Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين: نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإنه من المعلوم قطعًا: أن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات والقُرُبات إلى الله تعالى -بعد الجهاد في سبيل الله- وهو أفضل ما تُنفق فيه نفائس الأوقات، شرَّف الله من اختار العلم بملابس التقوى والوقار، وخصَّهم من المزية أن قرن ذكرهم بذكره، وأكرمهم بالشهادة على وحدانيته، وأورد وصفهم ثالثًا؛ حيث قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، وفضَّلهم على كثير من خلقه، وأرشد بهم عباده إلى سُبُل الحق، وأراد بهم خيرًا، ففقههم في الدِّين؛ حيث قال ﷺ : "من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدِّين" وأمر الخلائق باتباعهم؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والمسؤول مُتَّبع، وأكرمهم بأن جعلهم ورثة أنبيائه، وجعل كُلَّ مخلوق يستغفر لهم؛ حيث قال ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم أهل السماء وتستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة"، وفضَّل الله العلم على النوافل من العبادات؛ حيث قال ﷺ : "العلم أفضل من العبادة، وملاك الدين الورع"، وذلك لأن العلم ينفع صاحبه، وينفع غيره إلى يوم القيامة، بخلاف العبادة -غير العلم- فلا تنفع إلا صاحبها، فإذا عُلِم ذلك: فإن الخسران المبين أن يمرَّ يوم بلا نفع بهذا العلم؛ إما تعلُّم أو تعليم، وخيره: ما كثُر نفعه الجميع طبقات المتعلِّمين؛ وكتاب: "الروض المربع شرح زاد المستقنع" لمنصور بن يونس البهوتي (المولود عام ١٠٠٠ هـ - والمتوفى عام ١٠٥١ هـ) تميَّز بكثرة المسائل والتفريعات التي تهم المسلمين في اليوم والليلة، فاشتغلتُ به مُهتمًا بتيسير عباراته،
стр. 2
واصلًا كلَّ حكم بقاعدته الأصولية، ومبيِّنًا المقصد الشرعي من كل حكم من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، ذاكرًا أسباب وأسرار كل ما أذكره من الأحكام على حسب القدرة، وأسميته: "تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع، وتنزيل الأحكام على قواعدها الأصولية، وبيان مقاصدها ومصالحها وأسرارها وأسباب الاختلاف فيها".
وقمت بتأليف هذا الكتاب للأسباب التالية:
أولًا: إن كثيرًا من طلاب الجامعات، والدراسات العليا والحلقات العلمية يُكررون سؤالًا مفاده: لم لا يُكثر أساتذة أصول الفقه من الأمثلة على القاعدة الأصولية التي يشرحونها؟ ولِمَ لا تُربط الأحكام الفقهية بقواعدها الأصولية من قبل أساتذة الفقه؟ فأردتُ بهذا المصنَّف أن أفعل ذلك. ثانيًا: أن كثيرًا من الناس يسأل عن مصلحة هذا الحكم أو ذاك؟ وما الفرق بينه وبين غيره؟ وما سبب الخلاف في هذه المسألة أو تلك؟ فأردت بهذا المصنَّف أن أبيِّن ذلك. ثالثا: أن أكثر الأحكام الموجودة في "الروض المربع" لم تُربط بقواعدها الأصولية، ولم يُستدلّ عليها بشيء، وإن استُدلَّ فهو استدلال مجملٌ ونادر.
ونهجتُ في تأليفي له ما يلي:
أولًا: أكتب نصَّ "الروض المربع" في أعلى الصفحة، ثم أضع خطًا، ثم أشرح وأبين تحت ذلك الخط. ثانيًا: أضع عنوانًا للباب تحت ذلك الخط، وفي وسط السطر، ثم أقول: "وفيه مسائل" وأذكر عددها، ثم أضع رقمًا في نهاية عبارة وجملة من نص "الروض المربع"، ثم أضع نفس هذا الرقم في أول السطر -في الشرح- ثم أقول بعد ذلك "مسألة" هكذا: [(١) مسألة: … ] ثالثًا: أذكر في أول المسألة القول الراجح فيها، مُصوِّرًا إياها بأسلوب عصري مفهوم، ثم أذكر القواعد الأصولية المستدل بها لها، ثم أبيِّن المقصد الشرعي من الحكم المذكور في المسألة موضحًا المصلحة أو دفع المفسدة التي تضمِّنها ذلك الحكم بصيغة السؤال والجواب هكذا: [فإن قلت: لِمَ، وجب، أو استُحب أو حُرِّمَ أو كُره، أو أبيح، أو شُرع؟ قلتُ:
стр. 3
للمصلحة وهي كذا وكذا … ]، ثم بعد ذلك أذكر القول المرجوح وما اعتُمد فيه من قواعد -إن وُجد ذلك- سواء كان هذا القول من المصنِّف أو من غيره، ثم أُجيب عنه، ثم أفرق بين مسألتين متشابهتين إن لزم الأمر، ثم أذكر سبب الخلاف الخاص بهذه المسألة -وهذا كله بصيغة السؤال والجواب- كما سبق، ثم أذكر تنبيهات أُنبِّه فيها على ما وقع من كلام المصنف من سهو أو خطأ- إن وُجد شيء من ذلك في تلك المسألة- ثم أذكر فوائد في بيان لفظة، أو اشتقاق كلمة أو نحو ذلك إن لزم الأمر، كل ذلك في مسألة واحدة، ولكن باختصار شديد، ثم أبدأ بالمسألة التي تليها فأفعل فيها كذلك. رابعًا: زدتُ بعض المسائل والفروع التي يحتاجها الناس اليوم وأدخلتها بما يُناسبها من المسائل، أو بعدها مباشرة. خامسًا: حاولتُ: أن يكون الكلام مركَّزًا على المفيد فقط، وتركتُ الواضح من كلام المصنف؛ اختصارًا، وإقلالًا للألفاظ مع تكثير المعاني والمقاصد؛ لتيسير الاستفادة منه. وقديمًا قيل "خير الكلام ما قلّ ودلّ، ولم يُطل فيُملُّ". سادسًا: وضعتُ فهرسًا للمسائل والموضوعات في آخر كل مجلد، ثم وضعتُ فهارس عامة في آخر المجلد الأخير، ومنها فهرس للقواعد الأصولية المستدل بها؛ ليسهل أخذ أمثلة كل قاعدة من الفروع.
هذا ما عملته في هذا الكتاب فأرجو من الله العلي القدير أن يجعله إلى يوم القيامة باقيًا، وللذنوب ماحيًا، وأن ينفع به مؤلِّفه، وقارئه، وكل من ساعد على نشره، وما أردتُ بهذا وبغيره إلا تعليم الناس الخير، والنّصح لهم؛ ليعبدوا الله على بصيرة، ويقوموا بتوجيه الآخرين بذلك، لعلِّي بذلك أنال الأجر والثواب من الواسع الوهاب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليه المآب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الأستاذ بكلية الشريعة بالرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شرح صدر من أراد هدايته للإسلام، وفقَّه في الدِّين من أراد به خيرًا، وفهمه فيما أحكمه من الأحكام، أحمده أن جَعَلنا من خير أمة أخرجت للناس، وخلع علينا خُلعة الإسلام خير لباس، وشرع لنا من الدِّين، ما وصَّى به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، وأوحاه إلى محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وأشكره -وشكر المنعم واجب على الأنام- واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله المبعوث لبيان الحلال والحرام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وتابعيهم الكرام، أمَّا بعد: فهذا شرح لطيف على "مختصر المقنع" للشيخ الإمام العلامة والعمدة القدوة الفَّهامة هو شرف الدِّين أبو النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم ابن عيسى المقدسي الحجَّاوي ثم الصالحي الدمشقي، تغمَّده الله برحمته، وأباحه بحبوحة جنته، يُبَيِّن حقائقه، ويوضح معانيه ودقائقه مع ضم قيود يتعين التنبيه عليها، وفوائد يُحتاج إليها، مع العجز وعدم الأهلية لسلوك تلك المسالك، لكن ضرورة كونه لم يُشرح: اقتضت ذلك، والله المسؤول بفضله أن ينفع به كما نفع بأصله.
وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وزُلفى لديه في جنات النعيم المقيم (بسم الله الرحمن الرحيم) أي بكل اسم للذات الأقدس، المسمَّى بهذا الاسم الأنفس، الموصوف بكمال الإنعام وما دونه، أو بإرادة ذلك: أؤلّف مستعينًا أو ملابسًا على وجه التَّبرُّك (١)، وفي إيثار هذين الوصفين المفيدين للمبالغة في الرحمة: إشارة
الافتتاحية والديباجة
وفيها ثنتان وعشرون مسألة:
(١) مسألة: يُستحب أن يبدأ المصنفون كتبهم بـ "بسم الله" وكذلك غيرهم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن كتاب الله قد بُديء بالبسملة فكذلك الكتب الأخرى مثله والجامع أن كلًا منهما كتبٌ فيها منافع، فإن قلتَ: لم شُرِع هذا؟ قلتُ: =
стр. 5
لسبقها، وغَلَبَتِها من حيث ملاصقتها لاسم الذات، وغلبتها من حيث تكرارها على أضدادها وعدم انقطاعها (٢)، وقُدِّم "الرحمن" لأنه علم في قول، أو كالعَلم: من حيث إنه لا يُوصف به غيره تعالى؛ لأن معناه: المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره، وابتدأ بها؛ تأسِّيًا بالكتاب العزيز، وعملًا بحدبث "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" أي: ناقص البركة، وفي رواية: "بالحمد الله" فلذلك جمع بينهما (٣) فقال: (الحمد الله) أي: جنس
= للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحصول على بركة البداءة بهذا الاسم الأعظم الذي لم يُتَسمَّ به أحد، هذا إن كانت "الباء" للملابسة، وإن كانت للاستعانة: فهو يستعين بهذا الاسم على إنجاز أي عمل يُبدأ به، و "الباء" هنا لهما معًا، والتقدير: "بسم الله حال كوني مستعينًا بذكره متبركًا باسمه"، وقد تكلمت عن هذا بالتفصيل في مقدمة كتاب: "الإتحاف".
(٢) مسألة: ذكَرَ "الرحمن" و "الرحيم" المشتقَّين من "رحمة واحدة" بعد ذكر اسم الجلالة "الله" للقياس، بيانه: كما أن اسم الذات -وهو: الله- لا ينفكُّ عنه سبحانه فكذلك "الرحمن" و "الرحيم" لا ينفكان عنه سبحانه، والجامع أن كلًا منهما يحتاجه العبد؛ إذ "الله" مشتق من "الوَله" لكون العباد يأهلون إليه في قضاء حوائجهم، ورحمته، تتكرر ولا تنقطع عن أيِّ عبد، حيث إن الله أرحم بالعبد من نفسه، فتكون رحمته غالبة، فالصقت باسم الذات -وهو: الله- فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة وهي: بيان أن رحمة الله وسعت كل شيء وأن العبد لا يمكنه العيش في الدنيا والآخرة بلا رحمة الله، فيجب أن يسألها منه سبحانه.
(٣) مسألة: قدَّم "الرحمن" على "الرحيم"؛ للتلازم؛ حيث إن معنى "الرحمن" هو ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، ولا يوصف بها غيرُه، ولا يصدق على غيره، فهو صاحب الرحمة الحقيقية، فيلزم من وصول رحمته إلى غاية لا يمكن أن يصل إليها غيرُه: تقديم لفظ "الرحمن" على "الرحيم" لاختصاصها به سبحانه، =
стр. 6
الوصف بالجميل، أو كل فرد منه مملوك أو مستحق للمعبود بالحق المتَّصف بكل كمال على الكمال، و "الحمد": الثناء بالصفات الجميلة، والأفعال الحسنة: سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، وفي الاصطلاح: فعل يُنبيء عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره، و "الشكر" لغة: هو الحمد اصطلاحًا، واصطلاحًا: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه لما خُلِق لأجله، قال الله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤)، وآثر لفظة الجلالة دون باقي الأسماء كالرحمن والخالق؛
= ولذلك تجد لفظ "الرحمن" لا يُثنَّى ولا يُجمع، بخلاف "الرحيم". تنبيه: استدلال المصنف بما روي عنه ﷺ أنه قال: "كلُّ أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله" وفي رواية: "بالحمد الله" لا يصح؛ لأن الحديث ضعيف، وقد أطال الألباني في بيان ضعفهما في الإرواء (١/ ١٩ و ٢١).
(٤) مسألة: يُستحب للمصنفين وغيرهم أن يحمدوا الله -بعد البسملة- في بداية أي عمل، لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وصُرف عنه إلى الاستحباب بالسنة الفعلية، حيث إنه ﷺ كان لا يُداوم على الحَمْدَله في كل خطبه، الثانية: القياس، بيانه: كما أن القرآن قد ذكر فيه الحَمْدَله بعد البسملة، فكذلك غيره مثله، والجامع: أن كلًا منها كتب فيها منافع، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في الحمد في بداية أيِّ عمل زيادة في نفع هذا العمل وبركة فيه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. [فرع]: يجتمع "الحمدُ" و "الشكرُ" في أنَّ كلًا منهما ثناء في مقابلة نعمة، ويفترقان: بأن "الحمد" يكون ثناء على الله تعالى بسبب كل إنعام سواء كان على الحامد أو على غيره، فهو تصرُّف مشعرٌ بتعظيم المنعم؛ لكونه منعمًا مطلقًا، وهذا يكون بالقلب وهو: اعتقاد كونه موصوفًا بالكمال على الكمال الذي هو عليه، ويكون باللسان، وهو أن يذكر =
стр. 7
إشارة إلى أنه كما يُحمد لصفاته يُحمد لذاته، ولئلا يُتوهَّم اختصاص استحقاقه الحمد بذلك الوصف دون غيره (حمدًا) مفعول مطلق، مُبيِّن لنوع الحمد؛ لوصفه بقوله: (لا يَنْقَد) بالدال المهملة وفتح الفاء: ماضيه: نَفِدَ بكسرها أي: لا يفرغ (أفضل ما ينبغي) أي: يُطلب (أن يُحمد) أي: يُثنى عليه ويوصف، و "أفضل" منصوب على أنه بدل من "حمدًا" أو صفته، أو حال منه، و "ما" موصول اسمي، أو نكرة موصوفة، أي: أفضل الحَمْد الذي ينبغي، أو أفضل حَمْدٍ ينبغي حمده به (٥)
= ألفاظًا دالة على اتصافه بصفات الجلال، كقول المكلَّف: "أحمد الله الذي لا إله إلا هو"، ويكون بالجوارح، وهو: أن يأتي بأفعال دالة على ذلك كالتصدُّق، وعمل نوافل وطاعات، وهذا تعريف "الحمد" اصطلاحًا، ويمكن أن يُعرَّف "الشكر" به لغة، أمَّا "الشكر" فهو: ثناءٌ على الله بسبب إنعامه على الحامد فقط: من سَمْعٍ وبَصَر، وغِنى، وصحة ونحوها، لذلك قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ فيكون -بناء على ما سبق-: "الحمد" أعم من "الشكر" حيث يكون "الحمد" مع الإنعام عليك وعدمه، أمَّا "الشكر" فلا يكون إلا مع ما أنعم الله عليك فقط، وقد أطال ابن القيم في "مدارج السالكين" (٢/ ٢٤٦) والتفتازاني في "شرح التلخيص" (٣٢١) الكلام عن ذلك.
(٥) مسألة: قُرن "الحمد" بلفظ الجلالة -وهو: "الله"- حيث يُقال دائما "الحمد لله" ولا يُقرن بغير ذلك الاسم فلا يُقال: "الحمدُ للرحمن" أو "الحمدُ للخالق" ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن "الله" أخصُّ أسماء الله تعالى، وهُو الاسم الأعظم من أسمائه؛ لعدم مشاركة غيره له فيه وأن الحمد لذاته سبحانه مستمر له لا ينقطع؛ لعدم انقطاع نعمه وأفضاله التي لا تنْفَد ولا تفرغ فلزم من ذلك إلصاق وقرن الحمد بأخص أسمائه وهو: "الله" فإن قلتَ: لِمَ ورد هذا؟ قلتُ: لأجل أن يعتقد المكلَّف: أن الله تعالى محمود قبل حمد الخلق له، وليس بحاجة إلى حمدهم، =
стр. 8
(وصلى الله) قال الأزهري: معنى "الصلاة" من الله تعالى: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: التضرع والدعاء (وسلَّم) من السلام، بمعنى: التحية، أو السلامة من النقائص والرذائل، أو الأمان، والصلاة عليه ﷺ مُستحبة تتأكد يوم الجمعة وليلتها، وكذا كلَّما ذُكر اسمه، وقيل بوجوبها إذًا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وروي: "من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" (٦)، وأتى بـ "الحَمْد" بالجملة
= ولكن مصلحتهم اقتضت حمده سبحانه، فإن قلتَ: إذا كان الأمر كذلك فلِمَ ذكر هذا هنا؟ قلتُ: للرَّد على من زعم أنه سبحانه لا يحمد إلا إذا اتصف بالرحمة أو الخلق أو نحوهما، لذا قرَّر أهل السنة والجماعة: وجوب حمد المسلم لربه في جميع الأحوال، فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وما يصيب المسلم من مصائب في الظاهر فقط، وهي مصالح، ولكن العبد عجز أن يُدرك تلك المصالح، فيجب أن يحمد المسلم الله على كل شيء، وسيجد الخير بين يديه وهذا التقرير يكون صحيحًا على اختلاف إعراب "حمدًا" و "أفضل" و "ما" كما ذكر المصنف.
(٦) مسألة: يُستحب للمصنفين وغيرهم ممن يبدأون أعمالًا: أن يُصلُّوا على النبي ويُسلموا عليه قائلين: "وصلى الله وسلم على نبينا محمد" -وذلك بعد البسملة والحمدله- وأن يفعلوا ذلك في كل وقت لكن تتأكد هذه الصلاة والسلام عليه في أوقات ثلاثة هي: "يوم الجمعة" و "ليلة الجمعة" و "كلما ذكر اسم النبي ﷺ "، وتجب الصلاة عليه مرة واحدة في العمر؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وهذا أمر بالصلاة على النبي، وهو مطلق، فيقتضي الوجوب، ولا يقتضي التكرار فتكفي المرة الواحدة. الثانية: السنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "من =
стр. 9
الاسمية الدالة على الثبوت والدَّوام؛ لثبوت مالكية الحمد واستحقاقه له أزلًا وأبدًا (٧) وبـ "الصلاة" بالفعلية الدالة على التجدد أي الحدوث؛ لحدوث المسؤول وهو: الصلاة أي: الرحمة من الله (٨) (على أفضل المصطفين محمد) بلا شك؛ لقوله
= صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا" وهذا عام في الأوقات والأمكنة؛ لأن "مِنْ" الشرطية من صيغ العموم، ثانيها: قوله ﷺ : "أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة" والليلة تابعة لليوم، وصرفه إلى الاستحباب الحديث الذي قبله؛ حيث لا يلزم منه الوجوب. ثالثها: قوله ﷺ : "فلا أذكر عند مسلم فيصلي علي إلا قال ملكان غفر الله له"، فإن قلتَ: لم استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن الصلاة على النبي سبب لحصول البركة في العمل، ولاستجابة الدعاء، ولإزالة الهموم والغموم، ولجلب الرزق، وتكثير الحسنات كما ورد. تنبيه: استدلال المصنف بما روي أنه قال: "من صلى علي في كتاب … " لا يصحُ، لأن الحديث ضعيف وقيل: إنه موضوع: فائدة: المراد بـ "السلام" هو: إلقاء التحية المعروفة أو الدعاء له بالسلامة من النقائص والرذائل، وطلب الأمان من الله له، وإبعاد الخوف كما ورد ذلك في "الصحاح" (٥/ ١٩٥١) وتفسير القرطبي (١٤/ ٢٣٧).
(٧) مسألة: ذكَر "الحمد" بالقرآن بالجملة الاسمية دون الفعلية في الفاتحة فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ للتلازم حيث يلزم من كون الحمد حقٌ له سبحانه ثابت على الدوام مستحقه قديمًا وحديثًا، ومستقبلًا لاستمرار النعم على عبيده: فناسب أن يُعبَّر ذلك بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، حيث إنه محمود قبل حمد الحامدين.
(٨) مسألة: ذُكِرت "الصلاة على النبي" بالقرآن بالجملة الفعلية دون الاسمية، حيث قال تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حدوث =
стр. 10
ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، وخص ببعثه إلى الناس كافة، وبالشفاعة والأنبياء تحت لوائه، و "المصطفون" جمع مصطفى، وهو: المختار: من "الصفوة" و "طاؤه" منقلبة عن "تاء" (٩)، و "محمَّد"، من أسمائه ﷺ ، سمي به؛ لكثرة خصاله الحميدة، سمِّي به قبله سبعة عشر شخصًا على ما قاله ابن الهائم عن بعض الحفاظ، بخلاف "أحمد" فإنه لم يُسمَّ به قبله (١٠) وعلى آله) أي: أتباعه على دينه،
= الشيء المدعو والمطلوب تجدُّده وهو: "الصلاة" التي هي: الرحمة من الله المقرونة بالتعظيم: أن يُعبِّر عنه بالجملة الفعلية؛ لكون الفعل يدلُّ على حدوث شيء لم يكن من قبل.
(٩) مسألة: النبي ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين المصطفين والمختارين من قبل الله تعالى؛ للتلازم؛ حيث إن إرساله إلى جميع الناس، واختصاصه بالشفاعة العُظمى، وهو: المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وكون الأنبياء جميعًا تحت لوائه: يلزم منه: أن يكون أفضل الخلق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، وقال ﷺ : "وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصَّة، وبُعثت إلى الناس كافَّة" وقال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ. آدم ومن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، فإن قلتَ: لم عَبَّر بالمصطفى؟ قلتُ: لأن هذا الاسم أدلّ لفظ على الاختيار، والخلاصة: مأخوذ من الصفوة، والاصطفاء: الاختيار -كما في "اللسان" (١٤/ ٤١٣) - فإن قلتَ: لم قُلِبت "التاء": طاء، حيث أن الأصل: "مصتفى"؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن "الصاد" من حروف الإطباق -وهو: إطباق اللسان على اللهاة- فلا يستطيع الناطق أن ينتقل بسرعة من "الصاد" إلى "التاء" فقُلِبت "طاء"؛ تسهيلًا للنطق.
(١٠) مسألة: ألهم الله عبد المطلب جدَّ النبي ﷺ : بأن يُسمّيه "محمَّدًا"؛ للتلازم؛ حيث إنَّ وَصْفَه بكونه محمودًا حمدًا أكمل من غيره، وأن حمده لربه كان قبل =
стр. 11
نصَّ عليه "أحمد"، وعليه أكثر الأصحاب، ذكره في "شرح التحرير" وقدَّمهم؛ للأمر بالصلاة عليهم (١١) وإضافته إلى الضمير جائزة عند الأكثر، وعمل أكثر المصنفين عليه، ومَنَعه جمعٌ: منهم: الكسائي، والنحاس، والزُّبيدي (١٢)
= حمد الناس له وأنه مستغرق لجميع المحامد، يلزم منه أن يُسمَّى بهذا -كما في "الصحاح" (٢/ ٤٦٦)، وتفسير البغوي (١/ ٣٥٨) - فائدة: ذكر ابن الهائم: أنه تسمَّى بهذا الاسم قبل النبي ﷺ سبعة عشر شخصًا، وذكر منهم السَّخاوي في "القول البديع" (ص ١٠٩) أربعة عشر أما "أحمد" فلم يتسمَّ به أحدٌ قبله ﷺ لكمال حمده الله تعالى.
(١١) مسألة: يُستحب لمن صلى على النبي: أن يُصلي على آله -وهم: أتباع النبي ﷺ من أهل دينه إلى قيام الساعة؛ - للقياس، بيانه: كما أنه يُصلى عليهم في التشهد الأخير؛ حيث قال ﷺ : "قولوا: اللهم صلِّ على محمد و على آل محمد" -فكذلك يُستحبُّ هنا، والجامع: الدعاء لهم وإكرامهم؛ نظرًا لصبرهم على القيام بهذا الدِّين خير قيام؛ وهذا هو المقصد منه فإن قلتَ: لِمَ فُسِّر "الآل" بأنهم الأتباع هنا؟ قلتُ: للاستعمال اللغوي؛ حيث إن لفظ "الآل" يُستعمل عند العرب في الأتباع جميعًا - كما في "المصباح" (٢٩)، و "الإعلام" (١/ ١١٢).
(١٢) مسألة: يجوز أن يُضاف "الآل" إلى الضمير، فيقال: "وآله" وهو مذهب أكثر أهل اللغة والشريعة؛ للقياس، بيانه: كما يجوز أن يُضاف إلى العَلَم فيُقال: "وآلُ محمد" فكذلك يجوز أن يُضاف إلى ضميره، والجامع: أن كلًا منهما لا يُخِلُّ بالمراد، فإن قلتَ: لا يجوز ذلك، وهو مذهب كثير من أهل اللغة فلا يقال: "وآله"؛ للتلازم؛ حيث إن "آل" متوغِّل في الإبهام، فيلزم منه: ألا يصح له الضمير، قلتُ: لا نسلم توغُّله في ذلك، بل هو واضح المرجع والمراد. فإن قلتَ =
стр. 12
(وأصحابه): جمع صاحب بمعنى الصحابي، وهو: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا، ومات على ذلك، وعطفهم على "الآل" من عطف الخاص على العام (١٣)، وفي الجمع بين "الصَّحب" و "الآل" مخالفة للمبتدعة؛ لأنهم يوالون "الآل" دون "الصحب" (ومن تعبَّد) أي: عبدَ الله تعالى، والعبادة: ما أُمر به شرعًا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي (١٤) (أما بعد) أي: بعد ما ذكر: من حمد الله، والصلاة
= ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الآل هل هو متوغِّل في الإبهام؟ " فعندنا: لا. وعندهم: نعم.
(١٣) مسألة: يُستحب لمن صلى على النبي وآله أن يصلي على الصحابة وهم: كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، هذا عند المحدثين؛ للمصلحة؛ حيث إن الصحابة أفضل هذه الأمة -بعد الأنبياء والرسل- وأبرُّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأكثرها إقامة للدين، وأعلمها بمقاصد الشريعة، فمن جلب المصالح الدعاء لهم بهذا، وقد فرَّقتُ بين تعريف الأصوليين للصحابي، وتعريف المحدثين في كتاب "مخالفة الصحابي للحديث النبوي"، فإن قلتَ: لم يذكر "الصحابة" مع أنهم داخلين في عموم لفظ "الآل"؟ قلتُ: للاهتمام بهم، وتعظيم شأنهم، وهو من باب: عطف الخاص -وهم الصحابة- على العام -وهم الأتباع-، وهذا الأسلوب تستعمله العرب للاهتمام بما ذكر ثانيًا لذا ورد في القرآن في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ مع أن جبريل ﵇ داخل ضمن الملائكة، ولكنه خصصه بالذكر للاهتمام به كما قال المفسرون.
(١٤) مسألة: أهل السنة والجماعة من المصنفين وغيرهم يجمعون بين ذكرهم "الآل" و "الصحب" فيقولون: "وآله وصحبه"؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "إن الله اختارني واختار لي أصحابًا وأصهارًا"، حيث إنه نكرةُ في سياق إثبات، فيكون مطلقًا، وهذا في جميع الصحابة، فيشمل قرابته كعلي وفاطمة وأولادهما وزوجاته، =
стр. 13
والسلام على رسوله، وهذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى غيره، ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات؛ اقتداء به ﷺ ؛ فإنه كان يأتي بها في خطبه وشبهها حتى رواه الحافظ عبد القاهر الرهاوي في "الأربعين" التي له عن أربعين صحابيًا، ذكره ابن قندس في "حواشي المحرَّر"، وقيل: إنها فصل الخطاب المشار إليه في الآية، والصحيح: أنه: الفصل بين الحق والباطل، والمعروف: بناء: "بعدُ" على الضم، وأجاز بعضهم تنوينها مرفوعة، ومنصوبة، والفتح بلا تنوين على تقدير المضاف إليه (١٥) (فهذا) إشارة إلى ما تصوُّره في الذهن، وأقامه مقام
= وغير هؤلاء من بقية الصحابة، أما غير أهل السنة والجماعة: فهم يذكرون "الآل" فقط قاصدين بهم: علي وفاطمة وأولادهما، دون غيرهم، فيوالونهم، ويتشيعون لهم، ولا يذكرون الصحابة. وهذا مخالف للصحيح كما قلنا، فإن قلتَ: لم شرع الجمع؟ قلتُ: لبيان أن الصحابة في رتبة واحدة في فضل الصحبة. [فرع]: لا يُصلَّى ولا يُسلَّم على غير الأنبياء إلا تَبَعًا، فيقال: "اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه" أما المنفرد -من غير الأنبياء- فلا يُصلى عليه" فلا يُقال: فلان ﵊؛ لقول الصحابي، حيث قال ابن عباس: "لا تنبغي الصلاة على أحد إلا على الأنبياء" فإن قلتَ: لم لا يُصلى على المنفرد؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه سدُّ للذرائع، وفيه إغلاق باب المبالغة في المدح أو إعطاء أحد أكثر من حقه. فائدة: العابد: هو الذي يمتثل أوامر الله ويترك ما نهى عنه من الأفعال والأقوال الثابتة بالأدلة المعتبرة، ولا يكون مصدر ذلك: العرف والعادة عند الناس، ولا العقل وما يقتضيه.
(١٥) مسألة: يُستحب لمن أراد أن يتكلم: أن يقول: "أمَّا بَعْدُ" -بعد البسملة والحمدله والصلاة على النبي وآله وصحبه- وبعدها يذكر ما يريده؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يستعمل هذا الأسلوب في خطبه ومكاتباته؛ فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن المتكلم يُعلِم السامع أنه سينتقل =
стр. 14
المكتوب المقروء الموجود بالعيان (١٦)، (مختصر) أي موجز، وهو: ما قلَّ لفظه وكثُر معناه، قال علي ﵁: "خير الكلام ما قلَّ ودلَّ، ولم يُطل فيُملَّ": (١٧) (في
= من مقَدِّمة كلامه والافتتاحية إلى قول مقصوده الأساسي من خطابه، فينتبه السامع لذلك ويستعد لفهم ما سيُقال بعدها، فإن قلتَ: إن "أَمَّا بَعْدُ" هي فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇ الوارد في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ حيث إن داود أول من قال: "أمَّا بعدُ" -كما في تفسير الطبري (٢٣/ ٧٩) - قلتُ: هذا بعيد؛ لأن فصل الخطاب المذكور في الآية هو: الفصل بين الحق والباطل كما قال كثير من العلماء المحققين؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لازم من لفظ "فصل الخطاب"، فإن قلتَ: لم تُضمُّ الدال من "بعدُ" دائمًا بدون تنوين مع أنه ورد تنوينها أو بالفتح بدون تنوين عن بعض أهل اللغة كما في "المحكم" (٢/ ٢٥) و "همع الهوامع" (٣/ ١٩٣)؟ قلتُ: إن الدال تُضم في غالب ذكرها؛ لأن "بعدُ" من الظروف المبنية على الضم، وهي منقطعة عن الإضافة، والعامل فيها "أمَّا" لنيابتها عن الفعل، وأصله: مهما يكن من شيء بعد الحمد والثناء كما في "الصحاح" (٢/ ١٤٨).
(١٦) مسألة: يجوز أن يُشير المصنف في مقدمة كتابه قائلًا: "فهذا" مع أنه لم يكتبه، ولكنه عزم على فعله؛ للقياس؛ بيانه: كما أنَّ المصنِّف يُشير إلى كتابه الموجود -وهو ما فرغ منه- فكذلك يجوز أن يفعل ذلك في الكتاب الذي عزم على فعله ولم يكتبه، والجامع: الوجود في كل؛ حيث إن الوجود نوعان: وجود عيني، ووجود تصورُّي ذهني، من باب معاملة المعدوم معاملة الموجود، وعادة المصنفين إذا فرغوا من تصنيفهم: كتبوا المقدمة، فتكون الإشارة عينية.
(١٧) مسألة: المختصر لغة: هو خلاصة الشيء، والموجز منه -كما في "الصحاح" (٢/ ١١٧٣)،- وهو في الاصطلاح: إقلال الألفاظ تأدية المعنى مع مراعاة =
стр. 15
الفقه) وهو لغة: الفهم، واصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالاستدلال بالفعل، أو بالقوة القريبة (١٨) (من مُقنع) أي: من الكتاب المسمَّى بـ
= لفظ الأصل الذي اختصر، وما هذا وصفه فهو خير الكلام كما قال علي وغيره من أهل اللغة والشريعة؛ للمصلحة؛ حيث إن الكلام المختصر يسهل حفظه، وحمله، والرجوع إليه بيُسر، وعدم تركه إلى غيره، فإن قلتَ: إن هذا فيه معنى الإيجاز والتهذيب. قلتُ: يوجد فرق بينها: فالاختصار كما سبق بيانه و "الإيجاز": إيجاز المعنى من غير رعاية للفظ الأصل الذي اختُصر، بخلاف الاختصار فلا بدَّ من مراعاة ذلك، أما "التهذيب" فهو: أعم منهما؛ حيث إنه تنظيم المعلومات وترتيبها مطلقًا، أي: سواء صاحبه اختصار، أو لا، وسواء راعى لفظ الأصل أو لا، فيكون -على هذا- "الاختصار" أدقها وأصعبها؛ لاجتماع إيجاز اللفظ مع مراعاة لفظ الأصل ومعناه، ثم يليه "الإيجاز"؛ لعدم مراعاة اللفظ؛ ثم التهذيب؛ لعدم مراعاة اللفظ والمعنى. وقد تكلمتُ عن هذا في مقدمة كتابي: "المهذَّب في أصول الفقه المقارن".
(١٨) مسألة: الفقه لغة: الفهم مطلقًا، أي: سواء كان الفاهم عالمًا أو لا، وسواء فهم المقصود من الفعل أو الكلام أولا: للاستقراء؛ حيث ثبت بعد تتبع النصوص: أن المراد بالفقه: إذا ورد في النصوص: الفهم كقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، وقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ وقوله ﷺ : "فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" والمراد من ذلك: الفهم، والفقه في اصطلاح الأصوليين والمجتهدين هو: "معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالاستدلال بالفعل، أو بالقوة القريبة" والمراد بـ "المعرفة" العلم الذي هو مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن، ولا يخصّ ذلك القطع؛ لكون أكثر الأحكام الفقهية ظنية لثبوتها بأدلة ظنية، و "الأحكام الشرعية": جمع حكم، والمراد: الحكم الشرعي الثابت بدليل شرعي معتبر، والمراد بـ =
стр. 16
"المقنع" تأليف (الإمام) المقتدى به شيخ المذهب (الموفق أبي محمد) عبد الله بن أحمد ابن محمد بن قدامة المقدسي، تغمده الله برحمته، وأعاد علينا من بركته (على قول واحد) وكذلك صنعتُ في شرحه، فلم أتعرض للخلاف؛ طلبًا للاختصار (وهو) أي: ذلك القول الواحد الذي يذكره ويحذف ما سواه من الأقوال -إن كانت- هو: القول (الراجح) أي: المعتمد (في مذهب) إمام الأئمة وناصر السنة أبي عبد الله: (أحمد) بن محمد بن حنبل الشيباني، نسبة لجده "شيبان" بن ذهل بن ثعلبة، والمذهب في الأصل: الذهاب أو زمانه أو مكانه، ثم أُطلق على ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلًا به، وكذا: ما جرى مجرى قوله من فعل أو إيماء ونحوه (١٩) (وربما حذفتُ منه
= " الفرعية": العملية، وهي: أحكام الفقه، وهذا شامل للقواعد الأصولية؛ لأنها وسيلة إلى العمل؛ إذ لا يُراد منها العلم فقط، بل العلم والعمل بالقاعدة، وتكون هذه المعرفة أو هذا العلم ثابت لذلك الشخص بواسطة الاستدلال والنظر بالفعل والمباشرة منه حال سؤال السائل عن المسألة، أو يكون ذلك بالقوة القريبة: بأن يكون عنده التهيؤ والاستعداد الذهني والقدرة على استنباط حكم المسألة بنفسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود تلك الشروط في تعريف الفقه: أن يكون من توفرت فيه فقيهًا يستطيع استنباط الأحكام للحوادث المتجددة، بخلاف من حفظ الأحكام، وقد فصَّلتُ القول في ذلك في كتابي: "المهذب" و "الإتحاف".
(١٩) مسألة: لقد اهتم علماء الحنابلة بكتاب: "المقنع في الفقه" لابن قدامة، ومنهم أبو النجا الحجَّاوي؛ حيث اختصره بكتاب سمَّاه: "زاد المستقنع باختصار المقنع"، ثم شرح البهوتي "الزاد" شرحًا موجزًا جدًا بكتاب سمَّاه: "الروض المربع"، وهو هذا الكتاب الذي أقوم بشرحه وتنزيل فروعه على قواعد الأصول. فإن قلتَ: لم اهتم أكثر الحنابلة بالمقنع؟ قلتُ: لأنه أكثر الكتب جمعًا للفروع، والمسائل مع اختصار غير مخل -كما قال المرداوي في "الإنصاف"- وهو على رأي قد رجحه =
стр. 17
مسائل): جمع مسألة: من السؤال، وهي: ما يبرهن عنه في العلم (نادرة) أي: قليلة (الوقوع)؛ لعدم شدة الحاجة إليها (وزدتُ) على ما في "المقنع" من الفوائد (ما على مثله يُعتمد) أي: يُعوَّل؛ لموافقته الصحيح (٢٠)؛ (إذ الهمم قد قصُرت) تعليل لاختصاره "المقنع" و "الهمم": جمع هِمَّة -بفتح الهاء وكسرها- يُقال: "هممتُ بالشيء": إذا أردته (والأسباب) جمع سبب، وهو: ما يُتوصل به إلى المقصود (المثبِّطة) أي: الشاغلة (عن نيل) أي: إدراك (المراد) أي: المقصود (قد كثُرت)؛ لسبق القضاء بأنه "لا يأتي عليكم زمان إلا وما بعده شرُّ منه حتى تلقوا ربَّكم" (و) هذا المختصر (مع صِغَر حجمه حوى) أي: جمع (ما يُغني عن التطويل)؛ لاشتماله على جُلّ المهمّات التي يكثر وقوعها ولو بمفهومه (٢١) (ولا
= الإمام أحمد بدليل ومات على ذلك: سواء كان نصًا منه أو إشارة، أو إيماء، أو تخريجًا، أو قياسًا على مذهبه، وهذا هو المذهب في عرف العلماء، حيث إنه مِنَ. الذهاب. تنبيه: قوله: "وأعاد علينا من بركته" أو قول غيره: "ببركة الشيخ": لا يصح؛ سدًا للذرائع؛ حيث إن إطلاق مثل هذه العبارات قد تؤدي إلى التبرك بالشيوخ والأولياء ونحوهم حتى بعد مماتهم، وهذا قد يُفضي إلى الشرك بالله تعالى. فائدة: المذهب يطلق على الزمان ومنه قولهم: "هذا اليوم مذهب فلان إلى السوق" أي: زمن ذهابه إليه، ويطلق على المكان ومنه قولهم: "هذا الطريق مذهب فلان" أي مكان ذهابه كما في "اللسان" (١/ ٣٩٤).
(٢٠) مسألة: منهج الحجاوي في اختصار كتاب المقنع كالتالي: أولًا: أنه اقتصر على ذكر مذهب واحد فقط، وهو الراجح عند الإمام أحمد، ثانيًا: أنه زاد مسائل يحتاج إليها أكثر الناس. ثالثًا: أنه حذف من "المقنع" ما لا يحتاجه الناس من المسائل.
(٢١) مسألة: سبب اختصار الحجاوي للمقنع يرجع إلى أمرين: أولهما: ضعف همم وعزائم الناس في وقته وانشغالهم عن طلب العلم والصبر عليه ثانيهما: =
стр. 18
حول ولا قوة إلا بالله) أي: لا تحوُّل من حال إلى حال ولا قوة على ذلك إلا بالله، وقيل: "لا حول عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله"، والمعنى الأول أجمع وأشمل (وهو حسبنا) أي: كافينا (ونعم الوكيل) ﷻ أي: المفوض إليه تدبير خلقه والقائم بمصالحهم، أو الحافظ، و "نعم الوكيل" إما معطوف على "وهو حسبنا" والمخصوص محذوف، أو على "حسبنا" والمخصوص هو الضمير المتقدم. (٢٢)
= أن كتاب الزاد مع اختصارهُ يغنيهم عن غيره من كثير من المطولات؛ لاشتماله على أكثر المسائل التي تهم المكلّفين سواء كان ذلك بمنطوق المسائل، أو بمفهومها.
(٢٢) مسألة: يُستحب لأيِّ متكلّم في كتاب أو غيره أن يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" ويقول: "وهو حسبُنا ونعم الوكيل"؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أخبر أن كلمة: "لا حول ولا قوة إلا بالله" كنز من كنوز الجنة من كرَّرها في شؤونه فاز وأُعين في أموره، ثانيهما: أنه ﷺ قال: "حسبُنا الله ونعم الوكيل" حينما أخبر بأن الناس قد جمعوا له، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة للمكلف إذا قالهما بإذن الله. هذه آخر مسائل الافتتاحية والديباجة ويلي ذلك كتاب الطهارة وأوله: "حقيقة الكتاب والطهارة والمياه المتطهر بها".
стр. 19
كتاب الطهارة
(كتاب): هو من المصادر السَّيَالة التي توجد شيئًا فشيئًا، يُقال: "كتبتُ كتابًا وكتبًا وكتابة" وسُمِّي المكتوب به مجازًا، ومعناه لغة: الجمع: من "تكتَّب بنو فلان": إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل "كَتْيبَة" و "الكتابة بالقلم"؛ لاجتماع الكلمات والحروف، والمراد به هنا "المكتوب" أي: هذا مكتوب جامع لمسائل (الطهارة) مما يوجبها، ويُتطهر به ونحو ذلك (١)، بدأ بها؛ لأنها مفتاح الصلاة التي هي آكد أركان
كتاب الطهارة
حقيقة الكتاب والطهارة والمياه المتطهَّر بها
وفي ذلك إحدى وخمسون مسألة:
(١) مسألة: الكتاب لغة: الجمع والضم، ومنه قولهم: "تكتب بنو فلان" إذا اجتمعوا وانضم بعضهم إلى بعض، ومن ذلك مصطلح "كَتيْبَة" تطلق على جمع من الجنود في الجيش، ومصطلح "الكتابة" أو "الكتاب"؛ لكونه قد جُمع فيه الحروف والكلمات والفوائد، والكتاب إصطلاحًا هو: الجامع لمسائل بينها علاقة مشتركة، وهي مكتوبة فيه فـ "كتاب الطهارة" هو جامع لكل مسألة تخصُّ الطهارة؛ من شروطها، ونواقضها ونحو ذلك، ولفظ "الكتاب" يُعتبر من المصادر السَّيَّالة - والمراد بذلك: التي توجد شيئًا فشيئًا، أي: يوجد مصدر بعد مصدر فيُقال: "كتبتُ كتابًا وكتبًا وكتابة" مثل "الكلام" يُقال: "تكلمتُ كلامًا وكلمًا، وكلمات" ومنها "الصياغة" و "الخياطة" ونحو ذلك؛ للاستعمال اللغوي؛ حيث إن العرب تستعمل ذلك في لسانها -كما في "اللسان" (١/ ٦٩٨) و "المصباح" (٢/ ٥٢٤) - فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي بـ "الكتاب" مع أنه مكتوب؛ حيث إنه كتب باليد كالمقتول؟ قلتُ: إن الاستعمال الحقيقي لذلك: أن يُسمَّى "مكتوبًا"، وسُمِّيَ "كتابًا" عن طريق المجاز؛ =
стр. 20
الإسلام -بعد الشهادتين- ومعناها لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار، مصدر: "طهُر" "يطهُر" -بضم الهاء فيهما- وأما "طهر" -بفتح الهاء: فمصدره: "طهرًا": كَحَكَم حكمًا، وفي الاصطلاح: ما ذكره بقوله: (وهي: ارتفاع الحدث) أي: زوال الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها (وما في معناه) أي معنى ارتفاع الحدث: كالحاصل بغسل الميت، والوضوء والغسل المستحبَّين، وما زاد على المرة الأولى في الوضوء ونحوه وغسل يدي القائم من نوم الليل ونحو ذلك، أو بالتيمم عن وضوء أو غسل (وزوال الخبث) أي النجاسة أو حكمها بالاستجمار، أو بالتيمم في الجملة على ما يأتي في بابه، فالطهارة: ما ينشأ عن التطهير، وربما أطلقت على الفعل كالوضوء والغسل، (٢)
= حيث إنه مصدر، وهذا من باب تسمية المفعول بالمصدر، ونُسِيَت الحقيقة كالغائط -كما سيأتي في الاستنجاء.-
(٢) مسألة: الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار والأدناس حسِّية كانت كالأنجاس، أو معنوية كالعيوب؛ يُقال: "الثوب طاهر" أي: نظيف، ويُقال: "فلان طاهر" أي: خالي عما يُدنسه من العيوب، ولفظ "الطهارة" مصدر "طهر" -بفتح الهاء وضمها- للاستعمال اللغوي؛ حيث إنه ورد عن العرب أنها تستعمل ذلك في لغتها ولسانها -كما في "اللسان" (٤/ ٥٠٤) و "المصباح" (١/ ٣٧٩) - والطهارة في الاصطلاح هي: "ارتفاع الحدث، وما في معناه وزوال الخَبَث" والمراد منه: أن المسلم إذا أحدث -كأن أخرج غائطًا أو بولًا أو ريحًا أو منيًا، أو حاضت امرأة أو نَفَست، وهو الوصف المانع من صحة الصلاة والطواف، وأراد الصلاة أو الطواف أو مسَّ المصحف -مما لا يُفعل إلا بالطهارة- فيجب عليه أن يتطهَّر بشروط وأوصاف سيأتي ذكرها -لأجل أن يرفع ذلك الحدث، وذلك إما بالوضوء، أو بالغسل، أو بالبدل عنهما، وهو التيمم- عند عدم الماء أو العجز =
стр. 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن استعماله - وكذلك إذا أصابت نجاسة بدنه أو ثوبه أو المكان الذي يُريد أن يُصلي فيه: فإنه لا تصحُّ صلاته إلا إذا أزال تلك النجاسة والخبث، فهذه هي الطهارة الحقيقية، فإن قلتَ: لِمَ قال: "وما في معناه"؟ قلتُ: ليُبيِّن أن هناك صورًا تُطلق عليها الطهارة ولكن هذا الإطلاق مجازي، منها: "غسل الميت" فإنه يُغسل كغسل الجنابة، ولا يرفع حَدَثه، ومنها: "تجديد الوضوء" فإن المسلم يكون على طهارة ولكن أراد أن يُجدد هذا الوضوء، ومنها: "غُسل يوم الجمعة" أو "غُسل الإحرام" فإنه يفعل ذلك مع أنه على طهارة أحيانًا، ومنها: "الغَسْلة الثانية والثالثة للعضو الواحد من أعضاء الوضوء الأربعة فإنه يفعل مع أن طهارته قد تمَّت، ومنها "التيمُّم" فإنه يُفعل أنه لا يرفع الحدث، فما يفعله المسلم في هذه الصور تُسمى طهارة لكن هذه التسمية مجازية؛ لكون التطهر فيها جاء على صورة الطهارة فقط وإن لم ترفع حدثًا؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء استعمال الطهارة: أنها قسمان: أولهما طهارة حدث، وهي تختص بالبدن، وتكون الطهارة منه بالغُسل، أو الوضوء، أو بالبدل عنهما عند تعذُّرهما وهو التيمم، ثانيهما: طهارة حَبَث -وهي النجاسة- وهي التي تكون في البدن، أو الإناء أو الثوب أو المكان، وتكون الطهارة منه: بالغسل، أو المسح، أو النضح، ولا ثالث لهذين القسمين للطهارة الحقيقية، أما غير ذلك فتسمَّى طهارة مجازية كما سبق. فإن قلتَ: لمَ عبَّر الفقهاء عن طهارة الحدث بـ "ارتفاع الحدث" وعن الخبث والنجاسة بـ "زوال الخبث"؟ قلتُ: لأنه يُحكم شرعًا على الحدث -بعد الطهارة- بأنه قد ارتفع وإن لم نر شيئًا؛ حيث إنا قد فعلنا ما أمر به الشارع، أمَّا "الخبث" و "النجس" فإنا نحكم بزواله حِسًّا؛ حيث إنه أمر محسوس؛ لكون الإزالة لا تكون إلا في الأجرام غالبًا -وهي النجاسات التي تكون في الثوب أو البدن أو المكان- فنراها ونرى زوالها، وهذا التفريق جاء من باب التلازم وهو واضح. فائدة: الطهارة في =
стр. 22
(المياه) باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع (ثلاثة) (٣) أحدها: (طهور) أي: مُطهِّر، قال
= الأصل تُطلق على أثر الوضوء والغُسل، وإذا أُطلقت على نفس فعل الوضوء والغُسل: فهو خلاف الأصل؛ للتلازم؛ حيث إن المسلم إذا توضأ أو اغتسل يلزم منه أن يُطلق عليه أنه متطهر؛ بخلاف من كان متلبسًا بالوضوء والغسل، فإن قلتَ: لِمَ يبدأ الفقهاء كتبهم بالطهارة؟ قلتُ: لقاعدتين: الأولى: قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" حيث إن الصلاة أكد وأعظم ركن -بعد الشهادتين- ولا تصح هذه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فقُدمت أحكامها لذلك، وأن تعظيم الله تعالى واجب، ولا يتمُّ إلا بالطهارة من جميع الأقذار والأدناس الحسية والمعنوية، وأن جميع العبادات والمعاملات وغيرها لا يُمكن أن تتم على الوجه الأكمل إلا بالطهارة الظاهرة -وهي طهارة البدن والثوب والمكان- وبالطهارة الباطنة -وهي: طهارة القلوب من الحقد والحسد والكذب والخيانة والنفاق والبغض ونحو ذلك- الثانية: المصلحة؛ حيث إن غسل الأعضاء خمس مرات في اليوم والليلة، والغُسل من الجنابة والحيض والنفاس يتسبب في وقاية المسلم من الأمراض، ويُعطي الجسم نشاطًا، فيُقبل على عباداته وأعماله بكل قوة، ويُفضي ذلك إلى إيجاد مجتمع خال من الأمراض والأوبئة.
(٣) مسألة: المياه ثلاثة أنواع: "ماء طهور" و "ماء طاهر" و "ماء نجس"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : في البحر لما سُئل عن التطهر به: "هو الطهور ماؤه" فالسائلون يعلمون أن ماء البحر طاهر؛ حيث إنهم يغسلون أبدانهم وثيابهم منه ولكنهم سألوا: هل يُطهِّر غيره؟ فأجابهم ﷺ بأنه يُطهر غيره، فيلزم من ذلك وجود ماء طاهر، وماء طهور، الثانية: التلازم؛ حيث إن الماء قسمان: أولهما: ما يجوز التطهر به وهو: الماء الطهور، ثانيهما: ما لا يجوز التطهر به وهو نوعان: الأول: "الماء الطاهر" وهو الذي لا يُطهِّر ولا يُنجِّس -كما ذكر القرافي في "الذخيرة" (١/ ١٧٤)، وهو المستعمل في الشرب =
стр. 23
ثعلب: "طَهور -بفتح الطاء- الطاهر في ذاته المطهر لغيره" أ. هـ، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (لا يرفع الحدث) غيره، والحدث ليس بنجاسة، بل معنى يقوم بالبدن يمنع الصلاة ونحوها، والطاهر: ضدُّ المحدث
= وغسل الأواني والثياب ونحوها، الثاني: "الماء النَّجس" وهو لا يطهر ويُنجِّس غيره، وهو لا يستعمل لشيء، فيلزم من هذا التقسيم: أن هناك "ماء طاهر" و "ماء طهور"، فإن قلتَ: إن الماء قسمان: "طهور" و "نجس" ولا يوجد "طاهر"؛ وهو رأي كثير من علماء الحنابلة وغيرهم؛ للاستصحاب؛ حيث لا يوجد دليل يُثبت "الماء الطاهر" فيبقى على النفي الأصلي. قلتُ: لقد ثبت وجود ماء طاهر بالسنة والتلازم وقد سبقا. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "اختلاف نظر العلماء إلى الماء" فمن قسَّم الماء إلى ثلاثة أقسام نظر إلى الماء من حيث التطهير والتنجيس والنفع العام، وتعدِّي ذلك وعدم ذلك؛ حيث إنهم سَمَّوا الماء الطاهر لغيره بـ "الطهور"، وسَمُّوا الماء الطاهر الذي لا يُنجِّس غيره من الثياب والأمكنة والأبدان بـ "الطاهر"، وسَمُّوا الماء الغير طاهر والذي يُنجس غيره من الثياب والأبدان والأمكنة بـ "النجس" ففرقوا بينها؛ لوجود هذا الفرق، حقيقة، أما من قسَّم الماء إلى قسمين: فإنه نظر إلى الماء الذي يُتطهر به وغيره فسمُّوا الماء الذي يُتطهر به بـ "الطهور" والماء الذي لا يُتطهر به بـ "النجس" وظاهر مثل هذا الخلاف: أنه لفظي، فإن قلتَ: لِمَ يبدأ الفقهاء الطهارة بالمياه؟ قلتُ: للتلازم؛ حيث إن كون الماء هو الأصل في التنظيف والتطهير وإزالة النجاسات؛ لما يتميز به من الرقة والدقة واللطافة وسرعة السيلان: يلزم منه أن يُبدأ بمباحثه، فإن عُدم فالتيمم؛ رخصة. فائدة: "المياه": جمع كثرة من "ماء"، وجمع القلة منه: "أمواه" وقد ذكرت التفريق بين جمع القلة والكثرة في كتابي: "أقل الجمع عند الأصوليين" وحاصله: أن جمع الكثرة: ما فوق العشرة، وجمع القلة هو: العشرة وما دونها، فائدة أخرى: "الماء" هو: جوهر سَيَّال بطبعه دقيق رقيق لطيف سريع الجريان والسيلان مُطهر مزيل لسائر النجاسات.
стр. 24
والنجس (ولا يُزيل النجس الطارئ) على محل طاهر فهو النجاسة الحكمية (غيره) أي: غير الماء الطهور، والتيمم مبيح لا رافع، وكذا: الاستجمار (٤) (وهو)
(٤) مسألة: الماء الطهور -وهو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره- هو الذي يرفع الحدث ويُزيل الخبث -وهي: النجاسة الطارئة- دون غيره من المائعات الأخرى -كالعصيرات والمشروبات الغازية والشاي والقهوة. القواعد الأولى: الكتاب وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث دلّ منطوق ذلك على أنه يُتطهر بالماء، فإن لم يكن فالتيمم ولا ثالث لهما، ودلَّ مفهوم التقسيم على أن غيرهما لا يُستعمل للطهارة؛ لكون المائعات الأخرى لا يُطلق عليها ماء ولا ترابًا لغةً ولا شرعًا، ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ حيث أثبت الطهورية للماء فقط؛ لخروج ذلك مخرج الامتنان، فلو شاركه غيره: لبطلت فائدة ذلك الامتنان، ودلَّ بمفهوم الصفة على أن غير الماء لا يُطهر، الثانية السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قال: "إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم تنضحه بماءٍ ثم تصلِّ فيه" وأيضًا: أمر ﷺ بصبِّ ذنوب من ماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد" حيث دل التقييد بالماء على أن الماء الطهور هو المزيل لأي نجاسة سواء كانت دمًا أو بولًا، أو غيرهما، من باب مفهوم الموافقة ودلَّ مفهوم التقييد بالماء هنا على أن غير الماء -من المائعات- لا يُزيل النجاسة الثالثة: الاستعمال العربي؛ حيث إن العرب يستعملون هذا اللفظ -وهو طهور- لشيء يزيد على الطاهر؛ لأن "فَعُول" هي صفة تزيد عن فاعل، وتكون الزيادة هي التعدي إلى تطهير غيره، فإن قلتَ: لمَ بُدي بالماء الطهور؟ قلتُ: لبيان أن الماء الطهور هو الأصل في طهارة وتنقية وتنظيف وإزالة كل القاذورات والأوساخ، وهو الذي يرفع الحدث حقيقة، دون غيره من المائعات، ولكن قد تسامح الشارع بالتيمم عند عدم الماء، والاكتفاء بالاستجمار بالأحجار المنقية؛ رخصة لدفع المشقة والحرج؛ لقلة المياه أو لمشقة استعماله، فهما -أي: التيمم والاستجمار- غير رافعين للحدث أو النجس حقيقة، وسيأتي الكلام عن ذلك، فإن قلتَ: لم قُيدت النجاسة بالطارئة؟ قلتُ: للاحتراز عن النجاسة =
стр. 25
أي: الطهور (الباقي على خِلْقَتهِ) أي: صفته التي خلق عليها: إما حقيقة: بأن يبقى على ما وُجد عليه: من برودةٍ أو حرارةٍ أو ملوحةٍ ونحوها، أو حكمًا كالمتغيِّر بمكث، أو طُحْلُب ونحوه مما يأتي ذكره (٥) (فإن تغيَّر بغير ممازج) أي: مخالط (كقطع كافور) وعود قماري (أو دهن) طاهر على اختلاف أنواعه، قال في "الشرح" وفي معناه: ما تغير بالقطران، والزفت والشمع؛ لأن فيه دهنية يتغيَّر بها الماء (٦)
= الأصلية كنجاسة الكلب والخنزير؛ حيث لا يمكن تطهيرهما ولو غُسلا مائة مرة بالماء أو بغيره من المنظفات.
(٥) مسألة: يُشترط في الماء الطهور: أن يكون باقيًا على صفته التي خُلق عليها، دون تغيير: سواء كان هذا البقاء حقيقة وواقعًا، أو كنا قد حكمنا شرعًا بظهوريته ولو وقع فيه شيء طاهر لا يمكن الاحتراز منه، وتغيَّر به: كطول مكثه أو سقوط أوراق الأشجار فيه ونحو ذلك -أو وجود "طحلب"- وهو شيء أخضر يعلو الماء؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ فقد وصف الماء بأنه طهور، والطهور -كما سبق- هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره؛ لكون "طهور" من الأسماء المتعدية. الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الماء طهور لا يُنجسه شيء" وقال ﷺ في البحر-: "هو الطهور ماؤه" ويُقال فيه كما قيل في الآية، وهذا لا يخلو من تغيرُّه بسبب طول بقاء أو نحو ذلك، فإن قلتَ: لم اشترط ذلك؟ قلتُ: لبيان أن الماء الباقي على أصل خِلْقَتهِ هو: الذي تتوفر فيه شروط التطهير والتنظيف، للكونه دقيقًا رقيقًا سريع السيلان مُزيلًا لجميع الأوساخ والأقذار، بخلاف غيره من المائعات -كماء الورد وماء الزعفران ونحوها- فإنه لا يُنظف، بل يزيد الأوساخ والأقذار؛ لما يتميز به من اللزوجة.
(٦) مسألة: يباح التطهر بماء وقع فيه شيء طاهر لا يختلط فيه، ولا يذوب فيه كقطعة من طيب لا تذوب -كالكافور أو عود قماري ونحوهما- أو أي شيء =
стр. 26
(أو بملحٍ مائي) (٧)
= فيه مادة دهنية تعلو على سطح الماء: سواء كان دهن حيوان أو أشجار - كالقطران- وهو عصارة الأرز بعد طبخه -والزفت- وهو: القار -والشمع- وهو: ما تنار به المصابيح -ونحو ذلك مما يتسبب في تغيير لون أو طعم أو ريح الماء؛ للقياس، بيانه: كما يباح التطهر بالماء المتغير بسبب وجود جيفة مجاورة له فكذلك يجوز التطهر بالماء المتغير بسبب وجود طيب أو دهن لا يذوب فيه، والجامع: التغيُّر بشيء لا يذوب ولا يختلط في كل، وعدم وجود نجاسة؛ فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس؛ إذ يكثر ما يقع في الماء من هذه الأمور، فلو منع الناس من التطهر به، أو كُره لهم ذلك: لأدَّى إلى الحرج والضيق، فإن قلتَ: يُكره التطهر به، أي: لو تطهر بغيره لكان أولى -وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم النجاسة فيه: جواز التطهر، ويلزم من تغيُّر الماء عن أصل خلقته: كراهة التطهر به، قلتُ: إن هذا التغير غير مؤثِّر في طهورية الماء فلا تلزم منه الكراهة، فإن قلتَ: ما سبب هذا الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "هل تغير الماء بسبب وجود طاهر فيه مؤثِّر فيه أو لا؟ " فعندنا أنه غير مؤثِّر ما دام أنه طهور، وعندهم: مؤثِّر.
(٧) مسألة: يجوز التطهر بالماء إذا وضع فيه ملح مائي وغيَّره، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فلم يُجز الشارع التيمم إلا إذا عدم الماء، وهنا الماء موجود، وهو عام للماء الحالي، وللذي كان ماء فتحوَّل إلى ملح؛ لأن "ماء" نكرة في سياق نفي وهي من صيغ العموم؛ والاستصحاب دل على ذلك أيضًا لكوننا نستصحب الحالة الأولى لهذا الملح، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس -كما سبق في مسألة (٦) - فإن قلتَ: يُكره التطهر به وغيره أولى؛ للتلازم وقد سبق بيانه والجواب عنه وبيان سبب الخلاف في مسألة (٦).
стр. 27
لا معدني فيسلبه الطهورية (٨) (أو سُخِّن بنجس: كُره) مطلقًا إن لم
(٨) مسألة: لا يجوز التطهر بماء قد وُضع فيه ملح معدني -وهو الصناعي المستخرج من الأرض- وتغير؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث دلَّ منطوقه على أن التطهر الجائز يكون بالماء فإن تعذر: فيكون بالتيمم، ولا ثالث لهما، ودل بمفهوم التقسيم على أن غيرهما لا يُستعمل للطهارة، وهذا الذي تغير طعمه بسبب وضع المعدني فيه لا يُتطهر به؛ لأن أصل هذا الملح ليس ماء، حيث إنه لا يُطلق عليه ماء، ولا ترابًا لا في الحال، ولا في ثاني الحال، فإن قلتَ: لم لا يتطهر به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن استعماله يضر ببشرة المسلم؛ لشدة ملوحته، فضلًا عن أنه لا تحصل بسببه الطهارة والنظافة؛ لغلظته؛ فإن قلتَ: لمَ لا يُتطهر بالماء الذي تغير طعمه بسبب وضع الملح المعدني فيه مع أنه يُتطهر بالماء الذي تغير بسبب وضع الملح المائي؟! فهذا تفريق بين متماثلين؛ لذا يُتطهر بهما معًا، لقياس المعدني على المائي، وهو لبعض العلماء كابن تيمية؟ قلتُ: لا يُسلَّم أنهما متماثلان؛ لأن الملح المائي أصله من الماء لذلك نُسب إليه، فيكون حكمه حكم أصله، بخلاف الملح المعدني فليس أصله ماء، بل هو متكون من أشياء خارجية: فلا يكون حكمه حكم الماء؛ ثم إن الملح المعدني مضر بالمسلم كما تقدم بخلاف الملح المائي ومع الفرق: لا قياس. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "هل الملح المعدني أصله ماء أو لا؟ فعندنا: لا، وعندهم: نعم. [فرع]: ماء البحر يُتطهر به مطلقًا، أي: سواء كان عذبًا أو مالحًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في ماء البحر-: "هو الطهور ماؤه" فيشمل جميع أنواع مياه البحور؛ لأن "ماؤه" اسم جنس منكَّر أضيف إلى معرفة -وهو الضمير- وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ يُتطهر به؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
стр. 28
يحتج إليه: سواء ظُنَّ وصولها إليه، أو كان الحائل حصينًا أو لا، ولو بعد أن يبرد؛ لأنه لا يسلم غالبًا من وصول أجزاء لطيفة إليه (٩) وكذا ما سُخِّن بمغصوب (١٠) وماء بئر بمقبرة، وبقلها
(٩) مسألة: تصح الطهارة بالماء الذي سُخِّن بشيء نجس -كروث حمار مثلًا-: سواء تغير ذلك الماء أو لا، وسواء كان الحائل بين الماء والنار حصينًا أو لا، وسواء برد الماء أو لا، بشرط: أن لا يغلب على ظننا وصول شيء من ذلك النجس إلى الماء؛ للتلازم، حيث إنه يلزم من عدم علمنا -بقطع أو ظن- بوصول بعض النجاسة إلى الماء: طهوريته، فإن قلتَ: لمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن تسخين الماء بمثل ذلك يقع كثيرًا بين المسلمين، فلو مُنعوا منه أو كُره لهم ذلك: لَلَحق بعضهم الحرج والمشقة، فدفعًا لذلك: جاز، فإن قلتَ: يُكره ذلك، للتلازم، حيث إنه لا يسلم من وصول نجاسة إلى الماء وإن كانت صغيرة فيلزم من ذلك كراهية التطهر به إن وُجد غيره، قلتُ: إن قطعنا بوصول شيء من جزء من النجاسة أو غلب على ظننا ذلك: فإنه لا يُتطهر به، وإن لم يغلب ذلك، أو شككنا فيه فيُتطهر به؛ لعدم جواز العمل بالمرجوح، أو المشكوك فيه. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الشك أو المرجوح تنبني عليهما أحكام أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(١٠) مسألة: تصح الطهارة بالماء المسخَّن بشيء مغصوب أو مسروق إذا لم يجد غيره، أما إن وجد غيره فلا يصح؛ للقياس، بيانه: كما تصح الصلاة في الدار المغصوبة أو المسروقة إذا لم يكن واجدًا، غيرها، ولا تصح إذا كان واجدًا غيرها، فكذلك هنا مثلها، والجامع: أن كلًا من الصلاة والماء قد توفر فيهما شروطهما بدون موانع، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك إذا لم يجد غيره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الخلق، فإن قلتَ: لِمَ لا يصح ذلك إذا كان واجدًا غيره؟؟ قلتُ: لحفظ حقوق الآخرين من السرقة والغصب والظلم، فإن قلتَ: إن ذلك مكروه، وهو ما ذكره المصنف - للتلازم؛ حيث يلزم من =
стр. 29
وشوكها، (١١) واستعمال ماء زمزم في إزالة خَبَث (١٢)، لا وضوء ولا غُسل (١٣) (وإن تغيَّر بمكثه) أي: بطول إقامته في مَقرِّه -وهو الأجن-: لم يُكره؛ لأنه ﷺ توضأ بماء آجن، وحكاه ابن المنذر إجماع من يُحفظ قوله من أهل العلم سوى ابن سيرين (١٤) (أو بما) أي: بطاهر (يشقُّ صون الماء عنه من نابت فيه، وورق
= الغصب والسرقة: كراهية ذلك، قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك إلا مراعاة الخلاف وهو ليس بدليل معتبر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مراعاة الخلاف" فعندنا ليس بدليل، وعندهم: دليل.
(١١) مسألة: تجوز الطهارة بماء أخذ من بئر في مقبرة، أو سخن بشيء نبت في المقبرة: من بقل أو عشب أو شوك، ولكن هذا مكروه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم القطع بنجاسة الماء، أو غلبة الظن: صحة التطهر به، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه يُحتمل وصول دهونات الأموات إلى ذلك الماء فيتضرر المسلم المتطهر به، فلذا كُره؛ حماية له.
(١٢) مسألة: تصح إزالة النجاسة بماء زمزم مع الكراهة؛ للقياس؛ بيانه: كما يكره الاستنجاء باليد اليُمنى فكذلك هنا والجامع: التكريم في كل؛ حيث إن ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم -كما ثبت عنه ﷺ وهذا تكريم له؛ فيُكره استعماله لما تستقذره العقول السليمة، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وهي: عدم تنفير الناس منه.
(١٣) مسألة: تصح الطهارة بماء زمزم؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد دعا بسجل ماء زمزم فشرب وتوضأ" والغسل مثله، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين خاصة لمن هو داخل الحرم.
(١٤) مسألة: تصح الطهارة بماء قد تغيَّر بسبب طول مكثه وإقامته في موضعه؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد توضأ منه"، فإن قلتَ: لم صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المياه لا تخلو من تغيُّره بسبب ذلك، فلو مُنع المسلم منه أو =
стр. 30
شجر) وسمك، وما تُلقيه الريح، أو السيول: من تبن ونحوه، (١٥) فإن وُضع قصدًا وتغير به الماء عن ممازجة: سَلَبَه الطهورية (١٦) (أو) تغيَّر (بمجاورة ميتة)
= كُرِه: للحق أكثر المسلمين الحرج، فإن قلتَ: يُكره التطهر به مع تغيُّره بذلك، وهو محكي عن محمد بن سيرين؟ قلتُ: لا يمكن كراهة التطهر بماء قد تغيَّر بما لا يمكن الاحتراز عنه للمشقة في ذلك، فإن قلتَ: لمَ حكى بعضهم الإجماع مع مخالفة ابن سيرين؟ قلتُ: لعله على مذهب من قال: إن قول الأكثر يُسمَّى إجماعًا، وهذا نسب إلى ابن جرير الطبري، ورواية عن الإمام أحمد، وهذا قد أبطلناه في "المهذب" و "الإتحاف" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل التغيَّر بأي شيء مؤثِّر أو لا؟ " فعندنا: لا، وعند ابن سيرين: نعم.
(١٥) مسألة: تصح الطهارة بالماء الذي وقع فيه شيء طاهر يشق منعه، وهو لا يذوب فيه: كزروع، وأوراق أشجار، وسمك ونحو ذلك: سواء تغير هذا الماء أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فيشمل ويعم كل هذا كل ما يُطلق عليه ماء، وهذا الذي وقع فيه ذلك يطلق عليه ماء؛ لأن "ماء" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لم صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن المسلمين لو مُنعوا من التطهر بذلك، أو كره لهم ذلك: للحِقَ كثيرًا منهم حرج ومشقة؛ إذ أكثر المياه يقع فيها ذلك.
(١٦) مسألة: لا يصح التطهر بالماء الذي وضع فيه مكلَّف شيئًا طاهرًا -كزروع وأوراق-، وكان قاصدًا لهذا، واختلط هذا الشيء في الماء، وتغيَّر بسببه، إما إن وضعه غير مكلَّف، أو كان مُكلفًا ولكنه وضعه من غير قصد، أو لم يختلط بالماء؛ أو لم يُغيِّره: فيصح التطهر به، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فالذي يطهر هو الماء المطلق، فإن عدم فالتيمم، فيدل مفهوم التقسيم هنا على: أن غيرهما لا يُستعمل للطهارة، وهذا الذي وضع في الماء قصدًا، وذاب فيه وغيَّره هو ليس من جنس الماء: قد غيَّر اسمه، فلا يسمى بعد ذلك ماء مطلقًا، فلا يُطهر، فإن قلتَ: لمَ لا يصح ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن هذه =
стр. 31
أي: بريح ميتة إلى جانبه: فلا يُكره، قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه (١٧)، (أو سُخِّن بالشمس أو بطاهر) مباح، ولم يشتد حرُّه (لم يُكره)؛ لأن الصحابة دخلوا الحمام، ورخَّصوا فيه، ذكره في "المبدع"، ومن كره الحمام: فعلَّة الكراهة: خوف مشاهدة العورة، أو قصد التنعُّم بدخوله، لا كون الماء مُسخَّنًا (١٨) فإن اشتدَّ حرَّه أو بَرْدُه: كُره؛ لمنعه كمال
= الأشياء قد تضرُّ بالمسلم إذا اختلطت بالماء الذي يُتطهر به، فحماية له، وحرصًا على تطهير المسلم: مُنع منه.
(١٧) مسألة: يصح التطهر بالماء الذي تغيَّرت إحدى صفاته -اللون أو الريح أو الطعم- بسبب وجوده بجوار جيفة ميتة أو عَذَرَة أو أي شيء نتن؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا يشمله إطلاق الماء عليه؛ لأن "ماء" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إنه لو مُنع التطهر به أو كُره: للحق بالمسلمين من ذلك ضيق وحرج؛ لكثرة هذه المياه المتغيرة بسبب ذلك.
(١٨) مسألة: يصح التطهر بالماء المسخن بالشمس عن قصد، والمسخن بحطب طاهر؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا عام -كما سبق بيانه-، فيطلق على المسخن اسم "الماء" المطلق، بقصد أو لا، بشمس أو حطب أو غيرهما، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ لم ينكر على ابن الأسلع بن شريك تسخينه للماء بحطب واغتساله به من الجنابة، فلو كان لا أو فيه كراهة لبينه ﷺ ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ الثالثة: فعل الصحابي، وهو من وجهين: أولهما: أنه كان لعمر قمقمة يُسخن له فيها الماء، وكان كثير من الصحابة يعلمون ذلك ولا ينكرونه- كما ذكره الماوردي في "الحاوي" (١/ ٤١) -، ثانيهما: أن بعض الصحابة قد دخلوا الحمامات العامة، وهذا يلزم منه: استعمال الماء المسخن فيها، فإن قلتَ: لِمَ =
стр. 32
الطهارة (١٩) (وإن استُعمل) قليل (في طهارة مستحبَّة كتجديد وضوءُ وغسل جمعة) أو عيد ونحوه (وغَسْلَة ثانية وثالثة) في وضوء أو غسل: (كُره)؛ للخلاف في سلبه الطهورية، فإن لم تكن الطهارة مشروعة كالتَّبرُّد: لم يُكره (٢٠) (وإن
= صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الماء قد يكون باردًا جدًا يضر بالمسلم استعماله، فدفعًا لذلك شُرع هذا، فإن قلتَ: إنه يُكره التطهر بالماء المسخن، وهو محكي عن مجاهد وبعض العلماء؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة لم يدخلوا الحمامات، فيلزم من ذلك: كراهتهم لذلك؛ نظرًا لكون الماء فيها مُسخنًا، قلتُ: إن علَّة كراهة السلف -من صحابة وفقهاء- دخول الحمامات العامة هي: الحفاظ على ستر عوراتهم، أو لنبذ التنعم في الدنيا؛ حتى يتحصَّلوا عليه في الجنة -إن شاء الله- والتعلُّم على الخشونة في العيش، وليست العلة كون الماء مسخنًا؛ لأنها بعيدة ولا يصح التعليل بالبعيد؛ تنبيه: قوله: "مباح" قلتُ: فيه تفصيل قد بيناه في مسألة (١٠)، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل علة عدم دخول أكثر الصحابة الحمامات هي: تكون الماء مسخنًا أو لا؟ "، فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(١٩) مسألة: تصح الطهارة بماء شديد الحرارة، أو شديد البرودة ولكن مع الكراهة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صحة إطلاق اسم الماء عليه: صحة التطهر به، ويلزم من صعوبة إكمال التطهر به: كراهة استعماله، فإن قلتَ: لِمَ تصح هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في استعماله توسعة للناس، وفي كراهيته حماية المسلم من الأذى بحرارته أو برودته.
(٢٠) مسألة: تصح الطهارة بماء قليل قد استعمل للتنظيف والتَّبرُّد بلا كراهة إجماعًا، وكذلك: تصح الطهارة بماء -قليل قد استعمل بطهارة مشروعة مستحبة- كأن يُجدِّد به وضوءًا، أو يغتسل به لجمعة- وهذا بلا كراهة للقياس، =
стр. 33
بلغ) الماء (قُلَّتين) تثنية قُلة، وهي: اسم لكل ما ارتفع وعلا، والمراد هنا: الجرة الكبيرة من قلال "هجر"، وهي قرية كانت قرب المدينة (وهو الكثير) اصطلاحًا (وهما) أي: القلتان (خمسمائة رطل) -بكسر الراء وفتحها- (عراقي تقريبًا) فلا يضرُّ نقص يسير كرطل ورطلين، وأربعمائة وستة وأربعون رطلًا وثلاثة أسباع رطل مصري، ومائة وسبعة وسُبُع رطل دمشقي، وتسعة وثمانون وسُبُعًا رطل حلبي، وثمانون رطلًا وسُبُعان ونصف سبع رطل قدسي؛ فالرطل العراقي: تسعون مثقالًا: سُبُع القدسي وثمن سُبُعه، وسُبُع الحلبي ورُبُع
= بيانه: كما أن الماء المستعمل للتبرد والتنظيف يتطهر به بلا كراهة إجماعًا، فكذلك الماء المستعمل لطهارة مشروعة مستحبة، والجامع: أن كلًا من الاستعمالين لم يُزل به حدثًا -وهو: المانع من الصلاة- فإن قلتَ: لِمَ صحت الطهارة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس؛ إذ لو مُنع من التطهر بهذا الماء أو كُره: للحق كثيرًا منهم الحرج والضيق، فدفعًا لذلك: شُرع هذا؛ فإن قلتَ: إن الماء المستعمل لطهارة مشروعة مُستحبة: يُتطهر به ولكن مع الكراهة -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ لمراعاة الخلاف؛ حيث إن جمهور العلماء قالوا: يُتطهر به مطلقًا وبعض العلماء قال: لا يُتطهر به مطلقًا ولكلٍ دليل، فروعي هذا كله واختير مذهبًا وسطًا وهو صحة التطهر به مع الكراهة، قلتُ: إن هذا الدليل -وهو مراعاة الخلاف- ضعيف عند جمهور العلماء -ومنهم الحنابلة- قال الشاطبي في "الاعتصام" (١/ ٣٢) -"إن مراعاة الخلاف هو مراعاة دليل المخالف في بعض الأحوال، وهو أصل عند مالك وقد ضعَّفه أكثر العلماء"، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل مراعاة الخلاف دليل أو لا؟ " فعندنا: ليس بدليل وعندهم: دليل تنبيه: المقصود بالماء القليل: ما هو أقل من قلتين، وهو خمس قرب تقريبًا وسيأتي بيانه.
стр. 34
سُبُعه، وسُبُع الدمشقي ونصف سُبُعه، ونصف المصري ورُبُعه وسُبُعه (٢١) (فخالطته نجاسة) قليلة أو كثيرة (غير بول آدمي أو عذرته المائعة) أو الجامدة إذا ذابت فيه (فلم تُغيِّره): فطهور؛ لقوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم يُنجسه شيء" وفي رواية: "لم يحمل الخبث" رواه أحمد وغيره، قال الحاكم: "على شرط الشيخين" وصححه الطحاوي، وحديث: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" وحديث: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه":
(٢١) مسألة: يُحدَّد الماء الكثير اصطلاحًا: بما بلغ قُلَّتين من قلال هَجَر، وكل قلة: تسعُ قربتين ونصفًا، وكان مجموع القلتين: خمس قِرب، وكل قربة تسعُ: "مائة رطل عراقي"، فيكون المجموع خمسمائة رطل، ومساحته من الواقع في الأرض: "ذراع وربع طولًا، وذراع وربع عرضًا" وذلك بذراع يد الرجل المتوسط، ويُحدَّد الماء القليل بما دون القلتين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين: لم يحمل الخبث"، فدل بمنطوقه على أن الماء الكثير لا يحمل الخبث والنجس إذا وضع فيه، وحُدِّد بما يبلغ قلتين، ودل بمفهوم العدد على أن الماء القليل هو الذي يحمل النجس وهو الذي لم يبلغ قلتين، فإن قلتَ: لم حُدِّد ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث يعرف الناس الماء الذي يتطهر به عند وقوع نجاسة فيه -وهو الكثير- والماء الذي لا يتطهر به عند وقوع تلك النجاسة فيه، فإن قلتَ: لِمَ سميت بالقلة؟ قلتُ: لأن الرجل القوي يحملها ويقلُّها ويرفعها عن الأرض، فإن قلتَ: لِمَ سميت بهذا الاسم مع أن المراد بها الجرَّة؟ قلتُ: لأن العرب لا يعرفون الجرار، ويعرفون القلال وهو: إناؤهم -كما في "الصحاح" (٥/ ١٨٠٤) - تنبيه: ذكر المصنف الأوزان والأرطال المستعملة في عصره في نواحي البلدان الإسلامية.
стр. 35
يُحملان على المقيد السابق (٢٢)، وإنما خُصَّت "القلتان" بقلال هجر؛ لوروده
(٢٢) مسألة: تصح الطهارة بالماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة وخالطته ولم تُغيِّر إحدى صفاته -اللون أو الرح أو الطعم- كروث حمار ونحوه -غير بول آدمي وعذرته-؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" فأيُّ نجاسة وقعت في ماء كثير -وهو ما بلغ قلتين-: فإنها لا تنجسه سواء كانت كثيرة أو قليلة؛ لأن "إذا" الشرطية من صيغ العموم، ودل مفهوم العدد منه على أن النجاسة إذا وقعت في ماء قليل: فلا يُتطهر منه: سواء كانت تلك النجاسة قليلة أو كثيرة، وسواء غيرت صفة من صفات الماء أو لا، وهذا ثبت بعموم مفهوم العدد الثانية: التلازم؛ حيث إن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فإنه يغلب على ظننا عدم وصول النجاسة إلى كثير من أجزاء الماء؛ نظرًا لكثرته فيلزم من ذلك صحة التطهر به، أما الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة: فإنه يغلب على ظننا وصول النجاسة إلى أكثر أجزاء الماء؛ نظرًا لقلته وكونه محصورًا فيلزم من ذلك: عدم صحة التطهر به؛ لأن العقول السليمة تستقذر ذلك، ومعروف: أن المحظور إذا اختلط بالكثير: صار حكم الإباحة أغلب كمن اختلطت أخته بنساء بلد كبير: فإنه يحل الزواج بأي واحدة منهن، أما إذا اختلط المحظور بالقليل: فإنه يصير حكم الحظر أغلب كمن اختلطت أخته بعشرة نسوة: فإنه لا يحل الزواج بتلك العشر، فإن قلتَ: لِمَ صح التطهر بالكثير دون القليل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المياه الكثيرة توجد عادة على الطرقات فلا تخلو من نجاسات، فلو مُنع الناس من التطهر بها: لَلَحِقَ كثيرًا من الناس حرج وضيق، فدفعًا لذلك شرع هذا، فإن قلتَ: تصح الطهارة بالماء الكثير والقليل ولو وقعت فيهما نجاسة لم تُغيِّر أحد أوصافه، وهو قول أكثر المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة كابن تيمية وابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الماء طهور لا يُنجسه شيء" وقوله: "الماء لا =
стр. 36
في بعض الفاظ الحديث؛ ولأنها كانت مشهورة الصفة معلومة المقدار، (٢٣)
= ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه ولفظ "الماء" اسم جنس محلى بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل الماء القليل والكثير، قلتُ: نسلِّم لكم أن الحديثين عامَّان للكثير والقليل، ولكي خُصِّصا بمنطوق، ومفهوم العدد من حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" وهو: تخصيص السنة بالسنة وهو جائز، ويزيد الحديث الأول بأنه مخصَّص بالواقع؛ حيث إنه ورد بسبب سؤال ﷺ عن بئر بضاعة هل يُتوضأ منها مع أنه يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ -كما ورد في حديث أبي سعيد- والواقع: أن بئر بضاعة كان كثير الماء، فخصَّصنا الحديث به، فإن قلتَ: كيف يستدل بحديث القلتين ويُخصص به أنه ضعيف -كما قال كثير من المحدثين إنه مضطرب السَّند-؟ قلتُ: إن نجوم أهل الحديث قد صحَّحوه، وقالوا به، واعتمدوه في تحديد الماء، وهم القدوة وعليهم المعوَّل في هذا الباب- نقله النووي في "المجموع" (١/ ١١٢) ـ عن الخطابي، وإسناده على شرط مسلم- كما قال ابن حجر في "التلخيص" (١/ ٢٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، وصححه الطحاوي وابن خزيمة في صحيحه (١/ ٤٦)، فإن قلتَ: إن لفظ "الماء" الوارد في حديث القلتين مخصص بالماء الجاري، ولا يعم الراكد؟ قلتُ: إن تحديده بالقلتين يلزم منه بطلان هذا القول؛ لأن الجاري لا يمكن تحديده، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث القلتين صحيح أو لا؟ " فعندنا نعم، لذا خصصنا به الحديثين السابقين، وعندهم: لا. فيبقى الحديثان على عمومهما للقليل والكثير عندهم.
(٢٣) مسألة: يحدد الماء الكثير والقليل بقلال هجر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل خبثًا" كما أورده الخطابي في "المعالم" (٩) رواية في حديث القلتين، وهذه الزيادة بالتحديد مقبولة؛ لأنها زيادة ثقة، الثانية: التلازم؛ حيث إن قلال هجر مشهورة، =
стр. 37
قال ابن جُريج: "رأيتُ قِلال هجر فرأيتُ القلة تسع قربتين وشيئًا"، والقربة: مائة رطل بالعراقي، والاحتياط: أن يُجعل الشيء نصفًا، فكانت القُلَّتان: خمسمائة بالعراقي (٢٤) (أو خالطه البول أو العَذْرَة) من آدمي (ويشقَّ نزحُه كمصانع طريق مكة: فطهور) ما لم يتغير، قال في الشرح: "لا نعلم فيه خلافًا" (٢٥) ومفهوم كلامه: أن ما لا يشقُّ نزحه ينجس ببول الآدمي أو عذرته المائعة
= معلومة الصفة والمقدار من قِبل كثير من الناس الساكنين في المدينة وما حولها؛ لأن المقصود بـ "هجر" قرية تقع بقرب المدينة -كما في "معجم البلدان" (٤/ ٩٥٢) -وليست "هجر" البحرين؛ لأن بلد البحرين بعيد فلا يمكن أن يحدد لأهل المدينة ومن حولها بشيء لا يعرفونه، فلزم من ذلك كله: أن تحديد قليل الماء وكثيره يكون بقلال هجر.
(٢٤) مسألة: تحديد القلتين بخمسمائة رطل -أو خمس قرب- هو: تحديد تقريبي، وبناء عليه: لا يضر نقصٌ يسيرٌ لا يتجاوز الرطل أو الرطلين؛ للتلازم؛ حيث إن التردد الوارد في نقل ابن جُريج حيث قال: "رأيتُ قلال هجر، فرأيتُ القلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئًا" يلزم منه أن هذا التحديد تقريبي، فإن قلتَ: لِمَ جُعل "الشيء" نصفًا؛ حتى قلتم: إن القلة تسع قربتين ونصفًا؟ قلتُ: إن الشيء خفي التقدير، وهو أقل من النصف ولكن يُجعل نصفًا؛ احتياطًا؛ نظرًا لخفائه، ثم إن القربة الثالثة متبعِّضة: فبعضها من جملة القلة، وبعضها الآخر ليس منها، وليس أحدهما بأولى من الآخر: فوجبت التسوية بين البعضين، فإن قلتَ: لِمَ كان التحديد تقريبيًا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس فلو حُدد ذلك بتحديد دقيق لَلَحِق بعض المسلمين الحرج والضيق من هذه الدِّقة الشديدة، فدفعًا لذلك: كان التحديد تقريبيًا.
(٢٥) مسألة: يصح التطهر بالماء الكثير الذي وقع فيه بول آدمي أو عذرته، واختلط به بشرطين: أولهما: أن يشقُّ نزح هذه النجاسة، ثانيهما: أن لا تُغيِّر =
стр. 38
أو الجامدة إذا ذابت فيه ولو بلغ قلتين وهو قول أكثر المتقدمين والمتوسطين، قال في "المبدع": "ينجس على المذهب وإن لم يتغير"؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه" متفق عليه، وروى الخلَّال بإسناده: "أن عليًا ﵁ سُئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها"، وعنه: أن البول والعذرة كسائر النجاسات: فلا ينجس بهما ما بلغ قلتين إلا بالتَّغيُّر، قال في "التنقيح": "اختاره أكثر المتأخرين، وهو أظهر" أ. هـ، ولأن نجاسة بول الآدمي لا تزيد عن نجاسة بول الكلب (٢٦) (ولا يرفع حدث رجل) وخنثى (طهور يسير) دون القلتين (خَلَت
= تلك النجاسة واحدًا من أوصاف هذا الماء -كما يقع في المياه التي تُجمع في طرق الحُجاج والمعتمرين-؛ للتلازم؛ حيث إن حاجة الناس لهذه المياه، ومشقة نزح وإزالة النجاسة عنه، وعدم تغيير صفة من صفاته، ووجود غلبة الظن على أن النجاسة لم تصل إلى أكثر جزئيات الماء؛ لكثرته: يلزم منه: صحة التطهر به؛ لعدم المانع، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن مثل هذه المياه تقع فيها تلك النجاسات غالبًا؛ لكثرة ما ينزل الناس حولها، فلو مُنع الناس من التطهر به: للحقهم حرج ومشقة.
(٢٦) مسألة: لا تصح الطهارة بالماء إذا وقعت فيه نجاسة اختلطت فيه، ولم يشق نزحها وإخراجها منه: سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وسواء تغيَّر بهذه النجاسة أو لا؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه" حيث نهى الشارع عن البول في هذا الماء، ويلزم من هذا النهي: أن الماء يفسد بالبول؛ لكونه مستقذرًا، ويُراد من الاغتسال التطهر، فيتناقضان، والنهي يقتضي الفساد؛ لأنه مطلق؛ إذ لو لم يكن البول مفسدًا للماء: لما نهي عن الاغتسال فيه، وهذا عام للقليل والكثير، المتغير وغيره؛ لأن "الماء" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم =
стр. 39
به) كخلوة نكاح (امرأة) مكلَّفة ولو كافرة (لطهارة كاملة عن حَدَث)؛ "لنهي النبي
= الثانية: القياس الأولى، بيانه: كما أن هذا الحكم ورد في البول والاغتسال فكذلك يكون في العَذْرَة؛ لأنها نجاسة مغلَّظة، ويكون في الوضوء من باب أولى، والجامع: النجاسة في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث "إن عليًا قد سُئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها" ولم يسأل هل تغيَّر الماء أو لا؟، وهل الماء قليل أو كثير؟ مما يدل على أن النجاسة تبطل التطهر بالماء مطلقًا، فإن قلتَ: لِمَ لا تصح الطهارة بهذا الماء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الماء إذا وقع فيه بول أو عذرة الآدمي تستقذره النفوس السليمة، وقد يُصيب المسلم بعض الأمراض المعدية بسبب استعمالهِ، فإكرامًا لأنفس المسلمين، وحماية لهم من الأمراض: شرع هذا الحكم، وأبدل بالتيمم، فإن قلتَ: يصح التطهر بالماء الكثير -وهو ما بلغ قلتين- إذا وقع فيه بول أو عذرة ولم تتغير إحدى صفاته -اللون أو الطعم أو الرائحة-، وهذا رواية عن أحمد، وقول أكثر متأخري الحنابلة؛ للقياس، بيانه: كما أن سائر النجاسات -كروث حمار أو بول كلب- إذا وقعت في ماء كثير وتغيَّرت إحدى صفاته بسببه: فلا تصح الطهارة به، وإذا لم تتغير إحدى صفاته: فيُتطهر به -كما سبق- فكذلك بول الآدمي وعذرته مثلها، والجامع: النجاسة في كل، قلتُ: إن هذا قياس فاسد؛ لأمرين: أولهما: أنه قياس مع النص -وهو قوله ﷺ : "لا يبولنَّ أحدكم … " وقد بيناه، ثانيهما: أنه قياس مع الفارق؛ حيث إن بول وعذرة الآدمي نجاسة مغلظة تستقذره النفوس والطباع السليمة عادة، ولا تتحمل وقوعه على بدن أو ثوب أو مكان، بخلاف غيرها مما يخرج من أيِّ حيوان فلا يوجد فيه هذا الاستقذار الشديد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص"، فعندنا: يعمل بالنص، وعندهم: يعمل بالقياس، وكذا: "هل النجاسات متماثلة في الحكم أو لا؟ " فعندنا: لا، لأن بعضها أغلظ وأقذر من بعضها الآخر، وعندهم: لا فرق بينها.
стр. 40
ﷺ : أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" رواه أبو داود وغيره، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، قال أحمد -في رواية أبي طالب- كثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك"، وهو تعبُّدي، وعُلِم مما تقدم: أنه يزيل النجس مطلقًا، وأنه يرفع حَدَث المرأة والصبي، وأنه لا أثر لخلوتها بالتراب، ولا بالماء الكثير، ولا بالقليل إذا كان عندها من يُشاهدها، أو كانت صغيرة، أو لم تستعمله في طهارة كاملة، ولا لما خَلَت به لطهارة خَبَث، فإن لم يجد الرجل غير ما خَلَت به لطهارة الحدث: استعمله، ثم تيمم وجوبًا (٢٧)، النوع الثاني -من المياه-: الطاهر غير المطهر، وقد أشار إليه بقوله: (وإن
(٢٧) مسألة: تصح طهارة الرجل بالماء الذي خلت به امرأة أو خنثى وتطهرت به عن حَدَث إذا لم تتغير صفة من صفاته ولو كان قليلًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الماء ليس عليه جنابة" -لما أراد أن يغتسل من جفنة قد اغتسلت ميمونة بما فيها من ماء- وهذا يلزم منه أن الماء إذا لم يتغيَّر: فإنه يبقى على طهوريته وإن اغتسلت به امرأة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يغتسل بفضل ميمونة" ولفظ "كان" تدل على الدوام؛ لأنها من صيغ العموم في الأزمان، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا يخلو بيت من وجود امرأة فيه، ولا يخلو أيُّ ماء من أن تخلو امرأة لترفع حدثها به، ومعروف شُحِّ المياه المستعملة في أكثر بلدان الإسلام، فلو مُنع التطهر بالماء الذي خلت به امرأة: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة: فدفعًا لذلك: شرع هذا، فإن قلتَ: إنه يُحتمل أن ميمونة لم تخلُ بالماء، فلذا استعمله النبي ﷺ ، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فلا يصح الاستدلال بحديث ميمونة، -كما نقل في "المغني" (١/ ٢٨٤) - قلتُ: هذا الاحتمال بعيد جدًا- للعرف والعادة؛ حيث إن العادة أن الإنسان إذا أراد غسل بدنه أنه يقصد الخلوة، فإذا كان الاغتسال عن جنابة والمغتسلة امرأة، وهي من أمهات =
следующие страницы →