Полный текст (3 194 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وصححه: "نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت وإن تُصنع" (٦٩)، وإن أزيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة: لم يُكره (٧٠) (و) يُحرَّم (استعماله) أي: المصوَّر على الذكر والأنثى في لبس وتعليق، وستر جدر، لا افتراشه وجعله مخدًّا (٧١)
خيلاء"، فإن قلتَ: لمَ أبيح الإسبال لمن لم يقصد الخيلاء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس وهذا واضح.
(٦٩) مسألة: يُحرَّم تصوير ما فيه نفس كالإنسان والحيوان - وهو: أن ينحته ويُحوِّله إلى تمثال وشكل وصورة -؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الصورة في البيت وأن تصنع" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا التصوير قد يؤدي إلى تعظيم أصحابها فتُعبد؛ لأن غالب شرك الأمم السابقة كان سببه التصوير؛ فسدًا للذرائع: حُرِّم. [فرع]: يُباح تصوير ونحت ورسم ونقش ما لا نفس له ولا روح كالأشجار والجبال ونحو ذلك؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "فإن كنت فاعلًا فاجعل الشجر وما لا نفس له"، وهذا لكونه لا يؤدي إلى التعظيم.
(٧٠) مسألة: إذا أزيل من صورة ما فيه نفس شيء لا تبقى معه حياة - كما لو أزيل من الحي رأسه، أو قطع نصف جسمه من تحت -: فيُباح بلا كراهية؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "الصورة: الرأس؛ فإذا قطع الرأس فليس بصورة"، وقطع نصف الجسم كقطع الرأس؛ لعدم الفارق بجامع: عدم الحياة، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: لأن قطع ذلك يُفسد الصورة، فلا تُعظَّم عادة.
(٧١) مسألة: يُحرَّم على المسلم أن يستعمل الصور في لباس أو تعليق على حائط، أو ستر جدران أو جعلها في سيارة إلا إذا قُطِّعت ومزِّقت وجُعلت فرشًا أو كُسيت بها المخدات والوسائد فهذا مباح استعماله فيه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة"، ويلزم من عدم دخول الملائكة البيت: عقوبة صاحب البيت، ولا يُعاقب إلا =
стр. 387
(ويحرم) على الذكر (استعمال منسوج) بذهب أو فضة (أو) استعمال (مموَّه بذهب أو فضة) - غير ما يأتي في الزكاة من أنواع الحلي - (قبل استحالته) فإن تغير لونه، ولم يحصل منه شيء بعرضه على النار: لم يحرم؛ لعدم السرف والخيلاء (و) تحرم (ثياب حرير و) يحرم (ما) أي: ثوب (هو) أي: الحرير (أكثره ظهورًا) مما نسج معه (على الذكور) والخناثي، دون النساء لبسًا بلا حاجة، وافتراشًا، واستنادًا، وتعليقًا وكتابة مهر، وستر جُدُر - غير الكعبة المشرفة -؛ لقوله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" متفق عليه (٧٢)، وإذا فُرش فوقه حائلًا
على فعل محرم، فيكون استعمال الصورة في البيت أو في أي شيء حرامًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تقطيع الصور: إهانتها وذهاب معالمها، فانتفى تعظيمها الذي حرم التصوير من أجله، تنبيه: قوله: "لا افتراشه ولا جعله مخدًا" قلتُ: هذا فيه تساهل؛ لأن افتراش ما فيه صور أو أن يجعل مخدَّات ووسائد يؤدي إلى المحذور، وهو تعظيمها، أو التذكر بأصحابها، وهذا مخالف لعموم قوله ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب وصورة" حيث إن هذا شامل لجميع ما في البيت من فرش ومخدات. [فرع]: تُباح الصور الفوتوغرافية، وهي التي تكون بآلات تصوير حديثة إذا اقتضتها المصلحة؛ للمصلحة؛ حيث إن إثبات الشخصية لمهمات كثيرة في الدولة تقتضي ذلك، ولكونها توقيف ظل فقط بدون تصوير ونحت.
(٧٢) مسألة: يُحرِّم على الرجل أو الخنثى استعمال ثوب منسوج من ذهب أو فضة، أو مموه بهما أو بأحدهما، أو ثوب حرير، أو أكثره منه بلا حاجة، وهذا مطلق، أي: يحرم ذلك، وإن وجدت حاجة في لبس أو فرش، أو مساند، أو تعليق على جدران، أو كتابة مهر الزواج، أو نحو ذلك - إلا الكعبة فيباح أن تكسى بالحرير -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أُحل الذهب والحرير لإناث =
стр. 388
صفيقًا: جاز الجلوس عليه والصلاة (٧٣) (لا إذا استويا) أي: الحرير وما نسج معه ظهورًا (٧٤)، ولا الخزّ - وهو: ما سدي بإبريسم وألحم بصوف أو قطن
أمتي، وحُرِّم على ذكورها" وهذا عام يشمل جميع ما ذكرناه، وقال: "لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ويلزم من حرمان لبسه في الآخرة: عقاب من لبسه في الدنيا، والعقاب لا يكون إلا على فعل محرَّم ومن لبس الذي أكثره حرير فكأنه لبس جميعه؛ لأن الحكم للغالب، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في استعماله الإسراف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم على الخنثى؟ قلتُ: لاحتمال أن يكون ذكرًا، فغلَّبنا جانب الحظر؛ احتياطًا، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك للنساء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تزين لزوجها، وهذا فيه مصلحة إحصانه وغض بصره ودفع مفسدة النظر إلى غيرها، فإن قلتَ: لمَ استثنيت الكعبة هنا؟ قلتُ: لأن فيه تعظيم وتشريف لها، حيث قال ﷺ : "اللهم زده تعظيمًا وتشريفًا". [فرع]: إن زال الذهب أو الفضة الذي في الثوب بسبب حرقه، واستحالته: فيجوز استعماله؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من زوال المانع والمحرم: جواز استعماله وإباحته.
(٧٣) مسألة: إذا فرش ووضع المسلم على الحرير شيئا آخر من القطن لاصق به بحيث لا يُرى الحرير، ثم صلى أو جلس عليه فإن هذا مباح وصحت الصلاة بلا إثم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إخفائه: عدم الخيلاء وكسر قلوب الفقراء فيه: فأبيح ذلك وصحت الصلاة بلا إثم، وهذا هو المقصد منه.
(٧٤) مسألة: يحرم لبس الثوب الذي أكثره، أو نصفه، أو أقلُّه من الحرير إلا موضع ومقدار أربعة أصابع فيباح؛ للسنة القولية؛ حيث قال عمر: "إنه ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" حيث أثبت إباحة لبس الثوب الذي فيه هذا المقدار من الحرير، وحرم لبس الثوب واستعماله إن =
стр. 389
ونحوه (٧٥) (أو) لبس الحرير الخالص (لضرورة، أو حكَّة أو مرض)، أو قمل (٧٦)
زاد الحرير عن ذلك المقدار؛ لأن الاستثناء من النفي - وهو النهي هنا - إثبات، فإن قلتَ: إن كان الحرير قد أخذ مقدار النصف من الثوب: فيباح لبسه وهو الذي ذكره المصنف هنا: للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تلبسوا الحرير" والمراد: الثوب الذي جميعه من الحرير؛ لأنه مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، وعومل الأكثر مثل الكل، ودل مفهوم الصفة على جواز لبس ما نصفه حرير، قلتُ: إن حديث عمر خاص؛ لأن فيه زيادة ثقة مقبولة، وحديثكم هذا عام، والخاص مقدم في العمل على العام، ثم إن جواز النصف مأخوذ من مفهوم الصفة من حديثكم، وجواز موضع الأربعة أصابع مأخوذ من منطوق حديث عمر، والمنطوق يقدَّم في العمل على المفهوم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الحديثين" فعندنا: أن حديث عمر قد خصَّص حديث: "لا تلبسوا الحرير" وعندهم لم يقو على تخصيصه، وأيضًا: "تعارض المنطوق مع المفهوم" فعندنا: يقدم المنطوق؛ وعندهم: يقدم المفهوم هنا.
(٧٥) مسألة: يباح لبس الثوب المنسوج من وبر - حيوان الخز - إذا خلط معه الابريسم وهو المادة التي يصنع منها الحرير، ثم الصق بصوف أو قطن أو كتان؛ للتلازم؛ حيث إن هذا لا يسمى حريرًا حقيقة: فلزم إباحة لبسه، وهذا من باب التوسعة على المسلمين.
(٧٦) مسألة: يباح لبس الحرير الخالص؛ للضرورة والحاجة كأن يدفع به بردًا أو حرًا أو لتهدئة حكَّة، أو طرد قمل، أو علاج مرض؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد رخَّص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام بلبس الحرير لما اشتكيا إليه كثرة القمل في بدنهما" وغير القمل مما ذكرناه مثله: لعدم الفارق والجامع: إزالة الضرر ورفعه عن المسلم من باب "مفهوم الموافقة" أصله، قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وقاعدة: "الضرر يزال" وهذا هو المقصد من هذا الحكم.
стр. 390
(أو حرب) ولو بلا حاجة (٧٧) (أو) كان الحرير (حشوًا) لجلباب، أو فرش، فلا يحرم؛ لعدم الفخر والخيلاء (٧٨)، بخلاف البطانة (٧٩)، ويحرم إلباس صبي ما يحرم على رجل (٨٠) وتشبُّه رجل بأنثى في لباس وغيره وعكسه (٨١) (أو كان) الحرير
(٧٧) مسألة: يباح لبس الحرير الخالص في حالة الحرب بدون حاجة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن مشية الخيلاء تباح في الحرب فكذلك يباح لبس الحرير في الحرب والجامع: إظهار الغنى والقوة في كل.
(٧٨) مسألة: يباح أن يحشى الثوب أو الفرش بالحرير ويستعمله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ظهوره: إباحته، لعدم كسر قلوب الفقراء أو التفاخر فيه.
(٧٩) مسألة: يُحرَّم أن يبطَّن الرجل ثوبه كله أو جبته كلها بالحرير لغير حاجة؛ للتلازم؛ حيث إن هذا فيه إسراف في تبذير الأموال فيلزم تحريم ذلك.
(٨٠) مسألة: يحرم أن يُلبس الأب أو الولي صبيه شيئا مما يحرم لبسه على البالغ، أو أن يجعله يستعمله كإسبال ثوبه، وجعل في ثيابه تصاوير، أو نسجه بذهب أو فضة، أو حرير؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها" وهذا عام للذكر سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال جابر: "كنا ننزعه عن الغلمان" يقصد ما سبق ذكره، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجنيب الصبي عن استعمال المحرمات؛ لينشأ على ذلك، وغالبًا ينشأ الفتى على ما كان عوده عليه أبوه، أو وليه.
(٨١) مسألة: يحرم على الرجال أن يتشبهوا بالنساء، ويحرم على النساء أن يتشبهن بالرجال سواء كان التشبُّه باللباس، أو بالكلام، أو بالحركات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"، وهذا عام فيشمل كل تشبه مما قلناه؛ لأن لفظ "المتشبهين" =
стр. 391
(عَلَمًا) وهو طراز الثوب (أربع أصابع فما دون أو) كان (رقاعًا أو لبنة جيب) وهو الزيق (وسجف فراء) جمع فرو ونحوها مما يُسجف فكل ذلك يباح من الحرير إذا كان قدر أربع أصابع فأقل؛ لما روى مسلم عن عمر أن النبي ﷺ "نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" (٨٢)، ويُباح أيضًا كيس مصحف (٨٣)، وخياطة به وأزرار (٨٤) (ويُكره المعصفر) في غير إحرام (و) يُكره (المزعفر للرجال)؛ لأنه ﷺ "نهى الرجال عن التزعفر" متفق عليه (٨٥)، ويُكره
و"المتشبهات" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم. فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كل جنس له ما يناسبه من لباس وغيره، فإذا تشبَّه أحد الجنسين بالآخر: أدَّى إلى زوال ميزة كل جنس خصَّه الله بها، فتقع المفاسد.
(٨٢) مسألة: يباح وضع خطوط من الحرير وتطريز الثوب به، وترقيمه، وترقيعه، ووضع شيء منه في الطوق الذي يخرج منه الرأس، ووضع بعض حرير في أطراف الفروة الأمامية، - وهو سجف الفراء - ووضع شيء منه في أطراف الطاقية أو الثوب وذلك بشرط: أن لا يزيد هذا الحرير عن أربعة أصابع، وما زاد فهو حرام؛ للسنة القولية؛ وقد بيناها في مسألة (٧٤).
(٨٣) مسألة: يُباح وضع كيس من الحرير يجعله لمصحفه؛ للقياس؛ بيانه: كما يباح أن تكسى الكعبة بالحرير فكذلك المصحف مثلها، والجامع: التعظيم والتشريف في كل.
(٨٤) مسألة: يباح أن يخاط الثوب بخيوط من حرير، وأن تجعل أزرار الثوب أو الجبة أو الفروة منه بشرط: أن لا يزيد ذلك عن مقدار أربعة أصابع؛ للسنة القولية؛ وقد سبق بيانها في مسألة (٧٤).
(٨٥) مسألة: يحرم أن يلبس الرجل المعصفر - وهو المصنوع من العصفر - وهو نبات معروف -، وكذا: لبس المزعفر؛ في الصلاة وغيرها؛ للسنة القولية؛ وهي =
стр. 392
الأحمر الخالص (٨٦)، والمشي بنعل
من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد نهى الرجال عن التزعفر، ثانيهما: أن عليًا قال: "نهاني النبي ﷺ عن لبس المزعفر"، والنهي فيهما مطلق، فيقتضي التحريم، وهذا لا صارف له، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها لبسة فيها تشبُّه بلبسة النساء، وفيها خيلاء وشهرة، وكلها ألبسة محرمة كما سبق بيانه، يؤيده أنه ﷺ قال لعمرو بن العاص - لما رآه لابسًا ثوبين معصفرين -: "إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسهما" وهذا النهي مطلق فيقتضي التحريم ولا صارف له، فإن قلتَ: إن لبسهما مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة القولية؛ السابقة، قلتُ: لم أجد صارفًا قوي على صرف النهي الوارد في الأحاديث السابقة من التحريم إلى الكراهة، مع تأييد المصلحة للتحريم؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يوجد صارف للنهي الوارد للحديث أو لا؟ " فعندنا: يحمل على التحريم؛ لأنه الأصل، وعندهم: يحمل على الكراهة لأن الأصل في النهي الكراهة عندهم.
(٨٦) مسألة: يباح لبس الأحمر الخالص في الصلاة وغيرها للسنة الفعلية؛ "حيث إنه ﷺ قد لبس حُلَّة حمراء" كما رواه البراء، وأبو جحيفة، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس لا سيما وأنه لا يقع في لبسه خيلاء، ولا كسر قلوب الفقراء، وليس من لبسة النساء، ولا الكفار، فلا مانع من لبسه، فإن قلتَ: يكره لبسه والصلاة فيه، وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن عبد الله بن عمرو قال: "دخل رجل على النبي ﷺ وعليه بردان أحمران فسلَّم فلم يرد النبي ﷺ عليه" فيلزم من عدم ردَّه للسلام، كراهته لهذا اللباس، قلتُ: إن هذا اللازم غير مُسلَّم؛ حيث يُحتمل أنه لم يرد عليه لما قلتموه، ويحتمل أنه من أجل أمر آخر، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ =
стр. 393
واحدة (٨٧) وكون ثيابه فوق نصف ساقه، أو تحت كعبه بلا حاجة (٨٨)، وللمرأة زيادة إلى ذراع (٨٩) ويكره لبس الثوب الذي يصف البشرة للرجل
سببه: "تعارض السنة الفعلية مع المصلحة" فعندنا: تقدم المصلحة؛ لضعف السنة هنا، وعندهم: تقدم السنة؛ لقوتها عندهم هنا.
(٨٧) مسألة: يُكره المشي في نعل واحدة، والقدم الآخر حافي؛ لغير حاجة؛ للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك فيه اختلال التوازن، مما يؤثِّر على القدمين والبدن، فدفعًا لذلك: كره، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك مكروهًا والرسول ﷺ كان يأمر الصحابة بالمشي حفاة أحيانًا؟ قلتُ: كونه يمشي حافي القدمين معًا فيه مصلحة التعلم على شدة الحر والبرد وخشونة الأرض؛ إبعادًا للتنعم الذي لا يحبه الله لعباده في الدنيا لذلك يقول عمر: "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" بخلاف المشي على نعل واحدة.
(٨٨) مسألة: يُكره أن يجعل ثوبه فوق نصف ساقه بلا حاجة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين" حيث إن الشارع قد استحب رفع الثوب إلى نصف الساق؛ لأن لفظ "فإن أبيت" قرينة صرفته من الوجوب إلى الندب، وعليه: فيُكره رفعه فوق نصفه؛ لأن ترك المستحب مكروه، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن رفعه إلى فوق الساق قد يؤدي إلى كشف عورته إذا جلس، ويؤدي إلى بعض الضرر من حرٍّ وبرد، وإلى اشتهار صاحبه، تنبيه: قوله: "أو تحت كعبه" يُفهم منه: أن جعل الثوب تحت الكعبين مكروه، وهذا لا يصح؛ لأن جعله كذلك خيلاء محرم - كما سبق في مسألة (٦٨) -.
(٨٩) مسألة: يستحب للمرأة أن ترخي ثوبها وتجعله يجر في الأرض إذا خرجت من بيتها بمقدار ذراع، للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ أذن للمرأة بذلك وأقرها =
стр. 394
والمرأة (٩٠)، وثوب الشهرة، وهو: ما يشتهر به عند الناس، ويُشار إليه بالأصابع (٩١) (ومنها) أي: من شروط الصلاة (اجتناب النجاسة) حيث لم يُعف عنها ببدن المصلي وثوبه، وبقعتهما، وعدم حملها؛ لحديث: "تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه" وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها) ولو بقارورة: لم تصح صلاته (٩٢)، فإن كان معفوًا عنها كمن حمل مستجمرًا
عليه - كما روته أم سلمة -، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا أكمل في الستر، تنبيه: عبارة المصنف يفهم منها: أن هذا مباح للمرأة فقط، والصواب: أنه مستحب، لما ذكرناه من المصلحة.
(٩٠) مسألة: يُكره للرجل أن يلبس ثوبًا يصف بشرة جلده من بياض وسواد، للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يؤدِّي إلى الفتنة وتأثر هذه البشرة بالبرد أو الحر، تنبيه: يُحرَّم أن يلبس ثوبًا يصف بشرة العورة من الركبة إلى السرة كما سبق في مسألة (٤١)، تنبيه آخر: قوله: "والمرأة" يُفهم منه: أنه يُكره للمرأة أن تلبس ثوبًا يصف البشرة، والصواب: أن هذا محرم؛ لأن جسم المرأة كله عورة كما سبق في مسألة (٤٢).
(٩١) مسألة: يُكره للمسلم أن يلبس لباسًا يشتهر به من ثوب أو عباءة أو جبَّة أو نحو ذلك، إذا لم يقصد التباهي والتفاخر، ولذا: ينبغي له أن يلبس ويركب ويسكن ما اعتاده الناس أما إذا قصد التباهي والتفاخر فيحرم؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا قد يؤدِّي إلى التعالي والتباهي على خلق الله، وهذه مفسدة عظيمة للإنسان، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(٩٢) مسألة: في الرابع - من شروط صحة الصلاة - وهو: أن يتجنّب جميع النجاسات - التي لا يُعفى عنها - فيزيلها من بدنه وثوبه، والبقعة التي يُصلي عليها، وعليه: فمن صلى وفي بدنه أو ثوبه أو الموضع الذي يصلي عليه نجاسة، =
стр. 395
أو حيوانًا طاهرًا: صحت صلاته (٩٣) (أو لاقاها) أي: لاقى نجاسة لا يعفى عنها
أو كان حاملًا لها بقارورة: فإن صلاته باطلة: سواء كان ذاكرًا أو ناسيًا أو جاهلًا وسواء علم بذلك قبل أو أثناء أو بعد الصلاة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فأوجب الشارع تطهير الثوب للصلاة، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه" فأوجب التطهر من البول والغائط أولى بالتطهر منه من باب مفهوم الموافقة الأولى، ثانيها: قوله ﷺ للحائض إذا رأت الدم في الثوب: "فلتقرصه ثم تغسله بالماء" فأوجب غسل الثوب المصلى به من الدم، ثالثها: أنه ﷺ أمر بصب الماء على بول الأعرابي في الأرض التي سيُصلى عليها، وهذا أمر بتطهير البقعة، وهذا كله يدل على اشتراط الطهارة للصلاة، واجتناب جميع النجاسات؛ لأن الأمر في تلك النصوص الأربعة السابقة مطلق؛ فيقتضي الوجوب؛ وهذا عام للأمكنة وللأزمنة وللأقوال، فيشمل ما لصق بثوب، أو حمل بقارورة، أو ما علم به قبل أو أثناء أو بعد الصلاة أو الجاهل بحكمه أو نحو ذلك، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا لصحة الصلاة؟ قلتُ: لتعظيم الله وتشريفه وإكرامه وتبجيله؛ إذا لا يليق أن يتعبَّد الله الخالق لكل شيء وهو متلطِّخ بالنجاسات والقاذورات التي يستقذرها البشر فكيف بالخالق؟!، تنبيه: المقصود بالنجاسة التي لا يعفى عنها: ما يمكن التحرز منها بدون مشقة وكلفة.
(٩٣) مسألة: تصح صلاة من حمل نجاسة معفوًا عنها عادة كمن وقع على ثوبه رشاش بول حيوان طاهر، أو دم قليل، أو التصق بطفل لا يغلب على الظن نجاسته؛ للقياس، بيانه: كما أن أثر الاستجمار في محلِّه معفو عنه فكذلك هذا مثله والجامع: مشقة الاحتراز منه في كل، إذ تعم البلوى في ذلك؛ لكثرة ما يتعرض الناس لهذا في المنازل والطرقات وهذا هو المقصد الشرعي منه.
стр. 396
(بثوبه أو بدنه: لم تصح صلاته)؛ لعدم اجتنابه النجاسة (٩٤)، وإن مسَّ ثوبه ثوبًا، أو حائطًا نجسًا لم يستند إليه، أو قابلها راكعًا، أو ساجدًا ولم يلاقها: صحَّت (٩٥) (وإن طيَّن أرضًا نجسه أو فرشها طاهرًا) صفيقًا، أو بسطه على حيوان نجس، أو صلى على بساط باطنه فقط نجس: (كُرِه) له ذلك؛ لاعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه (وصحَّت)؛ لأنه ليس حاملًا للنجاسة ولا مباشرًا لها (٩٦) (وإن كانت) النجاسة (بطرف مُصلَّى
(٩٤) مسألة: إذا لاقى نجاسة رطبة أثناء صلاته: بأن استند المصلي على جدار كان عليه نجاسة رطبة، أو لمسها بيده أو بأي جزء من أجزاء بدنه: فصلاته باطلة، أما إن كانت النجاسة يابسة: فأزالها بنحو حكٍّ ولم يبق منها شيء: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لصوق النجاسة الرطبة بأي شيء منه: بطلان صلاته؛ لعدم اجتناب النجاسة الذي هو شرط صحتها، ويلزم من إزالة النجاسة اليابسة: صحّة صلاته؛ لوجود شرطها.
(٩٥) مسألة: إذا مسَّ ثوبه ثوبًا نجسًا، أو مسَّ ثوبه حائطًا نجسًا، أو قابل نجاسة أثناء ركوعه أو سجوده أو كانت بين رجليه ولم يلاق النجاسة؛ فلم يستند إليها: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم لصوقه بالنجاسة: صحة صلاته؛ لتحقق شرطها؛ لكونها بعيدة عنه، والمراد بالمس: المسُّ الذي لا يؤثِّر.
(٩٦) مسألة: تصح الصلاة على شيء طاهر توجد تحته نجاسة بلا كراهة كأن يُغطي أرضًا نجسة بطين أو أسمنت أو فرش، أو يغطي حيوانًا نجسًا ببساط؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم حمله للنجاسة وعدم مباشرته لها: صحة صلاته لوجود شرطها، فإن قلتَ: تصح الصلاة هنا مع الكراهة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه: كراهتها وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لا نسلّم التلازم من ذلك؛ لأن قربه من النجاسة لا يؤثر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" فعندنا: التلازم الأول أقوى، وعندهم: الثاني أقوى.
стр. 397
متصل به: صحَّت) الصلاة على الطاهر ولو تحرك النجس بحركته، وكذا: لو كان تحت قدمه حبل مشدود في نجاسة، وما يُصلي عليه منه طاهر (إن لم) يكن متعلقًا به بيده أو وسطه بحيث (ينجرّ) معه (بمشيه) فلا تصح؛ لأنه مستتبع لها فهو كحاملها، وإن كانت سفينة كبيرة أو حيوانًا كبيرًا لا يقدر على جرِّه إذا استعصى عليه: صحَّت؛ لأنه ليس بمستتبع لها (٩٧) (ومن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها) أي: النجاسة (فيها) أي: في الصلاة: (لم يُعد) ها؛ لاحتمال حدوثها بعدها، فلا تبطل بالشك (٩٨) (وإن علم أنها) أي: النجاسة (كانت فيها) أي: في الصلاة، (لكن
(٩٧) مسألة: إذا صلى المسلم على فراش، وعلى طرفه نجاسة ولم يصل عليها، أو كان في يده أو بطنه أو تحت قدمه حبل مشدود بشيء نجس وهو لا ينجر معه إذا تحرك كأن يُربط بفيل أو سفينة نجسة: فإن صلاته في هاتين الحالتين صحيحة، أما إن انجرَّ معه إذا تحرك كأن يربط بكلب صغير: فإن صلاته باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن صلاته على الطاهر من الفراش، وعدم قدرة الشيء النجس المربوط به على الانجرار عند حركة المصلي كالجدار النجس: يلزم منه صحة صلاته؛ لوجود شرطها وعدم استتباعه لها ويلزم من سهولة انجرار النجس عند حركة المصلي: بطلان صلاته؛ لاحتمال التصاقه به وهو يصلي، فيكون كحامل النجاسة والمستتبع لها.
(٩٨) مسألة: إذا فرغ من صلاته فرأى نجاسة على بدنه أو ثوبه وشك فيها هل كانت في أثناء صلاته أو بعدها؟: فصلاته صحيحة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل طهارته وهو متيقن من ذلك فيستصحب ذلك، ويعمل به، ولا يلتفت إلى الشك؛ لعدم بناء الأحكام عليه، فإن قلتَ: لمَ صحَّت صلاته؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسلم لو عمل فيما يشك فيه: للحقه ضيق وحرج؛ لكثرة ما يقع للإنسان من الشكوك.
стр. 398
جهلها أو نسيها: أعاد) كما لو صلى محدثًا ناسيًا (٩٩) (ومن جُبر عظمه بـ) عظم (نجس) أو خيط جرحه بخيط نجس وصح: (لم يجب قلعه مع الضرر) بفوات نفس، أو عضو أو مرض، ولا يتيمم له إن غطَّاه اللحم، وإن لم يخف ضررًا: لزمه قلعه (١٠٠) (وما سقط منه) أي: من آدمي (من عضو أو سنٍّ فـ) هو (طاهر): أعاده،
(٩٩) مسألة: إذا كان يجهل أن هذه النجاسة تبطل الصلاة، أو كان يعلم أن تلك النجاسة التي على ثوبه أو بدنه تبطل الصلاة ولكنه نسيها ثم صلى، فلما فرغ منها: علم أن تلك النجاسة تبطل الصلاة، وتذكر ما نسيه من النجاسة: فإن صلاته باطلة في الحالتين؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو صلى محدثًا ناسيًا له: فإن صلاته تبطل، فكذلك من صلى وعليه نجاسة مثله، والجامع: الصلاة بدون طهارة في كل، فلم يتحقق شرط الصلاة فلا تصح، فإن قلتَ: إن الصلاة تصح، ولا يُعيدها وهو قول ابن تيمية وتبعه ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "عُفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو عام لما نحن فيه، قلتُ: إن المعفو عنه هنا هو الإثم فقط، أما الفعل فيجب أن يعاد؛ حيث دلت دلالة الاقتضاء على التقدير: "عُفي عن أمتي إثم الخطأ والنسيان .. "، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية هنا" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وضعف السنة؛ لاحتياجها إلى التقدير، وعندهم: تقدم السنة، وأيضًا: "الخلاف في المعفو عنه في الحديث هل هو الإثم فقط، أو الإثم مع الفعل؟ " فعندنا: الأول، وعندهم: الإثم مع الفعل.
(١٠٠) مسألة: إذا جبر عظم المسلم بعظم نجس، أو وضع فيه خيط من جلد نجس - عظم وجلد كلب أو خنزير - فإنه يصلي به وتصح صلاته إن خاف من قلعه أيَّ ضرر، أما إن لم يخف الضرر فيجب قلعه وإزالته في كل صلاة؛ للقياس؛ بيانه؛ كما أنه إذا خاف الضرر من استعمال الماء: فإنه يصلي بالتيمم وإن لم يخف فيجب =
стр. 399
أو لم يُعده؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته، وميتة الآدمي: طاهرة (١٠١)، وإن جعل ضع سِنَّه سن شاه مذكاة: فصلاته معه صحيحة ثبتت أو لم تثبت (١٠٢)، ووصل
تطهره بالماء فكذلك الحال هنا والجامع: دفع الضرر في كل، وهذا هو المقصد منه. [فرع]: إذا غطَّى اللَّحم ذلك العظم النجس - في الجبيرة -: فإنه يغسله مع أعضاء الوضوء - إن كان فيها - بدون تيمُّم، وإن لم يُغطه اللَّحم: فإنه لا يُمسُّه الماء عند الوضوء؛ دفعًا للضرر، فإذا فرغ: تيمَّم له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من غسله بدون ضرر: سقوط التيمم، لعدم وجود شيء لم يمسه الماء، ويلزم من عدم غسله؛ للضرر: وجوب التيمم عن هذا الذي لم يمسه الماء من أعضاء الوضوء.
(١٠١) مسألة: إذا سقط أو قطع من المسلم أي عضو كيد أو رجل أو سن: فهو طاهر؛ سواء أعاده إلى مكانه أو لا فتصح الصلاة به؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "المؤمن لا ينجس" فنفى النجاسة عن المؤمن وهو عام لجميع أعضائه، وعام في جميع أزمانه: قبل الموت وبعده؛ لأن لفظ "المؤمن" مفرد محلى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ كان طاهرًا؟ قلتُ: لأن ميتة المسلم طاهرة، وما أُبين منه وهو حي: يكون طاهرًا، تنبيه: قوله: "أي: من آدمي" يُفهم منه: أن الكافر يدخل هنا؛ لأنه آدمي والصواب: أن ميتة الكافر نجسة، وإنما كان طاهرًا في حال حياته؛ الاقتضاء المصلحة لذلك؛ حيث يضطر المسلم للتعامل معه، وقد سبق بيانه.
(١٠٢) مسألة: تصح صلاة من وضع عضوًا طاهرًا داخل جَسَدِه كسنٍّ يأخذه من شاه مذكاة: سواء كان ثابتًا أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صلاته بشيء طاهر: صحة صلاته.
стр. 400
المرأة شعرها بشعر حرام، ولا بأس بوصله بقرامل وهي: الأعقصة، وتركها أفضل، ولا تصح الصلاة إن كان الشعر نجسًا (١٠٣) (ولا تصح الصلاة) بلا عذر فرضًا كانت أو نفلًا - غير صلاة جنازة - (في مقبرة) بتثليث الباء، ولا يضر قبران، ولا ما دفن بداره (و) لا في (حَشٍّ) بضم الحاء وفتحها وهو: المرحاض (و) لا في (حمام) داخله وخارجه، وجميع ما يتبعه في البيع (وأعطان إبل) واحدها عطن - بفتح الطاء، وهي: المعاطن، جمع معطن - بكسر الطاء - وهي ما تقيم فيها وتأوي إليها (و) لا في
(١٠٣) مسألة: إذا وصلت المرأة شعرها بشعر نجس كشعر كلب أو خرقه نجسة: فإن صلاتها باطلة، وإن وصلته بشعر طاهر كشعر شاة: فصلاتها صحيحة، ولكنها تأثم في الحالتين؛ لكونها وصلت شعرها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لعن الله الواصلة والمستوصلة" فحرم الشارع وصل الشعر بشعر آخر أو بخرقة أو نحوها؛ لأن اللعن: عقاب ولا يعاقب إلا على فعل حرام، وهو عام كما قلنا؛ لأن لفظ "الواصلة" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من صلاتها بشيء طاهر: صحّة صلاتها، لوجود شرطها، ويلزم من صلاتها بشيء نجس: بطلان صلاتها؛ لفقدان شرطها، فإن قلتَ: لمَ كان الوصل حرامًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة خداع وغش الآخرين بهذه المرأة، وهذا يستوي فيه كل من وصلت شعرها بأي شيء، فإن قلتَ: لمَ حرم الوصل على الفاعل له؟ قلتُ: لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الشارع عنه، فإن قلتَ: إن وصل الشعر بخرق من حرير أو صوف ثم تعقصه بحيث تدخل أطراف الشعر بأصوله - وهو: القرامل - هذا مباح؛ للتلازم؛ حيث إن هذا لا يخدع أحدًا فتلزم إباحته قلتُ: إن الحديث السابق عام للشعر ولغيره، ثم إنه يخدع الناظر من بعيد فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف في لفظ "الواصلة" هل هو عام لكل ما يوصل به الشعر، أو أنه خاص بالوصل بالشعر فقط؟ " فعندنا: عام، وعندهم خاص.
стр. 401
(مغصوب) ومجزرة ومزبلة وقارعة طريق (و) لا في (استطحتها) أي: أسطحة تلك المواضع وسطح نهر، والمنع في ذلك تعبُّدي؛ لما روى ابن ماجه والترمذي عن ابن عمر أن الرسول ﷺ "نهى عن أن يصلى في سبع مواطن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله" (١٠٤)
(١٠٤) مسألة: لا تصح الصلاة في تسع مواضع: أولها: كل ما سُمِّي بمقبرة - وهو: ما يدفن فيها عادة الموتى - ما عدا صلاة الجنازة، أو الصلاة في موضع فيه قبران أو الصلاة في منزل دفن فيه أحد: فتصح، ثانيها: المحش وهو: المرحاض والكنيف، ثالثها: الحمام وهو: المكان المعد للاغتسال والتنظيف، وهو يعم داخله وخارجه وكل ما يتبعه عند بيعه، رابعها: أعطان الإبل وهو: الأماكن التي تقعد فيها الإبل وتأوي إليها عادة، خامسها: المواضع المغصوبة والمسروقة، سادسها: المجزرة، وهو: الموضع الذي تذبح فيه الإبل وغيرها، سابعها: المزبلة: وهو: المكان الذي يوضع فيه ما يستقذر، ثامنها: قارعة الطريق، وهو: الموضع الذي يمشي فيه الناس عادة ذهابًا وإيابًا، تاسعها: سطح الكعبة - كما سيأتي - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الصلاة في سبع مواطن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله"، والنهي مطلق فيقتضي الفساد، الثانية: القياس، بيانه: كما لا تصح الصلاة في الحمام فكذلك لا تصح في المحش، بجامع: النجاسة في كل، فإن قلتَ: لمَ لا تصح الصلاة في تلك المواضع؟ قلتُ: لما فيها من النجاسات التي تضاد الطهارة المشترطة للصلاة، وما فيها من ذكر وقراءة ومناجاة، ولدفع مفسدة الصلاة في المقبرة وهي عبادة من في القبور أو التشبه بمن يعبدهم، ولأن المحاش، والحمامات ومعاطن الإبل مواضع للشياطين، ولأن الموضع المغصوب لا يتناسب مع فعل الطاعة فيه كما سبق ذكره في مسألة (٤٩)، ولأن من صلى على سطح الكعبة لا يتوجه إلى قبلة وسيأتي بيانه، فإن قلتَ: لمَ صحَّت صلاة =
стр. 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجنازة في المقبرة؟ قلتُ: للسنة الفعلية؛ حيث صلى ﷺ على امرأة في المقبرة بعد دفنها، يؤيد ذلك: أنها لا ركوع لها ولا سجود فلا تشترط الطهارة في البقعة، والصلاة فيها على عين فلا محذور فيها، فإن قلتَ: لمَ صحّت الصلاة في موضع فيه قبران، أو في منزل دفن فيه واحد أو اثنان؟ قلتُ: لعدم إطلاق اسم المقبرة على ذلك فيلزم صحتها، بشرط: عدم القرب من المكان المقبور فيه أحد، وأن لا يؤدي ذلك على عبادة من في القبور أو التوسل به أو التشبه بذلك، وصح ذلك؛ للتوسعة على المسلمين. [فرع]: تصحُّ الصلاة في أسطح تلك المواضع: كسطح المحش، والحمام، ومعاطن الإبل، والمجزرة، والمزبلة، وقارعة الطريق، وكذا تصح على سطح النهر الجاري أو الراكد إلا سطح المقبرة فلا تصح؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل طهارة أسطح تلك المواضع؛ لعدم وجود ما يُنجِّسها؛ لانفصالها عما تحتها، وللاستقرار في الصلاة، فنستصحب ذلك، ونعمل به، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ لا تصح الصلاة في سطح المقبرة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ للذرائع فيُخشى عبادة من في القبور، أو التوسُّل بهم أو التَّشبُّه بهم ولذا يمنع الصلاة فيها وعلى سطحها، فإن قلتَ: لا تصح الصلاة في أسطح تلك المواضع كلها وكذا سطح النهر وهو الذي ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا تصح الصلاة داخل تلك المواضع - كما في مسألة (١٠٤) - فكذلك لا تصح الصلاة في أسطحتها، وكما لا تصح الصلاة فوق الماء فكذا لا تصح الصلاة فوق سطحه، والجامع: أن كلًّا منهما مسمَّى بذلك الاسم؛ لكونه تابعًا للداخل بدون فرق؟ قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن داخل تلك المواضع غلب على ظننا وجود نجاسة فيها، فلذا لا تصح الصلاة فيها وأن الواقف على الماء مباشرة لا يمكنه الاستقرار أثناء صلاته؛ بخلاف =
стр. 403
(وتصح) الصلاة (إليها) أي: إلى تلك الأماكن مع الكراهة إن لم يكن حائل (١٠٥)، وتصح صلاة الجنازة، والجمعة، والعيد ونحوها بطريق؛ لضرورة وغصب (١٠٦)،
المصلي فوق أسطحتها فإنه بعيد عن النجاسة، ويستقر في صلاته ومع الفارق فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الاستصحاب مع القياس" فعندنا: لم يقو القياس على تغيير الأصل المستصحب، وعندهم: يقوى على ذلك، تنبيه: قوله: "والمنع في ذلك تعبُّدي" يقصد: أن النهي عن الصلاة في تلك المواضع تعبدي لا علَّة له، قلتُ: هذا فيه نظر، بل علَّة النهي هنا واضحة جلية لمن عرف موارد ومصادر الشريعة ومقاصدها، وقد ذكرنا طرفًا من تلك العلل في مسألة (١٠٤).
(١٠٥) مسألة: تصح الصلاة إذا كان أمام المصلي واحد من تلك المواضع - المذكورة في مسألة (١٠٤) - وهذا بلا كراهة؛ للتلازم؛ حيث إن عدم الصلاة فيها، وإكمال الشروط الأخرى والأركان والواجبات يلزم منه صحتها، فإن قلتَ: لمَ صحَّت هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: تصح مع الكراهة - وهو ما ذكره المصنف هنا - بشرط: عدم وجود حائل بين المصلي وتلك المواضع؛ للتلازم؛ حيث إن عدم الحائل يلزم منه الاستقذار وهذا لا يناسب العبادة، قلتُ: هذا لا يلزم؛ لأن ما ذكر لا تعلُّق له بالصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها، وهذا يؤدي إلى تضييق مواضع الصلاة، وهذا لم يرده الشارع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل عدم الحائل هنا مؤثر أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: مؤثر، و"تعارض التلازمين".
(١٠٦) مسألة: تصح صلاة الجنازة والجمعة والعيد وغيرها من الفروض في طريق، وموضع مغصوب إذا اضطر المسلم لذلك: بأن لم يجد غيره، أو كان خائفًا أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن المكلَّف، أصله: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
стр. 404
وتصح الصلاة على راحلة بطريق، وفي سفينة ويأتي (١٠٧) (ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها) والحجْر منها (١٠٨)، وإن وقف على منتهاها بحيث لم يبق وراءه شيء منها، أو وقف خارجها وسجد فيها: صحَّت؛ لأنه غير مستدبر لشيء منها (١٠٩) (وتصح النافلة) والمنذورة فيها وعليها (باستقبال شاخص منها) أي: مع استقبال شاخص من الكعبة، فلو صلى إلى جهة الباب، أو على ظهرها ولا شاخص متصل بها: لم تصح، ذكره في "المغني" و"الشرح" عن الأصحاب؛ لأنه غير مستقبل لشيء منها، وقال في "التنقيح": اختاره الأكثر، وقال في "المغني" الأولى: أنه
(١٠٧) مسألة: تصح الصلاة على أي راحلة بطريق، وعلى سفينة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد صلى على راحلته" والسفينة كالراحلة؛ لعدم الفارق بجامع: الحمل في كل، فإن قلتَ: لمَ صحَّت الصلاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين ويأتي بيانه.
(١٠٨) مسألة: لا تصح صلاة الفريضة داخل الكعبة، ولا داخل حجر إسماعيل؛ لأنه من الكعبة، ولا تصح فريضة فوق الكعبة؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده: الاستقراء والتتبُّع لأحوال الصحابة والتابعين؛ حيث ثبت بعد ذلك عدم الصلاة في ذلك، فإن قلتَ: لمَ لا تصحُّ هنا؟ قلتُ: لأن المقصود من التوجه إلى الكعبة هو: تعظيم البيت كله، ومن صلى داخلها أو فوق سطحها: فقد عظم بعضه وأهان الآخر؛ لاستدباره إياه.
(١٠٩) مسألة: تصح صلاة الفرض والنفل إذا وقف في نهاية شيء من الكعبة، أو وقف خارج الكعبة وركوعه وسجوده داخلها بشرط: عدم استدباره لشيء منها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استقباله لها، وعدم استدبار شيء منها: صحة صلاته؛ لتحقق شرطها وهو: استقبالها لتعظيمها وتشريفها، وهذا هو المقصد من ذلك.
стр. 405
لا يشترط؛ لأن الواجب استقبال موضعها وهوائها دون حيطانها، ولهذا تصح على جبل أبي قُبيس وهو أعلى منها، وقدَّمه في "التنقيح"، وصححه في "تصحيح الفروع"، قال في "الإنصاف": وهو المذهب على ما اصطلحناه، ويستحب نفله في الكعبة بين الاسطوانتين وجاهه إذا دخل، لفعله ﷺ (١١٠) (ومنها) أي: من شروط
(١١٠) مسألة: تصح صلاة النافلة داخل الكعبة، وفوقها، وكذا: تصح الصلاة المنذورة داخلها وفوقها بشرط: أن يكون أمام المصلي شاخص منها، وهو الشيء القائم المتصل بالكعبة كخشبة وجدار ونحو ذلك، ويستحب أن يكون بين العمودين اللذين يكونان أمامه وهو داخل الكعبة مع بابها، ويسمَّيان بالساريتين والاسطوانتين؛ للسنة الفعلية؛ حيث صلى ﷺ في البيت ركعتين واستقبل شاخصا منها، وفي رواية: "أنه صلى بين الساريتين وأنت داخل" - كما قال ابن عمر - هي زيادة ثقة مقبولة، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط الشاخص؟ قلتُ: لأجل أن يجعله مستقبلًا لشيء منها، فإن قلتَ: لمَ صحت النافلة دون الفريضة؟ قلتُ: لأن الشارع يتساهل في النوافل دون الفرائض، فتقطع النافلة بدون عذر، وتصلى على الراحلة إلى غير القبلة في السفر، بخلاف الفريضة، فإن قلتَ: لا يشترط وجود الشاخص، فتصح بدونه - وهو قول بعض الحنابلة -؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة المسلم وهو فوق جبل أبي قبيس وهو أعلى من الكعبة فكذلك تصح صلاة من صلى فوق أو داخل الكعبة بدون شاخص والجامع: أن كلًّا منهما قد صلى وهو متجه إلى هواء الكعبة دون حيطانها وهو: الواجب استقباله، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن من صلى فوق جبل أبي قبيس بعيد عن الكعبة، وهذا فرضه أن يتوجه إلى جهتها، لا إلى عينها ويكون بذلك لم يستدبر شيئًا منها، أما من صلى عندها، أو داخلها أو فوقها ففرضه: أن يستقبل عينها، أو شيئًا متصلًا بها، ويكون مستدبرًا شيئًا منها، فاشترط الشاخص لتخفيف =
стр. 406
الصلاة (استقبال القبلة) أي: الكعبة، أو وجهتها لمن بَعُدَ، سمِّيت "قبلة"؛ لإقبال الناس عليها قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (فلا تصح) الصلاة (بدونه) أي: بدون الاستقبال (١١١) (إلا لعاجز) كالمربوط لغير القبلة، والمصلوب،
الأمر، ومع الاختلاف لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القياس" فعندنا: تقدم السنة وما فوقها كداخلها، وعندهم: يقدم القياس، تنبيه: قوله: "قال في الإنصاف: وهو: المذهب على ما اصطلحناه" يقصد: أن المرداوي قد اصطلح في مقدمة "الإنصاف" على أنه إذا وقع اختلاف بين علماء الحنابلة - كابن قدامة، وابن تيمية، وابن رجب - فيما هو المذهب عند أحمد؟ فإنه سيُرجِّح ما اصطلح عليه في "الإنصاف".
(١١١) مسألة: في الخامس - من شروط صحة الصلاة - وهو: أن يستقبل القبلة: بأن يستقبل عين الكعبة لمن استطاع مشاهدتها، أو يستقبل جهتها لمن بَعُدَ عنها، فلا تصح صلاة بدون هذا الاستقبال للقادر عليه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فأوجب الشارع استقبال الكعبة؛ وجهتها؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ودل مفهوم الشرط منه على عدم صحة الصلاة بدون ذلك، واستنادًا إلى هذا أجمع العلماء على هذا الشرط، فإن قلتَ: لمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: ليجتمع للمسلم اتجاهان: اتجاه قلبي، وهو مناجاة الله في الصلاة، واتجاه جسمي وهو توجه الوجه إلى بيت الله؛ ليقرب من خالقه، فإن قلتَ: لمَ سمِّيت قبلة؟ قلتُ: لأن كل مصلٍ يُقبل عليها بوجهه الذي هو أشرف عضو في الجسم، فإن قلتَ: لمَ سمي بيت الله بالكعبة؟ قلتُ: لأن العرب تسمِّي كل بيت مربع كعبة كما جاء في "اللسان" (١/ ٧١٨).
стр. 407
وعند اشتداد الحرب (١١٢) (و) إلا لـ (متنفِّل راكب سائر) لا نازل (في سفر) مباح طويل أو قصير إذا كان يقصد جهة معيَّنة (١١٣) وله أن يتطوع على راحلته حيثما توجَّهت به (ويلزمه افتتاح الصلاة) بالإحرام إن أمكنه (إليها) أي: إلى القبلة بالدابة أو بنفسه، ويركع ويسجد إن أمكنه بلا مشقة، وإلا: فإلى جهة سيره، ويوميء بهما،
(١١٢) مسألة: تصح صلاة الفرض بدون استقبال القبلة للعاجز عن استقبالها بسبب مرض، أو لربطه لغير القبلة، أو لخوفه عند اشتداد الحرب، أو من عدو، أو حريق أو هدم، أو غرق أو نحو ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" حيث إن هذا عام؛ لأن "ما" الموصولة، من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، وهذا لا يستطيع استقبال القبلة، فوجب أن يفعل ما يستطيعه ويسقط الباقي بالعجز عنه؛ رخصة وتيسيرًا منه سبحانه؛ لدفع الضرر، وهذا هو المقصد منه.
(١١٣) مسألة: إذا كان الشخص مسافرًا راكبًا سائرًا لسفر مباح قاصدًا لجهة معيَّنة: فتصح صلاة النفل بدون استقبال القبلة، أما إن كان مقيمًا، أو كان مسافرًا نازلًا، أو كان غير سائر، بل واقف، أو كان سفره سفر معصية، أو كان هائمًا على وجهه لا يقصد بلدًا معينًا: فلا تصح صلاته النفل بدون استقبال القبلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أنس: "كان النبي ﷺ إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبَّر، ثم صلى حيث كانت وجهة ركابه" فلزمت تلك الشروط الخمسة من هذا الفعل، فهو ﷺ : مسافر راكب سائر لسفر مباح على جهة معينة، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل ثواب النافلة مع مواصلة سفره، مع الاشتغال بالطاعة عن المعصية، فإن قلتَ: لمَ اشترطت تلك الشروط؟ قلتُ: لأن من توفرت تلك الشروط فيه هو الذي ينبغي أن يراعى ويُقصد بتلك المصلحة، دون غيره.
стр. 408
ويجعل سجوده أخفض (١١٤)، وراكب المحفة الواسعة، والسفينة والراحلة الواقفة يلزمه الاستقبال في كل صلاته (١١٥) (و) إلا لمسافر (ماشٍ)؛ قياسًا على الراكب (ويلزمه) أي: الماشي (الافتتاح) إليها (والركوع والسجود إليها) أي إلى القبلة؛ لتيسر ذلك عليه (١١٦)، وإن داس النجاسة عمدًا:
(١١٤) مسألة: طريقة صلاة المتنفِّل بدون استقبال القبلة إذا كان مسافرًا راكبًا سائرًا قاصدًا جهة معينة سفرًا مباحًا هي: أن يكبر تكبيرة الإحرام، وهو متوجه إلى الكعبة سواء وجه الدَّابة إليها أو انحرف بنفسه إليها، ثم يعود إلى جهة سفره، ثم يقرأ الفاتحة، وما شاء من القرآن، ثم يركع ويسجد إلى جهة القبلة إن استطاع، فإن وجدت مشقة يركع ويسجد حيث وجهته، ويوميء بهما، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك - كما سبق في حديث أنس في مسألة (١١٣)، وكما حكاه جابر أيضًا.
(١١٥) مسألة: إذا أراد شخص أن يتنفَّل وهو راكب هودجًا على جمل، أو سفينة، أو دابة واقفة: فلا تصح صلاته إلا إذا كان مستقبلًا القبلة في جميع صلاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استطاعته لاستقبال القبلة: وجوبها عليه، ويلزم من عدم ذلك: عدم صحة صلاته وهو حقيقة الشرط.
(١١٦) مسألة: تصح صلاة النافلة من الماشي على قدميه بدون استقبال القبلة وطريقتها: أن يفتتحها وهو مستقبل القبلة ثم يعود لجهته، ثم يركع ويسجد وهو مستقبل القبلة، ثم يعود لجهة سفره وهكذا يفعل في كل صلاته؛ للقياس، بيانه: كما أن المسافر الراكب السائر لشيء مباح، القاصد جهة معينة تصح صلاته للنافلة وهو كذلك - كما سبق في مسألتي (١١٣ و ١١٤) - فكذلك المسافر الماشي مثله، والجامع: أن كلًا منهما مسافر سائر قاصد لجهة معينة وسفره مباح، فإن قلتَ: لمَ وجب عليه أن يركع ويسجد تجاه القبلة، بخلاف =
стр. 409
بطلت (١١٧)، وإن داسها مركوبه: فلا (١١٨)، وإن لم يعذر من عدلت به دابَّته أو عدل إلى غير القبلة عن جهة سيره مع علمه، أو عُذِر وطال عدوله عرفًا: بطلت (١١٩)
المسافر الراكب؟ قلتُ: لأن الماشي يسهل عليه أن يقف فيركع ويسجد، بخلاف الراكب فيشق عليه ذلك؛ لأن الدابة لا تقف بسهولة.
(١١٧) مسألة: إذا صلى نافلة وهو ماشي فوطأ بقدمه على نجاسة من بول أو غائط: بطلت صلاته سواء كان عمدًا أو سهوًا أو جهلًا أو نسيانًا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من وجود تلك النجاسة بقدمه: عدم صحة صلاته؛ لعدم تحقق شرط الطهارة، تنبيه: قوله "عمدًا" فيه نظر؛ حيث لا تصح الصلاة بها مطلقًا، قياسًا على الحدث كما سبق في مسألة (٩٩).
(١١٨) مسألة: إذا صلى النافلة وهو راكب لدابته - كما سبق في مسألتي (١١٣ و ١١٤) - فداست تلك الدابة بأرجلها نجاسة: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مباشرة المصلي للنجاسة: صحة صلاته؛ لتحقق شرط الطهارة؛ كما لو صلى على طين طاهر وتحته شيء نجس.
(١١٩) مسألة: تبطل صلاة المتنفل وهو مسافر راكب في حالات: أولها: إذا كان مسافرًا إلى الشرق فعدلت به دابته إلى الجنوب، وهو قادر على ردها إلى الشرق، ولكنه لم يفعل، ثانيها: إذا عدل بالدابة إلى غير جهة سفره وإلى غير جهة القبلة من غير عذر، ثالثها: إذا عدلت به الدابة عن غير طريق سفره، أو عدل هو عنه لعذر، إما لغفلة، أو جهل، أو عجز عن دابته، وطال عدوله هذا عرفًا؛ للتلازم؛ حيث إن صحّة النافلة قد شُرع رخصة لتحصيل مصلحتين: "تحصيل الثواب" و"مواصلته لسفره" فلما لم يردَّ دابته عن الجهة التي انحرفت إليها، أو عدل هو بها إلى غير جهة سفره، أو طال العدول والانحراف عن جهته أو جهة القبلة: لزم منه: بطلان تلك النافلة؛ لعدم حصول المقصود من =
стр. 410
(وفرض من قرب من القبلة) أي: الكعبة، وهو من أمكنه معاينتها، أو الخبر عن يقين: (إصابة عينها) ببدنه كله، بحيث لا يخرج شيء منه عن الكعبة، ولا يضرُّ علو ولا نزول (١٢٠) (و) فرض (من بَعُد) عن الكعبة: استقبال (جهتها) فلا يضرُّ التيامن ولا التياسر اليسيران عرفًا (١٢١) إلا من كان بمسجده ﷺ ؛ لأن قبلته
مشروعية صحة النافلة وهو راكب، ويلزم من العدول الطويل: بطلانها أيضًا: لأنه كالحركة الكثيرة في الصلاة.
(١٢٠) مسألة: يجب على من كان يشاهد الكعبة: أن يستقبل عينها، وكذا: من أخبره متيقن من أن هذه الجهة هي جهة الكعبة، فإن مال قليلًا عنها بأن كان بعضه على غير اتجاه الكعبة: فلا تصح صلاته: ولا يضر علو عن الكعبة أو نزول عنها؛ للاستصحاب؛ حيث إن ذلك هو الأصل في استقبال القبلة فيُستصحب ويُعمل به، ولا يجوز تركه إلا بدليل، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لقدرته على الاتجاه إلى عينها بدون مشقة، فلا يجوز العمل بالظن مع الاستطاعة على العمل بالقطع فإن قلتَ: لِمَ لا يضر علو، أو نزول، قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا يمكن الاحتراز من ذلك.
(١٢١) مسألة: يجب على من لا يشاهد الكعبة: أن يستقبل جهتها، فلا يضرُّ ميله عنها قليلًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لأهل المدينة: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، وهذا يلزم منه: وجوب الاتجاه إلى جهة القبلة لا إلى عينها وسكان غير المدينة مثل سكان المدينة؛ لعدم الفارق في ذلك، من باب مفهوم الموافقة، الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على صحة صلاة المصلين في صف طويل على خط مستو، مع العلم أنه لن يصيب كل واحد منهم عين الكعبة، فيلزم منه: وجوب إصابة جهة الكعبة، لا عينها، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد؛ لكثرة العباد وتفرقهم في البلاد.
стр. 411
متيقنة (١٢٢) (فإن أخبره) بالقبلة مكلَّف (ثقة) عدل ظاهرًا وباطنًا (بيقين): عمل به: حرًا كان أو عبدًا، رجلًا كان أو امرأة (أو وجد محاريب إسلامية: عمل بها)؛ لأن اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتها، حيث علمها للمسلمين ولا ينحرف (١٢٣) (ويستدلُّ عليها في السَّفر بالقطب) وهو: أثبت أدلتها؛ لأنه لا يزول عن مكانه إلا قليلًا، وهو: نجم خفي شمالي، وحوله أنجم دائرة كفراشة الرَّحى في أحد طرفيه "الجدي" والآخر "الفرقدان" يكون وراء ظهر المصلي
(١٢٢) مسألة: يجب على من صلى بمسجد النبي ﷺ في المدينة المنورة: أن يصلي إلى قبلته ومحرابه، فلا يميل عن ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن قبلة المسجد النبوي قد قطع باتجاهها إلى عين الكعبة؛ حيث رُفعت له الكعبة فرآها حين بنى مسجده، فيلزم الاتجاه إلى ذلك.
(١٢٣) مسألة يعرف المقيم القبلة بطريقين: أولهما: أن يخبره مكلف عدل ثقة: سواء كان رجلًا أو امرأة، حرًا أو عبدًا عن غلبة ظن أن هذا الاتجاه هو القبلة، ثانيهما: أن يجد محرابًا في مسجد من المساجد الإسلامية، وهو موضع صلاة الإمام عادة - فلا يجوز الاجتهاد مع وجود ذلك؛ للقياس، بيانه: كما أن الراوي للحديث يُقبل خبره إن كان مكلَّفًا عدلًا ثقة فكذلك يُقبل خبره ويُعمل به إذا أخبر عن القبلة، وكذا وجود المحراب ومخبر عن القبلة، والجامع: أن كلًّا منهما قد أخبر بشيء يُعمل به، بل إن ما يلزم من وجود المحراب من وجوب الاتجاه إليه أولى لاتفاق المصلين على مرِّ الأعصار، فيكون قياسًا أولى، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك تعرف به القبلة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد؛ إذ لو كُلِّف كل واحد بمعرفة القبلة بنفسه للحق أكثر المسلمين ضيق ومشقة، تنبيه: قوله: "بيقين" قلتُ: هذا لا يشترط، بل يكفي غلبة الظن؛ لوجوب العمل بما غلب على الظن، وهو مقدور عليه.
стр. 412
بالشام وعلى عاتقه الأيسر بمصر (و) يُستدل عليها بـ (الشمس والقمر ومنازلهما) أي: منازل الشمس والقمر: تطلع من المشرق وتغرب من المغرب (١٢٤)،
(١٢٤) مسألة: يعرف المسافر القبلة بطريقين: أولهما: أن يرى القطب، وهو: نجم يوجد في جهة الشمال الشرقي قليلًا من السماء للمصلين في نجد والعراق من جهة كتفه الأيمن، وهو خلف المصلي إذا كان في الشام، وهو يكون على الكتف الأيسر للمصلي في مصر، وهو أمام المصلي في اليمن، ويوجد قريب منه نجمان يُستدل عليه بهما وهما: "الجدي" و"الفرقدان" حيث إن لهما نور واضح، وتوجد بين "الجدي" و"الفرقدان" نجوم صغيرة: ثلاثة من فوق، وثلاثة من تحت، وهي تدور حول نجم القطب كما تدور فراشة الرحى والطاحون الذي يدير الماء، وهذا يكون مرة في كل يوم وليلة، ويمكن الاستدلال على القبلة بالجدي؛ لعدم وضوح ذلك القطب؛ حيث إنهما متجاوران، ثانيهما: أن يرى الشمس والقمر ومنازلهما؛ حيث إنهما يطلعان من المشرق عن يسار المصلي في البلاد الشمالية، وعلى يمين المصلي في البلاد الجنوبية، ويغربان في المغرب على يمين المصلي في البلاد الشمالية، وعلى يسار المصلي في البلاد الجنوبية، وعلى ذلك يقاس كل بلد؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ فوصفهم بأنهم يهتدون بالنجوم، ولم ينكر عليهم، وهو عام فيشمل من يعرف بها القبلة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لأهل المدينة ومن ساواهم -: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" فجعل إشراق الشمس والقمر، ومغربهما دليلًا على القبلة، فإن قلتَ: لمَ جُعل هذا من طرق معرفة القبلة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد في كل البلاد؛ إذا النجم، والشمس والقمر لا تخلو منها بلد.
стр. 413
ويستحب تعلُّم أدلة القبلة والوقت (١٢٥)، فإن دخل الوقت، وخفيت عليه: لزمه، ويُقلِّد إن ضاق الوقت (١٢٦) (وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة: لم يتبع أحدهما الآخر) وإن كان أعلم منه، ولا يقتدي به؛ لأن كلًّا منهما يعتقد خطأ الآخر (١٢٧) (ويتبع المقلِّد) لجهل أو عمى (أوثقهما) أي: أعلمهما وأصدقهما
(١٢٥) مسألة: يُستحب أن يتعلم المسلم طرق معرفة القبلة المذكورة في مسألتي (١٢٣ و ١٢٤) وكذا: يُستحب تعلم طرق معرفة دخول أوقات الصلوات كما سبق في مسائل (٦ و ٨ و ١١ و ١٣ و ١٦)؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل معرفة ذلك وإغناء نفسه بذلك وتعليم غيره.
(١٢٦) مسألة: إذا دخل وقت الصلاة وخفيت عليه جهة القبلة: فيجب عليه تعلُّم الطرق التي يعرف بها جهتها إن كان الوقت واسعًا، أما إن كان ضيقًا وخشي من خروج الوقت قبل تعلُّمه لذلك: فيجب عليه تقليد غيره، ويعمل بما يقول ذلك الغير إن كان ثقة بصيرًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، حيث إن هذا قادر على تعلمها، والوقت متسع لذلك، وعنده الآلة فوجب أما إن ضاق الوقت: فيجب أن يقلد غيره في ذلك؛ لأنه هو المستطاع له فوجب؛ لأن الأمر في الحديث مطلق فيقتضي الوجوب ويسقط غيره، للعجز عنه.
(١٢٧) مسألة: إذا اختلف مجتهدان في القبلة: كل واحد منهما يقول: إن القبلة غير الذي يقوله الآخر: فكل واحد منهما يصلي اتجاه القبلة التي يراها ولا يتبع أحدهما الآخر؛ للقياس، بيانه: كما أن المجتهدين المختلفين في حكم شرعي لا يجوز لأحدهما أن يقلد الآخر فكذلك الحال هنا والجامع: أن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، ولا يجوز أن يعمل الشخص بشيء يغلب على ظنه خطأوه.
стр. 414
وأشدهما تحريًا لدينه (عنده): لأن الصواب إليه أقرب، فإن تساويا خُيِّر (١٢٨)، وإن قلَّد اثنين: لم يرجع برجوع أحدهما (١٢٩) (ومن صلى بغير اجتهاد) إن كان يحسنه (ولا تقليد) إن لم يحسن الاجتهاد: (قضى) ولو أصاب (إن وجد من يقلِّده) (١٣٠)
(١٢٨) مسألة: إذا اختلف مجتهدان في القبلة: كل واحد يقول: إن القبلة هي كذا، فيجب على الثالث الجاهل، أو الأعمى أن يتبع أقواهما من حيث: العلم والصدق والدين والثقة؛ لقربه من الصواب، فإن تساويا في تلك الصفات: فإنه يتخيَّر - ويتبع أيهما شاء وتبرأ ذمته؛ للقياس، بيانه: كما أن العامي يتبع الأقوى من المجتهدين في مسألته - علمًا ودينًا، وصدقًا وعدالةً وثقةً - فإن تساويا في ذلك: تخيَّر فيتبع ما شاء منهما فكذلك الحال هنا والجامع: العمل بما غلب على ظنه في كل، وإبراء ذمته في كل.
(١٢٩) مسألة: إذا صلى جاهل اتجاه القبلة التي اتفق عليها مجتهدان، ثم بعد صلاته رجع أحد المجتهدين قائلًا: إني أخطأت في القبلة: فإن صلاة ذلك الجاهل صحيحة، ولا يلتفت إلى رجوع من رجع من المجتهدين؛ للتلازم؛ حيث إنه قد صلى بناء على اتفاقهما على جهتها فيلزم صحتها منه، فلا يؤثر رجوع أحدهما في صلاة من اقتدى بهما.
(١٣٠) مسألة: إذا صلى مجتهد في القبلة، بدون بذل اجتهاده، أو كان جاهلًا، وصلى بدون أن يقلِّد أحدًا: فإن صلاة هذين باطلة ولو أصابا القبلة، ويجب عليهما إعادتها بعد أن يجتهد المجتهد، أو يقلد العامي غيره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استطاعتهما لاستقبال القبلة باجتهاد أو تقليد: أن يستقبلاها بذلك لتصح صلاتهما؛ لأن هذا شرطها، ويلزم من عدم ذلك مع قدرتهما على إيجاده: بطلان صلاتهما، لتفريطهما في تحقيق شرط من شروط الصلاة، فإن قلتَ: لمَ بطلت الصلاة مع إصابتهما للقبلة بدون اجتهاد أو تقليد؟ قلتُ: لأن إصابتهما كانت مصادفة فقطن بدون غلبة ظن.
стр. 415
فإن لم يجد أعمى أو جاهل من يقلده فتحريا وصليا: فلا إعادة (١٣١)، وإن صلى بصير حضرًا فأخطأ، أو صلى أعمى بلا دليل من لمس محراب أو نحوه، أو خبر ثقة: أعادا (١٣٢) (ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة)؛ لأنها واقعة متجدِّدة فتستدعي طلبًا جديدًا (ويصلي بـ) الاجتهاد (الثاني)؛ لأنه ترجَّح في ظنه، ولو كان في صلاته ويبني (ولا يقضي ما صلى بـ) الاجتهاد (الأول)؛ لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد (١٣٣)، ومن أخبر فيها بالخطأ يقينًا: لزمه
(١٣١) مسألة: إذا حضرت الصلاة ولم يجد الأعمى أو الجاهل المسافر من يقلِّدانه ويتبعانه في اتجاه القبلة وخشيا أن يخرج الوقت فتحريا واجتهدا، ثم صليا على حسب ما غلب على ظنهما أنها القبلة: فإن صلاتهما تصح، ولا إعادة عليهما سواء أصابا القبلة أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأوتوا منه ما استطعتم" وهذان لم يستطيعا إلا فعل ذلك فكان هو الواجب عليهما؛ لأنهما فعلا ما لهما فعله ويسقط الباقي بالعجز عنه.
(١٣٢) مسألة: إذا حضرت الصلاة في الحضر فصلى بصير جاهل، أو أعمى بلا دليل أو علامة على القبلة من لمس محراب، أو سؤال ثقة: فإن صلاتهما باطلة، ويجب عليهما إعادتها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تساهلهما وعدم تحرِّيهما مع قدرتهما على ذلك: بطلان صلاتهما وقد سبقت.
(١٣٣) مسألة: لكل صلاة اجتهاد في القبلة، أي: إذا أراد أن يصلِّي الظهر يجتهد في القبلة، وإذا أراد أن يصلي العصر يستأنف الاجتهاد فيها، فإن كانت هي القبلة التي صلى إليها في الظهر تبعها، وإن كانت غيرها صلى على حسب اجتهاده الثاني، وإن كانت مخالفة للجهة التي صلى إليها الظهر، يفعل ذلك ولو كان داخل الصلاة فينحرف إلى الجهة التي غلب على ظنه أنها القبلة، ولا يقضي الصلاة التي صلاها وهو متوجه إلى جهة غلب على ظنه أنها خطأ فيما بعد؛ =
стр. 416
قبوله (١٣٤)، وإن لم يظهر لمجتهد جهة في السفر: صلى على حسب حاله (١٣٥) (ومنها) أي: من شروط الصلاة (النية) وبها تمَّت الشروط، وهي: لغة: القصد، وهو: عزم القلب على الشيء، وشرعًا: العزم على فعل العبادة؛ تقرُّبًا إلى الله تعالى، ومحلها القلب، والتلفظ بها ليس بشرط؛ إذ الغرض جعل العبادة لله تعالى، وإن
للقياس، بيانه: كما أن المجتهد في الأحكام يجتهد لكل حادثة وإن كانت الحوادث متشابهة، وإذا بان له خطأ الاجتهاد الأول: عمل بالثاني، ولا يفتي بالأول، ولا يعود إلى من أفتى لهم وينقض حكمهم؛ حيث لا يجب إخبارهم بالاجتهاد الثاني حيث لا ينقض الاجتهاد الاجتهاد، فكذلك المجتهد بالقبلة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما مخبر عن شيء يجب العمل به، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الخلق وتوسعة.
(١٣٤) مسألة: إذا دخل شخص في صلاة وتوجه إلى جهة على أنها هي القبلة ثم أخبره مكلف عدل بأن الجهة التي صلى إليها ليست هي القبلة يقينًا: فيجب على الشخص المخبَر أن يقبل هذا ويتجه على القبلة التي أخبره بها: سواء كان قد دخل المخبَر في الصلاة أو لا؛ للقياس، بيانه: كما يجب قبول خبر المكلف العدل عن يقين القبلة قبل أن يجتهد أو يقلّد أحدًا فكذلك الحال بعد اجتهاد أو تقليد غيره، والجامع: تقديم اليقين على الظاهر؛ تحقيقًا للشرط بيقين، وهو المقصد منه.
(١٣٥) مسألة: إذا لم يظهر عند المسافر جهة معينة على أنها هي القبلة وخشي من خروج الوقت: فيجب عليه أن يصلي على حسب حاله، وتصح صلاته، ولا يعيدها إذا خرج وقتها، ولو علم أنه صلاها إلى غير القبلة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا المسافر لم يستطع إلا ما فعله فوجب، وصحَّت صلاته، وعجز عن الباقي فسقط وجوبه عنه، وهذا تيسير من الله تعالى، وهو المقصد الشرعي.
стр. 417
سبق لسانه إلى غير ما نواه: لم يضر (فيجب أن ينوي عين صلاة معينة) فرضًا كانت كالظهر والعصر، أو نفلًا كالوتر والسنة الراتبة؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (١٣٦) (ولا يُشترط في الفرض) أن ينويه فرضًا فتكفي نية الظهر ونحوه (و) لا في (الأداء و) لا في (القضاء) نيتهما؛ لأن التعيين يغني عن ذلك، ويصح قضاء بنية أداء وعكسه إذا بان خلاف ظنه (و) لا يشترط في (النفل والإعادة) أي: الصلاة المعادة (نيتهنَّ) فلا يُعتبر أن ينوي الصبي الظهر نفلًا، ولا أن ينوي الظهر من أعادها معادة كما لا تعتبر نية الفرض وأولى (١٣٧)، ولا تعتبر إضافة
(١٣٦) مسألة: في السادس والأخير - من شروط صحة الصلاة - وهو: أن ينوي عين الصلاة التي أراد أن يصلِّيها وأن يحضرها في ذهنه: فإذا أراد أن يصلي الظهر مثلًا نواها وقصدها أنها ظهر، وإذا أراد أن يصلي نافلة كوتر أو سنة راتبة: فإنه ينويها ويقصدها وهكذا فلا تصح صلاة بلا نية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى" فلا شيء صحيح شرعًا إلا ما نُوي وقُصد تنبيه: قوله: "وهي لغة … إلى قوله: "لم يضرُه"" قد سبق بيانه في مسائل (١٤ إلى ١٩) من باب "فروض الوضوء وصفته وشروطه" من كتاب الطهارة، وكذا: بيان المقصد الشرعي من اشتراط النية.
(١٣٧) مسألة: لا يشترط أنه ينوي أنه سيصلي فرضًا، بل ينوي أنه سيصلي ظهرًا أو عصرًا ونحو ذلك، ولا يشترط أن ينوي أن هذه الصلاة أداء، أو قضاء، وكذا: ينوي أنه سيصلي الوتر، أو السنة الراتبة، دون أن ينوي أنها نافلة ويصح قضاء بنية أداء، ويصح أداء بنية قضاء: فلو نوى أن هذه الصلاة - وهي العصر مثلًا - أنها قضاء لظنه بخروج وقتها، فبان أنه صلاها في وقتها: فإنها تكون أداء ولا عبرة بنيته، وكذلك لو صلاها ونوى أنها أداء لظنه بعدم خروج وقتها، فبان أنها صلاها بعد خروج وقتها: فإنها تكون قضاء، ولا عبرة بنيته، ولا يُعتبر أن =
стр. 418
الفعل إلى الله تعالى فيها ولا في باقي العبادات، ولا عدد الركعات (١٣٨)، ومن عليه ظهران: عيَّن السابقة؛ لأجل الترتيب (١٣٩)، ولا يمنع صحتها قصد تعليمها ونحوه (١٤٠)، (وينوي مع التحريمة)؛ لتكون النية مقارنة للعبادة (وله تقديمها) أي:
ينوي الصبي أن صلاته الظهر التي صلاها هي نفل في حقه؛ لكونها كذلك في الأصل؛ للسنة القولية؛ وهو حديث: "إنما الأعمال بالنيات" حيث إنه عام وشامل لنيتين هما: "نية العمل" و"نية تعيين عين الصلاة هل هي الظهر أو العصر أو غيرهما؟ " ولا زيادة على ذلك، ونية تعيين كونها ظهرًا تكفي عن نية كونها فرضًا، أو أداء أو قضاء، وهو على حسب الوقت الذي صليَّت فيه؛ حيث إنها إن كانت من الصلوات الخمس: فإنها تكون فرضًا، وإن كانت غيرها: فتكون نفلًا، وإن كان صلاها في وقتها فإنها تكون أداء، وإن صلاها بعد خروجه: فإنها تكون قضاء دون الحاجة إلى النية؛ لعدم وجود غير ما سبق من النيتين.
(١٣٨) مسألة: لا يشترط أن ينوي أنه سيصلِّي تلك الصلاة لله تعالى ويضيفها إليه سبحانه، ولا ينوي أنه سيزكِّي أو يصوم أو يحج لله تعالى، وكذا: لا ينوي أنه سيصلي الظهر أربع ركعات - مثلًا -؛ للتلازم؛ حيث إن تلك العبادات لا تكون أصلًا إلا لله، والظهر لا تكون أصلًا إلا أربع ركعات، فيلزم عدم نية ذلك؛ لكونه معلومًا معروفًا ثابتًا.
(١٣٩) مسألة: إذا فاتته صلاة الظهر من يوم السبت، والظهر من يوم الأحد، وأراد قضاءهما في يوم الاثنين: فيجب أن يعين صلاة الظهر السابقة بالنية - وهي ظهر السبت هنا - فيصليها، ثم يُعيِّن صلاة الظهر اللاحق - وهو ظهر الأحد هنا - فيصلِّيها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط ترتيب قضاء الفوائت: أن ينوي السابقة، ثم اللاحقة على حسب ترتيبها وقد سبق ذلك في مسألة (٢٦).
(١٤٠) مسألة: إذا نوى في صلاته أن تبرأ ذمته منها، وأن يعلِّمها لغيره، أو أطالها للتخلُّص من عدو: فإنها تصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود نية إيقاعها على =
стр. 419
النية (عليها) أي: على تكبيرة الإحرام (بزمن يسير) عرفًا إن وجدت النية (في الوقت) أي: وقت المؤداة والراتبة ما لم يفسخها (١٤١) (فإن قطعها في أثناء الصلاة أو تردَّد) في فسخها: (بطلت)؛ لأن استدامة النية شرط، ومع الفسخ أو التردد لا يبقى مستديمًا، وكذا: لو علَّقه على شرط (١٤٢)، لا إن عزم على فعل محظور قبل
حسب أمر الشارع بها وإبراء الذمة: صحتها؛ لتوفر شرطها، ولا يمنع قصده تعليمها ونحوه من صحتها؛ لعدم صلاحيته لذلك.
(١٤١) مسألة: يجب أن ينوي للصلاة مع أول تكبيرة الإحرام، أو قبيل ذلك بزمن يسير جدًا كثوانٍ مثلًا في وقت الصلاة، أو السنة الراتبة، ولا يشتغل بشيء يفسخها كالكلام، أو تعمُّد حَدَثٍ ونحو ذلك لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حيث دلَّ هذا على أن وقت النية - وهو الإخلاص - حال العبادة؛ لكون "مخلصين" حال من قوله: "ليعبدوا"، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز تقديم نية الصيام على الدخول فيه، فكذلك يجوز تقديم نية الصلاة على الدخول فيها والجامع: أن كلًّا منهما عبادة اشترطت لها النية، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك وقتًا للنية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط من الغفلة عن النية، أو البعد عن خاطره فتفسد عبادته.
(١٤٢) مسألة: إذا نوى الصلاة، ثم دخل فيها، ثم قطع تلك النية في أثناء الصلاة، أو تردد هل يقطعها أو لا؟، أو علَّقها على شرط بأن ينوي: إن طرق أحد الباب وأنا في الصلاة هل أقطع الصلاة وأفتح الباب أو لا؟ فإن صلاته تبطل في هذه الحالات الثلاث؛ للتلازم؛ حيث إن من شروط صحة النية لأي عبادة: أن تبدأ من أوله وتستمر إلى آخره بدون انقطاع أو تشكيك أو تعليق، فيلزم من قطعها أو التردُّد والشك فيها أو التعليق: بطلانها، ويلزم من بطلان النية: بطلان المنوي وهي: الصلاة؛ حيث فقدت شرطها.
стр. 420
فعله (١٤٣) (وإذا شك فيها) أي: في النية أو التحريمة: (استأنفها) وإن ذكر قبل قطعها: فإن لم يكن أتى بشيء من أعمال الصلاة: بنى، وإن عمل مع الشك عملًا: استأنف (١٤٤)، وبعد الفراغ لا أثر للشك (١٤٥) (وإن
(١٤٣) مسألة: إذا نوى الصلاة، ونوى مع ذلك أنه سيفعل محظورًا في الصلاة كأن ينوي أنه سيتكلَّم أو يُحدث في أثنائها، ولم يفعل شيئًا مما نواه من كلام أو حدث: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث إن نيته الصلاة نية صحيحة، وعدم ما يناقضها من قطع أو تردد أو كلام أو حدث يلزم منه: صحة النية، ويلزم من صحتها: صحة الصلاة؛ لأن المحظور قد يفعله وقد لا يفعله، وهذا لا يناقض النية المتقدمة.
(١٤٤) مسألة: إذا دخل في الصلاة، وفي أثنائها شك: "هل نوى الصلاة أو لا؟ " أو شك: "هل كبَّر تكبيرة الإحرام أو لا؟ " أو شك: "هل عيَّن في النية أنها صلاة ظهر أو عصر أو نحوهما؟ ": ففي ذلك تفصيل هو: أولًا: إن شك في ذلك ولم يتذكر أنه نواها: فإن صلاته تبطل، ثانيًا: إن تذكَّر أنه نواها قبل أن يأتي بشيء من أعمال الصلاة: فإن صلاته صحيحة ويبني على ما سبق ولا يقطعها، ثالثًا: إن تذكَّر أنه نواها بعد أن أتى بشيء من أعمال الصلاة كركوع ونحوه: فإن صلاته تبطل ويجب عليه أن يستأنفها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من شكِّه بالنية وعدم تذكره لشيء، أو تذكره أنه نواها بعد أن ركع أو سجد: بطلان الصلاة؛ لكونه قطع النية بالشك، ووقوع بعض الصلاة كركوع بدون نية، ويلزم من تذكره أنه نواها قبل أن يأتي بشيء من الصلاة: صحة الصلاة؛ لعدم انقطاع النية، فلم يوجد ما يبطل الصلاة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للتأكد من وجود النية التي هي سرُّ العبودية وشرط قبول العبادات كلها، وعدم قطعها بأي شيء.
(١٤٥) مسألة: إذا فرغ المسلم من صلاته ثم شكَّ: "هل نوى الصلاة التي صلاها أو لا؟ أو شك هل كبر تكبيرة الإحرام أو لا، أو هل عيَّنها أو لا؟ " فصلاته =
стр. 421
قلب منفرد) أو مأموم (فرضه نفلًا في وقته المتَّسع: جاز)؛ لأنه إكمال في المعنى كنقض المسجد للإصلاح، لكن يكره لغير غرض صحيح مثل: أن يحرم منفردًا فيُريد الصلاة في جماعة، ونص أحمد - فيمن صلى ركعة من فريضة منفردًا، ثم حضر الإمام وأقيمت الصلاة -: "يقطع صلاته ويدخل معهم" (١٤٦) فيتخرَّج منه: قطع
صحيحة، ولا يلتفت إلى هذا الشك؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أنه لا يُلتفت إلى الشك بعد الفراغ من أي عبادة سواء كانت صلاةً أو وضوءًا أو صيامًا، أو غيرها، ومستند هذا الإجماع: الاستصحاب؛ لأن الأصل: أن ينوي وأن يُكبِّر تكبيرة الإحرام، فيُستصحب ذلك ويعمل به ولا يؤثر عليه الشك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس، إذ لو عمل كلٌّ شخص بما يشكُّ فيه: لَلَحق كثيرًا من الناس الضِّيق والمشقَّة ولاضطربت حياته.
(١٤٦) مسألة: إذا نوى صلاة الفرض ودخل فيها، ثم في أثنائها نوى قلب الفرض إلى نافلة: فإن هذا يصح، وتكون له نافلة إذا كان الوقتُ متسعًا بحيث يبقى وقت لصلاة الفرض مرة ثانية، لكن هذا الفعل يكره لغير غرض صحيح كأن يحرم بالفرض منفردًا، ثم يرى الإمام داخلًا، فينويها نافلة ويكملها خفيفة، ثم يُسلِّم، ويدخل مع الجماعة فهذا جائز بلا كراهة، أما قلب الفرض نافلة لغير مقصد صحيح فهو مباح مع الكراهة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما يجوز هدم المسجد لأجل إصلاحه، فكذلك يجوز قلب الفرض نفلًا والجامع: أن كلًّا منهما فيه وصف العبادة الكاملة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل أجر الجماعة -؛ حيث إنها تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة - كما ثبت في الحديث -، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: لكون نية عمل الطاعة لم تبطل؛ حيث إن نية النفل تدخل في نية الفرض؛ لكون الفرض: نفل وزيادة، فإن قلتَ: لمَ كره ذلك إن لم يكن له غرض صحيح؟ قلتُ: لأنه يقرب =
стр. 422
النافلة بحضور الجماعة بطريق الأولى (١٤٧) (وإن انتقل بنية) من غير تحريمه (من فرض إلى فرض) آخر: (بطلا)؛ لأنه قطع نية الأول، ولم ينو الثاني من أوله (١٤٨) وإن نوى الثاني من أوله بتكبيرة إحرام: صح (١٤٩)، وينقلب:
من العبث، تنبيه: قوله: "فإنه يقطعها ويدخل معهم" قلتُ: هذا على غير المشهور عن أحمد، أما المشهور عنه: فهو يقلبها نافلة ثم يُكملها خفيفة أو يقطعها، ثم يدخل مع الجماعة لصلاة الفرض وهو الصحيح؛ للمصلحة كما سبق.
(١٤٧) مسألة: إذا دخل مسلم في صلاة نافلة، ثم أقيمت جماعة لصلاة الفرض: فإنه يُتمها خفيفة إن أمكن وإن لم يمكن: قطعها ودخل مع الجماعة؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للمنفرد أن يقلب فرضه نفلًا، ثم يُتم النفل سريعًا أو يقطعها، فمن باب أولى أنه إذا دخل نافلة أصلًا: أن يفعل ذلك والجامع: تحصيل ثواب صلاة الجماعة في كل، تنبيه: قوله: "فيتخرَّج عنه" يقصد: أن قول الإمام أحمد: "إن المنفرد الداخل في فريضة يقطعها لأجل الجماعة" يستنبط منه: أن قطع النافلة لأجل صلاة الفرض مع الجماعة أولى من قطع الفريضة، وهذا بناء على الرواية غير المشهورة - كما سبق -.
(١٤٨) مسألة: إذا نوى بصلاته التي أحرم بها أنها صلاة العصر، ثم تذكّر في أثنائها أنه لم يُصلِّ الظهر، فنوى أن هذه الصلاة التي يصليها الآن أنها الظهر من غير تكبيرة الإحرام للظهر: فإن هذه الصلاة لا تصح عن أي واحدة منهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قطع نية صلاة العصر: بطلانها، ويلزم من عدم نية صلاة الظهر من أول تكبيرة الإحرام: بطلانها، فتكون النية فاسدة في العصر، ومعدومة في الظهر، ولا صلاة بلا نية.
(١٤٩) مسألة: إذا دخل في صلاة العصر - وهو: الفرض الأول - ثم نوى بتلك الصلاة أنها صلاة الظهر - وهو: الفرض الثاني - بتكبيرة الإحرام للظهر: فإن =
стр. 423
نفلًا ما بان عدمه كفائتة، فلم تكن، وفرض لم يدخل وقته (١٥٠) (ويجب) للجماعة (نية) الإمام (الإمامة و) نية المأموم (الائتمام)؛ لأن الجماعة يتعلق بها أحكام، وإنما يتميزان بالنية فكانت شرطًا: رجلًا كان المأموم أو امرأة، وإن اعتقد كل منهما أنه إمام الآخر أو مأمومه: فسدت صلاتهما كما لو نوى إمامة من لا يصح أن يؤمُّه، أو شك في كونه إمامًا أو مأمومًا (١٥١)، ولا يشترط تعيين الإمام ولا
الصلاة تصح ظهرًا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو نوى صلاة الظهر ثم كبر لها تكبيرة الإحرام، دون أن يتقدم ذلك إحرام بغيرها فإنه يصح: فكذلك الحال هنا، والجامع: وجود النية في موضعها في كل.
(١٥٠) مسألة: إذا نوى صلاة فرض وبعد الدخول فيها تبيَّن عدم دخول وقتها، أو ظن أن عليه فائتة من الفروض، فلما دخل فيها تذكر أنه قد صلَّاها فإنه يكمل تلك الصلاة وتكون منقلبة إلى نفل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صلاحيتها لتكون فرضًا: انقلابها لتكون نفلًا، ونية الفرض تكفي عن نية النفل؛ لأن الفرض: نفل وزيادة.
(١٥١) مسألة: إذا أراد زيد وبكر أن يصليا جماعة، وكان بكر إمامًا، وزيد مأمومًا: فإنه يشترط أن ينوي بكر أنه إمام، وأن ينوي زيد أنه مأموم قبل الدخول في تلك الصلاة، فلو لم ينويا ذلك، أو نوى كل واحد منهما أنه إمام للآخر في نفس الصلاة: فإن صلاتهما باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن كلًّا من الإمامة والائتمام يشترط له النية؛ لتمييز أحدهما عن الآخر، وليُعرف كل واحد منهما بأحكامه فيلزم من ذلك أن ينوي كل واحد من الإمام والمأموم حالته التي هو فيها، ويلزم من عدم ذلك: عدم صحة هذه الإمامة والائتمام مما يلزم منه: عدم صحة الجماعة؛ لفقدان شرطها كما أن الأمي لا يجوز أن ينوي أنه إمام لقاريء ولا يجوز للفاسق أن ينوي أن يكون إمامًا للعدل، فكذلك لا ينوي بكر أنه =
стр. 424
المأموم (١٥٢) ولا يضر جهل المأموم ما قرأ به إمامه (١٥٣)، وإن نوى زيد الاقتداء بعمرو، ولم ينو عمرو الإمامة صحَّت صلاة عمرو وحده (١٥٤)، وتصح نية الإمامة ظانًا حضور مأموم، لا
مأموم مع أنه إمام، ولا ينوي زيد أنه إمام مع أنه مأموم بجامع: عدم صحة الإمامة والائتمام، فإن قلتَ: لمَ اُشترط ذلك؟ قلتُ: لإعطاء كل حالة أحكامها التي تستحقها: فالمأموم يجب عليه الاتباع، ويسقط عنه السهو، وتفسد صلاته بسبب فساد صلاة إمامه بخلاف الإمام، فنظرًا لهذا الاختلاف وغيره: جُعل لكل واحد نيته الخاصة به والتي لا تصلح للآخر.
(١٥٢) مسألة: لا يشترط في صحة الإمامة والائتمام تعيين إمام بعينه، ولا تعيين مأموم بعينه؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم إذا صلى خلف من يصلي بالناس: صحَّت صلاته، والإمام إذا صلى وراءه الناس: صحَّت إمامته بدون تعيين مسبق، فيلزم من ذلك: عدم اشتراط تعيينهما.
(١٥٣) مسألة: إذا جهل المأموم الآيات التي قرأ بها إمامه ولم يتذكرها - في الصلاة الجهرية -: فإن صلاته تصح؛ للتلازم؛ حيث إن معرفة المأموم لما قرأ إمامه لا يشترط في صحة صلاته: فيلزم من عدم اشتراط المعرفة: صحتها.
(١٥٤) مسألة: إذا نوى عمرو الانفراد ودخل في الصلاة فجاء زيد واقتدى بعمرو ونوى أن يكون له مأمومًا: فإن صلاة عمرو صحيحة، وصلاة زيد باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن عمرو لم ينو الإمامة من أول صلاته ففقد شرطًا من شروط الإمامة - كما قلنا في مسألة (١٥١) - فلزم عدم صلاحيته إمامًا لزيد، ويلزم من هذا اللازم: أن صلاة زيد باطلة؛ لكونه جعل نفسه مأمومًا لإمام لم ينو الإمامة من أول صلاته، ويلزم من نية عمرو الصلاة منفردًا في أولها: صحة صلاته: لوجود نيته وعدم تغييرها.
стр. 425
شاكًا (١٥٥) (وإن نوى المنفرد الائتمام) في أثناء الصلاة: (لم يصح)؛ لأنه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة سواء صلى وحده ركعة أو لا، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا (كـ) ما لا تصح (نية إمامته) في أثناء الصلاة إن كانت (فرضًا)؛ لأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة، ومقتضاه: أنه يصح في النفل، وقدَّمه في "المقنع" و "المحرَّر"، وغيرهما؛ "لأنه ﷺ قام يتهجَّد وحده فجاء ابن عباس فأحرم معه فصلَّى به النبي ﷺ " متفق عليه، واختار الأكثر: لا يصح في فرض ولا نفل؛ لأنه لم ينو الإمامة في الابتداء وقدَّمه في "التنقيح" وقطع به في "المنتهى" (١٥٦) (وإن انفرد) أي:
(١٥٥) مسألة: إذا نوى عمرو الإمامة وهو يغلب على ظنه حضور شخص معه، ثم حضر: فإن النية والصلاة تصح، وإن شك بحضوره - أي: تساوى الطرفان -: فإن النية لا تصح، وإن حضر أحد ودخل معه واتمَّ به؛ للتلازم؛ حيث إن الظن الغالب تُبنى عليه الأحكام ويُعمل به كما يُعمل بالمقطوع به فيلزم: الصحة، أما الشك فلا تُبنى عليه أحكام، ولا يُعمل به: فيلزم عدم الصحة.
(١٥٦) مسألة: إذا نوى عمرو الانفراد، ودخل في الصلاة وفي أثنائها نوى أن يتبع زيدًا، فجعل عمرو نفسه مأمومًا لزيد أو نوى عمرو الانفراد في الصلاة فجاء زيد وانضم إليه فنوى عمرو في أثناء صلاته: أن يكون إمامًا لزيد: فإن صلاة عمرو في الحالتين لا تصح، سواء كانت صلاة فرض أو نفل؛ للتلازم؛ حيث إنه يشترط في الإمامة والائتمام أن تكون نيتهما الإمامة أو الائتمام في ابتداء الصلاة - كما سبق في مسألة (١٥١) - وتستمر إلى آخرها، وعمرو هنا لم ينو الائتمام بزيد، ولم ينو أن يكون إمامًا له من ابتداء الصلاة: فلزم بطلان الصلاة في الحالتين ولعدم استمرار النية التي كانت من أول الصلاة واختلافها، وهذا يكون في النفل كما كان في الفرض؛ لعدم الفارق بينهما في النية وهذا موافق =
следующие страницы →