذا من صيغ العموم، ثانيهما: قوله: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث حرَّم الإضرار بالآخرين، لأن النفي هنا نهي، وهو مطلق فيقتضي التحريم، وهو عام فيشمل الجار وغيره وضع الخشب وغير ذلك؛ لأن "ضرر، وضرار" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم، وهذا مخصص للحديث الأول - وهو: لا يمنعن جار جاره .. " - فيكون في حالة عدم الضرورة، فيكون المراد: يحرم على الجار أن يمنع جاره من وضع خشبه على جداره إذا لم يتضرَّر ذلك الجار، أما إن تضرَّر: فيجوز لهذا الجار أن يمنعه عملًا بالحديثين وسيأتي زيادة بيان لذلك في مسألة (١٥) من باب "العارية"؛ فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قضاء حاجة المضطر، ودفع الضرر عن الآخرين؛ لأن دفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، وفيه حثّ على التعاون.

стр. 1660

أبى أخذ حاكم من ماله وأنفق عليه وإن بناه شريك شركة بنية رجوع: رجع (وكذا النهر، والدولاب والقناة) المشتركة، إذا احتاجت لعمارة، ولا يمنع شريك من عمارة، فإن فعل: فالماء على الشركة (٤٢)، وإن أعطى قوم قناتهم أو نحوها لمن يعمرها، وله منها جزء معلوم: صح (٤٣)، ومن له علو: لم يلزمه عمارة سفله إذا (٤٢) مسألة: إذا انهدم الجدار الذي بين بيت زيد، وبيت بكر، أو انهدم السقف الذي بينهما، أو كانا شريكين في بيت فخيف من سقوط جدار من جدرانه أو سقف من أسقف حُجره، أو كانا شريكين في نهر، أو في دولاب يرفع الماء، أو في قنوات يجري فيها الماء إلى أرض لهما ففسد، بعض ذلك: وأراد زيد أن يعمره ويُصلحه، فأبى بكر فإنه يُجبر على مشاركة زيد في إعمار ذلك وإصلاحه، فإن امتنع: فإن الحاكم يُجبره على ذلك، وإن بناه شريكه أو جاره - وهو زيد - بنية أخذ نصيب جاره أو شريكه منه فيما بعد فله ذلك، فإذا فرغ من عمارة وإصلاح المنهدم أو الفاسد: فإن له الحق بأن يُطالب جاره أو شريكه بدفع نصيبه إما بالتفاهم والصلح بينهما، أو بحكم حاكم، ولا يجوز لهذا الشريك - وهو بكر - أن يمنع شريكه من ذلك الإعمار أو الإصلاح لذلك النهر ونحوه، فإن منعه: فالماء يكون على الشراكة كما كان، ولزيد أن يمنع بكرًا من الانتفاع بتلك القناة والنهر؛ للسنة القولية حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" والصور التي ذكرت فيها ضرر على الجارين، أو الشريكين معًا أو على بعض المسلمين الذين ينتفعون بذلك، فنفاه الشارع، وأمر بإزالته وإن لم يرض الجار، أوالشريك، لذلك أجمع العلماء على قاعدة "الضَّرر يُزال" مهما كان، وأن دفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح. (٤٣) مسألة: إذا أعطى قوم بكرًا قناة، أو بئرًا أو نهرًا بشرط عمارتها واتفقا صلحًا على أن يكون للعامر - وهو بكر - جزء معلوم من تلك القناة أو النهر أو البئر كأن يكون له ربع ذلك أو خمسه: فإن ذلك يصحّ؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز =

стр. 1661

انهدم بل يُجبر عليه مالكه (٤٤)، فإن ويلزم الأعلى سترة تمنع مشارفة الأسفل (٤٥)، فإن استويا: اشتركا (٤٦). * * * = إعطاء شخص شعرًا وصوفًا لكي يغزله لهم بسهم منه فكذلك يجوز فيما نحن فيه، والجامع: الانتفاع في كل، بدلًا من ترك ذلك بدون انتفاع، وهذا هو المقصد منه. (٤٤) مسألة: إذا كان زيد يملك أسفل البيت، وبكر يملك أعلاه، وانهدم أسفله: فإن زيدًا يُلزم بعمارة ذلك المنهدم الأسفل دون بكر؛ للتلازم؛ حيث إن زيدًا هو المالك للأسفل الذي انهدم فيلزم إجباره على إصلاحه وعمارته. (٤٥) مسألة: إذا كان زيد ساكنًا في أسفل البيت، وبكر ساكن في أعلاه، فإنه يُجبر بكر بوضع شيء ساتر يمنع الاطّلاع على أسفل البيت؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" والاطلاع على الجار والإشراف عليه إضرار به فتجب إزالته على المطَّلع؛ لكونه هو الذي سيأثم لو فعل ذلك؛ وهو المقصد منه. (٤٦) مسألة: إذا لم يكن أحد الجارين أعلى من الآخر، بل مستويان في العلو؛ وطلب أحداهما وضع سترة بينهما: فإنه يجب على الآخر أن يشارك جاره في تكلفة هذه السترة، فإن امتنع: أجبر على المشاركة؛ للتلازم؛ حيث إنه ليس أحدهما بأولى من الآخر في وضع ذلك؛ لتساويهما في الرغبة في ستر محارمه فيلزم اشتراكهما في التكلفة مثل سائر الحقوق المشتركة والمقصد: دفع الضرر عنهما. هذه آخر مسائل باب "الصلح" ويليه باب "الحجر".

стр. 1662

باب الحَجْر وهو في اللغة: التضييق والمنع، ومنه سمي الحرام والعقل حجرًا، وشرعًا: منع إنسان من تصرُّفه في ماله وهو ضربان حجر لحق الغير كعلى "مفلس"، وحجر لحق نفسه كعلى نحو "صغير" (١) (ومن لِمَ يقدر على وفاء شيء من دينه: لِمَ يُطالب به، وحُرِّم باب الحَجْر وفيه أربع وخمسون مسألة: (١) مسألة: الحجر لغة: المنع، والتضييق، ومنه قول القائل: "حجرت عليه" أي: منعته، وضيقتُ عليه بذلك، وسُمِّي "الحرام" حجرًا؛ لأن الشارع منع من فعله، وسُمِّي "العقل" حجرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من فعل المعاصي وما لا يليق، وهو في الاصطلاح: أن يُمنع المسلم من التصرُّف في ماله (فرع): الحجر من حيث سببه ينقسم إلى قسمين: أولهما حجر بسبب المحافظة على حق المحجور عليه كالحجر على الصبي، والمجنون، والسفيه، ثانيهما: حجر بسبب المحافظة على حق غير المحجور عليه كالحجر على المفلس للمحافظة على حقوق الغرماء والحجر على المريض بما زاد على الوصية بالثلث والحجر على المكاتب إلى أن يقضي حقَّ سيده، والحجر على المشتري من التصرُّف في ماله حتى يقضي حق الثمن الحال، والحجر على الراهن فيما رهنه ونحو ذلك ممن عليه دين حال يعجز عنه ماله الموجود مدة الحجر، (فرع ثان) الحجر من حيث مصدره ينقسم إلى قسمين: أولهما: حجر يكون من الشارع كالحجر على الصبي، والمجنون، والسفيه، فهؤلاء يُحجر عليهم: سواء أذن حاكم أو لا، ثانيهما: حجر يكون من الحاكم كالحجر على المشتري من التصرف في ماله حتى يقضي ثمن السلعة التي اشتراها والحجر على الراهن فيما رهنه، والحجر على المريض فيما زاد على الوصية بالثلث، والحجر على المكاتب، فهؤلاء يُحجر عليهم وإن كانوا مكلَّفين، (فرع ثالث) الحجر جائز؛ بأقسامه =

стр. 1663

حبسه) وملازمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) فإن ادَّعى العسرة ودينه عن عوض كثمن وقرض أولا، وعرف له مال سابق الغالب بقاؤه، أو كان أقرَّ بالملاءة: حُبس إن لِمَ يقم بينة تخبر باطن حاله وتسمع قبل حبسه وبعده، = السابقة لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ حيث حرم الشارع من تمكين السفيه ماله؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، وهومنع كما سبق، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ حيث دلَّ مفهوم الشرط على أن الصبي لا يُدفع له ماله، والمجنون مثله؛ لعدم الفارق في ضعف العقل عن الإدراك، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ حيث إن الشارع قد أمر بإنظار والصبر على المعسر - وهو المفلس -، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد حجر على معاذ على معاذ بسبب المحافظة على حق غرمائه، فإن قلت: لِمَ شرع الحجر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في الحجر حماية لحقوق الشخص نفسه من أن يُبذِّرها أو يأكلها الظلمة من الناس كالحجر على المجنون والصبي، والسفيه، وحماية لحقوق الغرماء كالحجر على المفلس ونحوه - كما سبق -. (٢) مسألة: إذا كان الشخص عليه دين، ولم يقدر على وفائه، وكان صادقًا في ذلك: فلا يجوز لغريمه أن يُطالبه، ولا يحجر عليه، ويحرم سجنه، أو معاقبته، أو ملازمته؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ حيث إن الشارع أمر الغريم بأن يصبر على هذا المعسر الصادق إلى حين يساره وسعته، والأمر بالشيء نهي عن ضدِّه، فيلزم من ذلك: تحريم معاقبته بالحبس أو الملازمة، فإن قلتَ: لَم شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن معاقبته بأي شيء لا فائدة من ورائها؛ لكونه لا مال له، ولقد ورد في فضل الإنظار والتوسعة على الآخرين أخبار كثيرة، كقوله ﵇: "من نفَّس عن غريمه، أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة".

стр. 1664

وإلا حلف، وخُلِّي سبيله (٣) (ومن له قدرة على وفاء دينه: لِمَ يُحجر عليه)؛ لعدم الحاجة إلى الحجر عليه (وأُمر) أي: وجب على الحاكم أمره (بوفائه) بطلب غريمه؛ لحديث: "مطل الغني ظلم" (٤)، (٣) مسألة: إذا ادَّعى الشخص الإعسار وعليه دين عن عوض كثمن سلعة اشتراها، أو لم يكن عوضًا عن سلعة كقيمة متلف، أو أرش جناية، وعُلِم أن له مالًا سابقًا باقيًا غالبًا، أو أن ذلك الشخص قد أقرَّ بأنه مليء: فإنه يُعاقب بالحبس إن لم يثبت بينة على أنَّه مُعسر، لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء المال الذي عُلم أنَّه يملكه، أو أقرَّ به فعُوقب بالحبس؛ لأجل أن يفي بما عليه بما ثبت عنده عملًا بالأصل؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من إقامة البيِّنة على إعساره المخبرة عن حاله: عدم معاقبته بالحبس، لعدم الفائدة من ذلك (فرع): يكفي أن يشهد معه اثنان بأنه مُعسر، ولا يُحتاج إلى اليمين؛ للقياس؛ بيانه: كما يكفي في إثبات كثير من الأمور اثنان، فكذلك الحال هنا والجامع: حصول الثقة فيما شهد، به، (فرع ثان) إذا لم يُعرف له مال، ولم يقر بشيء وادَّعى الإعسار: فإنه يحلف، ولا يُطلب منه بيّنة ولا يُحبس. للتلازم؛ حيث إن عدم العلم بمال عنده مع يمينه يلزم منه صدقه بما يقول غالبًا، فإن قلتَ: لم وجبت اليمين؟ قلتُ: احتياطًا؛ حيث إنها تُغلِّب الظن بصدقه؛ لكونه في مرتبة المنكر، (فرع ثالث): البيِّنة التي تثبت بها إعساره تسمع قبل الحبس وبعده؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز سماع البيّنة منه قبل الحبس: فإنها تسمع منه بعده، والجامع: الحرص على مصلحته ورفع الحبس عنه. (٤) مسألة: إذا كان الشخص قادرًا على وفاء دينه: فإنه لا يُحجر عليه، بل إن غريمه إذا طلب حقه منه: فإنه يجب على الحاكم أن يُرغم ذلك الشخص بأن يوفي ما عليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "مطل الغني ظلم" =

стр. 1665

ولا يترخَّص من سافر قبله (٥)، ولغريم من أراد، سفرًا منعه من غير جهاد مُتعيِّن حتى يُوثق برهنٍ محرز، أو كفيل مليء (٦) (فإن أبى) القادر وفاء الدَّين الحال: (حُبس بطلب = وهذا غني؛ لقدرته على وفاء ما عليه، فامتناعه عن الوفاء مع قدرته عليه يُعتبر ظلمًا ومماطلة لا يقوى على رفعه إلّا الحاكم، فيُرغمه عليه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من قدرته على الوفاء: عدم الحاجة إلى الحجر عليه؛ إذ يُمكن للغريم مطالبته في الحال، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لأكل أموال الناس بالباطل. (٥) مسألة: إذا سافر زيد المدين قبل وفاء دينه مع قدرته، وبعد مطالبة غريمه له بعد حلول أجله: فلا يجوز لزيد أن يأخذ برخص السفر كقصر الصلاة، أو الإفطار في رمضان، أو التنفُّل على الراحلة؛ للتلازم؛ حيث إنه ماطل وهو غني، فيكون بذلك ظالمًا، والظلم فسق ومعصية، فيلزم عدم جواز الترخُّص بسفره هذا؛ لأنه سفر معصية، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية لحقوق الآخرين. (٦) مسألة: إذا أراد زيد المدين لبكر دينًا قد حلَّ: فإنه يجب عليه أن يستأذن بكرًا فإن أذن له: سافر، وإن لِمَ يأذن له لا يجوز لزيد أن يسافر، ولبكر منعه من السفر بالقوة إلّا إذا رهن زيد عند، بكر رهنًا محرزًا للدَّين، أو كفله وضمنه شخص آخر مليء يستطيع أن يُوفي بدينه إن لِمَ يرجع وهذا السفر مطلق، أي: سواء كان ذلك السفر قصيرًا، أو طويلًا، وسواء كان سفر طاعة أو معصية، وسواء كان سفرًا مخوفًا أو آمنًا؛ للمصلحة: حيث إن سفره يتسبَّب في تأخير حق الغريم، ورجوعه لا يغلب على الظن فلزم من ذلك أن له حق المنع، ولأنه قد يُوسر في البلد الذي سافر إليه فلا يتمكّن غريمه من إحضاره كما قال ذلك ابن تيمية. (فرع): إذا سافر زيد المدين يُريد الجهاد في سبيل الله وهو مُتعيِّن عليه: بأن نادى به إمام المسلمين، أو دخل الكفار بلاد المسلمين؛ ليصرفوهم عن دينهم: فإن =

стр. 1666

ربِّه) ذلك؛ لحديث: "لي الواجد ظلم يحلُّ عرضه وعقوبته" رواه أحمد، وأبو داود وغيرهما، قال الإمام: قال وكيع: عرضه شكواه، وعقوبته: حبسه" فإن أبى: عزّره مرَّة بعد أخرى (٧) (فإن أصرَّ) على عدم قضاء الدَّين (ولم يبع ماله: باعه الحاكم وقضاه)؛ لقيامه مقامه، ودفعًا لضرر رب الدَّين بالتأخير (٨) (ولا يُطالب) مدين (بـ) دين (مؤجَّل)؛ لأنه لا يلزمه أداؤه قبل حلوله، ولا يُحجر عليه من أجله (٩) (ومن = زيدًا يُسافر بدون إذن غريمه - وهو بكر - ولا يملك منعه؛ للمصلحة: حيث إن مصلحة الدفاع عن الإسلام والمسلمين أعظم من مصلحة وفاء دينه لغريمه؛ لعظم نفعه؛ حيث إنه إذا تعارضت مصلحتان: قدمت أعمهما نفعًا. (٧) مسألة: إذا أبى المدين - وهو زيد - وامتنع عن وفاء دينه وهو قادر عن الوفاء: فإنه يُجبر على الوفاء بالتعزير بأي شيء يراه الحاكم مناسبًا له: فإن كان الحبس يُناسبه حبس، وإن كان الضرب يُناسبه: ضُرب، ونحو ذلك، هذا إذا طالبه غريمه فامتنع؛ للسنة القولية حيث قال ﵇: "ليُّ الواجد ظلم يحلُّ عرضه وعقوبته" والمراد بالعرض: شكواه إلى الحاكم والتشهير به، والمراد بالعقوبة: تعزيره بحبس ونحوه، كما ورد عن كثير من العلماء، فالقادر إذا ماطل: فإنه يكون ظالمًا، والظالم يُعاقب بأيِّ عقاب يردعه، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق الآخرين. (٨) مسألة: إذا أصرَّ المدين القادر على عدم قضاء دينه، وصبر على الحبس والتعزير: فإن الحاكم يبيع ماله أملاك ويقضي دينه؛ للمصلحة: حيث إن عدم قضاء المدين لدينه قدرته يُعتبر ظلمًا لرب الدَّين - وهو الدائن - فإن أخَّر عنه حقَّه وهو ضرر عليه، والمسؤول لرفع الظلم والضرر بين الناس هو الحاكم؛ لقيامه مقامهم في ذلك، قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". (٩) مسألة: الدَّين الذي على هذا القادر لا يجوز أن يُطالب به قبل وقت حلوله ولا يُحجر عليه بسببه؛ للتلازم؛ حيث إن هذا الدَّين لا يجب على المدين أداؤه قبل =

стр. 1667

ماله لا يفي بما عليه) من الدَّين (حالًا: وجب) على الحاكم (الحجر عليه بسؤال غرمائه) كلهم (أو بعضهم)؛ لحديث كعب بن مالك: "أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ، وباع ماله" رواه الخَلَّال بإسناده (١٠) (ويُستحب إظهاره) أي: إظهار حجر المفلس، وكذا: السفيه؛ ليعلم الناس بحاله، فلا يُعاملوه إلا على بصيرة (١١) (ولا ينفذ تصرُّفه أي المحجور عليه لفلس (في ماله) الموجود، والحادث بإرث أو غيره (بعد الحجر) (١٢) = وقت حلوله فيلزم عدم جواز المطالبة به قبل ذلك الوقت، ويلزم من عدم حق المطالبة: عدم جواز الحجر عليه، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المدين من الغرماء. (١٠) مسألة إذا كان عند المدين مال لا يكفي بسداد الدَّين الذي عليه كله حالًّا: فيجب على الحاكم أن يحجر عليه إذا طلب كل غرمائه أو بعضهم ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن ﵇ قد حجر على معاذ، وباع ماله وأعطاه غرماءه، الثانية: فعل الصحابي، حيث إن عمر قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي الدفاع عن حقوق الآخرين. (١١) مسألة: إذا حُجر على شخص لإفلاسه، أو لسفهه: فإنه يُستحب إظهار ذلك بين الناسَ وإعلامهم، به ونشره بينهم؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عنهم: فلا يُعاملوه بأي معاملة؛ لئلا تضيع حقوقهم. (١٢) مسألة: إذا حُجر على شخص لإفلاسه: فلا يجوز له أن يتصرَّف في ماله الموجود عنده، أو ماله الذي حدث بسبب إرث أو جناية أرش، أو هدية أو وصية، أو صدقة وذلك بعد الحجر، فلا يتبرَّع لأحد منه، ولا يبيع شيئًا، ولا يوقفه؛ ولو تصرَّف فيه: لم ينفذ؛ للقياس؛ بيانه كما أن الراهن لا يتصرَّف بالعين المرهونة عند المرتهن بأي تصرُّف فكذلك المحجور عليه مثله، والجامع: أن مال المحجور عليه، والعين المرهونة ليست للمحجور عليه ولا للراهن، ولا يجوز التصرُّف في =

стр. 1668

بغير وصية أو تدبير (١٣) (ولا إقراره عليه) أي: على ماله؛ لأنه محجور عليه (١٤)، وأما تصرُّفه في ماله قبل الحجر عليه فصحيح؛ لأنه رشيد غير محجور عليه (١٥)، لكن يحرم عليه الإضرار بغريمه (١٦) (ومن باعه أو أقرضه شيئًا) قبل الحجر، ووجده باقيًا بحاله، = مال الغير، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه المحافظة على مال الغرماء. (١٣) مسألة: يجوز للمحجور عليه أن يُوصي بالثلث وما دونه من ماله أو أن يُعتق مدبّرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الوصية والمدبّر لا تنفَّذ إلا بعد الوفاء بالدَّين بعد موت الموصي: جوازه للمحجور عليه؛ لكون الحجر انفكّ بالوفاء. (١٤) مسألة: لا يجوز للمحجور عليه قراره على ماله؛ للتلازم؛ حيث إن حقوق الغرماء متعلِّقة بأعيان ماله فلزم: عدم جواز إقراره عليه؛ لعدم جواز إقراره على مال غيره. (١٥) مسألة: إذا كان زيد عليه دين لبكر، ولم يطلب بكر الحجر عليه، وتصرَّف زيد، في ماله ببيع وهبة وصدقة وإقرار ونحو ذلك فإن هذا التصرُّف يصح وينفذ؛ للقياس؛ بيانه: كما أن غير المدين يتصرَّف بماله وينفذ تصرُّفه فكذلك المدين غير المحجور عليه مثله والجامع: إن كلًّا منهما رشيد غير ممنوع من تصرفه بسبب حجر ولا غيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. (١٦) مسألة: إذا كان زيد عليه دين لبكر، ولم يطلب بكر الحجر عليه: فإنه يحرم على زيد أن يتصرَّف بشيء من ماله تصرُّفًا يضرُّ بغريمه - وهو بكر -؛ للقياس؛ بيانه: كما يحرم على المريض مرض الموت أن يتصرَّف بشيء من ماله يضرُّ ببعض الورثة أو كلهم، فكذلك المدين - وهو زيد هنا - غير المحجور عليه مثله، والجامع: أن مال كل منهما حقٌّ لغيره: فمال المريض هنا حق للورثة، ومال المدين حق للغرماء، فإن قلتَ: لَم شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق =

стр. 1669

ولم يأخذ شيئًا من ثمنه: فهو أحقُّ به؛ لقوله ﵇: "من أدرك متاعه عند إنسان أفلس فهو أحق به" متفق عليه من حديث أبي هريرة وكذا: لو أقرضه أو باعه شيئًا (بعده) أي: بعد الحجر عليه (رجع فيه) إذا وجده بعينه (إن جهل حجره)، لأنه معذور بجهل حاله (١٧) (وإلا) يجهل الحجر عليه: (فلا) رجوع له في عينه؛ لأنه دخل على بصيرة، ويرجع بثمن المبيع، وبدل القرض إذا انفكَّ حجره (١٨) (وإن تصرَّف) = أرباب الحقوق بكل طريق، وسدٌّ لأي طريق يُفضي إلى إضاعتها كما قال ابن القيم (فرع): لا يصحُّ أن يتصدَّق أو يتبرَّع المدين حتى يوفي دينه، ولا يصح أن يتصدق أو يتبرع من وجبت عليه نفقة أولاده أو أهل بيته بحيث يضربهم؛ للمصلحة: حيث إن الوفاء بالدَّين، والنفقة الواجبة مصلحتهما مقدمة على مصلحة النوافل؛ حيث إنه إذا تعارضت مصلحتان: قُدمت أعظمهما نفعًا. (١٧) مسألة: إذا كان زيد عليه دين لغرماء، فباع محمد على زيد ثيابًا، أو أقرضه مائة ريال مثلًا قبل الحجر على زيد أو بعد الحجر عليه وهو جاهل لهذا الحجر: فوجد محمد تلك الثياب على حالها، والألف على حاله ولم يأخذ محمد من ثمن ذلك، ولم يبرأه منه: فإن محمدًا يكون أحقُّ بتلك الثياب، والقرض من بقية الغرماء عند ثبوت إفلاس زيد والحجر عليه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أدرك متاعه عند إنسان أفلس فهو أحقُّ به حيث إن ذلك يعمُّ المفلس المحجور عليه وغير المحجور عليه فإن قلتَ: إنه يكون كغيره من الغرماء في ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تفريط محمَّد من عدم السؤال عن زيد: أن لا يُقدَّم على غيره قلتُ: إن هذا لا يلزم؛ وهو لم يُقصَّر بعدم السؤال ولم يُفرِّط؛ لأن الغالب على الناس عدم الحجر، فهو معذور بجهل حاله فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض التلازم مع السنة". (١٨) مسألة: إذا باع محمد على زيد المدين أو أقرضه بعد الحجر عليه ومحمد يعلم أنه محجور عليه: فإنه لا يستحق الرجوع بعين ما باعه عليه، بل يرجع بثمن المبيع، =

стр. 1670

المفلس (في ذمَّته) بشراء، أو ضمان، أو نحوهما (أو أقرَّ) المفلس (بدين أو) أقرَّ بـ (جناية توجب قودًا، أو مالًا: صح) تصرُّفه في ذمَّته، وإقراره بذلك؛ لأنه أهل للتصرُّف، والحجر متعلِّق بماله، لا بذمَّته (ويُطالب به) أي: بما لزمه من ثمن مبيع ونحوه، وما أقرَّ به (بعد فكَّ الحجر عنه)؛ لأنه حق عليه، وإنما منعنا تعلُّقه بماله؛ لحق الغرماء، فإذا استوفي: فقد زال العارض (١٩) (ويبيع الحاكم ماله) أي: مال المفلس الذي ليس من جنس الدَّين بثمن مثله، أو أكثر (ويُقسِّم ثمنه) فورًا (بقدر ديون غرمائه الحالَّة؛ لأن هذا هو جلُّ المقصود من الحجر عليه، وفي تأخيره مطل، وهو = وبدل القرض بعد فكِّ الحجر عن زيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن محمدًا لو اشترى سلعة معيبة وهو يعلم عيبها فإنه يصبر على ذلك العيب وليس له حق لردّها بهذا العيب، فكذلك إذا باع سلعة على شخص محجور عليه أو قرضه فإنه يصبر عليه حتى يُفكُّ هذا الحجر والجامع: أن كلًّا منهما قد أتلف ماله بنفسه بسبب ذلك؛ لكونه قد دخل في تلك المعاملة وهو على بصيرة وعلم بذلك، فإن قلت: لِمَ لا يستحق عين ما باعه عليه، بخلاف مسألة (١٧)؟ قلتُ: لأنه دخل في هذه المسألة المعاملة على بصيرة وعلم بأنه محجور عليه فيتحمَّل ما يصيبه، أما في مسألة (١٧): فقد دخل في المعاملة وهو جاهل أنَّه محجور عليه فيعذر. (١٩) مسألة: إذا تصرَّف المفلس بعد الحجر عليه في ذمَّته، لا بماله: بأن اشترى دارًا على أجل، أو أقرَّ بجناية تُوجب مالًا كقوله: "أقرُّ بأني أنا الذي جرحتُ فلانًا" أو توجب قَوَدًا، أو ضمن أحدًا ونحو ذلك: فإن هذا يصح، ويُطالب بما تصرَّف به والتزم به في ذمَّته بعد أن يُفكَّ الحجر عنه: سواء طال الزمن أو قصر، للتلازم؛ حيث يلزم من تعلُّق الحجر بماله لا بذمَّته: صحَّة تصرفه بذمَّته، ويلزم من فكِّ الحجر عنه: زوال العارض من الوفاء بما التزم به في ذمته لأنه حق عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على حقوق الغرماء؛ لكون حقهم متعلقًا بماله.

стр. 1671

ظلم لهم (٢٠) (ولا يحلُّ) دين (مؤجَّل بفلس) مدين؛ لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه (٢١) (ولا) يحلُّ مؤجّل أيضًا (بموت) مدين (إن وثَّق ورثته (٢٠) مسألة: إذا تمَّ الحجر على المفلس: فللحاكم - وهو القاضي - أن يبيع ماله الذي ليس من جنس الدَّين بثمن يكون نقدًا للبلد، أو أكثره رواجًا أو الأصلح، أو ببيعه بشيء من جنس الدين الذي عليه، وإذا باعه فيجب عليه - أي أعلى القاضي -: أن يُقسِّم هذا الثمن مباشرة على غرماء هذا المفلس بقدر ديونهم الحالَّة، أما المؤجَّلة: فلا تدخل في هذا التقسيم؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه رد لحقوق الغرماء، وإبراء لذمَّة المفلس، وقطعًا للتنازع والخلافات؛ لأن تأخير التقسيم فيه مطل وظلم للآخرين، وهذا هو المقصود من مشروعية الحجر، فإن قلتَ لِمَ شُرع بيع ماله الذي ليس من جنس الدَّين فقط؟ قلتُ: لأن ماله الذي هو من جنس الدَّين لا حاجة إلى بيعه، وإنما يلزم الحاكم تقسيمه، (فرع): يُستحب إحضار المفلس المحجور عليه عند تقسيم ماله على غرمائه؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد أحضر الرجل الذي ابتاع ثمارًا، فكثُر دينه، فقال النبي ﵇: "تصدقوا عليه" فلم يبلغ وفاء دينه، فقال لغرمائه: "خذوا ما وجدتم فليس لكم إلّا ذلك" (فرع ثان) عند تقسيم مال المفلس على الغرماء يُبدأ بما عليه من أرش جناية، ثم يُثنَّى بمن عليه رهن لازم، ثم يأخذ الغريم الذي وجد متاعه بعينه عنده إن كان جاهلًا بالحجر عليه عند، بيعه - كما سبق - ثم يُقسَّم باقيه بين الغرماء على قدر ديونهم؛ لقاعدتين الأولى: السنة الفعلية وقد، سبقت، الثانية: التلازم؛ حيث إن الشارع قد اهتمَّ بالجنايات وكل خاص فلزم تقديم ذلك على العام؛ تقديمًا للأهم على المهم. (٢١) مسألة: إذا كان زيد عليه دين لبكر، وهو مؤجَّل لا يحلُّ دفعه إلّا بعد سنة، فأفلس زيد بعد ستة أشهر مثلًا: فلا يحلُّ لبكر أن يُطالب زيدًا بدينه بسبب هذا الفلس، بل يبقى الدَّين على حاله، لا يجب الوفاء به إلّا بعد، سنة؛ للتلازم؛ حيث =

стр. 1672

برهن) يحرز (أو كفيل مليء) بأقل الأمرين من قيمة التركة، أو الدَّين؛ لأن الأجل حق للميت، فورث عنه كسائر، حقوقه، فإن لِمَ يُوثقوا: حلَّ: لغلبة الضرر (٢٢) (وإن ظهر غريم) للمفلس (بعد القسمة) لما له: لِمَ تُنقض و (رجع على الغرماء بقسطه)؛ لأنه لو كان حاضرًا شاركهم فكذا: إذا ظهر (٢٣)، وإن بقي على المفلس بقية وله صنعة: = يلزم من كون الأجل حقًّا من حقوق المفلس: عدم سقوطه - وهو الأجل - بسبب فَلَسه؛ لأنه لا دخل للأجل في الفَلَس، ولا دخل للفلس بالأجل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المفلس. (٢٢) مسألة إذا كان على زيد دين لبكر، وهو مؤجَّل، لا يحل دفعه إلّا بعد سنة، فمات زيد قبل نهاية السنة تلك مثلًا: فلا يحلُّ لبكر أن يُطالب ورثة زيد بدينه بشرط: أن يُوثّق الورثة أو غيرهم رب الدَّين - وهو بكر - بأن يرهنوا عنده عينًا تساوي ذلك الدين الذي على زيد أو تساوي التركة، أو أن يكفل مليء الأقل من الدَّين، أو التركة، أما إن لِمَ يكن هناك رهن أو كقيل: فإنه يحلُّ لبكر أن يُطالب الورثة بدينه بسبب موت المدين - وهو زيد -، ولو لم تنقض السنة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من أن الورثة يرثون سائر حقوق مُورِّثهم: أن يرثوا الأجل الذي يحل فيه دين بكر؛ لكونه حقًّا من حقوق الميت - وهو زيد -؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن الغالب وجود الضرر على صاحب الدَّين إذا مات المستدين، فلا يقوم الورثة أو بعضهم بسداد ما على مُورِّثهم، فاشتُرط ذلك الشرط عليهم من رهن أو كفيل احتياطًا لحق صاحب الدين، وهو الغريم - وهو بكر هنا -؛ لرفع الضرر عنه، ولحمايته. (٢٣) مسألة: إذا قسَّم القاضي مال المفلس على غرمائه، ثم بعد ذلك: ظهر غريم له قد حلَّ دينه على ذلك المفلس: فلا تُنقض تلك القسمة، بل يُشارك الغرماء الذين قُسِّم عليهم المال سابقًا بقسطه وحصَّته، ويُؤخذ من كل غريم شيء ليكمل نصيب ذلك الغريم الذي ظهر أخيرًا، ويكونوا سواء على حسب نسبة دينهم: وهذا =

стр. 1673

أجبر على التكسُّب لوفائها كوقف، وأُمِّ ولدٍ يستغني عنهما (٢٤) (ولا يفكُّ حجره إلّا = مطلق، أي: سواء تصرَّف أولئك الغرماء السابقين فيما قُسِّم عليهم من قبل أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنَّه لو قُسِّمت تركة شخص على ورثته، ثم بعد ذلك ظهر وارث آخر، فإنه يشارك الورثة السابقين بقسطه وحصَّته فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا من الوارث الجديد والغريم الجديد له حقٌّ ثابت، لا يسقط بالقسمة، فإن قلتَ: لَم شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إيصال الحقوق لمستحقيها. (٢٤) مسألة: إذا قُسِّم مال المفلس، وبقي عليه بعض الدَّين، وله صنعة: فإنه لا يُجبر على التكسُّب لأجل أن يقوم بوفاء هذا الباقي، بل يكتفي الغرماء بما قُسِّم عليهم من مال المفلس؛ للسنة القولية حيث قال ﵇: للغرماء الذين قسَّم عليهم مال رجل قد أفلس: "خذوا ما وجدتم، فليس لكم إلّا ذلك" فنفى أن يكون للغرماء شيء غير ما قُسِّم، وهذا عام فيشمل من بقي عليه من الدَّين شيء، ويشمل غيره، وأثبت أن ما أخذوه هو حقهم ولا يُطالبون المفلس بما نقص؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للتنازع في الباقي ووقته، فإن قلت: بل يُجبر على التكسُّب لوفاء ما نقص، أو يُؤجِّر وقفًا وقف عليه أو يُؤجِّر أم ولد يستغني عنهما حتى يفي ما بقي عليه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إنه بذلك يقدر على وفاء ما بقي فيلزم أن يُجبر عليه قلتُ هذا لا يلزم أن يُجبر عليه كما لا يُجبر على قبول صدقة أو هدية، أو قرض أو نحو ذلك لأجل وفاء ما بقي؛ للمصلحة؛ حيث إن إجباره على ذلك سيُلحق به ضرر المنَّة وضرر طول الانتظار، فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف هل يُوجد ضرر على المفلس إن أُجبر على التكسُّب لوفاء ما بقي من دينه أولا؟ " فعندنا: يُوجد ضرر فدفعًا له: لا يُجبر، وعندهم: لا.

стр. 1674

حاكم)؛ لأنه ثبت بحكمه، فلا يزول إلّا به، وإن وفَّى ما عليه: انفكَّ الحجر بلا حاكم؛ لزوال موجبه (٢٥). فصل: في المحجور عليه لحظِّه (ويُحجر على السفيه، والصغير، والمجنون لحظِّهم)؛ إذ المصلحة تعود عليهم، بخلاف المفلس والحجر عليهم عام في ذممهم ومالهم، ولا يحتاج لحاكم، فلا يصح تصرفهم قبل الإذن (٢٦) (ومن أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا) أو (٢٥) مسألة: ينفك الحجر عن المفلس في حالتين: الحالة الأولى: إذا وفَّى وقضى كل ما عليه، ولم يبق عليه شيء من الدَّين عليه: فإن هذا ينفكّ عنه الحجر بنفسه بدون حكم حاكم؛ للتلازم؛ حيث إن سبب الحجر هو: الإفلاس، وطلب الغرماء لحقهم، فزال هذا السبب بوفاء المفلس جميع ما عليه: فيلزم منه زوال الحجر بنفسه، بدون الحاجة إلى حكم حاكم. الحالة الثانية: إن قضى المفلس بعض ما عليه بعد تقسيمه على الغرماء كل بحسب حصته ولم يستطع وفاء ما بقي: فإن الحجر لا يفكه إلا الحاكم، لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن السفيه يُحجر عليه بعد اختباره من قبل الحاكم، ولا يفك الحجر عنه إلا حاكم بعد اختبار رشده فكذلك المفلس مثله والجامع: أن الحاكم هو المستطيع لذلك الثانية: التلازم؛ حيث إن ثبوت إفلاس إنسان لا يكون إلا بعد دقة في البحث واستقصاء تام، ولا يقوى على ذلك إلّا الحاكم، وكذا: لا يقوى على إيقاف الغرماء إن أرادوا مطالبة المفلس بما بقي إلا الحاكم فلزم من ذلك: أنَّه هو الذي يفكُّ الحجر عنه، ويحميه من الآخرين، وهو المقصد منه تنبيه: ما سبق كله هو الكلام عن قسم: من حُجر عليه من أجل المحافظة على حقوق الآخرين، وما سيأتي هو: الكلام عن قسم من حُجر عليه من أجل المحافظة على حقوقه. (٢٦) مسألة: يجب أن يُحجر على السفيه - إذا ظهر منه تبذير ماله -، والصغير، والمجنون بدون إذن حاكم، وهذا الحجر يكون في مالهم وفي ذممهم، وإذا أراد =

стр. 1675

وديعة ونحوها: (رجع بعينه) إن بقي؛ لأنه ماله (وإن) تلف في أيديهم، أو (أتلفوه: لم يضمنوا)؛ لأنه سلَّطهم عليه برضاه: علم بالحجر أو لا؛ لتفريطه (٢٧) (ويلزمهم أرش الجناية) إن جنوا؛ لأنه لا تفريط من المجنى عليه، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره (و) يلزمهم أيضًا (ضمان مال من لم يدفعه إليهم)؛ لأنه لا تفريط من المالك، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره (٢٨) (وإن تمَّ لصغير خمس عشرة سنة): حُكم = واحد منهم أن يتصرَّف ببيع أو شراء، أو إجارة فيجب أن يستأذن وليه للمصلحة: حيث إن هؤلاء قد ثبت ضعف عقولهم، فيغلب على الظن غشُّ الظلمة لهم في المعاملات، فيُحجر عليهم ويُمنعون من التصرُّف بأموالهم؛ حفظًا لها من الضياع، فإن قلت: لِمَ يُحجر على هؤلاء في أموالهم وذممهم والمفلس يُحجر في ماله فقط؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن حقَّ الغرماء قد تعلَّق في مال المفلس فقط دون ذمته؛ نظرًا لتحمُّل ذمته، أما هؤلاء فلا ذمَّة لهم، ولا أثر لخطاباتهم وتعهُّداتهم، فإن قلت: لِمَ لا يُحتاج إلى حكم حاكم في الحجر على هؤلاء؟ قلتُ: لأن عجزهم عن حسن التصرف وسهولة خداعهم معروف منتشر بين الناس، فلا يحتاج إلى حاكم يثبته. (٢٧) مسألة: إذا أعطى شخص سفيهًا، أو صغيرًا، أو مجنونًا ماله على سبيل البيع، أو القرض، أو الإجارة، أو الوديعة، أو العارية أو نحو ذلك مما عليه عوض: ذلك فإنه يرجع بعينه إن بقي بدون تلف، أما إن تلف ما أعطاهم إيّاه بموت حيوان، أو عبد، أو انهدام دار: فإن هؤلاء لا يضمنون ذلك له: سواء تلف بتعدٍّ منهم، أو لا، وسواء كان عالمًا بالحجر عليهم أو لا، للتلازم: حيث إن ما أعطاهم إيّاه ماله وحقه، وتصرفهم فاسد فيلزم من ذلك: أن عين ما أعطاهم إيّاه باق على ملكه فيأخذه بعينه، ويلزم من تسليطهم على تلك العين برضاه: أنهم لا يضمنون تلك العين، نظرًا لتفريطه؛ لكون الحجر عليهم مشتهر لا يجهله أحد. (٢٨) مسألة: إذا جنى سفيه، أو صغير، أو مجنون جناية على نفس، أو طرف، أو =

стр. 1676

ببلوغه؛ لما روى ابن عمر قال: "عرضتُ على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزني، وعُرِضت عليه يوم الخندَق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" متفق عليه (أو نبت حول قبله شعر خشن) حكم ببلوغه؛ لأن سعد بن معاذ لما حكم في بني قريضة بقتلهم، وسبي ذراريهم: أمر أن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت: فهو من المقاتلة، ومن لم يُنبت فهو من الذرية، وبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" متفق عليه (أو أنزل) حكم ببلوغه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢٩) = جرح؛ أو أتلف مالًا لغيره لم يدفع إليه كأن يحرق زرعًا، أو سيارة لغيره: فإنه يجب عليه أرش الجناية، ويضمن ما أتلفه، فيدفع وليه من ماله الأرش، والقيمة؛ لقاعدتين: الأولى التلازم؛ حيث إنه لا يُوجد تفريط من المجنى عليه، ولا من المالك للمال المتلف فيلزم من الجناية والإتلاف: دفع الأرش وقيمة المتلف من باب الحكم الوضعي، دون الحكم التكليفي؛ لأنه لما وجد السبب وهو الجناية والإتلاف - لزم وجود الحكم - وهو دفع الأرش وقيمة المتلف فلا تُشترط الأهلية، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لو لم تجب الدية، أو الأرش بسبب جناياتهم، ولم تجب قيمة المتلف بسبب إتلافاتهم: لأدَّى ذلك: أن يقوم بعض الظلمة بتسليط بعض السفهاء أو الصبيان، أو المجانين إلى أن يجنوا على آخرين، أو يتلفوا أموال آخرين، فيعم الضرر، فدفعًا لذلك: أوجب الشارع أن يدفعوا الأرش أو الدية بسبب جناياتهم، وأن يدفعوا قيمة ما أتلفوه، قال ابن القيم: "وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلّا بها". (٢٩) مسألة: ينفكُّ الحجر عن الصبي، ويُحكم ببلوغه بواحد من ثلاثة أمور: أولها: إذا بلغ من العمر خمس عشرة سنة مع وجود الرشد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد أجاز القتال لابن عمر يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، في حين أنه لَم يجزه يوم أحد وهو له أربع عشرة سنة، وهذا يلزم منه: أن سن البلوغ =

стр. 1677

(أو عقل مجنون، ورشدا) أي: من بلغ وعقل (٣٠) (أو رشد سفيه: زال حجرهم)؛ لزوال علَّته، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣١) (بلا = خمس عشرة سنة ثانيها: إذا نبت حول قُبُلُه شعر خشن - وهو شعر العانة - مع وجود الرشد؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن سعد بن معاذ لما جُعل له الحكم على بني قريظة: قد حكم أن يُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم فكان ﵁ يكشف عن عانة الذكر منهم فإن كان قد نبت شعره: فيؤمر بقتله؛ لبلوغه، ومن لم ينبت له شيء: فهو من السبايا - فيكون صغيرًا - فأقرَّه ﵇ على ذلك، ثالثها: إذا نزل المني من الشخص يقظة أو منامًا باحتلام أو عن طريق الجماع، مع وجود الرشد؛ فإنه يحكم ببلوغه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾؛ والمراد بالحلم هو: رؤية الطفل المني يخرج منه، لذلك أوجب الشارع أن يستأذنوا عند دخولهم على أهلهم؛ لئلا يطَّلعوا على عوراتهم؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، فإن قلت: لِمَ جُعلت هذه الأمور هي حدُّ البلوغ وانفكاك الحجر عنهم؟ قلتُ: لأن الصبي إذا وصل إلى هذا الحد من العمر، وثبت رشده: فإنه يُدرك حقائق الأمور، ولا يُغش في أكثر من المعاملات عادة وعرفًا. (٣٠) مسألة: ينفكُّ الحجر عن المجنون البالغ إذا عقل وميَّز بين الخير والشر، والنافع والضار، والحق والباطل، مع وجود رشده وإدراكه لحقائق الأمور؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يُفيق، والنائم حتى يستيقظ" والإفاقة هي: العقل والتمييز، فدلَّ مفهوم الغاية على أن المجنون إذا عقل، وميَّز بين الأمور: فإنه يُحكم بحسن تصرُّفه بماله، فيلزم فكُّ الحجر عنه، وهو المقصد منه، تنبيه: قوله: "ورشدا" يقصد رشد الصبي والمجنون، وقد سبق. (٣١) مسألة: ينفكُّ الحجر عن السفيه إذا رشد في عقله، وحفظ ماله، وتصرّف فيه =

стр. 1678

قضاء) حاكم؛ لأنه ثبت بغير حكمه فزال لزوال موجبه بغير حكمه (٣٢) (وتزيد الجارية) على الذكر (في البلوغ بالحيض)؛ لقوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة حائض إلّا بخمار" رواه الترمذي وحسَّنه (وإن حملت) الجارية: (حكم ببلوغها) عند الحمل؛ لأنه دليل إنزالها؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق الولد من مائهما، فإذا ولدت: حكم ببلوغها من ستة أشهر؛ لأنه اليقين (٣٣) (ولا ينفكُّ) الحجر عنهم (قبل = تصرُّف العقلاء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ فأوجب الشارع دفع المال لصاحبه إذا رشد وزال السفه مع بلوغ وعقل؛ لزوال المانع من دفعه إليهم؛ لأن الأمر في قوله "فادفعوا" مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ويلزم منه: انفكاك الحجر عنهم، ويعم هذا السفيه والمجنون، والصبي. (٣٢) مسألة: ينفكُّ الحجر عن الصبي، والمجنون، والسفيه إذا بلغوا، وعقلوا، ورشدوا بغير حكم حاكم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ثبوت الحجر عليهم بغير حكم حاكم: أن يزول بدون حكمه؛ نظرًا لزوال سببه وهو: الصبا، والجنون، والسفه. (٣٣) مسألة: ينفكُّ الحجر عن الصبية والأنثى، ويُحكم ببلوغها بواحد من خمسة أمور: أولها: إذا بلغت خمس عشرة سنة مع الرشد، ثانيها: إذا نبت حول قبلها شعر خشن - وهو شعر العانة - مع الرشد ثالثها: إذا أنزلت المني يقظة أو منامًا مع الرشد - وقد سبق ذكر قواعد ذلك في مسألة (٢٩) - رابعها: إذا حاضت، مع رشدها فتبلغ بذلك ويفك عنها الحجر، ولو لم تبلغ خمسة عشر عامًا، ولو لم تُنبت شعرًا، ولو لم تُنزل المني؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا يقبل الله صلاة حائض إلّا بخمار" فبيَّن أن الحائض تُقبل صلاتها الواجبة بشرط: وضع الخمار عليها، ولا تقبل صلاة إلّا من بلغ قبول واجب، خامسها: إذا حملت الأنثى مع رشدها: فيحكم ببلوغها ويُفكُّ عنها الحجر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من =

стр. 1679

شروطه) السابقة بحال، ولو صار شيخًا (٣٤) (والرشد: الصلاح في المال)؛ لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي: صلاحًا في أموالهم، فعلى هذا: يُدفع إليه ماله وإن كان مفسدًا لدينه ويُؤنس رُشده (بأن يتصرَّف مرارًا فلا يُغبن) غبنًا فاحشًا (غالبًا، ولا يبذل ماله في حرام) كخمر، وآلات لهو، (أو في غير فائدة) كغناء ونفط؛ لأن مَنْ صرف ماله في ذلك: عُدَّ سفيهًا (٣٥) (ولا يُدفع إليه) أي: الصغير = حملها: ثبوت إنزالها للمني؛ لكونها لا تحمل إلا إذا أنزلت مع الزوج قال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، والإنزال يثبت البلوغ (فرع): إذا ولدت: فإنه يُحكم ببلوغها قبل ولادتها بستة أشهر، للتلازم؛ حيث إن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فيلزم منه ثبوت بلوغها حين حدوث الحمل: لأنه لم يحدث إلّا بالإنزال، والإنزال من علامات البلوغ. (٣٤) مسألة لا يُفكُّ الحجر عن الصبي، والمجنون، والسفيه قبل البلوغ، والعقل، والرشد وزوال السفه - كما سبق في مسائل (٢٩ إلى ٣٣) - فإن لم يعقل، أو يرشد فلا يُفكُّ عنه الحجر ولو كان شيخًا كبيرًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ فعلَّق دفع المال على الرشد والعقل، ودلَّ مفهوم الشرط على أنه إذا لم يتبيَّن رشدهم وحسن تصرُّفهم في دينهم وأموالهم: فلا يدفع إليهم شيء من أموالهم، مهما كانت أعمارهم، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ وحماية لأموالهم من أن تضيع. (٣٥) مسألة: المقصود من الرشد: أن يكون صالحًا في إدارة أمواله فيُعطى ماله وإن كان فاسقًا وهذا له علامات: أولها: عدم وقوع الغبن عليه غبنًا فاحشًا، أو في غالب معاملاته: فإن وقع ذلك بأن اشترى سلعة بعشرة، وهي لا تساوي ستة: فليس براشد، ثانيها: أن لا يبذل ماله في أمور محرَّمة كأن يشتري الخمور ونحوها ثالثها: أن لا يبذل ماله في أمور لا فائدة منها في الآخرة، ولا في الدنيا كشرائه =

стр. 1680

(حتى يختبر)؛ ليُعلم رشده (قبل بلوغه بما يليق به)؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية، والاختبار يختص بالمراهق الذي يعرف المعاملة والمصلحة (٣٦) (ووليهم) أي: = الحيوانات ليلعب بها أو شراء شيء ليحرقه، فمن فعل هذه الأمور الثلاثة، أو أحدها: فليس براشد، ويُعتبر سفيهًا، فيستمر الحجر عليه؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد فسَّر الرشد الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ بالصلاح في المال فقط، وتفسير الصحابي حجة الثانية: التلازم؛ حيث إن توفر تلك الأمور الثلاثة يلزم منها الحكم غالبًا برشد وصلاح المتوفَّرة فيه في العادة والعرف، فإن قلتَ: إن المقصود من الرشد الصلاح في المال والدِّين، وهو قول الشافعي وابن عقيل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إفساده في دينه: عدم الثقة في حفظ ماله قلتُ: هذا لا يلزم فقد يكون الفاسد أصلح من الصالح في دينه في حفظ ماله، وقد يكون العكس، وقد يتساويان، ومع هذا الاحتمال لا يلزم ما ذكرتموه فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الفاسق في دينه هل يلزم منه: عدم حفظ ماله أولا؟ " فعندنا: لا يلزم، وعندهم: يلزم، فائدة: بعضهم يُسمِّي إحراق ماله للتفرج "نفطًا" بكسر النون، وهو من السفه لذلك يحجر على فعل من مثل ذلك. (٣٦) مسألة: الصبي المميز الذي يعرف بعض المعاملات، وما تقتضيه مصلحته فيها: يجب على وليه أن يُجري عليه بعض الاختبارات التي تليق به وتناسبه في بيع وشراء ونحو ذلك، فإن ثبت صلاحه ورشده في ذلك بعلامات قد سبق ذكرها - في مسألة (٣٥) -: فإنه يُدفع إليه ماله ويُفك حجره عند بلوغه مباشرة بعلاماته - المذكورة في مسألتي (٢٩ و ٣٣) - وإن لم يثبت صلاحه ورشده: فلا يُدفع إليه شيء من ماله للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ فأوجب الشارع على الولي أن يختبر الصبي والصبية قبل سن البلوغ؛ لأن الأمر في قوله: "وابتلوا" مطلق فيقتضي =

стр. 1681

ولي السفيه الذي بلغ سفيهًا واستمر، والصغير والمجنون (حال الحجر: الأب) الرشيد، العدل ولو ظاهرًا؛ لكمال شفقته (ثم وصيُّه)؛ لأنه نائبه ولو بُجعْل، وثمَّ متبرِّع (ثم الحاكم)؛ لأن الولاية انقطعت من جهة الأب: فتعيّنت للحاكم (٣٧)، ومن = الوجوب، ولأن لفظ "اليتامى" يلزم منه: أن وجوب الابتلاء والامتحان يكون قبل البلوغ؛ لكون البالغ لا يُسمَّى يتيمًا، ودلَّت الآية - أيضًا - على أن الولي إذا ثبت لديه رشد ذلك الصبي - أو الصبية -: فإنه يدفع له ماله، ودلّ مفهوم الشرط على عدم دفع الولي للصبي ماله إن لم يثبت رشده وصلاحه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن تأخير الاختبار إلى ما بعد بلوغه يؤدِّي إلى استمرار الحجر عليه مُدَّة أطول، فتضيع عليه بعض مصالحه، فدفعًا لذلك شرع هذا الحكم. (فرع): الولي لا يدفع للبالغ الرشيد ماله إلّا بعد أن يُشهد على ذلك شهود معتبرين ويكتب الرشيد قرارًا بذلك؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية للولي من أن يُطالبه ذلك البالغ الرشيد بعد ذلك بشيء من ماله، أو يدَّعي عليه بأي دعوى. (٣٧) مسألة: الأب العادل الرشيد هو الذي يتولَّى مال السفيه والصبي والمجنون حال الحجر، فإن لم يُوجد أب، فإن الذي يتولَّى ذلك وصيُّه ولو ببدل وجُعْل، فإن لم يُوجد وصي، فإن الذي يتولّى ذلك أيُّ شخص تبرَّع بالولاية وهو صالح لها، فإن لم يُوجد متبرِّع: فإن الذي يتولى ذلك: الحاكم العادل - وهو القاضي - وللقاضي أن يُولِّي من شاء ممن يراه صالحًا لذلك؛ للمصلحة: حيث إن الأب العادل الرشيد أشفق على أولاده عادة فقُدِّم؛ فيكون أحفظ للمال، ثم وصيه؛ إذ لا يُوصي الأب عادة إلّا من كان مثله في الشفقة على أولاده، فقُدِّم، ثم متبرِّع بالولاية؛ لكون المتبرِّع في العادة أخلص من غيره، فقُدِّم، ثم الحاكم العادل القوي لكونه ولي من لا ولي له: (فرع): الولاية على هؤلاء لا تحتاج إلى حكم حاكم إلا إذا امتنع بعضهم من طاعة الولي، فيُرجع إلى الحاكم ليُقرِّر ذلك. (فرع =

стр. 1682

فُكَّ عنه الحجر فسفه: أعيد عليه، ولا ينظر في ماله إلّا الحاكم كمن جُنَّ بعد بلوغ ورُشْد (٣٨) (ولا يُتصرَّف لأحدهم وليُّه إلا بالأحظ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ والسفيه والمجنون في معناه (٣٩)، (ويتَّجر) ولي المحجور عليه (له مجَّانًا) أي: إذا اتَّجر ولي اليتيم في ماله كان الربح كله لليتيم؛ لأنه نماء ماله فلا يستحقه غيره إلّا بعقد، ولا يعقد الولي لنفسه (٤٠) = ثان) تشترط العدالة في كل ولي؛ إذ لا ولاية بلا عدالة للمصلحة، وهي واضحة. (٣٨) مسألة: إذا فُكَّ الحجر عن شخص، ودُفع إليه ماله ثم صار سفيهًا بعد ذلك: فإنه يُعاد إليه الحجر، ويُمنع من التصرُّف بماله، والذي يفعل ذلك هو الحاكم فقط، دون الأب ونحوه؛ للقياس؛ بيانه كما أن الشخص البالغ العاقل الراشد لو جُنَّ فإنه يحجر عليه الحاكم، ويمنعه من التصرُّف في ماله فكذلك الشخص إذا سفه مثله والجامع: وجود سبب الحجر فيلزم وجود حكمه وهو: الحجر، فإن قلتَ لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لمال المحجور عليه، فإن قلتَ: لِمَ لا يحجر عليه إلّا الحاكم دون غيره؟ قلتُ: لأن هذا السفه والجنون حدث بعد رشده، ولا مدخل للأب فيه بعد رشده، وما لا مدخل للأب فيه: فإنه يُرجع فيه إلى الحاكم. (٣٩) مسألة: إذا تولّى شخص على صبي ومجنون وسفيه: فلا يجوز له أن يتصرَّف في أموالهم إلا بالأحظ، والأحوط والمصلحة لهؤلاء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ والمراد: تصرَّفوا في مال اليتيم والصبي بشرط: أن يكون هذا التصرُّف في مصلحة هذا المال لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومال السفيه، والمجنون مثل مال الصبي في ذلك؛ لعدم الفارق فيكون من باب "مفهوم الموافقة المساوي" بجامع: تنمية أموالهم في كل وهو المقصد. (٤٠) مسألة: ولي السفيه والمجنون والصبي، يُستحب له أن يُتاجر بمال هؤلاء، بدون مقابل؛ للتلازم؛ حيث إن هذه المتاجرة وقعت بمال ذلك المحجور عليه: فيلزم أن =

стр. 1683

(وله دفع ماله) لمن يتَّجر فيه (مضاربة بجزء) معلوم (من الربح) للعامل؛ لأن عائشة أبضعت مال محمد بن أبي بكر ﵃، ولأن الولي نائب عنه فيما فيه مصلحته، وله البيع نساء، والقرض برهن، وإيداعه، وشراء العقار، وبناؤه لمصلحة (٤١)، وشراء الأضحية لموسر (٤٢)، = يكون الربح لصاحب المال، ولا يستحقه الولي إلّا بعقد، ولا يجوز للولي أن يعقد لنفسه؛ لكونه سيأخذ الأحظ له، وهذا لا يجوز، فإن قلت: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تنمية لأموالهم، وأشار إلى ذلك عمر بقوله: "اتجروا بأموال اليتامى؛ كيلا تأكلها الصدقة". (٤١) مسألة: يُستحب لولي صبي، ومجنون وسفيه: أن يدفع مال هؤلاء إلى عامل يتَّجر فيه عن طريق شركة المضاربة بجزء معلوم يكون للعامل، وإذا اقتضت المصلحة أن يُقرض عقار هؤلاء برهن، أو أن يُودِعه، أو أن يشتري عقارًا له، أو أن يبني شيئًا لمصلحته: فإنه يفعل ذلك، ولو تلف هنا المال الذي تصرَّف فيه الولي من غير تفريط: فلا يضمنه؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن عائشة اتّجرت بمال أخيها محمد بن أبي بكر، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الولي نائب عن المحجور عليه من هؤلاء فيفعل كما يفعل أيُّ شخص غير محجور عليه فيما تقتضيه المصلحة ودفع المفسدة، ولا يضمن؛ لكونه لم يُفرِّط. (٤٢) مسألة: يُستحب لولي صبي موسر أن يشتري له أضحية من مال ذلك الصبي؛ للقياس؛ بيانه: كما يُستحب أن يشتري له ثيابًا حسنة في يوم العيد، فكذلك يُستحب شراء الأضحية من ماله والجامع: تحصيل جبران قلبه، وإدخال السرور إليه إذا كان يعقل التضحية (فرع): يجوز أن يتصدَّق ولي الصبي ببعض لحم الأضحية عنه؛ للقياس؛ بيانه كما يتصدَّق البالغون فكذلك الصبي مثلهم والجامع إظهار اليُسر، والمواساة في كل. (فرع ثان) يُستحب للولي أن يشتري للصبي أو الصبية بعض الألعاب المباحة التي يلهو بها من مالهما؛ للقياس؛ بيانه: =

стр. 1684

وتركه في المكتب بأجرة (٤٣)، ولا يبيع عقاره إلا لضرورة، أو غبطة (٤٤) (ويأكل الولي الفقير من مال موليه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (الأقلَّ من كفايته أو أجرته) أي: أجرة عمله؛ لأنه يستحق بالعمل، والحاجة جميعًا، فلم يجز أن يأخذ إلا ما وُجدا فيه (مجانًا) فلا يلزمه عوضه إذا أيسر؛ لأنه عوض عن عمله، فهو فيه كالأجير والمضارب (٤٥) (ويُقبل قول الولي) بيمينه (والحاكم) بغير يمين (بعد فكِّ = كما أن الصبيان الذين لهم آباء يُشترى لهم ذلك: فكذلك اليتيم مثلهم والجامع: إدخال السرور وجبر القلوب في كل. (٤٣) مسألة: يُستحب لولي اليتيم - وهو الصبي الموسر أن يُعلِّمه القراءة والكتابة، وأن يُعلِّمه صنعة ينتفع من ورائها، وأن يُعلِّمه السباحة والرماية، والأدب، وأن يغرس في نفسه حبَّ العلم، وهذا يفعله بأجرة من مال الصبي؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة له، ودفع مفسدة عنه، و معلوم: أن العز في أدب وعلم، وأن في الجهل الذل والمهانة. (٤٤) مسألة: يجوز أن يبيع الولي عقار صبي، أو مجنون، أو سفيه إذا اقتضت المصلحة ذلك: سواء كانت ضرورية أو حاجية أو تحسينية للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تنمية ماله، أو إنقاذه من الضياع، فإن قلتَ: لا يجوز بيع العقار إلّا للضرورة كاحتياجه إلى كسوة أو أكل أو سكن فقط، أو أن يُدفع في ذلك العقار ثمن فيه زيادة كثيرة على ثمن مثله وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن بيع عقار هؤلاء بدون ضرورة تفويت لبعض حقهم، قلتُ: لا يُوجد تفويت لبعض حقهم إذا رأى الولي العدل الراشد أن بيعه في مصلحتهم وإن لم تكن ضرورية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فعندنا: يُكتفى بأي مصلحة يراها الولي، وعندهم: لا يُكتفى إلّا بالمصلحة الضرورية. (٤٥) مسألة: إذا كان ولي الصبي والمجنون والسفيه فقيرًا: فإنه يأكل من مال هؤلاء أكلًا أقل ما يكون كفايته أو أجرة لعمله مجانًا، فلو كانت أجرة مثله عشرة =

стр. 1685

الحجر في النفقة) وقدرها ما لم يخالف عادة وعرفًا (٤٦)، ولو قال: "أنفقتُ عليك منذ = ريالات، وقدر كفايته خمسة عشر: فيأخذ عشرة فقط، ولو أيسر هذا الولي فلا يجب عليه أن يدفع ما أخذه إلى مال الصبي والمجنون والسفيه؛ لقواعد، الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والمعروف: هو قدر المثل وهو ما تعارف عليه عقلاء الناس؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال له إني فقير ولي يتيم له مال، فقال له النبي ﵇: "كل من مال يتيمك غير مسرفٍ، ولا مُبذِّرٍ ولا متأثِّل" والذي صرف الأمر في الآية والحديث من الوجوب إلى الإباحة أن الأمر جاء بعد حظر؛ حيث يُحظر ويحرم الأكل من مال الغير بغير إذنه، فجاء هذا الأمر ليبيح ذلك بالمعروف؛ الثالثة: القياس؛ بيانه كما أن الأجير والمضارب يأخذان أجرة لعملهما، فكذلك ولي الصبي والمجنون والسفيه له الأخذ من مالهم والجامع: أن كلًّا منهم يأخذ بدل عمل يؤدِّيه، فإن قلتَ لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدُّ حاجة هذا لولي الفقير ليتفرَّغ لإدارة مال الصبي أو المجنون أو السفيه كما يُعطى إمام المسجد ومؤذِّنه، والناظر على الوقف ليتفرَّغوا لذلك. (٤٦) مسألة: إذا اختلف ولي مع موليه - وهو الصبي، أو المجنون أو السفيه - بعد بلوغه وعقله ورشده - في قدر النفقة التي أنفقها الولي فقال هؤلاء: "إنك أيها الولي قد تعدَّيت بالنفقة وأكثرت منها فزال أكثر ما نملك" فقال الولى: لم أتعدَّ: فإنه يُقبل قول الولي مع يمينه بشرط: أن لا يُخالف قوله فيما أنفقه عادة وعرف عقلاء الناس في نفقاتهم؛ للقياس؛ بيانه: كما يُقبل قول المودَع مع يمينه فيما أنفقه على الوديعة فكذلك يُقبل قول الولي هنا، والجامع: أن كلًّا من الوديعة ومال المحجور عليه يعتبران وديعة عند أمين عدل، فإن قلت: لِمَ شُرِّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو لم يُقبل قول الولي في ذلك: لما تولَّى أحد على أحد؛ نظرًا لخوف التهمة والتشهير ببعض من يعمل خيرًا، فدفعًا لذلك: شرع هنا، واشترط ذلك الشرط؛ لأن العادة محكَّمة.
следующие страницы →