← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وحيث ضمنها المستعير فـ (بقيمتها يوم تلفت) إن لم تكن مثلية، وإلا: فبمثلها، كما تضمن في الإتلاف (١٧) (ولو شرط نفي ضمانها): لم يسقط؛ لأن كل عقد اقتضى الضمان لم يُغيِّره الشرط (١٨)، وعكسه نحو: وديعة لا تصير مضمونة بالشرط، وإن = يتعدَّى؛ لأن هذا هو اللازم من استعمالها في غير ما استُعيرت له، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن ابن عباس وأبي هريرة: أن العارية مضمونة، وهذا الإطلاق مُقيَّد بالقياس السابق، واللازم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المعير والمستعير، وعدم التفريط في حقوق الآخرين، والتعدِّي على أموالهم، تنبيه: قوله: "لكن المستعير من المستأجر": حكمه حكم المسألة السابقة ففيه التفصيل الذي قلناه فيها، فلا داعي لتخصيصها بالذكر. (١٧) مسألة: إذا فرَّط المستعير في العارية أو تعدَّى في استعمالها، أو استعملها في غير ما استُعيرت له: وتلفت فإن كان للعين المعارة مثل يشبهها تمامًا: فإنه يدفع للمعير هذا المثل: كأن يكون قد استعار إناء، ثم تلف - بما ذكرناه -: فإنه يردُّ على المعير إناء مثله - إن وُجد -، وإن لم يكن للعين المعارة مثل: فإنه يردُّ قيمتها في اليوم الذي أُتلفت فيه؛ للقياس؛ بيانه كما أن زيدًا لو أتلف إناء - بدون أن يستعيره - فإنه يضمنه بأن يردُّ مثله إلى صاحبه إن كان له مثل، ويدفع له قيمته يوم الإتلاف إن لم يكن له مثل، فكذلك الحكم في استعارته، والجامع: أن كلًّا منهما قد أُتلف بدون وجه حق، فوجب ضمانه بما ذكرناه، فإن قلتَ: لم يُضمن بدفع مثله وقيمته إن عُدم المثل؟ قلتُ: لأن المثل أقرب من القيمة في إحقاقا لحق، فإن قلتَ: لِمَ يُضمن بقيمته يوم إتلافه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه اليوم الذي تحقَّق فيه فوات العين المعارة، فقد يختلف سعرها بالهبوط أو بالارتفاع، فيتضرر المعير، أو المستعير، فدفعًا لذلك: شرع هذا. (١٨) مسألة: إذا أخذ المستعير العين المعارة وشرط على المعير: أن لا يضمنها فيما لو =

стр. 1857

تلفت هي أو أجزاؤها في انتفاع بمعروف: لم تضمن؛ لأن الإذن في الاستعمال تضمَّن الإذن في الإتلاف، وما أُذن في إتلافه غير مضمون (١٩) (وعليه) أي: وعلى = تلفت وقبل المعير ذلك: فإن الضمان يسقط عنه، إذا تلفت، فلا يُطالب بها المعير، ولا بقيمتها، وهو مذهب كثير من العلماء؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" وهو عام لهذا ولغيره، فأيُّ شرط لا يُخالف الكتاب والسنة فهو صحيح ومُلزم؛ لأن "شروطهم" جمع منكر مضاف إلى معرفة - وهو الضمير- وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن، فيدل على نفي الضمان بشرطه، فإن قلتَ: الضمان يجب على المستعير إذا أتلف العارية بتعدٍّ أو تفريط ولو شرط عدم ضمانها؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن العارية إذا تلفت بتعدٍّ أو تفريط: فإنها تُضمن - وهذا هو مقتضى عقد الضمان ولا يُغيِّر هذا المقتضى شرط شارط مهما كان فيلزم ضمانها قلتُ: إن هذا التلازم مخالف لعموم السنة القولية، فلا يعمل به، ثم إن الضمان من حقِّ المعير، وهو قد أسقط حقه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل التلازم مُخصِّص لعموم السنة هنا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم. (١٩) مسألة: إذا أودع زيد عند عمرو وديعة واشترط المودع على عمرو: أن يضمنها إن تلفت عنده، وقبل المودَع - وهو عمرو - ذلك: فإنه يضمنها إذا تلفت، فيُطالبه المودع - وهو زيد - بها؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" وقد بيّناه في مسألة (١٨)، فإن قلتَ: إن الوديعة لا تضمن إذا تلفت، وإن شُرط ضمانها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن مقتضى عقد الوديعة يلزم منه عدم ضمانها، فالشرط لا يُغيِّر هذه القاعدة قلتُ: الجواب عنه، وسبب الخلاف في ذلك كما قلنا في مسألة (١٨) تنبيه: قوله: "وإن تلفت هي أو أجزاؤها" إلى قوله: "غير مضمون" قد سبق بيانه بالتفصيل في مسألة (١٦)، ولا داعي لتكراره.

стр. 1858

المستعير (مؤونة ردِّها) أي: ردُّ العارية؛ لما تقدم من حديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" وإذا كانت واجبة الرَّد: وجب أن تكون مؤنة الرَّد على من وجب عليه الرَّد (٢٠) (لا المؤجَّرة) فلا يجب على المستأجر مؤونة ردِّها؛ لأنه لا يلزمه الردِّ، بل يرفع يده إذا انقضت المدَّة، ومؤنة الدابة المؤجَّرة، والمعارة على المالك (٢١)، وللمستعير (٢٠) مسألة تجب على المستعير مؤنة ردِّ العارية إلى المعير، أو من يقوم مقامه، أو ما جرت العادة أنه يقبض عنه حقوقه كخازنه، أو زوجته المتصرفة بماله، أو سائس حيواناته أو نحو ذلك؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" وهذا يلزم منه إيصال ما عند المستعير من العارية والأمانة إلى المعير أو من يقوم مقامه، ويلزم من ذلك: أن تكون مؤنة الرَّد - من الاستئجار على حملها إلى المعير ونحو ذلك - على المستعير؛ لكونه لا يتم ردُّ العارية إلا بذلك فوجب لأن ذمته لا تبرأ إلّا بذلك، من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حق المعير؛ لئلا تجتمع عليه خسارة ما لحق العارية من ضرر وخسارة مؤنة ردِّها إليه، فشُرع: أن يتحمَّل المستعير مؤنة الرَّد. (٢١) مسألة: تجب على المستأجر مؤنة ردِّ العين المستأجرة إلى المؤجِّر، كما أن مؤنة ردِّ العين المعارة واجبة على المستعير، فلو استأجر دارًا وانقضت مدَّة الإجارة: فيجب على المستأجر أن يُسلِّم مفاتيح الدار للمؤجِّر، وكذلك لو استأجر دابة، وانتهت المدَّة: فيجب على المستأجر أن يُسلِّم تلك الدابة لصاحبها وعليه مؤنة ذلك حتى يُسلِّمهما إلى المؤجِّر، وكذلك لو استعار دابة: فتجب مؤنة ردها على المستعير حتى يُسلّمها إلى المعير، ويفعل ذلك كله كما استلمها منه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" وهو عام، وقد سبق بيان وجه الدلالة منه على ذلك في مسألة (٢٠)، ولا فرق بين ذلك، وبين العارية. فإن قلتَ: لا تجب على المستأجر مؤنة ردِّها، بل رفع يده إذا تمَّت مدَّته، =

стр. 1859

استيفاء المنفعة بنفسه، وبوكيله؛ لأنه نائبه (٢٢) (ولا يُعيرها) ولا يُؤجِّرها؛ لأنها إباحة المنفعة فلم يجز أن يبيحها غيره كإباحة الطعام (٢٣) (فإن) أعارها و (تلفت عند الثاني: = وكذا الدابة المستأجرة، والمعارة على المالك - أيضًا - وهو ما ذكره المصنف هنا. قلتُ: هذا مخالف لعموم السنة السابقة الذكر، ومخالف للمصالح الشرعية إذ لو رفع المستأجر يده عن العين المؤجرة فقط: من دار أو دابة، وكذا: الدابة المعارة، والمؤجِّر أو المعير لم يعلم بذلك: فإنهما سيكونان محلًا لسرقتهما أو لتلفهما، وهذا محسوب على المستأجر والمستعير فدفعًا لذلك: شُرع ما قلناه. (٢٢) مسألة: المستعير هو الذي يستوفي منفعة العين المعارة بنفسه، ويستوفيها بواسطة وكيله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المستأجر يستوفي منفعة العين المؤجرة بنفسه وبواسطة وكيله فكذلك المستعير مثله، والجامع: أن كلًّا من المستأجر والمستعير ملك التصرف بالمنفعة بإذن المالك - وهما: المؤجِّر، والمعير - ولهما أن يستوفياها بواسطة وكيلهما؛ لكون الوكيل في كل شيء نائبًا عن الموكِّل في الاستيفاء، ويده كيد الموكِّل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحديد المستوفي لمنفعة العين المعارة؛ لئلا يستعملها غير المستعير أو وكيله فيتضرَّر المعير. (٢٣) مسألة: إذا استعار زيد ثوبًا من عمرو: فلا يجوز للمستعير - وهو زيد - أن يُعير هذا الثوب لبكر، ولا يجوز أن يُؤجِّره عليه، ولا يجوز له أن يرهنه إياه إلّا بشرط أن يأذن المالك - وهو عمرو - بأن يُعير زيد الثوب لبكر، أو يُؤجِّره، أو يرهنه، فإن أذن: جاز، وإلا فلا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو أباح لزيد أن يأكل من طعامه فليس لزيد أن يُبيح هذا الطعام لبكر، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما فيه إباحة الانتفاع بالعين وإباحتها لشخص معيَّن، فلا تتعدَّى هذه الإباحة غيره؛ لكون المقصود في ذلك الانتفاع الشخص نفسه، فقد يكون عمرو لا يُبيح لبكر أن يأكل من طعامه، ولا ينتفع بشيء له، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المالك - وهو المعير الأول =

стр. 1860

استقرَّت عليه قيمتها) إن كانت متقوِّمة: سواء كان عالمًا بالحال أو لا؛ لأن التلف حصل في يده (و) استقرَّت (على مُعيرها أجرتها) للمعير الأول إن لم يكن المستعير الثاني عالمًا بالحال، وإلا: استقرّت عليه أيضًا (و) للمالك أن (يُضمِّن أيَّهما شاء) من المعير؛ لأنه سلَّط على إتلاف ماله أو المستعير، لأن التلف حصل تحت يده (٢٤) (وإن = وهو عمرو -؛ لئلا يتحايل أحد كان يكرهه فيستعير من المستعير الأول ملك المعير - وهو عمرو - فيتلفه فيتضرَّر. فإن قلتَ: بل يجوز للمستعير - وهو زيد - أن يُعيرها لبكر، وهو قول كثير من العلماء منهم أبو حنيفة، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يجوز للمستأجر تأجير العين التي استأجرها - كما سبق في مسألة (٢٨) من باب "الإجارة" - فكذلك يجوز للمستعير أن يعير العين المعارة والجامع: أن كلًّا منهما قد أبيح له الانتفاع بالعين، فيجوز له أن يبيحها لغيره. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المستأجر قد ملك الانتفاع بالعين فملك أن يُملِّكها غيره، أما المستعير فلم يملك المنفعة، إنما ملك استيفائها على الوجه الذي أذن له فيه فقط، وفرق بينهما، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" على ما بيناه: فنحن ألحقناه بمن أبيح له أكل طعام؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بتأجير المؤجر؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم وهذا ما يُسمَّى بـ "قياس الشَّبه" أو "غلبة الأشباه". (٢٤) مسألة: إذا استعار زيد ثوبًا من عمرو، ثم أعاره زيد لبكر، ثم تلف عند بكر: ففيه التفصيل: الآتي: أولًا: إن كان المعير الأول - وهو عمرو - لم يأذن للمعير الثاني - وهو زيد - بأن يُعيره إلى بكر: فإن المعير الأول - وهو لعمرو - يُضمِّنه المعير الثاني - وهو زيد -، فيجب على زيد دفع مثله إلى عمرو، وإن لم يكن له مثل فيجب عليه أن يدفع قيمته في يوم إتلافه، ولا دخل لعمرو ببكر، ويُطالب زيد بكرًا بحقه إن شاء؛ للتلازم؛ حيث إن عمرًا قد أعار زيدًا ولم يأذن بإعارته إلى بكر فيلزم أن يضمنه هو؛ لكون علاقته معه، لا مع بكر، =

стр. 1861

أركب) دابته (منقطعًا) طلبًا (للثواب: لم يضمن)؛ لأن يدربِّها لم تزل عليها كرديفه، ووكيله (٢٥)، ولو سلَّم شريك لشريكه الدابة، فتلفت بلا تفريط، ولا تعد: لم يضمن إن لم يأذن له في الاستعمال، فإن أذن له فيه: فكعارية، وإن كان بإجارة: فإجارة، = ثانيًا: إن كان المعير الأول - وهو عمرو - قد أذن للمعير الثاني - وهو زيد - بأن يُعير ذلك الثوب لبكر: فإن المعير الأول - وهو عمرو - يُضمنه المستعير - وهو بكر - ولا دخل له في المعير الثاني - وهو زيد -؛ للتلازم؛ حيث إن إذن عمرو لزيد بإعارة الثوب لبكر يُعتبر وكالة له بأن يفعل ذلك، فخلصت ذمة المعير الثاني - وهو زيد-، وصارا المستعير الثاني - وهو بكر - هو المسؤول أمام المالك - وهو عمرو - فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا هو المتضمن لجلب المصالح ودفع المفاسد عن المعير الأول، والثاني، والمستعير، تنبيه: ذكر المصنف تفصيلات من قوله: "فإن أعارها وتلفت عند الثاني" إلى قوله "لأن التلف حصل تحت يده" ولكني لم أجد دليلًا قويًا على تلك التفصيلات من القواعد الشرعية المعتبرة. (٢٥) مسألة: إذا كان مع زيد دابة فرأى بكرًا - وهو منقطع في طريقه - فأركبه يُريد بذلك الأجر والثواب من الله تعالى، فتلفت تحت بكر: فإن بكرًا لا يضمنها؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن زيدًا المالك - وهو زيد - لو أردف بكرًا معه على دابته وتلفت تلك الدابة تحتهما فإن الرديف لا يضمن فكذلك بكر هنا لا يضمن والجامع: أن يدرب الدابة ومالكها لم تزل عليها، فالراكب لم ينفرد بحفظها في كل، ثانيهما: كما أن زيدًا لو سلَّم وكيله بكرًا دابة فتلفت تحت يده فإنه لا يضمنها فكذلك الحال هنا والجامع: أن الدابة تحت يد مالكها، فلم ينفرد كل منهما بها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو ضمن كل شخص كلَّ ما يُعطى إيَّاه لينتفع به فترة قليلة للزم من ذلك انقطاع عمل الخير بين الناس، لعدم وجود من يقبله.

стр. 1862

فلو سلَّمها إليه ليُعلِّفها ويقوم بمصالحها: لم يضمن (٢٦) (وإذا قال) المالك: (آجرتك) و (قال) من هي بيده: (بل أعرتني، أو بالعكس): بأن قال: "آعرتك" قال: "بل أجرتني": فقول المالك في الثانية، وتردُّ إليه في الأولى إن اختلفا (عقب العقد) أي: قبل مضي مدَّة لها أُجرة (قُبِل قول مدَّعي الإعارة) مع يمينه؛ لأن الأصل: عدم عقد الإجارة، وحينئذٍ: تردُّ العين إلى مالكها إن كانت باقية (و) إن كان الاختلاف (بعد مضي مدَّة) لها أجرة: فالقول (قول المالك) مع يمينه؛ لأن الأصل في مال الغير الضمان، ويرجع المالك حينئذٍ (بأجرة المثل) لما مضى من المدة؛ لأن الإجارة لم تثبت (٢٧) (وإن قال) الذي في يده العين: (أعرتني، أو قال: أجَّرتني قال) المالك (بل (٢٦) مسألة: إذا سلَّم زيد لشريكه عمرو عينًا كدار أو دابة؛ ليحفظها ويعلفها ويقوم بمصالحها، بلا استعمال فتلفت وهي تحت يد عمرو: فإنه لا يضمنها إذا لم يفرط فيها أو يتعدَّ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استلامها من زيد أن لا يضمن إذا تلفت؛ لأن شريكه أمين، ويلزم من إذن استعمالها: أنه لا يضمن؛ لكون ذلك هو حقيقة العارية (فرع): إذا سلم زيد لشريكه عمرو دابة بإجارة: فإنها تكون إجارة لها أحكام الإجارة كما سبق. (٢٧) مسألة: إذا أخذ زيد من عمرو ثوبًا، واختلفا في هذا الثوب فقال المالك - وهو عمرو -: "إني أجرتك هذا الثوب" وقال من الثوب بيده - وهو زيد -: "بل أعرتنيه"، أو العكس بأن قال عمرو: "أعرتك هذا الثوب" وقال زيد: "بل أجَّرتنيه" ولا توجد بيّنة لكل واحد منهما: فإن فيه التفصيل الآتي اولًا إن وقع هذا الاختلاف بعد العقد وقبل مضي مدَّة لها أجرة مدَّة لها أجرة: فإنه يُقبل قول مَنْ ادَّعى الإعارة مع يمينه: سواء كان المالك - وهو عمرو - أو مَنْ الثوب بيده - وهو زيد - وفي هذه الحالة يُردُّ الثوب إلى المالك - وهو عمرو - إن كان باقيًا؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم عقد الأجرة، وبراءة الذمة منها، ولا يُصرف إلى الإجارة إلا بدليل، ولم يثبت دليل على ذلك، فنستصحب ذلك ونعمل به. ثانيًا: إن وقع =

стр. 1863

غصبتني): قول المالك كما لو اختلفا في ردِّها (٢٨) (أو قال) المالك: (أعرتك) و (قال) من هي بيده (بل أجَّرتني والبهيمة تالفة): فقول المالك؛ لأنهما اختلفا في = هذا الاختلاف بعد العقد وبعد مُضي مدَّة لها أجرة: فإنه يُقبل قول المالك - وهو عمرو - مع يمينه فيما مضى من المدَّة دون ما بقي، ويأخذ المالك أجرة المثل بأن يُنظر في السوق عن أجرة هذا الثوب في مدَّة ما مضى من مدة استعمال زيد له؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في مال الغير الضمان؛ لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" فنعمل بهذا الأصل؛ لعدم وجود المغيِّر، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من انتفاع زيد بذلك الثوب فيما مضى من المدَّة: أن يدفع بدلًا عن تلك المنفعة، وهو أجرة المثل؛ لكون الأجرة لم تثبت، فإن قلتَ: لِمَ يُطلب منهما اليمين في الحالتين؟ قلتُ: للاحتياط، فقد يكون من ادّعى الإجارة، أو مَنْ الثوب بيده صادقًا، فجُعل هذا اليمين لترجيح قوله، والاستيثاق منه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: حماية حق كل واحد من المختلفين. (٢٨) مسألة: إذا أخذ زيد من عمرو ثوبًا، واختلفا في هذا الثوب فقال مَنْ الثوب بيده - وهو زيد -: "أعرتني هذا الثوب" أو قال: "أجَّرتنيه" فقال المالك - وهو عمرو - "بل غصبتنيه" وهذا الاختلاف واقع بعد مضي مدَّة لها أجرة ولا بيِّنة فإنه يقبل قول المالك هنا، مع يمينه، ويكون على زيد أن يردُّه، وعليه أجرة المثل عن تلك المدة التي استعمل ذلك الثوب فيها؛ لقواعد: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الإجارة والعارية، فنعمل به؛ لعدم وجود المغيِّر، فيثبت ما ادَّعاه المالك من الغصب الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من انتفاع زيد بذلك الثوب فيما مضى من المدة: أن يدفع بدلًا عن تلك المنفعة وهو: أجرة المثل؛ لعدم ثبوت العارية والإجارة؛ الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أنه لو ادّعى زيد بأنه ردّ الثوب لعمرو - المالك - ونفى ذلك المالك: فإنه يقبل قول المالك فكذلك الحال هنا يُقبل قول المالك، والجامع: عدم القبض في كل، والمقصد من ذلك واضح.

стр. 1864

صفة القبض، والأصل فيما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان؛ للأثر، ويُقبل قول الغارم في القيمة (٢٩) (أو اختلفا في ردٍّ: فقول المالك): لأن المستعير قبض العين؛ لحظ نفسه، فلم يُقبل قوله في الرَّدِّ (٣٠)، وإن قال: "أودعتني" فقال: "غصبتني" أو قال: أودعتك قال: "بل أعرتني": صُدِّق المالك بيمينه، وعليه الأجرة (٢٩) مسألة: إذا أخذ زيد من عمرو دابة، ثم تلفت، واختلفا: فقال المالك - وهو عمرو: "إني أعرتك إياها" وقال من تلفت تحت يده - وهو زيد -: "أجرتني إيّاها": ولا بيّنة لأحدهما: فإنه يُقبل قول المالك - وهو عمرو - مع يمينه، وعلى زيد أن يدفع مثلها إلى المالك - وهو عمرو - وإن لم يوجد مثل لها: فإنه يدفع له قيمتها يوم تلفها: سواء كانت تلك القيمة أكثر من أجرتها أو أقلَّ؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الإجارة، والأصل في كل ما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان؛ لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" فنستصحب هاتين القاعدتين ونعمل بهما؛ لعدم وجود مُغيِّر، والمقصد من ذلك واضح. (٣٠) مسألة: إذا استعار زيد من عمرو ثوبًا واختلفا في ردِّها، فقال المستعير: - وهو زيد -: "إني قد رددتها عليك" فنفى ذلك المالك - وهو المعير وهو عمرو - قائلًا: "لم أستلمها" ولا توجد بيّنة لأحدهما: فإنه يُقبل قول المالك مع يمينه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر" والمالك هنا هو المنكر، ولا بيّنة للمستعير، فيُقبل قول المالك مع يمينه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون المستعير قد قبض العارية لنفع نفسه فقط، دون المعير - وهو المالك وهو عمرو هنا -: أن لا يُقبل قوله في الرَّد؛ لأن من أقرَّ بقبضه لشيء من شخص ثم ادَّعى بردِّه إلى صاحبه: فإنه لا يُقبل قوله إلّا ببيِّنة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المالك والمعير من تحايل بعض الناس على أكل ماله من غير وجه حق.

стр. 1865

بالانتفاع (٣١). * * * (٣١) مسألة: إذا أخذ زيد من عمرو ثوبًا ثم مضى وقت له أُجرة، فاختلفا: فقال من كان الثوب بيده - وهو زيد -: "إنك أودعتني إياه" - وقال المالك - وهو عمرو -: "بل غصبتني إياه"، أو قال المالك - وهو عمرو -: "أودعتُك" فقال مَنْ كان الثوب بيده - وهو زيد -: "بل أعرتني إياه" ولا بيِّنة لأحدهما: فإنه يُقبل ويُصدَّق قول المالك - وهو عمرو - مع يمينه وعلى زيد أن يدفع أجرة المثل في المدَّة التي استعمل فيها الثوب، ويردُّه إن كان باقيًا، وإن لم يكن باقيًا: فإنه يردُّ قيمته يوم إتلافه؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل قبول قول المنكر، والمالك ينكر فيُقبل قوله، فيكون الثوب مغصوبًا في الحالة الأولى، ووديعة في الحالة الثانية؛ وهذا كله لأجل أن يكون الثوب مضمونًا، فيُعمل بذلك؛ لعدم المغيّر؛ وذلك لضمان حق المالك، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من انتفاع زيد بالثوب مدَّة: أن يدفع أجرته، ويلزم من كونه قد أخذه: أن يردّه أو قيمته. هذه آخر مسائل باب "العارية" ويليه باب "الغصب وضمان ما أتلفه الأخرون".

стр. 1866

باب الغَصب مصدر "غَصَبَ" "يغصِب" - بكسر الصاد - (وهو) لغة: أخذ الشيء ظلمًا، واصطلاحًا: (الاستيلاء) عرفًا (على حق غيره) مالًا كان، أو اختصاصًا (قهرًا بغير حق)، فخرج بقيد "القهر": المسروق، والمنتهب، والمختلس، و "بغير حق": استيلاء الولي على مال الصغير ونحوه، والحاكم على مال المفلس (١)، وهو محرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا باب الغَصْب، وضمان ما أتلفه الآخرون وفيه ست وسبعون مسألة: (١) مسألة: الغَضب لغة: مصدر: "غَصَبَ" "يَغْصِبُ" "غصبًا": إذا أخذ شيئًا من آخر قهرًا وظلمًا - كما في المصباح (٤٤٨) - وهو في الاصطلاح: "استيلاء غير حربي على حق غيره قهرًا بغير حق"، والمراد بـ "استيلاء": الغَلَب، يُقال: "استولى عليه" أي: غلب عليه، ووضع يده على الشيء وتمكَّن منه - كما في المصباح (٦٧٢) - وأُتي بعبارة "غير حربي" لإخراج ما استولى عليه المسلمون على أموال أهل الحرب وليس بظلم ولا حرب، وكذا: ما استولى عليه أهل الحرب على المسلمين وليس من الغصب؛ إذ ليس في ذلك أحكام الغصب، والمراد بعبارة "على حق غيره" جميع الأموال للمسلمين، أو لأهل الذمة من اختصاصاتهم كالخمور ونحوها، وأتي بلفظ "قهرًا": لبيان أن من شرط الغصب: أن يؤخذ الشيء من صاحبه بعدوان وقهر، فأخرج بذلك: "المسروق" وهو: ما أخذ عن طريق الخفية في أول الأمر وآخره، وأخرج به "المنتهَب" وهو: ما أخذ عن طريق الجهر في أول الأمر وآخره، وأخرج "المختلَس" وهو: ما أخذ عن طريق الخفية في أول الأمر، دون آخره، فهذه الثلاثة لا تدخل في الغصب؛ لعدم وجود القهر والعدوان في "الاستيلاء عليها، وهذا هو الفرق بين "الغصب" و"السرقة" =

стр. 1867

تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢) (من عَقَار) - بفتح العين: الضيعة، والنخل، = و"النَّهب" و"الاختلاس"، وأُتي بعبارة: "بغير حق"؛ لبيان أن من شرط الغصب: أن يكون ذلك الاستيلاء بغير وجه حق، وأخرج بذلك: استيلاء الوالد على مال ولده، واستيلاء الولي والوصي على مال صغير، ومجنون، وسفيه، واستيلاء حاكم على مال مفلس، فهذا الاستيلاء بحق، لذا لا تسمَّى غصوبًا، فإن قلتَ: لِمَ ذكر هذا الباب في المعاملات؟ قلتُ: لوجود معاملة بين اثنين -الغاصب والمغصوب- وإن كانت بغير حق. (٢) مسألة: الغصب حرام؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ فقد حرَّم أكل مال الغير بالباطل؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، وهو عام؛ لأن "الباطل" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم، فيشمل الغصب؛ لأنه أكل مال الغير بالباطل، الثانية: السنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا: طوَّقه من سبع أرضين" فقد توعَّد الشارع من أخذ شيئًا قليلًا - كالشبر من الأرض - بهذا العقاب، ولا يُتوعَّد على فعله إلّا إذا كان حرامًا، وهو عام؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل الغصب؛ لأنه أخذ حق الغير ظلمًا، وأخذ غير الأرض مثل الأرض من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيها: قوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم حرام لحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" فقد حرم أخذ مال الغير بدون وجه حق، والتحريم صريح هنا، وهذا عام لجميع الأموال، لأن "أموالكم" جمع منكَّر أضيف إلى معرفة، وهو: الضمير، والغصب أخذ مال الغير فيحرم مثل غيره، ثالثها: قوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" فنفى حل أخذ مال الغير إلا إذا طابت نفس هذا الغير، وهذا عام؛ لأن "مال" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم والغصب أخذ مال الغير بدون أن تطيب نفسه فيه فيحرم، الثالثة: =

стр. 1868

والأرض، قاله أبو السعادات (ومنقول) من أثاث، وحيوان، ولو أم ولد (٣)، لكن لا = الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على تحريم الغصب بالتعريف السابق، ومستند هذا الإجماع: الكتاب والسنة، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم الغصب؟ قلت: للمصلحة؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه مضرٌّ بمن غُصبت أموالهم؛ حيث إن هذا المسلم يتعب طول عمره على جمع مال ليعزَّ نفسه فيه، ثم يأتي هذا الغاصب ويأخذه جاهزًا ففي ذلك من الظلم والقهر يؤدِّي كثيرًا إلى مرض هذا المأخوذ ماله فحرم لأجل المحافظة على حقوق الآخرين، ثانيهما: أنه مضر بالمجتمع الإسلامي؛ حيث إنه إذا لم يُحرَّم الغصب فلن يشتغل أحد؛ لأنه سينتظر حتى يجمع أخوه مالًا ليأخذه، وينتفع به، وبهذا تكثر البطالة في المجتمع الإسلامي، فدفعًا لذلك حرم. (٣) مسألة: إذا غصب شخص عقارات غيره - من مزارع، أو نخيل، أو أراضي، أو دور - أو بعضها، أو غصب منقولات غيره لها ثمن كأثاث منازل، أو حيوانات أو عبيد، أو إماء، أو أمهات أولاد ونحو ذلك: فإن هذا حرام ويضمن إذا تلف، وتجري عليه أحكام الغصب؛ لقواعد؛ الأولى: الكتاب؛ والثانية: السنة القولية: وقد سبق بيانهما في مسألة (٢)؛ لكون ما ذكر تُعتبر أموالًا، فيجري عليها الغصب، وهو محرم، وتضمن إذا تلفت. الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الأمة تضمن بالقيمة فكذلك أم الولد تضمن بالغصب، والجامع: أن كلًّا منهما تجري مجرى المال يُؤيده: أنها تضمن بالقيمة عند الإتلاف، لكونها مملوكه، فإن قلتَ: إن أم الولد لا تضمن بالغصب وهو قول أبي حنيفة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحرة لا تضمن بالغصب، ولا تضمن بالمال ولا بغيره عند الاستيلاء عليها فكذلك أم الولد مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما لا يتعلق بها حقُّ الغير. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الحرة ليست مملوكة، ولا تضمن بالقيمة، بخلاف أم الولد فهي مملوكة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقنا أم الولد بالأمة؛ لأنها أكثر شبهًا بها عندنا، وألحقوها بالحرة؛ لأنها أكثر =

стр. 1869

تثبت اليد على بضع، فيصحّ تزويجها، ولا يضمن نفعه (٤)، ولو دخل دارًا قهرًا، وأخرج ربَّها: فغاصب، وإن أخرجه قهرًا ولم يدخل، أو دخل مع حضور ربِّها وقوته: فلا، وإن دخل قهرًا ولم يخرجه: فقد غصب ما استولى عليه، وإن لم يرد الغصب: فلا، وإن دخلها قهرًا في غيبة ربِّها: فغاصب ولو كان فيها قماشه، ذكره في "المبدع" (٥) (وإن غصب كلبًا يُقتنى) ككلب صيد، وماشية، وزرع (أو) غصب (خمر = شبهًا بها عندهم، وهذا يُسمَّى بـ "قياس الشبه" أو "غلبة الأشباه". (٤) مسألة: إذا غصب شخص امرأة: فإنه يجوز تزويجها لغيره، وإن كانت تحت يد ذلك الغاصب، ولا يضمن نفع هذا البضع - وهو مهرها - بسبب حبسها عن النكاح طول عمرها، فلا يدفعه بسبب هذا التفويت؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من عدم ثبوت يده على بضعها: جواز تزويجها لغيره؛ لعدم تعدِّي الغصب إلى ذلك البضع، ثانيهما: إن كون النفع يضمن بالتفويت إذا كان مما تصح المعاوضة عليه بالإجارة يلزم منه أن الغاصب لا يضمن نفع البضع - وهو المهر - بسبب حبسها عن النكاح طول عمره؛ لأن البضع لا تصح المعاوضة عليه بالأجرة. (٥) مسألة: إذا دخل زيد دار عمرو فهل يكون قد غصبها أم لا؟: فيه التفصيل الآتي: أولًا: إذا دخل زيد دار عمرو قهرًا، ثم أخرج عمرًا منها، أو دخلها قهرًا ولم يُخرجه، أو دخلها قهرًا في غيبة عمرو: فإن هذا غاصب لها، أو غاصب لما استولى عليه منها ولو كان فيها أثاث لصاحبها - عمرو -؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من دخوله قهرًا: أن يكون ذلك غصبًا؛ لوجود شرط الغصب، وهو القهر والاستيلاء - كما سبق ذكره في حقيقة الغصب - فتُطبَّق عليه أحكام الغصب: من وجوب ردِّها، وضمان ما تلف بفعله، أو بسبب فعله كهدم لبعض حيطانها، أو أي نقص لحقها، ثانيًا: إذا دخل زيد دار عمرو مع حضور عمرو وقوته: أو دخلها ولم يُرد الغصب: فليس بغاصب لها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الاستيلاء على الدار بالقهر والظلم، وقوة صاحب الدار، وعدم إرادة زيد =

стр. 1870

ذمي) مستورة: (ردَّهما)؛ لأن الكلب يجوز الانتفاع به واقتناؤه، وخمر الذمي يُقرُّ على شربها، وهي مال عنده (٦) (ولا) يلزم أن (يردُّ جلد ميتة) غُصِب، ولو بعد الدبغ؛ = للغصب: عدم تسميته بالغاصب، فلا تُطبَّق أحكام الغصب عليه: فلا يضمن ما تلف بسبب هذا الدخول: سواء كان داخلًا بإذنه، أو غير إذنه، وسواء كان صاحبها - وهو عمرو - فيها أو لا، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُبيِّن الدخول الممنوع من المأذون فيه، ويُبيِّن أيضًا ما يُضمن بسبب الدخول، وما لا يُضمن، ليكون المسلم على بيّنة من أمره. (٦) مسألة: إذا غصب زيد كلبًا لعمرو قد أباح الشارع اقتناءه مثل: كلب صيد، أو كلب ماشية أو كلب زرع فعليه ردُّه لصاحبه - وهو عمرو -، وكذا: إذا غصب زيد خمرًا مستورًا من كافر ذمي: فيجب على الغاصب - وهو زيد - أن يردَّه إلى هذا الكافر، وكذا يُردُّ كل شيء متنجِّس كدهن ونحوه إلى من أخذ منه؛ للقياس؛ بيانه: كما يجب على الغاصب المال ردُّه إلى المغصوب منه فكذلك يجب ردُّ الكلب، والخمرة، وأيِّ نجس إذا غصبت - على الصفة التي ذكرناها - والجامع: أن كلًّا منها يُسمَّى مالًا يجوز الانتفاع به واقتناؤها، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك هذا فيه حماية أموال وحقوق الآخرين، فإن قلتَ: لِمَ يُرد الخمر إذا غصب مع أنه حرام؟ قلتُ: يُردُّ ذلك إلى الكافر الذمي الذي يُقرُّ على شربها إذا سترها، وهي مال عنده - وهذا من أحكام أهل الذمة كما سبق - (فرع): إذا لم يكن الكلب يُقتنى شرعًا، ولم تكن الخمرة مستورة عند هذا الذمي، وغصبهما شخص: فلا يجب عليه ردُّهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث إنه ﷺ قد نهى عن اقتناء الكلب - غير كلب صيد أو ماشية -، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من زوال عصمة خمرة الذمي إذا ظهرت، وحلِّ إراقتها: عدم وجوب ردِّها إلى صاحبها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب التعاون على نبذ كل ما فيه إثم وعدوان وعصيان، أصله قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا =

стр. 1871

لأنه لا يطهر بدبغ، وقال الحارثي: يردُّه؛ حيث قلنا: يُباح الانتفاع به في اليابسات، قال في "تصحيح الفروع": "وهو الصواب" (٧)، (وإتلاف الثلاثة) أي: الكلب، والخمر المحرمة، وجلد الميتة (هدر): سواء كان المتلف مسلمًا أو ذميًا؛ لأنه ليس لها عوض شرعي، لأنه لا يجوز بيعها (٨). (وإن استولى على حر) كبير أو صغير: (لم = عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. (٧) مسألة: إذا أخذ زيد جلد ميتة من عمرو غصبًا: فيجب ردَّه مطلقًا، أي: سواء كان قبل دبغه، أو بعد دبغه؛ للتلازم؛ حيث إن كون هذا الجلد يُعتبر مالًا، وينتفع به يلزم منه: أن يرده غاصبه إلى صاحبه - وهو عمرو -؛ حيث إنه إن لم يُدبغ: فإنه يُنتفع به في أمور لا تتعلَّق بالطاهرات مثل الكلب الذي أباح الشارع اقتناءه، وإن دُبغ: فإنه يطهر، ويجوز بيعه وشراؤه وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (١٠) من باب "الآنية التي تحفظ فيها المياه" من كتاب: "الطهارة"، فإن قلتَ: لا يجب ردُّ جلد الميتة إذا غُصب مطلقًا: أي: سواء دُبغ أو لا؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يحل بيعه فكذلك لا يجب ردُّه إن غصب والجامع: عدم الانتفاع به، ولا سبيل إلى إصلاحه قلتُ: هذا مبني على مذهب من يقول: "إن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، ولا يُنتفع به" وهو مذهب أكثر الحنابلة، وقد أجبتُ عن أدلتهم في مسألة (١٠) من باب "الآنية" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ؟ " فمن قال: يطهر بالدباغ: قال يجب ردُّه - وهو الذي رجَّحناه - ومن قال: إنه لا يطهر بالدباغ: قال: لا يُردُّ، تنبيه: قول الحارثي، وتصويب صاحب الفروع له يدخل فيما رجَّحناه أولًا. (٨) مسألة: إذا أخذ زيد كلبًا، أو خمر ذمي، أو جلد ميتة من غيره غصبًا، ثم تلفت هذه الأشياء عند هذا الغاصب: فإنه يضمنها لصاحبها، ويدفع قيمتها في يوم إتلافها؛ وهو رأي أبي حنيفة، ومالك؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم =

стр. 1872

يضمنه)؛ لأنه ليس بمال (٩)، (وإن استعمله كرهًا): فعليه أجرته؛ لأنه استوفى = من كون تلك الأمور مالًا عند المسلمين وغيرهم؛ لانتفاعهم بها: أن تدفع قيمتها عند إتلافها، ثانيهما: أنه يلزم من منع الآخرين من إتلافها: أن يُجبر على دفع قيمتها إذا أتلفها، ولا معنى للمنع من إتلافها إلّا ذلك العقاب، وهو: دفع قيمتها عند إتلافها، ولولا ذلك لاحتال كل أحد على إتلافها ولا يردَّها. فإن قلتَ: إنه إذا أُتلفت هذه الثلاثة: فلا ضمان لها مطلقًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم العوض الشرعى لها، وعدم جواز بيعها: أن لا تضمن عند تلفها قلتُ: لا نسلِّم أن لا عوض لها شرعي، وأنه لا يجوز بيعها، بل يجوز بيع كلب الماشية، والزرع، والصيد، والجلد، والخمرة المحترمة، - وهي خمرة الذمي المستورة - وهي معصومة؛ لكون عقد الذمة قد عصمها، وما جاز بيعه وشراؤه إلا لأن فيه نفعًا، وما فيه نفع فيه عوض شرعي، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الكلب هل يجوز بيعه أو لا؟ " و "الخلاف في الجلد هل يطهر بالدَّبغ أو لا؟ " و "الخلاف في خمرة الذمي هل هي معصومة أو لا؟ " فمن قال يجوز بيع الكلب، ويطهر الجلد بالدَّبغ، ويُنتفع بهما، وإن خمرة الذمة المستورة معصومة، وهو الذي رجَّحناه قال: إن الغاصب إذا أتلفها: فإنه يجب ضمانها عليه، ومن قال: "لا يجوز بيع الكلب، ولا يطهر الجلد بالدبغ، ولا ينتفع به، وإن الخمرة كلها ليست معصومة - وهو مذهب أكثر الحنابلة -: قال: إن الغاصب إذا أتلفها: لا يجب عليه ضمانها. (٩) مسألة: إذا استولى شخص على حر كرهًا فتضرَّر ذلك الحر أو مات: فإنه لا يضمنه بالغصب: سواء كان ذلك الحر كبيرًا أو صغيرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحر ليس بمال - يُباع ويُشترى -: عدم ضمانه بسبب غصبه؛ لكون الغصب لا يثبت فيما ليس بمال، ويُضمن بسبب إتلاف شيء منه: إذا قطع عنه طعامًا أو شرابًا، فتضرر هو، أو أحد أعضائه، وهذا يأتي في باب "الجنايات" فإن قلتَ: لِمَ =

стр. 1873

منافعه، وهي متقوَّمة (١٠) (أو حبسه) مدَّة لمثلها أجرة: (فعليه أجرته)؛ لأنه فوَّت منفعته، وهي مال يجوز أخذ العوض عنها (١١)، وإن منعه العمل من غير غصب، أو حبس: لم يضمن منافعه (١٢) (ويلزم) غاصبًا (ردُّ المغصوب) إن كان باقيًا، وقدر على = شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه إكرام لأحرار المسلمين. (١٠) مسألة: إذا استولى شخص على حر كرهًا وقهرًا واستعمله كرهًا في خدمة: فتجب على ذلك الشخص أُجرة تلك الخدمة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو انتفع بمنافع عبد غيره فتجب عليه أجرة ذلك، فكذلك الحر هنا مثله والجامع: أنه استوفى منافع كل واحد منهما، وهي متقوَّمة، فلزمه ضمانها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية الناس الأحرار من الاستغلال. (١١) مسألة: إذا استولى شخص على حر كرهًا، وحبسه ومنعه العمل بالقوة مدَّة لها أُجرة: فيجب على هذا الشخص أن يدفع أجرة تلك المدَّة التي حبسه فيها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو منع عبد غيره من العمل مدَّة لها أجرة: فإنه يجب عليه يدفع أجرة تلك المدة فكذلك الحر هنا مثله، والجامع: أنه في كل منهما قد فوَّت عليه منفعته في تلك المدَّة، والمنفعة مال يجوز أخذ العوض عنها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس من الاستغلال بأي شكل، فإن قلتَ: لا يجب عليه دفع تلك الأجرة، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا ضمان لثيابه التي بليت عليه فكذلك لا أجرة لتلك المدة والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر تابعًا لما لا يصح غصبه. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن وقت الحر له منفعة، بخلاف الثياب: فلا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بعبد غيره إذا منعه؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بثيابه؛ لأنه أكثر شبهًا بها. (١٢) مسألة: إذا منع شخص حرًا من العمل مدَّة لها أُجرة من غير غصب، ولا حبس فإنه يجب عليه أن يدفع أجرة تلك المدة؛ للقياس على منعه عبد غيره من العمل، =

стр. 1874

ردِّه؛ لقوله ﷺ : "لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لا لاعبًا ولا جادًّا ومن أخذ عصا أخيه فليردها" رواه أبو داود (١٣)، وإن زاد: لزمه ردُّه (بزيادته) متصلة كانت أو منفصلة؛ لأنها من نماء المغصوب، وهو لمالكه، فلزمه ردُّه كالأصل (١٤) (وإن غرم) على ردِّ = وقد سبق بيانه في مسألة (١١) فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد ذكرناها في مسألة (١١)، ولأنه لا وجود لمنع بلا حبس أو غصب، أو تهديد بشيء، فهي كمسألة (١١)، فإن قلتَ: لا يضمن البائع منافعه، فلا يدفع أجرة تلك المدَّة وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو فعل ذلك بعبد غيره لم يضمن منافعه، ولا أجرة لذلك فكذلك الحال هنا والجامع: عدم حصول الحبس والغصب في كل قلت: لا نسلِّم لكم الأصل الذي قستم ذلك عليه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في المنع هل يُتصوَّر بلا غصب وحبس؟ " فعندنا: لا يتصوَّر إلا بالحبس أو الغصب أو التهديد فلذلك لا فرق بين هذه المسألة ومسألة (١١) عندنا، وعندهم: يُمكن أن يُتصوَّر ذلك، فلذلك فرّقوا بينهما بما ذكروه. (١٣) مسألة: إذا غصب شخص ثوبًا أو غيره من شخص آخر: فيجب عليه أن يردَّه - أي: يردُّ ذلك المغصوب وهو الثوب - إلى صاحبه إن كان باقيًا على حاله، ولم يُوجد مانع من ردِّه؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "ومن أخذ عصا أخيه فليردها" فأوجب ردَّ ما أخذ غصبًا إلى صاحبه؛ لأن الأمر في قوله: "فليردها" مطلق، وهو يقتضي الوجوب، والمأخوذ غصبًا غير العصا من جميع الأموال مثل العصا بل أولى من باب "مفهوم الموافقة"؛ لكون المقصد هو: ردُّ ما أخذ: سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وثانيهما: قوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" فأوجب ردَّ كل ما أخذ من الآخرين؛ لأن "على" من صيغ الوجوب، أي: لا تبرأ ذمة الآخذ إلّا إذا ردَّ ذلك المأخوذ، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرجاع الحقوق إلى أهلها. (١٤) مسألة: إذا غصب شخص من آخر: ثم زاد هذا المغصوب بأن ولدت البهيمة =

стр. 1875

المغصوب (أضعافه)؛ لكونه بنى عليه، أو بُعْد ونحوه (١٥) (وإن بني في الأرض) المغصوبة (أو غرس: لزمه القلع) إذا طالبه المالك بذلك؛ لقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" (و) لزمه (أرش نقصها) أي نقص الأرض، (وتسويتها)؛ لأنه ضرر حصل بفعله (والأجرة) أي: أجرة مثلها إلى وقت التسليم (١٦)، وإن بذل ربُّها قيمة المغصوبة، أو كسب العبد المغصوب أو نحو ذلك: فيجب على الغاصب ردُّ العين المغصوبة وزياداتها مهما كانت سواء كانت هذه الزيادة قليلة أو كثيرة، وسواء كانت هذه الزيادة متّصلة، أو منفصلة؛ للقياس؛ بيانه: كما يجب على الغاصب ردُّ الأصل -وهي العين المغصوبة كما سبق في مسألة (١٣) فكذلك يجب ردُّ زيادتها مطلقًا إلى صاحب العين المغصوبة والجامع: أن كلًّا من الأصل المغصوب- وهي العين المغصوبة - وزياداتها تدخل في ملك صاحبها؛ لأن تلك الزيادات من نماء ذلك المغصوب، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ضمان حقوق الآخرين وما تولَّد منها، وإن طال الزمن. (١٥) مسألة: إذا غَصَب شخص من آخر شيئًا، وأراد هذا الغاصب أن يردَّ هذا الشيء المغصوب إلى صاحبه: فإن جميع تكاليف ردِّ ذلك وغراماته يدفعها ذلك الغاصب، فمثلًا: لو غصب خشبة وبنى عليها، ثم أراد هذا الغاصب ردِّها: فإنه ينقض ذلك البناء عليها، ولو كلَّفه ذلك النقض أضعاف قيمة الخشبة، وكذلك يردَّها ولو كانت بعيدة عن مكان وجوده، فلو كان هذا الغاصب في مكّة، وتلك الخشبة في الرياض أو القاهرة: فإنه لا بدَّ أن يحضرها لصاحبها، ولو كلَّفه ذلك أضعاف ثمنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الغاصب قد جنى واعتدى بأخذ ذلك المغصوب -وهو الخشبة مثلًا-: أن تكون جميع تكاليف ردِّها عليه ولا يُنظر إلى الضرر الذي يلحقه، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك هو الجزاء الموافق للقواعد الكلية للشريعة، وفيه منع الناس من الاعتداء على حقوق الآخرين. (١٦) مسألة: إذا غصب شخص أرضًا، ثم بنى عليها، أو غرس فيها، وأراد ردَّ تلك =

стр. 1876

الغراس والبناء؛ ليملكه: لم يلزم الغاصب قبوله، وله قلعهما (١٧)، وإن زرعها وردَّها الأرض لصاحبها: فيجب على ذلك الغاصب: أن يهدم البناء، ويقلع الغرس ويُسوِّيها ويجعلها مثل ما كانت قبل غصبها هذا إذا طالبه صاحبها -وهو مالكها-، ويدفع أرش نقص الأرض لصاحبها إن كان ثمنها قد نقص بسبب بنائه عليها، أو الغرس فيها، ويدفع أجرة مثل تلك الأرض مدَّة غصبها إلى تسليمها إلى صاحبها، هذا يكون بعد طلب صاحبها لذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" فنفى الحق لمن غرس في أرض غيره، ويلزم من ذلك وجوب قلع ذلك؛ لكونه مبني على باطل، والبناء على الأرض كالغرس، من باب "مفهوم الموافقة". الثانية: التلازم، وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من كون الغاصب قد شغل ملك غيره بملكه بغير إذنه: إزالته وإفراغه عن ذلك الشغل؛ لكونه ضررًا قد حصل بفعله، فيلزمه إزالة ذلك الضرر. ثانيهما: أنه يلزم من تلف منافعها تحت يده المعتدية: أن يدفع أجرة مثلها لصاحبها، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرجاع الحقوق إلى أهلها، ومتع الاعتداء على حقوق غيرهم واغتصابها، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد ذلك بمطالبة صاحبها؟ قلتُ: لأن مالك الأرض إن لم يُطالب بهدم البناء وقلع الزرع فلا يلزم الغاصب هدمه، وقلعه؛ للتلازم؛ حيث إن هذا من حق المالك فإذا أسقط حقه: فلا يلزم الغاصب هدم البناء، وقلع الزرع؛ لكون ذلك مصلحة قد يُريدها المالك. (١٧) مسألة: إذا غصب شخص أرضًا، ثم بنى أو غرس فيها، وأراد ردَّها لصاحبها، وطلب صاحبها من ذلك الغاصب إبقاء ذلك البناء وذلك الغرس عليها ليملكه ودفع مالكها وصاحبها قيمته -أي: قيمة ذلك البناء وذلك الغراس-: لم يلزم الغاصب قبول ذلك، فإن شاء قبل ذلك وأخذ القيمة، وإن شاء لم يقبل ويهدم البناء ويقلع الغرس؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب لو وضع في الدار المغصوبة =

стр. 1877

بعد أخذ الزرع: فهو للغاصب، وعليه أجرتها (١٨)، وإن كان الزرع قائمًا فيها: خُيِّر ربُّها بين تركه إلى الحصاد بأُجرة مثله، وبين أخذه بنفقته، وهي مثل بذره، وعوض لواحقه (١٩) (ولو غصب جارحًا أو عبدًا، أو فرسًا فحصل بذلك) الجارح، أو العبد، أثاثًا، ودفع مالك الدار قيمة ذلك الأثاث: لم يلزم الغاصب قبول ذلك، وعليه إزالة أثاثه، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا من البناء والزرع، والغرس والأثاث عين مال الغاصب، فلا يلزم، ببيعه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعطاء كل ذي حق حقه، فلا يُنقص الإنسان حقه وإن كان غاصبًا أو معتديًا على الآخرين في جانب من جوانب الحياة. (١٨) مسألة: إذا غصب أرضًا فزرعها ذلك الغاصب، ثم ردَّها بعد حصاده لذلك الزرع: فذلك الزرع ملك للغاصب، ويجب عليه أن يدفع أجرة مثل تلك الأرض من أول وقت غصبها إلى وقت رد وتسليم تلك الأرض إلى مالكها، وعليه ضمان وأرش النقص إن حصل ولو لم يزرعها؛ للتلازم؛ وهو من وجوه: أولها: أنه يلزم من كون الزرع من نماء مال الغاصب: أن يكون ذلك الزرع ملكًا له، ثانيها: أنه يلزم من استيفاء الغاصب نفع الأرض: أن يدفع عوضًا عن ذلك النفع، وهو أجرة مثلها من وقت غصبه إيّاها إلى تسليمها إلى مالكها، ثالثها: أنه يلزم من جناية الغاصب عليها الذي تسبَّب في نقصان قيمتها: أن يدفع أرش وضمان ذلك النقصان -وقد سبق- فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد بيَّناها في مسألة (١٧). (١٩) مسألة: إذا تمكَّن مالك الأرض من أخذها من غاصبها، وفيها زرع لذلك الغاصب: فإن مالكها يُخيَّر بين أمرين: أولهما: إما أن يترك الغاصب في الأرض إلى أن يحصد زرعه، ويلزمه بأن يدفع أُجرة مثل تلك الأرض من وقت غصبها إلى الحصاد وتسليمه الأرض، ثانيهما أو يأخذ مالك الأرض الزرع، ويدفع إلى الغاصب جميع نفقاته وتكاليفه على ذلك الزرع: من بذر، وأجرة حرث، وسقي =

стр. 1878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى أن استلمها منه مالكها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم: فليس له من الزرع شيء، وله نفقته" وهذا عام، فيشمل الغاصب؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، ويلزم من جملة: "وله نفقته": أن يردَّ مالك الأرض إلى الغاصب جميع النفقات التي أنفقها على ذلك الزرع ويأخذ مالكها الأرض والزرع -وهذا دليل الثاني من الأمرين المخيَّر بينهما- الثانية: المصلحة؛ حيث إنه أمكن بذلك ردُّ المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب، وذلك بدفع أجرة المثل، وهذا فيه جمع بين المصلحتين -وهذا دليل الأول من الأمرين المخيَّر بينهما- فإن قلتَ: إن الزرع لمالك الأرض، وهو يملك إجبار الغاصب على قلع ذلك الزرع؛ للقياس؛ بيانه: كما يملك مالك الأرض من إلزام الغاصب قلع غرسه -كما ورد في قوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" ـ -كما سبق في مسألة (١٦) - فكذلك الزرع مثل الغرس والجامع: أن كلًّا منهما قد استعمل أرض غيره بغير حق. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن مدَّة الغرس تطول، ولا يُعلم متى ينقلع من الأرض، وانتظاره يؤدّي إلى ترك الأرض بالكلية، وفواتها على مالكها، بخلاف الزرع فمدَّته قصيرة جدًا كما هو معلوم، فإتلافه يلحق الضرر بهما معًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية" فنحن أعملنا الحديث الأول على أن المقصود به الزرع خاصة، للتصريح به، وإذا ورد في حكمه نص فلا يجوز قياسه على الغرس والشجر؛ إذ لا قياس مع النص، ويلزم منه: أن يخصص حديثهم بالغرس فقط، وهذا جمع بين الحديثين، أما هم فالظاهر: أنهم لم يُصححوا الحديث الوارد بالزرع -إذ لو صحَّ عندهم: لما جاز لهم أن يقيسوا الزرع على الغرس -وهو الشجر-؛ إذ لا قياس مع النص عندنا وعندهم كما سبق ذكره، ثم إنه لو لم يصح الحديث، فلا يصح قياس الزرع على الغرس؛ =

стр. 1879

أو الفرس (صيد: فلمالكه) أي: مالك الجارح ونحوه؛ لأنه حصل بسبب ملكه فكان له، وكذا: لو غصب شبكة، أو شركًا، أو فخًا، وصاد به، ولا أُجرة لذلك، وكذا: لو كسب العبد بخلاف ما لو غصب منجلًا، وقطع به شجرًا أو حشيشًا: فهو للغاصب؛ لأنه آلة، فهو كالحبل يُربط به (٢٠) (وإن ضَرَبَ المصوغ) المغصوب (ونَسَجَ لوجود الفرق بينهما كما سبق ذكره. (٢٠) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا جارحًا، أو عبدًا أو فرسًا، أو سهمًا، أو قوسًا، أو شبكة، أو شركًا، أو فخًا، وصاد بذلك صيدًا، أو تكسَّب أيَّ شيء على ما سبق: فإن الصيد والكسب -كله للغاصب، وكذا: لو غصب منجلًا- وهو: ما يُحصد به وهو المخلب، والمحش عندنا -وحصد أو قطع به شجرًا، أو حشيشًا: فالحشيش والشجر للغاصب؛ وعليه أجرة المثل للجارح، والعبد، والغرس، والسهم، والقوس، والشبكة، والشرك، والفخ، والمنجل يدفعه لمالك هذه الأشياء من أول ما غصبها إلى وقت تسليمها له؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب لو ذبح بهيمة بسكين غيره، أو ربط بحبل غيره جمعًا من الحطب: فإن البهيمة والحطب للغاصب، وعليه أجرة المثل للسكين والحبل يُسلِّمها لمالك السكين والحطب فكذلك الحال ما نحن فيه مثله، والجامع: أنه حصل الصيد، وقطع الشجر والحشيش بفعل الغاصب، وتصرُّفه أما تلك الأمور فهي آلات، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين المصلحتين؛ ومحافظة لحق الطرفين، فالمالك قد ضُمن له أُجرة ما غُصب كل وقت الغصب، والغاصب قد ضمن له ما حصل بفعله وجهده وتعبه، فإن قلتَ: إن الصيد والكسب يكون لمالك هذه الأشياء ولا أجرة لذلك، بخلاف ما لو غصب منجلًا وقطع به شجرًا أو حشيشًا: فهو للغاصب؛ وهو ما ذكر المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الصيد والكسب حصل بسبب هذه الأشياء التي يملكها: أن يكون الصيد والكسب له -أي: للمالك-، ويلزم من كون المنجل آلة، والقطع =

стр. 1880

الغزل، وقصر الثوب، أو صبغه، ونجر الخشبة) بابًا (ونحوه، أو صار الحب زرعًا و) صارت (البيضة فرخًا و) صار (النوى غرسًا: ردَّه، وأرش نقصه) إن نقص (ولا شيء للغاصب) نظير عمله، ولو زاد به المغصوب؛ لأنه تبرُّعٌ في ملك غيره (٢١)، وللمالك إجباره على إعادة ما أمكن رده إلى الحالة الأولى كحلي، ودراهم، ونحوهما (٢٢) (ويلزمه) أي: الغاصب (ضمان نقصه) أي: المغصوب، ولو بنبات لحية حصل بفعل الغاصب: أن يكون الشجر والحشيش له -أي: للغاصب- قلتُ: لا يُوجد دليل على هذا التفريق في الحكم في هذه المسألة، فكل من الصيد، والكسب، والشجر والحشيش حاصل بفعل الغاصب، وهذه الأشياء آلات مجرَّدة، فقولنا بإعطاء كل من المالك والغاصب حقه أقرب إلى الإنصاف والعدالة وموافق للمصالح العامة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض "التلازم مع القياس والمصلحة" فعندنا: يعمل بالقياس والمصلحة، وعندهم: يُعمل بالتلازم. (٢١) مسألة: إذا غصب شخص مصوغًا أو شعيرًا، أو غزلًا، أو ثوبًا، أو خشبة، أو حبًّا، أو بيضًا، أو نوى، أو أغصانًا، فضرب ذلك المصوغ، ونسج الغزل ثوبًا أو فراشًا، وقصر الثوب، أو صبغه، أو نجر الخشبة وجعلها بابًا، أو صار الحب زرعًا، والأغصان شجرًا، والبيض فراخًا ودجاجًا، والنوى غرسًا: فإنه يجب على الغاصب ردُّ كل ما غصبه، وما نتج عنه إلى مالكه، وإن نقصت أثمان تلك الأشياء بسبب ما لحقها: فيجب أن يدفع أرش هذا النقص لمالكها، ولا شيء للغاصب؛ للتلازم؛ حيث إن الغاصب فعل ذلك بكل عين غصبها من مالكها من غير إذنه، فيلزم: أن لا شيء لذلك الغاصب؛ لأن هذه التصرفات تُعتبر لاغية، فهو كمن تبرَّع في ملك غيره بغير إذنه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرجاع الحق إلى أهله، وفيه منع أخذ بعض الناس حقوق غيرهم بغير إذنهم. (٢٢) مسألة: إذا غصب شخص إناء ونحوه، أو بابًا ونحو ذلك، وغيَّر الغاصب ذلك =

стр. 1881

أمرد، فيغرم ما نقص من قيمته، وإن جنى عليه: ضمنه بأكثر الأمرين ما نقص من قيمته، وأرش الجناية؛ لأن سبب كل واحد منهما قد وُجد، فوجب أن يضمنه بأكثرهما (٢٣)، (وإن خصي الرقيق: ردَّه مع قيمته)؛ لأن الخصيتين، يجب فيهما كمال المغصوب بما يناسبه فإذا أراد ردَّه إلى مالكه: فإن المالك يُجبره على إعادته على ما كان قبل غصبه إذا تمكَّن من إعادته إلى حالته الأولى بدون ضرر ذلك المغصوب كالأواني والحلي، والدراهم ونحو ذلك، أما إن لم يتمكَّن من إعادته إلى حالته الأولى إلّا بفساده: فلا يحق للمالك إجاره على إعادته، والغاصب لا يحق له إفساده؛ للمصلحة: حيث إن مصلحة المالك تقتضي إعادته على ما كان قبل غصبه؛ ليتمكّن من الانتفاع به كما كان سابقًا، فإذا كانت تلك الإعادة تتسبَّب في إفساد ذلك المغصوب على المالك: فلا يُعاد كما كان؛ ليتمكّن ذلك المالك من الانتفاع به. (٢٣) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا، فتلف بعض هذا الشيء وهو عند الغاصب فنقصت قيمته: فيجب على الغاصب ردُّ هذا الشيء المغصوب إلى مالكه، ويضمن ويغرم ما نقص من قيمته، فمثلًا: لو غصب عبدًا أمردًا كان يساوي عشرة آلاف، فنبتت لحيته عند الغاصب، ونقصت قيمته فصارت ثمانية آلاف فإن الغاصب يردُّه، ويردُّ معه ألفين، وكذا لو غصبه وهو بصير سميع ناطق، له يدان، وهو يساوي عشرة، فجنى عليه فعمي، أو أصابه صمم، أو خرس، أو فقد إحدى يديه، وصار يساوي بعد ذلك ثمانية: فإن الغاصب يردُّه إلى مالكه، ويردُّ معه أرش الجناية وهو: ألفان للقياس؛ بيانه: كما أنه لو جنى على عبد غيره أو على بهيمة بدون غصب: فيجب عليه أن يردَّ العبد، والبهيمة مع أرش تلك الجناية، وهو ما نقص من قيمة ذلك العبد، والبهيمة، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد فوَّت شيئًا له قيمة، فوجب أن يجبره بقدره من القيمة، فإن قلتَ: إنه إن جنى عليه فنقصت قيمته: فإن يضمنه بأكثر الأمرين: إما =

стр. 1882

القيمة، كما يجب فيهما كمال الدية من الحر، وكذا: لو قطع منه ما فيه دية كيديه، أو ذكره، أو أنفه (٢٤) أن يدفع ما نقص من قيمة العبد المغصوب بالجناية، أو أرش الجناية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود سبب كل واحد من الأمرين: أن يضمنه بأكثرهما ثمنًا على الغاصب، للتفاوت بين ضمان الغصب وضمان الجناية، قلتُ: إنه لا فرق بينهما؛ حيث إن ضمان الغصب هو ضمان الجناية ثم إن ضمان الغاصب ودفعه لأكثر الأمرين -إما قيمة النقص أو الأرش- فيه نوع ظلم على الغاصب، فدفعًا لذلك: قلنا ما ذكرناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في ضمان الغصب هل هو ضمان الجناية أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا. (٢٤) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا فقطع شيئًا منه فيه الدية كاملة -فيما لو قطع من الحر- كأن يقطع خصيتيه، أو يديه، أو ذكره، أو لسانه، أو أنفه: فيجب عليه أن يردُّ ذلك العبد المغصوب إلى مالكه، ويردُّ قيمته كلها، فمثلًا: لو غصب عبدًا يساوي عشرة آلاف، ثم قطع خصيتيه، أو لسانه: فإنه يرد العبد، وعشرة آلاف معه إلى مالكه، وهذا مطلق: أي: سواء زادت قيمة العبد بسبب الخصاء، أو قطع اللسان، أو قلَّت؛ للقياس؛ بيانه: كما أن هذه الأشياء لو قُطعت من الحر لوجب على القاطع كمال الدية، وبقاء الحر على حريته، فكذلك لو قطع الغاصب تلك الأشياء من العبد: فإنه يدفع كل قيمة العبد مع بقاء العبد في ملك سيده، والجامع: أنه في كل منهما قد وقع التلف على البعض، ويُضمن ذلك المفوَّت، فلا تزول الحرية، أو الملك عن غيره بذلك الضمان، فإن قلتَ: إنه يُخيَّر مالك العبد بين أن يصبر، فلا يأخذ شيئًا الغاصب الجاني، وأما أن يأخذ قيمة عبده -وهي العشرة آلاف- ويملك الغاصب الجاني العبد؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أتلف مالًا: فإن المتلف يدفع قيمة ما أتلفه، ويملكه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما فيه ضمان مال فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع =

стр. 1883

(٢٥) (وما نقص بسعر: لم يضمن)؛ لأنه ردَّ العين بحالها لم ينقص منها عين ولا صفة فلم يلزمه شيء (٢٦) (ولا) يضمن نقصًا حصل (بمرض) إذا ضمانه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الضمان في العبد في مقابلة التالف فقط، لا في مقابلة الجملة، بخلاف ضمان المال إذا أتلفه فإنه في مقابلة الجملة؛ إذ ما بقي من المال لا يصلح للاستفادة منه، فيكون ضمانة في مقابلة جملته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بالحر، لأنه أكثر شبهاً به عندنا، وهم ألحقوه بالأموال العامة؛ لأنه أكثر شبهًا بها عندهم، وهو المسمَّى: "قياس الشبه" أو "غلبة الأشباه". (٢٥) مسألة: إذا غصب دابة، ثم جنى على أي عضو منها كأن أتلف عينها، أو رجلها: فإنه يضمن ما نقص من قيمتها، فمثلًا: لو كانت الدابة تساوي قبل ذلك الإتلاف خمسمائة ريال، وصارت بعد ذلك الإتلاف تساوي ثلاثمائة: فإن الغاصب الجاني يرد الدابة إلى مالكها ويدفع له مائتي ريال؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أتلف بعض دار: فإنه يجب على المتلف دفع الدار وقيمة ما نقص من قيمتها، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما مال قد أتلف بعضه، وبقي البعض الآخر يستفاد منه. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس من اعتداء الآخرين عليها. (٢٦) مسألة: إذا غصب شخص ثوبًا كانت قيمته عشرة دراهم وقت الغصب، ثم نقصت قيمته أثناء مدَّة غصبه، فصارت قيمته ثمانية دراهم ثم ردَّه: فإنه يضمن الدرهمين، أي: يردُّه مع درهمين إلى مالكه، وهو مذهب كثير من العلماء: منهم أبو ثور، وابن تيمية وهو رواية عن أحمد، للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب الثوب فتلف: فإنه يضمنه فكذلك إذا نقصت قيمته وهو عنده: فإنه يضمن ذلك النقص، والجامع: أن الغاصب هو السبب في نقصان قيمته في كل، فيتحمَّله، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضرر عن مالك الثوب المغصوب؛ لأن الغاصب حرمه من الدرهمين، فلا بدَّ من تعويضه، ولو لم =

стр. 1884

(عاد) إلى حاله (ببرئه) من المرض؛ لزوال موجب الضمان، وكذا: لو انقلع سنُّه ثم عاد (٢٧)، فإن ردَّ المغصوب معيبًا، وزال عيبه في يد مالكه، وكان أخذ الأرش: لم يلزمه ردُّه؛ لأنه استقر ضمانه بردِّ المغصوب وإن لم يأخذه: لم يسقط ضمانه؛ يضمن ذلك: لتحايل كثير من الناس إلى إمساك حقوق غيرهم حتى تنقص أثمانها، ثم يغردُّونها فدفعًا لذلك: شرع هذا، فإن قلتَ: لا يضمن الغاصب هذين الدرهمين، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب لو ردَّ الثوب وهو لم ينقص منه شيء: فإنه لا يضمن شيئًا، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه ردَّ العين -وهو الثوب- بحالها لم تنقص منها عين ولا صفة فلم يلزمه شيء في كل، قلتُ: لا نسلِّم ذلك، بل نقصت قيمته؛ إذ لو باعه مالكه في أثناء وقت غصبه لكانت قيمته عشرة، ولكن منع من ذلك الغاصب، فيكون الغاصب هو المتسبِّب في نقص ثمنه، وهذا مضر بمالكه، ورفع الضرر عن الآخرين مطلوب شرعًا، فلا يُسلَّم ما قالوه؛ لكون النقص على المالك واضح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بمن أتلف ثوبًا بكامله؛ لأنه أكثر شبهًا به عندنا، وألحقوه برد الثوب السالم عن النقص؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا هو المسمَّى بـ"قياس الشبه" أو "غلبة الأشباه". (٢٧) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا، فنقصت قيمته لمرض ونحوه عند الغاصب، ثم عادت قيمته كما كانت وهو عنده ثم ردُّه إلى مالكه: فلا شيء عليه، فمثلًا: لو غصب شخص عبدا يساوي ألف درهم، ثم مرض عنده أو انقلع ضرسه فأصبح لا يساوي إلّا سبعمائة فقط، ثم شفي، وعادت قيمته كما كانت أولًا -وهي: ألف درهم- ثم ردَّه إلى مالكه: فلا شيء على الغاصب، أي: لا ضمان عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من زوال موجب ومسبب الضمان: عدم الضمان، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المالك لم يتضرَّر بشيء، فلو أُوجب ضمان =

стр. 1885

لذلك (٢٨) (وإن عاد) النقص (بتعليم صنعة) كما لو غصب عبدًا سمينًا قيمته مائة، فهزل فصار يساوي تسعين، وتعلَّم صنعة فزادت قيمته بها عشرة: (ضمن النقص)؛ لأن الزيادة الثانية غير الأولى (٢٩) (وإن تعلَّم) صنعة زادت بها قيمته عند الغاصب (أو النقص الذي زال قبل الرَّد على الغاصب: للحق الضرر على الغاصب، فدفعًا لذلك شرع هذا. (٢٨) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا مثلًا، ثم نقصت قيمته بسبب مرض، أو أي عيب أصابه وهو عند الغاصب ثم ردَّه ذلك الغاصب إلى مالكه مع أرش ذلك النقص وضمانه -كما قلنا في مسألتي (٢٣ و ٢٤) - ثم شُفي ذلك العبد، أو زال العيب وهو عند مالكه وعادت إليه قيمته: فلا يلزم مالكه أن يردَّ الأرش الذي أخذه إلى الغاصب، وكذا: لو لم يأخذ المالك ذلك الأرش: فإنه لا يسقط عن الغاصب، فيجب عليه -أي: على الغاصب- دفعه وإن زال المرض والعيب عن العبد وهو عند مالكه؛ للتلازم؛ حيث إن ضمان ما نقص من العبد قد استقرّ وثبت حينما ردَّه: فلا يُزيل هذا الاستقرار للضمان زوال المرض أو العيب وهو عند مالكه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حفظ حق المالك؛ وهذا منضبط؛ إذ لو سقط الأرش لاحتمل أن ينتظر الغاصب فلا يُسلِّم للمالك شيئًا حتى يرى هل يزول المرض أو العيب، وهذا لا نهاية له. (٢٩) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا سمينًا مثلًا يساوي مائة درهم، فهزل عند الغاصب حتى أصبح لا يساوي إلّا تسعين، ولكن زادت قيمته بشيء غير جنس الأول، فتعلَّم صنعة كنجارة وهو عند الغاصب، فصار يساوي مائة درهم: فإن الغاصب يضمن النقص الحال له لما هزل، فيجب عليه -أي: على الغاصب- أن يردّ العبد مع عشرة دراهم، وإن كان قد تعلَّم صنعة زادت بها قيمته فهذا لا يُؤثِّر؛ للتلازم؛ حيث إن الواجب أن يرد الغاصب المغصوب كما كان عند وقت غصبه، وهو هنا ردَّه بصفة تختلف عن صفته التي هو عليها عند غصبه: فيلزم =

стр. 1886

سمن) عنده (فزادت قيمته، ثم نسي) الصنعة (أو هزل، فنقصت) قيمته: (ضمن الزيادة)؛ لأنها زيادة في نفس المغصوب، فلزم الغاصب ضمانها كما لو طالبه بردِّها فلم يفعل و (كما لو عادت من غير جنس الأول) بأن غصب عبدًا فسمن، فصار يساوي مائة، ثم هزل فصار يساوي تسعين، فتعلَّم صنعة فصار يساوي مائة: ضمن نقص الهزال؛ لأن الزيادة الثانية غير الأولى (٣٠) (و) إن كانت الزيادة الثانية (من ضمان تلك الصفة المفقودة عند ردِّه؛ حيث إنه أخذه وهو سمين وردُّه وهو هزيل، فلم يكن كما كان في صفته، فلذا وجب ضمان ما فُقد، أما زيادة قيمته بسبب الصنعة التي تعلَّمها -وهي النجارة هنا- فهذا لا يؤثِّر في إسقاط الضمان؛ إذ قد يكون مقصود مالكه: كونه جاهلًا ولكنه قوي، والجهل أحيانًا نعمة يقصدها الأسياد في عبيدهم، والأزواج في زوجاتهم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لمقاصد الملَّاك في أملاكهم، وقطع التحايل لأخذ حقوق الآخرين. (٣٠) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا مثلًا يساوي مائة، ثم سمن أو تعلَّم صنعة -كنجارة مثلًا- عند الغاصب فصار يساوي مائتين، ثم هزل، أو نسي ما تعلَّمه -وهو عند الغاصب- فنقصت قيمته إلى أن صار سعره مائة: فيجب على الغاصب أن يردُّه كما أخذه ولا يضمن تلك الزيادة -وهي المائة الآخرى- إلّا أن يُطالب مالكه بردِّه حال كونه سمينًا، أو متعلِّمًا فلم يفعل الغاصب فهنا يضمن تلك الزيادة وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة؛ للتلازم؛ حيث إنه ردَّ العين المغصوبة -وهو العبد هنا- كما أخذها؛ حيث إن العبد لما غصبه كان يساوي مائة، فردَّه وهو يساوي نفس القيمة فيلزم: عدم ضمان تلك الزيادة الطارئة في قيمته؛ لأنه لم يحرمه من شيء، ويلزم من مطالبة مالكه له حال تلك الزيادة وعدم ردِّ الغاصب هذا العبد إليه: أن يضمن تلك الزيادة؛ لأنه طالبه بالمغصوب وهو متصف بالسِّمن أو تعلُّم تلك الصنعة، ورده إليه لما هزل، أو =

стр. 1887

جنسها) أي: من جنس الزيادة الأولى كما لو نسي صنعة ثم تعلَّمها، ولو صنعة بدل صنعة: (لا يضمن)؛ لأن ما ذهب عاد، فهو كما لو مرض ثم برئ (٣١) (إلا نسي وتسبَّب هذا في نقصان قيمته، مما أدَّى إلى حرمان المالك من ذلك فاستحقّ تلك الزيادة، فيضمنها له الغاصب إذا نقصت، فإن قلتَ: إن الغاصب يضمن تلك الزيادة، فيرد العبد ومائة ويُسلِّمهما للمالك، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو رأي الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو ردَّه بصفة غير جنس الأول: فإنه يضمن النقص الحاصل له -كما سبق في مسألة (٢٩) - وكذلك: كما أنه لو طالبه بردِّها حال تلك الزيادة فامتنع الغاصب من ردِّها: فإنه يضمن، فكذلك الحال هنا مثل هاتين الصورتين، والجامع: حصول الزيادة في نفس المغصوب ونقصانها في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الغاصب قد ردَّ المغصوب بصفة غير الصفة التي أخذها وهي فيه، فضمن لأجل ذلك -كما سبق في مسألة (٢٩) - وكذلك إذا طالب المالك الغاصب بأن يُسلِّمه عبده وهو في حال السِّمن، أو تعلُّم الصنعة فامتنع الغاصب: فإنه يضمن نقصان تلك الزيادة؛ لكونه استحقه بمطالبته، فحرمه منها، فيضمن الغاصب القيمة التي حرم المالك منها، بخلاف ما نحن فيه: فالمالك قد استلم عبده في صفته التي أُخذ منه وهو عليها، فلم يتغيّر عليه شيء يضمن، ولم يطالبه في حال زيادة قيمة العبد أثناء السِّمن أو تعلم الصنعة، ومع الفرق، لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" فعندنا: التلازم أقوى؛ لما ذكرناه. (٣١) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا مثلًا، وكان هذا العبد يعرف صنعة النجارة مثلًا وكان يساوي مائة، ثم نسي النجارة عند الغاصب، ثم تعلَّمها، أو تعلَّم صنعة أخرى من جنس الأولى، ولم تتغيَّر قيمته: فإن الغاصب يرده، ولا يضمن شيئًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العبد المغصوب لو مرض عند الغاصب ثم شُفي فردَّه إلى مالكه: فإنه لا يضمن شيئًا إذا لم تتغير قيمته بسبب ذاك المرض، فكذلك الحال =

стр. 1888

أكثرهما) يعني إذا نسي صنعة وتعلَّم أخرى، وكانت الأول أكثر: ضمن الفضل بينهما؛ لفواته وعدم عودة (٣٢) وإن جنى المغصوب: فعلى غاصبه أرش جنايته (٣٣). فصل: (وإن خلط) المغصوب بما يتميّز كحنطة بشعير، وتمر بزبيب: لزم الغاصب تخليصُه وردُّه، وأجرة ذلك عليه (٣٤)، و (بما لا يتميّز كزيت أو حنطة هنا، والجامع: عدم تغيُّر قيمة العبد، وعدم تضرر مالكه فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المالك بأن رجع إليه ماله بدون تغيير، وحماية الغاصب من استغلال المالك له. (٣٢) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا مثلًا، وكان هذا العبد يعرف صنعة النجارة مثلًا، وكان يساوي مائة، ثم نسي تلك الصنعة عند الغاصب، ولكنه تعلَّم صنعة أخرى وهي: الخياطة مثلًا، فصارت قيمته تساوي ثمانين: فإن الغاصب يردُّه، ويردُّ ما نقص من قيمته وهو العشرون درهمًا؛ للتلازم؛ حيث إنه لزم من فوات العشرين على المالك وعدم عوده إليه على ما هو عليه من تلك الصنعة: أن يضمن ذلك الغاصب ويرده إلى مالكه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي حماية حق المالك من النقص. (٣٣) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا، فجنى هذا العبد على شخص آخر: سواء كان مالكه أو غيره: فإن إرش جنايته على الغاصب، سواء في ذلك ما يوجب القصاص أو المال؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يضمن ما نقص منه، فكذلك يضمن جنايته، والجامع: أن الجناية نقص في العبد الجاني؛ لكون الجناية تتعلَّق برقبته، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلت للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد حصل في زمن غصبه فيكون الضمان عليه، دون مالكه. (٣٤) مسألة: إذا غصب شخص بُرًّا فخلطه بشعير، أو غصب تمرًا فخلطه بزبيب، أو غصب شيئًا أحمر وخلطه بشيء أسود، أو غصب أي شيء وخلطه بشيء آخر يتميّز عنه: فإنه يجب على الغاصب -عند ردِّه- أن يُخلِّص ويُفرق بين البر =

стр. 1889

بمثلهما): لزمه مثله؛ لأنه مثلي، فيجب مثل مكيله (٣٥)، وبدونه أو خير منه، أو بغير والشعير، ويفرق بين التمر والزبيب، ويُفرق بين الأحمر والأسود، ثم يردُّ المغصوب إلى مالكه ويتحمّل أي أجرة في ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعدِّي الغاصب بذلك: أن يُلزم بردِّه على مالكه على الصفة التي أخذه عليها، ويلزم من تجنِّيه أن يلزم بأي أجرة لأجل فعل ذلك؛ لأن "ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب". (٣٥) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا فخلطه بمثله من عنده أو من عند غيره بحيث يصعب التمييز بينهما مثل: أن يغصب زيتًا من شخص، ويخلطه بزيت من عنده، أو يغصب بُرًا من شخص، ويخلطه ببر من عنده ونحو ذلك: فإنه يلزم الغاصب، أن يردَّ مثل ما غصبه من حيث شاء -أي الغاصب- وهو قول كثير من العلماء منهم القاضي أبو يعلى؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب شيئًا كزيت مثلًا فتلف: فإنه يردُّ مثله فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما تعذَّر عليه ردُّ عين ماله بسبب الخلط؛ لعدم تميز شيء من ماله، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه انضباط للمردود، وإيصال الحق للمالك، فإن قلتَ: إنه يجب عليه رد مثل المغصوب: كيلاً أو وزنًا من المختلط، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب صاعًا فتلف بعضه: فإنه يرد مثله منه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما قدر على دفع بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي، فلا ينتقل إلى المثل في الجميع. قلتُ: هذا صحيح إن انضبط، ولكنه لا يمكن أن ينضبط، فيكون الأسلم والأضبط ما ذكرناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه في المتلف؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بالمتلف بعضه، لكون أكثر شبهًا به عندهم، وهذا "قياس الشبه".

стр. 1890

جنسه كزيت بشيرج: فهما شريكان بقدر ملكيهما، فيُباع ويُعطى كل واحد قدر حصَّته، وإن نقص المغصوب عن قيمته منفردًا: ضمنه الغاصب (أو صبغ) الغاصب (الثوب، أو لتَّ سويقًا) مغصوبًا (بدهن) من زيت أو نحوه (أو عكسه): بأن غصب دهنًا، ولتَّ به سويقًا (ولم تنقص القيمة) أي: قيمة المغصوب (ولم تزد: فهما شريكان بقدر ماليهما فيه)؛ لأن اجتماع الملكين يقتضي الاشتراك، فيباع ويوزع الثمن على القيمتين، (وإن نقصت القيمة) في المغصوب: (ضمنها) الغاصب؛ لتعدِّيه (وإن زادت قيمة أحدهما: فلصاحبه) أي: لصاحب الملك الذي زادت قيمته؛ لأنها تبع للأصل (٣٦) ................................................ (٣٦) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا، فخلطه الغاصب بشيء آخر أقلَّ منه قيمة، أو أكثر منه، أو خلطه بغير جنسه: كأن يغصب برًا فيخلطه بزيت من عنده، أو يغصب برًا ويخلطه بدقيق شعير من عنده، وهذا الخلط لا يتميّز، أو يغصب ثوبًا، فصبغه الغاصب بصبغ من عنده، أو يغصب سويقًا، ولتَّه بزيت من عنده، أو العكس بأن يغصب صبغًا ويجعله على ثوب من عنده، أو يغصب زيتًا، ويجعله في سويق من عنده، ففي ذلك تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كانت قيمة المغصوب لم تزد ولم تنقص: فالغاصب والمالك شريكان بقدر ملكيهما وماليهما، فيُباع البر المخلوط مع الزيت، ويوزَّع الثمن على قيمة البر، وقيمة الزيت، فتعطى قيمة البر لمالكه، وتُعطى قيمة الزيت للغاصب على حسب سعر كل واحد منهما، فمثلًا: لو قدِّر البر المغصوب بأنه يساوي ستة دراهم، ويُقدَّر الزيت التابع للغاصب بأنه يساوي ثلاثة دراهم، فإذا بيع فيكون الثلثان لمالك البر، والثلث لمالك الزيت وهو الغاصب، فإذا بيع الزيت المخلوط بالبر بمبلغ وقدره ثلاثون درهمًا مثلًا: فإن المالك يأخذ ثلثيها -وهو: عشرون- والغاصب يأخذ الثلث -وهي عشرة- وهكذا يُقال في الثوب المصبوغ، والسويق الذي جُعل فيه زيت ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن اجتماع الملكين -وهما البر والزيت- يلزم منه: اشتراك المالكين

стр. 1891

(ولا يُجبر من أبى قلع الصبغ) إذا طلبه صاحبه (٣٧)، وإن وهب الصبغ لصاحب الثوب: لزمه قبوله (٣٨) (ولو قُلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض) أي: لهما في قدر ملك كل واحد منهما على حسب نسبته، ثانيًا: إن نقصت قيمة المغصوب -وهو البر في المثال السابق-: فإن الغاصب يضمن ذلك النقص، فلو كانت قيمة البر عند الغصب ستة دراهم، وهما قد باعا البر المخلوط بالزيت بأربعة دراهم: فإن الغاصب يضمن الدرهمين للمالك ويردّ له ستة ولا شيء للغاصب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعدِّي الغاصب على غصب البر: أن يضمن ذلك النقص؛ لأنه حدث بسببه، وفعله، ثالثاً: إن زادت قيمة كل من الزيت أو البر: فإن كلَّ واحد يأخذ الزيادة التي تخصُّ ملكه فمثلًا: إذا زاد سعر البر في السوق وصار البر المغصوب يساوي عشرة والزيت يساوي خمسة فقط، ثم باعا البر المخلوط بالزيت فالزيادة تكون للذي غلا سعره وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من أن كل شيء يتبع أصله: أن الزيادة تتبع ما زاد سعره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دقة متناهية في الإنصاف والعدالة. (٣٧) مسألة: إذا غصب شخص ثوبًا، ثم صبغه الغاصب بصبغة من عنده، وأراد الغاصب قلع هذا الصبغ، أو غصب صبغًا، وجعله في ثوب من عنده، وأراد المالك قلعه: لم يُجبر كل منهما على قلع ذلك إذا طلبه صاحبه؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه إتلاف وإلحاق للضرر إليه؛ لأن الصبغ يهلك وينعدم بالاستخراج والقلع، ويتسبَّب في إفساد الثوب عادة، فدفعًا لذلك: شرع هذا. (٣٨) مسألة: إذا وهب الغاصب الصبغ إلى مالك الثوب أو وهب نسيج غزل، أو تحسين دار إلى مالكهما: فإنه يلزم المالك قبول ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو زادت صفة في المسلم فيه: للزم المسلم أن يقبله، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الصبغ والصفة صارا من صفات العين، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ نظرًا لكونه أرجع إلى المالك العين المغصوبة وزيادة.

стр. 1892

لخروج الأرض مستحقة للغير: (رجع) الغارس أو الباني إذا لم يعلم بالحال (على بائعها) له (بالغرامة)؛ لأنه غرَّه، وأوهمه أنها ملكه ببيعها له (٣٩) (وإن أطعمه) الغاصب (العالم بغصبه: فالضمان عليه)؛ لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه من غير تغرير، وللمالك تضمين الغاصب؛ لأنه حال بينه وبين ماله، وقرار الضمان على الآكل (وعكسه بعكسه) فإن أطعمه لغير عالم فقرار الضمان على الغاصب؛ لأنه غرَّ الآكل (٤٠)، (وإن أطعمه) الغاصب (لمالكه، أو رهنه) لمالكه (أو أودعه) لمالكه (أو (٣٩) مسألة: إذا باع زيد أرضًا على عمرو، فغرسها عمرو، أو بنى عليها بناءً، ثم بان أن الأرض ليست ملكًا لزيد بل هو غاصبها من بكر، فقلع بكر ما غرسه عمرو، وهدم البناء؛ لكونه هو مستحق الأرض: ففي ذلك تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان عمرو يعلم بأن تلك الأرض -التي غرسها، أو بنى عليها- ليست ملكًا لزيد، ومع ذلك اشتراها منه: فإنه لا يُغرم له شيء، بل يذهب ماله هدرًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو اشترك زيد وعمرو في غصب أرض فغرساها، أو بنيا عليها بناء وقلع وهدم ذلك: فلا شيء لهما فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما متعدِّي فيما فعله، والمتعدِّي لا يُغرم له ما خسره بسبب تعدِّيه، ثانيًا: إن كان عمرو لا يعلم شيئًا عن الأرض، ويغلب على ظنه أنها ملك لزيد: فإنه يرجع إلى بائعها وهو -زيد- ويُطالبه بثمن الغرس، والبناء، ويجب على زيد أن يغرم له ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا يُطالب زيدًا بثمن الأرض الذي أعطاه إياه؛ لكون بكر قد أخذها منه؛ لأنها حق له، فكذلك يُطالبه بثمن الغرس والبناء الذي قلعه وهدمه بكر، والجامع: أنه في كل منهما قد غرَّه زيد، وأوهمه بأن الأرض ملكه، وهو السبب في كونه يبني، ويغرس فيها، والمقصد في ذلك واضح. (٤٠) مسألة: إذا غصب زيد طعامًا من عمرو فأطعمه زيد لبكر فأكله: فإن الضمان على الغاصب -وهو زيد- فيُطالبه المالك -وهو عمرو هنا- بقيمة الطعام: سواء =

стр. 1893

آجره إياه: لم يبرأ) الغاصب (إلا أن يُعْلم) المالك أنه ملكه، فيبرأ الغاصب؛ لأنه حينئذٍ يملك التصرُّف فيه على حسب اختياره، وكذا: لو استأجره الغاصب على قصارته، أو خياطته (٤١) (ويبرأ) الغاصب (بإعارته) المغصوب لمالكه من ضمان عينه: كان الآكل -وهو بكر- عالمًا بأن هذا الطعام مغصوب أو لا، ويرجع زيد على الآكل ويُطالبه بقيمته إن شاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الغاصب -وهو زيد- هو الآخذ الحقيقي لذلك المال من عمرو، وهو الذي حال بينه وبين ماله: أن يكون هو المسؤول عن هذا الغصب أمام المالك -وهو عمرو- فيضمنه له، ولا شأن لعمرو ببكر لا من قريب ولا بعيد، فإن قلتَ: إن الضمان يكون على الآكل إن كان عالمًا بأن الطعام مغصوب، ويُطالب المالك -وهو عمرو- بحقه من الغاصب المباشر له ويطالب الآكل أيضًا، أما إن كان الآكل لا يعلم أن ذلك الطعام مغصوب: فإن الضمان يكون على الغاصب -وهو زيد- فقط، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من علم الآكل -وهو بكر- بأن الطعام مغصوب: أنه يضمنه؛ لكونه أتلف مال غيره بغير إذن، ولا تغرير، فهو أقدم على فعله مع علمه، ويلزم من عدم علم الآكل بأن الطعام مغصوب: أن لا يضمنه إلّا إذا رجع إليه الغاصب المباشر -وهو زيد- لأنه هو الذي غر الآكل قلتُ: هذا بعيد؛ لأن المالك -وهو عمرو- قد غصب طعامه زيد مباشرة، فهو المسؤول أمامه عن ذلك الطعام، فلا يُطالب بحقه من غيره، وهذا هو الذي تؤيده القواعد الشرعية، وأصله: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. (٤١) مسألة: إذا غصب زيد طعامًا من عمرو، فأطعم ذلك الغاصب ذلك الطعام لمالكه -وهو عمرو-، أو رهن زيد ذلك الطعام عند عمرو، أو أودعه إياه، أو أجَّره دارًا قد غصبها منه، أو أخذه مالكه -وهو عمرو- بقرض أو شراء، أو هبة، أو هدية، أو صدقة، أو إباحة، أو غصب زيد من عمرو ثوبًا فاستأجره على قصارته، أو خياطته، ولم يعلمه بأن هذا الطعام، أو الدار، أو الثوب هو =

стр. 1894

علم أنه ملكه أو لم يعلم؛ لأنه دخل على أنه مضمون عليه، والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان، فإن علم الثاني: فقرار الضمان عليه، وإلا: فعلى الأول، إلّا ما دخل الثاني على أنه مضمون عليه: فيستقرّ عليه ضمانه (٤٢) (وما تلف) ملكه: فإن ذمة الغاصب لا تبرأ، أما إن أعلمه بأن كل ذلك ملكه: فإن ذمة الغاصب تبرأ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم علم المالك -وهو عمرو- بأن هذا ملكه يتصرَّف فيه كما شاء ببيع، أو هبة، أو إطعام غيره: أن تكون ذمة الغاصب لا تبرأ بذلك؛ لأنه قبضه على أنه أمانة؛ لأن الرَّد الكامل الشرعي هو: إعلام المالك بأن هذا الشيء هو مغصوب منك وهو ملك لك وبهذا تنتفي المنة، ويلزم من إعلامه بذلك: وحرية تصرف المالك فيه على حسب اختياره: بيع وهبة وصدقة: أن تبرأ ذمة الغاصب بذلك؛ لكون ذلك هو: الرد الكامل الشرعي للمغصوب. (٤٢) مسألة: إذا غصب زيد حمارًا من عمرو، فأعار زيد ذلك الحمار إلى مالكه -وهو عمرو-: فإن ذمة الغاصب تبرأ مطلقًا، أي: سواء علم عمرو أن الحمار ملكه، أو لم يعلم بذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المالك قد استعار الحمار على أنه مضمون عليه؛ لأن العارية توجب الضمان على المستعير فلزم: إبراء ذمة الغاصب في ذلك؛ إذ لو وجب الضمان على الغاصب لرجع به على المستعير -وهو المالك وهو عمرو هنا- ولا فائدة في وجوب شيء عليه يرجع به على من وجب له. تنبيه: الغاصب يضمن المغصوب، وإذا تعامل معه آخر بشراء ذلك المغصوب، أو استأجره، أو نهبه، أو استعاره، أو غصبه منه، أو تصرَّف فيه تصرُّف شريك مضارب، أو تزوج المغصوبة، أو قبض المغصوب تعويض له عن سلعة مشتراة، أو أتلف ذلك المغصوب، وهو يعلم أو لا يعلم في تلك الأمور العشرة: فإن المالك يُضمِّن الغاصب الأول، في كل، ويرجع الأول إلى الثاني إن شاء، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل، وما ذكره المصنف هنا مبني على مذهبه فقط، وقد سبق =

стр. 1895

أو أتلف من مغصوب (أو تغيَّب) ولم يمكن ردّه كعبد أبق وفرس شرد (من مغصوب مثلي) وهو: كل مكيل، أو موزون، لا صناعة فيه مباحة يصح السَّلم فيه: (غرم مثله إذًا)؛ لأنه لما تعذر رد العين: لزمه رد ما يقوم مقامها، والمثل أقرب إليه من القيمة (٤٣). وينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة: فإنه يضمن بقيمته في مكانه، ذكره في "المبدع" (وإلا) يمكن رد مثل المثلي؛ لإعوازه: (فقيمته يوم تعذَّر)؛ لأنه وقت استحقاق الطلب بالمثل، فاعتبرت القيمة إذًا (٤٤) (ويضمن غير المثلي) -إذا تلف أو بيان الرد عليه. (٤٣) مسألة: إذا غصب زيد شيئًا من عمرو، فتلف هذا الشيء المغصوب، أو أتلفه الغاصب كحيوان مات أو قتله الغاصب، أو تغيَّب ذلك المغصوب ولم يتمكّن الغاصب من ردِّه كفرس غصبه ثم هرب ذلك الفرس: وكان لهذا المغصوب مثل -وهو الشيء المماثل له- مثل أن يغصب مكيلًا أو موزونًا فيتلف: فإن الغاصب يغرم مكيلًا أو موزونًا مثله بشرط: أن يكون ذلك المكيل أو الموزون لا صناعة فيه، ومباحة، ويصح السَّلم فيه كالبر، ونحوه، فإن دخلت فيه الصناعة كصناعة الهريسة، أو كانت غير مباحة كأواني الذهب أو الفضة، أو كانت لا يصح السلم فيها كالجواهر: فإن الغاصب لا يغرمها بمثلها بل بقيمتها، للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه لما تعذَّر ردُّ العين: وجب عليه أن يردَّ ما يقوم مقامها: فيلزم أن يردَّ مثلها؛ لأن المثل هو الذي يقوم مقام العين من طريق الصورة والمشاهدة، بخلاف القيمة، ثانيهما: يلزم من تفاوت الصناعات، وعدم الإباحة في الأشياء المغصوبة، أو عدم صحة السَّلم فيه: أن يغرم الغاصب ما غصبه من هذه الأمور بقيمته؛ لئلا يفعل شيئًا محرمًا. (٤٤) مسألة: إن كان لهذا المغصوب التالف مثل، ولكنه لم يجده؛ لعدم، أو بُعْد، أو غلاء: فإن الغاصب يغرم ذلك بقيمته يوم تعذَّر عليه وجود المثل، كمن غصب ماء في صحراء، أو نحو ذلك؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من تعذُّر =
следующие страницы →