Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
وإن أجَّره أرضًا بلا ماء: صحَّ (٥٧) وكذا: إن أُطلق مع علمه بحالها (٥٨)، وإن ظنَّ وجوده بالأمطار، وزيادة الأنهار: صحَّ كالعلم (٥٩)، وإن غُصِبت المؤجَّرة: خُيِّر
= عمرو ليسكنها فانهدمت قبل استكمال مدَّة الإجارة، أو استأجر منه أرضًا ليزرعها فانقطع ماؤها، أو كثر ماؤها حتى غرقت الأرض: فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدَّة؛ ويجب على المستأجر - وهو هنا زيد - أن يدفع عوض ما انتفع فيه من مدة بقسطه؛ للتلازم وقد بيَّناه في مسألة: تلف العين المؤجرة - وهو مسألة (٥٠).
(٥٧) مسألة: إذا استأجر زيد من عمرو أرضًا بلا ماء: فإن الإجارة صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تمكُّن المستأجر من الانتفاع من تلك الأرض المستأجرة بالنزول فيها: صحَّة الإجارة؛ لوجود منفعة مباحة مقصودة.
(٥٨) مسألة: إذا استأجر زيد من عمرو أرضًا، ولم يُذكر عند العقد أن لها ماء أو ليس لها ماء، بل أُطلق في ذلك فإن الإجارة صحيحة بشرط: أن يكون المستأجر عالمًا بحالها - وهو: أن لا ماء لها، أما إن كان المستأجر يظن - ظنًا غالبًا - أن لها ماء فبان خلاف ذلك: فلا صحة للإجارة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من علمه بالحال - وهو أنها لا ماء لها -: أن عدم الماء مشترط؛ لأن العلم بالحال يقوم مقام الاشتراط، مثل ما قلنا فيمن علم بالعيب: فإنه يقوم مقام اشتراطه، ويلزم من ظنه أنها لها ماء فبان خلاف ذلك: عدم صحة الإجارة، لعدم وجود المعقود عليه، تنبيه: العلم بذلك وعدم العلم له علامات وأمارات تعرف على حسب العادة والعرف بين المتعاقدين.
(٥٩) مسألة: إذا استأجر زيد من عمرو أرضًا، وغلب على ظن زيد أن الماء موجود فيها بسبب الأمطار، أو زيادة الأنهار: فإن الإجارة صحيحة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا إذا علم بوجود الماء فيها: فإن الإجارة تصح فكذلك إذا غلب على ظنه ذلك، والجامع: حصول الماء في كل، ولا يُفرق بين العلم والظن في العمل.
стр. 1822
المستأجر بين "الفسخ" وعليه أجرة ما مضى، وبين "الإمضاء"، ومطالبة الغاصب بأجرة المثل (٦٠)، ومن استُؤجر لعمل شيء فمرض: أقيم مقامه من ماله من يعمله ما لم تُشترط مباشرته، أو يختلف فيه القصد كالنفخ: فيُخيَّر المستأجر بين الصبر والفسخ (٦١) (وإن
(٦٠) مسألة: إذا استأجر زيد من عمر ودارًا مثلًا، فجاء بكر فأخذها من زيد غصبًا: فإن زيدًا يُخبر بين أمرين: أولهما: أن يفسخ الإجارة، ويدفع للمؤجِّر - وهو عمرو - أجرة المدَّة التي قضاها في الدار قبل غصب بكر لها ثانيهما: أو يمضي في العقد، بلا فسخ، ويُطالب الغاصب - وهو بكر هنا - بأجرة المثل؛ للتلازم؛ حيث إن المعقود عليه - وهي الدار - لم يتحقَّق نفعه للمستأجر؛ نظرًا لغصبه، ولم يفت مطلقًا بل إلى بدل فلزم تخيير المستأجر بين هذين الأمرين؛ حفاظًا لحقه، وهو المقصد منه.
(٦١) مسألة: إذا استأجر زيد عمرًا ليبني له حائطًا أو ينسخ له كتابًا مثلًا، ثم مرض عمرو قبل أن يتمَّ ما استؤجر عليه: فلمستأجر - وهو زيد - أن يستأجر آخر ليكمل ذلك البناء من مال المؤجَّر الأول - وهو عمرو - بشرطين: أحدهما: أن لا يشترط المستأجر - وهو زيد - على المؤجَّر - وهو عمرو - مباشرة العمل بنفسه، ثانيهما: أن يكون الغرض - من البناء أو نسخ الكتب - المؤجَّر لأجله لا يحصل إلّا إذا عمله عمرو بنفسه، فإن اشترط المستأجر - وهو زيد - على المؤجِّر نفسه - وهو عمرو - أن يعمل البناء بنفسه، أو الغرض من البناء أو النسخ لا يحصل إلّا إذا باشره عمرو بنفسه: فإن المستأجر - وهو زيد - له الخيار: فإن شاء يصبر حتى يُشفى المؤجِّر نفسه - وهو عمرو -، وإن شاء فسخ الإجارة، ويستحق المؤجِّر نفسه أجرة ما سبق أن عمله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب العمل في ذمّة عمرو بسبب عقد الإجارة: استئجار من يُتمِّم عمله من ماله لتبرأ ذمته، ويلزم من إطلاق العقد: تعجيل استئجار آخر فليس على المستأجر - وهو زيد - الانتظار، ويلزم من اشتراط المستأجر - وهو زيد - قيام المؤجِّر نفسه - وهو عمرو - بأن يقوم =
стр. 1823
وجد المستأجر (العين معيبة، أو حدث بها) عنده (عيب) وهو ما يظهر به تفاوت الأجر: (فله الفسخ) إن لم يزل بلا ضرر يلحقه (وعليه أجرة ما مضى)؛ لاستيفائه المنفعة فيه، وله الإمضاء مجانًا، والخيار على التراخي (٦٢)، ويجوز بيع العين المؤجَّرة،
= بالعمل بنفسه، أو أن الغرض من العمل لا يتم إلّا إذا فعله المؤجِّر نفسه؛ نظرًا لحذاقته: أن يُخيِّر المستأجر - وهو زيد - بين الصبر حتى يشفى عمرو، أو يفسخ الإجارة؛ لكونه ليس له إلا ذلك؛ لاختلاف العاملين في ذلك، ويلزم من قيام عمرو ببعض العمل: استحقاقه لعوض عنه بقسطه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعطاء كُلِّ ذي حق حقه.
(٦٢) مسألة: إذا استأجر زيد دارًا أو جملًا من عمرو، فوجد زيد في هذه الدار عيبًا، كأن يكون جاره جار سوء، أو وجد الجمل لا يصلح للركوب أو نحو ذلك: فللمستأجر الخيار: فإن شاء فسخ الإجارة، ويجب عليه دفع أجرة ما مضى من مدة العقد قبل حدوث العيب، أو إطلاعه عليه، وإن شاء أن يمضي في المدَّة حتي تنتهي بلا أرش للعيب فله ذلك، وهذا الخيار يكون على التراخي، هذا بشرط: أن يكون هذا العيب قد استمر بحيث ألحق ضررًا على المستأجر، أما إن أزال المؤجِّر - وهو عمرو - ذلك الضرر بسرعة كأن بنى جدارًا قد انهدم بسرعة أو نحو ذلك: فليس للمستأجر - وهو زيد - الخيار، بل يلزمه المضي في الإجارة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو اشترى سلعة من عمرو فوجد زيد عيبًا في تلك السلعة تؤثر في الثمن: فله الخيار، إلا إن أزاله البائع بسرعة: فلا خيار له، فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما عقد على عين مباحة مقصود الانتفاع بها: فائدة: العيب الذي يثبت الخيار في الإجارة والبيع هو: الذي يظهر بسببه تفاوت في ثمن السلعة عند البيع، والأجرة عند إجارتها، فإن قلتَ: لِمَ وجب على المؤجِّر - وهو زيد - أن يدفع أجرة ما مضى قبل حدوث العيب؟ قلتُ: نظرًا لانتفاعه بالعين المؤجَّرة قبل علمه بالعيب، وهذا يُلزمه دفع عوض عنه؛ لإبراء ذمته، فإن قلت: لِمَ =
стр. 1824
ولا تنفسخ الإجارة به (٦٣)، .....................................................
= شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر؛ لئلا يؤجَّر عينًا معيبة.
(٦٣) مسألة: إذا أجَّر زيد دارًا لعمرو، ثم باع زيد تلك الدار على بكر، وهو يعلم بذلك قبل انقضاء مدَّة الإجارة: فإن البيع صحيح، ويستمر المستأجر- وهو عمرو - في هذه الدار إلى نهاية مدَّة الإجارة المعقود عليها، ثم يتسلَّمها المشتري - وهو بكر -؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز للسيد أن يبيع الأمة التي زوَّجها، فكذلك يجوز بيع العين التي أجَّرها، والجامع: أن كلًّا منهما وقع عليه عقد على منافع فلا يوجد مانع من الصحة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: إنه يصح بيعها على المستأجر فقط، دون غيره؛ وهو قول للشافعي وكثير من العلماء للقياس؛ بيانه كما أنه لا يجوز بيع العين المغصوبة إلا للغاصب فقط فكذلك لا يجوز بيع العين المؤجَّرة إلا للمستأجر فقط، والجامع: أن كلًّا من يد المستأجر، ويد الغاصب تمنع تسليم العين للمشتري، فلم يصح، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن يد الغاصب عادية تمنع تسليم العين للمشتري فعلًا؛ لأن الغاصب لا يهمه من هو مالك العين، بخلاف بيع العين المؤجَّرة؛ لأن الإجارة على منافع العين، والبيع على العين نفسها، فلا يمنع ثبوت اليد على أحدهما تسليم الآخر؛ لانفصالهما، وكذا: إنَّ الإجارة منعت التسليم في الحال فلا يلزم منعها من التسليم عند انقضاء مدَّة الإجارة، وهذا مقدور على تسليمه، وهذا بلا شك يختلف عن العين المغصوبة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين": فألحقناه ببيع الأمة التي زوجها سيدها، لكون ذلك أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه ببيع العين المغصوبة؛ لأن ذلك أكثر شبهًا به عندهم، فإن قلتَ: لِمَ لا تنفسخ الإجارة عند بيع العين المؤجرة سواء باعها لمستأجرها، أو غيره؟ قلتُ للتلازم؛ حيث إن المستأجر =
стр. 1825
وللمشتري الفسخ إن لم يعلم (٦٤) (ولا يضمن أجير خاص) وهو: من استؤجر مدَّة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها، سوى فعل الخمس بسننها في أوقاتها، وصلاة جمعة وعيد، وسُمِّي خاصًا؛ لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدَّة، ولا يستنيب (ما جنت يده خطأ)؛ لأنه نائب المالك في صرف منافعه فيما أمر به، فلم يضمن كالوكيل وإن تعدَّى أو فرَّط ضمن (٦٥) (ولا) يضمن أيضًا (حجَّام،
= قد ملك منفعة العين بعقد الإجارة فيلزم استمراره في هذا الانتفاع إلى انقضاء مدتها. (فرع): إذا أجَّر زيد عمرًا دارًا، ثم وهب زيد تلك الدار لبكر، أو وقفها، أو انتقلت إلى بكر بسبب إرث فالكلام فيه كالكلام فيما لو باع عينًا مؤجَّرة - كما فصَّلناه في مسألة (٦٣) -.
(٦٤) مسألة: إذا أجَّر زيد دارًا لعمرو، ثم باع زيد تلك الدار على بكر، وهو - أي: بكر - لا يعلم أن الدار مؤجَّرة: فللمشتري الخيار: إن شاء فسخ البيع، وأخذ ما دفع، وإن شاء أمضى البيع وقبله، وتكون الأجرة له من وقت عقد البيع؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري لو وجد عيبًا في العين المباعة فله الخيار، فكذلك الحال هنا؛ لأن تأجير العين المباعة يعتبر عيبًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المشتري من استغلال المحتالين عليه.
(٦٥) مسألة: إذا استأجر رجل أجيرًا خاصًا به: كأن يستأجر زيد عمرًا بأن يخدم عنده، أو يرعى البهائم، أو نحو ذلك سنة أو شهرًا، ولا يعمل عند غيره في هذه المدَّة - أي: لا يُشاركه في نفعه غيره في هذه المدَّة، وأخطأ هذا الأجير فأتلف شيئًا كأن يكسر الآلة التي يحرث بها، أو ضرب بهيمة فماتت أو نحو ذلك: فإنه لا يضمن ذلك إذا لم يحصل منه تفريط أو تعدٍّ، أما إذا فرَّط أو تعدَّى: فإنه يضمن؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوكيل والشريك في شركة المضاربة لا يضمنان إذا أتلفا شيئًا خطأ ويضمنان إذا أتلفاه بتعد وخطأ فكذلك الأجير الخاص مثلهما في ذلك، والجامع أن كلًّا منهم نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمره به، =
стр. 1826
وطبيب، وبيطار) وختَّان (لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم) أي: معرفتهم صنعتهم؛ لأنه فعل فعلًا مباحًا فلم يضمن سرايته، ولا فرق بين خاصهم ومشتركهم، فإن لم يكن لهم حذق في الصنعة ضمنوا؛ لأنه لا يحل لهم مباشرة القطع إذًا، وكذا: لو كان حاذقًا، وجنت يده بأن تجاوز بالختان إلى بعض الحشفة، أو بآلة كالَّة، أو تجاوز بقطع
= فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر، والمؤجِّر نفسه، وفيه حثٌّ على أن يقوم بعض الناس بخدمة الآخرين؛ إذ لو ضمن كل أحد ما أتلفه مطلقًا: لامتنع كلُّ أحدٍ من تأجير نفسه، فإن قلتَ: إن جميع الأجراء يضمنون ما أتلفوه مطلقًا وهو قول للشافعي؛ لقول وفعل الصحابي؛ حيث إن عليًا كان يُضمِّن الأجراء مطلقًا، ويقول: "ما يصلح للناس إلا هذا، يقصد: أن تضمنيهم لما أتلفوه مطلقًا يمنعهم من الاتلاف قلتُ: إن ما رُوي عن علي ضعيف؛ حيث إنه روي عنه مرسلًا، ثم إنه على فرض قوته: فإنه معارض بالقياس وما ذكرناه من المصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس والمصلحة مع قول وفعل الصحابي". (فرع): جميع نفع وقت الأجير الخاص يصرفه المستأجره دون غيره إلا أنه يصلي الصلوات الخمس المفروضة، وصلاة الجمعة؛ للتلازم؛ حيث إن هذه الصلوات واجبة عليه بأصل الشرع فيلزم استثناؤها من أصل العقد. (فرع ثان): لا يصلي الأجير الخاص السنن، ولا العيدين إلا إذا أذن له مستأجره؛ للتلازم؛ حيث إن قيامه بعمله في وقته الذي أجَّره واجب، وهذه سنن ومستحبات فيلزم تقديم الواجب على المستحب، ويلزم من كون الوقت وقتًا للمستأجر أن يربط بإذنه فيها، وكذا: الموظفون في الدولة والمؤسسات مثل ذلك. تنبيه: ما ذكره المصنف لا دليل قوي عليه. (فرع ثالث): لا يجوز للأجير الخاص أن يستنيب عنه غيره يقوم بعمله؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من وقوع العقد على عينه: عدم جواز الاستنابة عنه؛ لكونه مقصودًا في عمله.
стр. 1827
السلعة موضعها: ضمن؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ (٦٦) (ولا)
(٦٦) مسألة: إذا استأجر زيد حجامًا، أو طبيبًا، أو ختَّانًا ونحوهم، فعمل أحدهم ما استؤجر عليه، وأخطأ، فتلف العضو، أو مُرض المستأجر أو أصابه جناية بسببهم: فإنه لا يضمن ذلك سواء كان خاصًا أو مشتركًا بشرطين: أحدهما: أن يكون الواحد منهم حاذقًا وعارفًا لمهنته معرفة دقيقة، ثانيهما: أن لا تجني يده، فتتجاوز ما ينبغي أن يُعمل أو يقطع، فإذا توفر هذان الشرطان: فلا يضمن الواحد منهم ما حصل من مضاعفات المرض بسبب فعلهم، أما إن كان الواحد ليس بحاذق في صنعته ومهنته، أو كان حاذقًا ولكنه تجاوز ما ينبغي أن يُعمل: كأن يتجاوز في الختان قطع الحشفة، أو يقطع في غير محل القطع، أو قطع في غير وقت قطع، أو قطع بآلة فاسدة، أو تجاوز بقطع القماش عن المشترى منه، أو نحو ذلك مما يدلّ على إهماله وعدم اهتمامه: فإنه يضمن، وعليه الدية، أو الأرش؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من تطبَّب بغير علم فهو ضامن" فقد أوجب على غير الحاذق في الطب ضمان الضرر الذي لحق المريض، ويدل بمفهوم الشرط والصفة على أن الحاذق لا يضمن ما لحق المريض من ضرر، وغير صنعة الطب مثلها؛ لعدم الفارق في هذا من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الإمام إذا قطع يد السارق لا يضمن إذا فسدت اليد كلها بسبب ذلك فكذلك الطبيب الحاذق، أو الختان ونحوهما لا يضمنان إذا فسد المحل والجامع: أن كلًّا منهم قد فعل فعلًا مباحًا شرعًا فلم يضمن سرايته، ثانيهما: كما أن متلف المال يضمنه سواء كان ذلك عملًا أو خطأ فكذلك الطبيب الحاذق أو الختان ونحوهما يضمنان إذا تجاوزا ما ينبغي أن يُقطع أو يُعالج، والجامع: أن كلًّا من ذلك إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس، وفيه حثٌّ على التعاون في المجتمع؛ إذ لو ضُمِّن هؤلاء: لما وُجد - =
стр. 1828
يضمن أيضًا (راع لم يتعدَّ)؛ لأنه مؤتمن على الحفظ كالمودَع فإن تعدَّى أو فرَّط: ضمن (٦٧) (ويضمن) الأجير (المشترك) وهو: من قُدِّر نفعه بالعمل كخياطة ثوب،
= أحد يمتهن تلك الصنائع، ولتضرَّر المجتمع، ولو لم يُضمَّن هؤلاء: لتضرَّر المجتمع كله بسبب جنايات وتعدّيات من لا يخاف الله تعالى فشُرع ذلك بما قلناه من الشرطين.
(٦٧) مسألة: إذا استأجر رجل راعيًا لبهائمه: فإن هذا الراعي لا يضمن ما تلف أو مرض أو مات من تلك البهائم بشرط: أن لا يكون هذا الراعي متعديًا، أو مفرطًا، فإن كان متعديًا أو مفرطًا كان ينام عن الماشية، أو يغفل عنها، أو يتركها تتباعد عن مكانه، أو تغيب عن نظره، أو يسرف في ضربها، أو يضربها بدون إسراف ولكن في موضعٍ غير موضع ضرب، أو يضربها من غير حاجة، أو يسلك بها طريقًا مخوفًا في العادة، فتلفت بسبب ذلك كله: فإنه يضمن؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المودَع لا يضمن الوديعة إذا تلفت بدون تعدٍّ ولا تفريط، ويضمنها إذا كان ذلك بتعدٍّ وتفريط فكذلك الراعي مثله والجامع: أن كلًّا منهما قد اؤتمن على حفظها. (فرع): إذا اختلف المالك والراعي فقال: المالك: "أنت متعدٍّ ومفرط لذلك تضمن" وقال الراعي: "أنا لم أتعد ولم أفرِّط فلا أضمن"، ولم تكن لأحدهما حجّة: فإنه يُقبل قول الراعي مع يمينه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر" ولا بينة هنا للمالك، فيبقى قول المنكر - وهو الراعي هنا - مع يمينه؛ احتياطًا من احتمال صدق صاحب الملك. (فرع ثان): إذا فعل الراعي ببهيمة فعلًا وادَّعى المالك: "أن هذا تعدٍّ"، وأنكر الراعي ذلك: فإنه يُرجع إلى أهل الخبرة المتوسطين في عقولهم فما يقولونه فيغلب على الظن صوابه؛ للعادة والعرف؛ حيث إن ذلك هو المثبت لحق أحدهما وقد جرت العادة بذلك من غير نكير. (فرع ثالث): إذا ادَّعى الراعي أن شاة قد ماتت: فإنه يُقبل قوله: سواء أتى بجلدها أو لا؛ للقياس؛ على المودَع وديعة =
стр. 1829
وبناء حائط، سُمِّي مشتركًا؛ لأنه يتقبَّل أعمالًا لجماعة في وقت واحد يعمل لهم فيشتركون في نفعه: كالحائك، والقصَّار، والصَّبَّاغ، والحمَّال، فكل منهم ضامن (ما تلف بفعله) كتخريق الثوب، وغلطه في تفصيله؛ روي عن عمر، وعلي، وشريح، والحسن ﵃؛ لأن عمله مضمون عليه؛ لكونه لا يستحق العوض إلّا بالعمل، وأن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجرة فيما عمل به، بخلاف الخاص والمتولِّد من المضمون مضمون، وسواء عمل في بيته، أو بيت المستأجر، أو كان المستأجر على المتاع أو لا (٦٨) (ولا يضمن) المشترك (ما تلف من
= بجامع: أن كلًّا من الراعي والمودَع من الأمناء الذين يقبل قولهم.
(٦٨) مسألة: إذا استأجر رجل أجيرًا مشتركًا ليخيط له ثوبًا - وهو: الذي يعمل أعمالًا الجماعة في وقت واحد فيشتركون في نفعه كالخياط الذي يحيط لك ويخيط لغيرك - وتلف هذا الثوب أو بعضه: فإن هذا الأجير يضمن، فلا يُعطى أجرة، وهذا مطلق أي سواء عمل هذا الخياط ذلك الثوب في بيته، أو في بيت مستأجره، أو كان مستأجره حاضرًا عنده، قائمًا على المتاع أو كان غائبًا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشخص إذا اعتدى على شخص آخر وقطع عضوًا منه فإنه يضمنه ويدفع ديته فكذلك الأجير المشترك مثله والجامع: أن عمل كل منهما مضمون عليه فما تولَّد منه يجب أن يكون مضمونًا، ثانيهما: أن الثوب لو عمله الخياط ثم تلف في حرزه: فإنه يضمنه، ولا يستحق الأجرة، فكذلك إذا عمله في بيت مستأجره يضمنه، ولا أجرة عليه، والجامع: أنه في كل منهما لم يستلم مستأجره ثوبه الذي وقع عليه عقد الإجارة. الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن عمرو وعلي أنهما كانا يُضمنان الأجير المشترك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر، فإن قلتَ: إن الأجير المشترك يضمن في هذه الحالة إذا عمل في ملك نفسه كالخياط الذي يخيط لك ثوبًا في دكانه، ثم يغلط فيه فيمزقه، فيضمنه، أما =
стр. 1830
حرزه، أو بغير فعله)؛ لأن العين في يده أمانة كالمودَع (ولا أجرة له) فيما عمل فيه؛ لأنه لم يُسلِّم عمله إلى المستأجر، فلم يستحق عوضه: سواء كان في بيت المستأجر أو غيره، بناء كان أو غيره (٦٩)، وإن حبس الثوب على أجرته فتلف: ضمنه؛ لأنه لم
= الأجير المشترك الذي خاط لك ثوبًا في بيتك، ثم تلف هذا الثوب: فلا يضمنه إذا لم يُفرط، وهو قول مالك والشافعي، وأبي يعلى؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأجير الخاص لا يضمن ما أتلفه إذا لم يُفرِّط - كما سبق في مسألة (٦٥) - فكذلك الأجير المشترك إذا صنع لك ثوبًا في بيتك لا يضمن والجامع: أن كلًّا منهما قد سلَّم نفسه إلى المستأجر، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس الفارق؛ حيث إن الأجير الخاص يستحق العوض بمضي المدَّة وإن لم يعمل، وما عمل فيه من شيء فتلف من حرزه: لم يسقط أجره بتلفه مطلقًا، بخلاف الأجير المشترك، ولا يختلف الأمر بحضور المستأجر أو لا؛ ويؤيده: أن الختان يضمن ما جنت يده وإن كان مستأجره حاضرًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وقد سبق بيان ذلك.
(٦٩) مسألة: إذا استأجر رجل خيَّاطًا، أو بنَّاء مشتركًا، وأعطى الخياط قماشًا، ثم خاطه ثوبًا، ثم وضعه في حرز، ثم تلف هذا الثوب بغير تعدٍّ، ولا تفريط، أو أتلفه غيره: فلا يضمنه، ولا يستحق أجرة على خياطته: سواء خاط ذلك الثوب في دكانه أو في بيت مستأجره، وسواء كان ذلك العمل خياطة أو بناء، أو قصارة أو نحو ذلك؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشريك المضارب إذا استلم المبلغ الذي يُريد أن يضارب به فاشترى به بضاعة ليتاجر بها فتلفت بلا تعد ولا تفريط فلا يضمن ذلك، فكذلك الأجير المشترك مثله، والجامع: أن كلًّا منهما قد قبض ذلك بإذن من مالكه لنفع يعود إليهما معًا، وهو كوكيله في ذلك ثانيهما: كما أن زيدًا لو باع طعامًا على عمرو، فتلف هذا الطعام قبل أن يقبضه عمرو فإن البائع لا يستحق ثمنه فكذلك الحال هنا لا يستحق الأجير المشترك =
стр. 1831
يرهنه عنده، ولا أذن له في إمساكه، فلزمه الضمان كالغاصب (٧٠)، وإن ضرب الدابة
= أجرة ما عمله في الثوب قبل أن يُسلِّمه لمستأجره والجامع: أن كلًّا منهما لم يُسلِّم المعقود عليه لمن استأجره، أو اشتراه، فلم يستحق العوض، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الأجير المشترك؛ لئلا يُضمَّن أشياء لم يتلفها قصدًا، وفيه حماية لمستأجره؛ لئلا يدفع أجرة عمل لم يستوفه ولم يستلمه، فإن قلتَ: إن الأجير المشترك هنا يضمن، وهو قول لمالك وبعض الحنفية؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇ "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" حيث إن هذا عام فيشمل الأجير المشترك وغيره، فهو ضامن لكل ما استلمه إذا تلف قلتُ: إن القياس الذي ذكرناه والمصلحة مخصصان لعموم السنة بما ذكرناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض عموم السنة مع القياس والمصلحة" وقد سبق ذكره.
(٧٠) مسألة: إذا استأجر رجل خياطًا على أن يخيط له ثوبًا، وأعطاه القماش لأجل ذلك، فخاطه الخياط ذلك، ولكن حبس ذلك الثوب عنده على الأجرة قائلًا: "إذا أعطيتني أجرة خياطتي له أعطيتك ثوبك لذي خطته" فتلف ذلك الثوب من غير تعدٍّ منه ولا تفريط: فلا يضمنه؛ وهو قول بعض العلماء، منهم ابن القيم، للتلازم؛ والمصلحة؛ حيث إن للخياط الحق شرعًا في الامتناع من تسليم الثوب حتى تُسلَّم له الأجرة فيلزم: أن لا يضمنه إذا تلف؛ لكونه مأذونًا له شرعًا في حبسه حتى تُسلَّم له الأجرة؛ حفظًا لحقه؛ إذ لو قلنا بضمانه إذا تلف: للحقه الضرر في ذلك؛ حيث إنه قد يُسلِّمه لمستأجره؛ تخلُّصًا ذلك، وقد لا يُسلِّمه مستأجره الأجرة، فدفعًا لذلك شرع ما ذكر، فإن قلتَ: إنه يضمن هنا، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب للثوب يضمنه إذا تلف فكذلك هذا الأجير المشترك مثله والجامع: أن مالك الثوب لم يرهنه عندهما، ولم يأذن لهما في إمساكه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الغاصب لم يؤذن له في =
стр. 1832
بقدر العادة: لم يضمن (٧١) (وتجب الأجرة بالعقد) كثمن، وصداق وتكون حالَّة (إن لم تؤجَّل) بأجل معلوم، فلا تجب حتى يحل (٧٢) (وتستحق) أي: يملك الطلب بها (بتسليم العمل الذي في الذمة) ولا يجب تسليمها قبله، وإن وجبت بالعقد؛ لأنها
= إمساكه، بخلاف الأجير المشترك فإن الشارع قد أذن له في إمساكه، لدفع الضَّرر عنه كما فصَّلنا ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" كما بيَّنا ذلك.
(٧١) مسألة: إذا ضرب الأجير الدابة التي استؤجر على رعيها أو الحمل عليها ضربًا لا يُتلف عادة وعرفًا: فلا يضمن فيما إذا تلفت، أو ماتت، فإن زاد عن العادة، أو ضربها في غير موضع ضرب: فإنه يضمنها إذا تلفت؛ للتلازم؛ حيث إن الضرب العادي مأذون فيه شرعًا فيلزم عدم ضمانه لها عند تلفها بسببه، ويلزم من عدم إذن الشارع بالضرب غير العادي: أنه يضمنها إذا تلفت بسببه، وقد سبق ذكر ذلك، والمقصد منه: حماية كل من الأجير، ومستأجره تنبيه: يُعرف الضرب العادي من غيره عن طريق أهل الخبرة من متوسطي العقول.
(فرع): إذا ضرب الولي صبيه، أو معلِّم الصبيان للتأديب ضربًا لا يتلف عادة وعرفًا فتلف أو مات: فالقول فيه كالقول في ضرب الدابة؛ لعدم الفارق.
(٧٢) مسألة: تجب الأجرة بنفس عقد الإجارة إذا أُطلق العقد فتكون حالَّة، أما إن اشتُرط تأجيل الأجرة وتسليمها إلى أجل معلوم: فإنها لا تجب إلّا عند انتهاء ذلك الأجل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ثمن المبيع يجب عند عقد البيع إذا أطلق العقد إلّا إذا اشترط تأخيره، والمهر يجب عند عقد النكاح إذا أطلق العقد إلا إذا اشترط تأخيره فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منها فيه عوض أطلق ذكره في عقد معاوضة فيستحق بمطلق العقد، واشتراط التأخير لا خلاف فيه؛ لأن المسلمين عند شروطهم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن عقد الإجارة سبب لوجوب الأجرة، والسبب يكون بعد المسبب مباشرة.
стр. 1833
عوض، فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض كالصداق (٧٣)، وتستقرّ كاملة باستيفاء المنفعة، وبتسليم العين، ومضي المدَّة مع عدم المانع، أو فراغ عمل ما بيد مستأجره، ودفعه إليه وإن كانت لعمل: فببذل تسليم العين، ومضي مدَّة يمكن الاستيفاء فيها (٧٤) (ومن تسلَّم عينًا بإجارة فاسدة، وفرغت المدَّة: لزمه أجرة المثل).
(٧٣) مسألة: يملك المؤجِّر الطلب بالأجرة ويستحقها إذا سلَّم العين المؤجَّرة للمستأجر، والمستأجر لعمل شيء يملك الطلب بأجرته إذا سلَّم العمل المؤجَّر عليه الذي في الذمّة، ولا يجب أن يُسلَّم الأجرة على العمل حتى يستلمه مستأجره كاملًا بشروطه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المرأة لا تستحق الصداق والمهر إلّا إذا مكَّنته من نفسها، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما لا يستحق تسليمه إلّا مع تسليم المعوض، فإن قلتَ: لِمَ لا يجب تسليم الأجرة قبل العمل؟ قلتُ: حتى تقع في موقعها، وهو بعد استكماله للعمل، وهو موافق؛ لقوله ﷺ : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه" حيث إن هذا يلزم منه أنه لا يستحقها إلّا بعد العمل المؤجَّر عليه.
(٧٤) مسألة: تستقر الأجرة كاملة بأحد أمور ثلاثة: أولها: إذا استوفى المستأجر المنفعة كاملة كأن يستأجر زيد عمرًا ليحمل له متاعًا، فحملها له وفرغ من ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري إذا قبض العين المباعة: فإن البائع يستحق الثمن فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما قبض المعقود عليه، فاستقرَّ عليه البدل، ثانيها: إذا سلَّم المؤجِّر العين المؤجَّرة للمستأجر، ومضت مدَّة يُمكن للمستأجر استيفاء منفعة تلك العين، ولا مانع له من ذلك معتبر: كأن يستأجر زيد من عمرو دارًا سنة فيُسلِّمها عمرو لزيد، وانقضت السنة، فإن الأجرة تستقر على زيد وكذلك: لو استأجر زيد من عمرو دابة وسلمها إليه عمرو، ليُسافر عليها من بلده إلى بلد آخر ويرجع ومضت مدَّة يُمكنه فيها ذهابه إلى تلك البلد ورجوعه فيها على حسب العرف والعادة، ولم يفعل: فإن الأجرة تستقر على =
стр. 1834
لمدَّة بقائها في يده: سكن أو لم يسكن؛ لأن المنفعة تلفت تحت يده بعوض لم يسلَّم للمؤجِّر، فرجع إلى قيمتها (٧٥).
= زيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو باع دارًا على زيد، ثم سلَّمها عمرو لزيد، وتركها: فإن عمرًا يستحق ثمنها كاملًا، فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما قد سلَّم المعقود عليه كاملًا، فيستحق البدل كاملًا، ثالثها: إذا فرغ الأجير من عمله، وسلَّمه لمستأجره كأن يستأجر زيد خياطًا ليخيط له ثوبًا، فخاطه وسلَّمه لزيد، فإن الأجرة تستقر على زيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فراغ الأجير من عمله، وتسليمه لمستأجره كاملًا: استقرار الأجرة على مستأجره، لكون الأجير قد سلَّم ما عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه بيان متى تستقر الأجرة للمستأَجَر؛ حتى لا يستعجل المؤجر على المستأجر، فإن قلتَ: إن المستأجر لعين موصوف كمن استأجر جملًا يوصله إلى بلد آخر، ولكنه لم يفعل: لا أجرة عليه، وهو قول جمهور الحنفية وبعض الحنابلة كابن قدامة؛ للتلازم؛ حيث إن هذا عقد على منفعة غير مؤقتة بزمن: فيلزم عدم استقرار عوضها بمجرَّد تسليمها أو بذلها قلتُ: لا يُسلَّم أنه لم يؤقت بزمن، بل ثبت توقيت زمن ذهابه وإيابه على حسب العرف والعادة، فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل العرف والعادة من المقيدات للمطلق في الأزمان أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(٧٥) مسألة: إذا تسلَّم زيد عينًا استأجرها من عمرو بإجارة فاسدة كأن يكون قد استأجر دارًا وهو لم يرها ولم توصف له، وانتهت مدَّة الإجارة المتفق عليها، وهي تحت يد المستأجر - وهو زيد -: فإن عليه -: أي على زيد - أجرة المثل عن مدَّة بقائها تحت يده: وهذا مطلق، أي: سواء انتفع زيد بتلك العين المؤجَّرة أو لم ينتفع بها، أي: سواء سكن تلك الدار أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو استوفى المنفعة بعقد إجارة فاسدة فعليه أجرة المثل عن تلك المدَّة، فكذلك الحال =
стр. 1835
* * *
= فيما لو لم يستوفها، والجامع: أنه في كل منهما منفعة تلفت تحت يده بعوض لم يُسلِّم للمؤجر - وهو هنا عمرو -، فإن قلتَ: لِمَ وجبت أجرة المثل ولم تجب الأجرة نفسها؟ قلتُ: لأن عقد الإجارة عقد فاسد، ولا يترتَّب على العقد الفاسد أجرة شرعية. (فرع): إذا لم يتسلَّم المستأجر العين المؤجرة بذلك العقد الفاسد: فلا تجب عليه أجرة ولو بذل المؤجِّر - تلك العين؛ للتلازم؛ حيث إن المنافع لم تتلف تحت يده فيلزم عدم استحقاق الأجرة، ولا يُنظر إلى العقد الفاسد شرعًا ولا عرفًا.
هذه آخر مسائل باب "الإجارة" ويليه باب "السَّبق والمسابقة والمصارعة والمراهنة والمغالبة".
стр. 1836
باب السَّبق
وهو بتحريك الباء: العوض الذي يُسابق عليه، وبسكونها: المسابقة، أي: المجاراة بين حيوان وغيره (١) (يصح) أي: يجوز السباق (على الأقدام، وسائر الحيوانات، والسفن، والمزاريق) جمع مزراق، وهو: الرمح القصير، وكذا: المجانيق، ورمي الأحجار بمقاليع ونحو ذلك؛ لأنه ﵇ "سابق عائشة" رواه أحمد، وأبو داود، و"صارع ركانة فصرعه" رواه أبو داود، و"سابق سلمة بن الأكوع رجالًا من
باب السَّبق، والمسابقة والمصارعة والمراهنة والمغالبة
وفيه خمس عشرة مسألة:
(١) مسألة: السبق لغة مأخوذ من المسابقة، والملاحقة بين اثنين، - كما في المصباح (٢٦٥) - واصطلاحًا: مباراة ومجاراة تكون بين اثنين، أو جماعة من آدميين أو حيوانات، أو جمادات؛ ليُعلم من يفوز بذلك فيكون هو: الأسرع، أو الأشد، أو الأقوى، و"السَّبَق" بفتح الباء: هو العوض والجعل الذي تحصل المسابقة عليه، ويُعطى للأسبق، و"السَّبْق" بتسكين الباء: هو نفس المسابقة والمباراة والمصارعة ونحو ذلك مما يُعلم فيه: الأسبق، أو الأشد، فإن قلتَ: لِمَ جعل باب السبق في كتاب المعاملات مع أن كثيرًا من الفقهاء جعلوه بعد كتاب الصيد؟ قلتُ: لكونه أكثر شبهًا بالمعاملات؛ لكونه أكثر ما يكون على عِوَض؛ لأن ذلك هو الذي يُشجِّع المتبارين أو المتسابقين على أن يقوموا بذلك، وبعضهم يجعله بعد كتاب الصيد؛ لكون السِّباق أكثر ما يكون بين الحيوانات كالإبل والخيل، والبغال والحمير، والفيلة، والطيور، ولكن تعلُّقها بالعوض أكثر؛ لذا يكون الأرجح جعل ذلك في كتاب المعاملات، ويؤيده: أن المسابقة تكون بالحيوانات وتكون بالرمي كما سيأتي بيانه، فلا تختص بالحيوانات.
стр. 1837
الأنصار بين يدي رسول الله ﷺ " رواه مسلم (٢) (ولا تصح) أي: لا تجوز المسابقة (بعوض إلّا في إبل وخيل، وسهام)؛ لقوله ﷺ : "لا سبق إلا في نصلٍ، أو خفٍ، أو حافرٍ" رواه الخمسة عن أبي هريرة، ولم يذكر ابن ماجه: "أو نصل" وإسناده حسن،
(٢) مسألة: يجوز السباق على الأقدام، وعلى جميع الحيوانات، وعلى السفن، وعلى الطائرات، وعلى السيارات، وفي المزاريق - جمع مزراق، وهو الرمح الصغير - والنبل، وفي المجانيق جمع منجنيق، وهو: آلة توضع فيها حجر كبير فيُرمى به، وعلى المقاليع، وهي: جمع مقلاع، وهو: مثل المنجنيق إلا أنه يُوضع فيه حجر صغير، وكذا: تجوز المسابقة بالمصارعة، والمطارحة، والملاكمة ونحو ذلك مما هو طريق للعلم بالأقوى والأشد سواء كان بين مسلمين، أو بين مسلم وكافر؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ حيث إن هذا قد جرى بن إخوة يوسف، وهو صحيح عندهم، فيكون صحيحًا عندنا؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يثبت خلافه في شرعنا، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد سابق عائشة مرتين، وصارع ركانة بين عبد يزيد على شاة فصرعه النبي ﷺ فأخذ الشاة، وتمّت هذه المصارعة عدة مرات وهذا يدلّ على جوازها مع الكافر، الثالثة: السنة التقريرية؛ حيث إن سلمة بن الأكوع قد سابق رجلًا من الأنصار بين يدي النبي ﷺ ، فلم يُنكر عليه ذلك، ولم ينه عنه، فدل على جوازه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والمطارحة، والملاكمة مثل المسابقة؛ لعدم الفارق "من مفهوم الموافقة". فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التمرين والتدريب على القوة والصلابة، واستعمال الأسلحة؛ لإظهار القوة أمام العدو؛ لئلا يُفاجئ العدو المسلمين وهم على غير استعداد لمواجهتهم، ولذا أجازه العلماء بعوض وبغير عوض إذا قصد فيه نصرة الإسلام والمسلمين.
стр. 1838
قاله في "المبدع" (٣) (ولا بدَّ) لصحة المسابقة (من تعيين المركوبين) لا الراكبين؛ لأن
(٣) مسألة: تصح المسابقة بعوض في أمور ثلاثة وهي: المسابقة في الإبل، والخيل، والسهام فقط، وغيرها تصح المسابقة فيها لكن بغير عوض - وهو ما يُعطى للأسبق -؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا سبق إلّا في نصل، أو خف، أو حافر" والمقصود بالنصل هو: السهام، وبالخف هو: الإبل، وبالحافر: هي الخيل ويشمل ذلك البغال، والحمير، والنفي هنا: نهي، وهو مطلق، فيقتضي تحريم المسابقة بعوض بغير تلك الثلاثة، أما في الثلاثة فتجوز بعوض؛ حيث إن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: ما الدليل من هذا النص على أنها تجوز بعوض؟ قلتُ: من لازم الحال؛ حيث إن تلك الثلاثة من آلات الحرب المأمور بتعلُّمها، والتدريب عليها، والتفوّق فيها، ولا يُمكن أن يحصل ذلك إلّا إذا جُعل عوضًا في ذلك؛ حيث إن المتسابق يجتهد في تعلُّمها إذا علم أن هناك عوضًا على ذلك يُعينه على تلك الطاعة؛ يؤيد ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ وكذا قوله ﷺ : "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" والإبل والحمير، والبغال والخيل؛ نظرًا لحملها أثقال العساكر فتلحق بها من باب "مفهوم الموافقة" تنبيه: قوله: "لم يذكر ابن ماجه النصل في روايته" قلتُ: هذا لا يضر ما دام أن الحديث قد صححه أكثر أئمة الحديث.
(فرع): تصح المراهنة والمغالبة بالعوض في باب العلم، وهو مذهب أبي حنيفة، وصححه ابن تيمية وابن القيم؛ للقياس الأولى، بيانه: كما تجوز المراهنة والمغالبة على آلات الجهاد - وهي: الخيل، والسهام، والإبل - فمن باب أولى جواز ذلك في العلم، والجامع: أن كلًّا منهما مما ينتفع به في الدِّين، فإن قلتَ: لِمَ كان قياسًا أولى هنا؟ قلتُ: لأن القصد الأول هو: إقامة الدِّين بالحجج والبراهين العلمية، والقوة من: سهام، وخيل، وسيوف مجرَّد آلات تنفيذ فقط. (فرع ثان): تصح المصارعة بعوض؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ وقد صارع ركانة على شاة، وهو زيادة على الحديث السابق، فيؤخذ بها.
стр. 1839
القصد: معرفة سرعة عَدْو الحيوان الذي يُسابق عليه (٤) (و) لا بد من (اتحادهما) في النوع، فلا تصح بين عربي وهجين (و) لا بدَّ في المناضلة من تعيين (الرماة)؛ لأن القصد معرفة حذقهم، ولا يحصل إلّا بالتعيين بالرؤية، ويُعتبر فيها أيضًا: كون القوسين من نوع واحد، فلا تصح بين قوس عربية، وفارسية (٥) (و) لا بدَّ أيضًا من تحديد (المسافة): بأن يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيه، ويُعتبر في
(٤) مسألة: في الأول - من شروط صحة المسابقة - وهو: أن يُعيَّن المركوبان اللذان سيتسابقان، وكذا: الشخصان الراميان المتسابقان بالرؤية دون الراكبين أو السهمين؛ للتلازم؛ حيث إن القصد من المسابقة هو معرفة جوهر الدابتين وقوة وسرعة عدوهما، ومعرفة حذق الراميين، ولا يحصل ذلك إلا بالتعيين بالرؤية فلزم اشتراطه، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط تعيين الراكبين والسهمين؟ قلتُ: لأنهما آلة للمقصود فقط، ولم يُقصدا، فلو ركب رجل بدلًا عن الآخر أو جعل سهم بدلًا عن آخر لصح، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه نوع تساوٍ بينهما واتحاد في الجملة.
(٥) مسألة: في الثاني - من شروط صحة المسابقة - وهو أن يكون المركوبان من نوع واحد، بأن يكون بين فرسين عربيين، أو بين فرسين من الهجين - وهو: ما كان أبوه عربي فقط -، وكذا: أن يكون القوسين من نوع واحد، فلا تصح بين قوس عربية، وفارسية؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح التسابق بين جنسين كأن يتسابق جمل مع فرس فكذلك لا يصح التسابق بين نوعين - كالعربي من الخيل والهجين، أو العربي من الأقواس والفارسي - والجامع: وجود التفاوت الواضح بين هذه الأشياء، وهو معلوم بالعادة في كل، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا لا يحقق الغرض الذي من أجله شرعت المسابقة؛ فلذلك اشترط أن يكونا من نوع واحد، حتى يتحقق القصد منها، تنبيه: قوله: "ولا بد في المناضلة من تعيين الرماة؛ لأن القصد معرفة حذقهم، ولا يحصل إلّا بالتعيين =
стр. 1840
المناضلة: تحديد مدى رمي (بقدر معتاد)، فلو جعلا مسافة بعيدة تتعذَّر الإصابة في مثلها - غالبًا - وهو ما زاد على ثلاثمائة ذراع -: لم يصح؛ لأن الغرض يفوت بذلك، ذكره في "الشرح" وغيره (٦) (٧) (٨) .......................................
= بالرؤية" قد سبق بيانه في مسألة (٤).
(٦) مسألة: في الثالث - من شروط صحة المسابقة - وهو أن تحدَّد المسافة بالأمتار، وغايته، ومدى الرمي وموضع نهايتهما، وهذا التحديد يتفق المتسابقان عليه، ويكون هذا التحديد بقدر معتاد، ويكون ذلك بالمشاهدة، أو بالمقياس بالذراع، فلا تصح المسابقة بدون تحديد ذلك، ولا تصح أيضًا إن كانت المسافة بعيدة يغلب على الظن عدم وصول أحدهما إلى نهايتها، ولا تصح أيضًا إن كانت المسافة قريبة يغلب على الظن وصولهما معًا بيسر وسهولة؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود: معرفة أيهما الأسبق والأقوى والأصبر؛ ليُعطى العوض، ولا يمكن ذلك إلا بتحديد مسافة معلومة البداية والنهاية، يغلب على الظن وصول أحدهما دون الآخر فلزم هذا الشرط؛ لبيان ذلك، فإن قلتَ: لِمَ لا تصح إذا لم تحدَّد المسافة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يؤدي إلى أن لا يقف أحد المتسابقين إلّا بعد انقطاع نَفَسِه، أو نَفَس فرسه وبهذا يتضرَّر، فضلًا عن أنه لا يشق تقدير الفائز في هذه الحالة، فدفعًا لذلك لا يصح عدم التحديد فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط التحديد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدي غالبًا إلى العلم بالأسبق والأقوى.
(٧) مسألة: في الرابع - من شروط صحة المسابقة - وهو: أن يكون العِوَض الذي يُعطى الأسبق منهما معلومًا إما بالمشاهدة أو بالوصف والتقدير: سواء كان هذا العوض حالًا أو مؤجَّلًا، للقياس؛ بيانه: كما يُشترط ذلك في سائر العقود فكذلك يُشترط في المسابقة، والجامع: أن كلًّا منهما مال في عقد، فوجب العلم به، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن هذا يجعل المتسابق عالمًا بما هو مقدم عليه.
(٨) مسألة: في الخامس والأخير -من شروط صحة المسابقة- وهو: أن يكون هذا =
стр. 1841
(وهي) أي: المسابقة (جعالة لكل واحد) منهما (فسخها)؛ لأنها عقد على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه إلا أن يظهر الفضل لأحدهما: فله الفسخ دون صاحبه (٩)
= العِوَض من الإمام أو نائبه، أو شخص غيرهما، أما إن كان العِوَض من نفس المتسابقين: فلا يجوز؛ للمصلحة: حيث إن ذلك مما يقوي الأجسام، ويُعلِّم الجهاد، ويُعمِّم النفع، وهذا يدفعه الإمام الأعظم، أو من يُنيبه، أو شخص آخر قد تبرَّع به؛ لجواز ذلك في غير المسابقة فيجوز فيها؛ لنفعه العام للمسلمين، فإن قلتَ: لم لا يجوز إذا كان العِوَض من نفس المتسابقين قلتُ: لأنه لا يخلو في هذه الحالة من كون كل واحد منهما: إما أن يغرم أو يغنم، وهذا هو القمار المحرم.
فإن قلتَ: إن هذا لا يصح إلّا إذا كان العوض من الإمام أو نائبه؛ للقياس؛ بيانه: كما أنهما مختصَّان بتولية الولايات دون غيرهما، فكذلك يختصان بجعل عوض للمتسابقين والجامع: أن هذا مما يحتاج إليه في الجهاد في كليهما فلا يتعدَّاهما قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنهما فعلًا مختصان بتولية الولايات، ولكن دفع العوض لا يُماثل ذلك، ولا يقاربه؛ لأنه ليس من السياسة في شيء، بل يستطيع أي أحد أن يدفع العوض كمن تبرَّع بشراء سلاح للجيش فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" وقد بيّنا ذلك.
(٩) مسألة: عقد المسابقة بين المتسابقين عقد جائز، وليس بلازم، وعلى ذلك: يجوز لأحدهما أن يفسخها بدون عذر: سواء قبل الشروع في المسابقة، أو بعدها بشرط: أن لا يظهر الفضل لأحدهما وغلبه، فإن ظهرت غلبة أحدهما فله الفسخ دون مسابقة الآخر، أي: للفاضل الفسخ دون المفضول، والعوض الذي يستحقه السابق والفاضل هو: يُعتبر جعل في نظير عمله وسبقه الذي تسبَّب في المشقة عليه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العقد مع شخص تريده أن يرد عبدًا لك هاربًا عقد جائز، يستطيع أحد العاقدين أن يفسخ العقد بشرط: أن لا يبذل المستأجر جهدًا في البحث عن العبد فكذلك عقد المسابقة مثل ذلك =
стр. 1842
(وتصح المناضلة) أي: المسابقة بالرمي، من النضل، وهو: السهم التام (على معينين) سواء كانا اثنين، أو جماعتين؛ لأن القصد: معرفة الحذق كما تقدَّم (يحسنون الرمي)؛ لأن من لا يحسنه وجوده كعدمه، ويشترط لها أيضًا: تعيين عدد الرمي، والإصابة، ومعرفة قدر الغرض: طوله، وعرضه، وسمكه، وارتفاعه من الأرض (١٠)، والسنة:
= والجامع: أن كلًّا منهما عقد على ما لا تتحقَّق القدرة على تسليمه؛ أو تقول: إنه عقد على الإصابة، فلا يدخل تحت قدرته، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إنه لو جاز لأحدهما الفسخ مع ظهور الفضل لأحدهما: لفات غرض المسابقة؛ إذ سيتحايل بعضهم ويفسخ إذا ظهر أن صاحبه قد يغلبه.
(١٠) مسألة: تصح المسابقة بالرمي - وتسمَّى بالمناضلة؛ لأن السهم المرمي به التام بنصله، وريشته وقدحه يُسمَّى نضالًا - ولكن هذا بشروط خمسة، أولها: أن يكون الراميان معينين: سواء كانا اثنين، أو جماعتين، وقد سبق هذا في مسألة (٤)، ثانيها: أن يكون الراميان يحسنان الرمي بصورة متقاربة؛ فإن كان أحدهما يُحسنه، والآخر غير محسن له فإن العقد باطل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم معرفة أحدهما للرمي: عدم صحة مسابقته فيها، لكون وجوده كعدمه، ولا يحصل الغرض من المسابقة؛ لكونه مغلوبًا ابتداء، ثالثها: أن يعرف كل واحد من المتسابقين عدد الرمي، والرشق، والإصابة كأن يقول أحدهما: "الرشق وعدد الرمي عشرون، والإصابة خمسة، فمتى رمى أحدنا عشرين رمية، وأصاب منها خمس مرات: فهو الأفضل والأسبق، فيُعطى العِوَض" فإن هذا صحيح وهذا يسمى بالمبادرة، لكن إن لم يُعلم ذلك: فلا تصح المسابقة؛ للمصلحة: حيث إن عدم معرفة ذلك يؤدّي إلى التنازع والاختلاف بينهما غالبًا، فاشترط ذلك قطعًا لذلك، رابعها: أن يعرف كل واحد منهما طول الغرض - وهو الشيء الموضوع هدفًا لهما من خشب وجلد - وعرضه وسمكه، وارتفاعه، وانخفاضه من الأرض؛ =
стр. 1843
أن يكون لهما غرضان، إذا بدأ أحدهما بغرض: بدأ الآخر بالثاني؛ لفعل الصحابة ﵃ (١١) / (١٢) / (١٣) / (١٤) /
= للمصلحة: حيث إن اختلاف ذلك بينهما يؤدِّي إلى تفضيل أحدهما عن الآخر، وهذا يؤدِّي إلى التنازع، وعدم معرفة الأفضل منهما، فدفعًا لذلك اشتُرط ذلك، خامسها أن يتحدان بالوقت فيُعطى أحدهما وقتًا مثل وقت الآخر، فلا يُستعجل أحدهما دون الآخر، ولا يُترك أحدهما بأخذ وقتًا طويلًا في الرمي، دون الآخر؛ للمصلحة، وقد ذكرناها في الثالث والرابع.
(١١) مسألة: يستحب: أن يكون للمتسابقين غرضان متساويان فيما سبق ذكره، في مسألة (١٠)، إذا بدأ أحدهما يرمي إلى غرض، يبدأ الآخر في رمي الآخر حتى يقضيا رميهما؛ لفعل الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن حذيفة أنه كان يشتد بين الهدفين يقول: أنا بها أنا بها، وثبت عن ابن عمر مثله، وكان كثير من الصحابة يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم من بعض في هذا الشيء المفيد، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق للعدالة أكثر مما لو كان هناك هدف واحد.
(١٢) مسألة: إن اشترط المتسابقان أن يرمي أحدهما حتى ينتهي، ثم يرمي الآخر: جاز؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" فإن قلتَ: لِمَ جاز هذا؟ قلتُ: لأن الغرض من مشروعية المسابقة يتحقق بهذا.
(١٣) مسألة: إذا اختلفا فيمن يبدأ بالرمي: فإنه يُقرع بينهما؛ للتلازم؛ حيث إنهما متساويان في استحقاق الابتداء فلزمت القرعة؛ لأنها مشروعة عند تساوي الحقوق.
(١٤) مسألة: يُكره أن يمدح الحاضرون للمسابقة المصيب، والأفضل، دون المفضول إذا كان هذا الفاضل ممن يتعاظم ويتكبَّر على غيره عند مدحه؛ للمصلحة: حيث إن هذا يؤدي إلى كسر قلب المفضول. =
стр. 1844
.............................. (١٥).
(١٥) مسألة: يستحب للشيخ أن يمدح طالب العلم الفاضل، دون المفضول؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حثّ على كثرة الاشتغال بالعلم، والسبق فيه.
هذه آخر مسائل باب "السبق والمسابقة والمصارعة والمراهنة والمغالبة" ويليه باب "العارية".
стр. 1845
باب العارية
بتخفيف الياء، وتشديدها: من العري، وهو التجرُّد، سُمِّيت "عارية"؛ لتجرُّدها عن العوض (وهي: إباحة نفع عين) يحل الانتفاع بها (تبقى بعد استيفائه)؛ ليردها على مالكها (١)، ...................................................
باب العارية
وفيه إحدى وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: العارية: لغة: مأخوذة: من عار يعور إذا ذهب وجاء، وهي: اسم من الإعارة يُقال: "أعرته الشيء إعارة، وعارة" على وزن: "أجبته، إجابة، وجابه"، والياء منقلبة عن "واو" تقول العرب: يتعاورون العواري": إذا أعار بعضهم بعضًا، والياء تأتي في لغة العرب مخففة، وتأتي مشدَّدة، ومنه: "استعرت منه الشيء فأعارنيه" - كما جاء في المصباح (٤٣٧)، وهي في الاصطلاح: إباحة الانتفاع بعين يحل الانتفاع بها بدون عوض مع بقاء العين وردِّها إلى مالكها" كأن يستعير زيد من عمرو دارًا، أو عبدًا، أو ثوبًا، أو دابة، أو إناء ينتفع به مدَّة من الزمن ثم يردُّه إليه دون نقص، فإن قلت: لِمَ قيل إن "الياء" في العارية منقلبة عن "واو"؟ قلتُ: لئلا تكون منسوبة إلى العار وعُلِّل ذلك بأن طلب العارية عار وعيب؛ لأن "ألف" "العار" منقلبة عن "ياء" بدليل قولهم: "عيَّرته بكذا"، ولأن النبي ﷺ قد فعلها، واستعار أدراعًا ونحوها، فلو كانت عيبًا لما فعلها، فإن قلتَ: لِمَ جُعل هذا الباب في كتاب المعاملات؟ قلتُ: لأن فيه تعامل بين اثنين: المعير والمستعير، ولأن الإعارة هبة المنافع، ففيها شبه بتأجير المنافع مع بقاء العين. فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم؟ قلتُ: لأنها مأخوذة، من العُري، وهو تجرُّدها عن العوض، ولأنها من "عار إذا ذهب ورجع، وهي كذلك تذهب العين إلى المستعير فينتفع بها، ثم يُرجعها إلى المعير.
стр. 1846
وتنعقد بكل لفظ أو فعل يدل عليها (٢)، ويشترط أهلية المعير للتبرّع شرعًا، وأهلية المستعير للتبرّع له (٣)، وهي مستحبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٤)
(٢) مسألة: تنعقد الإعارة بكل لفظٍ يدل على الانتفاع بالعين بدون عوض وإرجاعها كقول زيد لعمرو: "أعرتك هذه الدابة لتركبها"، أو يقول له: "أبحت لك الانتفاع بها" أو يقول عمرو لزيد: "أعطني هذه الدابة أركبها" فيُسلِّمها زيد له، وتنعقد بكل فعل يدل عليها كأن يقوم زيد بحمل عمرو على دابته، أو تغطيته بردائه أو نحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا يُبيح الطعام لضيفه بالقول والفعل الدالين على هذه الإباحة، فكذلك تنعقد الإعارة بالقول والفعل الدالين عليها والجامع: أن كلًّا منهما إباحة للتصرف.
(٣) مسألة: يُشترط في صحة الإعارة: أن يكون المعير والمستعير جائزي التصرُّف، بأن يكون المعير أهلًا للتبرّع، شرعًا، فالصغير، والمجنون، والسفيه، والعبد، وناظر الوقف، والمكاتب، وولي اليتيم لا يصح أن يُعيروا أحدًا، ويكون المستعير أهلًا للتبرّع له، فالصغير، والمجنون ونحوهما لا يُعارون شيئًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط جواز التصرف في البائع والمشتري فكذلك يُشترط ذلك في المعير والمستعير، والجامع: أن كلًّا منهما تصرُّف في مال، فإن قلتَ: لِمَ اشتَرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال وحقوق الآخرين؛ إذ لو جازت الإعارة بدون هذا الشرط لأعار الصبيان والمجانين ونحوهم من أموالهم الآخرين حتى تفنى ولم تُردّ عليهم، ولقبل هؤلاء من غيره الإعارات، ولم يردوها؛ لكونهم لا يعرفون مقاصد المعاملات، وفي ذلك ضرر عليهم وعلى غيرهم، فدفعًا لذلك اشترط هذا.
(٤) مسألة: الإعارة مستحبَّة، أي: يُستحب أن يُعير شخص عينًا لشخصٍ آخر؛ لينتفع به ثم يردّه، لقواعد: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ حيث أمر الشارع بالتعاون على ما فيه بر وحث =
стр. 1847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= على التقوى، وكونك تُعير شيئًا عندك لأخيك المسلم لتقضي حاجته من التعاون على ذلك؛ لأن لفظ "البر والتقوى" اسم جنس محلىَّ بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، وصرف الأمر من اقتضائه للوجوب إلى الاستحباب: السنة القولية؛ وهو حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن ماذا فرض الله عليه من الصدقة؟ فقال: "الزكاة" فقال الأعرابي: هل علىَّ غيرها؟ قال النبي ﷺ : "لا إلا تطوع" فنفى وجوب شيء في الأموال غير الزكاة، وأثبت أن غيرها كله تطوع، ومنه الإعارة ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وهذا ورد في العارية، وخصَّصها في ذلك قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن مسعود قالا: المراد بها: العواري، وصرَّح ابن مسعود بأن المراد: القدر، والميزان، والدلو، وصرف من وجوب إعارة الماعون إلى استحبابها، السنة القولية وهو حديث الأعرابي السابق؛ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث ﷺ إنه قد استعار درعًا من صفوان بن أمية يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ فقال ﷺ : "بل عارية مضمونة" الثالثة: القياس بيانه: كما أنه تجوز هبة الأعيان فكذلك تجوز هبة المنافع - وهي الإعارة - فلذلك صحَّت الوصية بالأعيان، والمنافع معًا جميعًا، والجامع: الانتفاع في كل، فإن قلت: لِمَ استُحبت الإعارة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار تعاون وتكافل وتكاتف المجتمع الإسلامي، فقد لا يستطيع بعضهم أن يشتري العين نفسها، ولا يستطيع استئجارها، وهو لا يستغني عنها ففتح الله له أن يستعيرها؛ ليقضي حاجته، ولينال معيره الأجر والثواب، فإن قلتَ: إن الإعارة واجبة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فذمهم على منعهم لإعارة الماعون وهو: الإناء - ولا يذم على ترك شيء إلّا إذا كان واجبًا؛ لأن الواجب: ما ذمّ على تركه مطلقًا، فيلزم أن تكون الإعارة واجبة قلتُ: إن السنة القولية - وهو: حديث الأعرابي السابق الذكر - هو الذي صرف الأمر من اقتضائه للوجوب إلى =
стр. 1848
(وتباح إعارة كل ذي نفع مباح) كالدار، والعبد، والدابة، والثوب، ونحوها (٥) (إلا البضع)؛ لأن الوطء لا يجوز إلّا في نكاح، أو ملك يمين، وكلاهما منتفٍ (٦) (و) إلا (عبدًا مسلمًا لكافر)؛ لأنه لا يجوز له استخدامه (٧) (و) إلا (صيدًا ونحوه) كمخيط (لمحرم)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٨) (و) إلا (أمة شابَّة لغير
= الندب كما سبق ذكره، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل الآية على إطلاقها أم هي مصروفة إلى الندب؟ " فعندنا: مصروفة، وعندهم: لا.
(٥) مسألة: تجوز إعارة كل عين يُنتفع بها منفعة مباحة مع بقاء ملكها لصاحبها، مثل إعارة الدار، والعبد، والدابة، والثوب، والدلو، والحلي، والكلب للصيد ونحو ذلك مما يعرف بعينه، فلا يصح إعارة حيوان زمن لا ينتفع به؛ للسنة الفعلية والقولية: حيث إنه ﷺ قد استعار أدراعًا، وذكر إعارة دلوها، وطرق فحلها، وغير ذلك تُلحق بها من باب: "مفهوم الموافقة" فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: لأن ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع ملك إباحته مع عدم وجود مانع.
(٦) مسألة: لا تجوز إعارة البضع - وهو الفرج - للاستمتاع به؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أنه لا يُستباح بالبذل، ولا بالإباحة، ومستند هذا الإجماع: التلازم؛ حيث إن البضع لا يُباح إلا بالنكاح وملك اليمين، فيلزم عدم إباحته بغيرهما، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو جازت إعارة ذلك: لجاز الزنا، لأن الزانية تبذل بضعها للزاني وتُعيره إياه.
(٧) مسألة: لا تجوز إعارة العبد المسلم للكافر؛ ليخدمه خدمة خاصة؛ للقياس؛ بيانه: كما لا تجوز إجارته له، - كما تقدم - فلا تجوز إعارته له، والجامع: أنه في كل منهما تمكين للكافر على المسلم لاستخدامه، وهذا لا يجوز، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام للمسلم، وإظهار له على الكفار، فلو أعير عبد مسلم لكافر: الحصل عكس ذلك.
(٨) مسألة: لا تجوز إعارة صيد، أو مخيط، أو طيب لمحرم في حج أو عمرة، وكذا: لا =
стр. 1849
امرأة أو مَحرَم)؛ لأنه لا يُؤمن عليها، ومحلُّ ذلك: إن خشي المحرم، وإلا: كُره فقط، ولا بأس بشوهاء، وكبيرة لا تُشتهى، ولا بإعارتها لامرأة، أو ذي محرم؛ لأنه مأمون عليها (٩) /
= تجوز إعارة آلات الغناء، والحلي المحرم، والزمر، أو إعارة دار ليصنع فيها خمر أو يشرب فيها أو مجمع للفساد فيها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فنهى الشارع عن التعاون على كل شيء فيه إثم ومعصية، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فتحرم إعارة هذه الأشياء؛ لدخولها في عموم هذه الآية؛ حيث إن "الإثم" و"العدوان" مفرد محلى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة على الطاعة، ونبذ الفساد عن المجتمع الإسلامي.
(٩) مسألة: لا تجوز إعارة امرأة لخدمة رجل أجنبي عنها: سواء كانت شابة أو كبيرة، وسواء كانت شوهاء أو حسناء، وسواء كانت تشتهى أو لا، وسواء خشي عليها أو لا، أما إعارتها لامرأة أخرى لخدمتها، أو إعارتها لمحرمها: فيجوز مطلقًا؛ للمصلحة: حيث إن إعارتها لرجل أجنبي عنها تؤدِّي إلى خلوه بها، فيُحسنها الشيطان في نظره، ويُحسنه في نظرها فتقع الفتنة، ثم تقع فاحشة الزنا - وأعاذنا الله وإيّاكم منها - مصداقًا لقوله ﷺ : "ما خلى رجل بامرأة إلّا وكان ثالثهما الشيطان"، لذا لا يُؤمن أن تقع في ذلك ولا فرق في ذلك بين الشابة والكبيرة، والشوهاء والحسناء والتي تُشتهى وغيرها؛ لأن لكل ساقطة لاقطة، فقد تكون قبيحة عند شخص، ولكنها حسناء عند آخر، وقد لا يشتهيها شخص، ويشتهيها الآخر، وهكذا، وهذا واقع في المجتمع كما نرى ونشاهد، فلذا حرمت إعارة المرأة -مهما كانت- لأي أجنبي -مهما كان- منعًا للمفسدة، ودفعًا لها، وسدًا للذرائع، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، أما إعارتها لامرأة مثلها، أو لرجل من محارمها فتجوز؛ لأنه يؤمن عليها غالبًا كما ذكرناه. فإن قلتَ: تجوز =
стр. 1850
(١٠)، وللمعير الرجوع متى شاء ما لم يأذن في شغله بشيء يستضر المستعير برجوعه فيه كسفينة الحمل متاعه فليس له الرجوع ما دامت في لُجَّة البحر (١١)، وإن
= إعارة المرأة لرجل أجنبي عنها إن أمن عليها بأن كان لا ينظر إليها، ولا يخل بها مع الكراهة، وتجوز إعارة المرأة الشوهاء، والكبيرة لرجل أجنبي - عنها لتخدمه بشرط: أن تكون هذه المرأة لا تُشتهى وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع حاجة هذا الرجل من خدمة ونحو ذلك قلتُ: إن هذا فيه مصلحة خاصة لهذا الرجل، وما ذكرناه من المصلحة فيه دفع مفسدة الوقوع في الفاحشة، وهي مقدَّمة على مصلحتهم؛ لكونها عامة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتً: سببه: "تعارض المصلحتين" فقدَّمنا مصلحتنا: لأن فيها دفع مفسدة الفتنة ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقدموا ما ذكروه من المصلحة؛ لأنها خاصة. (فرع): لا تجوز إعارة الأمرد إلى رجل ليخدمه مثل المرأة كما سبق في مسألة (٩).
(١٠) مسألة: تجب إعارة كتب العلم للمحتاج إليها من القضاة، والحكّام، وأهل الفتوى، وأهل التعليم، وطلاب العلم الذين يُعلم منهم علمًا حقيقيًا طلبهم للعلم الحقيقي؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إعانة على نشر العلم وتعليمه، وهو ما ذكره ابن عقيل، (فرع) زاد العبادي: أن المستعير لا يُغيِّر خطأ رآه في الكتاب إلّا إن كان في آية، أو كان خطأ محضًا لا يحتمل التأويل؛ للمصلحة: حيث إن تغيير ذلك - مع عدم القطع - يشوّه الكتاب على صاحبه.
(١١) مسألة: يجوز للمعير أن يرجع ويأخذ العين المعارة من المستعير في أي وقت شاء إذا كانت الإعارة مطلقة، أي: بدون تقييد في وقت بشرط: أن لا يكون هذا الرجوع يؤدِّي إلى ضرر يلحق المستعير كأن يعير زيد عمرًا سفينة، فلما صارت في وسط البحر: طلب المعير - وهو زيد - إرجاعها، فهذا لا يجوز؛ لما فيه من إلحاق الضرر والهلاك للمعير، وكذلك لو أعاره سروالًا، فلما كان عمرو بين الناس طلب المعير - وهو زيد - أن يخلع هذا السروال ويُرجعه إليه، فهذا لا يجوز أما إن =
стр. 1851
أعاره حائطًا؛ ليضع عليه أطراف خشبه: لم يرجع ما دام عليه (١٢) (ولا أجرة لمن
= كانت مؤقتة: فلا يجوز طلبها حتى ينتهي الوقت المذكور؛ للتلازم؛ حيث إن العارية إباحة فيلزم إرجاعها في أيِّ وقت إلا أن، ويلزم من إلحاق الضرر إلى المستعير: عدم جواز إرجاع العارية فيما يتضرّر به؛ لأنها تنزل منزلة الضرورة؛ حيث يلزم من إرجاع السفينة هلاك المستعير، ويلزم من إرجاع السروال: كشف عورة المستعير، وهذان محرَّمان، والمحرم يُقدَّم على المباح ويلزم من توقيتها: عدم جواز طلبها قبل انتهاء ذلك الوقت المشترط؛ لأنه سيُلحق الضرر بالمستعير، فقد يعتمد على العين المعارة وقتًا معينًا يتضرّر إن أزيلت قبل فراغه، فإن قلتَ: يجوز للمعير أن يرجع ويأخذ العارية من المستعير في أي وقت: سواء كانت الإعارة مطلقة أو مؤقتة وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو مذهب الجمهور؛ للمصلحة، والتلازم؛ حيث إن العين المعارة لم يملكها المستعير بسبب تلك الإعارة سواء كانت مطلقة، أو مؤقتة، فيلزم جواز طلبها في أي وقت؛ لكون اشتراط التوقيت لا يلزم منه منع طلبها متى شاء المعير، وإلا انقلبت إلى ما يشبه الغصب فدفعًا للضرر عن المعير: شرع هذا قلتُ هذا لا يسلم، فقد يكون غرض وقصد المستعير لا يتحقَّق إلا إذا اشترط وقتًا معينًا يكون مدَّة لتلك الإعارة، وهذا هو الواقع، فلو طلبها المعير قبل الانتهاء من ذلك الوقت لتضرَّر المستعير ضررًا قد يكون أكثر مما لو لم يأخذ تلك العين المعارة، فدفعًا للضرر عن المستعير: شُرع عدم جواز طلبها قبل انتهاء وقتها إذا كانت مؤقتة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فنحن نظرنا إلى مصلحة المستعير وسدِّ حاجته، وهم نظروا إلى مصلحة المعير، وأن ذلك من حقه.
(١٢) مسألة: إذا أعار زيد عمرًا حائطًا وجدارًا ليضع عمرو أطراف خشبه عليه: فيجوز للمعير - وهو زيد - أن يرجع في ذلك ويمنع عمرًا من ذلك قبل، وضعها على الحائط وبعده بشرط: أن لا يكون عمرو قد بنى على أطراف خشبه التي =
стр. 1852
أعار حائطًا) ثم رجع (حتى يسقط)؛ لأن بقاءه بحكم العارية، فوجب كونه بلا أجرة (١٣)، بخلاف من أعار أرضًا لزرع ثم رجع، فيبقى الزرع بأجرة المثل لحصاده؛ جمعًا بين الحقَّين (١٤) (ولا يردُّ) الخشب (إن سقط) الحائط الهدم أو غيره؛ لأن الإذن
= وضعها على ذلك الحائط بناءً، فإن كان قد بنى عليها: فلا يجوز لزيد أن يرجع ما دام على ذلك الحائط؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون عقد الإعارة عقد جائز: أن للمعير الرجوع متى ما شاء إذا لم يُوجد ضرر على المستعير، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المعير إذا رجع وطلب من المستعير أن يقلع خشبه، أو قلعها هو بعد البناء عليها: فإن المسعير يتضرَّر بسبب هدم البناء كله، فدفعًا لذلك: حرم الرجوع في ذلك.
(١٣) مسألة: إذا أعار زيد عمرًا حائطًا ليضع عمرو أطراف خشبه عليه: فلا أجرة للمعير - وهو زيد - إلى أن يسقط الحائط من نفسه، وكذا: لا أجرة لمن أعار أرضًا للدفن فيها إلى أن تبلى عظام الموتى، ولا أجرة أيضًا لمن أعار سفينة إلى أن تعود، سواء طال زمن الإعارة أو لا، وسواء رجع المعير عن الإعارة أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن العارية بلا عوض، بدون تحديد زمن فيلزم كونه بلا أجرة. الثانية: القياس؛ بيانه كما أن زيدًا لو وهب عمرًا ثوبًا: لا يرجع فيها، ولا أجرة له، فكذلك إذا أعاره حائطًا ليضع أطراف خشبه عليه أو سفينة، أو أرضًا لدفن الموتى: فلا أجرة له والجامع: عدم ملك الرجوع في منفعة العين المعارة والموهوبة؛ لما يترتّب عليه من الإضرار بالمستعير أو الموهوب، وهو المقصد منه.
(١٤) مسألة: إذا أعار زيد عمرًا أرضًا ليقوم عمرو بزراعتها، فرجع المعير، وطلب أرضه من المستعير - وهو عمرو -: فلا يُقبل رجوعه إلى أن يحصد المستعير - وهو عمرو - ذلك الزرع الذي زرعه، وهو مذهب كثير العلماء، منهم ابن قدامة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم والقياس؛ وقد سبقا في مسألة (١٣)، فإن قلتَ: بل يُقبل =
стр. 1853
تناول الأول فلا يتعدَّاه لغيره (إلا بإذنه) أي: إذن صاحب الحائط، أو عند الضَّرورة إلى وضعه إذا لم يتضرَّر الحائط - كما تقدم في "الصلح" - (١٥). (وتضمن العارية)
= رجوع المعير، ويبقى زرع المستعير بأجرة المثل إلى أن يحصده - فيدفع للمعير تلك الأجرة من طلبه إلى الحصاد، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن الإعارة بُنيت على جواز الرجوع - لكونه يلزم من حقيقتها -، وهو من مصلحة المعير، وقلع الزرع يُلحق الضَّرر بالمستعير فيُمنع دفعًا لهذا الضَّرر عنه، فتُوجب أجرة المثل على المستعير فيدفعها للمعير إلى الحصاد؛ دفعًا للضرر عنهما قلتُ: إن الضرر الذي يلحق المستعير للأرض أكثر من الضرر الذي يلحق المعير؛ لأن المستعير للأرض قد تكلَّف عليها، وقد يكون قد استدان لأجل زراعتها، فإذا رجع المعير، وفرض على المستعير أجرة المثل: فإن الضرر يكون على المستعير قد تضاعف، فتُقدَّم مراعاته، ولا يُنظر للضرر الذي يلحق المعير؛ لقلَّته وخفَّته بالنسبة لضرر المستعير، ثم إن المعير يعلم أن الأرض الذي أعارها سيزرعها المستعير وأن للزرع وقتًا ينتهي إليه، فلم يطلبها من المستعير إلّا لكونه قاصدًا الضَّرر به من قلع زرعه، أو دفع أجرة المثل وهذه من الحيِّل المخالفة للقواعد الشرعية لذلك يُعامل بنقيض قصده، فلا يقبل رجوعه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" كما سبق أن ذكرناه.
(١٥) مسألة: إذا أعار زيد عمرًا جدارًا وحائطًا ليضع عمرو أطراف خشبه عليه، وانهدم الجدار وسقط: سواء كان بسبب آفة سماوية من مطر ونحوه، أو كان بسبب غير ذلك، ثم بُني من جديد: فلا يجوز للمستعير- وهو عمرو - أن يردَّ أطراف خشبه إلى الجدار والحائط مرة أخرى إلّا بأحد أمرين: أولهما: إما أن يأذن له المعير، وهو صاحب الجدار والحائط - وهو زيد هنا - ثانيهما: أو أن يضطر المستعير إلى وضع أطراف خشبه عليه، بأن لا يوجد غيره يسقف عليه، بشرط: أن لا يُلحق الضرر إلى المعير، فإن ألحق به ضررًا فلا يجوز؛ لقاعدتين: الأولى: =
стр. 1854
المقبوضة إذا تلفت في غير ما استعيرت له؛ لقوله ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" رواه الخمسة، وصححه الحاكم، ورُوي عن ابن عباس وأبي هريرة، لكن المستعير من المستأجر، أو لكتب علم ونحوها موقوفة لا ضمان عليه إن لم يُفرِّط (١٦)،
= السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا يمنعنَّ جارٌ جاره أن يضع خشبه على جداره" فحرم منع الجار من وضع خشبه على جداره؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم وهو عام، فيشمل الضرورة وغيرها؛ لأنه مطلق في الأحوال؛ لأن لفظ "جاره" نكرة مضاف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، ثانيهما: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فحرم الإضرار بالآخرين عمومًا؛ لأن النفي هنا نهي، وهو يقتضي التحريم، ولأن "ضرر، وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، وهو مخصِّص للحديث الأول؛ ويكون المراد: لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبه على جداره عند عدم وجود الضرر عليه - أي: على صاحب الجدار -، فإن وُجد ضرر، فيُباح له أن يمنعه، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٤١) من باب "الصلح"، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الإذن قد تناول الحالة الأولى -وهو قبل هدم الحائط-: أن لا يتعداه إلى الحالة الثانية - وهي: البناء الذي وقع بعد الهدم -، ويلزم من إذنه في الحالة الثانية: جواز وضع المستعير أطراف خشبه على جدار جاره؛ لكونه قد أسقط حقه بهذا الإذن.
(١٦) مسألة: إذا قبض المستعير العين المعارة له فتلفت وهي تحت يده: ففي ضمانها وعدمه ما يلي من التفصيل: أولًا: إن كان قد استعملها فيما استُعيرت له كأن يستعير ثوبًا ليلبسه في يوم الجمعة ويوم الزينة فقط، أو استعار كتب علم ليقرأ فيها واستعمل ذلك الثوب لذلك اللبس، وتلك الكتب للقراءة على ما اعتيد في ذلك فتلفت بدون تفريط، ولا تعد: فإنه لا يضمنها، فلا يطالبه المعير بمثلها، ولا بقيمتها؛ للتلازم؛ حيث إن الإذن في استعمال العين المعارة - وهو حقيقة =
стр. 1855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= العارية - قد تضمَّن الإذن في الإتلاف الحاصل بسبب الاستعمال، فيلزم عدم ضمانها؛ لكونه فعل ماله فعله شرعًا؛ إذ ما أذن في إتلافه غير مضمون. ثانيًا: إن كان قد استعملها فيما استعيرت له: فلبس الثوب ليوم الجمعة والزينة فقط، وانتفع بكتب العلم الموقوفة فتلفت بسبب تفريطه، وتعدِّيه بأن جعلها قريبة من نار أو نحو ذلك: فإنه يضمنها، أو استعملها في غير ما استعيرت له: بأن ليس الثوب في غير أيام الجمع والزينة، أو جعله حافظًا للطعام، أو استعمل الكتب لأغراض غير القراءة؛ فإنه يضمنها: سواء تعدَّى هنا أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه"، وهذا عام؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ذلك العارية، فيجب أن تُرجع العارية لصاحبها؛ لأن "على" من صيغ الوجوب، وهو مطلق في الاستعمال، ثانيهما: أن النبي ﷺ قد استعار من صفوان بن أمية درعًا يوم حنين، فقال: صفوان: أغصب يا محمد؟ فقال ﷺ : "بل عارية مضمونة" فوصف النبي ذلك الدرع بأنه عارية مضمونة، أي مردودة، فإن تلفت: فيرد مثلها أو قيمتها، وهذا مطلق: أي يضمن سواء تلف بسبب تعدٍّ، وتفريط أو لا، أو تلف بسبب استعمالها فيما استعيرت له، أو لا، وقيَّد هذين النصين، القياس؛ بيانه: كما أن الغاصب الثوب ونحوه يضمنه إذا تلف، فكذلك المستعير للثوب إذا استعمله ثم تلف بسبب تعدٍّ، أو تفريط، أو استعماله في غير ما استعير له يضمنه، والجامع: أن كلًّا منهما يُسمَّى متعدٍّ ومُستعمِل للشيء - وهو المغصوب والعين المعارة - من غير إذن شرعي، وعلى هذا فإن المستعير لا يضمن إذا استعمل العين المعارة فيما استُعيرت له بدون تفريط، أو تعدٍّ؛ ويضمن إذا تعدَّى أو فرَّط في استعمالها فيما استعيرت له، وكذا إذا استعملها في غير ما استعيرت له يضمنها مطلقًا - أي: يضمنها في الحالة الأخيرة - ولو لم يفرط أو =
стр. 1856
وحيث ضمنها المستعير فـ (بقيمتها يوم تلفت) إن لم تكن مثلية، وإلا: فبمثلها، كما تضمن في الإتلاف (١٧) (ولو شرط نفي ضمانها): لم يسقط؛ لأن كل عقد اقتضى الضمان لم يُغيِّره الشرط (١٨)، وعكسه نحو: وديعة لا تصير مضمونة بالشرط، وإن
= يتعدَّى؛ لأن هذا هو اللازم من استعمالها في غير ما استُعيرت له، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن ابن عباس وأبي هريرة: أن العارية مضمونة، وهذا الإطلاق مُقيَّد بالقياس السابق، واللازم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المعير والمستعير، وعدم التفريط في حقوق الآخرين، والتعدِّي على أموالهم، تنبيه: قوله: "لكن المستعير من المستأجر": حكمه حكم المسألة السابقة ففيه التفصيل الذي قلناه فيها، فلا داعي لتخصيصها بالذكر.
(١٧) مسألة: إذا فرَّط المستعير في العارية أو تعدَّى في استعمالها، أو استعملها في غير ما استُعيرت له: وتلفت فإن كان للعين المعارة مثل يشبهها تمامًا: فإنه يدفع للمعير هذا المثل: كأن يكون قد استعار إناء، ثم تلف - بما ذكرناه -: فإنه يردُّ على المعير إناء مثله - إن وُجد -، وإن لم يكن للعين المعارة مثل: فإنه يردُّ قيمتها في اليوم الذي أُتلفت فيه؛ للقياس؛ بيانه كما أن زيدًا لو أتلف إناء - بدون أن يستعيره - فإنه يضمنه بأن يردُّ مثله إلى صاحبه إن كان له مثل، ويدفع له قيمته يوم الإتلاف إن لم يكن له مثل، فكذلك الحكم في استعارته، والجامع: أن كلًّا منهما قد أُتلف بدون وجه حق، فوجب ضمانه بما ذكرناه، فإن قلتَ: لم يُضمن بدفع مثله وقيمته إن عُدم المثل؟ قلتُ: لأن المثل أقرب من القيمة في إحقاقا لحق، فإن قلتَ: لِمَ يُضمن بقيمته يوم إتلافه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه اليوم الذي تحقَّق فيه فوات العين المعارة، فقد يختلف سعرها بالهبوط أو بالارتفاع، فيتضرر المعير، أو المستعير، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(١٨) مسألة: إذا أخذ المستعير العين المعارة وشرط على المعير: أن لا يضمنها فيما لو =
стр. 1857
تلفت هي أو أجزاؤها في انتفاع بمعروف: لم تضمن؛ لأن الإذن في الاستعمال تضمَّن الإذن في الإتلاف، وما أُذن في إتلافه غير مضمون (١٩) (وعليه) أي: وعلى
= تلفت وقبل المعير ذلك: فإن الضمان يسقط عنه، إذا تلفت، فلا يُطالب بها المعير، ولا بقيمتها، وهو مذهب كثير من العلماء؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" وهو عام لهذا ولغيره، فأيُّ شرط لا يُخالف الكتاب والسنة فهو صحيح ومُلزم؛ لأن "شروطهم" جمع منكر مضاف إلى معرفة - وهو الضمير- وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن، فيدل على نفي الضمان بشرطه، فإن قلتَ: الضمان يجب على المستعير إذا أتلف العارية بتعدٍّ أو تفريط ولو شرط عدم ضمانها؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن العارية إذا تلفت بتعدٍّ أو تفريط: فإنها تُضمن - وهذا هو مقتضى عقد الضمان ولا يُغيِّر هذا المقتضى شرط شارط مهما كان فيلزم ضمانها قلتُ: إن هذا التلازم مخالف لعموم السنة القولية، فلا يعمل به، ثم إن الضمان من حقِّ المعير، وهو قد أسقط حقه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل التلازم مُخصِّص لعموم السنة هنا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(١٩) مسألة: إذا أودع زيد عند عمرو وديعة واشترط المودع على عمرو: أن يضمنها إن تلفت عنده، وقبل المودَع - وهو عمرو - ذلك: فإنه يضمنها إذا تلفت، فيُطالبه المودع - وهو زيد - بها؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" وقد بيّناه في مسألة (١٨)، فإن قلتَ: إن الوديعة لا تضمن إذا تلفت، وإن شُرط ضمانها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن مقتضى عقد الوديعة يلزم منه عدم ضمانها، فالشرط لا يُغيِّر هذه القاعدة قلتُ: الجواب عنه، وسبب الخلاف في ذلك كما قلنا في مسألة (١٨) تنبيه: قوله: "وإن تلفت هي أو أجزاؤها" إلى قوله: "غير مضمون" قد سبق بيانه بالتفصيل في مسألة (١٦)، ولا داعي لتكراره.
стр. 1858
المستعير (مؤونة ردِّها) أي: ردُّ العارية؛ لما تقدم من حديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" وإذا كانت واجبة الرَّد: وجب أن تكون مؤنة الرَّد على من وجب عليه الرَّد (٢٠) (لا المؤجَّرة) فلا يجب على المستأجر مؤونة ردِّها؛ لأنه لا يلزمه الردِّ، بل يرفع يده إذا انقضت المدَّة، ومؤنة الدابة المؤجَّرة، والمعارة على المالك (٢١)، وللمستعير
(٢٠) مسألة تجب على المستعير مؤنة ردِّ العارية إلى المعير، أو من يقوم مقامه، أو ما جرت العادة أنه يقبض عنه حقوقه كخازنه، أو زوجته المتصرفة بماله، أو سائس حيواناته أو نحو ذلك؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" وهذا يلزم منه إيصال ما عند المستعير من العارية والأمانة إلى المعير أو من يقوم مقامه، ويلزم من ذلك: أن تكون مؤنة الرَّد - من الاستئجار على حملها إلى المعير ونحو ذلك - على المستعير؛ لكونه لا يتم ردُّ العارية إلا بذلك فوجب لأن ذمته لا تبرأ إلّا بذلك، من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حق المعير؛ لئلا تجتمع عليه خسارة ما لحق العارية من ضرر وخسارة مؤنة ردِّها إليه، فشُرع: أن يتحمَّل المستعير مؤنة الرَّد.
(٢١) مسألة: تجب على المستأجر مؤنة ردِّ العين المستأجرة إلى المؤجِّر، كما أن مؤنة ردِّ العين المعارة واجبة على المستعير، فلو استأجر دارًا وانقضت مدَّة الإجارة: فيجب على المستأجر أن يُسلِّم مفاتيح الدار للمؤجِّر، وكذلك لو استأجر دابة، وانتهت المدَّة: فيجب على المستأجر أن يُسلِّم تلك الدابة لصاحبها وعليه مؤنة ذلك حتى يُسلِّمهما إلى المؤجِّر، وكذلك لو استعار دابة: فتجب مؤنة ردها على المستعير حتى يُسلّمها إلى المعير، ويفعل ذلك كله كما استلمها منه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" وهو عام، وقد سبق بيان وجه الدلالة منه على ذلك في مسألة (٢٠)، ولا فرق بين ذلك، وبين العارية. فإن قلتَ: لا تجب على المستأجر مؤنة ردِّها، بل رفع يده إذا تمَّت مدَّته، =
стр. 1859
استيفاء المنفعة بنفسه، وبوكيله؛ لأنه نائبه (٢٢) (ولا يُعيرها) ولا يُؤجِّرها؛ لأنها إباحة المنفعة فلم يجز أن يبيحها غيره كإباحة الطعام (٢٣) (فإن) أعارها و (تلفت عند الثاني:
= وكذا الدابة المستأجرة، والمعارة على المالك - أيضًا - وهو ما ذكره المصنف هنا.
قلتُ: هذا مخالف لعموم السنة السابقة الذكر، ومخالف للمصالح الشرعية إذ لو رفع المستأجر يده عن العين المؤجرة فقط: من دار أو دابة، وكذا: الدابة المعارة، والمؤجِّر أو المعير لم يعلم بذلك: فإنهما سيكونان محلًا لسرقتهما أو لتلفهما، وهذا محسوب على المستأجر والمستعير فدفعًا لذلك: شُرع ما قلناه.
(٢٢) مسألة: المستعير هو الذي يستوفي منفعة العين المعارة بنفسه، ويستوفيها بواسطة وكيله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المستأجر يستوفي منفعة العين المؤجرة بنفسه وبواسطة وكيله فكذلك المستعير مثله، والجامع: أن كلًّا من المستأجر والمستعير ملك التصرف بالمنفعة بإذن المالك - وهما: المؤجِّر، والمعير - ولهما أن يستوفياها بواسطة وكيلهما؛ لكون الوكيل في كل شيء نائبًا عن الموكِّل في الاستيفاء، ويده كيد الموكِّل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحديد المستوفي لمنفعة العين المعارة؛ لئلا يستعملها غير المستعير أو وكيله فيتضرَّر المعير.
(٢٣) مسألة: إذا استعار زيد ثوبًا من عمرو: فلا يجوز للمستعير - وهو زيد - أن يُعير هذا الثوب لبكر، ولا يجوز أن يُؤجِّره عليه، ولا يجوز له أن يرهنه إياه إلّا بشرط أن يأذن المالك - وهو عمرو - بأن يُعير زيد الثوب لبكر، أو يُؤجِّره، أو يرهنه، فإن أذن: جاز، وإلا فلا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو أباح لزيد أن يأكل من طعامه فليس لزيد أن يُبيح هذا الطعام لبكر، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما فيه إباحة الانتفاع بالعين وإباحتها لشخص معيَّن، فلا تتعدَّى هذه الإباحة غيره؛ لكون المقصود في ذلك الانتفاع الشخص نفسه، فقد يكون عمرو لا يُبيح لبكر أن يأكل من طعامه، ولا ينتفع بشيء له، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المالك - وهو المعير الأول =
стр. 1860
استقرَّت عليه قيمتها) إن كانت متقوِّمة: سواء كان عالمًا بالحال أو لا؛ لأن التلف حصل في يده (و) استقرَّت (على مُعيرها أجرتها) للمعير الأول إن لم يكن المستعير الثاني عالمًا بالحال، وإلا: استقرّت عليه أيضًا (و) للمالك أن (يُضمِّن أيَّهما شاء) من المعير؛ لأنه سلَّط على إتلاف ماله أو المستعير، لأن التلف حصل تحت يده (٢٤) (وإن
= وهو عمرو -؛ لئلا يتحايل أحد كان يكرهه فيستعير من المستعير الأول ملك المعير - وهو عمرو - فيتلفه فيتضرَّر. فإن قلتَ: بل يجوز للمستعير - وهو زيد - أن يُعيرها لبكر، وهو قول كثير من العلماء منهم أبو حنيفة، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يجوز للمستأجر تأجير العين التي استأجرها - كما سبق في مسألة (٢٨) من باب "الإجارة" - فكذلك يجوز للمستعير أن يعير العين المعارة والجامع: أن كلًّا منهما قد أبيح له الانتفاع بالعين، فيجوز له أن يبيحها لغيره. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المستأجر قد ملك الانتفاع بالعين فملك أن يُملِّكها غيره، أما المستعير فلم يملك المنفعة، إنما ملك استيفائها على الوجه الذي أذن له فيه فقط، وفرق بينهما، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" على ما بيناه: فنحن ألحقناه بمن أبيح له أكل طعام؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بتأجير المؤجر؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم وهذا ما يُسمَّى بـ "قياس الشَّبه" أو "غلبة الأشباه".
(٢٤) مسألة: إذا استعار زيد ثوبًا من عمرو، ثم أعاره زيد لبكر، ثم تلف عند بكر: ففيه التفصيل: الآتي: أولًا: إن كان المعير الأول - وهو عمرو - لم يأذن للمعير الثاني - وهو زيد - بأن يُعيره إلى بكر: فإن المعير الأول - وهو لعمرو - يُضمِّنه المعير الثاني - وهو زيد -، فيجب على زيد دفع مثله إلى عمرو، وإن لم يكن له مثل فيجب عليه أن يدفع قيمته في يوم إتلافه، ولا دخل لعمرو ببكر، ويُطالب زيد بكرًا بحقه إن شاء؛ للتلازم؛ حيث إن عمرًا قد أعار زيدًا ولم يأذن بإعارته إلى بكر فيلزم أن يضمنه هو؛ لكون علاقته معه، لا مع بكر، =
следующие страницы →