← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

في بعض الفاظ الحديث؛ ولأنها كانت مشهورة الصفة معلومة المقدار، (٢٣) = ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه ولفظ "الماء" اسم جنس محلى بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل الماء القليل والكثير، قلتُ: نسلِّم لكم أن الحديثين عامَّان للكثير والقليل، ولكي خُصِّصا بمنطوق، ومفهوم العدد من حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" وهو: تخصيص السنة بالسنة وهو جائز، ويزيد الحديث الأول بأنه مخصَّص بالواقع؛ حيث إنه ورد بسبب سؤال ﷺ عن بئر بضاعة هل يُتوضأ منها مع أنه يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ -كما ورد في حديث أبي سعيد- والواقع: أن بئر بضاعة كان كثير الماء، فخصَّصنا الحديث به، فإن قلتَ: كيف يستدل بحديث القلتين ويُخصص به أنه ضعيف -كما قال كثير من المحدثين إنه مضطرب السَّند-؟ قلتُ: إن نجوم أهل الحديث قد صحَّحوه، وقالوا به، واعتمدوه في تحديد الماء، وهم القدوة وعليهم المعوَّل في هذا الباب- نقله النووي في "المجموع" (١/ ١١٢) ـ عن الخطابي، وإسناده على شرط مسلم- كما قال ابن حجر في "التلخيص" (١/ ٢٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، وصححه الطحاوي وابن خزيمة في صحيحه (١/ ٤٦)، فإن قلتَ: إن لفظ "الماء" الوارد في حديث القلتين مخصص بالماء الجاري، ولا يعم الراكد؟ قلتُ: إن تحديده بالقلتين يلزم منه بطلان هذا القول؛ لأن الجاري لا يمكن تحديده، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث القلتين صحيح أو لا؟ " فعندنا نعم، لذا خصصنا به الحديثين السابقين، وعندهم: لا. فيبقى الحديثان على عمومهما للقليل والكثير عندهم. (٢٣) مسألة: يحدد الماء الكثير والقليل بقلال هجر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل خبثًا" كما أورده الخطابي في "المعالم" (٩) رواية في حديث القلتين، وهذه الزيادة بالتحديد مقبولة؛ لأنها زيادة ثقة، الثانية: التلازم؛ حيث إن قلال هجر مشهورة، =

стр. 37

قال ابن جُريج: "رأيتُ قِلال هجر فرأيتُ القلة تسع قربتين وشيئًا"، والقربة: مائة رطل بالعراقي، والاحتياط: أن يُجعل الشيء نصفًا، فكانت القُلَّتان: خمسمائة بالعراقي (٢٤) (أو خالطه البول أو العَذْرَة) من آدمي (ويشقَّ نزحُه كمصانع طريق مكة: فطهور) ما لم يتغير، قال في الشرح: "لا نعلم فيه خلافًا" (٢٥) ومفهوم كلامه: أن ما لا يشقُّ نزحه ينجس ببول الآدمي أو عذرته المائعة = معلومة الصفة والمقدار من قِبل كثير من الناس الساكنين في المدينة وما حولها؛ لأن المقصود بـ "هجر" قرية تقع بقرب المدينة -كما في "معجم البلدان" (٤/ ٩٥٢) -وليست "هجر" البحرين؛ لأن بلد البحرين بعيد فلا يمكن أن يحدد لأهل المدينة ومن حولها بشيء لا يعرفونه، فلزم من ذلك كله: أن تحديد قليل الماء وكثيره يكون بقلال هجر. (٢٤) مسألة: تحديد القلتين بخمسمائة رطل -أو خمس قرب- هو: تحديد تقريبي، وبناء عليه: لا يضر نقصٌ يسيرٌ لا يتجاوز الرطل أو الرطلين؛ للتلازم؛ حيث إن التردد الوارد في نقل ابن جُريج حيث قال: "رأيتُ قلال هجر، فرأيتُ القلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئًا" يلزم منه أن هذا التحديد تقريبي، فإن قلتَ: لِمَ جُعل "الشيء" نصفًا؛ حتى قلتم: إن القلة تسع قربتين ونصفًا؟ قلتُ: إن الشيء خفي التقدير، وهو أقل من النصف ولكن يُجعل نصفًا؛ احتياطًا؛ نظرًا لخفائه، ثم إن القربة الثالثة متبعِّضة: فبعضها من جملة القلة، وبعضها الآخر ليس منها، وليس أحدهما بأولى من الآخر: فوجبت التسوية بين البعضين، فإن قلتَ: لِمَ كان التحديد تقريبيًا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس فلو حُدد ذلك بتحديد دقيق لَلَحِق بعض المسلمين الحرج والضيق من هذه الدِّقة الشديدة، فدفعًا لذلك: كان التحديد تقريبيًا. (٢٥) مسألة: يصح التطهر بالماء الكثير الذي وقع فيه بول آدمي أو عذرته، واختلط به بشرطين: أولهما: أن يشقُّ نزح هذه النجاسة، ثانيهما: أن لا تُغيِّر =

стр. 38

أو الجامدة إذا ذابت فيه ولو بلغ قلتين وهو قول أكثر المتقدمين والمتوسطين، قال في "المبدع": "ينجس على المذهب وإن لم يتغير"؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه" متفق عليه، وروى الخلَّال بإسناده: "أن عليًا ﵁ سُئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها"، وعنه: أن البول والعذرة كسائر النجاسات: فلا ينجس بهما ما بلغ قلتين إلا بالتَّغيُّر، قال في "التنقيح": "اختاره أكثر المتأخرين، وهو أظهر" أ. هـ، ولأن نجاسة بول الآدمي لا تزيد عن نجاسة بول الكلب (٢٦) (ولا يرفع حدث رجل) وخنثى (طهور يسير) دون القلتين (خَلَت = تلك النجاسة واحدًا من أوصاف هذا الماء -كما يقع في المياه التي تُجمع في طرق الحُجاج والمعتمرين-؛ للتلازم؛ حيث إن حاجة الناس لهذه المياه، ومشقة نزح وإزالة النجاسة عنه، وعدم تغيير صفة من صفاته، ووجود غلبة الظن على أن النجاسة لم تصل إلى أكثر جزئيات الماء؛ لكثرته: يلزم منه: صحة التطهر به؛ لعدم المانع، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن مثل هذه المياه تقع فيها تلك النجاسات غالبًا؛ لكثرة ما ينزل الناس حولها، فلو مُنع الناس من التطهر به: للحقهم حرج ومشقة. (٢٦) مسألة: لا تصح الطهارة بالماء إذا وقعت فيه نجاسة اختلطت فيه، ولم يشق نزحها وإخراجها منه: سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وسواء تغيَّر بهذه النجاسة أو لا؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه" حيث نهى الشارع عن البول في هذا الماء، ويلزم من هذا النهي: أن الماء يفسد بالبول؛ لكونه مستقذرًا، ويُراد من الاغتسال التطهر، فيتناقضان، والنهي يقتضي الفساد؛ لأنه مطلق؛ إذ لو لم يكن البول مفسدًا للماء: لما نهي عن الاغتسال فيه، وهذا عام للقليل والكثير، المتغير وغيره؛ لأن "الماء" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم =

стр. 39

به) كخلوة نكاح (امرأة) مكلَّفة ولو كافرة (لطهارة كاملة عن حَدَث)؛ "لنهي النبي = الثانية: القياس الأولى، بيانه: كما أن هذا الحكم ورد في البول والاغتسال فكذلك يكون في العَذْرَة؛ لأنها نجاسة مغلَّظة، ويكون في الوضوء من باب أولى، والجامع: النجاسة في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث "إن عليًا قد سُئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها" ولم يسأل هل تغيَّر الماء أو لا؟، وهل الماء قليل أو كثير؟ مما يدل على أن النجاسة تبطل التطهر بالماء مطلقًا، فإن قلتَ: لِمَ لا تصح الطهارة بهذا الماء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الماء إذا وقع فيه بول أو عذرة الآدمي تستقذره النفوس السليمة، وقد يُصيب المسلم بعض الأمراض المعدية بسبب استعمالهِ، فإكرامًا لأنفس المسلمين، وحماية لهم من الأمراض: شرع هذا الحكم، وأبدل بالتيمم، فإن قلتَ: يصح التطهر بالماء الكثير -وهو ما بلغ قلتين- إذا وقع فيه بول أو عذرة ولم تتغير إحدى صفاته -اللون أو الطعم أو الرائحة-، وهذا رواية عن أحمد، وقول أكثر متأخري الحنابلة؛ للقياس، بيانه: كما أن سائر النجاسات -كروث حمار أو بول كلب- إذا وقعت في ماء كثير وتغيَّرت إحدى صفاته بسببه: فلا تصح الطهارة به، وإذا لم تتغير إحدى صفاته: فيُتطهر به -كما سبق- فكذلك بول الآدمي وعذرته مثلها، والجامع: النجاسة في كل، قلتُ: إن هذا قياس فاسد؛ لأمرين: أولهما: أنه قياس مع النص -وهو قوله ﷺ : "لا يبولنَّ أحدكم … " وقد بيناه، ثانيهما: أنه قياس مع الفارق؛ حيث إن بول وعذرة الآدمي نجاسة مغلظة تستقذره النفوس والطباع السليمة عادة، ولا تتحمل وقوعه على بدن أو ثوب أو مكان، بخلاف غيرها مما يخرج من أيِّ حيوان فلا يوجد فيه هذا الاستقذار الشديد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص"، فعندنا: يعمل بالنص، وعندهم: يعمل بالقياس، وكذا: "هل النجاسات متماثلة في الحكم أو لا؟ " فعندنا: لا، لأن بعضها أغلظ وأقذر من بعضها الآخر، وعندهم: لا فرق بينها.

стр. 40

ﷺ : أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" رواه أبو داود وغيره، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، قال أحمد -في رواية أبي طالب- كثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك"، وهو تعبُّدي، وعُلِم مما تقدم: أنه يزيل النجس مطلقًا، وأنه يرفع حَدَث المرأة والصبي، وأنه لا أثر لخلوتها بالتراب، ولا بالماء الكثير، ولا بالقليل إذا كان عندها من يُشاهدها، أو كانت صغيرة، أو لم تستعمله في طهارة كاملة، ولا لما خَلَت به لطهارة خَبَث، فإن لم يجد الرجل غير ما خَلَت به لطهارة الحدث: استعمله، ثم تيمم وجوبًا (٢٧)، النوع الثاني -من المياه-: الطاهر غير المطهر، وقد أشار إليه بقوله: (وإن (٢٧) مسألة: تصح طهارة الرجل بالماء الذي خلت به امرأة أو خنثى وتطهرت به عن حَدَث إذا لم تتغير صفة من صفاته ولو كان قليلًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الماء ليس عليه جنابة" -لما أراد أن يغتسل من جفنة قد اغتسلت ميمونة بما فيها من ماء- وهذا يلزم منه أن الماء إذا لم يتغيَّر: فإنه يبقى على طهوريته وإن اغتسلت به امرأة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يغتسل بفضل ميمونة" ولفظ "كان" تدل على الدوام؛ لأنها من صيغ العموم في الأزمان، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا يخلو بيت من وجود امرأة فيه، ولا يخلو أيُّ ماء من أن تخلو امرأة لترفع حدثها به، ومعروف شُحِّ المياه المستعملة في أكثر بلدان الإسلام، فلو مُنع التطهر بالماء الذي خلت به امرأة: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة: فدفعًا لذلك: شرع هذا، فإن قلتَ: إنه يُحتمل أن ميمونة لم تخلُ بالماء، فلذا استعمله النبي ﷺ ، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فلا يصح الاستدلال بحديث ميمونة، -كما نقل في "المغني" (١/ ٢٨٤) - قلتُ: هذا الاحتمال بعيد جدًا- للعرف والعادة؛ حيث إن العادة أن الإنسان إذا أراد غسل بدنه أنه يقصد الخلوة، فإذا كان الاغتسال عن جنابة والمغتسلة امرأة، وهي من أمهات =

стр. 41

تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه) أو كثير من صفة من تلك الصفات، لا يسير منها (بطبخ) طاهر فيه (٢٨) (أو) بطاهر من غير جنس الماء لا يشق صونه عنه (ساقط = المؤمنين، وزوجها النبي ﷺ : فهو آكد أن تخلو بنفسها، فإذا كان الاحتمال بعيدًا فلا يجوز تأويل فعله ﷺ ؛ لأن المعنى المأوَّل إليه إذا كان بعيدًا فالحمل عليه مكابرة ومعاندة، فإن قلتَ: لا تصح طهارة الرجل بماء قليل قد خلت به امرأة وتطهرت به تطهرًا كاملًا عن حدث، وهذا مطلق -وهو الذي ذهب إليه أكثر الحنابلة- وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث: "نهى ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة"- كما روى ذلك الحكم بن عمرو القفاري -والنهي هنا، مطلق فيقتضي الفساد، الثانية: قول الصحابي؛ حيث نقل عن ابن عمر وعبد الله بن سرجس أنهما كانا ينهيان عن ذلك، ونقله الإمام أحمد عن أكثر الصحابة، قلتُ: أما حديث الحكم بن عمرو فضعيف -كما ذكر ذلك الخطابي في "المعالم" (١/ ٤٦) - وعلى فرض صحته: فإن حديث ميمونة يُرجّح عليه؛ لأنه اجتمع فيه القول والفعل، بخلاف حديث الحكم فهو قول فقط، أما قول الصحابي: فلا يُعمل به؛ لمعارضته السنة القولية والفعلية، تنبيه: قوله: "وعُلم مما تقدم" إلى قوله: " … لطهارة خبث" قلتُ: هذا تفريع على مذهب أكثر الحنابلة المرجوح هنا، تنبيه آخر: قوله: "فإن لم يجد الرجل" إلى قوله: "وجوبًا" يُقصد أن يجمع الرجل بين وضوئه أو غسله وبين التيمم، قلت: هذا فيه جمع بين مطهرين، وهذا لا يجوز؛ لمخالفته للقاعدة وهي: "عدم جواز الجمع بين مطهرين" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث الحكم صحيح أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: صحيح. (٢٨) مسألة: لا تصح الطهارة بالماء الطاهر -وهو: الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره- وهو: الذي امتزج فيه شيء مطبوخ فيه غيَّر إحدى صفاته: -اللون أو =

стр. 42

فيه) كزعفران، لا تراب ولو قصدًا، ولا ما لا يُمازجه مما تقدَّم: فطاهر؛ لأنه ليس بماء مطلق (٢٩) (أو رفع بقليله حَدَث) مكلَّف، أو صغير: فطاهر؛ لحديث = الطعم أو الرائحة -كأن يُطبخ فيه لحمًا أو حمُصًا، أو قهوة أو شايًا، فصار مرقًا، أو صبغًا؛ للكتاب، حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فالذي يُستعمل في الطهارة الماء، فإن تعذَّر فالتيمم، ولا ثالث لهما، وهذا الذي طَبخ فيه شيء طاهر فغيَّر اسمه من "ماء" إلى مَرَق، أو خلِّ، أو قهوة أو شاي: لا يُسمى "ماء" فلا يُتطهر به؛ نظرًا لمفهوم التقسيم حيث إن ذلك ليس ماءً ولا ترابًا، فإن قلتَ: لِمَ لا يُطهِّر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الماء قد فقد صفات الماء المطهر وهي: الدقة والرقة والجريان السريع -أو أكثر تلك الصفات- حيث إنه بعد طبخ هذه الأمور فيه: صار لزجًا غليظًا، فلا يحصل الغرض الذي من أجله شُرعت الطهارة له، بل قد يؤدي إلى بعض الأمراض؛ حيث إنه قد يكون سببًا في تجمع كثير من الأتربة والأوساخ فيه. (٢٩) مسألة: تصح الطهارة بماء قد سقط فيه شيء طاهر كتمر أو حبوب أو زعفران، أو تراب ولم تطبخ هذه الأشياء فيه سواء تغيَّرت بعض صفاته أو لا؛ وسواء شق صون الماء منها أو لا؛ وسواء كان من جنس الماء أو لا؛: للكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث دل هذا على صحة التطهر بكل شيء يُطلق عليه ماء؛ لأن "ماء" نكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم، وهذا الذي سقط فيه من تلك الأمور الطاهرة ولم تطبخ فيه: يُطلق عليه اسم "الماء"؛ إذ لم يسلبه ذلك رقته ولا دقته ولا سرعة سيلانه فيُتطهر منه، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو مُنع المسلمون من التطهر بهذا الماء: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة لكثرة ما يقع في الماء من هذه الأشياء، فإن قلتَ: لا تصح الطهارة في هذا الماء -كما قال أكثر =

стр. 43

أبي هريرة: "لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جُنُب" رواه مسلم، وعلم منه: أن المستعمل في الوضوء والغسل المستحبَّين طهور -كما تقدم-، وأن المستعمل في رفع الحدث إذا كان كثيرًا: طهور، لكن يكره الغُسل في الماء الراكد (٣٠) = الحنابلة ومنهم المصنف؛ حيث إنه طاهر غير مطهر؛ للتلازم؛ حيث إن الماء الذي يُتطهر به هو: الماء المطلق، وعدم كون هذا الماء مطلقًا؛ حيث يقال مثلًا: "هذا ماء زعفران" يلزم منه: عدم صحة التطهر منه إذا كان الساقط من غير جنس الماء، أو لا يشق صون الماء منه، أو مازجه، أو قصد وضعه، قلتُ: هذا لا يلزم، بل يُطلق عليه اسم "الماء" نظرًا لكونه لم يُطبخ فيه فلم يمازجه. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل هذا الماء مطلق أو لا؟ ". فعندنا مطلق، وعندهم لا. (٣٠) مسألة: لا تصح الطهارة بماء قليل استعمله رجل في رفع حدثه؛ لكونه طاهرًا غير مطهر لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جُنُب" حيث دلّ منطوقه على تحريم الاغتسال عن الجنابة بالماء الراكد، وأنه لو اغتسل به لأفسده على غيره؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد؛ حيث إنه لو لم يُفد منعه سلب الطهورية عن ذلك الماء: لما نهى عنه؛ إذ لا فائدة منه إلا ذلك، وهو من باب مفهوم الصفة، أو التلازم، الثانية: إجماع الصحابة؛ حيث إن الصحابة كانوا إذا أزالوا حدثهم بماء: أراقوه، أو استعملوه لغير الطهارة، فلو صح التطهر به -بعد استعماله- لما فعلوا ذلك، ولحرصوا على استعماله مرة أخرى لا سيما في الأسفار؛ إذ المياه تقل فيها، فإن قلتَ: لِمَ لا تصح الطهارة به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الرجل قد أزال حدثه به، وانتقلت نجاسته إليه، وغلب على الظن وصولها إلى أجزاء الماء؛ لأنه قليل يحويه إناء، والنفوس تستقذر الماء الذي صفته كذلك، وما تستقذره النفوس لا يمكن أن يُتعبد الله به؛ ويكون أثره منعكس على نفسية ذلك المتطهر بالسوء والكراهية، وقد يتأدَّى بذلك؛ حيث سينتقل ما في الأول من الأوساخِ والأقذار والأمراض إلى المستعمل الثاني، فدفعًا لذلك شرع هذا، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد الماء بالقليل؟ قلتُ: لكونه =

стр. 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يغلب على الظن نجاسته، ووصول تلك النجاسة إلى جميع أجزاء الماء، بخلاف الماء الكثير فإنه يكون طهورًا وإن تطهر به رجل؛ لكونه يغلب على الظن عدم وصول النجاسة أو الوسخ إلى جميع أجزاء الماء، وللاحتراز عن الأضرار: كُره استعماله -وإن كان كثيرًا- بعد ما استعمله رجل في رفع حدثه، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد ذلك برفع الحدث؟ قلتُ: لإخراج الماء القليل الذي استعمله الرجل في طهارة مستحبة لتجديد وضوء أو غسل الجمعة -كما سبق ذكره- أو الماء القليل الذي غسل به الرجل عضوًا واحدًا ولم يُرفع به حدثًا فهذا يصح التطهر به، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد ذلك باستعمال الرجل دون المرأة؟ قلتُ: لأن الرجل يصح أن يتطهر بماء قليل قد رفعت امرأة حدثها به - وهو حكم مستثنى- للسنة القولية والفعلية الوارد في حديث ميمونة -كما سبق بيانه في مسألة (٢٧) - فإن قلت: لِمَ جعلتم هذا الماء طاهرًا ولم يكن نجسًا؟ قلتُ: لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد توضأ بماء، ثم صبَّه على جابر -وهو مغمى عليه- فلو كان الماء المستعمل في طهارة رجل نجسًا: لما جاز ذلك، الثانية: إجماع الصحابة؛ حيث إنهم كانوا يتوضأون ويتقاطر من الماء الذي يتوضأون به بعض القطرات على ثيابهم وأبدانهم ولم يكونوا يغسلون ذلك: فلو كان نجسًا: لغسلوا ما سقط عليه، فإن قلتَ: تصح الطهارة من هذا الماء وإن رُفع به حدث رجل؛، وهو قول قد حُكي عن بعض الحنفية ورواية عن أحمد، للقياس، بيانه: كما أن الماء المستعمل في طهارة مستحبة تصح الطهارة منه فكذلك الحال هنا، والجامع: الاستعمال في كل، قلتُ: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الماء المستعمل في رفع حدث قد أزيل به مانع من الصلاة، أما الماء المستعمل لطهارة مستحبة: فلم يرفع به حدث، فتصح الصلاة بدونه، ولا قياس مع الفارق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة والإجماع" فعندنا: يُقدَّمان على القياس، وعندهم: يقدم القياس عليهما هنا، وكذا: "هل رفع الحدث بالماء مؤثر فيه أو لا؟ " فعندنا نعم، وعندهم: لا.

стр. 45

ولا يضرُّ اغتراف المتوضيء؛ لمشقة تكرره (٣١)، بخلاف من عليه حَدَث أكبر، فإن نوى وانغمس هو، أو بعضه في قليل: لم يرتفع حَدَثه، وصار الماء مستعملًا (٣٢)، ويصير الماء مستعملًا في الطهارتين بانفصاله، لا قبله ما دام مُترددًا على الأعضاء (٣٣) (أو غُمس فيه) أي: في الماء القليل كل (يد) مسلم مكلَّف (قائم من (٣١) مسألة: يباح للمتوضيء أن يغترف بيده من ماء قليل في إناء، ويستحب: أن يغسل كفه الذي يريد أن يغترف فيه بإمالة الإناء عليه، ثم يبدأ يغترف به ليغسل جميع الأعضاء؛ للمصلحة؛ حيث إن إمالة الإناء ليصب الماء على اليد في كل مرة يغسل بها عضو يشقُّ، نظرًا لكثرة تكراره في اليوم والليلة، فدفعًا لذلك شُرع هذا الحكم. (٣٢) مسألة: لا يجوز للمتطهر من حدث أكبر كجنابة: أن يعترف بيده من ماء قليل، فإن اغترف بها: فإن هذا يضرُّ الماء، ويكون مستعملًا، وحدثه لا يرتفع باستعماله؛ للقياس، بيانه: كما لو استعمل هذا الماء شخص آخر: فإنه يكون مستعملًا، فكذلك لو أدخل يده فقط في هذا الماء فإنه يكون مستعملًا، والجامع: أن كلًا منهما نوى إزالة حَدَثه بهذا الماء وأدخل عضوًا نجسًا فيه، فالمستعمل له نوى باستعماله رفع حدثه، والمغترف نوى بإدخال يده إزالة حدثه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا في الماء القليل؟ قلتُ: لأنه يغلب على ظننا وصول النجاسة إلى جميع أجزاء الماء القليل؛ بخلاف الكثير -وهو البالغ قلتين- فإنه يرتفع حدثه ولو انغمس كله فيه؛ لأنه لا يحمل الخبث، أي: يغلب على ظننا عدم وصول النجاسة إلى جميع أجزائه. (٣٣) مسألة: يكون الماء مستعملًا -لا يصلح للتطهر به- إذا انفصل عن بدنه في طهارة الحدث الأصغر والأكبر، أما قبل انفصاله عن أيِّ عضو، أو كان مترددًا بين الأعضاء: فإنه لا يكون مستعملًا فيجوز التطهر بذلك، للتلازم؛ حيث إن =

стр. 46

نوم ليل ناقض لوضوء) قبل غسلها ثلاثًا: فطاهر: نوى الغسل بذلك الغمس أولا، وكذا: إذا حصل الماء في كلها، ولو باتت مكتوفة أو في جراب ونحوه؛ لحديث: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يُدخلهما في الإناء ثلاثًا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده؟ " رواه مسلم، ولا أثر لغمس يد كافر وصغير ومجنون، وقائم من نوم نهار، أو ليل إذا كان نومه يسيرًا لا ينقض الوضوء، والمراد بـ "اليد" هنا: إلى الكوع، ويستعمل هذا الماء إن لم يجد غيره، ثم يتيمم، (٣٤) = الفراغ من استعمال الماء وانحطاطه في إناء -مثلًا- يصدق عليه اسم المنفصل عن البدن، فيلزم إطلاق اسم الماء المستعمل عليه، ويلزم من عدم الفراغ منه، وعدم انعزاله عن الأعضاء: أنه لازال في الاستعمال، فلا يصدق عليه اسم الماء المستعمل، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد الماء المستعمل بهذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس؛ حيث إن الشخص لو فرغ من الغسل من الجنابة، ورأى بُقعة لم يُصبها الماء، فإنه يجوز له أن يعصر عليها بعض شعر رأسه أو لحيته، ويغسل تلك البقعة؛ لكونه غير منفصل، وهذا بلا شك أيسر له من العودة للاغتسال مرة أخرى. (٣٤) مسألة: تصح الطهارة بماء قد غُمست فيه يد شخص: سواء كان مُكلَّفًا أو لا، مسلمًا أو لا، وسواء كان قائمًا من نوم ليل أو نهار، وسواء كان هذا النوم ينقض الوضوء أو لا، وسواء كان هذا الماء قليلًا أو كثيرًا، وسواء كانت اليدان مطلقتين أو لا، وهو قول الجمهور لقواعد: الأولى: للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله: أغسل وجهك وذراعيك .. " حيث أمر الشارع من أراد الوضوء في هذين النصين" أن يبدأ وجوبًا بغسل الوجه فلم يقدم عليه وجوب غسل الكف، وهذا عام فيمن قام من نوم أو غيره؛ لأن "واو الجمع" من صيغ العموم، ولأن الخطاب لواحد من الأمة هو خطاب لجميع الأمة إذا لم يرد ما =

стр. 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يخصصه ولأن هذا مطلق في الزمان، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أنه لا يجب غسل الكف قبل إدخاله في الإناء عند وضوء غير القائم من النوم، فكذلك لا يجب غسل الكف عند وضوء القائم من النوم والجامع: أن النجاسة لم يغلب على الظن وجودها في الحالين، فإن قلتَ: لِمَ صحت الطهارة بهذا الماء الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض للوضوء؟ قلتُ: لأن نجاسة اليد مشكوك فيها، والشك لا تُبنى عليه أحكام، فإن قلتَ: لا تصح الطهارة بماء قليل قد غُمست فيه يد قائم من نوم ليل ناقض للوضوء، وهو مسلم مكلف؛ لكونه طاهرًا غير مطهر، وإذا لم يجد غيره: فإنه يستعمله، ثم يتيمم -وهو ما ذكره المصنف هنا- للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يُدخلهما في الإناء ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده"؛ حيث أوجب غسل اليدين هنا؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ولا فائدة لهذا الأمر إلا لأن إدخالهما بدون غسلهما يسلب طهورية الماء، قلتُ: إن هذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب؛ لأنه أمر بغسل اليد للشك في النجاسة ودلَّ على هذا قوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده؟ " قال الماوردي في "الحاوي" (١/ ١٠٢): "لأن القوم كانوا يستعملون الأحجار وينامون فيعرقون، وربما وقعت أيديهم على موضع النجاسة فنجست، وهذا متوهَّم، فتكون نجاستها مشكوكًا فيها، وما وقع الشك في تنجيسه: لم يجب غسله، وإنما يُستحب؛ لأن الشك لا يثبت أحكامًا" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الأمر في الحديث الأخير للوجوب فيخصص الآية والحديث الأول أو لا؟ "، فعندنا: لا، وعندهم: نعم. فإن قلتَ: لِمَ قال هنا: "فإن لم يجد غيره يستعمله ثم يتيمم"؟ قلتُ: لأن الماء الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل صار طاهرًا غير مطهر عند أكثر الحنابلة، فلا ينجس استعماله، ويُتيمم احتياطًا، ولكن أقول: لا فائدة من استعماله إذا لم يكن مُطهرًا، ولا يُجمع بين طهورين - كما سبق بيانه- تنبيه" قوله "وكذا إذا حصل الماء" إلى قوله: "إلى الكوع" هذا تفريع على المذهب المرجوح، وهو مذهب بعض الحنابلة ومنهم المصنف هنا.

стр. 48

وكذا: ما غُسل به الذكر والأنثيان؛ لخروج مذي، دونه؛ لأنه في معناه (٣٥)، وأما ما غُسل به المذي: فعلى ما يأتي (٣٦) (أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها) وانفصل غيرُ متغيِّر: (فطاهر)؛ لأن المنفصل بعض المتصل، والمتصل طاهر (٣٧)، النوع الثالث: "النَّجس" وهو: ما أشار إليه بقوله: (والنّجس: ما تغيَّر بنجاسة) قليلًا كان أو كثيرًا، وحكى (٣٥) مسألة: تصح الطهارة بماء قليل غُسل فيه الذكر والخصيتان بعد أن أخرج مذيًا -وهو: ما خرج لزجًا عند الشهوة-، للقياس، بيانه: كما أن الماء القليل إذا غُمست فيه يد قائم من النوم تصح الطهارة به -كما سبق في مسألة (٣٤) - فكذلك هنا، والجامع: أن النجاسة مشكوك فيها، ولا تُبنى على الشك أحكام، فإن قلتَ: لِمَ صحت الطهارة منه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، تنبيه: عند المصنف: "لا تصح الطهارة بذلك، فإن لم يجد غيره: استعمله مع التيمم، وهذا مرجوح كما سبق في مسألة (٣٤) ". (٣٦) مسألة: لا تصح الطهارة بماء قليل غُسل فيه مذي لاصق على البشرة أو الثوب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المذي نجسًا، فإن الماء الذي غُسل فيه يكون نجسًا مثله، كما يُغسل البول، وسيأتي بيانه في باب "إزالة النجاسة". (٣٧) مسألة: إذا وقعت نجاسة كبول على ثوب أو بدن، فغُسلت عدة مرات، وفي آخر مرة -وهي التي زالت بها النجاسة- استعمل ماء قليل، ثم انفصل هذا الماء المغسول به تلك النجاسة: فإن الماء يكون طاهرًا غير مطهر وإن لم تتغير بعض صفاته؛ للتلازم؛ حيث إن هذا الماء المنفصل هو بعض من الماء المتصل بالبقعة التي وقعت فيها النجاسة، والمتصل طاهر؛ نظرًا للصوقه بمحل النجاسة فيلزم أن يكون المنفصل مثله، ويمكن أن يثبت ذلك بالقياس، وهو: قياس المنفصل على المتصل، فإن قلتَ: لِمَ لا يتطهر بهذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الغسلة الأخيرة للنجاسة متأثرة بتلك النجاسة، ولا يبعد أن يلصق شيء منها في ذلك الماء، فيتأثر مستعمله، فدفعًا لذلك: منع من التطهر به.

стр. 49

ابن المنذر الإجماع عليه (٣٨) (أو لاقاها) أي لاقى النجاسة (وهو يسير) أي: دون القلتين فينجس بمجرد الملاقاة ولو جاريًا؛ لمفهوم حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يُنجسه شيء" (٣٩) (أو انفصل عن محل نجاسة) متغيرًا، أو (قبل زوالها) فنجس: فما انفصل قبل السابعة: نجس، وكذا: ما انفصل قبل زوال عين النجاسة ولو بعدها، أو (٣٨) مسألة: الماء النجس هو: الذي تقع فيه نجاسة وغيَّرت إحدى صفاته -اللون أو الطعم أو الرائحة- كأن يقع فيه روث حمار، فإذا توفر هذان الشرطان: "وجود النجاسة فيه" و "تغيُّر إحدى صفاته": فإنه يكون نجسًا لا يستعمل لشيء، سواء كان هذا الماء قليلًا أو كثيرًا؛ للإجماع، حيث أجمع العلماء على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ كان نجسًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا اجتمع هذان الشرطان: فإن النفوس تستقذر ذلك الماء، ولا يُتعبد الله بشيء تستقذره النفوس، ثم إن هذا الماء لا يُحصِّل الغرض الذي من أجله شرعت الطهارة، وهي: التنظيف والتطهير، بل بالعكس، فقد يؤثر على جسم المستعمل له بأنواع الأمراض، فدفعًا لذلك شرع هذا. (٣٩) مسألة: إذا وقعت نجاسة -كروث حمار- في ماء قليل، أو لاقى ذلك الماء تلك النجاسة -بأن صُبَّ عليها-: فإنه يكون نجسًا، سواء كان هذا الماء راكدًا أو جاريًا، وسواء تغيَّر أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" وفي رواية: "لم يُنجِّسه شيء" حيث إن مفهوم العدد منه قد دلّ على أنه إذا لم يبلغ قلتين فإنه ينجس -إذ هذا حد القليل منه- وهذا المفهوم عام، أي: يشمل المتغير وغير المتغير، ويشمل الراكد والجاري، ويشمل الملاقي للنجاسة وغيره، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك نجسًا في الماء القليل دون الكثير؟ قلتُ: لأنه يغلب على الظن وصول النجاسة إلى جميع أجزاء الماء، بخلاف الماء الكثير فلا يغلب على الظن ذلك كما سبق.

стр. 50

متغيرًا (٤٠) (فإن أضيف إلى الماء النجس) قليلًا كان أو كثيرًا (طهور كثير) بصب أو إجراء ساقية إليه ونحو ذلك: طَهُر؛ لأن هذا القدر المضاف يدفع النجاسة عن نفسه وعما اتصل به (غير تراب ونحوه) فلا يُطهَّر به نجس (أو زال تغيُّر) الماء (النجس الكثير بنفسه) من غير إضافة، ولا نزح (أو نزح منه) أي: من النجس الكثير (فبقى بعده) أي: بعد المنزوح (كثير غير متغيِّر: طهر)؛ لزوال علَّة تنجسه، وهي: "التغير"، والمنزوح الذي زال مع نزحه التغير: طهور إن لم تكن عين النجاسة فيه، وإن كان النجس قليلًا أو كثيرًا مجتمعًا من متنجس يسير: فتطهيره بإضافة كثير مع زوال تغيُّره إن كان (٤١)، ولا يجب غسل جوانب بئر نُزحت؛ للمشقة، تنبيه: محلُّ ما (٤٠) مسألة: إذا وقعت نجاسة -كبول أو غائط- على ثوب، ثم غسل محل النجاسة، فانفصل ماء متغيِّر الصفة -قبل الغسلة الأخيرة، أو قبل زوال النجاسة، أو بعدها، وقبل الغسلة السابعة- من غسل الإناء من ولوغ الكلب-: فإن هذا الماء في تلك الأحوال نجس؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حصول عين النجاسة فيه، ومخالطة الماء لهذه العين أن يكون ما انفصل من ماء نجساً؛ لكونه متأثرًا تأثرًا حقيقيًا، فإن قلتَ: لِمَ كان نجسًا؟ قلتُ: لما ذكرناه في المسألة السابقة. (٤١) مسألة: طرق تطهير الماء النجس بسائر النجاسات، هي: أولًا: أن يُضاف إلى الماء النجس -قليلًا أو كثيرًا- ماء طهور كثير -وهو البالغ قلتين- وتسمى بـ "المكاثرة"، ويكون ذلك عن طريق ماء نبع فيه، أو ماء يُصبُّ عليه، أو يجري عليه من ساقية نحوه ويفعل حتى يزول التغير؛ فلا يطهر إذا أضيف إليه شيء غير الماء كالتراب والصابون ونحوهما؛ وإن زال التغير؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين: لم يحمل الخبث" حيث دل لفظ "لم يحمل" أن القلتين وما فوقهما من الماء تدفعان عن نفسيهما النجاسة، وعما اتصل بهما، =

стр. 51

ذُكر: إن لم تكن النجاسة بول آدمي أو عذرته: فتطهير ما تنجس بهما من الماء: إضافة ما يشقُّ نزحه إليه، أو نزح يبقى بعده ما يشق نزحه، أو زوال تغيّرُ ما يشقُّ نزحه بنفسه على قول أكثر المتقدمين ومن تابعهم على ما تقدم (٤٢) = ودل مفهوم الشرط منه: على أن التراب وغيره لا يطهر الماء النجس إذا أضيف إليه؛ لكونه لا يرفع النجاسة عن نفسه، فمن باب أولى: أن لا يدفع النجاسة عن غيره، ثانيًا: أن يُترك الماء النجس حتى يزول تغيُّره بنفسه بسبب طول مكثه، من غير إضافة ولا نزح؛ للقياس، بيانه: كما أن الخمرة لو انقلبت بنفسها خلَّا: لجاز شربها، فكذلك الماء النجس لو زالت النجاسة بنفسها لصحت الطهارة به، والجامع: زوال علة المنع من الأمرين؛ ثالثًا: أن يُنزح من الماء الكثير المتغيِّر بالنجاسة حتى يزول التغير بشرط: أن يبقى -بعد النزح- ماء كثير -وهو البالغ قلتين-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من زوال عِلَّة التنجيس وهي: التغيُّر: زوال نجاسته، فإن قلتَ: الماء المنزوح هل يكون طهورًا أو نجسًا؟ قلتُ: إن كانت عين النجاسة موجودة في هذا الماء المنزوح: فهو نجس، وإن كانت غير موجودة ولم يوجد تغيُّر فيه: فهو طهور؛ للتلازم؛ حيث إن التغيُّر علة التنجيس: فإن وجدت العين أو أثرها وهو التغيُّر، فيلزم أن يكون الماء نجسًا، وإن عدمت وأثرها: فيلزم أن يكون الماء طهورًا، فإن قلتَ: لِمَ شرعت هذه الطرق؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كثيرًا من المياه تتنجس بأي سبب، فلو تركه لَلَحِق أكثر الناس الضرر؛ لقلة المياه، فشُرعت هذه الطرق؛ دفعًا لهذا الضرر. (٤٢) مسألة: لا يجب غسل جوانب بئر -أو حوض كبير- نُزح منه الماء، أو كُوثِر بماء؛ لأجل تطهيره، ويجب غسل الآلة التي نزح بها الماء النجس كالدلو ونحوه؛ للمصلحة؛ حيث إنه يشق غسل جوانب البئر ونحوه، فلم يجب؛ لأن المشقة =

стр. 52

(وإن شك في نجاسة ماء أو غيره) من الطاهرات (أو) شك في (طهارته) أي: طهارة شيء علمت نجاسته قبل الشك: (بنى على اليقين) الذي عَلِمه قبل الشك، ولو مع سقوط عظم أو روث شك في نجاسته؛ لأن الأصل: بقاؤه على ما كان عليه (٤٣)، = تجلب التيسير، أما الآلة فوجب غسلها، لعدم المشقة في ذلك، فالأصل هو: الغسل في الأمرين، ولكن سقط غسل جوانب البئر للمشقة كما سقط الصيام في السفر، تنبيه: طرق تطهير الماء النجس ببول آدمي أو عذرته هي نفس طرق تطهير الماء النجس بسائر النجاسات عند أكثر العلماء المحققِّين -وقد بينا ذلك في مسألة (٤١) - ولا علة لذكر ذلك منفردًا إلا ذكر الخاص بعد العام؛ للاهتمام به. (٤٣) مسألة: إذا تيقن من طهارة ماء، ثم طرأ عليه شك فيه فقال في نفسه: يُحتمل أنه تنجس بعد ذلك، ويُحتمل أنه لم يتنجس، ولم يُرجح أحد الاحتمالين: فإنه يبني على ما تيقن منه قبل شكَّه هذا، وهو أنه طهور، فيتطهر به، ولو سقط فيه عظم أو روث شك فيهما وغيَّر بعض صفاته، وكذا: إن تيقن من نجاسة ماء، ثم طرأ عليه شك في طهارته، فقال في نفسه: يُحتمل أنه تطهر بإحدى طرق التطهير السابقة الذكر في مسألة (٤١)، ويُحتمل أنه لم يتطهر به فإنه يبني على ما تيقن منه قبل شكه، وهو أنه نجس، فلا يتطهر به؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء ما تُيقِّن منه، ونفي ما شُك فيه، فنستصحب هذا الأصل، ونعمل به، ولا نعمل بالشك؛ لأن الشك لا تُبنى عليه أحكام، فإن قلتَ: لِمَ لا يُعمل بالشك مع تغيُّر الماء أحيانًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو عمل كل مسلم بكل ما يشكُّ به: لَلَحِقه ضيق وضرر وأذى؛ لكثرة ما يقع من الشكوك في حياته، فأما تغيُّره: فقد يكون بسبب آخر غير النجاسة كطول مكثه، أو وقوع شيء طاهر فيه يصعب التحرز منه، ومع الاحتمال: لا يمكن الجزم فيكون مشكوكًا فيه، ونبقى على العمل بما تيقنا منه.

стр. 53

وإن أخبره عدل بنجاسته وعيَّن السَّبب: لزمه قبول خبره (٤٤) (وإن اشتبه طهور بنجس: حُرِّم استعمالهما) إن لم يمكن تطهير النجس بالطهور، فإن أمكن: بأن كان الطهور قلتين فأكثر، وكان عنده إناء يسعهما: وجب خلطهما واستعمالهما (ولم يتحرَّ) أي: لم ينظر أيهما يغلب على ظنه أنه الطهور فيستعمله، ولو زاد عدد الطهور، ويعدل إلى التيمم إن لم يجد غيرهما (ولا يُشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما)؛ لأنه غير قادر على استعمال الطهور؛ أشبه ما لو كان الماء في بئر لا يمكنه الوصول إليه (٤٥)، وكذا: لو اشتبه مباح بمحرم (٤٤) مسألة: إذا أخبر زيد المكلَّف العدل عمرًا بأن هذا الماء طهور، أو أنه نجس: فيجب على عمرو قبول خبره بشرط: أن يُعيِّن زيد سبب كون الماء طهورًا، أو كونه نجسًا بأن يقول: "إنه طهور؛ لإنه لم يرد عليه ما يُنجِّسه" أو يقول: "إنه نجس؛ لأنه وقع فيه روث حمار أو بول أو وقع فيه كلب" أما إذا أخبره صبي أو مجنون، أو فاسق، أو مكلف عدل ولم يُبيِّن سبب طهوريته أو نجاسته: فلا يجب على عمرو قبول خبره؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُقبل خبر المخبر بالحديث، أو بالشهادة، إذا كان مكلَّفًا عدلًا، فكذلك هنا، والجامع: أن كلًا منهما خبر بشيء سيُعمل به، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس متشدِّد فيظنُّ كل شيء يُنجِّس الماء، وبعضهم متساهل فيظن كل شيء لا يُنجِّس، فاشترط ذلك ليحتاط المخبَرُ لنفسه. (٤٥) مسألة: إذا اشتبه عليه إناء فيه ماء طهور، وإناء آخر فيه ماء نجس، ولا يعلم أيهما الطهور أو النجس؟: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن أمكن تطهير النجس: بأن كان عنده ماء طهور كثير -وهو ما بلغ قلتين- وكان عنده إناء يسع الطهور والنجس: فإنه يطهر النجس بأن يُضيف الماء الكثير هذا إلى "مجموع =

стр. 54

فيتيمم إن لم يجد غيرهما (٤٦)، ويلزم مَن عَلِم النَّجس: إعلام مَنْ أراد أن = النجس مع الطهور الذي شك فيهما" -كما قلنا في طرق تطهير الماء- ثم يتطهر به، ولا يتيمم، ثانيًا: إن لم يمكن التطهير: فإنه يتحرى ويجتهد: فإن غلب على ظنه أن أحدهما هو الطهور: تطهر به، وإن لم يغلب على ظنه شيء: تركهما معًا وتيمم سواء كثُر عدد الطهور أو لا، وسواء خلطهما أو أراقهما أو لا؛ لقاعدتين: الأولى التلازم؛ حيث يلزم من التطهير بطرقه -كما سبق في مسألة (٤١) -صحة التطهر بالماء المطهَّر، ويلزم من عدم رجحان الإناء الطهور: عدم صحة التطهر بهما معًا؛ لوجود الشك؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر فيعمل بالبدل وهو التيمم، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أنه إذا اشتبهت عليه القبلة، أو اشتبهت عليه ثياب طاهرة بنجسة، فإنه يجتهد ويتحرى فكذلك هنا يتحرَّى ويجتهد، والجامع: أن كلًا منها محتمل لأن يصلح شرعًا أو لا، والاجتهاد هو الذي يُبيِّن ذلك، وكلًا منها يخص شرطًا من شروط الصلاة، ثانيهما: كما أنه يجوز التيمم مع وجود بئر فيه ماء لا يقدر على الوصول إليه، فكذلك يجوز التيمم مع وجود الإناءين -الطهور والنجس- بدون خلطهما أو إراقتهما، والجامع: عدم القدرة على استعمال الماء الطهور، فإن قلت: لِمَ وجب التحري والاجتهاد؟ قلتُ: للاحتياط في أمر الدين؛ فإن قلتَ: لِمَ جاز التيمم بدون إراقتهما؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس ينتفع بالماء المشتبه به غير التطهر به، فإن قلتَ: لِمَ ذكر المصنف عدم اشتراط إراقتها؟ قلتُ: للتنبيه على قول بعض العلماء: "إنه يُشترط إراقتهما أو خلطهما؛ حتى يتحقق شرط التيمم"، وهو: عدم وجود الماء الطهور، فذكر المصنف ذلك ردًا عليه. تنبيه: قوله: "ولم يتحرَّ" قلتُ: كونه لا يتحرى ولا يجتهد في أيهما الطهور من النجس هذا فيه بُعد، وقد بينا بالقياس: أنه يجب عليه أن يتحرى. (٤٦) مسألة: إذا اشتبه عليه إناء فيه ماء مباح، وإناء فيه ماء محرم -بأن كان مغصوبًا أو مسروقًا-: فإنه يتحرى ويجتهد، فإن غلب على ظنه أن أحدهما هو =

стр. 55

يستعمله (٤٧) (وإن اشتبه) طهور (بطاهر) أمكن جعله طهورًا به أم لا (توضأ منهما وضوءًا واحدًا) ولو مع طهور بيقين (من هذا غرفة، ومن هذا غرفة) ويعمَّ بكل واحدة من الغرفتين المحلَّ (وصلَّى صلاة واحدة)، قال في "المغني" و "الشرح": "بغير خلاف نعلمه" (٤٨)، فإن احتاج أحدهما للشرب تحرى، وتوضأ بالطهور وتيمم؛ = الماء المباح: تطهر به، وإن لم يغلب على ظنه شيء: تركهما وتيمم، ولا يُشترط إراقتهما ولا خلطهما؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم، حيث يلزم من غلبة الظن بأن هذا مباح: صحة التطهر به، ويلزم من العدم: العدم، الثانية: القياس، وهو من وجهين قد سبق ذكرهما في المسألة السابقة (٤٥). (٤٧) مسألة: إذا علم شخص أن الماء الذي في هذا الإناء هو النجس، أو هو المحرم، أو غلب على ظنه ذلك: فيجب عليه أن يُخبر كل من استعمله بذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن الإخبار بذلك من البر" و "البر" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم، والأمر هنا مطلق وهو يقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من غشنا فليس منَّا" وهو عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن عدم إخبار الآخرين بذلك من الغش، وورد فيه اسم الشرط، وهو من صيغ العموم، ونفي كون الغاش ليس من الأمة الإسلامية عقاب، ولا يُعاقب إلا على ترك واجب، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة التطهر بذلك النجس أو المحرم. (٤٨) مسألة: إذا اشتبه عليه إناء فيه ماء طهور، وإناء فيه ماء طاهر: فإنه يتوضأ منهما وضوءًا واحدًا: يأخذ من الأول غرفة بيده فيغسل بها وجهه، ويأخذ من الثاني =

стр. 56

ليحصل له اليقين (٤٩) (وإن اشتبهت ثياب طاهرة بـ) ثياب (نجسة) يُعلم عددها (أو) اشتبهت ثياب مباحة بثياب (محرمة) يعلم عددها: (صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس) من الثياب (أو المحرم) منها ينوي بها الفرض احتياطًا، كمن نسي صلاة من يوم (وزاد) على العدد (صلاة) ليؤدي فرضه بيقين (٥٠)، فإن لم يعلم عدد النجسة أو = غرفة فيغسل بها وجهه مرة ثانية، وهكذا في كل عضو من أعضاء الوضوء، فيُغمِّم بكل غرفة المحلَّ المغسول، ويفعل ذلك ولو كان عنده طهور، فإذا فرغ من ذلك: يصلي صلاة واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من هذا الفعل: أن يكون قد توضأ بالماء الطهور وضوءًا كاملًا بيقين، فصحت صلاته، فإن قلتَ: لِمَ يُفعل ذلك في الماء الطهور إذا اشتبه بطاهر، ولا يُفعل ذلك في الماء الطهور إذا اشتبه بنجس كما سبق في مسألة (٤٥)؟ قلتُ: لأن الماء الطاهر إذا لاقى أيَّ عضو لا يُنجسه، بخلاف النجس: فإنه إذا لاقاه يُنجسه؛ حيث قد يكون النجس بعد الطهور، أما الطاهر فلو كان بعد الطهور فلا يؤثر، ولما افترقت المسألتان: افترق الحكم. (٤٩) مسألة: إذا اشتبه إناء فيه ماء طهور، وإناء فيه ماء طاهر، واحتاج إلى أحدهما ليشربه: فإنه يتحرى ويجتهد؛ فإن غلب على ظنه أن هذا الإناء هو الطهور: تطهَّر به، وشرب الآخر؛ للمصلحة، حيث إن مصلحة الدِّين مقدمة على مصلحة النفس عند التعارض؛ لعدم وجود مفسدة من شرب الماء الطاهر بخلاف الماء النجس فلا يشربه بأي حال، تنبيه: قوله: "وتيمم" قلتُ: هذا فيه نظر؛ لأنه غلب على ظننا طهورية أحدهما، فلا داعي للتيمم، ولا يصح الجمع بين البدل والمبدل كما سبق بيانه … (٥٠) مسألة: إذا كان عنده خمسة ثياب طاهرة، وخمسة ثياب نجسة، أو عنده خمسة ثياب مباحة، وخمسة ثياب محرمة -كأن تكون مغصوبة أو مسروقة- ولا يعلم =

стр. 57

المحرمة: لزمه أن يصلي في كل ثوب صلاة؛ حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر ولو كثُرت، ولا تصح في ثياب مشتبهة مع وجود طاهر يقينًا، وكذا حكم أمكنة ضيقةً، ويصلي في واسعة حيث شاء بلا تحر (٥١). = النجس من الطاهر، ولا المباح من المحرم، وأراد صلاة الظهر -مثلًا-: فيجب عليه أن يصلي الظهر بعدد الثياب النجسة، أو بعدد الثياب المحرمة، ثم يزيد صلاة، ناويًا بكل صلاة، الفرض، فيصلي ست مرات؛ للقياس؛ بيانه: كما أن من نسي صلاة من يوم ولا يدري أي الصلوات: فإنه يصليها جميعًا، فكذلك هنا، والجامع: التحقق من أنه فعل المأمور به، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لأن هذا الفعل لا يتم الواجب إلا به فوجب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (٥١) مسألة: إذا كان عنده ثياب طاهرة، ونجسة، ولا يعلم عددها، أو عنده ثياب مباحة ومحرمة، ولا يعلم عددها، أو شك في أمكنة هل هي نجسة أو طاهرة، أو مباحة أو محرمة؟، وقد اشتبهت عليه فلا يعلم النجس من الطاهر، ولا المباح من المحرم، وأراد صلاة الظهر مثلًا: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولا: إن كانت تلك الثياب قليلة أو المكان ضيق -كأقل من عشرة ثياب والمكان أقل من عشرة أمتار، وهو جمع القلة- فيجب أن يصلي في كل ثوب صلاة، ويصلي في كل متر صلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فعله هذا -وهو غير شاق عليه-: أنه صلى بثوب ومكان طاهر بيقين فتصح صلاته، لتوفر شرطها. ثانيًا: إن كانت تلك الثياب كثيرة، والمكان واسعًا -كعشرة فأكثر-: فإنه يتحرى ويجتهد، فإن غلب على ظنه طهارة ثوب، أو طهارة مكان: صلى فيه وإن لم يغلب على ظنه شيء: فإنه يصلي بأي ثوب وبأي مكان وتبرأ ذمته إن شاء الله؛ للمصلحة؛ =

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حيث إنه يشق عليه أن يصلي بكل ثوب من تلك الثياب الكثيرة، وأن يصلي بكل موضع من ذلك المكان الواسع، فدفعًا لذلك: شرع هذا؛ لأن "المشقة تجلب التيسير" و "إذا ضاق الأمر اتسع" تنبيه: قوله: "ولو كثرت" قلتُ: يقصد: أنه يصلي بكل ثوب ولو كثرت، وهذا مخالف للقواعد الكلية الواردة في تيسير الشريعة وسماحتها؛ حيث إن الله لم يكلِّف عباده بتلك العبادات ليُعذَّبهم بها، تنبيه آخر: قوله: "ولا تصح في ثياب مشتبهة مع وجود طاهر يقينًا" قلتُ: يريد أنه إذا وجد ثوبًا قد تيقن من طهارته فيجب أن يصلي فيه ولا يصلي بالمشكوك فيه من الثياب والأمكنة، وهل هي طاهرة أم نجسة، وهل هي مباحة أم محرَّمة.؟ وهذا واضح من دليل الاستصحاب، حيث إن الأصل: أن يصلي بالمتيقن منه، دون المشكوك فيه. "هذه آخر مسائل "حقيقة الكتاب والطهارة والمياه المتطهر بها ويليه باب الآنية"

стр. 59

باب الآنية هي الأوعية جمع "إناء"، لما ذكر الماء: ذكر ظرفه (١) (كل إناء طاهر) كالخشب والجلود، والصفر، والحديد (ولو) كان (ثمينًا) كجوهر، وزمرُّد (يُباح اتخاذه واستعماله) بلا كراهة (٢)، غير جلد آدمي وعظمه فيُحرَّم (٣) باب الآنية التي تُحفظ فيها المياه وفيه ثنتان وعشرون مسألة: (١) مسألة: الآنية: جمع "إناء" وهو: جمع قِلَّة -وهو ما دون العشرة-، وجمع الكثرة: "أواني" وهي: الأوعية التي تحفظ فيها المياه، ومعنى الإناء لغة: هو منتهى الشيء، ومنه قوله تعالى ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي منتهى حدِّها، وقال: ﴿حَمِيمٍ آن﴾ أي: منتهى الحرارة، فإن قلتَ: لِمَ ذكر باب "الإناء" بعد المياه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذكر ذلك هنا مناسب؛ لكون الماء سريع الجريان فيلزم أن يُحفظ بالإناء، ثم إنه يُعلم بواسطة الإناء الماء الكثير والقليل، ثم إن الإناء ينزح به الماء النجس، ويكاثر بواسطته، وفيه ما هو طاهر، وما هو نجس، وبعضها يمكن تطهيره، وبعضها لا يمكن تطهيره، فتبين أن ذكره هنا أنسب من ذكره في باب "الأطعمة والأشربة"، كما فعل بعض الفقهاء. (٢) مسألة: جميع الأواني الطاهرة -غير آنية الذهب والفضة- يُباح اتخاذها واستعمالها بلا كراهة، وهذا مطلق، أي: تستعمل للأكل والشرب، والبيع والشراء، والزينة: سواء كانت ثمينة كالأواني المصنوعة من الجواهر والزمُّرد، أو غير ثمينة كالأواني المصنوعة من الخشب والجلود، ونحوه؛ للاستصحاب، حيث إن الأصل في الأواني الإباحة إلا ما ورد دليل على المنع منه -ولم يرد المنع إلا عن أشياء سيأتي ذكرها- فيبقى ما عداها على الأصل، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس. (٣) مسألة: يحرم جعل جلد وعظم وشعر الآدمي آنية؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ حيث دلَّ مفهوم الصفة منه على تحريم فعل أي شيء =

стр. 60

(إلا آنية ذهب وفضة، ومضبَّبًا بهما) أو بأحدهما -غير ما يأتي-، وكذا: المموَّه، والمطلي، والمطعَّم، والمكفَّت بأحدهما (فإنه يحرم اتخاذها)؛ لما فيه من السرف والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء (واستعمالها) في أكل وشرب وغيرهما (ولو على أنثى)؛ لعموم الأخبار، وعدم المخصص، وإنما أبيح التحلي للنساء؛ لحاجتهن إلى التزين للزوج، وكذا: الآلات كلها كالدواة، والقلم، والمسعط، والقنديل، والمجمرة، والمدخنة حتى الميل ونحوه (٤) (وتصح الطهارة منها) أي: من الآنية المحرَّمة، وكذا: الطهارة = في بني آدم يُهينه، واتخاذ آنية من جزء منه تحصل به تلك الإهانة، فإن قلتَ: لِمَ حُرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإنسان قد أُعدَّ للعمل بالشرائع؛ نظرًا لما تميز به من عقل، فلا يهان بذلك. (٤) مسألة: يحرم على الرجال والنساء استعمال واتخاذ الأواني المصنوعة من الذهب والفضة، أو المضيب بهما، -بأن يُسدُّ بهما شق في إناء- وكذا المطلي بهما في أي آلة من الآلات المستعملة كالأقلام والمصابيح، أو مقابض الأبواب، أو الرفوف، أو الطشوت، أو المجامر، أو المداخن ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا من صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" فحرم ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم، وهو عام للرجال والنساء؛ لأن "واو الجمع" من صيغ العموم، والنساء يدخلن في خطابات الذكور إذا لم يوجد دليل يخرجهن، الثانية: القياس؛ وهو من وجوه: أولها: أن ما ضبِّب، ومُوِّه، وطُعِّم بالذهب والفضة، يُقاس على خالص الذهب والفضة، والجامع: الإسراف، وكسر قلوب الفقراء، ثانيها: أن جميع أنواع الاستعمالات تُقاس على الأكل والشرب، والجامع: الاستعمال الدال على الخيلاء، ثالثها: أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه؛ قياسًا على آلة اللهو كالطنبور، والجامع: أن كلًا منهما منهي عنه، والقاعدة هي "أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه"، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث =

стр. 61

بها، وفيها وإليها، وكذا آنية مغصوبة (٥) (إلا ضبَّة يسيرة) عرفًا، لا كبيرة (من = إن استعمال واتخاذ ذلك فيه مفسدة كسر قلوب الفقراء، والإسراف المنهي عنه، فدفعًا لذلك حُرِّم، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك، وأبيحت الأواني غالية الأثمان المصنوعة من الجواهر؟ قلتُ: لوجود الفرق؛ حيث إن استعمال واتخاذ الأواني غالية الأثمان كالجواهر لا يحصل فيها الخيلاء وكسر قلوب الفقراء؛ لعدم معرفتهم بها، أما الذهب والفضة: فهما معروفان عند الفقراء، فلو استعملها الغني أو اتخذها: لكسر قلوب الفقراء، -ذكره الباجي كما نقله عنه القرافي في "الذخيرة" (١/ ١٦٧) -، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك مع جواز التحلي بهما للمرأة؟ قلتُ: الأصل تحريم ذلك على الذكور والإناث، ولكن أبيح التحلي للنساء؛ للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تزين المرأة أمام زوجها، لتجذبه إليها، وفي ذلك إحصان لها، وله، ويُسبب ذلك كثرة الاستيلاد، وكثرة المسلمين. (٥) مسألة: تصح الطهارة بماء موجود في إناء ذهب أو فضة، أو مضبَّبب بهما: سواء اغترف الماء منه، أو انغمس فيه، أو صب منه الماء، أو صبَّ عليه أو نحو ذلك، وكذلك تصح الطهارة بماء في إناء مغصوب أو مسروق إن لم يجد غيره؛ للتلازم؛ حيث إن حقيقة الطهارة هي: جريان الماء على البدن أو الأعضاء، وهذا قد كمل، فيلزم صحتها وليس في ذلك معصية، إن لم يجد غيره، أما إن وجد غيره: فلا تصح الطهارة بها كما سيأتي فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس؛ إذ قد لا يوجد إلا هذه الأواني المحرمة المحفوظ فيها الماء، ولم يتوفر فيه شرط التيمم. [فرع]: إن وُجد عند الشخص غير تلك الأواني المغصوبة والمسروقة: فلا تصح الطهارة بتلك المغصوبة والمسروقة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة إن وجد عنده غيرها، فكذلك لا تصح الطهارة في الأواني المغصوبة والمسروقة، والجامع حماية حقوق المسلمين من أخذها ظلمًا في كل، وهذا هو المقصد منه.

стр. 62

فضة) لا ذهب (لحاجة) وهي: أن يتعلق بها غرض غير الزينة، فلا بأس بها؛ لما روى البخاري عن أنس ﵁: "أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة"، وعلم منه: أن المضبَّب بذهب حرام مطلقًا، وكذا: المضبَّب بفضة لغير حاجة، أو بضبَّة كبيرة عرفًا ولو لحاجة؛ لحديث ابن عمر: "من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك: فإنما يُجرجر في بطنه نار جهنم" رواه الدارقطني (٦) (وتكره مباشرتها) أي: الضبَّة المباحة (لغير حاجة)؛ لأن فيه (٦) مسألة: يُحرَّم استعمال الإناء المضبَّبب بالذهب: سواء كان هذا التضبيب قليلًا أو كثيرًا، وسواء كان الحاجة أو لغير حاجة، ويحرم أيضًا استعمال الإناء المضبَّبب بالفضة إذا كان هذا كثيرًا لحاجة أو لغير حاجة، وكذا إن كان يسيرًا لغير حاجة، أما إن كان التضبيب بالفضة يسيرًا لحاجة -كأن لا يوجد إلا هذه القطعة من الفضة لسد هذا الصدع في الإناء دون نيته التزين بذلك-: فإن هذا يُباح؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد انكسر قدح له فاتخذ مكان الشعب سلسلة من الفضة" -كما روى ذلك أنس- وظاهره: أن ذلك كان يسيرًا، وكان الحاجة؛ لأنه يلزم من لفظ "الشعب" كونه قليلًا أو يسيرًا؛ لأن المراد: الخيط الصغير، ويلزم من فعله ذلك: أنه كان لحاجة؛ لأن الفضة هي التي تقوى على جبر الكسر بدقة، بخلاف الحديد، ودل مفهوم الحال من هذا: على عدم جواز غير ذلك من التضبيب بالذهب مطلقًا، أو بالفضة الكثيرة، أو اليسيرة بغير حاجة، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يُحرم استعمال الإناء خالص الذهب والفضة فكذلك يُحرم الإناء المضبَّبب بهما، والجامع: الإسراف، وكسر قلوب الفقراء، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح التضبيب القليل من الفضة لحاجة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التضبيب بقليل الفضة أكثر جودة، وأمنع من الكسر مرة ثانية من الحديد تنبيه القليل والكثير من التضبيب =

стр. 63

استعمالًا للفضة، فإن احتاج إلى مباشرتها كتدفق الماء ونحو ذلك: لم يُكره (٧) (وتباح آنية الكفار) إن لم تُعلم نجاستها (ولو لم تحل ذبائحهم) كالمجوس؛ "لأنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة" متفق عليه (و) تُباح (ثيابهم) أي: ثياب الكفار، ولو وَلِيت عوراتهم كالسراويل: (إن جُهل حالها) ولم نعلم نجاستها؛ لأن الأصل: الطهارة، فلا تزول بالشك، وكذا ما صبغوه أو نسجوه، وآنية من لابس النجاسة كثيرًا كمدمن الخمر، وثيابهم، وبدن الكافر طاهر، وكذا طعامه وماؤه (٨)، لكن تكره الصلاة في ثياب المرضع، = يُحدَّدان بعرف المتوسطين من عقلاء الناس، لا المتشدِّدين، ولا المتساهلين، تنبيه آخر: استدلاله بحديث ابن عمر: لا يصح: لأن فيه زيادة: "أو إناء فيه شيء من ذلك" وهذه الزيادة لم ترد في رواية ابن عمر عند البخاري وغيره من أئمة الحديث؛ وإنما وردت عند الدارقطني وقد ضعَّفها أئمة الحديث؛ لأن في إسناده يحيى بن محمد الجاري وهو مضعَّف. (٧) مسألة: إذا وضع ضُبة يسيرة من فضة لحاجة: فإنه يُكره أن يأكل أو يشرب من جهتها إلا لحاجة -بأن تكون جميع الجهات حارة إلا جهة الضبُة، أو أن يكون تدفق الماء من جهتها- فإن هذا لا يكره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مباشرة الضبة اليسيرة بلا حاجة: أن يكون قد باشر استعمال الفضة الخالصة، وهذا فيه نوع من ارتكاب منهي عنه -حيث إنه ﷺ قد نهى عن الأكل والشرب من آنية الفضة- وإنما حمل على الكراهة؛ لأن الإناء ليس كله فضة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه أبيح لحاجة؛ مراعاة لأحوال الناس، وكره لغير حاجة احتياطًا للدِّين. (٨) مسألة: يُباح استعمال أواني الكفار للطهارة ولغيرها، واستعمال ثيابهم الخارجية والداخلية، التي نسجوها أو صبغوها أو لبسوها للصلاة وغيرها، =

стр. 64

والحائض والصبي ونحوهم (٩) (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) روي = وكذا أبدانهم وبشرتهم طاهرة، وطعامهم، وشرابهم، وسؤرهم، وكذا: أواني المسلم الذي من عادته ملامسة النجاسات كالجزَّارين، والدبَّاغين ونحوهم، وثيابهم؛ ولكن هذا بشرط: عدم العلم بنجاستها؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الثياب، والأواني، والأبدان الطهارة، فنستصحب ذلك ونعمل به، حتى يرد دليل يمنع من ذلك ولم يوجد، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو مُنع المسلمون من استعمال أو ملامسة الكفار أو غيرهم ومن استعمال أوانيهم: لَلَحِقهم الضيق والحرج؛ لكثرة معايشة المسلمين مع الكفار، ومجاورتهم لهم واختلاطهم بهم، تنبيه: الحديث الذي ذكره "أنه ﵇ توضأ من مزادة كافرة" لم يرد بهذا اللفظ، بل ورد بلفظ: "أنه استعمل مزادة مشركة" وهو المخرَّج عند البخاري ومسلم، والاستعمال قد يكون في الطهارة، وفي غيرها، وإنما الذي توضأ من جرة نصرانية هو عمر كما أورده الشافعي في "الأم" (١/ ٧) وهو مؤيد للاستصحاب. (٩) مسألة: تصح الصلاة في ثياب المرضع والحائض والنفساء والصبي ونحوهم مع الكراهة؛ للتلازم؛ حيث إن كثرة ملامستهن للنجاسات التي تُسببها الرضاعة للأطفال، والحيض، والنفاس، وعدم تطهر الصبي من نجاساته عادة، يلزم منه احتمال وجود نجاسات فيها، ونظرًا لهذا الاحتمال: كُره، لكن لو علمنا وجود نجاسة أو غلب على ظننا ذلك فلا تصح الصلاة فيها، فإن قلتَ: إنه ﷺ كان يثب عليه الحسن والحسين وأمامة بنت أبي العاص وهو يصلي، وهذا يلزم منه: عدم كراهة ذلك؛ لأنه ﷺ لا يفعل المكروه، قلتُ: يحتمل أنه كان يغلب على ظنه عدم نجاسة ثيابهم، وهو لم يلبس ثيابهم، ويحتمل إنه قد أعاد صلاته الفرض فيما بعد، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل: بطل به الاستدلال، فإن =

стр. 65

عن عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين ﵃ (١٠)، وكذا: لا يطهر = قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في تطرق الاحتمال إلى فعله ﷺ ": فعندنا يتطرق، وعندهم: لا يتطرق. (١٠) مسألة: الإناء المصنوع من جلد حيوان مأكول مات: يجوز استعماله في الطهارة وغيرها بشرط: أن يُدبغ -والدبغ: تنظيف ونزع الفضلات العالقة بالجلد من النجاسات -كما قال القرافي في "الذخيرة" (١/ ١٦٦)،- للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" والإهاب: هو الجلد، وهذا عام؛ حيث إن "أي" الشرطية من صيغ العموم، ويكون المراد: أيُّ جلد نجس بالموت فإن الدباغة تطهره، وهذا هو لازمه؛ إذ لا يُقال ذلك إلا فيما لحقه التنجيس، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، لأن بعض الحيوانات تموت فجأة، فلو مُنع من الانتفاع بجلودها بعد دبغها: للحق بعضهم الضيق والمشقة، فإن قلتَ: إن جلد الميتة من الحيوان لا يطهر سواء دُبغ أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ حيث إنه حرم الانتفاع بأي جزء من أجزاء الميتة؛ لأن لفظ "الميتة" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم والجلد جزء منها، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" -كما رواه عبد الله بن عكيم، وهو واضح الدلالة، الثالثة: "قول الصحابي؛ حيث ثبت عن عمر وابنه وعائشة: أنهم كانوا يقولون بعدم طهارته، قلتُ: أما الآية فهي عامة، وقد خُصِّصت بالسنة القولية التي ذكرنا -وهي: "أيما إهاب .. "-، أما حديث عبد الله بن عكيم: فهو ضعيف كما قال كثير من أئمة الحديث، وعلى فرض صحته: فإنه يحمل على الجلد قبل الدبغ؛ لأن "إهاب" يشمل الجلد قبل وبعد الدباغة، أما قول الصحابي: فلا يُحتج به؛ لأنه عارض السنة القولية -وهي: "أيما إهاب دبغ فقد طهر"- تنبيه: جلد الحيوان المأكول المذكى يجوز استعماله؛ للإجماع، =

стр. 66

جلد غير مأكول بذكاة كلحمه (١١) (ويباح استعماله) أي: استعمال الجلد (بعد الدبغ) بطاهر منشِّف للخبث قال في الرعاية "ولا بد فيه من زوال الرائحة الخبيثة"، (١٢) وجَعْلُ المصران والكرش = فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الآية وحديث بن عكيم مخصصان بحديث "أيما إهاب دبغ .. " أو لا؟ "، فعندنا مخصَّصان به، وعندهم: لا. و "هل حديث ابن عكيم ضعيف أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: صحيح. (١١) مسألة: لا يطهر جلد أي حيوان غير مأكول اللحم -كالكلب والخنزير والذئب والأسد والنمر والفهد وجميع السباع -سواء ذُكيَّ أو لا، دبغ أو لا، ولا يجوز بيعه، للقياس؛ بيانه كما أن لحوم هذه الحيوانات نجسة نجاسة ذاتية فلا تطهر ولا تباع، فكذلك جلودها، والجامع: النجاسة الذاتية في كل، فإن قلتَ: لِمَ لا يطهر ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ما كانت نجاسته نجاسة ذاتية مضر استعماله بالإنسان ضررًا بالغًا، فإن قلتَ: لِمَ كان جلد الميت من مأكول اللحم يطهر بالدبغ مع نجاسته بالموت وهذا لا يطهر بالدَّبغ؟ قلتُ لأن جلد مأكول اللحم طرأت عليه النجاسة بالموت والشيء الطارئ يُذهبه الدبغ، بخلاف غير مأكول اللحم فنجاسة جلده نجاسة ذاتية، فلا يطهر ولو غسل ودبغ آلاف المرات. (١٢) مسألة: يُشترط في الذي يُدبغ به الجلد: أن يكون طاهرًا، منقيًا، منشِّفًا للنجس، مزيلًا للرائحة الكريهة، والذي يفعل ذلك عادة الشَّبُّ، والصابون والقرض ونحوها من المنظفات؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُشترط في الأحجار المستجمر بها ذلك، فكذلك يشترط في الذي يُدبغ به، والجامع التطهير في كلٍ وإزالة القاذورات، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يقي المستعمل لهذا الجلد شرَّ الأمراض.

стр. 67

وترًا دباغ (١٣)، ولا يحصل بتشميس ولا تتريب (١٤)، ولا يفتقر إلى فعل آدمي، فلو وقع في مدبغة فاندبغ: جاز استعماله (١٥) (في يابس) لا مائع ولو وسع قلتين من الماء، إذا كان الجلد (من حيوان طاهر في الحياة) مأكولًا كان كالشاة، أو لا كالهِّر، أما جلود السباع كالذئب ونحوه مما خلقته أكبر من الهِّر، ولا يؤكل: فلا يباح دبغه، ولا استعماله قبل الدبغ ولا بعده، ولا (١٣) مسألة: إذا جُعِلت مصران الحيوان أو كرشه أوتارًا للقوس الذي يُرمى به: فهذا بمثابة دباغ له، يجوز لمسه بدون حائل؛ للتلازم؛ حيث إن تقطيعه إلى أوتار، وحبال يلزم منه إزالة ما فيه من النجاسات. (١٤) مسألة: لا يحصل الدباغ بجعل الجلد في الشمس، أو دلكه بالتراب، بل لا بد من التأكد من فعل الأمور فعل الأمور الأربعة -المذكورة في مسألة (١٢) -؛ للتلازم؛ حيث إن اشتراط الطهارة والتنقية، والتنشيف والإزالة في الدبغ يلزم منه عدم حصول الدبغ بدونها، والتشميس والتتريب لا يُحصِّلان ذلك، فيلزم عدم حصول الدبغ الشرعي، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم من أن يستعمل شيئًا لم يتنق من النجاسات فتتأثر صحته بسببه. (١٥) مسألة: لا يُشترط في الدبغ: الفعل، فلو وقع الجلد في مدبغة تُنقِّي، وتُنشِّف وتُزيل النجاسات: فإن ذلك الجلد يطهر، ولو لم يفعل به الشخص شيئًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأرض النجسة ببول أو غيره تطهر بمجرد صبِّ الماء عليها بدون فعل، فكذلك الجلد إذا وضع في مدبغة معدَّة لذلك يطهر، والجامع: حصول التطهير في كل، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.

стр. 68

يصح بيعه، (١٦) ويباح استعمال منخل من شعر نجس في يابس (١٧) (ولبنُها) أي: (١٦) مسألة: لا يشترط في إباحة استعمال جلد الميتة بعد الدبغ: أن يستعمل في الأشياء اليابسة، بل يُستعمل في جميع الأشياء سواء كانت يابسة أو رطبة إذا كان جلد حيوان طاهر مأكول اللحم، أو كانت خِلْقَته كالهر فأقل مما لا يؤكل لحمه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وهذا عام للاستعمال في الأشياء اليابسة والرطبة، حيث لم يُخصص فيم يُستعمل له؟ وهو عام لجلد الميتة المدبوغ والمذكاة؛ لأن "أي" من صيغ العموم، فإن قلتَ: يُشترط أن يُستعمل هذا الجلد للميتة المدبوغ في الأشياء اليابسة فقط، وبناء عليه: لا يوضع فيه ماء أو أي شيء مائع ولو كان كثيرًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن روث الحمار إذا لاقى ماء: فإنه ينجسه، فكذلك جلد الميتة المدبوغ إذا لاقى ماء يُنجِّسه، والجامع: أن كلًا منهما نجس لاقى طاهرًا: فنجَّسه، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن جلد الميتة قد طهر بالدبغ -كما لزم من الحديث السابق- فيكون طاهرًا قد لا فى ماء طاهرًا فمن أين تأتيه النجاسة؟! بخلاف روث الحمار؛ حيث إنه نجس نجاسة ذاتية، لا يمكن تطهيره، فلو كان لاقي ماء طهورًا: لنجسه، لكونه نجسًا قد لاقى طاهرًا، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة" فعندنا: يعمل بعموم السنة، ولا يقوى القياس على تخصيصه، وعندهم: القياس قد قوي على تخصيص العام باليابس فقط، تنبيه: قوله: "أما جلود السباع" إلى قوله: "ولا يصح بيعه" قد سبق بيانه في مسألة (١١). (١٧) مسألة: يباح استعمال منخل -وهو ما تُنخل به الحبوب وتُصفَّى به- قد وضع فيه شعر نجس، كشعر ميتة، أو كلب، بشرط: أن يكون هذا الحب المنخول يابسًا؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز ركوب الحمار نجاسته، فكذلك يجوز نخل الحب اليابس بمنخل فيه شعر نجس، والجامع: عدم تعدِّي النجاسة في =

стр. 69

لبن الميتة (وكل أجزائها) كقرنها، وظفرها، وعصبها، وعظمها، وحافرها، وأنفحتها، وجلدتها (نجسة) فلا يصح بيعها (غير شعر ونحوه) كصوف، ووبر، وريش من طاهر في الحياة، فلا ينجس بموت، فيجوز استعماله (١٨) ولا ينجس باطن بيضة مأكول صَلُّبَ قشرها بموت = كل، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة وهي: التيسير على الناس وعدم وجود محذور. (١٨) مسألة: إذا مات حيوان مأكول طاهر في الحياة: فينتفع بجلده بعد دبغه -كما سبق- وبشعره وصوفه في كل شيء، أما غير الجلد والشعر: فلا يجوز الانتفاع به، ولا بيعه ولا غير ذلك -كلبن الميتة وعظامها، وأظفارها، وحوافرها، ورأسها، ويدها، ورجلها، وأنفحتها -وهو: شيء أصفر يخرج بعد الولادة يشبه اللبن-؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهذا التحريم عام لجميع أجزاء الميتة؛ لأن "الميتة" مفرد محلَّى بال وهو من صيغ العموم، ثانيهما: قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ حيث إن هذه الآية خصَّصت الآية الأولى فاستثنت الشعر من أجزاء الميتة، فأحلَّته، وهي عامة في كون الشعر مباحًا من غير فرق بين شعر المذكى والميت؛ لأن لفظ "وأشعارها … " جمع منكر مضاف إلى معرفة، وهو الضمير وهذا من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" حيث إن هذا قد خصَّص الآية الأولى، فأخرج الجلد من التحريم -وقد سبق- الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن اللبن لو وضع في وعاء نجس لتنجس بذلك فكذلك لبن الميتة يكون نجسًا، والجامع وجود مائع في وعاء نجس، فإن قلتَ: لِمَ يُنتفع بالجلد والشعر فقط من الميتة دون بقية أجزائها؟ قلتُ: =

стр. 70

الطائر (١٩) (وما أُبين من) حيوان (حي فهو كميتته) طهارة ونجاسة: فما قُطع من السمك طاهر، وما قطع من بهيمة الأنعام ونحوها مع بقاء حياتها: نجس، (٢٠) غير مسك وفأرته (٢١) = للمصلحة؛ حيث إن الناس ينتفعون بهما على المدى البعيد، فالجلود يصنعون منها أوعية للمياه، والأوبار، والأشعار يصنعون منهما بيوتهم وأفرشتهم كما أشارت إلى ذلك الآية. (١٩) مسألة: إذا مات مأكول وهو طائر أو لا، وفي بطنه بيضة: فإنها لا تنجس فيجوز أكلها بشرط: صلابة قشرها؛ للقياس، بيانه: كما أن ولد الميتة إذا خرج حيًا يكون طاهرًا، فكذلك البيضة هنا، والجامع: الانفصال في كل، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا ضرر على أكلها؛ لصلابة قشرها؛ ولعموم منفعتها. (٢٠) مسألة: إذا قُطع من حيوان شيء وبقي هذا الحيوان حيًا فهو كميتته: فإن كانت ميتة هذا الحيوان نجسة كالميت من بهيمة الأنعام: فإن هذا المقطوع نجس لا يجوز أكله، ولا بيعه، أما إن كانت ميتة هذا الحيوان طاهرة تؤكل بدون ذكاة كالسمك والجراد: فإن هذا المقطوع طاهر يجوز أكله وبيعه؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو كميتته" حيث بيَّن أن الجزء يتبع الكل في الحكم، ثانيهما: قوله: "أُحل لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان: فالجراد والسمك … " فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للحيوانات من قطع بعض أجزائها وهي حية؛ رحمة بها. (٢١) مسألة: إذا ظهر في الغزال كيس عند سرته فهو فأرته التي تحوي على المسك، فإذا أخذه المسلم فهو طاهر حلال سواء كان ذلك الغزال حيًا أو لا؛ =

стр. 71

والطريدة، وتأتي في الصيد (٢٢). = للقياس، بيانه كما أن الولد إذا انفصل عن الوالدة يكون طاهرًا حلالًا، فكذلك هذا الكيس، والجامع: الانفصال بالطبع، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك طاهرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه نفع المسلمين، بدون إلحاق ضرر على المأخوذ منه. (٢٢) مسألة: إذا طارد قوم صيدًا في صحراء -مثلًا- فرمى كل واحد منهم ذلك الصيد، فقطع كل واحد منهم جزءًا من ذلك الصيد غير الذي قطعه الآخر، حتى مات، فإن تلك القطع حلال طاهرة؛ للعرف، بدون أن يُنكره أحد من العلماء، قال الحسن البصري: "لا بأس بالطريدة؛ كان الناس يفعلون ذلك في مفازتهم" واستحسن ذلك أحمد. هذه آخر مسائل باب "الآنية"، ويليه باب "الاستنجاء والاستجمار، ودخول الحمام وآداب قضاء الحاجة"

стр. 72

باب الاستنجاء "من نجوت الشجرة" أي قطعتها، فكأنه قطع الأذى، و "الاستنجاء": إزالة الخارج من سبيل بماء، أو إزالة حكمه بحجر ونحوه، ويُسمَّى الثاني استجمارًا؛ من الجمار، وهي: الحجارة الصغيرة (١) (يُستحب عند دخول الخلاء) ونحوه- وهو: باب الاستنجاء والاستجمار ودخول الحمام، وآداب قضاء الحاجة وفيه ثلاث وأربعون مسألة: (١) مسألة: الاستنجاء لغة: استفعال من النجو، وهو: قطع وإزالة الأذى عنه، واصطلاحًا إزالة الأذى من المخرجين بعد خروج الفضلة المستقذرة -من بول أو غائط- بماء، أو بحجر أو نحوه مما يقوم مقامه -كالتراب والمنديل- حتى يكون في حكم الشرع طاهرًا، وسُمِّي بـ"الاستنجاء"؛ لأنه أزال الشيء عن موضعه من النجو وهو المباعدة،، وهو أرجح الأقوال فيه -كما في "اللسان" (١٥/ ٣٠٤) -وسُمِّي بـ "الاستجمار": لكونه استعمل الحجارة الصغيرة لإزالة أثر الغائط، ومنه "رمي الجمار"، وسُمِّي بـ "الاستطابة"؛ لأن المستنجي يُطيب نفسه بذلك كما يفعل البخور -كما في "الحاوي" (١/ ١٥٠) - وسُمِّي بـ "الاستنقاء" لأنه ينقي نفسه بالأحجار أو بالماء، وسُمِّي بـ "الاستبراء" لأنه يبريء نفسه من الحدث الخارج بالماء أو بالأحجار، وسُمِّي الخارج من الإنسان بـ "الغائط" لأن الناس كانوا يذهبون إلى المكان المنخفض لقضاء حاجتهم؛ لئلا يراهم أحد، وهو اسم مجازي، قد تعارف الناس عليه، ونسوا الحقيقة، فكانت حقيقة عرفية، وسُمِّي بـ "النجو" لأن النجو هو: المكان المرتفع، فيذهب الناس إليه ليستتروا به عند قضاء حاجتهم، وسُمِّي بـ "البراز" لأن البراز هو المتسع من الأرض، فيذهب الناس إليه؛ لئلا يراهم أحد عند قضاء حاجتهم، وسُمِّي بـ "الخلاء" لأن الناس يذهبون لقضاء حاجتهم بالمكان الخالي وسُمِّي المكان =

стр. 73

بالمد-: الموضع المعد لقضاء الحاجة، (قول: بسم الله)؛ لحديث علي: "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله" رواه ابن ماجه والترمذي وقال: "ليس إسناده بالقوي" (٢) (أعوذ بالله من الخُبْث) بإسكان الباء، قال القاضي عياض: هو أكثر روايات الشيوخ، وفسَّره بـ "الشَّر" (والخبائث): الشياطين، فكأنه استعاذ من الشَّرِّ وأهله، وقال الخطَّابي: -هو بضم الباء- وهو: = الذي تُقضى به الحاجة بـ "الكنيف"؛ لأن الكنيف هو الساتر، وسُمِّي بـ "المرحاض" لأن الرحاضة هي: المغسلة، وسُمِّي بـ "المحش" لأن المحش هو الحشيش المجتمع، لذا يقضي بعضهم حاجته بالبساتين، وسُمِّي بـ "الحمام" لأن الحمام هو: المغتسل بماء حار -كما في "اللسان" (٦/ ٨٦) و (٧/ ١٥٢) و (٩/ ٣٠٩) و (١٢/ ١٥٠) -، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي الباب بهذا الاسم مع وجود هذه الأسماء له؟ قلتُ: لأن لفظ الاستنجاء هو الغالب في اللسان، فإن قلتَ: لِمَ جُعل هذا الباب بعد الآنية؟ قلتُ: لمناسبته؛ حيث إنه بعد ذكره للمياه، وما تحفظ فيه: ناسب أن يُذكر هذا الباب هنا؛ نظرًا لاستعمال الماء في الاستنجاء والحمامات، فإن قلتَ: لِمَ شرع الاستجمار؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن حمل الماء في كل مكان يشق، فأباح الشارع -رخصة- الاستجمار بالأحجار كمشروعية التيمم. (٢) مسألة: يُستحب عند دخول "الحمام" أو المكان المعد لقضاء الحاجة أن يقول: "بسم الله"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله" وله طرق قد قوته -كما في "الإرواء" (١/ ٩٠) - فإن قلت: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البسملة تفيد قائلها البركة والإعانة على كل عمل، وتتسبَّب في منع نظرات الجن إلى عورة المسلم ومنع أذاهم عنه.

стр. 74

جمع "خبيث"، و "الخبائث": جمع خبيثة: فكأنه استعاذ من ذكرانهم وإناثهم، واقتصر المصنف على ذلك؛ تبعًا لـ "المحور" و "الفروع" وغيرهما؛ لحديث أنس: أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" متفق عليه، وزاد في "الإقناع" و "المنتهى" تبعًا لـ "المقنع" وغيره: "الرِّجس النجس الشيطان الرجيم" لحديث أبي أمامة: "لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم" (٣) (و) يُستحب أن يقول (عند الخروج منه) أي: من الخلاء ونحوه: (غُفرانك) أي: أسألك غفرانك: (٣) مسألة: يُستحب أن يقول -بعد البسملة-: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وإن زاد فقال: "وأعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم": فهو حسن، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أرشد إلى هذا في حديث أبي أمامة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ كان يقول ذلك في هذا الموضع -كما في حديث أنس-، ولفظ "كان" تدل على العموم في الأزمان؛ لأنه من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في هذا القول حماية للمسلم من ذكور الشياطين وإناثهم؛ لأن "الخُبُث" هم الذكور، و "الخبائث" هي الإناث، أو حمايته من الشر وأهله؛ لأن "الخبث" هو: الشر، و"الخبائث" أهل الشر، وكل طائفة من العلماء اختارت تفسيرًا، ولا مانع من أن يكون المقصود الجميع، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك عند دخول الخلاء، ولا يُشرع عند دخول غيره؟ قلتُ: لمناسبته لهذا الموضع؛ لأن المسلم يكشف عورته فيه، وهو مكان للنفوس الشريرة عادة فشُرِّع هذا الدعاء فيه دون غيره.

стр. 75

من "الغفر" وهو: الستر؛ لحديث أنس: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" رواه الترمذي وحسَّنه، وسُنَّ له أيضًا أن يقول: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)؛ لما رواه ابن ماجه عن أنس: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" (٤) (و) يُستحب له (تقديم رجله اليسرى دخولًا) أي: عند دخول الخلاء ونحوه من مواضع الأذى (و) يُستحب له تقديم (يُمنى) رجليه (خروجًا، عكس مسجد) ومنزل (و) لبس (نعل) (٤) مسألة: يُستحب أن يقول - عند فراغه من الخلاء وأراد الخروج -: "غُفرانك" وبعد ذلك يقول: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول بعد خروجه: "غفرانك"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه شكر لله، وثناء عليه؛ لكونه أطعمه وسقاه، ثم سهل خروجه، فلو امتنع هذا الأذى عن الخروج: للحق المسلم أذى، بل هلاك، فهو في هذه الكلمة يستغفر الله على تقصيره في شكره، ذكر عبد الرزاق في "مصنفه": أن نوحًا ﵇ كان يقول: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى لي منفعته، وأذهب عني أذاه" فإن قلتَ: إنه لما دخل ثقيلًا وخرج خفيفًا: تذكَّر ثقل الذنوب يوم القيامة فسأل المغفرة هنا، وهو قول ابن القيم في "الإغاثة" (١/ ٥٨)، قلتُ: إن مناسبة ما ذكرناه للمقام أوجه من هذا، فإن قلتَ: إنه لما ترك الذكر وقت قضاء الحاجة سأل الله المغفرة، قلتُ: إن الذكر لا يشرع أثناء قضاء الحاجة، فلا حاجة للاستغفار بدون ذنب، كما أن الحائض والنفساء تتركان الصلاة: فلا يشرع لهما الاستغفار، فما ذكرناه أنسب. تنبيه: استدلاله بحديث: أنه ﷺ كان يقول: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى … " لا يصح، لأنه حديث ضعيف - كما في "الإرواء" (١/ ٩٢) -.
следующие страницы →