← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(ويُسنُّ تعجيلها) مطلقًا، (٩) وهي الصلاة = هذين" وقد سبق بيان دلالته في مسألة (٦)، ثانيها: قوله: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر"؛ حيث دل مفهوم الشرط على أن من لم يُدرك ركعة قبل غروب الشمس: فإنه لم يدرك العصر أداءًا، وإنما تكون - إذا صلاها - قضاءً، ثالثها: قوله ﷺ : "تلك صلاة المنافق يجلس أحدهم حتى إذا اصفرَّت الشمس فكانت بين قرني شيطان: قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله إلا قليلًا" فذم الشارع هنا من صلى العصر حين تصفر الشمس، وتستعد للمغيب بلا عذر؛ لأن وصفه بالنفاق: ذمّ، فيلزم من هذا الذم: تحريم تركها إلى قبيل غروب الشمس، فلو أبيح تركها مطلقًا إلى الغروب: لما ذمَّه على هذا التأخير لأنه لا يذم إلا على فعل محرم، فيلزم: صحة صلاته، وتأثيمه على ذلك، فإن قلتَ: لم تصلَّى العصر في هذا الوقت؟ قلتُ: لشكر الله على نعمة زوال الشمس زوالًا سريعًا، ولأنه وقت صلاة يونس ﵇ كما سبق بيانه، فإن قلت: لِمَ سمي الأول وقت اختيار؟ قلتُ: لأن المكلَّف مخير بين أن يصلي في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره، فإن قلتَ: لِمَ سمي الثاني وقت اضطرار؟ قلتُ: لأنه لا يُباح تأخير العصر إلى هذا الوقت إلا للضرورة كنائم يستيقظ، أو مريض يبرأ، أو فاقد للماء لم يجده إلا فيه، أو كافر أسلم، أو حائض أو نفساء طهرتا فيه، أو صبي بلغ أو مجنون أفاق؛ حيث إن هؤلاء يصلون في هذا الوقت وتكون صلاته أداء، ولا يأثمون؛ لعذرهم، أما من صلاها في هذا الوقت بلا عذر: فتصح صلاته أداء ولكنه يأثم، فإن قلتَ: لِمَ سميت بالعصر؟ قلتُ: لكونها نهاية النهار، والعرب تسمي نهاية كل شيء: عصرًا. (٩) مسألة: يُستحب تعجيل صلاة العصر مطلقًا، أي: سواء كان وقت شدة حر أو لا، أو كان في الجو غيم أو لا؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال رافع: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العصر فننحر جزورًا فيُقسَّم عشرة أجزاء، ثم نطبخ فنأكل لحمًا =

стр. 352

الوسطى (١٠) (ويليه وقت المغرب) وهي وتر النهار، ويمتدُّ (إلى مغيب الحمرة) أي: = نضجًا قبل غروب الشمس" فيلزم من ذلك: أنه ﷺ كان يُعجِّل العصر لكون تلك الأفعال تحتاج إلى وقت طويل، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحصول على ثواب وأجر تعجيل الصلاة أول وقتها، وفيه: تمكين بعض المسلمين من إنهاء عمله الذي بدأه في الصباح والعودة إلى منزله قبل غروب الشمس. (١٠) مسألة: صلاة العصر هي: الصلاة الوسطى التي حثَّ الله على المحافظة عليها قائلًا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا"، فإن قلتَ: لِمَ سُمّيت بذلك؟ قلتُ: لكونها خير الصلوات؛ لأن الوسط: الخيار، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدولًا وخيارًا، وأكد ذلك بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ لذلك حثَّ على المحافظة عليها ورغب فيها، لذلك تجد الشخص المتوسط في أموره وأحكامه هو خير الناس، وتجد المتشدد، أو المتساهل في الأمور لا خير فيه، فإن قلتَ: إن الصلاة الوسطى هي: صلاة الفجر؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت يكون في الفجر، قلتُ: المراد بالقنت هنا: السكوت عن الكلام أثناء الصلاة؛ حيث نهى الشارع عن الكلام بعد أن كانوا يتكلمون فيها - كما ورد ذلك في سبب نزول الآية - كما أورده القرطبي في تفسيره (٣/ ٢١٤) عن مسلم؛ والماوردي في تفسيره (١/ ٢٥٨) فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المراد بـ "القنوت" هنا": فعندنا: السكوت، وعندهم: الدُّعاء. تنبيه: اختلف في المراد بالصلاة الوسطى على عشرة أقوال ذكرها القرطبي في تفسيره (٣/ ٢٠٩) وابن قدامة في "المغني" (٢/ ١٨) والماوردي في تفسيره (١/ ٢٥٧).

стр. 353

الشفق الأحمر (١١) (ويُسنُّ تعجيلها إلا ليلة جمع) أي: مزدلفة، سُمِّيت جمعًا؛ لاجتماع الناس فيها فيُسنُّ (لمن) يُباح له الجمع و (قصدها مُحرمًا) تأخير المغرب ليجمعها مع العشاء تأخيرًا قبل حَطِّ رحْلِه (١٢) (ويليه وقت العشاء إلى) طلوع (١١) مسألة: وقت صلاة المغرب يبدأ من مغيب قرص الشمس، وينتهي بمغيب الشفق الأحمر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "وقت المغرب: ما لم يغب الشفق" الثانية: قول الصحابي؛ حيث ذكر ابن عباس وابن عمر: أن الشفق هنا هو: الحمرة وتفسير الصحابي حجة؛ فإن قلتَ: لم تصلى صلاة المغرب في هذا الوقت؟ قلتُ: لشكر الله تعالى على نعمة غياب الشمس، ولأنه وقت صلاة عيسى ﵇ كما سبق - فإن قلتَ: لم سُمَّيت بهذا الاسم؟ قلتُ: لكونها تصلى بعد غروب الشمس مباشرة، وينتهي وقتها بعد غروب الشفق الأحمر، فإن قلتَ: لم سُمِّيت بوتر النهار؟ قلتُ: لأنه ﵇ سمَّاها بهذا ولكونها وترًا من بين صلوات: الفجر والظهر والعصر حيث إن هذه شفع. (١٢) مسألة: يُستحب تعجيل صلاة المغرب إلا للمحرم بالحج فإنه يستحب أن يؤخرها ليجمعها مع صلاة العشاء في مزدلفة قبل أن يضع رحله على الأرض - إن سهل -؛ للسنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول جابر: "كان النبي ﷺ يصلي المغرب إذا وجبت" أي: إذا سقطت الشمس وغربت مباشرة، ثانيهما: أنه ﷺ قد أخر صلاة المغرب من يوم عرفة حتى صلاها مع العشاء جمعًا في مزدلفة، فإن قلتَ: لم استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعجيل الصلاة في أول وقتها، وإيجاد وقت واسع بين المغرب والعشاء لقضاء بعض الحاجات الخاصة بالنوم، ولدفع المشقة الحاصلة من وقوف الناس في الطريق بين عرفة ومزدلفة لأجل صلاة المغرب، وسيأتي في كتاب الحج.

стр. 354

(الفجر الثاني) وهو: الصادق (وهو: البياض المعترض) بالمشرق ولا ظلمة بعده، والأول: مستطيل أزرق له شعاع ثم يظلم (١٣) (وتأخيرها) إلى أن يصليها في أول (١٣) مسألة: وقت صلاة العشاء يبدأ من مغيب الشفق الأحمر - وهو: آخر وقت المغرب - وينتهي بمنتصف الليل فمثلًا: إذا كانت الشمس تطلع في الساعة السادسة وتغيب في السادسة مساءً، فإن الليل يكون اثنتي عشرة ساعة، فإذا كان الأمر كذلك: فإن منتصف الليل يكون الساعة الثانية عشرة مساءً - ويختلف الوقت والحساب باختلاف الشهور - وهذا قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" ولم يتعدَّ النصف، فيلزم منه: أن ذلك آخر وقت صلاة العشاء، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن جبريل قد صلى بالنبي ﷺ العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق، وفي الثاني حين ذهب ثلث الليل ثم قال: "الصلاة فيما بين هذين" وقال أنس: "أخَّر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى" فهذان الفعلان لزم منهما: أن وقت العشاء ينتهى بنصف الليل، ودل مفهوم الزمان منهما على أن ما بعده ليس بوقت لصلاة العشاء، فإن قلتَ: لم تصلى العشاء بهذا الوقت؟ قلتُ: لشكر الله تعالى على نعمة حلول الظلام ليهدأ الخلق من الحركة، فيأخذ الجسم حقه من النوم، ولأن موسى ﵇ قد صلى فيه - كما سبق ذكره -، فإن قلت: لم سميت بهذا الاسم؟ قلتُ: لأن "العِشاء" بكسر العين والمد - هو: أول ظلام الليل عند العرب - كما في "المصباح" (٤١٢)، فإن قلتَ: إن وقت صلاة العشاء ينتهي بطلوع الفجر الثاني - وهو: البياض المعترض بالمشرق الذي لا ظلمة بعده، ويُسمَّى بالصادق؛ لكونه صدق بالصبح بخلاف الكاذب وهو: طلوع الفجر الأول - وهو البياض المستطيل الأزرق يكون من المشرق إلى المغرب، يكون له شعاع ونور ثم يظلم ويختفي، وهو يخدع من لا يعرفه ويظنه نهارًا، ويكون =

стр. 355

الوقت المختار وهو (ثلث الليل أفضل إن سهل) فإن شقَّ ولو على بعض المأمومين: كُرِه، (١٤) ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها إلا يسيرًا أو لشغل أو مع أهل ونحوه، ويحرم تأخيرها بعد ثلث الليل بلا عذر؛ لأنه وقت ضرورة (١٥) (ويليه وقت الفجر) = الوقت الاختياري من مغيب الشفق إلى نصف الليل، والوقت الضروري من نصف الليل إلى طلوع الفجر الثاني وهذا ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: هذا لم أجد دليلًا قويًا عليه، ثم يلزم منه أن يكون وقت صلاة العشاء الليل كله، وهذا لم يقع في الشريعة، ولا يقبل مع وجود دليل من السنة القولية والفعلية يدل على أن وقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل. (١٤) مسألة: يستحب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل إن سهُل على المكلَّفين، ويكره التأخير إن شقَّ؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أنس: "أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى" فلو لم يكن مستحبًا لما أخرها فإن قلتَ: لم استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه كلما تأخرت الصلاة كلما كان أكثر أجرًا، إلا أن يكون ذلك يشقُّ على بعض المأمومين: فيكره التأخير دفعًا لهذه المشقة، تنبيه: قوله "في آخر الوقت المختار" يشير به على أن لصلاة العشاء وقتين: وقت اختياري، ووقت ضروري، وهذا مرجوح كما سبق بيانه في مسألة (١٣). (١٥) مسألة: يُكره النوم قبل صلاة العشاء، ويُكره الحديث والكلام بعدها إلا كلامًا يسيرًا لا يستغرق إلا دقائق، أو كلامًا كثيرًا في شغل لا يقبل التأخير، أو مع أهل أو ولد؛ لإصلاح شأنهم، أو مع ضيف مضطرًا للكلام معه أو كلام في طلب علم، أو مدارسة، أو محاضرة أو نحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول عمر: "كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه" ثانيهما: "أنه ﷺ تحدَّث مع أهله ساعة بعد العشاء ثم رقد" الثانية: المصلحة؛ حيث إن النوم قبل العشاء =

стр. 356

من طلوعه (إلى طلوع الشمس (١٦) وتعجيلها أفضل) مطلقًا، (١٧) ويجب التأخير = يتسبب في ثقل الصلاة عليه، والكلام بعدها يتسبب في السهر المؤدي إلى تأخير صلاة الفجر أو فوات التهجد بالليل، أو فوات عمله بنشاط في الصباح فيقل رزقه بسبب ذلك، تنبيه: قوله: "ويحرم تأخيرها" إلى قوله: "ضرورة" يشير به إلى مذهبه وهو: أن للعشاء وقتين: اختياري وضروري، وقد بينا في مسألة (١٣) أن هذا مرجوح. (١٦) مسألة: وقت صلاة الفجر يبدأ من طلوع الفجر الثاني - وهو: البياض المعترض في المشرق الذي يُرى في الأفق، ويسمى بالفجر الصادق وينتهي بطلوع الشمس؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "وقت صلاة الفجر بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس"، فإن قلتَ: لم تصلى الفجر في هذا الوقت؟ قلتُ: لشكر الله تعالى على انسلاخ الليل، ومجيء النهار وطلوع الشمس؛ حيث إن هذه من النعم العظمى التي تستحق الشكر، ولأن آدم ﵇ قد صلاها - كما سبق بيانه، فإن قلتَ: لم سميت بصلاة الفجر؟ قلتُ: لوقوعها في وقت انفجار النهار وبروزه وظهوره، والعرب تسمي ضوء الصبح - وهو حمرة الشمس المختلط بسواد الليل - فجرًا - كما في "اللسان" (٥/ ٤٤) تنبيه: قوله: "ويليه وقت الفجر" يشير به إلى أن وقت صلاة الفجر يلي الوقت الضروري لصلاة العشاء، وهذا بناء على مذهب بعض العلماء أن للعشاء وقتين، وهذا مرجوح كما سبق بيانه في مسألة (١٣). (١٧) مسألة: يستحب تعجيل صلاة الفجر في أول وقتها مطلقًا أي: سواء كانت مع جماعة أو لا، وسواء رجالًا أو نساءً، وسواء في صيف أو شتاء؛ للسنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يُصلي الصبح فتنصرف النساء متلفِّعات بمروطهن ما يُعرفن من الغلس" ولفظ "كان" يدل على أنه مستمر في ذلك؛ لأنها من صيغ العموم في الزمان، ويلزم من لفظ "ما يعرفن =

стр. 357

لتعلُّم فاتحة أو ذكر واجب إن أمكنه تعلمه في الوقت، وكذا: لو أمره والده به ليُصلِّي به، (١٨) ويُسنُّ لحاقن ونحوه مع سعة الوقت (١٩) (وتُدرك الصلاة) أداءً (بـ) إدراك تكبيرة (الإحرام في وقتها) فإذا كبر للإحرام قبل طلوع الشمس أو غروبها: كانت كلها أداء حتى ولو كان التأخير لغير عذر لكنه آثم، وكذا: وقت = من الغلس" أن هذه الصلاة تكون بليل؛ إذ لو كانت في الأسفار لعرفن بسبب ذلك، فإن قلتَ: لم استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي تحصيل أجر الصلاة في أول وقتها، ولأجل أن يقرب من وقت صلاة الليل؛ لعل دعوته تجاب فيسعد في الدنيا والآخرة وللتبكير في الوصول إلى عمله؛ ليبارك الله له فيه؛ لقوله ﷺ : "جُعلت بركة أمتي في بكورها". (١٨) مسألة: يجب أن يؤخر المسلم الصلاة عن أول وقتها إلى آخره إذا كان جاهلًا يريد أن يتعلَّم كيفية الصلاة: كقراءة الفاتحة ونحوها، أو أن يتعلم ما يقوله في ركوع، أو سجود، أو جلوس من واجبات، أو يأمره والده بأن يُصلِّي به في آخر الوقت؛ للمصلحة؛ حيث إن تلك الأمور واجبة، وفعل الصلاة مع العلم بها في آخر الوقت أكثر أجرًا من فعل الصلاة مع الجهل بها في أول الوقت؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها مستحب، والواجب مقدم على المستحب. (١٩) مسألة: يستحب أن يؤخر المسلم الصلاة عن أول وقتها إلى آخره إذا وُجد شيء يشغل فكره عن الخشوع وفهم ما يقول كمن به حصر بول - وهو الحاقن -، أو من أشغله غائطه، أو من اشتهى طعامًا، أو من به غضب أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن الصلاة مع الخشوع والتركيز فيما يقول أعظم أجرًا من الصلاة في أول الوقت مع انشغال الفكر بشيء طاريء عليه؛ لأن الخشوع والسكون في الصلاة أولى من الصلاة وهو منشغل الفكر.

стр. 358

الجمعة يدرك بتكبيرة الإحرام ويأتي (٢٠) (ولا يُصلي) من جهل الوقت، ولم تمكنه مشاهدة الدلائل (قبل غلبة ظنه بدخول وقتها إما باجتهاد) ونظر في الأدلة، أوله صنعة وجرت عادته بعمل شيء مقدَّر إلى وقت الصلاة، أو جرت عادته بقراءة شيء مقدَّر، ويستحب له التأخير حتى يتيقن (أو بخبر) ثقة (متيقن) كأن يقول: رأيت الفجر طالعًا، أو الشفق غائبًا ونحوه، فإن أخبره عن ظن: لم يعمل بخبره، (٢٠) مسألة: تُدرك الصلاة أداءً إذا كبَّر تكبيرة الإحرام قبل خروج وقتها، فمثلًا: لو كبَّر لصلاة الفجر قبل طلوع الشمس بدقيقة واحدة: فإن له أجر الصلاة أداء، ولو صلَّى أكثر الصلاة بعد طلوعها، وكذا: لو كبَّر تكبيرة الإحرام لصلاة العصر قبل غروب الشمس بدقيقة مثل ذلك، وهذا مطلق، أي: سواء أخَّر الصلاة إلى آخر وقتها بعذر أو بغير عذر، وسواء كانت جمعة أو غير جمعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحديد أوقات الصلوات السابقة في مسائل (٦ و ٨ و ١١ و ١٣ و ١٦) -: أن يصلي كل صلاة في وقتها ويكون أداءً دون تفريق بين أوله ووسطه وآخره في هذا، وإن لم يكن هذا هو المقصود فلا حاجة لتحديد تلك الأوقات، فإن قلت: كيف تكون الصلاة أداءً مع أنه صلى أكثر صلاته بعد خروج وقتها؟ قلتُ: قياسًا على من أدرك سجدة: فإنه يدرك الصلاة حيث قال ﷺ : "من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها" فكذلك من أدرك تكبيرة الإحرام بجامع: إدراك جزء من الصلاة قبل خروج الوقت؛ لاستواء القليل والكثير في ذلك، وهذا تلطف من الله تعالى في تحصيل أجر الأداء، تنبيه: يأثم إذا أخرج صلاة العصر إلى وقتها الاضطراري وهو قبيل غروب الشمس بغير عذر مع وقوع الصلاة أداء كما سبق في مسألة (٨).

стр. 359

ويعمل بأذان ثقة عارف (٢١) (فإن أحرم باجتهاد) بأن غلب على ظنه دخول (٢١) مسألة: لا يجوز للمسلم أن يصلي إلا إذا غلب على ظنه دخول وقت الصلاة: إما باجتهاد من نفسه إذا كان من أهل النظر في أدلة وعلامات دخول الأوقات، أو كان له عادة في صنعته إذا انتهت دخل الوقت، أو له عادة في قراءة إذا انتهى في موضع معين دخل الوقت، أو كانت له ساعة، أو ديك يصيح في وقت معين أو أن يُخبره شخص ثقة عدل بأن وقت الصلاة قد دخل، أو أن الشمس قد غابت، أو أن الفجر قد طلع، أو أن الشفق الأحمر قد غاب عن غلبة ظن، أو أن يسمع مؤذنًا أمينا عارفًا بأوقات دخول الوقت، ويكفي في ذلك من اعتاد الناس متابعته وإن لم يعرفه ونحو ذلك من العلامات التي تغلِّب عند الشخص دخول الوقت؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من تحديد أوقات الصلوات - كما سبق -: أن لا تصح أي صلاة إلا إذا غلب على ظننا دخول وقتها؛ إذ لا فائدة من التحديد إلا هذا، الثانية: إجماع الصحابة، حيث اعتاد الصحابة على الاعتماد في أمور صلاتهم وفطرهم وإمساكهم على ما غلب على ظنهم من غروب الشمس، أو زوالها، أو طول ظل أو قصره، أو انفجار صبح، أو أذان ثقة عدل، ولم يرد عن أحدهم الاعتراض على ذلك، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن المجتهد يُقبل كلامه ويُعمل به مع أنه لا يقطع به فكذلك يُقبل قول من أخبر بدخول الوقت مع أنه لا يقطع به والجامع: أن كلًا منهما قد غلب عليه صحة ما أخبر به تنبيه: قوله: "ويُستحب له التأخير حتى يتيقن" وقوله "فإن أخبره عن ظن: لم يُعمل به" يُشير به إلى أنه يشترط التيقن بدخول الوقت، ويُشترط أن يخبره المخبر عن يقين، قلت: هذا لا يشترط، بل يكفي أن يغلب على ظنه دخول الوقت فقط - كما بينا ذلك -؛ لأن القطع واليقين صعب حصوله، والظن يجب العمل به، فإن قلتَ: لِمَ يكفي غلبة الظن بدخول الوقت بتلك الطرق؟ قلتُ: للمصلحة؛ =

стр. 360

الوقت؛ لدليل مما تقدم (فبان) إحرامه: (قبله: فـ) صلاته (نفل)؛ لأنها لم تجب، ويُعيد فرضه (وإلا) يتبين له الحال أو ظهر أنه في الوقت (فـ) صلاته (فرض) ولا إعادة عليه؛ لأن الأصل براءة ذمَّته (٢٢) ويُعيد الأعمى العاجز مطلقًا إن لم يجد من يقلده (٢٣) (وإن أدرك مكلَّف من وقتها) أي: وقت فريضة (قدر التحريمة) أي: = حيث إن تلك الطرق متيسرة على جميع الناس على اختلاف طبقاتهم، فيسهل العلم بدخول الوقت بأي طريق، لئلا يُحرج الناس بذلك؛ لأنه سبحانه لم يوجب العبادات على العباد ليُعذبهم بها، بل كانت لرحمتهم. (٢٢) مسألة: إذا غلب على ظنه دخول وقت صلاة الظهر - مثلًا - بأي طريق، ثم صلاها، وبعد فراغه منها: بأن أنه صلاها قبل دخول وقتها: فإنها لا تكون فرضًا، بل هي نافلة، ويجب عليه إعادة الفريضة في وقتها، أما إن لم يتبن له شيء، أو تبين أنه صلى بعد دخول الوقت: فإن صلاته تكون فرضًا ولا إعادة عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صلاتها قبل دخول وقتها: عدم صحتها فرضًا؛ لعدم شرطها وهو دخول وقتها، وحملها على أدنى مراتب الصلاة وهي النافلة، ويلزم من عدم بيان أنه صلاها قبل الوقت، أو أنه صلاها في الوقت: صحتها؛ لأنه أتى بما خوطب به وفرض عليه من غلبة ظنه من دخول وقتها، ووجود شرطها وهو: دخول الوقت، فلا شيء يفسدها. (٢٣) مسألة: الأعمى العاجز عن معرفة دخول الوقت: يجب عليه أن يقلد غيره ممن يثق به من المبصرين أو العميان القادرين على معرفة دخول الوقت بطرقه، فإن صلى وهو لم يقلد أحدًا في ذلك: فإنه يعيد صلاته - بعد معرفته لدخول الوقت من غيره - وهذا مطلق، أي: يعيد سواء صلى بعد دخول الوقت أو قبله؛ للتلازم؛ حيث إن فرض هذا الأعمى تقليد غيره بدخول الوقت، ولم يوجد هذا منه فيلزم عدم صحة صلاته؛ لكونه صلى وهو شاك بدخول الوقت ولا تصح صلاة مع شك بوجود شرط أو عدمه كالنية وغيرها.

стр. 361

تكبيرة الإحرام (ثم زال تكليفه) بنحو جنون (أو) أدركت طاهرة من الوقت قدر التحريمة ثم (حاضت) أو نفست (ثم كُلِّف) الذي زال تكليفه (وطهرت) الحائض أو النفساء: (قضوها) أي: قضوا تلك الفريضة التي أدركوا من وقتها قدر التحريمة قبل؛ لأنها وجبت بدخول وقتها واستقرت، فلا تسقط بوجود المانع (٢٤) (ومن صار أهلًا لوجوبها) بأن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو طهرت حائض أو نفساء (قبل خروج وقتها) أي: وقت الصلاة بأن وجد ذلك قبل الغروب مثلًا ولو بقدر تكبيرة: (لزمته) أي: العصر (وما يجمع إليها قبلها) وهي الظهر، وكذا: لو كان ذلك قبل الفجر: لزمته العشاء والمغرب؛ لأن وقت الثانية وقت الأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور فكأنه أدرك وقتها (٢٥) (ويجب فورًا) ما لم يتضرر في بدنه، (٢٤) مسألة: إذا غربت الشمس - مثلا - وبعد غروبها بمقدار تكبيرة الإحرام: زال تكليف مسلم بأن جُن، أو حاضت امرأة أو نفست، ثم بعد مدة: أفاق المجنون، وطهرت الحائض والنفساء، فإنه يجب على هؤلاء أن يقضوا صلاة المغرب فقط، دون بقية الصلوات؛ للتلازم؛ حيث يلزم من دخول وقت صلاة المغرب: وجوبها على هذا المكلف واستقرار هذا الوجوب في ذمته فلا تسقط تلك الصلاة بوجود ذلك المانع، لكونه أدركها وهو مكلف، وبناء عليه: فلا تبرأ ذمته إلا بفعلها. (٢٥) مسألة: إذا صار شخص أهلًا لوجوب الصلاة بأي جزء من أجزاء وقتها: فإن تلك الصلاة تجب عليه فقط، دون ما قبلها، فمثلًا: لو أسلم الكافر، أو بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو طهرت الحائض أو النفساء قبل غروب الشمس ولو بلحظة: فإن صلاة العصر تجب عليهم فقط، دون الظهر، وجميع الصلوات مثلها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها" فدل ذلك على أن الواجب على المدرك للوقت =

стр. 362

أو معيشة يحتاجها، أو يحضر لصلاة عيد (قضاء الفوائت مرتبًا) ولو كثرت، (٢٦) = أن يصلي الصلاة التي يخصها ذلك الوقت فقط، وهذا عام لجميع الصلوات من باب مفهوم الموافقة؛ ولم يشر الحديث إلى وجوب فعل ما قبلها سواء كانت تجمع معها أو لا، فإن قلتَ: ثم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين ودفع مشقة عنهم خاصة ممن يتكرر منهم ذلك كالنساء، فإن قلتَ: تجب عليهم - هنا - صلاة العصر، والصلاة التي قبلها مما تجمع معها وهي صلاة الظهر - وهو ما ذكره المصنف هنا - لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون وقت الثانية هو وقت الأولى عند العذر: أن إدراك جزء من وقت الثانية مثل إدراك جزء من الوقتين معًا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف يقولان: "إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس: صلَّت الظهر والعصر معًا" قلتُ: أما التلازم فلا يُسلَّم؛ لأن لكل صلاة وقتًا محددًا غير متداخل مع غيره - كما سبق بيانه - والجمع رُخِّص فيه لعذر لا يوجد هنا، أما قول الصحابي: فضعيف - كما قال بعض أئمة الحديث - وعلى فرض قوته: فإنه يحمل على الاحتياط، يؤيد ذلك: أن الحائض غير متأكدة من وقت وقف خروج الدم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض السنة مع التلازم وقول الصحابي" فعندنا: يعمل بالسنة، وعندهم: يعمل بالتلازم وقول الصحابي تنبيه: قوله: "وكذا لو كان ذلك قبل الفجر لزمته العشاء" يشير به إلى أن وقت العشاء يستمر إلى طلوع الفجر الثاني، وقد بينا أن هذا مرجوح في مسألة (١٣). (٢٦) مسألة: يجب على المسلم أن يقضي الصلوات المفروضة الفوائت فورًا، أي: يبادر بقضائها على صفتها مرتبة: بأن يقضي المتقدمة ثم المتأخرة على حسب مشروعيتها سواء كان بعذر أو لا بشرط: عدم تضرره، أو حضوره لصلاة عيد، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها =

стр. 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فليصلها إذا ذكرها" فقد أوجب الشارع قضاء الصلاة الفائتة فورًا دون تراخي؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، والفورية، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما أشغله المشركون في غزوة الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قام فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء فيلزم من ذلك وجوب الترتيب، فإن قلتَ: لم أوجب القضاء فورًا سواء بعذر أو لا؟ قلتُ: لأن الذمة قد انشغلت بهذا الوجوب، فلا يسقط الواجب إلا بالإبراء إن كان دينًا، أو الفعل إن كان غير ذلك، وخروج الوقت ليس بواحد منهما، وهذا شامل للمعذور وغيره، وعليه: فلا تبرأ ذمته إلا بفعل الصلاة وإن كان قد أخرها عن وقتها بدون عذر، فإن قلت: إن خرج وقت الصلاة بدون عذر: فلا يصلي تلك الصلاة وهو قول بعض العلماء ومنهم ابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط دخول الوقت لصحة الصلاة: أن لا تصح إلا به، فلو صلاها بعد خروجه بدون عذر لا تصح منه ولا تقبل، ولا يفهم من الشرط إلا هذا كما لا تصح الصلاة إلا بطهارة وسترة للقادر عليها، قلتُ: إن المقصود باشتراط دخول الوقت: أنه إذا دخل الوقت على هذا المكلف: فإن الصلاة قد وجبت في ذمته، فإن فعلها في الوقت المحدد لها: كانت أداءًا وبرأت ذمته، وإن خرج وقتها وهو لم يفعلها: فإن ذمته تكون مشغولة بذلك الواجب، ولا يسقط عنه إلا بفعله وإن خرج الوقت، لأن "الواجب لا يسقط بفوات وقته" لكنه إن خرج عليه الوقت بدون عذر: فإنه يفعلها ويأثم بذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الواجب هل يسقط بفوات وقته أو لا؟ " فعندنا: يسقط، وعندهم: لا فإن قلت: لم وجب قضاؤها فورًا بشرط: عدم تضرره، أو عدم حضوره صلاة عيد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع المضرة عنه، ولأنه لو قضاها وهو حاضر لصلاة العيد لتوهم أحد أنه يصلي العيد فيقتدي به.

стр. 364

ويسنُّ صلاتها جماعة (٢٧) (ويسقط الترتيب بنسيانه)؛ للعذر فإن نسي الترتيب بين الفوائت، أو بين حاضرة وفائتة حتى فرغ من الحاضرة: صحَّت، (٢٨) ولا يسقط بالجهل (٢٩) (و) يسقط الترتيب أيضًا (بخشية خروج وقت الحاضرة) فإن خشي (٢٧) مسألة: يستحب أن يصلي الفوات مع جماعة إن سهل؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى الفجر لما فاتته مع جماعة، وكذا صلى الفوائت في غزوة الخندق مع الجماعة، فإن قلتَ: لم استُحب ذلك: قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل فضل صلاة الجماعة وهو: سبع وعشرون درجة كما سيأتي. (٢٨) مسألة: إذا كان عليه فوائت وهي الظهر والعصر - مثلًا - فنسي الظهر وصلى العصر، ثم تذكر أن عليه صلاة الظهر: فإنه يصليها ولا يعيد العصر، أو كان عليه صلاة الظهر والعصر من يومي السبت والأحد - وهو الآن في يوم الاثنين - ولكنه نسي هل عليه ظهر السبت أو ظهر الأحد، أو عصر السبت أو عصر الأحد: فإنه يقضي ظهرًا وعصرًا مطلقًا، أو كان عليه صلاة الظهر ولكنه نسيها، فلما فرغ من صلاة العصر الحاضرة: تذكر أنه لم يصل الظهر: فإنه يقضي الظهر، ولا يعيد العصر؛ للتلازم؛ حيث إن وجود العذر - وهو: النسيان في هذه الحالات - يلزم منه: سقوط وجوب الترتيب، لكون النسيان من الأعذار المعتبرة شرعًا؛ تيسيرًا على الناس وهذا هو المقصد الشرعي منه. (٢٩) مسألة: إذا كان على المسلم فوائت وقضاها بدون ترتيب جهلًا منه بوجوب ذلك: فإنه يجب عليه إعادتها مرتبة إذا علم ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه قادر على تعلم ذلك بسؤال أهل العلم - إذا كان بينهم - فيلزم من ذلك: أن يعيد ما صلاه بالترتيب المشروع؛ لكونه قادرًا عليه، والمقصد منه: الحث على تعلم الأحكام الشرعية.

стр. 365

خروج الوقت: قدَّم الحاضرة؛ لأنها آكد، (٣٠) ولا يجوز تأخيرها عن وقت الجواز، (٣١) ويجوز التأخير لغرض صحيح كانتظار رفقة، أو جماعة لها، (٣٢) ومن (٣٠) مسألة: إذا كان عليه فائتة وهي الظهر مثلًا وحضرت صلاة العصر، وخشي من خروج وقت العصر: فإنه يجب عليه أن يصلي العصر، ثم يقضي الظهر، ويسقط الترتيب هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز تأخير الصيام عن وقته لأجل تقديم قضاء صيام فائت، فكذلك الصلاة مثله، والجامع: فعل العبادة في وقتها في كل، فإن قلتَ: لم شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا فعل ذلك: فإنه سيتحصَّل على أجر صلاة أداء، وصلاة قضاء وهذا بدلًا من أن تكون الصلاتان معًا قضاء، فيقل أجره. (٣١) مسألة: إذا كان عليه فائتة وهي الظهر مثلًا وحضرت صلاة العصر وخشي أن يفوت وقتها الاختياري: فإنه يصلي الحاضرة في أول وقتها، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها الاختياري إلى وقتها الضروري من أجل أن يقضي الظهر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خشيته فوات وقتها الاختياري: سقوط وجوب الترتيب؛ لأن الحرص على الصلاة في الوقت مقدَّم على ترتيب الفوائت، لعدم معرفة آخر الوقت الاختياري عند أكثر الناس، وهذا هو المقصد من هذا الحكم. (٣٢) مسألة: يجوز تأخير قضاء الصلاة الفائتة يسيرًا إذا كان هذا التأخير لغرض صحيح شرعًا كأن ينتظر فرقة، أو اختيار بقعة، أو انتظار جماعة ليصلي معهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما فاتته صلاة الفجر هو وأصحابه بسبب النوم في السفر أمر بالارتحال عن مكان نومهم قليلًا، ثم قضوا تلك الصلاة، وهو مكان قريب جدًّا، وانتظار الرفقة، أو الجماعة مثل اختيار البقعة؛ لعدم الفارق في الحصول على الأجر الكامل، وعدم المشقة من باب "مفهوم الموافقة".

стр. 366

شكَّ فيما عليه من الصلوات وتيقن سبق الوجوب: أبرأ ذمته يقينًا، (٣٣) وإن لم يعلم وقت الوجوب: فمما تيقن وجوبه (٣٤) (ومنها) أي: من شروط الصلاة (ستر العورة) قال ابن عبد البر: "أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلى عريانًا" و "الستر" بفتح السين: التغطية وبكسرها: ما يُستر به، و "العورة" لغة: النقصان والشيء المستقبح، ومنه كلمة "عوراء" أي: قبيحة، وفي الشرع: القبل والدُّبُّر، وكل ما يُستحى منه - على ما يأتي تفصيله - (٣٥) (فيجب) (٣٣) مسألة: إذا بلغ صبي - مثلًا - في أول شهر رجب: فإنه تجب عليه جميع التكاليف ومنها الصلاة، وهو متيقن بهذا البلوغ، ولكنه في آخر هذا الشهر شك فيما صلاه من الصلوات، حيث صلى بعض الشهر دون بعضه الآخر: فإنه يجتهد ويقضي ما تيقن منه براءة ذمته من الفوائت التي لم يُصلِّها من ذلك الشهر؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الفوائت وجبت عليه بيقين فاشتغلت ذمته فيها فيلزم من ذلك: قضاؤها؛ لأن ذمته لا تبرأ إلا بهذا. (٣٤) مسألة: إذا لم يعلم الشخص متى بلغ فلا يدري هل بلغ في أول شهر رجب أو في منتصفه؟ ولم يعلم هل صلى بعد بلوغه أو لا؟: فإنه يقضي بداية من الفرض الذي تيقن بلوغه قبله دون المشكوك فيه، فمثلًا: لو شك في بلوغه من أول رجب، ولكنه متيقن بأنه كان بالغًا في منتصفه: فإنه يقضي الصلوات التي تركها من منتصف رجب دون الصلوات التي قبله؛ للتلازم؛ حيث إن الصلوات التي كانت بعد منتصف رجب مخاطبًا بها فوجبت عليه فانشغلت ذمته بها، فلا تبرا تلك الذمة إلا بقضائها، أما التي قبل نصف الشهر فلم يكن مخاطبًا بها؛ لكونه قد شك بها، والشك لا تبنى عليه الأحكام. (٣٥) مسألة: في الثالث - من شروط صحة الصلاة - وهو: أن يستر عورته، أي: يُغطِّي الرجل والأمة ما بين السُّرَّة والركبة، وأن تغطي الحرة كل جسمها ما =

стр. 367

سترها حتى عن نفسه، وخلوة، وفي ظلمة وخارج الصلاة (بما لا يصف بشرتها) أي لون بشرة العورة من بياض، وسواد، لأن الستر إنما يحصل بذلك (٣٦) ولا يُعتبر = عدا الوجه - وسيأتي -، وعليه: فلا تصح صلاة العريان وهو قادر على السترة؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن من صلى عريانًا وهو قادر على ستر عورته: فصلاته فاسدة، فيلزم من ذلك: اشتراط ستر العورة للصلاة ومستند هذا الإجماع السنة القولية؛ حيث قال ﷺ فيمن لا يجد إلا ثوبًا -: "إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به" حيث أوجب الاتزار في الصلاة؛ حيث إن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويلزم من وجوب الاتزار: وجوب ستر العورة؛ لأن الإزار هو ما يستر العورة، وترك الواجب حرام، فإن قلت: لم اشترط ستر العورة هنا؟ قلتُ: لأن كشف العورة مستقبح في العقول السليمة وتستقذره الأنفس الطبيعية، فاستقباح ذلك وهو يناجي خالقه أعظم واشد، فلا يليق به أن يقرأ كلمات خالقه، وأن يذكره وأن يدعوه وهو متبذِّل بكشف عورته كما لا يكون كذلك وهو: بحضرة السلاطين ونحوهم، ولله المثل الأعلى - تنبيه: قوله: "وفي الشرع: القُبُل والدُّبُّر وكل ما يستحى منه" قلتُ: هذا فيه نظر؛ فإن كان يقصد العورة المغلظة فنعم، وإن كان يقصد العورة شرعًا: فلا؛ حيث حددنا عورة الرجل والأمة، وعورة الحرة، وقوله: "وكل ما يُستحى منه" هذا غير منضبط؛ إذ بعضهم يستحي من بروز ساقه ونحو ذلك، وبعضهم: لا يستحي ولو ظهر كل شيء منه. (٣٦) مسألة: يجب أن يستر عورته في الصلاة، حتى عن نفسه، أو كان في خلوة عن الناس، أو كان في ظلمة لا يراه أحد وذلك بشيء لا يصف لون بشرة العورة ولا يُعلم عنها هل هي بيضاء، أو سوداء، أو حمراء، وكذا: يجب ستر عورته وإن لم يكن في صلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط ستر العورة للصلاة: أن =

стр. 368

أن لا يصف حجم العضو؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه، (٣٧) ويكفي الستر بغير منسوج كورق وجلد ونبات، (٣٨) ولا يجب ببارية وحصير، وحفيرة، وطين، وماء كدر لعدم؛ لأنه ليس بسترة، (٣٩) ويباح كشفها لتداو وتخلٍّ ونحوهما، ولزوج وسيد = يفعل ذلك، لأنه هذا هو حقيقة الستر الواجب، فإن قلتَ: لم وجب سترها ولو لم يكن في صلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على المسلمين من الفتنة التي هي سبب كل بلاء حصل في الأمة الإسلامية، فإن قلتَ: لم وجب الستر وإن كان يصلي وحده أو في ظُلْمة أو خلوة؟ قلتُ: لأنه لا يليق أن يناجي ربه وهو منكشف العورة، وللاحتياط لنفسه. (٣٧) مسألة: لا يشترط في ستر العورة: أن لا يلبس شيئًا يصف حجم العضو، ويُبين تقاطيع أعضاء الجسم - فيُباح لبسه لذلك والصلاة فيه - دون أن يصف لونها -؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وجود حقيقة ستر العورة: صحة الصلاة نظرًا لوجود شرطها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن لبس ما يصف تقاطيع الأعضاء يصعب التحرز منه، فأبيح؛ دفعًا لذلك. (٣٨) مسألة: لا يشترط في ستر العورة: أن يكون الساتر منسوجًا، بل يكفي الستر ولو بغير منسوج كورق شجر، أو جلد حيوان طاهر، أو نبات الحشيش، أو شعر طاهر ونحوه لكن بشرط: أن يتمكن من الركوع والسجود بدون انكشاف عورته؛ للتلازم؛ حيث إنه قد تحقق فيه ستر العورة: فيلزم منه صحة الصلاة؛ لوجود شرطه، فإن قلتَ: لم لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فقد لا يجد كل أحد منسوجًا. (٣٩) مسألة: إذا لم يجد شيئًا يستر به عورته من منسوج أو غيره مما لا تنكشف عورته فيه: فإنه يصلي عريانًا، وعليه: فلا يجب عليه أن يتكلَّف في السترة كأن يستر عورته بفراش مصنوع من القصب - وهو: البارية أو الحصير - أو يحفر =

стр. 369

وزوجة وأمة (٤٠) (وعورة رجل) ومن بلغ عشرًا (وأمة وأم ولد) ومكاتبة، ومدَّبَّرة = لنفسه حفرة يجعل نفسه فيها حتى تغطيه إلى السرَّة ويصلي أو يجعل على عورته طينًا رطبًا، أو ماء كدرًا ليغطيها به ويصلي، بل يترك كل ذلك لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن ذلك قد يتسبب في إلحاق الأذى إلى نفسه فدفعًا لذلك لا يجب فعله ولا يستحب أيضًا؛ لأن الضرر يزال، ولا يؤتى به، الثانية: التلازم؛ حيث إنه لم تتحقق حقيقة ستر العورة؛ إذ تنكشف بعض العورة - إذا فعل ذلك - حين الركوع، أو السجود، ولا يسمى هذا عند العقلاء سترًا للعورة فلزم: عدم وجوب فعله؛ لأنه لا يحقق شرط الصلاة. (٤٠) مسألة: يُباح أن يكشف المسلم عورته لزوجته ولأمته، وهما يكشفان عورتهما للزوج والسيد، ويكشفها هؤلاء للضرورة: كطبيبٍ مداو، أو لمن يختن، أو من يزيل شعر العانة إذا لم يحسن ذلك هو، أو لمعرفة بكارة أو ثيوبة، أو بلوغ، أو ولادة، أو عند الخلاء، أو غُسل، أو استنجاء أو استجمار، ويجوز لمن كُشفت له أن ينظر إليها ويلمسها إن احتاج إلى ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك" فدل على إباحة نظر الزوج لعورة زوجته، وبالعكس، ونظر السيد لعورة أمته وبالعكس؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي؛ حيث حرم كشف العورة من قولة: "احفظ عورتك" ثم نفى هذا التحريم فيما بين الزوجين والسيد وأمته وما ذكر من الصور مثله من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن كشف العورة لمن ذكرنا فيه دفع مفسدة الأمراض ونحو ذلك، فأبيح وقُدِّم على ستر العورة هنا؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

стр. 370

(ومعتق بعضها) وحرَّة مميزة، ومراهقة (من السُّرَّة إلى الركبة) وليسا من العورة، وابن سبع إلى عشر: الفرجان (٤١) (وكل الحرة) البالغة (عورة إلا وجهها) فليس (٤١) مسألة: عورة الرجل البالغ، أو الصبي البالغ سبع سنين والصبية المميزة الحرة البالغة سبع سنين، أو الأمة، أو أم الولد - وهي التي ولدت من سيدها - أو المكاتية - وهي: التي اشترت نفسها من سيدها على أقساط - أو المدَّبَّرة - وهي: التي علق عتقها بموت سيدها، أو المبعضة، - وهي: التي بعضها حر وبعضها الآخر عبد -: من تحت السرة، إلى ما فوق الركبة، والسرة والركبة نفسهما ليسا من العورة فلو صلى هؤلاء وأول الفخذ أو ما تحت السرة ظاهر: فلا صحة لصلاتهم؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "إن ما تحت السرة إلى الركبة عورة" فلزم منه: أن ما تحت السرة عورة، وأن السرة ليست بعورة وأن ما فوق عورة، ثانيهما: قوله ﷺ : "إذا زوج أحدكم عبده أو أمته أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورتها؛ فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة" والمراد من ذلك الأمة؛ لأن العبد والأجير لا تختلف حالتهما بالتزوج وعدمه، وأم الولد، والمكاتبة، والمدبرة، والمبعضة كالأمة، لعدم الفارق بجامع: عدم الحرية الكاملة في كل من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة الفعلية؛ "حيث إنه ﷺ كان قاعدًا فكشف ركبته" وهذا يدل على عدم كونها عورة، إذ لو كانت الركبة عورة لما كشفها ﷺ ، ويدل عدم كشفه لما فوق الركبة على أنه عورة، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن البالغ والأمة عورتهما من السرة إلى الركبة فكذلك من بلغ السابعة من ذكر أو أنثى أو خنثى بجامع التمييز في كل، فإن قلتَ: لم كان ذلك هو العورة عند هؤلاء بخلاف غيره؟ قلتُ: لأن هذا الموضع هو الذي يثير الفتنة غالبًا ولأنه يُستحى من إظهاره عادة، ولعدم المشقة في ستره، بخلاف ما تحت الركبة، أو فوق السرة فلا يثير الفتنة غالبًا، ولأنه يحتاج إلى إظهاره عند العمل أو المشي أو نحو ذلك، فإن قلتَ: لم =

стр. 371

عورة في الصلاة (٤٢) (وتستحب صلاته في ثوبين) كالقميص والرداء، والإزار أو = كان حكم الصبي البالغ سبعًا كحكم البالغ مع أنه خالٍ من البلية العظمى وهي الشهوة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من بلغ هذا السن قد ينظر إليه من في قلبه مرض بشهوة، فحرم إظهار ذلك؛ منعًا للفتنة، فإن قلتَ: لم كانت الصبية المراهقة البالغة سبع سنين حكمها كحكم البالغ في هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها في هذا السن تثير الفتنة، فوجب تغطية ذلك؛ دفعًا لذلك تنبيه: قوله: "ومن بلغ عشرًا" وقوله: "وابن سبع إلى عشر الفرجان" يقصد: القُبل والدُّبُّر، قلتُ: هذا فيه نظر؛ حيث إن الراجح: أن عورة ابن سبع إلى أن يبلغ: من ذكر أو أنثى أو خنثى من السرة إلى الركبة كما سبق. [فرع]: عورة من دون السابعة من ذكر أو أنثى أو خنثى: الفرجان وهما: القُبُل والدبر فقط، فلا بأس بظهور الفخذين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تمييز مَنْ دون السابعة: أن لا حكم لعورته في العبادات ولا غيرها، فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الفرجين من غير المميز يثيران الفتنة عند بعض الناس فحُكم عليهما بأنهما عورة، أما غيرهما من حولهما فلا يثير الفتنة عادة، ويصعب التحرز من خروجه من الأطفال. (٤٢) مسألة: المرأة البالغة الحرة كل بدنها عورة إلا وجهها في الصلاة، فلو صلَّت ووجهها فقط ظاهر: فصلاتها صحيحة، أما إن صلَّت وشيء من بدنها ظاهر - وهي تستطع ستره - فصلاتها باطلة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "المرأة عورة" فوصف المرأة بأنها عورة، وهذا عام الجميع بدنها؛ لأن لفظ "المرأة" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، وإنما خصِّص الوجه وأبيح إظهاره في الصلاة نظرًا للمصلحة؛ حيث إن في إظهاره حماية لنفسها وغيرها مما يضرها عن طريق النظر والشم، وخُصَّ في الحديث الحرة؛ لأن عورة الأمة - وغيرها مما شابهها - عورتها من السرة إلى الركبة كما ثبت في قوله ﷺ : "إذا زوج =

стр. 372

السراويل مع القميص (٤٣) (ويكفي ستر عورته) أي: عورة الرجل (في النفل و) ستر عورته (مع) جميع (أحد عاتقيه في الفرض) ولو بما يصف البشرة؛ لقوله ﷺ : = أحدكم … " - كما سبق في مسألة (٤١) - فلم تبق إلا الحرة البالغة؛ عملًا بما بقي بعد التخصيص؛ لأنه حجة فإن قلتَ: لم كانت المرأة الحرة كلها عورة بخلاف الأمة؟ قلتُ: لأن الحرة يتزوجها الرجل للاعفاف والاستيلاد والاستمتاع، فتأبى الشرائع والطبائع أن يسمح أحد بأن ينظر الأجانب إلى محلّ استمتاعه، وأن تبتذل، حفاظًا على شعور الزوج، ومنعًا لوقوع الفتنة، فتقع المعصية الكبرى وهي الزنا فتختلط الأنساب، وتتغير النفوس، وتضطرب الحياة، فلا يحصل بعد ذلك أي استقرار، بخلاف الأمة فإن السيد قد اشتراها أصلًا للخدمة، ولا يمكن أن تقوم بعملها على أكمل وجه إلا بإظهار ساقيها، ورأسها، فإن قلتَ: يباح أن تظهر المرأة كفيها وقدميها في الصلاة وهو قول بعض العلماء منهم ابن تيمية وابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث لا يوجد دليل يدل على أن الكفين والقدمين من العورة في الصلاة، وعدم الدليل: دليل على عدم الحكم بالمنع، قلتُ: هذا ضعيف؛ لأن عموم قوله ﷺ : "المرأة عورة" عام لجميع بدن المرأة ويشمل الكفين، والقدمين وإنما أبيح إظهار الوجه في الصلاة؛ للمصلحة - كما سبق بيانه - بخلاف القدمين والكفين فلا حاجة لإظهارهما. فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض الاستصحاب مع السنة" فعندنا: قُدِّمت السنة؛ لعمومها وهذا مُغيِّر للاستصحاب، وعندهم: الإبقاء على الاستصحاب. (٤٣) مسألة: يُستحب أن يصلي الرجل في ثوبين كالقميص - وهو الساتر لجميع البدن - وسراويل، أو قميص وإزار ورداء؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "إذا وسع الله عليكم فأوسعوا" وهذا عام فيشمل ما نحن فيه وهو: أن يصلي المسلم في ثوبين أو أكثر، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك أكمل في ستر العورة، وأحوط لدين المسلم.

стр. 373

"لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" رواه الشيخان عن أبي هريرة (٤٤) (و) تُستحب (صلاتها) أي: صلاة المرأة (في درع) وهو: القميص (٤٤) مسألة: إذا صلى الرجل نافلة فيكفي أن يستر عورته - وهي: ما بين السرة والركبة - وتصح صلاته، أما إن كانت فريضة: فيجب أن يستر عورته ويستر أحد كتفيه إن كان قادرًا على ذلك، ولو كان ذلك يصف البشرة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" فلا تصح صلاة لم يستر الرجل أحد كتفيه بثوبه فيها - إن كان قادرًا -؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لم وجب ستر أحد كتفيه؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: أنه يأمن من انكشاف عورته عند الركوع أو السجود؛ لأن الكتف يُثبت الثوب، وهذا من باب: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، ثانيهما: أن ستر الكتفين أو أحدهما أقرب إلى الأدب والاحتشام والحياء مع الله تعالى، وهو موافق لأخذ الزينة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فإن قلتَ: لم لم يجب ذلك في النفل؟ قلتُ: لأن النافلة لو فسدت: فلا شيء عليه، ومن هنا: تساهل الشارع بالنوافل، فإن قلتَ: لم حُمِل لفظ "لا يصلي" الوارد في الحديث على صلاة الفرض دون النافلة؟ قلتُ: لأن لفظ "الصلاة" إذا أطلق فلا ينقدح في الذهن إلا صلاة الفرض؛ لأنها حقيقة شرعية ولا يُحمل على النافلة إلا بقرينة، فإن قلت: تصح الصلاة بدون ستر العاتقين أو أحدهما، وإن كان قادرًا وهو قول الجمهور؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "وإن كان ضيقًا فأتزر به" حيث أوجب الإتزار، وهو ستر العورة فقط، ولم يوجب ستر أحد الكتفين، قلتُ: هذا الحديث الذي ذكرتموه خاص في الشيء الضيق الذي لا يستر إلا العورة دون أن يقدر على ستر أحد الكتفين به، وهذا صحيح؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه، أما إن كان قادرًا على ستر أحد الكتفين فيجب أن يستره، ولا تصح =

стр. 374

(وخمار) وهو: ما تضعه على رأسها وتديره تحت حلقها (وملحفة) أي: ثوب تلتحف به (٤٥) وتكره صلاتها في نقاب وبرقع (٤٦) (ويُجزيء) المرأة (ستر عورتها) = صلاته بدون ذلك؛ لكونه ترك واجبًا قادرًا عليه عمدًا، وهذا طريق الجمع بين ما ذكروه من الحديث، وحديثنا الموجب لستر أحد الكتفين، فإن قلت: لم أكتفي بما يصف البشرة في العاتقين؟ قلتُ: لأن ما فوق السرة ليس بعورة فلا يضر إن وصف لون البشرة؛ لعدم إثارته للفتنة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض السنتين" فعندنا: يصح الجميع بينهما، وعندهم: لا .. (٤٥) مسألة: يُستحب للمرأة الحرَّة أن تصلي بثلاثة أشياء: "درع" و "خمار" و و "ملحفة أو عباءة أو جلباب" وإن لم تلبس سروالًا؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عائشة قالت: "تلبس المرأة في الصلاة ثلاثة أثواب إذا وجدتها: الخمار، والجلباب، والدرع" وروي ذلك عن عمر وابنه، فإن قلت: لم استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكد في سترها، وأحوط لها من أن يظهر منها شيء أثناء الركوع أو السجود، فائدة: "الدرع" هو: القميص الشامل للبدن كله، أما "الخمار" فهو: ما يستر جميع رأسها ويُلف طرف منه تحت حلقها وتوصله برأسها، أما "الملحفة" فهي: كل ما تلتحف به المرأة من شدة برد أو حر وهو كالعباءة، والجلباب. (٤٦) مسألة: يكره أن تصلي المرأة بنقاب وبرقع؛ للقياس؛ بيانه: كما يكره أن يصلي الرجل وهو قد غطى فمه فكذلك المرأة يُكره لها أن تصلي بنقاب وبرقع؛ لأنه يلزم منهما تغطية الفم؛ لأن "النقاب" هو: تغطية نصف الوجه: الأنف وما تحته، "والبرقع" هو تغطية جميع الوجه إلا موضع العينين، فإن قلت: لم كره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كشف الوجه فيه مصلحة النظر والشم فتأخذ حذرها مما حولها، بخلاف التنقب والتبرقع.

стр. 375

في فرض ونفل (٤٧) (ومن انكشف بعض عورته) في الصلاة: رجلًا كان أو امرأة (وفحش) عرفًا وطال الزمن: أعاد، وإن قصر الزمان، أو لم يفحش المكشوف ولو طال الزمن: لم يُعِد إن لم يتعمَّده (٤٨) (أو صلى في ثوب محرم عليه) كمغصوب كله، (٤٧) مسألة: إذا صلت المرأة وهي ساترة لعورتها - وهي جميع بدنها إلا وجهها - بثوب واحد: فصلاتها صحيحة: سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحقق شرط الصلاة - وهو: ستر العورة -: صحتها - إذا توفرت الشروط الأخرى -، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمات، إذ ليس كل مسلمة تجد ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وملحفة. (٤٨) مسألة: إذا انكشف بعض العورة - للرجل أو المرأة - أثناء الصلاة بلا تعمد فإن تلك الصلاة تبطل إن كان المنكشف منها كثيرًا كنصف الفخذ مثلًا من الرجل، أو الساق من المرأة وطال زمن هذا الانكشاف بان استمر دقائق، أما إن كان الانكشاف قليلًا كظهور جزء مما فوق الركبة من الرجل، أو جزء من القدم، أو أسفل الساق من المرأة، أو بعض شعرها وإن طال زمنه، أو كان الانكشاف كثيرًا، وقصُر زمنه بأن كان ثانية أو قريبًا منها: فإن الصلاة صحيحة، أما إن تعمد إظهار بعض عورته: فالصلاة باطلة مطلقًا: أي سواء كثر أو لا، طال زمنه أو لا؟ لقاعدتين؛ الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن النجاسة الخارجة من غير السبيلين كالدم والقيء من غير قصد تنقض الوضوء إن كانت كثيرة، ولا تنقضه إن كانت قليلة، أما إن كان ذلك عن عمد: فتنقضه مطلقًا، فكذلك ظهور بعض العورة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما فيه إخلال بشرط من شروط الصلاة، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه يصعب الاحتراز من ظهور قليل من العورة بسبب رياح ونحوها، أو ظهور كثير مع قصر زمنه فدفعًا لمشقة منع ذلك: تسامح الشارع فيه كما تسامح في أثر النجاسة بعد الاستجمار؛ لمشقة إزالته؛ لعموم البلوى فيه، تنبيه: قدر الكثير والقليل من الزمن، ومقدار الانكشاف يُعرف عن طريق المتوسطين من عقلاء الرجال، ولا يُعرف من المتشددين ولا من المتساهلين.

стр. 376

أو بعضه، وحرير ومنسوج بذهب أو فضة إن كان رجلًا واجدًا غيره وصلى فيه عالمًا ذاكرًا: أعاد، وكذا: إذا صلى في مكان غصب (٤٩) (أو) صلى في ثوب (نجس: أعاد) ولو لعدم غيره (٥٠) (لا من حُبس في محلٍّ) غصب أو (نجس)، ويركع ويسجد (٤٩) مسألة: لا تصح الصلاة في ثوب محرم عليه كأن يكون مغصوبًا، أو مسروقًا، ولا على موضع مغصوب كدار مغصوبة، ولا في ثوب حرير أو منسوج بذهب أو فضة، أو كان بعض ذلك محرمًا، فإن فعل فيجب عليه إعادتها هذا إذا كان عالمًا بالتحريم ذاكرًا له، واجدًا ثوبًا وموضعًا آخر مباحًا، أما إن كان جاهلًا بالحكم، أو لا يجد إلا هذا الثوب أو الموضع المحرم: فتجزيء صلاته في الثوب والموضع، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إنه قد عصى بصلاته بالثوب والموضع المحرمين، آثم بفعلها فيهما؛ لكون حركاته من قيام وركوع وسجود اختيارية واقعة في شيء محرم عليه، ولا يتصوَّر أن يكون ذلك طاعة متقربًا بها إلى الله تعالى، لوقوعها في شيء وعلى شيء محرم، والمعصية لا يمكن أن تكون طاعة فلزم بطلانها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن القول بصحة الصلاة بالدور المغصوبة أو الأثواب المغصوبة سيؤدي إلى كثرة الغصب والسرقة ما دام أن العبادات تصح فيها مما يفضِي إلى انتشار الظلم، فدفعًا لهذه المفسدة: قلنا: لا تصح الصلوات فيها إذا وجد غيرها أما إن لم يجد غيرها أو كان جاهلًا بالتحريم وإفساد صلاته فهو مضطر إليها كأكل الميتة، ومعذور بجهله، والمضطر والمعذور يسقط عنهما ذلك. (٥٠) مسألة: لا تصح الصلاة في ثوب قد وقع عليه نجاسة لا يعفى عنها كبعض بول أو غائط وإذا صلى بذلك: فتجب إعادتها إن كان واجدًا لطاهر، أما إن لم يجد: فإنه يصلي بالنجس ولا يصلي عريانًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط الطهارة للصلاة: أن لا تصح بثوب نجس إذا وجد طاهرًا؛ لفقدان شرطها، ويلزم من عدم وجدان غير هذا الثوب النجس: صحّة الصلاة به؛ لأن ستر =

стр. 377

إن كانت النجاسة يابسة، ويوميء برطبه غاية ما يمكنه ويجلس على قدميه، ويصلي عريانًا مع ثوب مغصوب لم يجد غيره وفي حرير ونحوه؛ لعدم غيره (٥١)، ولا يصح نفل آبق (٥٢) (ومن وجد كفاية عورته: سترها) وجوبًا وترك غيرها؛ لأن سترها العورة من حق الآدمي في الصلاة وغيرها؛ لوجوب الستر عمومًا، فيكون الستر آكد من إزالة النجاسة؛ لأن العام مقدم على الخاص، ولأن دفع المفسدة من فتنة كشف العورة مقدم على جلب المصلحة من الصلاة بثوب طاهر، تنبيه: قوله: "ولو لعدم غيره" هذا مرجوح؛ للمصلحة؛ كما قلنا. (٥١) مسألة: إذا حبس في موضع نَجِس أو مغصوب أو مسروق لا يقدر على الخروج منه إلا بضرر يلحقه: فإنه يصلي فيه وتصح صلاته بلا إثم، وطريقتها: أن يصلي الصلاة العادية إن كان المحبوس فيه نجاسته يابسة، أما إن كانت رطبة: فإنه يقف ويركع، ويجلس على قدميه، ويوميء للسجود على حسب قدرته، ولا يسجد على الأرض، ولا يجلس الجلسة العادية للصلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا آخر ما يستطيعه هذا المصلي فيجب عليه فعله، ويسقط الباقي؛ للعجز عنه، وهو عام لما نحن فيه ولغيره؛ لأن "ما" موصولة وهو من صيغ العموم، وهذا فيه دفع للمفسدة عنه، وهو المقصد الشرعي منه، تنبيه: قوله: "ويصلي عرينًا" إلي قوله: "لعدم غيره" قد سبق بيان أنه لا يصلي عريانًا، بل يصلي بالثوب وإن كان نجسًا أو حرامًا إذا لم يجد غيره وذلك في مسألتي (٤٩ و ٥٠). (٥٢) مسألة: إذا هرب العبد من سيده: فإن صلاته الفرض أثناء هربه: تصح، أما صلاته النفل: فلا تصح؛ للتلازم؛ حيث إن زمن صلاة الفرض مشروط شرعًا حين شراء السيد لهذا العبد حيث إنه يصليها سواء رضي السيد أو لا فيلزم من ذلك صحة صلاة الفرض مطلقًا، أما النفل فلا بدَّ أن يأذن له السيد ويعطيه =

стр. 378

واجب في غير الصلاة: ففيها أولى (وإلا) يجد ما يسترها كلها بل بعضها: (فـ) ليستر (الفرجين)؛ لأنهما أفحش (فإن لم يكفهما) وكفى أحدهما: (فالدُّبُّر) أولى؛ لأنه ينفرج في الركوع والسجود إلا إذا كفت منكبه وعجزه فقط، فيسترهما ويصلي جالسًا (٥٣)، ويلزم العريان تحصيل السترة بثمن أو أجرة مثلها أو زائد يسيرًا (وإن وقتًا له، وهذا مشروط شرعًا وعرفًا عند شراء العبد، فيلزم عدم صحة صلاة العبد الهارب للنفل؛ لأنه صلى في زمن لم يأذن فيه سيده، فيكون قد صلى في زمن مغصوب، [فرع]: الموظفون في الدولة أو المؤسسات أو غيرها لا تصح صلاتهم النفل ولا صيامهم في وقت دوامهم؛ للمصلحة؛ حيث إن الوقت الذي صلوا فيه، أو صاموا فيه النفل وقت مغصوب ومسروق ممن يشتغلون عندهم فيلزم: عدم صحّة ذلك إلا إذا أُذن لهم، وهذا فيه دفع مفسدة ترك بعض من يظهر الطاعة لعملهم بسبب ادِّعائه بفعل النوافل - وما أكثرهم -. (٥٣) مسألة: إذا لم يجد ما يستر كل العورة: فيجب أن يستر الفرجين: الدبر والقُبُل، فإن لم تكف السترة لهما: فيجب أن يستر بها الدبر فقط، وإن كفت السترة منكبيه وعجزته: سترهما وصلى جالسًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام كما سبق، فيشمل ما نحن فيه، وهذا منتهى ما يقدر عليه فوجب، ويسقط الباقي؛ للعجز عنه، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقديم أخف المفسدتين على أثقلهما، ولذا: قُدِّم ستر الدبر؛ لأنه أفحش الفرجين؛ لكونه ينفتح عند الركوع والسجود، وقُدِّم القبل والدبر؛ لكونهما العورة المغلَّظة، بخلاف الفخذين، وقُدم ستر العورة على ستر أحد العاتقين؛ لكونها أفحش من الكتفين والعاتقين ولأن ستر العورة واجب بالاتفاق، وستر أحد العاتقين اختلف العلماء في وجوبه، واستحبَّت الصلاة جالسًا؛ لتقليل ما يظهر من العورة.

стр. 379

أعير سترة لزمه قبولها)؛ لأنه قادر على ستر عورته بلا ضرر فيه (٥٤) بخلاف الهبة؛ للمنَّة، ولا يلزمه استعارتها (٥٥) (ويصلي العاري) العاجز عن تحصيلها (قاعدًا) ولا يتربَّع، بل ينضام (بالإيماء استحبابًا فيهما) أي: في القعود والإيماء بالركوع والسجود، فلو صلى قائمًا وركع وسجد: جاز (٥٦) (ويكون إمامهم) أي: إمام (٥٤) مسألة: يجب على الشخص أن يُحصِّل سترة يستر بها عورته بشراء أو استئجار، أو أخذها من شخص أعارها إياه، وهذا مطلق، سواء كان ثمن شرائها مثل ثمن مثلها، أو أزيد قليلًا وكذلك الأجرة بشرط: أن يكون هذا الثمن فاضلًا عن حاجته، للتلازم؛ حيث يلزم من قدرته على تحقيق السترة: وجوب توفيرها وتحصيلها، فإن صلى عريانًا وهو قادر على تحصيلها بدون ضرر: فلا تصح صلاته؛ لكونه ترك واجبًا عمدًا وبدون ضرر. (٥٥) مسألة: إذا وهب شخص عريانا ثوبًا يستر به عورته في الصلاة: فإنه لا يلزمه أن يقبله، ويصلي عريانًا، وكذا: لا يذهب إلى أحد ليستعير منه ثوبًا لذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منَّة عليه عادة، والمنة مفسدة، فدفعًا لذلك: شرع هذا، فإن قلتَ: لمَ وجب عليه أخذ السترة إذا أعارها إياه أحد دون الهبة؟ قلتُ: لأن العارية: إعطاء للمنفعة دون العين، فلا ضرر في ذلك غالبًا، أما الهبة فهي: تمليك للعين ومنافعها فوجد ضرر من منَّةٍ وغيرها غالبًا، فافترقا. (٥٦) مسألة: يصلي العريان العاجز عن السترة كالصلاة العادية: بقيام وركوع وجلوس وسجود إن غلب على ظنه عدم وجود أحد حوله، ولكن يُستحب أن يصلي قاعدًا، ويضم بعضه على بعض ولا يتربَّع في القعود، ويوميء للقيام والركوع والسجود، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا" وهذا يستطيع القيام فيجب أن يفعله إذا لم يوجد حوله أحد، لكن يستحب أن يصلي قاعدًا؛ لكونه أشد في ستر العورة؛ لحرص الشارع على ستر العورة عمومًا، وفي الصلاة خصوصًا.

стр. 380

العراة (وسطهم) أي: بينهم وجوبًا ما لم يكونوا عميًا أو في ظلمة (٥٧) (ويصلِّي كل نوع) من رجال ونساء (وحده) لأنفسهم إن اتسع محلهم (فإن شقَّ) ذلك: (صلى الرجال واستدبرهم النساء ثُم عكسوا) فصلى النساء واستدبرهن الرجال (٥٨) (فإن وجد) المصلي عريانًا (سترة قريبة) عرفًا (في أثناء الصلاة: ستر) بها عورته (وبنى) على ما مضى من صلاته (وإلا) يجدها قريبة، بل وجدها بعيدة: (ابتدأ) الصلاة بعد ستر عورته (٥٩)، وكذا: من عتقت فيها واحتاجت (٥٧) مسألة: إذا وجدت مجموعة من الرجال العراة وأردوا الصلاة جماعة وكانوا مبصرين أو بعضهم وليسوا في ظلمة: فيجب أن يكون إمامهم وسطهم، وأن يكونا صفًا واحدًا وأن يصلوا قعودًا ويومئون للركوع والسجود، أما إن كانوا عميانًا أو في ظلمة: فإنهم يصلون الصلاة العادية - إن غلب على ظنهم عدم وجود أحد ينظر إليهم -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه، وهذا نهاية ما يستطيعون في ستر عوراتهم، فتجب، والباقي يسقط؛ للعجز عنه، وهذا فيه دفع مفسدة. (٥٨) مسألة: إذا اجتمع رجال ونساء عراة: فإن الرجال يُصلُّون في جهة لا تراهم النساء، والنساء يصلِّين في جهة لا يراهن الرجال، هذا إن كان المكان واسعًا، أما إن كان المكان ضيقًا؛ فإن الرجال يصلون وحدهم نحو القبلة، وتكون ظهور النساء متجهة إلى القبلة، فإذا فرغ الرجال تصلي النساء نحو القبلة، وظهور الرجال متجهة نحو القبلة؛ للسنة القولية؛ وهو قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا غاية ما يستطيعون من ستر عوراتهم فيجب. (٥٩) مسألة: إذا صلى شخص عريانًا - لعدم وجود السترة عنده - وفي أثناء صلاته رأى ثوبًا فيجب أن يأخذه ويستر به عورته إن كان قريبًا لا يحتاج إلى فعل أو زمن طويلين، ويستمر في صلاته دون قطعها، أما إن كانت تلك السترة بعيدة =

стр. 381

إليها (٦٠) (ويُكره في الصلاة السَّدل) وهو: طرح ثوب على كتفيه ولا يرد طرفه تحتاج إلى فعل أو زمن طويلين: فإنه يقطع صلاته، ويأخذ تلك السترة، ويستر عورته بها، ثم يستأنف صلاته ويعيدها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود السترة أثناء صلاته: وجوب أخذها وستر عورته بها، لتوفر شرط الصلاة ويلزم من قربها وعدم الحركة الكثيرة أو الزمن الكثير في الصلاة: عدم قطع ذلك للصلاة؛ لوجود الموالاة فيها، ويلزم من بعدها مما يتسبَّب في حركة وزمن طويلين: بطلان الصلاة؛ لعدم وجود الموالاة، ويلزم من بطلانها: وجوب استئنافها. (٦٠) مسألة: إذا شرعت الأمَة في الصلاة وهي مكشوفة الرأس والساقين -؛ لكون عورتها كعورة الرجل: من السرة إلى الركبة كما سبق في مسألة (٤١) - ثم قال لها سيدها أثناء صلاتها: "أنتِ حُرَّة" أو "أعتقتك": فإنها في هذه الحالة تكون عورتها كعورة المرأة الحرة - جميع بدنها إلا وجهها - ففي هذه الحالة: إن وجدت سترة قريبة يمكنها أخذها بدون حركة كثيرة ولا زمن طويل: فإنها تستر بها جميع بدنها وتستمر في صلاتها دون قطعها، وإن كانت السترة بعيدة تحتاج إلى حركة كثيرة وزمن طويل: فإنها تقطع صلاتها، وتستر بدنها ثم تستأنف الصلاة من جديد؛ للتلازم؛ وقد بيناه في مسألة (٥٩)، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ما مضى من صلاة العريان الواجد سترة قريبة كما في مسألة (٥٩)، وصح ما مضى من صلاة الأمة قبل عتقها في هذه المسألة أنهما صليا وعورتهما مكشوفة؟ قلتُ: لأنهما فعلا ما لهما فعله من الصلاة؛ حيث إنه يُشرع للعريان الصلاة على حاله إذا لم يجد سترة فلما وجدها تغيَّر الحكم، وكذا الأمة يشرع لها الصلاة وهي مكشوفة، فلما عتقت تغيَّر الحكم. [فرع]: إذا فرغ العريان من صلاته: فوجد سترة: فإن صلاته صحيحة، ولا يعيدها بالسترة وكذا: الأمة التي عتقت بعد فراغها من صلاتها، لا تعيد صلاتها بسترة الحرة؛ حيث إنها =

стр. 382

الآخر (٦١) (و) ويُكره فيها (اشتمال الصَّماء) بأن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، و "الاضطباع": أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، فإن كان تحته ثوب غيره: لم يُكره (٦٢) (و) يُكره في الصلاة (تغطية وجهه واللثام على فمه وأنفه) بلا سبب؛ "لنهيه ﷺ أن يغطي الرجل فاه" رواه أبو داود، وفي صحيحة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن فاقد الطهورين - وهو: فاقد الماء والتراب - يصلي على حسب حاله ولا يعيد تلك الصلاة وإن وجدهما أو أحدهما بعد فراغه منها، فكذلك فاقد السترة، لعورته، إذا وجدها، أو أعتقت الأمة بعد صلاتهما والجامع: أن كلًّا منهما قد فعل ما له فعله شرعًا لما فقد شرطًا من شروط الصلاة؛ حيث يسقط الواجب والشرط بالعجز عنه. (٦١) مسألة: يُكره السَّدل في الصلاة - وهو: جعل الرداء أو الثوب على الكتفين دون أن يرد أحد طرفيه على كتفه الآخر -؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن السدل" وقول الصحابي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهية؛ حيث ثبت عن جابر وابن عمر أنهما رخَّصا في السَّدل، فإن قلتَ: لمَ كره السَّدل؟ قلتُ: لأنه يقرب من لبسة العابث، ويؤدي إلى انكشاف بعض الكتفين وما حول السرة. (٦٢) مسألة: يُكره في الصلاة اشتمال لبسة الصَّماء - وهو: أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه الأيمن وهو الإبط، ويجعل طرفي الرداء فوق كتفه الأيسر - هذا إذا لم يوجد عليه إلا رداء واحد، فأما إن كان عليه غيره: فلا يكره؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن اشتمال الصماء في الصلاة" وصرفت المصلحة هذا النهي من التحريم إلى الكراهية؛ حيث إن هذه اللبسة، يُحتمل أن تؤدي على انكشاف عورته، فنظرًا لهذا الاحتمال البعيد: كُرِه شرعًا هذا اللباس، ويؤيد ذلك: أنه إذا كان عليه لباس آخر داخلي فلا تكره هذه اللبسة؛ للقطع بالستر.

стр. 383

تغطية الفم: تشبُّه بفعل المجوس عند عبادتهم النيران (٦٣) (و) ويكره فيها (كفُّ كمه) أي: أن يكفه عن السجود معه (ولفُّه) أي: لف كمه بلا سبب؛ لقوله ﷺ : "ولا أكفُّ شعرًا ولا ثوبًا" متفق عليه (٦٤) (و) يُكره فيها (شدُّ وسطه كزنَّار) أي: بما يُشبه شدَّ الزنَّار؛ لما فيه من التَّشبُّه بأهل الكتاب، وفي الحديث: "من تشبَّه بقوم فهو منهم" رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح (٦٥)، ويُكره للمرأة شد وسطها في الصلاة مطلقًا، (٦٣) مسألة: يُكره أن يغطي المصلي وجهه، أو فمه، أو أنفه لغير حاجة كوجود زكام أو ريح فإن وجد أحدهما أو نحوهما: فلا يكره؛ للسنة القولية؛ وهو من وجهين: أولهما: "نهى ﷺ أن يغطي الرجل فاه"، ثانيهما: أنه ﷺ "نهى عن التشبه بالكفار" وتغطية الفم والأنف فيه تشبه بالمجوس عند عبادتهم للنار، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك مكروهًا مع أن النهي مطلق؟ قلتُ: لأن ذلك لم يؤثِّر على شروط وأركان وواجبات الصلاة وكونه يُشبه العبث لزم منه أنه للكراهة، فإن قلتَ: لمَ لا يُكره ذلك عند وجود حاجة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لظروف وأحوال الناس. (٦٤) مسألة: يُكره أن يكف المصلي كمه وجعله بالقرب من عضده وكذا: يُكره كف شعره وثوبه ورفعه؛ لئلا يقع في الأرض عند السجود بلا سبب، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف شعرًا ولا ثوبًا" وهذا النفي بمنزلة النهي وهو يفيد الكراهة؛ إذ لا يؤثر هذا الفعل على شروط وأركان وواجبات الصلاة وكونه يشبه العبث لزم منه أنه للكراهة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن سجود المسلم بدون كف شيء أكثر خضوعًا وتذلُّلًا فيكون بذلك أكثر أجرًا، فكُره هذا الكف؛ لتسبُّبه في نقص الأجر. (٦٥) مسألة: يُكره أن يشد المصلي وسطه بخيط يشبه الزنار، ويُرخي طرفًا منه على الأرض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فعله هذا التشبه بالكفار، وقد حذَّر ﷺ من التشبه بهم بقوله: "من تشبه بقوم فهو منهم"، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: =

стр. 384

ولا يُكره للرجل بما لا يشبه الزنَّار (٦٦) (وتحرم الخيلاء في ثوب وغيره) في الصلاة وخارجها في غير الحرب؛ لقوله ﷺ : "من جرَّ ثوبه خُيلاء: لم ينظر الله إليه" متفق عليه (٦٧)، ويجوز الإسبال من غير الخيلاء، للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ للذرائع؛ حيث إن هذا التشبه بهم قد يكون بسبب الإعجاب بهم، وقد يؤدي هذا إلى الإعجاب بدينهم فكُره من أجل ذلك الاحتمال. (٦٦) مسألة: لا يكره أن يشد الرجل المصلي وسطه بشيء لا يشبه الزنار، أو لم يقصد التشبه بالكفار؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ لا يكره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقوية المسلم على الصلاة، والصبر على الجوع عند بعضهم. [فرع]: يكره للمرأة أن تشد وسطها أثناء الصلاة مطلقًا، أي سواء كانت قصدت التشبه بالكفار أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يؤدي إلى بيان تقاطيع جسمها، والمطلوب من المرأة المبالغة في الستر. (٦٧) مسألة: يحرم على المسلم أن يلبس، أو يركب شيئا أو يسكن في شيء، أو يسعى لمنصب فيه خيلاء، وتباهي، وتعاظم، وتفاخر على الآخرين: كثوب أو عباءة، أو خاتم، أو سيارة، أو منزل أو منصب أو نحو ذلك؛ وذلك في الصلاة أو خارجها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من جرَّ ثوبه؛ خُيلاء: لم ينظر الله إليه" وقال ﷺ : "من لبس لباس شهرة فلن يجد ريح الجنة" فحرَّم لبس الثوب وأي لباس؛ ليتفاخر فيه ويباهي به الآخرين والمركوب، والسكن، والسعي للمناصب، لأجل التباهي مثل اللباس في التحريم؛ لعدم الفارق بجامع: التفاخر والتباهي على المسلمين، وكسر قلوب المساكين من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ حُرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا المتفاخر بهذه الأمور أعجب بنفسه إلى درجة أنه قد تخيَّل بسبب التخلف العقلي الذي يعاني =

стр. 385

للحاجة (٦٨) (و) يحرم (التصوير) أي: على صورة حيوان؛ لحديث الترمذي منه أنه أعلى من الخلق؛ لذلك تجده - والعياذ بالله - يستعمل شتى طرق النفاق من إقامته للولائم ودعوته للمسؤولين، وإهدائهم الهدايا الثمينة والتملق لهم بشتى أنواعه؛ لأجل تولي أي منصب؛ ليُري الناس أنه عظيم وأن المناصب ينبغي أن تكون له لا لغيره وهذا يؤدي إلى المهالك، والأمراض المستعصية والعذاب الأليم في الآخرة؛ نظرًا لاحتقاره لمن هم أحسن منه بآلاف المرات: دينًا وخلقًا وعلمًا وأمانةً وإخلاصًا، لذلك حُرِّم الخيلاء بأي شكل؛ والسعي لهذه الأمور. [فرع]: يباح للمسلم أن يلبس لباس الخيلاء، وأن يمشي مشيتها في حالة الحرب؛ للسنة القولية؛ حيث إن النبي ﷺ قال - لما رأى رجلًا يمشي بين الصفين في غزوة ويختال -: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن"، فنفى بغض تلك المشية في هذا الموقف، وهذا يدل على إباحتها؛ لأن الاستثناء من الإثبات: نفي، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخويف للعدو وإنزال الرعب في قلبه، وهذا من أسباب هزيمته ونصر المسلمين. (٦٨) مسألة: يحرم الإسبال؛ للخيلاء والتباهي - وهو: أن يلبس ما زاد عن المعتاد في الطول والسعة - وذلك في الصلاة وخارجها، أما إذا لم يقصد الخيلاء والتباهي، بل فعل ذلك لحاجة كتغطيته قدمًا قبيحًا أو نحو ذلك: فيُباح الإسبال؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" فحرَّم الإسبال هنا؛ لأن ما أسفل الكعبين من الثوب قد زاد عن المعتاد في اللباس فيحرَّم وهذا عام قد خصَّصته السنة القولية وهي قوله ﷺ : "من جرَّ ثوبه خيلاء: لم ينظر الله إليه" فحصَّص التحريم بمن يجر ثوبه قاصدًا الخيلاء والتفاخر، يؤيده ما ورد أن أبا بكر قال للنبي ﷺ : "إن أحد شقيِّ إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه" فقال ﷺ : "إنك لست ممن يفعل ذلك =

стр. 386

وصححه: "نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت وإن تُصنع" (٦٩)، وإن أزيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة: لم يُكره (٧٠) (و) يُحرَّم (استعماله) أي: المصوَّر على الذكر والأنثى في لبس وتعليق، وستر جدر، لا افتراشه وجعله مخدًّا (٧١) خيلاء"، فإن قلتَ: لمَ أبيح الإسبال لمن لم يقصد الخيلاء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس وهذا واضح. (٦٩) مسألة: يُحرَّم تصوير ما فيه نفس كالإنسان والحيوان - وهو: أن ينحته ويُحوِّله إلى تمثال وشكل وصورة -؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الصورة في البيت وأن تصنع" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا التصوير قد يؤدي إلى تعظيم أصحابها فتُعبد؛ لأن غالب شرك الأمم السابقة كان سببه التصوير؛ فسدًا للذرائع: حُرِّم. [فرع]: يُباح تصوير ونحت ورسم ونقش ما لا نفس له ولا روح كالأشجار والجبال ونحو ذلك؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "فإن كنت فاعلًا فاجعل الشجر وما لا نفس له"، وهذا لكونه لا يؤدي إلى التعظيم. (٧٠) مسألة: إذا أزيل من صورة ما فيه نفس شيء لا تبقى معه حياة - كما لو أزيل من الحي رأسه، أو قطع نصف جسمه من تحت -: فيُباح بلا كراهية؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "الصورة: الرأس؛ فإذا قطع الرأس فليس بصورة"، وقطع نصف الجسم كقطع الرأس؛ لعدم الفارق بجامع: عدم الحياة، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: لأن قطع ذلك يُفسد الصورة، فلا تُعظَّم عادة. (٧١) مسألة: يُحرَّم على المسلم أن يستعمل الصور في لباس أو تعليق على حائط، أو ستر جدران أو جعلها في سيارة إلا إذا قُطِّعت ومزِّقت وجُعلت فرشًا أو كُسيت بها المخدات والوسائد فهذا مباح استعماله فيه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة"، ويلزم من عدم دخول الملائكة البيت: عقوبة صاحب البيت، ولا يُعاقب إلا =

стр. 387

(ويحرم) على الذكر (استعمال منسوج) بذهب أو فضة (أو) استعمال (مموَّه بذهب أو فضة) - غير ما يأتي في الزكاة من أنواع الحلي - (قبل استحالته) فإن تغير لونه، ولم يحصل منه شيء بعرضه على النار: لم يحرم؛ لعدم السرف والخيلاء (و) تحرم (ثياب حرير و) يحرم (ما) أي: ثوب (هو) أي: الحرير (أكثره ظهورًا) مما نسج معه (على الذكور) والخناثي، دون النساء لبسًا بلا حاجة، وافتراشًا، واستنادًا، وتعليقًا وكتابة مهر، وستر جُدُر - غير الكعبة المشرفة -؛ لقوله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" متفق عليه (٧٢)، وإذا فُرش فوقه حائلًا على فعل محرم، فيكون استعمال الصورة في البيت أو في أي شيء حرامًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تقطيع الصور: إهانتها وذهاب معالمها، فانتفى تعظيمها الذي حرم التصوير من أجله، تنبيه: قوله: "لا افتراشه ولا جعله مخدًا" قلتُ: هذا فيه تساهل؛ لأن افتراش ما فيه صور أو أن يجعل مخدَّات ووسائد يؤدي إلى المحذور، وهو تعظيمها، أو التذكر بأصحابها، وهذا مخالف لعموم قوله ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب وصورة" حيث إن هذا شامل لجميع ما في البيت من فرش ومخدات. [فرع]: تُباح الصور الفوتوغرافية، وهي التي تكون بآلات تصوير حديثة إذا اقتضتها المصلحة؛ للمصلحة؛ حيث إن إثبات الشخصية لمهمات كثيرة في الدولة تقتضي ذلك، ولكونها توقيف ظل فقط بدون تصوير ونحت. (٧٢) مسألة: يُحرِّم على الرجل أو الخنثى استعمال ثوب منسوج من ذهب أو فضة، أو مموه بهما أو بأحدهما، أو ثوب حرير، أو أكثره منه بلا حاجة، وهذا مطلق، أي: يحرم ذلك، وإن وجدت حاجة في لبس أو فرش، أو مساند، أو تعليق على جدران، أو كتابة مهر الزواج، أو نحو ذلك - إلا الكعبة فيباح أن تكسى بالحرير -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أُحل الذهب والحرير لإناث =

стр. 388

صفيقًا: جاز الجلوس عليه والصلاة (٧٣) (لا إذا استويا) أي: الحرير وما نسج معه ظهورًا (٧٤)، ولا الخزّ - وهو: ما سدي بإبريسم وألحم بصوف أو قطن أمتي، وحُرِّم على ذكورها" وهذا عام يشمل جميع ما ذكرناه، وقال: "لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ويلزم من حرمان لبسه في الآخرة: عقاب من لبسه في الدنيا، والعقاب لا يكون إلا على فعل محرَّم ومن لبس الذي أكثره حرير فكأنه لبس جميعه؛ لأن الحكم للغالب، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في استعماله الإسراف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم على الخنثى؟ قلتُ: لاحتمال أن يكون ذكرًا، فغلَّبنا جانب الحظر؛ احتياطًا، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك للنساء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تزين لزوجها، وهذا فيه مصلحة إحصانه وغض بصره ودفع مفسدة النظر إلى غيرها، فإن قلتَ: لمَ استثنيت الكعبة هنا؟ قلتُ: لأن فيه تعظيم وتشريف لها، حيث قال ﷺ : "اللهم زده تعظيمًا وتشريفًا". [فرع]: إن زال الذهب أو الفضة الذي في الثوب بسبب حرقه، واستحالته: فيجوز استعماله؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من زوال المانع والمحرم: جواز استعماله وإباحته. (٧٣) مسألة: إذا فرش ووضع المسلم على الحرير شيئا آخر من القطن لاصق به بحيث لا يُرى الحرير، ثم صلى أو جلس عليه فإن هذا مباح وصحت الصلاة بلا إثم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إخفائه: عدم الخيلاء وكسر قلوب الفقراء فيه: فأبيح ذلك وصحت الصلاة بلا إثم، وهذا هو المقصد منه. (٧٤) مسألة: يحرم لبس الثوب الذي أكثره، أو نصفه، أو أقلُّه من الحرير إلا موضع ومقدار أربعة أصابع فيباح؛ للسنة القولية؛ حيث قال عمر: "إنه ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" حيث أثبت إباحة لبس الثوب الذي فيه هذا المقدار من الحرير، وحرم لبس الثوب واستعماله إن =

стр. 389

ونحوه (٧٥) (أو) لبس الحرير الخالص (لضرورة، أو حكَّة أو مرض)، أو قمل (٧٦) زاد الحرير عن ذلك المقدار؛ لأن الاستثناء من النفي - وهو النهي هنا - إثبات، فإن قلتَ: إن كان الحرير قد أخذ مقدار النصف من الثوب: فيباح لبسه وهو الذي ذكره المصنف هنا: للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تلبسوا الحرير" والمراد: الثوب الذي جميعه من الحرير؛ لأنه مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، وعومل الأكثر مثل الكل، ودل مفهوم الصفة على جواز لبس ما نصفه حرير، قلتُ: إن حديث عمر خاص؛ لأن فيه زيادة ثقة مقبولة، وحديثكم هذا عام، والخاص مقدم في العمل على العام، ثم إن جواز النصف مأخوذ من مفهوم الصفة من حديثكم، وجواز موضع الأربعة أصابع مأخوذ من منطوق حديث عمر، والمنطوق يقدَّم في العمل على المفهوم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الحديثين" فعندنا: أن حديث عمر قد خصَّص حديث: "لا تلبسوا الحرير" وعندهم لم يقو على تخصيصه، وأيضًا: "تعارض المنطوق مع المفهوم" فعندنا: يقدم المنطوق؛ وعندهم: يقدم المفهوم هنا. (٧٥) مسألة: يباح لبس الثوب المنسوج من وبر - حيوان الخز - إذا خلط معه الابريسم وهو المادة التي يصنع منها الحرير، ثم الصق بصوف أو قطن أو كتان؛ للتلازم؛ حيث إن هذا لا يسمى حريرًا حقيقة: فلزم إباحة لبسه، وهذا من باب التوسعة على المسلمين. (٧٦) مسألة: يباح لبس الحرير الخالص؛ للضرورة والحاجة كأن يدفع به بردًا أو حرًا أو لتهدئة حكَّة، أو طرد قمل، أو علاج مرض؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد رخَّص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام بلبس الحرير لما اشتكيا إليه كثرة القمل في بدنهما" وغير القمل مما ذكرناه مثله: لعدم الفارق والجامع: إزالة الضرر ورفعه عن المسلم من باب "مفهوم الموافقة" أصله، قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وقاعدة: "الضرر يزال" وهذا هو المقصد من هذا الحكم.

стр. 390

(أو حرب) ولو بلا حاجة (٧٧) (أو) كان الحرير (حشوًا) لجلباب، أو فرش، فلا يحرم؛ لعدم الفخر والخيلاء (٧٨)، بخلاف البطانة (٧٩)، ويحرم إلباس صبي ما يحرم على رجل (٨٠) وتشبُّه رجل بأنثى في لباس وغيره وعكسه (٨١) (أو كان) الحرير (٧٧) مسألة: يباح لبس الحرير الخالص في حالة الحرب بدون حاجة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن مشية الخيلاء تباح في الحرب فكذلك يباح لبس الحرير في الحرب والجامع: إظهار الغنى والقوة في كل. (٧٨) مسألة: يباح أن يحشى الثوب أو الفرش بالحرير ويستعمله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ظهوره: إباحته، لعدم كسر قلوب الفقراء أو التفاخر فيه. (٧٩) مسألة: يُحرَّم أن يبطَّن الرجل ثوبه كله أو جبته كلها بالحرير لغير حاجة؛ للتلازم؛ حيث إن هذا فيه إسراف في تبذير الأموال فيلزم تحريم ذلك. (٨٠) مسألة: يحرم أن يُلبس الأب أو الولي صبيه شيئا مما يحرم لبسه على البالغ، أو أن يجعله يستعمله كإسبال ثوبه، وجعل في ثيابه تصاوير، أو نسجه بذهب أو فضة، أو حرير؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها" وهذا عام للذكر سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال جابر: "كنا ننزعه عن الغلمان" يقصد ما سبق ذكره، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجنيب الصبي عن استعمال المحرمات؛ لينشأ على ذلك، وغالبًا ينشأ الفتى على ما كان عوده عليه أبوه، أو وليه. (٨١) مسألة: يحرم على الرجال أن يتشبهوا بالنساء، ويحرم على النساء أن يتشبهن بالرجال سواء كان التشبُّه باللباس، أو بالكلام، أو بالحركات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"، وهذا عام فيشمل كل تشبه مما قلناه؛ لأن لفظ "المتشبهين" =
следующие страницы →