Полный текст (3 194 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
والطريدة، وتأتي في الصيد (٢٢).
= للقياس، بيانه كما أن الولد إذا انفصل عن الوالدة يكون طاهرًا حلالًا، فكذلك هذا الكيس، والجامع: الانفصال بالطبع، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك طاهرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه نفع المسلمين، بدون إلحاق ضرر على المأخوذ منه.
(٢٢) مسألة: إذا طارد قوم صيدًا في صحراء -مثلًا- فرمى كل واحد منهم ذلك الصيد، فقطع كل واحد منهم جزءًا من ذلك الصيد غير الذي قطعه الآخر، حتى مات، فإن تلك القطع حلال طاهرة؛ للعرف، بدون أن يُنكره أحد من العلماء، قال الحسن البصري: "لا بأس بالطريدة؛ كان الناس يفعلون ذلك في مفازتهم" واستحسن ذلك أحمد.
هذه آخر مسائل باب "الآنية"، ويليه باب "الاستنجاء والاستجمار، ودخول الحمام وآداب قضاء الحاجة"
стр. 72
باب الاستنجاء
"من نجوت الشجرة" أي قطعتها، فكأنه قطع الأذى، و "الاستنجاء": إزالة الخارج من سبيل بماء، أو إزالة حكمه بحجر ونحوه، ويُسمَّى الثاني استجمارًا؛ من الجمار، وهي: الحجارة الصغيرة (١) (يُستحب عند دخول الخلاء) ونحوه- وهو:
باب الاستنجاء والاستجمار ودخول الحمام، وآداب قضاء الحاجة
وفيه ثلاث وأربعون مسألة:
(١) مسألة: الاستنجاء لغة: استفعال من النجو، وهو: قطع وإزالة الأذى عنه، واصطلاحًا إزالة الأذى من المخرجين بعد خروج الفضلة المستقذرة -من بول أو غائط- بماء، أو بحجر أو نحوه مما يقوم مقامه -كالتراب والمنديل- حتى يكون في حكم الشرع طاهرًا، وسُمِّي بـ"الاستنجاء"؛ لأنه أزال الشيء عن موضعه من النجو وهو المباعدة،، وهو أرجح الأقوال فيه -كما في "اللسان" (١٥/ ٣٠٤) -وسُمِّي بـ "الاستجمار": لكونه استعمل الحجارة الصغيرة لإزالة أثر الغائط، ومنه "رمي الجمار"، وسُمِّي بـ "الاستطابة"؛ لأن المستنجي يُطيب نفسه بذلك كما يفعل البخور -كما في "الحاوي" (١/ ١٥٠) - وسُمِّي بـ "الاستنقاء" لأنه ينقي نفسه بالأحجار أو بالماء، وسُمِّي بـ "الاستبراء" لأنه يبريء نفسه من الحدث الخارج بالماء أو بالأحجار، وسُمِّي الخارج من الإنسان بـ "الغائط" لأن الناس كانوا يذهبون إلى المكان المنخفض لقضاء حاجتهم؛ لئلا يراهم أحد، وهو اسم مجازي، قد تعارف الناس عليه، ونسوا الحقيقة، فكانت حقيقة عرفية، وسُمِّي بـ "النجو" لأن النجو هو: المكان المرتفع، فيذهب الناس إليه ليستتروا به عند قضاء حاجتهم، وسُمِّي بـ "البراز" لأن البراز هو المتسع من الأرض، فيذهب الناس إليه؛ لئلا يراهم أحد عند قضاء حاجتهم، وسُمِّي بـ "الخلاء" لأن الناس يذهبون لقضاء حاجتهم بالمكان الخالي وسُمِّي المكان =
стр. 73
بالمد-: الموضع المعد لقضاء الحاجة، (قول: بسم الله)؛ لحديث علي: "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله" رواه ابن ماجه والترمذي وقال: "ليس إسناده بالقوي" (٢) (أعوذ بالله من الخُبْث) بإسكان الباء، قال القاضي عياض: هو أكثر روايات الشيوخ، وفسَّره بـ "الشَّر" (والخبائث): الشياطين، فكأنه استعاذ من الشَّرِّ وأهله، وقال الخطَّابي: -هو بضم الباء- وهو:
= الذي تُقضى به الحاجة بـ "الكنيف"؛ لأن الكنيف هو الساتر، وسُمِّي بـ "المرحاض" لأن الرحاضة هي: المغسلة، وسُمِّي بـ "المحش" لأن المحش هو الحشيش المجتمع، لذا يقضي بعضهم حاجته بالبساتين، وسُمِّي بـ "الحمام" لأن الحمام هو: المغتسل بماء حار -كما في "اللسان" (٦/ ٨٦) و (٧/ ١٥٢) و (٩/ ٣٠٩) و (١٢/ ١٥٠) -، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي الباب بهذا الاسم مع وجود هذه الأسماء له؟ قلتُ: لأن لفظ الاستنجاء هو الغالب في اللسان، فإن قلتَ: لِمَ جُعل هذا الباب بعد الآنية؟ قلتُ: لمناسبته؛ حيث إنه بعد ذكره للمياه، وما تحفظ فيه: ناسب أن يُذكر هذا الباب هنا؛ نظرًا لاستعمال الماء في الاستنجاء والحمامات، فإن قلتَ: لِمَ شرع الاستجمار؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن حمل الماء في كل مكان يشق، فأباح الشارع -رخصة- الاستجمار بالأحجار كمشروعية التيمم.
(٢) مسألة: يُستحب عند دخول "الحمام" أو المكان المعد لقضاء الحاجة أن يقول: "بسم الله"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله" وله طرق قد قوته -كما في "الإرواء" (١/ ٩٠) - فإن قلت: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البسملة تفيد قائلها البركة والإعانة على كل عمل، وتتسبَّب في منع نظرات الجن إلى عورة المسلم ومنع أذاهم عنه.
стр. 74
جمع "خبيث"، و "الخبائث": جمع خبيثة: فكأنه استعاذ من ذكرانهم وإناثهم، واقتصر المصنف على ذلك؛ تبعًا لـ "المحور" و "الفروع" وغيرهما؛ لحديث أنس: أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" متفق عليه، وزاد في "الإقناع" و "المنتهى" تبعًا لـ "المقنع" وغيره: "الرِّجس النجس الشيطان الرجيم" لحديث أبي أمامة: "لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم" (٣) (و) يُستحب أن يقول (عند الخروج منه) أي: من الخلاء ونحوه: (غُفرانك) أي: أسألك غفرانك:
(٣) مسألة: يُستحب أن يقول -بعد البسملة-: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وإن زاد فقال: "وأعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم": فهو حسن، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أرشد إلى هذا في حديث أبي أمامة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ كان يقول ذلك في هذا الموضع -كما في حديث أنس-، ولفظ "كان" تدل على العموم في الأزمان؛ لأنه من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في هذا القول حماية للمسلم من ذكور الشياطين وإناثهم؛ لأن "الخُبُث" هم الذكور، و "الخبائث" هي الإناث، أو حمايته من الشر وأهله؛ لأن "الخبث" هو: الشر، و"الخبائث" أهل الشر، وكل طائفة من العلماء اختارت تفسيرًا، ولا مانع من أن يكون المقصود الجميع، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك عند دخول الخلاء، ولا يُشرع عند دخول غيره؟ قلتُ: لمناسبته لهذا الموضع؛ لأن المسلم يكشف عورته فيه، وهو مكان للنفوس الشريرة عادة فشُرِّع هذا الدعاء فيه دون غيره.
стр. 75
من "الغفر" وهو: الستر؛ لحديث أنس: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" رواه الترمذي وحسَّنه، وسُنَّ له أيضًا أن يقول: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)؛ لما رواه ابن ماجه عن أنس: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" (٤) (و) يُستحب له (تقديم رجله اليسرى دخولًا) أي: عند دخول الخلاء ونحوه من مواضع الأذى (و) يُستحب له تقديم (يُمنى) رجليه (خروجًا، عكس مسجد) ومنزل (و) لبس (نعل)
(٤) مسألة: يُستحب أن يقول - عند فراغه من الخلاء وأراد الخروج -: "غُفرانك" وبعد ذلك يقول: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول بعد خروجه: "غفرانك"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه شكر لله، وثناء عليه؛ لكونه أطعمه وسقاه، ثم سهل خروجه، فلو امتنع هذا الأذى عن الخروج: للحق المسلم أذى، بل هلاك، فهو في هذه الكلمة يستغفر الله على تقصيره في شكره، ذكر عبد الرزاق في "مصنفه": أن نوحًا ﵇ كان يقول: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى لي منفعته، وأذهب عني أذاه" فإن قلتَ: إنه لما دخل ثقيلًا وخرج خفيفًا: تذكَّر ثقل الذنوب يوم القيامة فسأل المغفرة هنا، وهو قول ابن القيم في "الإغاثة" (١/ ٥٨)، قلتُ: إن مناسبة ما ذكرناه للمقام أوجه من هذا، فإن قلتَ: إنه لما ترك الذكر وقت قضاء الحاجة سأل الله المغفرة، قلتُ: إن الذكر لا يشرع أثناء قضاء الحاجة، فلا حاجة للاستغفار بدون ذنب، كما أن الحائض والنفساء تتركان الصلاة: فلا يشرع لهما الاستغفار، فما ذكرناه أنسب. تنبيه: استدلاله بحديث: أنه ﷺ كان يقول: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى … " لا يصح، لأنه حديث ضعيف - كما في "الإرواء" (١/ ٩٢) -.
стр. 76
وخف: فاليُسرى تقدم للأذى، واليمنى لما سواه، وروى الطبراني في "المعجم الصغير" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع: فليبدأ باليسرى" وعلى قياسه: القميص ونحوه (٥) (و) يُستحب له (اعتماده على رجله اليسرى) حال جلوسه لقضاء الحاجة؛ لما روى الطبراني في "المعجم" والبيهقي عن سراقة بن مالك: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتكيء على اليسرى وأن ننصب اليمني" (٦)
(٥) مسألة: يُستحب لمن أراد دخول ما فيه نجاسة وأوساخ وأذى كالخلاء، والمجزرة، والمزبلة ونحو ذلك: أن يُقدم رجله اليسرى، وإذا أراد الخروج منها: أن يقدم اليمنى، أما إن أراد دخول المستحبات - كدخول المساجد، أو لبس نعل، أو خف أو منزل، أو قميص -: فإنه يقدم رجله اليمنى، وإذا أراد الخروج يقدم اليسرى؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى" وقال أنس: "من السنة إذا دخلت المسجد: أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت: أن تبدأ برجلك اليسرى" وقول الصحابي: "من السنة" له حكم المرفوع؛ حيث دلّ ذلك بالمنطوق على أن اليمنى تقدم للأمور المحببة والطاهرة، ودلّ بالمفهوم على أن اليسرى تقدم للأمور المستقبحة وهذا من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لتكريم اليمين؛ حيث ورد الحث عليه.
(٦) مسألة: يُستحب له في حال قضاء الحاجة: أن يعتمد على رجله اليسرى، ويتكيء عليها، وأن ينصب اليمنى، ويُخفف الاتكاء عليها؛ للسنة القولية؛ حيث أمر النبي ﷺ بذلك كما في حديث سراقة والأمر هنا للاستحباب؛ لأنه أمر إرشاد لمصلحة دنيوية وهذا هو الصارف له، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يساعد على خروج الغائط بيسر، ولتكريم اليمنى.
стр. 77
(و) يُستحب (بُعْدُه) إذا كان (في فضاء)؛ حتى لا يراه أحد؛ لفعله ﷺ ، رواه أبو داود من حديث جابر (٧) (و) يستحب (استتاره)؛ لحديث أبي هريرة، قال: "من أتى الغائط فليستتر" رواه أبو داود (٨) (وارتياده لبوله مكانًا رخوًا) بتثليث الراء، لينًا هشًا؛ لحديث: "إذا بال أحدكم فليرتد لبوله" رواه أحمد وغيره، وفي "التبصرة": ويقصد مكانًا علوًا لينحدر عنه البول، فإن لم يجد مكانًا رخوًا: ألصق ذكَرَه؛ ليأمن بذلك من رشاش البول (٩) (و) يستحب (مسحه) أي: أن يمسح (بيده اليسرى إذا فرغ من بوله
(٧) مسألة: يُستحب لمن أراد قضاء الحاجة في الصحراء: أن يبتعد عن البنيان قدر ما يستطيع؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه ستر لعورته، وفيه إكرام للآخرين فلا يروا نجاسته.
(٨) مسألة: يجب على من أراد قضاء الحاجة: أن يستتر قدر ما يستطيع عن أنظار الناس بأي شيء يستره؛ للسنة القولية؛ حيث أمر ﷺ بالاستتار، والأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لأن كشف العورة للآخرين حرام، وما يترك به الحرام: واجب، ولأن فيه هتك لحرمة المسلم، فإن قلتَ: إن هذا مستحب، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن هذا من آداب قضاء الحاجة، فيلزم استحبابه، قلتُ: لا توجد قرينة صرفت أمر النبي ﷺ من الوجوب إلى الاستحباب، وما ذكرتموه لا يقوى على صرفه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الأمر على إطلاقه، وهو اقتضاؤه للوجوب، أم صرف عن ذلك؟ " فعندنا: على إطلاقه، وعندهم: ليس على إطلاقه.
(٩) مسألة: يستحب: أن يبول في مكان رخو ليِّن، هش، فإن لم يجد: يلصق ذكره على الأرض، وإن وجد مكانًا عاليًا جلس عليه؛ لينحدر البول عنه - إذا أمن من وجود أحد ينحدر عليه -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أراد أحدكم =
стр. 78
من أصل ذكره) أي: من حلقة دُبُره: فيضع إصبعه الوسطى تحت الذكر والإبهام فوقه ويمر بهما (إلى رأسه) أي: رأس الذكر (ثلاثًا)؛ لئلا يبقى من البول فيه شيء (و) يستحب (نتره) بالمثناة (ثلاثًا) أي نتر ذكره ثلاثًا؛ ليستخرج بقية البول منه؛ لحديث: "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا" رواه أحمد وغيره (١٠)،
أن يبول فليرتد لبوله" والمراد: أن يبول في مكان رخو لين، والذي خصَّصه بذلك: سبب ورود الحديث؛ قال أبو موسى الأشعري: "كنت مع النبي فأراد أن يبول فأتى دَمْثًا في أصل جدار فبال" فقال: ما قال، وهذا يلزم منه ما ذكرناه فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلم من أي يُصيب بدنه أو ثيابه قطرات من بوله.
(١٠) مسألة: يجب أن يتأكد من خروج كل بوله، ويستبريء منه بأي طريقة يراها مناسبة له كمسح ذكره، أو قيام أو قعود، أو أي حركة شاء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أما أحدهما فكان لا يستبريء من "بوله" - في حديث الرجلين اللذين يعذَّبان في قبرهما - حيث إن منطوقه دل على أن الذي يستحق العذاب هو الذي لا يستبريء من بوله، ودل بمفهوم الصفة على أن الذي يستبريء من بوله: لا يستحق العذاب، ولا يُعاقب المسلم إلا بترك واجب، فكان الاستبراء والتأكد من خروج البول واجبًا، وهذا الاستبراء عام، فيشمل كل طريق يؤدي إليه؛ عملًا بعموم هذا المفهوم، فإذا غلب على ظن المكلف: عدم وجود شيء من البول يمكن خروجه بعد قيامه: تمَّ الاستبراء، وأشار إلى ذلك النووي في "المجموع" (٢/ ٩٠) وابن الملقن في "الإعلام" (١/ ٥٤٦)، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يقي المسلم من أن يصيبه بعض البول الخارج بعد قيامه: فيشق عليه التطهر بعد ذلك، تنبيه: "النتر" هو: جذب بقية البول بمسح ذكره باليسرى من يديه، تنبيه آخر: استدلاله بحديث: إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا" لا يصح؛ لأن الحديث ضعيف كما =
стр. 79
(و) يستحب (تحوُّله من موضعه؛ ليستنجي) في غيره (إن خاف تلوثًا) باستنجائه في مكانه؛ لئلا يتنجَّس (١١)، ويبدأ ذكر، وبكر بقُبُل؛ لئلا تتلوث يده إذا بدأ بالدُّبُر، وتُخير ثيِّب (١٢) (ويكره دخوله) أي دخول الخلاء ونحوه (بشيء فيه ذكر الله تعالى) غير مصحف فيحرم (إلا لحاجة) (١٣) لا دراهم ونحوها وحرز؛
قال النووي في "المجموع" (٢/ ٩١)، ومنكر كما قال ابن تيمية في "مجموع فتاويه" (٢١/ ١٠)، وسبب ضعفه: أن من رواته: عيسى بن يزداد وهو رجل قد ضعفه أكثر أئمة الحديث، لذلك تبطل الطريقة التي ذكرها المصنف؛ لعدم اعتمادها على مستند قوي.
(١١) مسألة: يُستحب: أن يتحول من الموضع الذي قضى حاجته فيه إلى موضع آخر ليستنجي فيه بشرط: أن يخاف من أن يتلوث بسبب استنجائه بالموضع الذي قضى حاجته فيه؛ للمصلحة حيث إن ذلك يقيه من احتمال تنجسه بما خرج منه، ويقيه من الوسواس.
(١٢) مسألة: يستحب في الاستنجاء والاستجمار: أن يبدأ بالقُبُل إذا كان ذكرًا، أو كانت الأنثى بكرًا، أما الثيب: فتبدأ من الدُّبر، أو القبل كما تشاء؛ للمصلحة؛ حيث إن الذكر والبكر لو بدءا بالدُّبر: للزم تلوث أصابعه بالنجاسة التي فيه فينتقل هذا إلى القبُل - والقبل كما هو معلوم أقل نجاسة - فتقع المفسدة، فدفعًا لذلك: شرعت البداءة بالقُبُل، أما الثيب فقبلها ودبرها واحد في قدر النجاسة، فلا يؤثر أحدهما على الآخر: فلذا تبدأ بأي واحد منهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
(١٣) مسألة: يُكره أن يدخل الخلاء وهو حامل لشيء فيه ذكر الله كالمصاحف، وأوراق العلم، ونحو ذلك لغير حاجة، أما إذا احتاج إلى حملها معه كأن يخاف عليها من السرقة أو الضياع، فإنه يحملها معه؛ للمصلحة؛ حيث إنه كره؛ لكونها =
стр. 80
للمشقة (١٤)، ويحمل فصَّ خاتم احتاج للدخول به بباطن كفِّ يُمنى (١٥) (و) يكره استكمال (رفع ثوبه قبل دنوه) أي: قربه (من الأرض) بلا حاجة: فيرفع شيئًا فشيئًا، ولعله يجب إن كان ثمَّ مَنْ ينظره، قاله في "المبدع" (١٦)
مكرمة، ولم يكره للحاجة، نظرًا لتلك الحاجة، وتوسيعًا على العباد، وحفاظًا على حقوقهم، تنبيه: قوله: "غير مصحف فيحرم" قلتُ: لم أجد دليلًا على تحريم ذلك.
(١٤) مسألة: يجوز أن يدخل الخلاء بالدراهم وجميع النقود والأثمان، للمصلحة؛ حيث إن إخراج الدراهم، فيه مشقة، وعرضة للضياع، فدفعًا لذلك: جاز الدخول بها، تنبيه: يحرم تعليق التمائم والأحراز وهي التعاويذ التي فيها آيات قرآنية وأسماء الله تُجعل على العنق، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من علَّق تميمة فقد أشرك" وهو عام لكل ما يُعلق؛ لأن اسم الشرط من صيغ العموم، ويستغنى عن ذلك بتكرار قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين، والأوراد الشرعية في الصباح والمساء.
(١٥) مسألة: يُستحب أن يجعل فصَّ خاتمه بباطن كف يده اليمنى أثناء قضاء الحاجة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا الفعل فيه منع لملاقاة النجاسة لذكر الله المكتوب على فص الخاتم، وهذا فيه تكريم وتعظيم لشعائر الله.
(١٦) مسألة: يُحرَّم استكمال رفع ثوبه قبل دنوه وقربه من الأرض - لمن أراد قضاء حاجته - إذا قطع أو غلب على ظنه أن حوله أناس بلا حاجة، أما إن غلب على ظنه عدم وجود أحد حوله: فيكره أن يستكمل رفع ثوبه قبل قربه من الأرض بلا حاجة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان إذا أراد قضاء الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، الثانية: المصلحة؛ حيث إن رفع الثوب مع وجود الناس حوله: يلزم منه كشف عورته أمامهم عمدًا، =
стр. 81
(و) يُكره (كلامه فيه) ولو بردِّ السلام (١٧)، وإن عطس: حَمِدَ بقلبه (١٨) ويجب عليه تحذير ضرير وغافل عن هَلَكة (١٩) وجزم صاحب "النَّظم" بتحريم القراءة في المحش وسطحه، وهو متوجِّه على حاجته (٢٠)
وهذا منهي عنه، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، وإن لم يغلب على ظنه ذلك، فيكره؛ لاحتمال وجود أحد لم يعلم به، وكل ذلك لأجل المحافظة على عورة المسلم من أن يُنظر إليها، أما إن وجدت حاجة فتقدر بقدرها.
(١٧) مسألة: يكره أن يتكلم في حال قضاء حاجته، سواء كان كلامًا مباحًا، أو كلامًا مستحبًا كردِّ السلام؛ للمصلحة؛ حيث إن الكلام يكون عادة مع آخر، وعادة يكون هذا الآخر قريبًا؛ يُسمع كلامه، وهذا يلزم منه رؤية كل واحد منهما عورة الآخر، ويُحتمل التعرض لذكر الله فسدًا لذلك كره الكلام، وهو من باب "سد الذرائع".
(١٨) مسألة: إذا عطس أثناء قضاء حاجته: فإنه يحمد الله بقلبه، لا بلسانه، وكذا يجيب المؤذن بقلبه؛ للمصلحة؛ حيث يلزم من ذكر الله بلسانه: ذكره وهو في حال قضاء حاجته، وهذا مكروه، فيلزم أن يذكره بقلبه؛ ليحصل على الأجر، ولا يرتكب المكروه.
(١٩) مسألة: يجب على المسلم أن يُنبِّه الآخرين من أي ضرر ولو كان في حال قضاء حاجته، كأن يرى أعمى قريب من بئر أو حفرة، أو بقرب غافل دابة أو عقرب أو حية أو سبع أو سيارة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة ومفسدة وهو مقدم على جلب مصلحة كراهة الكلام في حال قضاء الحاجة.
(٢٠) مسألة: تحرم قراءة القرآن وهو في حال قضاء حاجته؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه إهانة لكلام الله تعالى وما كان كذلك يلزم تحريمه. تنبيه: قول ابن عبد القوي في "نظم الفقه": يحرم ذلك على سطح المحش لم أجد دليلًا عليه.
стр. 82
(و) يُكره (بوله في شَقِّ) - بفتح الشين - (ونحوه) كَسَرَب، وهو: ما يتخذه الوحش والدَّبيب بيتًا في الأرض (٢١)، ويُكره - أيضًا - بوله في إناء بلا حاجة (٢٢)، ومستحم غير مُقيَّر أو مُبلَّط (٢٣) (ومسُّ فرجه) أو فرج زوجته ونحوها (بيمينه و) يُكره (استنجاؤه واستجماره بها) أي: بيمينه؛ لحديث أبي قتادة: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه" متفق عليه (٢٤)
(٢١) مسألة: يُكره أن يبول في جحر أو شق أو ثُقب، أو بئر ونحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن هذه الجحور والشقوق في الأرض أو الجدران هي: مساكن الجن والدواب، فالبول فيها يؤذيها، وربما تخرج عليه فجأة فيتأثر ويتضرر، وربما أُصيب بالجن، وقد أشار إلى ذلك ابن القيم، تنبيه: "السَّرب" هو: الشق المستطيل في الأرض.
(٢٢) مسألة: يُكره أن يبول في إناء بلا حاجة، أما إن وجدت حاجة كأن يكون في ليل وخاف من الخروج، أو يكون مريضًا ونحو ذلك: فلا يُكره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه" وهذا يلزم منه: أنه استعمله للحاجة؛ حيث تكثر هوام الليل، الثانية: المصلحة؛ حيث إن بوله في الإناء بلا حاجة مفسد للإناء من أن يستعمله أحد للطعام، ونظرًا لذلك: كُره.
(٢٣) مسألة: يُكره أن يبول في مستحم أو مكان لم يوضع على أرضه القار - وهو: الإزفلت - أو البلاط أو الأسمنت، أما إن وضع عليه ذلك: فلا يُكره؛ للمصلحة؛ حيث إن تبوله على الأرض مباشرة فيه احتمال تطاير بعض البول على بدنه أو ثوبه فيتنجس، فدفعًا لذلك كره. بخلاف ما وضع عليه القار أو البلاط أو الأسمنت: فإنه يذهب مباشرة عنه: فلا يوجد ذلك الاحتمال.
(٢٤) مسألة: يُكره أن يمسَّ فرجه أو فرج زوجته أو أمته باليد اليُمنى، ويُكره أن يستنجي ويستجمر بها إلا إذا لم يقدر على ذلك باليسرى؛ للسنة القولية؛ حيث =
стр. 83
(واستقبال النَّيرين) أي الشمس والقمر؛ لما فيهما من نور الله تعالى (٢٥) (ويحرم استقبال القبلة واستدبارها) حال قضاء الحاجة (في غير بنيان)؛ لخبر أبي أيوب مرفوعًا: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" متفق عليه، ويكفي انحرافه عن جهة القبلة (٢٦)، وحائل ولو كمؤخرة الرَّحل،
قال ﷺ : "لا يُمسكن أحدكم ذكره بيمينه، ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه" والنهي مطلق، وصُرف من التحريم إلى الكراهة بسبب: أن فعله هذا بيمينه غير مُخلٍّ بطهارته، وإنما المراد: تكريم اليمين؛ حيث إنها محل المصافحة للآخرين، والأكل والشرب، والأخذ والعطاء، وهو المقصد من ذلك النهي، فإن قلتَ: يُحرم الاستنجاء باليمني؛ قياسًا على تحريم الاستنجاء بالرَّوثة، قلتُ: إن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن "الرَّوثة" آلة الاستنجاء المباشرة للمحل، فلم يجز ذلك؛ نظرًا لمباشرتها للنجاسة، أما اليد فليست هي مباشرة للمحل، وإنما تُمسك الحجر الملاقي للمحل، فصار النهي عن استعمالها للكراهة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل اليد اليمنى في مقام الروثة في النهي عن الاستجمار بها؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم مثلها.
(٢٥) مسألة: يباح استقبال الشمس والقمر أثناء قضاء الحاجة واستدبارهما؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: إباحة استقبال كل شيء وهو في هذه الحالة، إلا إذا ثبت دليل يُغير الحالة، ولم يثبت دليل مُعتبر في ذلك، فنستصحب الأصل، وهو: الإباحة، فإن قلتَ: يُكره استقبالهما؛ لأن فيهما نور الله وهو الذي ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم يثبت ذلك بدليل مُعتبر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل وجد دليل غيَّر الأصل وهو الإباحة أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم نعم.
(٢٦) مسألة: يحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في الصحراء، فينحرف ولو قليلًا عنها؛ للسنة القولية؛ حيث نهى عن ذلك النبي ﷺ في =
стр. 84
ولا يُعتبر القرب من الحائل (٢٧) ويُكره استقبالها حال الاستنجاء (٢٨) (و) يحرم (لبثه فوق حاجته)؛ لما فيه من كشف العورة بلا حاجة، وهو مضرُّ عند الأطباء (٢٩)
حديث أبي أيوب والنهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تكريم المصلين إلى القبلة؛ لأن الذي يصلي وهو في الشمال يكون مستقبلًا لمن يقضي حاجته من أهل الجنوب، وكذا العكس، وكذا: الشرق والغرب، ثم إن في فعل ذلك بدون حائل كشف لعورته، فدفعًا لذلك شرع.
(٢٧) مسألة: يباح استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة في البنيان كالحمامات المبنية والصهاريج؛ أو كان في الصحراء ووضع بينه وبين القبلة حائلًا، كجدار أو دابة، أو مؤخرة الرَّحل - وهو: الخشب الذي يستند إليه الراكب للدابة - وهذا مطلق أي: سواء كان هذا الحائل قريبًا أو بعيدًا بشرط: أن يستره؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال ابن عمر: "رأيت رسول الله في بيت حفصة، وهو مستدبر القبلة مستقبل بيت المقدس" والاستقبال والاستدبار والحائل والبنيان واحد؛ إذ لا فرق من باب مفهوم الموافقة، ولم يحدد في ذلك القرب، وهذه السنة قد خصصت حديث أبي أيوب فيكون المقصود بحديث أبي أيوب: "مَنْ قضى حاجته بالصحراء"، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وفيه ستر لعوراتهم.
(٢٨) مسألة: يُكره استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء والاستجمار؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يستلزم كشف العورة أمام القبلة، فكره ذلك؛ تكريمًا للمصلين المتجهين للقبلة من الجهة المقابلة.
(٢٩) مسألة: يحرم أن يُطيل الجلوس فوق حاجته بلا حاجة؛ للتلازم حيث إن ذلك يستلزم إطالة كشف العورة بلا حاجة، وهو حرام، فإن قلتَ: لِمَ حرم =
стр. 85
(و) يحرم (بوله) وتغوُّطه (في طريق) مسلوك (وظل نافع) ومثله: متشمَّس بزمن الشتاء، ومتحدَّث الناس (وتحت شجرة عليها ثمرة)؛ لأنه يُقذِّرها، وكذا: في موارد الماء، وتغوُّطه بماء مطلقًا (٣٠)
ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كشف العورة بلا حاجة فيه مفسدة الفتنة وجلوسه يُسبب مرض الباسور، ومرض الكبد كما ثبت ذلك عن الحكماء منهم لقمان الحكيم كما ذكر الشيرازي في "المهذب" (١/ ٩٠)، وفيه تعريضه للشياطين والنفوس الشريرة التي تتخذ من المراحيض مساكن لها، فدفعًا لذلك: حرِّم.
(٣٠) مسألة: يحرم قضاء الحاجة في كل موضع ينتفع به عامة المسلمين: كالطريق الذي يمشون فيه عادة، والظل النافع لهم في وقت الصيف، وموضع تشمسهم في وقت الشتاء، والمواضع التي يتحدثون فيها عادة، والأسواق، وموارد المياه والمساجد، ومواضع التدريس، وفي المياه القليلة والكثيرة، وما هو تحت شجرة مثمرة أو صالحة لها، ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل" حيث إن مراده: ابتعدوا عن هذه الأفعال التي تستحقون اللَّعن من الناس إذا فعلتموها، واللَّعن عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يحرم قضاء الحاجة في تلك المواضع الثلاثة فكذلك يحرم قضاء الحاجة في كل ما يُنتفع به، والجامع: منع الأذى عن الناس، فإن قلتَ: يحرم قضاء الحاجة في المواضع الثلاث فقط؟ للسنة القولية وهو الحديث السابق، حيث دل مفهوم العدد على أن غيرها لا يحرم قضاء الحاجة فيه، قلتُ: إن القياس هنا أقوى من المفهوم؛ لأن المقصود هو: دفع الأذى والضرر عن عامة المسلمين، كما قلنا في حديث: "خمس يُقتلن في الحل والحرم: الحدأة والحية … " حيث يُقاس عليها كل ما يؤذي فيُقتل، ولا حجة في مفهوم العدد هنا فالقياس أقوى من اللفظ ومفهومه؛ =
стр. 86
(ويستجمر) بحجر أو نحوه (ثم يستنجي بالماء)؛ "لفعله ﷺ " رواه أحمد وغيره من حديث عائشة، وصححه الترمذي، فإن عكس: كره (٣١) (ويُجزئه الاستجمار) حتى مع وجود الماء، لكن الماء أفضل (إن لم يَعْدُ) أي: يتجاوز (الخارج موضع العادة) مثل: أن ينتشر الخارج على شيء من الصفحة، أو يمتدُّ إلى الحشفة امتدادًا غير معتاد فلا يُجزئ فيه إلا الماء، كقُبُلي الخنثى المشكل، ومخرج غير فرج، وتنجُّس مخرج بغير خارج (٣٢)،
ذلك لدفع الأذى عن المسلمين، وهو المقصد الشرعي هنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يجوز القياس على المحصور بعدد أو لا؟ " فعندنا: يجوز، وعندهم: لا يجوز، وكذلك: "تعارض المفهوم مع المقصد" فعندنا: يقدم المقصد، وعندهم: المفهوم.
(٣١) مسألة: يُستحب عند تطهير محل خروج الغائط: أن يستجمر بأحجار ثلاثة، أو بما يقوم مقامها كخشب أو مناديل، أو خرقة أو تراب ونحو ذلك، ثم بعد ذلك يستنجي بالماء، فإن عكس: بأن استنجى بالماء، ثم استعمل الحجارة: فإنه يكره له ذلك، للسنة الفعلية، حيث "كان ﷺ يستجمر بالحجارة، ثم يستنجي بالماء"، و"ثم" تدل على الترتيب والتراخي، ومخالفة ذلك: مكروه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحجارة تزيل عين النجاسة، فإذا أتبع ذلك الماء: أزال ما بقي، فتكون رائحته طيبة، بخلاف العكس، فلا داعي لاستعمال الحجارة بعد إزالة النجاسة بالماء؛ لذا كُره.
(٣٢) مسألة: يُجزئ الاستجمار من البول أو الغائط بالأحجار، وإن لم يستعمل الماء، ولو كان موجودًا بشرط: ألا تتعدى النجاسة محل خروجه، أما إن تعدته إلى الفخذين، أو إلى غيرهما من البدن كما يحصل في الخنثى، أو خرجت النجاسة من غير مخرجهما المعتاد، أو تنجس القُبُل أو الدبر بنجاسة لم تخرج =
стр. 87
ولا يجب غسل نجاسة وجنابة بداخل فرج ثيب، ولا داخل حشفة أقلف غير مفتوق (٣٣) (ويُشترط للاستجمار بأحجار ونحوها) كخشبٍ وخِرَق (أن يكون) ما يُستجمر به (طاهرًا) مباحًا (منقِّيًا (٣٤)
منهما، أو جَفَّ الغائط أو البول قبل أن يستجمر: فإنه في هذه الحالات لا يكتفي بالأحجار، بل يجب غسل ذلك بالماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أتى أحدكم البراز فليستطب بثلاثة أحجار" حيث دلَّ منطوقه على أنه يُكتفى بالاستجمار بالأحجار إذا خرجت النجاسة من مخرجها المعتاد - وهو رأس الذكر وحلقة الدُّبُر - ودل مفهوم الصفة منه على أنَّ النجاسة في غير ذلك تُغسل بالماء، وهذا عام؛ لما ذكرناه من الحالات لعموم هذا المفهوم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود النجاسة في غير محل خروجها: أن تُغسل بالماء؛ لأن الاستجمار لم يرد إلا لما خرج من مخرجه المعتاد، فإن قلتَ: لِمَ شرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن خروج النجاسة من مخرجه يتكرر، فلو وجب غسله: للحق كثيرًا من الناس الضيق والمشقة لقلة المياه خاصة في الأسفار، لأن المشقة تجلب التيسير بخلاف وجود النجاسة في غير محل خروجه فيندر: فلا يشق غسله.
(٣٣) مسألة: إذا دخلت نجاسة في فرج امرأة، أو في حشفة رجل لم يُختن - وهو: الأقلف -، أو أصابتهما جنابة: فلا يجب غسل داخل الفرج أو الحشفة، أما إذا كان في الشخص فَتْقٌ - وهو: الشق - ودخلته نجاسة أو أصابته جنابة: فيجب غسله؛ لتطهيره - إن كان لا يضره ذلك -؛ للمصلحة؛ حيث إن غسل داخل الفرج أو الحشفة يشق: نظرًا لتكرار ذلك وكثرته، فدفعًا لذلك سقط غسله؛ لكون "المشقة تجلب التيسير" بخلاف من كان في بدنه فتق أو شقٌ: فيجب غسله - إن كان لا يتضرر - لعدم المشقة في ذلك؛ لندرته.
(٣٤) مسألة: يُشترط فيما يُستجمر به من أحجار، أو تراب، أو خِرق، أو خشب، أو ورق أو نحوها: أن يكون طاهرًا منقيًا للمحل من النجاسة؛ للسنة الفعلية =
стр. 88
غير عظم وروث) ولو طاهرين (٣٥) (وطعام) ولو
والقولية؛ حيث قال ابن مسعود لما أتى النبي ﷺ بحجرين وروثة "أخذ الحجرين وألقى الروثة" وعلل ذلك بقوله: "إنها ركس" أي: نجس، فدل ذلك على اشتراط الطهارة فيما يُستجمر به، ويلزم من استعماله للحجرين، وردِّه للروثة اشتراط التنقية؛ لأن هذا لازم الحجرين، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن المراد من الاستجمار هو: إزالة عين النجاسة، ولا يحصل ذلك إلا باشتراط هذين الشرطين. [فرع]: لا يُشترط في كون الشيء المستجمر به مباحًا، فلو استجمر بالمغصوب أو بالمسروق لأجزأ، ولكنه يأثم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من توفر شرطي ما يُستجمر به - وهما: الطهارة والتنقية -: صحة الاستجمار، ويلزم من غصب ذلك أو سرقته: الإثم، فإن قلتَ: لِمَ أثم؟ قلتُ: للمصلحة، وهو منع غصب الناس حقوقهم، فإن قلتَ: يشترط أن يكون ذلك مباحًا؟ وهو ما ذكره المصنف هنا، للتلازم؛ حيث يلزم من كونه محرمًا: تأثيره في الإجزاء، فيشترط، قلتُ: هذا لا يؤثر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الغصب مؤثر في الإجزاء أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(٣٥) مسألة: يحرم الاستجمار بالعظم والروث مطلقًا، أي: سواء كانا طاهرين أو نجسين؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ عن الاستجمار بذلك - كما روى ذلك سلمان، وابن مسعود - فحرَّم الشارع ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الضرر يحصل بالاستجمار بهما؛ لأن "الروث" نجس، ومتفتت، فلو استجمر به لزاد من النجاسة، و"العظم" لا يخلو عادة من أطراف حادة فلو استجمر به: لجرح البشرة، ثم إنهما طعام الجن، فلو استجمر بهما لأفسد على إخواننا الجن طعامهم؛ حيث قال ﷺ : "لا تستنجوا بالروث ولا العظام: فإنه زاد إخوانكم الجن" - كما روى ابن مسعود -، فإن قلتَ: يجوز الاستجمار بهما؛ للقياس، بيانه: كما يجوز الاستجمار بالحجر فكذلك يجوز الاستجمار =
стр. 89
لبهيمة (٣٦) (ومحترم) ككتب علم (٣٧) (ومتصل بحيوان) كَذَنب البهيمة، وصوفها المتصل بها، ويحرم الاستجمار بهذه الأشياء، وبجلد سمك أو حيوان مذكّى مطلقًا، أو حشيش رطب (٣٨)
بالروث والعظم، والجامع: الإنقاء في كل، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع النص، وهو: ما رواه سلمان، وابن مسعود، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص؟ " فعندنا: يُعمل بالنص، وعندهم: يُعمل بالقياس.
(٣٦) مسألة: يحرم الاستجمار بأي طعام سواء كان طعامًا لبني آدم، أو للبهائم وسواء كان رطبًا أو لا، للقياس، بيانه: كما يحرم الاستجمار بطعام الجن - وهما الروث والعظام - فكذلك: يحرم الاستجمار بطعام الإنس وطعام دوابهم بجامع: منع الأذى والضرر في كل، بل إن التحريم هنا من باب أولى؛ لكون الإنس أفضل من الجن، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على صحة الإنسان من أن يأكل شيئًا فيه نجاسة أو تأكله البهيمة التي يشرب منها اللبن أو يأكل لحمها.
(٣٧) مسألة: يحرم الاستجمار بأي شيء محترم مثل كتب العلم جميعًا، سواء كانت بألفاظ عربية أو لا، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وكتب العلم من شعائر الله، فمن لم يمتهنها بالاستجمار بها: فقد اتصف بالتقوى الواجبة، وترك الواجب حرام، فيكون الاستجمار بها حرام، فإن قلتَ: لِمَ حُرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم من أن يستخف بحرمات وشعائر الله.
(٣٨) مسألة: يحرم الاستجمار بأي شيء متصل بحيوان كشعره، وصوفه، وذيله، ويده، ورجله ونحو ذلك، سواء كان مما يؤكل كجلد سمك وجراد، أو لا يؤكل =
стр. 90
(ويشترط) للاكتفاء بالاستجمار (ثلاث مَسَحات مُنقية فأكثر) إن لم يحصل بثلاث، ولا يُجزيء أقل منها، ويُعتبر أن تعمَّ كل مسحة المحلَّ (ولو) كانت الثلاث (بحجر ذي شُعَب): أجزأت إن أنقت، وكيفما حصل الإنقاء في الاستجمار: أجزأ، وهو: أن يبقى أثر لا يُزيله إلا الماء، وبالماء عود خشونة المحلِّ كما كان مع السبع الغسلات، ويكفي ظن الإنقاء (٣٩)
كجلد بهيمة الأنعام قد ذُكِّيت، وسواء كان مدبوغًا أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك بما يتصل بالحيوان يؤذيه، لكونه يتأذى كما يتأذى بنو آدم، ويؤذي من يركب عليه أو يجلس بجانبه، فدفعًا لذلك: حُرم، تنبيه: قوله: "أو حشيش رطب" هذا قد سبق الكلام عنه في مسألة (٣٦).
(٣٩) مسألة: إذا أراد أن يكتفي بالاستجمار فله شرطان: أولهما: أن يُكمل العدد، وهو ثلاثة أحجار، يمسح بكل حجر جميع محل خروج النجاسة، ثانيهما: أن يكون المسح منقيًا للمحل بحيث إنه إذا مسح بالثلاثة لا يبقى إلا شيء عجز عن إزالته بالحجر، ويحتاج إلى الماء، وإن كان الاستنجاء بالماء: يفعل ذلك حتى يعود المحل خَشِنًا كما كان قبل قضاء حاجته، ولا يُشترط في ذلك القطع، بل يكفي غلبة ظنه أنه أزاله، أو أنه أعاده إلى خشونته فقط، فإن فعل ذلك بحجر له ثلاثة أطراف: أجزأ، وإن لم تُنق هذه الأحجار زادها؛ حتى ينقي المحل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال سلمان: "نهانا النبي ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" حيث حَرَّم الاستنجاء بأقل من ثلاثة؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، الثانية: العرف؛ حيث إن أغلب الناس تُنقيه ثلاثة أحجار، الثالثة: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الأحجار الثلاثة يُستجمر بها، فكذلك يستجمر بحجر له ثلاثة أطراف بارزة، والجامع: حصول العدد؛ ثانيهما: كما أن الإناء يغسل سبع غسلات من ولوغ =
стр. 91
(ويُسنُّ قطعه) أي: قطع ما زاد على الثلاث (على وتر) فإن أنقى برابعة: زاد خامسة، وهكذا (٤٠) (ويجب الاستنجاء) بماء أو حجر ونحوه (لكل خارج) من سبيل إذا أراد الصلاة ونحوها (إلا الريح) والطاهر، وغير الملوث (٤١)
الكلب حتى تعود خشونته قبل الولوغ، فكذلك المحل هنا يُظهر بالماء كذلك، والجامع: الإنقاء في كل، فإن قلتَ: لِمَ اشترط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم من ضرر بقاء بعض النجاسات في القُبُل أو الدُّبُر، فإن قلتَ: لِمَ اكتُفي بغلبة ظن زوال عين النجاسة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القطع في ذلك يشق.
(٤٠) مسألة: إذا زاد على ثلاثة أحجار: فإنه يُستحب أن يقف على وتر، فلو أنقى المحل بأربعة: فيُستحب أن يزيد خامسًا، وهكذا، وإن وقف على شفع: فلا حَرَج؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من استجمر فليوتر، من فعل ذلك فقد أحسن، ومن لا: فلا حرج" فالأمر هنا للاستحباب، لأن قوله: "ومن لا: فلا حرج" هو الذي صرفه من الوجوب إلى الاستحباب، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الله وتْرٌ يحب الوتر، فيكون ذلك أكثر أجرًا.
(٤١) مسألة: يجب الاستجمار أو الاستنجاء بما سبق ذكره لكل خارج من السبيلين، فيه عين نجاسة على كل من أراد فعل شيء تُشترط له الطهارة كالصلاة، والطواف، ومس المصحف، أما الخارج وهو ليس فيه عين نجاسة: فلا يجب الاستنجاء أو الاستجمار منه مثل: الريح، أو المني الطاهر، أو الولد الخارج من غير دم، أو الخارج غير الملوث كالحصى، والشَّعر، والبعر، والدود إذا كانت يابسة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "وليستنج بثلاثة أحجار" حيث أوجب الاستنجاء هنا؛ لأن الأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الخارج من السبيلين - وهو عين - إن لم يُزل، وقد أراد شيئًا لا يصح إلا بالطهارة، فإن النجاسة ستنتشر في سائر بدنه =
стр. 92
(ولا يصح قَبْلَه) أي: قبل الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه (وضوء ولا تيمم)؛ لحديث المقداد المتفق عليه: "يغسل ذكره ثم يتوضأ" (٤٢)، ولو كانت النجاسة على غير السبيلين، أو عليهما غير خارجة منهما: صح الوضوء والتيمُّم قبل زوالها (٤٣).
وثيابه وسيؤذي غيره برائحته، فدفعًا لذلك: وجب الاستنجاء، بخلاف ما لا عين له: فلا يحصل ذلك منه، تنبيه: حكى بعضهم أن الاستنجاء والاستجمار غير واجب عن بعض العلماء، وهذا غريب جدًا مع صراحة السنة القولية بوجوبه.
(٤٢) مسألة: لا يصح وضوء ولا تيمم قبل الاستنجاء أو الاستجمار وزوال عين النجاسة، أي: إذا أراد الصلاة أو الطواف أو مس المصحف: فإنه يستنجي ويستجمر - إن خرج منه شيء - ثم يتوضأ أو يتيمم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "يغسل ذكره ثم يتوضأ" فهنا قدم الاستنجاء على الوضوء، والاستجمار مثل الاستنجاء، والتيمم مثل الوضوء؛ إذ لا فرق، من باب: "مفهوم الموافقة"، فيلزم من ذلك: عدم صحة الطهارة قبل الاستنجاء والاستجمار، لأن "ثم" للتراخي والترتيب؛ كما قدم البدء من الصفا عند السعي على المروة؛ نظرًا لتقديم النص له، وهذا مثله، فإن قلتَ: لِمَ شرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا تطهر قبل الاستنجاء أو الاستجمار: فإن النجاسة ستنتشر في بدنه أو ثوبه أثناء تطهره، وستفسد عليه تلك الطهارة.
(٤٣) مسألة: إذا كانت النجاسة موجودة في بقعة من البدن غير السبيلين، وهي يابسة، أو كانت هذه النجاسة على السبيلين ولكنها لم تخرج منهما: فإنه يصح الوضوء أو التيمم قبل زوالها إذا أمن انتشارها؛ للتلازم؛ حيث إن هذه النجاسة غير موجبة للطهارة فلم يلزم زوالها؛ إذ تصح الطهارة بدون زوالها، بخلاف المسألة السابقة.
هذه آخر مسائل: باب "الاستنجاء والاستجمار"، ويليه: باب "السواك وسنن الوضوء وسنن الفطرة"
стр. 93
باب السّواك وسنن الوضوء، وما ألحق بذلك: من الإدِّهان، والاكتحال، والاختتان، والاستحداد ونحوها
السواك والمسواك: اسم للعود الذي يُستاك به، ويُطلق "السواك" على الفعل، أي: دلك الفم بالعود؛ لإزالة نحو تغيُّر كالتَّسوُّك (١) (التَّسوك بعود لَّيِّن) سواء كان رطبًا أو يابسًا مُندَّى من "آراك" أو "زيتون" أو "عرجون" أو غيرها (مُنقِّ) للفم (غير مُضرٍّ) احترازًا من الرُّمان والآس، وكل ماله رائحة طيبة (لا يتفتَت) ولا يجرح، ويكره
باب السِّواك وسُنن الوضوء، وسنن الفطرة
وفيه خمس وأربعون مسألة:
(١) مسألة: السواك لغة: مأخوذ من التساوك، وهو: التَّمايل، ومنه قولهم: "جاءت الإبل تساوك" أي: تتمايل - كما في "اللسان" (١٠/ ٤٤٦) - وسُمِّي به العود الذي يُستعمل في الفم؛ لأنه يتمايل ويتردَّد في الفم يمينًا وشمالًا، وهو في الاصطلاح: استعمال عود "آراك" أو نحوه لدلك الأسنان واللثة؛ لإزالة بقايا طعام، وتغيُّر رائحة، فيكون المراد به: الفعل، سواء سمَّيناهُ "السواك" أو "التَّسوك" وقد أشار إلى ذلك النووي في المجموع (١/ ٢٧١)، فإن قلتَ: لِمَ جُمعت مباحث السِّواك، وسنن الوضوء، وسنن الفطرة كتقليم الأظافر، وقصِّ الشارب، ونتف الإبط، وإزالة شعر العانة، والإدهان، والاكتحال، والاختتان في باب واحد؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إنه يجمع تلك المباحث جامع واحد، وهو: حثُ المسلم على التطهر والتنظف، والتنزُّه، وإظهاره بمظهر الجمال، وحسن الهيئة والرائحة؛ ليكون مقبولًا عند خالقه، والمختلطين به من الآدميين.
стр. 94
بعود يجرح، أو يضر، أو يتفتَّت (٢) و (لا) يُصيب السنة من استاك (بإصبعه وخرقة) ونحوهما؛ لأن الشرع لم يرد به، ولا يحصل به الإنقاء كالعود (٣) (مسنون كل وقت)
(٢) مسألة: يُستحب أن يكون ما يُتسوَّك به متَّصفًا بما يلي: أولًا: أن يكون عودًا، وهو مطلق، أي: سواء كان عود "آراك" - وهو عود يُقطع من شجر الحمض له حمل كعناقيد العنب - وهو أجودها، أو كان عودًا من شجر الزيتون، أو كان عودًا من العراجين - وهي شماريخ العذق، أو من جريد النخل - أو نحوها. ثانيًا: أن يكون لينًا سواء بطبعه، أو كان يابسًا ثم نُدِّي بالماء. ثالثًا: أن يكون مُنقِّيًا للفم منظفًا له مُغيرًا لرائحته. رابعًا: أن لا يضر الفم، أو اللثة، أو الصحة العامة عند استعماله. خامسًا: أن يكون صلبًا لا يتكسَّر ولا يتفتت، فإن كان يضر برائحته، أو بجرحه، أو كان يتفتت في الفم: فإنه يكره التسوك به، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية، حيث كان ﷺ يتسوك بعود "آراك" وهذا يلزم منه: أن الذي يُتسوك به يُستحب أن تتوفر فيه صفات عود "الآراك"، وهي تلك الصفات الخمس، الثانية: المصلحة، حيث إن تلك الصفات تُحصِّل المصلحة التي من أجلها استُحب السواك، وما يُخالفها لا يُحصِّلها: فشُرعت.
(٣) مسألة: يُشرع التسوك بأي شيء يقوم مقام العود كإصبع، وخرقة، وفرشاة الأسنان الحديثة، ونحو ذلك مما يُزيل القاذورات، والرائحة الكريهة ويثبت له أجر الاستحباب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث قال ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ولفظ "السواك" عام يشمل العود والإصبع والخرقة وكل ما يقوم مقام العود مما يُتسوَّك به؛ لأن "السواك" مفرد محلَّى بأل، وهو من صيغ العموم. الثانية: القياس، بيانه: كما أن العود يُشرع التسوك به فكذلك الإصبع والخرقة ونحوهما، والجامع: حصول الإنقاء =
стр. 95
خبر قوله: "التسوُّك" أي يُسنُّ كل وقت؛ لحديث: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرَّب" رواه الشافعي وأحمد وغيرهما (٤) (لغير صائم بعد الزوال) فيُكره فرضًا كان
في كل، فإن قلتَ: إن هذا قياس فاسد؛ لأنه مع الفارق؛ حيث إن غير العود ليس كالعود في التنقية؛ حيث إن الإصبع والخرقة يُلوِّثان الفم بخلاف العود. قلتُ: القياس صحيح إذا كان الإصبع والخرقة كالعود في التنظيف، فإن قلتَ: لِمَ شُرِع التسوك بما يقوم مقام العود؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، فإن قلتَ: لا يُشرع التَّسوُّك بالإصبع والخرقة ونحوها - غير العود - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للاستصحاب؛ حيث إن الوارد في النقل هو: التسوك بالعود، أما غيره كالإصبع والخرقة فلم يرد في الشرع دليل على مشروعيته، فنبقى على النفي الأصلي، قلتُ: لا يُسلَّم ذلك، بل ورد دليلان يُغيِّران ذلك وهما: "السنة" و"القياس" وقد سبقا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مشروعية التسوك هل المقصود التسوك بنفس العود أو المقصود هو إزالة رائحة الفم الكريهة؟ " فعندنا: المقصود هو الإزالة، وهذا يكون في كل آلة تُزيل الرائحة، وعندهم: المقصود هو الإزالة بالعود فقط.
(٤) مسألة: السواك مستحب في كل وقت؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" حيث منع الأمر المؤدِّي إلى المشقة - وهو: الوجوب - وأوجد النافلة التي لا مشقة فيها؛ لأن "لولا" حرف امتناع لوجود، والتقدير: لولا وجود مشقة الوجوب: لكان السواك واجبًا، ثانيهما: قوله ﷺ : "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" حيث إنه يلزم من وصف السواك بهذين الوصفين: كونه مندوبًا، وهو مطلق في الأوقات. الثانية: السنة الفعلية، حيث قالت عائشة: =
стр. 96
الصوم أو نفلًا، وقبل الزوال يُستحب له بيابس، ويُباح برطب؛ لحديث: "إذا صُمتم: فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي" أخرجه البيهقي عن علي ﵁ (٥) (متأكد) خبر ثان للتسوك (عند صلاة) فرضًا كانت أو نفلًا، (و) عند (انتباه) من نوم ليل أو نهار (و) عند (تغيُّر) رائحة (فم) بمأكول أو غيره، وعند وضوء وقراءة، زاد الزركشي والمصنف في "الإقناع": ودخول مسجد، ومنزل، وإطالة سكوت، وخلو المعدة من الطعام، واصفرار الأسنان (٦)
"كان ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك" وكان "يستاك إذا استيقظ من النوم"، وهذا عام، لأن "إذا" و"كان" من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب السواك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الفم محل الذكر؛ ومدخل الطعام فتنظيفه مطهرة له، ومرضاة لله سبحانه، وهو مقوي للأسنان واللثة، ومزيل للرائحة عنه.
(٥) مسألة: يُستحب للصائم: أن يستاك في الصباح إلى قبيل الزوال - وهو قبل أذان الظهر - بسواك يابس، ويُكره أن يتسوك بعد الزوال سواء كان صوم فرض أو نفل، لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عمر: "يستاك ما بينه وبين الظهر، ولا يستاك بعد ذلك" الثانية: المصلحة؛ حيث إنه كلما كثرت رائحة فم الصائم كلما كثير أجره والتسوك بعد الظهر، أو التسوك بعود لين يُذهب الرائحة المحبوبة عند الله، حيث قال ﷺ : "إن رائحة فم الصائم عند الله كريح المسك" وهذا يستوي فيه الفرض والنفل، وقول الصحابي والمصلحة قد خصَّصا عموم حديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وغيره، تنبيه: حديث علي الذي ذكره المصنف لا يصح الاستدلال به؛ لأنه ضعيف كما قال بعض المحدثين.
(٦) مسألة: الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك هي: أولًا: قبل بدء أي صلاة، ثانيًا: بعد الانتباه من النوم، ثالثًا: عند تغيُّر رائحة فمه سواء كان =
стр. 97
(ويستاك عرضًا) استحبابًا بالنسبة إلى الأسنان بيده اليسرى على أسنانه ولثَّته ولسانه، ويغسل السواك (٧)، ولا بأس أن يستاك به اثنان فأكثر (٨)،
بسبب طعام، أو طول سكوت، أو كثرة كلام، أو خلو المعدة من الطعام، رابعًا: عند ما تصفرُّ الأسنان، خامسًا: عند البدء بالوضوء، سادسًا: عند قراءة القرآن، سابعًا: عند دخول مسجد ومنزل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية، الثانية: السنة الفعلية، وقد سبق ذكر ذلك في مسألة (٤) ولا داعي لتكرارها، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن المقصد من مشروعية السواك: تطهير الفم، وإزالة الأوساخ والرائحة الكريهة منه؛ لئلا يؤذي نفسه أو غيره بسببها.
(٧) مسألة: طريقة التسوك هي: أن يغسل السواك بالماء، ثم يبدأ استياكه عرضًا بالنسبة إلى الأسنان: من ثناياه إلى أضراسه، وطولًا بالنسبة إلى الفم، ويُمسك السواك بيده اليسرى، وأن يدير السواك على أسنانه ولثَّته ولسانه؛ للمصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة تؤدي الغرض الذي من أجله شرع السواك: من التنظيف، وعدم الإضرار بفمه، وأن غسله يُزيل ما علُق عليه من أتربة، وأن مسكه باليسرى فيه إكرام لليمين التي هي خاصة بالمصافحة مع الآخرين، وتناول الأكل والشرب.
(٨) مسألة: يُكره أن يستاك اثنان فأكثر بسواك واحد؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يكون سببًا في نقل الأمراض، فإن قلتَ: يُباح ذلك - كما قال المصنف هنا -؛ للسنة التقريرية؛ حيث كانت عائشة تستعمل سواك النبي ﷺ ، ثم تدفعه إليه، قلتُ: يُحتمل أنها تستعمله ولا يستعمله النبي بعدها، وعلى التسليم: فإن النبي ﷺ ليس فمه كفم الآخرين؛ حيث إن الله قد طهره، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع السنة التقريرية" فعندنا: يُعمل بالمصلحة هنا لأن السنة ضعيفة؛ لتطرق الاحتمال إليها، وعندهم: يعمل بالسنة التقريرية؛ لبعد هذا الاحتمال عندهم.
стр. 98
قال في "الرعاية": ويقول إذا استاك: "اللهم طهر قلبي، ومحِّص ذنوبي" (٩)، قال بعض الشافعية: "وينوي به الإتيان بالسنة" (١٠) (مبتدءًا بجانب فمه الأيمن) فتسنُّ البدائة بالأيمن في سواك، وطهور، وفي شأنه كله، غير ما يُستقذر (١١) (ويدَّهن) استحبابًا (غبًا) يومًا يدهن، ويومًا لا يدهن؛ لأنه ﷺ : "نهى عن التَّرَجُل إلا غبًّا" رواه النسائي والترمذي وصححه، و"التَّرَجُّل": تسريح الشعر ودهنه (١٢) (ويكتحل) في كل عين (وترا) ثلاثًا بالإثمد المطيَّب كل ليلة قبل أن
(٩) مسألة: لا يقول شيئًا من دعاء أو غيره إذا استاك؛ للاستصحاب؛ حيث لم يثبت شرعًا فيه شيء، فنبقى على النفي الأصلي، فإن قلتَ: يُستحب أن يقول: "اللهم طهر قلبي، ومحِّص ذنوبي" - كما قال المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك.
(١٠) مسألة: ينوي المسلم في تسوُّكه: أنه يفعل السنة بهذا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" والتسوك: عمل فيشمله عموم لفظ الأعمال، حيث إنه جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم، فلا عمل يُرجى ثوابه إلا بنية.
(١١) مسألة: يُستحب أن يبدأ المتسوك بجهة اليمين من فمه، ويبدأ باليمين في كل طيِّب كالتطهر، ودخول المسجد، ولبس نعل أو ثوب، ونحو ذلك، بخلاف المستقذر كدخول الخلاء ونحوه؛ للسنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "إن النبي ﷺ كان يُعجبه التيامن في تنعُّله، وترجُّله، وطهوره وفي شأنه كله" والسواك شأن من شؤونه فيدخل تحت عموم "كل" فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: الحصول على بركة البدء باليمين.
(١٢) مسألة: يُستحب أن يدهن المسلم شعر رأسه يومًا، ويتركه يومًا آخر وتنظيفه؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "نهى عن الترجُّل إلا غبًّا" والنهي هنا: للكراهة =
стр. 99
ينام؛ "لفعله ﵇" رواه أحمد وغيره عن ابن عباس (١٣) ويُسنُّ: نظر في مرآة (١٤)، وتطيُّب (١٥) (وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر) أي: أن يقول:
وهو نفي لفعل الترجُّل كل يوم - وهو: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه بدهن أو غيره - كما في "اللسان" (١١/ ٢٧٠) -، ثم أثبت الترجُّل الذي يكون غبًّا - وهو فعل يوم وترك يوم - فيكون مستحبًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك، وكره أن يكون ذلك يوميًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا وقع ذلك في يوم، ويُترك يومًا آخر: يحصل منه التنظيف وظهور رائحة طيبة في حين أنه لا مشقة على الفاعل، أما إذا فعله كل يوم: ففيه مشقة، وضياع وقت الفاعل بشيء يُقصد منه التنعُّم فلذا: كُره.
(١٣) مسألة: يُستحب أن يضع المسلم الكحل في عينيه: كل عين يكحلها ثلاث مرات كل ليلة قبل نومه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُفيد في تقوية البصر، وإنبات الشعر، كما ورد في قوله ﷺ : "إن خير أكحالكم الإثمد: يجلو البصر، ويُنبت الشعر"، ويكون أفيد ما يكون إذا كان قبل النوم؛ حتى تشرب العين هذا الكحل ويرطبها، و"الإثمد" أجود أنواع الكحل؛ نظرًا لشدة تفتُّته، وهذا الحديث: يفيد أن الكحل في أي وقت مفيد وموافق للسنة، ويتحصَّل فاعله على الأجر إذا نواه؛ لأنه مطلق في كل الأوقات.
(١٤) مسألة: يُستحب أن ينظر المسلم في المرآة، سواء أراد الخروج من بيته أو لا؛ لإزالة ما يمكن أن يكون قد عَلُق به مما يُشوِّه منظره؛ للقياس، بيانه: كما يُستحب أن يدهن شعره فكذلك يُستحب أن ينظر في المرآة، والجامع: تحسين المظهر في كل، وهو المقصد منه.
(١٥) مسألة: يُستحب للمسلم أن يضع على نفسه شيئًا من الطيب: سواء أراد الخروج أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "حُبِّب لي من دنياكم النساء =
стр. 100
"بسم الله" لا يقوم غيرها مقامها؛ لخبر أبي هريرة مرفوعًا: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أحمد وغيره، وتسقط مع السهو، وكذا: غُسل وتيمم (١٦)
والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة" فلو لم يُستحب: لما حُبِّب إليه ﷺ ؛ لكونه لا يفعل إلا المشروع، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُحسِّن رائحته، فيكون مقبولًا عند الآخرين.
(١٦) مسألة: تُستحب التسمية قبل أن يبدأ بالوضوء، والغُسل، والتيمم قائلًا: "بسم الله" هذا عند الجمهور؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، الثانية: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قال للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله: اغسل وجهك وذراعيك … " حيث إن هذين النَّصَّين قد أمرا بما هو واجب، فبدأ بغسل الوجه، فلو كانت التسمية واجبة لبيَّن ذلك القرآن، والنبي ﷺ ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن تطهير النجس لا تجب فيه التسمية فكذلك الطهارة من الحَدَث لا تجب فيها التسمية، والجامع: أن كلًا منها عبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى، فإن قلتَ: لِمَ استُحبت التسمية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك سبب للإعانة والبركة والحفظ من شياطين الجن، والوساوس، وكذا: فيه توسعة على المسلمين؛ إذ لو كانت واجبة: لوقع حرج وضيق على بعض الناس، فإن قلتَ: إن التسمية واجبة عند كل طهارة - وضوء أو غسل، أو تيمم - فيأثم المسلم إذا تركها عمدًا، وتسقط عند السهو والنسيان - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" والمراد: لا وضوء صحيح؛ فلفظ "صحيح" اقتضاء النص فيكون ثابتًا بدلالة الاقتضاء، قلتُ: هذا الحديث ضعيف كما قال كثير من أئمة الحديث، =
стр. 101
(ويجب الختان) عند البلوغ (ما لم يخف على نفسه) ذكرًا كان أو خنثى أو أنثى: فالذكر: بأخذ جلدة الحشفة، والأنثى: بأخذ جلدة فوق محل الإيلاج تشبه عرف الدِّيك، ويُستحب: أن لا تؤخذ كلها، والخنثى: بأخذهما، وفعله في زمن الصغر أفضل، وكُره في سابع يوم ومن الولادة إليه (١٧)
وعلى فرض قوته: فإن النص يقتضي - لصدق الكلام - تقدير لفظ "كامل" فيكون: "لا وضوء كامل … " فالنفي يكون للكمال، لا للصحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الحديث الأخير ضعيف أو لا؟ " فعندنا: ضعيف، وعندهم صحيح، وأيضًا: "هل دلالة الاقتضاء تدل على تقدير "صحيح" أو لا؟ " فعندنا تقدير الكلام: "كامل" وعندهم: "صحيح".
(١٧) مسألة: يُستحب أن يُختن أيُّ مولود استحبابًا مؤكدًا على مذهب الجمهور - وهو: أن تقطع الجلدة التي فوق الحشفة أو أكثرها إن كان ذكرًا، وإن كانت أنثى: فتقطع لحمة زائدة كعرف الديك تكون فوق محل الوطء، وإن قطع القليل منها: كفى، وإن كان خنثى: فتقطع الجلدة، واللحمة الزائدة معًا؛ لأن له آلتان -، وهذا مستحب في أي وقت، لكن الأفضل: أن يكون في زمن الصغر إلى التمييز - وهو: سن السابعة - وأفضل ذلك: أن يكون في الأسبوع الأول أو الثاني من ولادته؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط" فدلَّ "القرآن" هنا على استحباب الختان؛ لقرنه مع مستحبات، ولم يوجد مخصص له يخرجه عنها، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه سبب في تنقية القُبُل من أن يترسب فيه بعض الأوساخ التي تؤدي إلى الأمراض، وفي نقص في الطهارة أو احتمال ذلك، والختان في الأسابيع الأولى من الولادة أسرع بُرءًا وشفاءًا، ونفيًا =
стр. 102
(ويُكره القزع) وهو: حلق بعض الرأس وترك بعض، وكذا: حلق القفا لغير حجامة ونحوها (١٨)، ويُسن إبقاء شعر الرأس، قال أحمد: "هو سنة لو نقوى عليه
للأضرار، فإن قلتَ: إن الختان واجب لمن لا يتضرَّر به - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط الطهارة لصحة الصلاة: وجوب الختان؛ لأنه وسيلة إلى حصول تلك الطهارة؛ لأن تلك الجلدة أو اللحمة الزائدة تجتمع تحتها بقايا بول، أو قاذورات، فقطعها يُحقق كمال الطهارة، قلتُ: إنه يمكن إزالة النجاسات والقاذورات بدون قطع تلك الحشفة أو اللحمة الزائدة عند أكثر الناس، فلا يلزم وجوب الختان من اشتراط الطهارة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع السنة القولية" فعندنا: تبقى السنة على عمومها، وعندهم: يقوى التلازم على تخصيص الختان بالوجوب، تنبيه: قوله: "وكره في سابع يوم، ومن الولادة إليه" قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك؛ إذ استحباب الختان ورد مطلقًا بدون تحديد وقت، وما كان ذلك شأنه: جاز الاجتهاد فيه، والمصلحة اقتضت ما قلناه.
(١٨) مسألة: يُكره حلق بعض الرأس وترك البعض الآخر: سواء كان من جانبيه، أو من مُقدمته، أو من قفاه، أو من وسطه - وهذا هو المسمى بـ "القَزَع" -، هذا إذا لم يكن هناك حاجة، أما إن وُجدت حاجة: كحلق بعضه للاستشفاء من حكة، أو جروح، أو لأجل احتجام: فلا يُكره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث "نهى ﵇ عن القزع" والنهي هنا للكراهة، والذي صرفه من التحريم إليه: المصلحة؛ حيث إن ذلك شُرع لمنع المسلم من تشويه نفسه بالقزع، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تحسين المظهر مطلوب شرعًا، والقزع يُنافي ذلك فكُره، وإنما لم يُكره للمعذور؛ لدفع الأذى عن نفسه.
стр. 103
اتخذناه ولكن له كُلْفة ومؤنة"، ويُسرِّحه، ويُفرِّقه، ويكون إلى أذنيه، وينتهي إلى منكبيه كشعره ﷺ ، ولا بأس بزيادة، وجَعْله ذؤابة (١٩)، ويُعفي لحيته، ويحرم حلقها، ذكره الشيخ تقي الدِّين، ولا يُكره أخذ ما زاد على القبضة منها، وما تحت حَلْقه (٢٠)
(١٩) مسألة: يُستحب للمسلم أن يُبقي شعر رأسه يطول، ويُستحب أن يعتني به: من حيث غسله، وتنظيفه، وتسريحه، وتفريقه فرقتين من وسطه، وإن جعله يزيد عن الكتفين فلا بأس، لكن يُستحب له في هذه الحالة أن يجعله ظفائر وجدايل وذؤابة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "كان شعر النبي ﷺ بين أذنيه وعاتقه"، ولفظ "كان" يدل على أنه دائم على ذلك؛ لأنه من صيغ العموم في الأزمان، الثانية: المصلحة؛ حيث إن طول الشعر فيه تحسين للمظهر، ودفع مضرة حرِّ الشمس، وبرد الشتاء، وفي الاعتناء به بالغسل ونحوه: إزالة للقاذورات، والروائح الكريهة عنه، وفي جَدْلِه ظفائر: جمع له من انتشاره.
(٢٠) مسألة: يجب إعفاء اللحية - وهي: الشعر النابت على الذقن والخدَّين كما في "اللسان" (١٥/ ٢٤٣) - ولا يُكره أخذ ما زاد على قبضة راحة اليد، من الشعر، وأخذ الشعر النابت تحت الذقن وفي الحلق؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "احفوا الشوارب، واعفوا اللِّحى"، والأمر بالإعفاء مطلق فيقتضي الوجوب، وما تحت الذقن، وفي الحلق لا يدخل في مسمى اللحية، فلا يتناوله الأمر، فلا يكون تركه واجبًا ولا مستحبًا، ويلزم منه أن لا يكون أخذه محرمًا، ولا مكروهًا، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يأخذ من لحيته ما زاد على قبضة يده، فإن قلتَ: لِمَ وجب إعفاء اللحية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اللحية زينة للرجال - كما ورد عن عائشة - فإن قلتَ: لِمَ لا يُكره أخذ ما زاد عن قبضة اليد، وما تحت الذقن والحلق؟ قلتُ: للمصلحة؛ =
стр. 104
ويحفُّ شاربه، وهو أولى من قصِّه (٢١)، ويُقلِّم أظفاره مُخالفًا (٢٢)،
حيث إن هذا الزائد من الشعر على قبضة يده، وما وُجد تحت ذقنه وحَلْقه يكون مجمعًا للأوساخ والقاذورات، فدفعًا لذلك: لم يُكره أخذه.
(٢١) مسألة: يُستحب أن يحف شاربه - وهو: المبالغة في قَصِّه - يكون بين الحلق والقص كما في "المصباح" (١٤٣) -، وكذا يحف السِّبالين - وهما: طرفا الشارب النازلان على جانبي الفم وهما تابعان للشارب -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "احفوا الشوارب"، والأمر هنا للندب، والذي صرفه من الوجوب إليه السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "خمس من الفطرة: وذكر منها: قصَّ الشارب" - كما سبق في مسألة (١٧) - والاحفاء نوع من القص لكنه أعمق منه، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان بعض الصحابة يحف السِّبالين، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قصه وحَفَّه فيه تحسين لمظهر المسلم، وفيه إزالة لما قد يتسبب في بعض الأمراض خاصة وأنه قريب جدًا من الفم مدخل الأكل والشرب، فإن قلتَ: لِمَ لا يستحب حلقه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن حلقه فيه تشويه لوجه المسلم. [فرع]: يُستحب للمرأة حلق وجهها وحَفِّه، وإزالة كل ما فيه من شعر؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه زينة لها وتجمُّل أمام زوجها، لتحسن المعاشرة وإنجاب الأولاد الصالحين؛ لتكثير الأمة الإسلامية بهم.
(٢٢) مسألة: يُستحب للمسلم أن يُقلم أظفار يديه ورجليه - وهو: قطع ما زاد منها على أي طريقة شاء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "خمس من الفطرة" وذكر منها: "تقليم الأظافر" فدل "القِران" على استحباب ذلك؛ حيث قرن ذلك مع مستحبات، ولا يوجد مخصِّص لذلك، وورد هذا مطلقًا، فلم يُقيَّد بطريقة معينة، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنظيف وإزالة وحماية البدن من أن تتعلق به بعض الأوساخ والقاذورات، =
стр. 105
وينتف إبطه (٢٣)، ويحلق عانته، وله إزالتها بما شاء، و"التنوير" فَعَلَه أحمد في العورة وغيرها (٢٤)، ويدفن ما يُزيله من شعر، وظفر ونحوه (٢٥) ويفعله كل أسبوع
تنبيه: قوله: "مخالفًا" يقصد: أن يبدأ بالتقليم بخنصر اليُمنى، فإذا انتهى من اليمنى، بدأ بإبهام اليُسرى، وذلك من اليد والرِّجل، وهذا لم أجد دليلًا عليه، بل المستحب التقليم مطلقًا؛ حيث أطلقت النصوص ذلك.
(٢٣) مسألة: يُستحب أن ينتف إبطه - وهو نزع وقلع وحلق الشَّعر النابت في باطن المنكب كما في "اللسان" (٩/ ٣٢٣) -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "خمس من الفطرة" وذكر منها: "نتف الإبط" حيث إن دلالة "القِران" دلَّت على استحباب ذلك؛ لكون ذلك قرن مع مستحبات، ولا يوجد مخصص لذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة ما قد يتسبب في بعض الأمراض، وظهور رائحة كريهة منه.
(٢٤) مسألة: يُستحب أن يحلق عانته - وهو الشعر النابت فوق الفرج وما حوله كما في "اللسان" (١٣/ ٣٠٠) - ويفعل ذلك بما شاء من المزيلات للشعر: من نتف أو آلة، أو نَوْره - وهو حجر الكلس، وما يُضاف إليه من زرنيخ وغيره، وهو المسمَّى الآن بـ "النِّير" - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "خمس من الفطرة … " وذكر منها: "الاستحداد" حيث دل "القِران" على هذا الاستحباب - كما سبق ذكره - الثانية: المصلحة؛ حيث إن اختيار المسلم لما يُناسبه في إزالة شعره فيه دفع مضرَّة إلزامه بشيء معيَّن قد لا يُناسب جلده، فإن قلتَ: لِمَ عبَّر الشارع بالاستحداد والحلق بالنسبة للعانة، بخلاف غيرها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن شعر العانة قوي جدًا لا ينقلع بسهولة، ولو انقلع لتسبَّب في ضرر المثانة وغيرها من المواضع الحساسة هناك، فدفعًا للضرر: عُبِّر بالاستحداد، بخلاف غيرها.
(٢٥) مسألة: إذا أزال شعرًا أو ظفرًا فيُستحب أن يدفن ما أزاله تحت الأرض؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ =
стр. 106
يوم الجمعة قبل الزوال، ولا يتركه فوق أربعين يومًا، وأما الشارب: ففي كل جمعة (٢٦) (ومن سُنن الوضوء) وهي: جمع سنة، وهي في اللغة: الطريقة، وفي الاصطلاح: ما يُثاب على فعله، ولا يُعاقب على تركه، وتطلق - أيضًا - على أقواله، وأفعاله، وتقريراته ﷺ (٢٧)،
قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام لبني آدم، وفيه حماية له من النفوس الشريرة من أن تستعمله.
(٢٦) مسألة: يُستحب أن يزيل شعر إبط، وعانة ويحف شاربًا، ويقلم ظفرًا قبل صلاة الجمعة من كل أسبوع، ويُكره ترك ذلك فوق أربعين يومًا؛ للمصلحة: حيث إنه يُستحب الاغتسال لصلاة الجمعة لتكون رائحته طيبة، ولا تكون كذلك إلا بعد أن يُزيل ما يتسبب في جلب الروائح الكريهة وهي: الشعر والأظفار، فيكون من باب التلازم، وكرِه تركه باقيًا أربعين يومًا؛ لأن هذه المدة كافية لظهور رائحة كريهة عند عدم إزالتها، وجعل ذلك قبل صلاة الجمعة؛ لأن الناس سيجتمعون لأجلها ويتزاحمون، فلو لم تزل هذه الأشياء؛ لتأذى المُصلون، تنبيه: قوله: "وأما الشارب: ففي كل جمعة"، قلتُ: الشارب يدخل ضمن الشعر الذي يستحب إزالته كل أسبوع، ولا داعي لذكره إلا إذا أراد ذكر الخاص بعد العام؛ لأهميته؛ حيث إنه قريب من الفم، فيُخاف من ضرر اجتماع الأوساخ عليه فيدخل ذلك في الفم أثناء الأكل والشرب، فذكره منفردًا حسن.
(٢٧) مسألة: السنة لغة: الطريقة، سواء كانت حسنة أو قبيحة - كما في "الصحاح" (٥/ ٢١٣٨) -؛ ومن ذلك: قوله ﷺ : "من سَنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة: فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سَنَّ سنة سيئة: فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" وهي في الاصطلاح: "كل ما =
стр. 107
وسمي غَسْلُ الأعضاء على الوجه المخصوص وضوءًا؛ لتنظيفه المتوضيء وتحسينه (٢٨) (السواك) وتقدَّم أنه يتأكد فيه، ومحلّه عند
يُثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه"، أو تقول: "كل ما طُلب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا" - هذا من حيث كونه حكمًا تكليفيًا -، وهي من حيث كونها دليلًا معتبرًا بعد الكتاب: "ما صدر عن الرسول ﷺ غير القرآن - من أقوال وأفعال وتقريرات مما يخص الأحكام التشريعية" - كل ما سبق على اصطلاح الفقهاء والأصوليين - وهي في اصطلاح المحدِّثين: "ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلُقية أو خَلْقية أو سيرة" وهي في اصطلاح أهل الكلام: "ما يُقابل البدعة"، وتطلق السنة على عمل الصحابة، وكل ذلك مفصَّل في كتابي: "المهذب" (١/ ٢٣٤) و (٢/ ٦٣٣)، و"الإتحاف" (١/ ٤٨٠)، والمقصود بالسنة هنا: هو "ما يثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه"، كما سبق.
(٢٨) مسألة: الوضوء لغة: مأخوذ من الوضاءة والنظافة - كما في "اللسان" (١/ ١٩٤)، وفي الاصطلاح: غسل أربعة أعضاء هي: الوجه واليدين، ومسح الرأس وغسل الرجلين بماء طهور على صفة مخصوصة سيأتي بيانها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ طول حياته بعد نزول الوحي بإيجاب الصلاة - كان يتوضأ هكذا، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به"، فإن قلتَ: لِمَ سمِّي غسل تلك الأعضاء وضوءًا؟ قلتُ: لأن المتوضيء بهذه الطريقة ينظف تلك الأعضاء، حتى تكون وضيئة حسنة بعيدة عن القاذورات، فإن قلتَ: لِمَ كان الوضوء خاصًا بغسل تلك الأعضاء فقط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها هي الظاهرة من الإنسان غالبًا، فتتعرض =
стр. 108
المضمضة (٢٩) (وغسل الكفين ثلاثًا) في أول الوضوء ولو تحقق طهارتهما (ويجب) غسلهما ثلاثًا بنية وتسمية (٣٠) (من نوم ليل ناقض لوضوء)؛ لما تقدم في أقسام المياه، ويسقط غسلهما والتسمية سهوًا، وغسلهما لمعنى فيهما:
بسبب ذلك للأتربة والأوساخ، فتحتاج إلى غسلها؛ لئلا تدخل تلك الأوساخ إلى داخل بدنه فتتسبب له في بعض الأمراض، فإن قلتَ: لِمَ يمسح الرأس دون البقية؟ قلتُ: الأصل غسله مثلها، ولكن الغسل سقط؛ للمشقة؛ حيث يتأذى به المسلم، وسيأتي توضيح ذلك. تنبيه: سُنن الوضوء التي يؤجر عليها إن فعلها، ولا يأثم إن تركها هي: ثنتا عشرة سنة سيأتي ذكرها فيما يلي من المسائل.
(٢٩) مسألة: في الأول من سنن الوضوء - وهو: أن يستاك قبل المضمضة، وهذا مما يتأكد فيه السواك كما سبق في مسألة (٦) -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وفي رواية: "عند كل وضوء" وهي زيادة ثقة مقبولة، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٤)، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من السنن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التسوك يُثير بعض أوساخ الفم فيأتي المتوضئ بالماء فيُخرجها، فتكون رائحة فمه طيبة لا يؤذي الملائكة، ولا المصلِّين حوله، لذلك ذكر القرطبي في "المفهم" (١/ ٩٩): أنه لِمَ يرو عن النبي ﷺ أنه استاك في مسجد قط، ولا في جماعة؛ لأن أرباب الهيئات والمروءات يمتنعون عن فعل ذلك؛ إكرامًا للآخرين، فيكون السواك قبل الوضوء، والوضوء عادة لا يكون في المساجد.
(٣٠) مسألة: في الثاني - من سنن الوضوء - وهو: التسمية: بأن يقول: "بسم الله" وقد سبق بيانه والمقصد منه في مسألة (١٦).
стр. 109
فلو استعمل الماء، ولم يُدخل يده في الإناء: لم يصح وضوؤه وفسد الماء (٣١) (و) من سنن الوضوء (البدائة) قبل غسل الوجه (بمضمضة ثم استنشاق ثلاثًا ثلاثًا بيمينه، واستنثاره بيساره (٣٢) (و) من سننه (المبالغة فيهما) أي: في المضمضة والاستنشاق (لغير صائم) فتُكره، والمبالغة في المضمضة: إدارة الماء بجميع فمه،
(٣١) مسألة: في الثالث - من سنن الوضوء -: وهو: أن يغسل الكفين ثلاث مرات قبل أن يُدخلهما الإناء وقبل غسل الوجه سواء كان بعد نوم، أو لا، وسواء غلب على ظنه طهارتهما أو لا، للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك في وضوئه، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من السنن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة لما فيهما من الأوساخ؛ حتى لا تنتشر في أعضائه أثناء وضوئه، تنبيه: قوله: "يجب غسلهما" إلى قوله: "وفسد الماء"، قلتُ: قد سبق بيان أن ذلك مستحب وأنه لا يفسد الماء في مسألة (٣٤) من "مسائل حقيقة الكتاب والطهارة والمياه المتطهر بها … " وفي مسألة (١٦) من هذا الباب.
(٣٢) مسألة: في الرابع - من سنن الوضوء -: وهو أن يبدأ بالمضمضة ثلاثًا ثم يستنشق ثلاثًا قبل غسل الوجه، وأن يكون إدخال الماء إلى الفم والأنف باليد اليُمنى، وإخراجه منهما باليسرى - وهو الاستنثار؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من السنن؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إنه لو خرج من الفم أو الأنف شيء من الأوساخ وعلُق بعضه على الوجه: فإن غسل الوجه بعد ذلك سيُزيله، بخلاف ما لو بُدئ بغسل الوجه قبل المضمضة والاستنشاق، فإنه قد يخرج منهما شيء يُقذِّر الوجه، وفي استعمال اليُمنى لإدخال الماء للتبرك باليمين، وكونه يُخرجه باليسرى؛ لأن اليسرى وضعت للقاذورات.
стр. 110
وفي الاستنشاق: جذْبه بنفسه إلى أقصى الأنف (٣٣)، وفي بقية الأعضاء: دلك ما ينبو عنه الماء للصائم وغيره (٣٤) (و) من سننه (تخليل اللحية الكثيفة) - بالثاء المثلَّثة - وهي: التي تستر البشرة: فيأخذ كفًا من ماء يضعه من تحتها بأصابعه
(٣٣) مسألة: في الخامس - من سنن الوضوء - وهو: أن يبالغ في المضمضة، والاستنشاق لغير صائم، فإن كان صائمًا: فإنه يتمضمض ويستنشق بدون مبالغة، فإن فعل: كُره؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" والمضمضة كالاستنشاق؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، وهذا للاستحباب، وصرفه من الوجوب إليه: مفهوم العدد من آية الوضوء - وهي قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ … ﴾ حيث تدل على أنه لا يجب غير غسل الأعضاء الأربعة فقط، وكُرهت المبالغة للصائم؛ لأن النص نهى عنها؛ حيث أمر بالمبالغة ثم نهى عنها الصائم؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، والنفي نهي عندنا، والنهي للكراهة؛ للاحتمال الضعيف في دخول الماء إلى جوفه أثناء صومه، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من السنن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه استقصاء في التنظيف، تنبيه: المراد بالمبالغة في المضمضة: أن يُدير الماء في جميع فمه بقوة ثم يمجُّه، والمراد بالمبالغة في الاستنشاق: أن يجذب الماء بنَفَسه وشهيقه إلى أقصى أنفه ثم يستنثره.
(٣٤) مسألة: في السادس - من سنن الوضوء - وهو: أن يدلك أعضاء الوضوء الأربعة خاصة في المواضع التي يشك بأن الماء لا يصله بسبب إصابته بدُهن أو صمغ، سواء كان صائمًا أو لا؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ : "أسبغ الوضوء" وهذا الأمر للاستحباب، والذي صرفه من الوجوب إليه مفهوم العدد من آية الوضوء كما سبق في مسألة (٣٢)، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من السنن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، ومبالغة في التنظيف والتطهير.
следующие страницы →