← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالنقود عن الصاع من بُرٍّ ونحوه في زكاة الفطر؛ للسنة التقريرية؛ وهو حديث أبي سعيد الخدري السابق ذكره في مسألة (٢٧) حيث نصَّ على الأصناف الخمسة - وهي: البر، والشعير، والتمر، والزبيب والأقط - والنَّص عليها يلزم منه: عدم إجزاء إخراج غيرها ليس من جنسها، والقيمة ليست من جنسها، فلا يُجزئ إخراجها، فإن قلتَ: لمَ لا يُجزئ ذلك؟ قلتُ: لأن إخراجها تركًا للمأمور بإخراجه، فيكون إخراج القيمة مردودًا؛ عملًا بعموم قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ"، فإن قلتَ: يُجزئ إخراج القيمة هنا، وهو قول كثير من الحنفية؛ للقياس، بيانه: كما أنه يجوز إخراج تلك الأصناف الخمسة من الأطعمة فكذلك يجوز إخراج القيمة والجامع: نفع الفقير في كل، بل إن هذا قياس أولى؛ لأن القيمة أنفع للفقير من تلك الأصناف؛ حيث إنه سيشتري بها طعامًا وغيره، قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن القيمة ليست من جنس الأطعمة؛ حيث إن الأطعمة أنفع للفقراء، والواقع يشهد لذلك؛ إذ قد يشتري الفقير بتلك القيمة أشياء تُفسده وتُفسد غيره، وقد يبخل رب الأسرة الفقيرة بتلك القيمة، فلا يُنفقها على أسرته، ثم إنه يلزم أن يشتري بتلك القيمة بعض الأطعمة وهذا قد يشق على بعض الناس، فدفعًا لذلك: شرع الشارع الأصناف الخمسة وما هو من جنسها فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يُقاس على المحصور بعدد؟ " فعندنا: لا يُقاس هنا على تلك الأصناف الخمسة إلا ما هو من جنسها وعندهم: يقاس عليها ما هو من جنسها وما هو من غير جنسها بجامع: النفع كما سبق بيانه. هذه آخر مسائل باب "زكاة الفطر" ويليه باب "إخراج الزكاة"

стр. 982

باب إخراج الزكاة يجوز لمن وجبت عليه الزكاة: الصدقة تطوعًا قبل إخراجها (١) (ويجب) إخراج الزكاة (على الفور مع إمكانه) كنذر مطلق، وكفارة؛ لأن الأمر المطلق يقتضي الفورية، وكما لو طالبه بها الساعي، ولأن حاجة الفقير ناجزة والتأخير مخلٍّ بالمقصور، وربَّما أدَّى إلى الفوات (٢) (إلا لضرورة) كخوف رجوع ساع، أو على باب إخراج الزكاة وفيه ست وعشرون مسألة: (١) مسألة: يجوز أن يتصدَّق مَنْ وجبت عليه الزكاة بصدقة مُطلقة بأي شيء قبل إخراج تلك الزكاة الواجبة عليه؛ للتلازم؛ حيث إن الأمر بالصدقات مطلق في الأوقات، فيلزم إخراجها بأيِّ وقت، ومنها: الوقت الذي يكون قبل إخراج الزكاة الواجبة، فإن قلتَ: لمَ ذُكر ذلك مع أنه معلوم جوازه؟ قلتُ: ليُفرِّق بين الزكاة والصوم؛ لأن صوم التطوع لا يُقدَّم على صوم الفرض. (٢) مسألة: إذا وجبت زكاة على مسلم لأيِّ مال من الأموال الزكوية كبهيمة الأنعام، أو الثمار والحبوب، أو النقود فيجب عليه أن يُخرجها فورًا، دون تأخير؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ حيث دلَّ مفهوم الزمان على عدم جواز تأخير إخراج زكاة الحبوب والثمار عن يوم حصاده؛ ولأن الأمر مطلق فيقتضي الفور، وغير الثمار والحبوب مثلها؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيهما: قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ حيث إن الأمر مطلق، فيقتضي الفور، الثانية القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الوفاء بالنذر المطلق وإخراج كفارة اليمين، يجب أن يكونا على الفور فكذلك إخراج الزكاة مثلهما والجامع: الإسراع في إبراء =

стр. 983

نفسه، أو ماله ونحوه، وله تأخيرها لأشدِّ حاجة، وقريب، وجار، ولتعذُّر إخراجها من المال لغيبة ونحوها (٣) (فإن منعها) أي: الزكاة (جحدًا لوجوبها: كفر عارف بالحكم) وكذا: جاهل عرف فعُلِّم وأصرَّ، وكذا: جاحد وجوبها ولو لم يمتنع من أدائها (وأخذت) الزكاة (منه وقُتل)؛ لردَّته بتكذيبه لله ورسوله بعد أن يُستتاب ثلاثًا (أو بخلًا) أي: ومن منعها بخلًا من غير جحد: (أخذت منه) فقط قهرًا كدين الآدمي، ولم يُكفَّر (وعُزِّر) إن علم تحريم ذلك، وقوتل إن احتيج إليه، ووضعها الذمة؛ والأمر يقتضي الفورية في كل، ثانيهما: كما أن ساعي الزكاة - وهو: جامعها من قبل الإمام - إذا طالب المالك بالزكاة فيجب عليه أن يدفعها له فورًا، فكذلك يجب أن يُخرجها فورًا بسبب طلب الشارع لها بدون ساع، والجامع: الطلب في كل الذي يقتضي الفورية فإن قلتَ: لمَ وجب إخراجها على الفور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط المالك لدينه، والإسراع في إبراء ذمته منها، وقضاء حاجة الفقير؛ لأن حاجته ناجزة. (٣) مسألة: يُستحب تأخير أداء الزكاة لمصلحة ضرورية أو حاجية اقتضت تأخيرها كمرض، أو غيبة مال - بسبب كونه ليس عنده - أو خشي المالك من لصوص إن علموا مقدار زكاته، أو خشي إن أخرجها بنفسه أن يأتي إليه ساعي الزكاة فيأخذها منه مرة أخرى، أو قصد بتأخيرها أن يعطيها أشدَّ الناس حاجة لها، أو أن يعطيها جاره، أو قريبه المستحقين لها، أو مُنع التصرف فيها أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا التأخير فيه دفع ضرر عن المالك، أو جلب مصلحة حاجية له في دنياه أو آخرته، فشرع ذلك من أجلها، أصله: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". [فرع]: مقدار التأخير الذي استُحب في أداء الزكاة: مدَّة لا تزيد عن شهر؛ للتلازم؛ حيث إن الشهر هو أقصى مُدَّة يرجع فيه الناس، أو تُسدَّد فيها الديون، أو يزول الضرر فيها غالبًا: فلزمت.

стр. 984

الإمام في مواضعها، ولا يكفر بقتاله للإمام (٤)، ومن ادَّعى أداءها، أو بقاء الحول، (٤) مسألة: إذا منع شخص زكاة ماله: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان عارفًا بحكمها، ولكنه جحده وأنكره: فيُطبَّق عليه أحكام المرتدِّ، فيُستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب ودفع الزكاة: تُرك، وإن لم يتب: أخذت منه الزكاة، وقُتل؛ وكذا: يُفعل فيمن كان جاهلًا بحكم الزكاة فعُلِّم إياه، وأصرَّ على عدم دفعها؛ لإجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن أبا بكر ﵁ قد قاتل مانعي الزكاة، ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة، فإن قلتَ: لمَ يُستتاب؟ قلتُ: لما ذكرناه فيمن جحد وجوب الصلاة في مسألة (١٥) من باب "حقيقة الصلاة وحكمها" من كتاب الصلاة، فإن قلتَ: لمَ يُقتل إذا لم يتب؟ قلتُ: لارتداده عن الإسلام: نظرًا لتكذيبه لله ورسوله، فيُقتل؛ لئلا يؤثِّر على غيره، فإن قلتَ: لمَ أخذت الزكاة منه مع أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام؟ قلتُ: لأن الزكاة قد استقرَّت في ذمَّته قبل الحكم بكفره فأصبحت من حقوق الفقراء، فإن قلتَ: لمَ يُعلَّم بحكم الزكاة إن كان جاهلًا؟ قلتُ: لكونه معذورًا بجهله فلا يؤاخذ به؛ قياسًا على النسيان والخطأ الوارد في قوله ﷺ : "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان .. " ثانيًا: إن كان عالمًا بحكم الزكاة، ومُقرًا به، ولكنه امتنع من دفع الزكاة بُخلًا: فلا يحكم بكفره، وتُؤخذ منه قهرًا، ثم يُعزِّره ويؤدِّبه الإمام بما يراه مناسبًا، فإن امتنع عن دفعها: فللإمام - الذي يقوم بمصالح المسلمين -: أن يقاتله، ولا يكفر هذا البخيل بسبب مقاتلته؛ للقياس، بيانه: كما أن الدَّين يُؤخذ من المدين قهرًا إذا امتنع عن الوفاء به فكذلك الزكاة تؤخذ من البخيل هذا، والجامع: أن كلًا منهما حقٌّ يجب أن يُخرج ويُعطى أصحابه، فإن قلتَ: لمَ لا يكفر هذا البخيل إذا قاتل الإمام؟ قلتُ: لكونه مُعتقدًا وجوب الزكاة، وهو يُقاتله دفاعًا عن نفسه، فإن قلتَ: لمَ يُعزَّر؟ قلتُ: لأنه أخَّر الزكاة عن مستحقيها.

стр. 985

أو نقص النصاب، أو أن ما بيده لغيره ونحوه: صُدِّق بلا يمين (٥) (وتجب) الزكاة (في مال صبي ومجنون)؛ لما تقدَّم (فيُخرجها وليُّهما) في مالهما كصرف نفقة واجبة عليهما: لأن ذلك حق تدخله النيابة، ولذلك صحَّ التوكيل فيه (٦) (ولا يجوز (٥) مسألة: إذا طولب مسلم بأن يُزكِّي على ما عنده من أموال فقال: "إني قد دفعتها أو أن النصاب ناقص، أو أن الحول لم يتم، أو أن هذا المال ليس له" أو قال غير ذلك مما يمنع الزكاة فإنه يُصدَّق، ولا يُطلب منه اليمين على ذلك؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلم الصدق، فيُستصحب ذلك ويعمل به إن لم يتبين ما يدل على خلافه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو طُلب من كل مسلم اليمين على كل ما ادَّعاه: للحق كثيرًا من المسلمين المشقة. (٦) مسألة: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون - إذا بلغ النصاب وتمَّ عليه حول -، ويتولَّى إخراج ذلك وليُّهما؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنهما لو أتلفا شيئًا أخذ ثمن ما أتلفاه من مالهما فكذلك الزكاة تُؤخذ من مالهما، والجامع: أن كلًا منهما حق لآدمي، فيجب أن يُخرج هذا الحق، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر وابنه، وعلي، جابر، والحسن وعائشة ﵃ كانوا يُخرجون الزكاة من مالهما، فإن قلتَ: لمَ وجبت في مالهما مع أنهما غيرُ مكلَّفين؟ قلتُ: لأن الزكاة مُتعلِّقة بالمال، لا بالشخص، فإذا بلغ النصاب وحال عليه الحول: فيجب إخراج زكاته بصرف النظر عن مالكه من باب الحكم الوضعي، لا التكليفي وقد بينتُ ذلك في كتابي: "إتحاف ذوي البصائر" و"المهذب"، فإن قلتَ: لمَ يقوم الولي بإخراج الزكاة؟ قلتُ: لأن إخراج الزكاة لا بدَّ فيه من نية، والصبي والمجنون لا تصح منهما نية؛ فنية الولي تكفي عنهما؛ لكونه يُعتبر وكيلًا عنهما، ومعروف: صحة الوكالة والنيابة في الأموال كنفقة الأقارب والزوجات، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات.

стр. 986

إخراجها) أي: الزكاة (إلا بنية) من مُكلَّف؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" والأولى: قرْن النية بدفع، وله تقديمها بزمنٍ يسير كصلاة، فينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة ونحو ذلك (٧)، وإذا أُخذت منه قهرًا: أجزأت ظاهرًا (٨)، وإن تعدَّر وصول (٧) مسألة: النية شرط لصحة دفع وإخراج الزكاة: سواء كانت زكاة أموال، أو زكاة فطر، وبناء على ذلك: فإنه إذا لم ينو شيئًا عند إخراجها، أو نوى الصدقة المطلقة ثم نواها زكاة لماله بعد ذلك: فلا تجزئ، والأفضل: أن تكون النية عند دفعها، ولا بأس بتقديم النية بزمن يسير على دفعها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" حيث إن الزكاة عمل، فلا يصح إلا بنية؛ لأن لفظ "الأعمال" جَمع مُعرَّف بأل وهو من صيغ العموم، ومفهوم حصر المبتدأ في الخبر يدل على أنه لا عمل شرعي وصحيح إلا بنية، الثانية: القياس، بيانه: كما أن نية الدخول في الصلاة تكون عند تكبيرة الإحرام، ويجوز تقديمها عليها بزمن يسير، فكذلك الزكاة تكون نيتها عند دفعها، ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير والجامع: أن كلًا منهما عبادة تُشترط لها النية، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن أوجه إخراج المال كثيرة، ولا يُحدِّد أنها للزكاة إلا النية، ثم إن تقديمها بزمن يسير فيه توسعة على المسلمين. (٨) مسألة: إذا أخذ الإمام الزكاة قهرًا من شخص قد امتنع عن دفعها بُخلًا -: فإنها تُجزئ عن ذلك الشخص ظاهرًا، بأن لا يُطالبه الإمام بها مرة ثانية في ذلك العام، لكنها لا تُجزئ عنه باطنًا فلا تبرأ ذمته؛ للقياس، بيانه: كما أن هذا الشخص لو صلَّى خوفًا من الإمام بدون نية: فإن صلاته لا تصح، فكذلك مثلها والجامع: أن كلًا منهما عبادة قد فقدت شرط صحتها وهي النية، لكونه أخرجها خوفًا من الإمام، وهو المقصد من الحكم.

стр. 987

إلى المالك؛ لحبس أو نحوه، فأخذها الإمام أو نائبه: أجزأت ظاهرًا وباطنًا (٩) (والأفضل: أن يُفرِّقها بنفسه)؛ ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها (١٠) وله دفعها إلى السَّاعي (١١)، ويُسنُّ إظهارها (١٢) (و) أن (يقول عند دفعها هو) أي: مُؤدِّيها (وآخذها: ما ورد) فيقول دافعها: "اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا" ويقول آخذها: "آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا (١٣) وإن وكَّل مسلمًا ثقة: جاز وأجزأت نية مُوكِّل مع قرب، وإلا: نوى (٩) مسألة: إذا كان الشخص غائبًا؛ لعذر كأن يكون محبوسًا، أو مسافرًا: فأخذ الإمام زكاة ماله؛ ليوزِّعها على مستحقيها ونوى ذلك عنه: فإنها تجزئ عن ذلك الشخص ظاهرًا - فلا يُطالب بها مرة أخرى - وتجزئ عنه باطنًا - فتبرأ ذمَّته -؛ للقياس، بيانه: كما أن ولي الصبي والمجنون يقوم بإخراج زكاة مالهما وينوي عنهما، فكذلك الإمام مثله في ذلك، فإن قلتَ: لمَ أجزأت ظاهرًا وباطنًا؟ قلتُ: لكون عذره مقبولًا. (١٠) مسألة: يُستحب أن يقوم المالك بتوزيع وتقسيم زكاة ماله بنفسه على مستحقيها؛ للمصلحة؛ حيث إنه في ذلك يتيقن من وصولها إلى مستحقيها، وهذا أحوط للدِّين. (١١) مسألة: يُباح للمالك أن يدفع زكاة ماله إلى الساعي - وهو: مندوب الإمام لجمع الزكوات - إذا كان ذلك الإمام يصرفها في مصارفها الثمانية -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع لكلمة المسلمين، ودفع مشقة المالك إذا وزَّعها بنفسه. (١٢) مسألة: إذا رأى المالك أن إظهار دفع الزكاة فيه مصلحة: فيُستحب إظهارها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدِّي إلى الاقتداء به. (١٣) مسألة: يُستحب أن يقول دافع الزكاة: "اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا" أو يقول: "اللهم تقبَّل مني إنك أنت السميع العليم"، ويُستحب أن =

стр. 988

مُوكِّل عند دفع لوكيل، ووكيل عند دفع لفقير (١٤)، ومن عَلِم أهلية آخذ كُره إعلامه بها، ومع عدم عادته: لا يُجزئه الدفع له إلا إن أعلمه (١٥) (والأفضل: إخراج زكاة يقول آخذها: "آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا"؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ حيث إن الشارع قد أمر هنا بالدعاء للدافع للزكاة؛ لأن المراد بـ "الصلاة هنا" الدعاء، الثانية: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أرشد إلى دعاء الدافع للزكاة، وقد روى ذلك أبو هريرة، وابن أبي أوفى، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك الدعاء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن دعاء الدافع، والمعطى والفقير هنا يتسبَّب في بركة المال المتبقِّي عند الغني، وفي بركة المال المدفوع للفقير. (١٤) مسألة: يجوز للمالك أن يُوكِّل شخصًا ثقة بأن يُخرج زكاة ماله ويدفعها للفقير، وينوي هذا المالك: أن هذا المخرج زكاة ماله عند دفعها للوكيل، وينويها الوكيل عند دفعها للفقير إن كان زمن دفعها إلى الفقير بعيدًا عن زمن دفع الموكِّل إلى الوكيل فأكثر كثلاثة أيام فأكثر، أما إن قرب - كأقل من ذلك - فتجزئ نية الموكِّل في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن التوكيل في هذا فيه توسعة على المسلمين، الثانية: التلازم؛ حيث إن اشتراط نية إخراج الزكاة لصحتها يلزم منه: أن تكون هذه النية مقارنة أو مقاربة للإخراج والدفع، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد القرب بأقل من ثلاثة أيام والكثير بثلاثة أيام فأكثر؟ قلتُ: لأن هذا الزمن قليل في عرف وعادة كثير من الناس، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط في الوكيل كونه ثقة؟ قلتُ: لأن الفاسق لا يُؤمن جانبه، فقد لا يُعطيها مستحقيها. (١٥) مسألة: إذا غلب على ظن المالك: أن زيدًا من المستحقين للزكاة، وأنه من عادته أنه يأخذها: فإنه يُعطيه الزكاة بدون إعلامه أن هذا من الزكاة: وإن =

стр. 989

كُلِّ مال في فقراء بلده) (١٦) ويجوز نقلها إلى دون مسافة قصر من بلد المال؛ لأنه في حكم بلد واحد (ولا يجوز نقلها) مطلقًا (إلى ما تُقصر فيه الصلاة)؛ لقوله ﷺ لمعاذ - لما بعثه إلى اليمن -: "أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ على فقرائهم" بخلاف نذر وكفارة، ووصيَّة مُطلقًا (فإن فعل) أي: نقلها إلى مسافة قصر: (أجزأت)؛ لأنه دفع الحق إلى مُستحقِّه فبرئ من عهدته، ويأثم (إلا أن يكون) المال (في بلد) أو مكان (لا فقراء فيه فيُفرِّقها في أقرب البلاد إليه)؛ لأنهم أولى (١٧)، أعلمه: جاز مع الكراهة، أما إن كان من المستحقين لها وليست عادته أن يأخذ الزكاة: فيجب على المالك أن يُعلم زيدًا بأن هذا المال زكاة، فإن لم يُخبره بذلك وأعطاه إياه بدون إعلامه: فلا تُجزئه، ولا بدَّ أن يدفعها لآخر مرة أخرى؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن إعلام الذي من عادته أخذ الزكاة: فيه امتهانه وإذلاله فلذا كُره، الثانية: التلازم؛ حيث إن عدم عادة زيد بأخذ الزكاة، والمالك لم يُعلمه بأن ما أعطاه إياه زكاة: يلزم منه عدم إجزائها؛ لاحتمال أن يأخذها بناء على أن المال الذي أعطاه إياه عطية، أو هدية، أو صلة ونحو ذلك، لا زكاة، ومع هذا الاحتمال لا تُجزئ عن الزكاة، فلزم دفعها مرة أخرى لآخر. (١٦) مسألة: يُستحب أن يُقسِّم الشخص زكاة ماله بين فقراء بلده؛ للمصلحة؛ حيث إن الغني يعرف فقراء بلده معرفة دقيقة، وإعطاؤهم يُحقِّق المقصد من مشروعية الزكاة وهي: المواساة وإيجاد المودَّة والمحبَّة بين أهل البلد الواحد. (١٧) مسألة: يجوز للشخص أن ينقل زكاة ماله من بلده إلى بلدان أخرى: سواء كانت قريبة أقل من مسافة قصر - وهو (٨٢) كم - أو أكثر من ذلك، وسواء وُجد فقراء في بلده أو لم يوجد، ولا يأثم في ذلك، وهو مذهب الجمهور؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .. ﴾ حيث إن هذا =

стр. 990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عام، فيشمل جميع فقراء ومساكين المسلمين؛ لأن لفظ "الفقراء والمساكين" جمع مُعرَّف بأل وهو من صيغ العموم، وهو مطلق في الأمكنة؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لقبيصة: "أقم حتى تأتينا الصدقة فأمر لك بها" ولم يكن قبيصة هذا من أهل المدينة، فدل على أنها تنقل، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن المدين يدفع دينه لصاحبه في أيِّ مكان، فكذلك الزكاة تُدفع للفقير في أي مكان وإن كان بعيدًا والجامع: أن كلًا منهما فيه دفع حق لمستحقه، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك مُطلقًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تواصل وتكاتف اجتماعي بين المسلمين؛ حيث إنه توجد أقلِّيات إسلامية في بلدان كافرة تعاني من الفقر والظلم الذي قد لا يتصوَّره أحد، فدفع الزكاة إلى هؤلاء فيه تقوية لهم، وتحسين للإسلام في نفوس جيرانهم من الكفار مما يجعلهم يعتنقوه، فإن قلتَ: لا يجوز للشخص أن ينقل زكاة ماله إلى بلد تبعد عن بلده مسافة قصر، وإن نقلها إلى ذلك البلد: فإنها تُجزئ ويأثم، أما إن لم يوجد فقراء في بلده فيجوز نقلها إلى أقرب البلدان إليه - وهو مذهب أكثر الحنابلة وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "وأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ إلى فقرائهم" حيث إن الضمير يعود إلى فقراء اليمن فقط قلتُ: لا يُسلَّم ذلك؛ لأن الضمير يعود إلى فقراء المسلمين جميعًا؛ لأن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب، ولعدم وجود مُخصِّص يُخصِّص فقراء اليمن فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مرجع الضمير في حديث معاذ" فعندنا: راجع إلى جميع المسلمين؛ للقاعدة التي ذكرناها، ولا يقوى حديث معاذ على تخصيص وتقييد الكتاب والسنة القولية، أما عندهم فالضمير راجع إلى فقراء اليمن، وهو مخصِّص ومقيد للكتاب والسنة القولية تنبيه: وقوله: "بخلاف نذور كفارة =

стр. 991

وعليه مؤنة نقل، ودفع، وكيل، ووزن (١٨)، (فإن كان) المالك (في بلد وماله في) بلد (آخر: أخرج زكاة المال في بلده) أي: بلد به المال كل الحول أو أكثره، دون ما نقص عن ذلك؛ لأن الأطماع إنما تتعلَّق به غالبًا بمُضي زمن الوجوب، أو ما قاربه (و) أخرج (فطرته في بلد هو فيه) وإن لم يكن له به مال؛ لأن الفطرة إنما تتعلَّق بالبدن - كما تقدَّم - (١٩)، ويجب على الإمام بعث السعاة قرب زمن الوجوب؛ لقبض زكاة ووصيَّة مُطلقًا" يشير به إلى أن الزكاة لا تُنقل إلى بلدان أخرى على مذهب أكثر الحنابلة، أما لو نذر أن يتصدَّق على فقراء، أو وصى للفقراء بشيء، أو وجبت عليه كفارة يمين: فإنه يُعطيها أيَّ فقير مهما كان بلده ولو كانت بعيدة عن بلد الناذر والمكفِّر والموصي. (١٨) مسألة: أُجرة نقل الزكاة من مكان إلى بلد أو مكان آخر، ومؤنة حملها، ودفعها، ومؤنة وكيل عنه، وأجرة كيلها، ووزنها تؤخذ من مال المزكِّي، لا من الزكاة؛ للقياس، بيانه: كما أن مؤنة تسليم المبيع وكيله ووزنه، ونقله تكون على البائع فكذلك الزكاة مثله تكون على المزكي والجامع: أن كلًا منهما من تمام توفية الحق، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الفقير؛ لئلا يزعم غني بأن تلك الزكاة قد نقصت بسبب المؤنة. (١٩) مسألة: إذا وُجد مسلم في مكة مثلًا، وماله في بغداد، وبلغ هذا المال النصاب وحال عليه الحول أو أكثره في بغداد: فيجب أن يُخرج زكاة هذا المال في بغداد، ويُوزِّعها على فقراء ذلك البلد - أعني بغداد -، أما زكاة الفطرة فيُخرجها في البلد الذي جاء عيد الفطر وهو فيه - وهو هنا مكة -؛ للتلازم؛ حيث إن زكاة كل شيء تابع للمزكَّى فيلزم أن يُخرج زكاة المال في البلد الذي وُجد فيه ذلك المال، وتُخرج زكاة النفس في البلد الذي تُوجد هذه النفس فيه كما سبق في مسألة (٢٦) من باب "زكاة الفطر"؛ لأن أطماع الفقراء تتعلَّق بذلك المزكَّى =

стр. 992

المال الظاهر كالسائمة والزرع والثمار؛ لفعله ﷺ ، وفعل خلفائه ﵃ بعده (٢٠) (ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل)؛ لما روى أبو عبيد في "الأموال" بإسناده عن علي ﵁: "أن النبي ﷺ تعجَّل من العباس صدقة سنتين"، ويعضده رواية مسلم: "فهي عليَّ ومثلها" وإنما يجوز تعجيلها إذا كمل النصاب، لا عما يستفيده (٢١)، وإذا عنه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين مصلحتي الغني والفقير. (٢٠) مسألة: يُستحب للإمام أن يبعث السُّعاة إلى جميع مناطق وأطراف دولته لجمع زكاة الأموال الظاهرة كبهيمة الأنعام، والزروع والثمار كل عام، ووضعها في بيت المال، وبعد ذلك يُقسِّمها على المستحقين لها بالعدل والإنصاف؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: فعل الصحابة؛ حيث كان الخلفاء الأربعة يفعلون ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس لا يعلمون تفاصيل أحكام الزكاة، فبعث هؤلاء السعاة يكفيهم مؤنة ذلك، فإن قلتَ: يجب على الإمام بعث السعاة - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على هذا الوجوب، والسنة الفعلية، وفعل الصحابي لا يفيدان إلا الندب فقط. (٢١) مسألة: يجوز أن يُعجِّل المسلم إخراج زكاة ماله قبل وقت وجوبها بحول أو حولين، بشرط: بلوغ هذا المال للنصاب قبل تعجيل تلك الزكاة، وعليه: فلا يجوز تعجيل إخراج زكاة عن شيء سيستفيده مُستقبلًا، ويُكمِّل به النصاب، فمثلًا: لو ملك بعض نصاب فعجَّل زكاته على أنه كامل النصاب: لم يُجزئه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث رخَّص النبي ﷺ لعمِّه العباس تعجيل زكاته حولين، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يجوز تعجيل قضاء الدَّين قبل حلوله فكذلك يجوز تعجيل الزكاة هنا والجامع: أن كلًا منهما قد وُجد سبب =

стр. 993

تمَّ الحول والنِّصاب ناقص قدر ما عجَّله: صحَّ، وأجزأه؛ لأن المعجَّل كالموجود في مُلكه، فلو عجَّل عن مائتي شاة شاتين فنتجت عند الحول سخلة: لزمته ثالثة (٢٢)، وإن مات قابض معجَّلة، أو استغنى قبل الحول: أجزأت (٢٣)، لا إن دفعها إلى من وجوبه فجاز، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط بلوغ النصاب في ذلك؟ قلتُ: لكون بلوغ النصاب سبب ولا يجوز تقديم الحكم على السبب، فإن قلتَ: لمَ لا يجوز تعجيل الزكاة عما سيستفيده مستقبلًا؟ قلتُ: لأن ما سيأتي ليس في ملكه؛ لعدم وجوده حقيقة، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد التعجيل بالحولين فقط؟ قلتُ: لأن التعجيل خلاف الأصل، وإذا جاز في الحولين للنَّص وهو خلاف الأصل؛ رخصة - فما عداه يبقى على الأصل فيه كما قال ابن عقيل. (٢٢) مسألة: إذا عجَّل زكاة ماله، ثم بعد أن تمَّ الحول وجد أن النصاب قد نقص مقدار ما عجَّله: فإن هذا يصح ويُجزئ عنه ما أخرجه، فمثلًا: لو عجَّل وأخرج شاتين عن مائتي شاة، فأنتجت هذه المائتان سخلة واحدة عند الحول: فإنه يجب عليه أن يخرج شاة ثالثة؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو ملك مائتان وواحدة من الشياه: فإنه يُخرج زكاة عنها ثلاث شياه فكذلك يفعل إذا عجَّل عنها، والجامع: أن كلًا من المعجَّل والموجود داخل في مُلكه؛ لقاعدة: "إعطاء المعدوم حكم الموجود". (٢٣) مسألة: إذا عجَّل زيد زكاة ماله ودفعها لعمرو الفقير حين الدفع ثم مات عمرو أو استغنى قبل تمام الحول على ذلك المال الذي عُجِّلت زكاته: فإن ما عجَّله زيد من زكاة يُجزئ عنه؛ للتلازم؛ حيث إن وجود عمرو فقيرًا عند دفع الزكاة إليه، وقبضها يلزم منه: إجزاؤها عن زيد، فإن قلتَ: لمَ أجزأت هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها لو لم تكن مُجزئة لأدَّى إلى عدم جواز تعجيل الزكاة؛ نظرًا لتطرق احتمال موت قابض المعجَّل منها واستغنائه.

стр. 994

يعلم غناه فافتقر؛ اعتبارًا بحال الدفع (٢٤) (ولا يُستحب) تعجيل الزكاة (٢٥)، ولمن أخذ الساعي منه زيادة أن يعتدَّ بها من قابلة، قال الموفق: إن نوى التَّعجيل (٢٦). (٢٤) مسألة: إذا عجَّل زيد زكاة ماله ودفعها إلى عمرو الغني حين الدفع ويعلم زيد ذلك، وقبل تمام الحول على ذلك المال الذي عُجِّلت زكاته افتقر عمرو: فإن ما عجَّله زيد من زكاة لا يُجزئ عنه، بل لا بدَّ أن يُخرج زيد زكاة ماله مرة أخرى؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو دفع زكاة ماله إلى غني لا يُجزئ ذلك فكذلك الحكم هنا، والجامع: أن كلًا منهما غني لا يستحق الزكاة حال الدفع. (٢٥) مسألة: لا يُستحب للمسلم أن يُعجِّل زكاة ماله؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المالك؛ حيث إنه يُحتمل أن ينقص النصاب، أو يتلف ماله كله قبل تمام الحول، فيتضرَّر فدفعًا لذلك: شرع عدم استحباب ذلك. (٢٦) مسألة: إذا أخذ الساعي - وهو: نائب الإمام في جمع الزكاة - زيادة من المالك: كأن يأخذ الساعي شاتين عن أربعين شاة على أنها زكاة: فإن المالك يعتدُّ بالشاة الثانية ويحسبها في زكاة السنة القادمة بشرط: أن ينوي المالك أن ذلك تعجيل للزكاة، فإذا جاءت السنة القادمة وعنده مائتا شاة: فإنه يُعطي الساعي شاة واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نية تعجيل الزكاة: احتساب تلك الشاة المعجَّلة، زكاة للسنة القادمة. هذه آخر مسائل باب "إخراج الزكاة" ويليه باب "أهل الزكاة"

стр. 995

باب أهل الزكاة وهم (ثمانية) أصناف، لا يجوز صرفها إلى غيرهم: من بناء المساجد، والقناطر، وسدِّ البثوق، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف وغيرها من جهات الخير؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (١) أحدهم (الفقراء، وهم:) باب أهل الزكاة وفيه ثنتان وخمسون مسألة: (١) مسألة: أهل الزكاة - وهم: الذين يستحقون ويُعطون الزكاة - ثمانية: الفقراء، والمساكين، والعاملون على جمع الزكاة، والمؤلفة قلوبهم للإسلام، والعبيد الذين يُريدون فك رقابهم من أسيادهم، والغارمون، والمجاهدون في سبيل الله، والمسافرون المنقطعون - وسيأتي بيانهم - وهم مخصَّصون بذلك: وعليه: فلا يجوز صرف الزكاة لأمور أخرى غير ذلك: كإصلاح الطرق، وبناء المساجد والقناطر والمقابر، وتجهيز الموتى، وطبع القرآن والكتب الشرعية وغيرها من الأعمال الخيرية؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ حيث دلَّ منطوق ذلك على وجوب صرف الزكاة لأحد الأصناف الثمانية المذكورة، ودلَّ مفهوم الحصر بـ "إنما" ومفهوم الصفة، ومفهوم العدد على عدم جواز صرف الزكاة لغير تلك الأصناف، فإن قلتَ: لمَ خُصَّ هؤلاء الثمانية لذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إعطاء هؤلاء الثمانية من الزكاة فيه جلب مصالح للإسلام والمسلمين، وسيأتي بيان تلك المصالح أثناء ذكر كل صنف. [فرع]: إذا لم يُوجد واحد من الأصناف الثمانية في بلده، ولا في البلدان الإسلامية الأخرى: فإن الوجوب يبقى في ذمَّة المزكِّي، ويسقط عنه الأداء، فإن وُجد أحد تلك الأصناف أعطاها إياه، وإن مات المزكِّي قبل ذلك: =

стр. 996

أشدُّ حاجة من المساكين؛ لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، فهم (من لا يجدون شيئًا) من الكفاية (أو يجدون بعض الكفاية) أي: دون نصفها (٢)، وإن فإن ذمته تبرأ؛ للتلازم؛ حيث إن وجود واحد من الأصناف الثمانية شرط للأداء فيلزم من عدم الشرط - وهو: وجود أحد الأصناف -: عدم الحكم - وهو: وجوب الأداء، فإن قلتَ: لمَ سقط الأداء هنا؟ قلتُ: لأن الأداء واجب، وهو معجوز عنه، ويسقط الواجب بالعجز عنه أصله قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. [فرع آخر]: يحرم أن يُعطى من الزكاة الفاسق بفعل المنكرات من زنا، أو شرب خمر، أو التعامل بالربا، أو التحايل على أكل الحرام، أو نحو ذلك من أنواع الفسق ولو كان من الأصناف الثمانية؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فحرَّم هنا التعاون على الإثم؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، ولو أعطيت الفسَّاق: للزم من ذلك: التعاون على الإثم، فيدخل ما نحن فيه في عموم هذه الآية؛ لأن "الإثم" مفرد محلَّى بال وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنَّ حرمان الفسقة من إعطائهم الزكاة سبب لجعلهم يرجعون إلى رُشدهم. (٢) مسألة: في الأول - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: الفقير، وهو: الذي لا يجد شيئًا من كفايته، أو يجد بعض الكفاية التي لا تكفيه وعياله دون نصفها، ولا يقدر على فعل شيء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ فجعل الشارع الفقير من الذين يستحقون الزكاة، فإن قلتَ: لمَ كان الفقير من الثمانية ولِمَ بدأ به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الفقراء أولى الناس بالعطاء؛ لشدَّة حاجتهم، ولانتشارهم بين المسلمين، ولكثرتهم، فكانوا - لذلك - أهم من غيرهم، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي الفقير بهذا الاسم؟ قلتُ: نسبة إلى فقرات الظهر؛ حيث إن من نُزِعت فقرة من فقراته: ينقطع صلبه، وتضعف قوته، فلا يقدر على العمل ليتكسَّب.

стр. 997

تفرَّغ قادر على التكسُّب للعلم، لا للعبادة، وتعذَّر الجمع: أُعطي (٣) (و) الثاني (المساكين) الذين (يجدون أكثرها) أي: أكثر الكفاية (أو نصفها) (٤)، فيُعطى الصنفان تمام كفايتهما مع عائلتهما سنة (٥)، ومن ملك ولو من أثمان ما لا يقوم بكفايته: (٣) مسألة: يجوز أن يُعطى طالب العلم من الزكاة وإن كان قدرًا على التكسُّب بشرطين: أولهما: أن لا يستطيع الجمع بين طلبه للعلم، والتكسُّب، ثانيهما: أن يقصد بهذا العلم الذي يطلبه: أن يرفع الجهل عن نفسه، وعن غيره ليُعبد الله على بصيرة، ويُعطى منها أيضًا لشراء الكتب الشرعية؛ ولا يُعطى من تفرَّغ للعبادة مع قدرته على التكسُّب؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ حيث إن هذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن لفظ "الفقراء" جمع معرّف بأل، وهو من صيغ العموم؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن طلب العلم إذا وُجد فيه الشرط الثاني: فإنه سبب لنفع الإسلام والمسلمين في عصر طالب العلم هذا، وبعد ذلك، أما العابد: فلا يُعطى منها؛ لكونه لم ينفع إلا نفسه فقط. (٤) مسألة: في الثاني - مَّمن يُعطون من الزكاة - وهو: المسكين، وهو الذي يجد أكثر كفايته، أو نصفها، وهو أحسن حالًا من الفقير؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ .. وَالْمَسَاكِينِ﴾ فجعل الشارع المسكين ممن يستحق الزكاة فإن قلتَ: لمَ جُعل المسكين بعد الفقير هنا؟ قلتُ: لأنه يلي الفقير في شدَّة الحاجة، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي المسكين بهذا الاسم؟ قلتُ: لكونه مشتقًا من السكون وهو ضد الحركة، ولا يسكن شيء إلا إذا انقطعت حركته، والمسكين قد أسكنته حاجته. (٥) مسألة: يُعطى الفقير والمسكين من الزكاة قدر كفايتهما وكفاية من يعولان من الأولاد والزوجات ونحوهم لمدة سنة كاملة؛ للتلازم؛ حيث إن المقصد من الزكاة هو: سدُّ حاجة الفقير والمسكين مع عائلتهما؛ لإغنائهما عن الذُّل، =

стр. 998

فليس بغني (٦) (و) الثالث (العاملون عليها وهم) السُّعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة من أربابها كـ (جُباتها، وحُفَّاظها) وكتَّابها، وقُسَّامها (٧)، وشُرِط: كونه مُكلَّفًا، مسلمًا أمينًا، كافيًا، من غير ذوي القربى (٨)، ويُعطى قدر أجرته منها، ولو فيلزم: أن يُعطيا تلك المدَّة، وهو: الحول تتكرَّر بتكرُّر ذلك الحول، وكل واحد من عائلتهما مقصود في دفع حاجته. (٦) مسألة: إذا ملك شخص شيئًا من عقارات ونحوها لا تكفي أثمانها نفقته أو لا تكفي نفقة عياله: فإنه يُعطى من الزكاة، ويجوز له أن يأخذها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حيث إن هذا الشخص يدخل تحت عموم ذلك؛ لأن "الفقراء والمساكين" جمع معرّف بأل، وهو من صيغ العموم. (٧) مسألة: في الثالث - ممن يعطون من الزكاة - وهو: العامل عليها، وهو: الساعي الذي عيَّنه الإمام لجمع الزكاة، وحفظها، وكتابتها، وعدِّها، ووزنها، وكيلها، وقسمتها بين مُستحقيها، ومن أعان في ذلك، وأُحتيج إليه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ويعم ذلك كل من اشترك في جمع أو حفظ ونحو ذلك؛ لأن لفظ "العاملين" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ يُعطى هذا منها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العامل قد انقطع عن الأعمال الأخرى لأجلها، فيُعطى منها؛ تعويضًا عن ذلك الانقطاع، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط أن يكون الساعي قد عيَّنه الإمام؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للأغنياء من أن يتحايل عليهم بعض الناس لأخذ زكاتهم بدون أن يُعطوها الفقراء. (٨) مسألة: شروط العامل على الزكاة والساعي لأخذها خمسة: أولها: أن يكون مُكلَّفًا - أي: بالغ عاقل -، ثانيها: أن يكون مسلمًا، ثالثها: أن يكون أمينًا =

стр. 999

غنيًا (٩)، ويجوز كون حاملها وراعيها ممن مُنع منها (١٠) الصنف (الرابع: المؤلَّفة عدلًا، رابعها: أن يكون قادرًا على العمل، عالمًا بأحكام الزكاة، خامسها: أن لا يكون من ذوي القربى للنبي ﷺ ، كبني هاشم، وبناء على ذلك: فلا يجوز أن يتولَّى ذلك صبي ولا مجنون، ولا كافر، ولا فاسق، ولا غير قادر على العمل أو غير عالم بأحكامها، ولا واحد من بني هاشم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث قال ﷺ للفضل بن العباس - لما سأله العمالة على الصدقات -: "إنها لا تحلُّ لمحمد، ولا لآل محمد" حيث بيَّن أن ذوي القربى لا يتولون جمع الصدقات، ولو تولى واحد منهم فيُعطى أجرته من غير الزكاة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن العمل على الزكاة ولاية، ولا يصلح للولاية إلا من توفَّرت فيه تلك الشروط لحماية الغنى والفقير، فيأخذ الزكاة بأمانة، ويُوزِّعها على مستحقيها بأمانة وإخلاص، دون أن يظلم الغني بأخذ أكثر من الزكاة، أو يظلم الفقير بمنعه بعض حقه. (٩) مسألة: يُعطى العامل على الزكاة قدر عمله وجهده من نفس الزكاة وإن كان ذلك العامل غنيًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تحلُّ لغني إلا لخمسة: العامل عليها، ومشتريها، والغارم، والغازي، ومسكين أهدى منها لغني" فأثبت أن الغني العامل يعطى منها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قلتَ: لمَ يُعطى منها مع غناه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر تعويضًا له عن انقطاعه عن الأعمال الأخرى. (١٠) مسألة: يجوز أن يحمل الزكاة من موضع الغني إلى بيت المال، وأن يرعى بهائم الصدقة شخص لا يتولَّى العمل على الزكاة، كالكافر، وذوي القربى، ويُعطى أجرته من غير الزكاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الاشتغال بجمع وتقسيم الزكاة مباشرة كنقلها ورعيها: جوازه؛ لعدم صلته بالولاية على الصدقة.

стр. 1000

قلوبهم) جمع مؤلَّف، وهو: السَّيد المطاع في عشيرته (ممن يُرجى إسلامه، أو كفُّ شرِّه، أو يُرجى بعطيته: قوة إيمانه) أو إسلام نظيره، أو جبايتها ممن لا يُعطيها، أو دفع عن المسلمين (١١)، ويُعطى ما يحصل به التأليف عند الحاجة فقط، فترك عمر وعثمان وعلي ﵃ إعطاءهم؛ لعدم الحاجة إليه في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن تعذَّر الصرف إليهم: رُدَّ على بقية الأصناف (١٢) (الخامس: الرقاب وهم: الكاتبون) فيُعطى المكاتب وفاء دينه؛ لعجزه عن وفاء ما عليه، ولو مع قدرته على (١١) مسألة في الرابع - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: المؤلَّف قلبه، وهو الكافر المطاع في قومه الذي يُرجى إسلامه، ويُرجى بإسلامه أن ينفع المسلمين بأن يُدافع عنهم، أو يكف شرَّه عنهم وإن لم يرج إسلامه، وكذلك: المسلم ضعيف الإيمان يُعطى منها؛ لتقوية إيمانه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهو عام لجميع ما ذكرنا؛ لأن لفظ "المؤلَّفة" جمع معرف بأل، وهو من صيغ العموم، والمراد من التأليف: جمع القلوب وتألُّفها، وتهدئتها وإزالة العداوة عنها، فإن قلتَ: لمَ يُعطى هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بينَّاها. (١٢) مسألة: يُشترط في إعطاء المؤلَّفة قلوبهم: أن تكون مصلحة الإسلام والمسلمين قد اقتضت إعطاءهم، - كما سبقت الأمثلة على ذلك في مسألة (١١) -، فإن كانت المصلحة لا تقتضي ذلك: فلا يُعطون بسبب تلك المصلحة لا بسبب سقوط سهمهم؛ حيث إن سهمهم باق إلى يوم القيامة، يُستعمل عند قيام المصلحة، ويُصرف ما يُعطون إياه من الزكاة إلى الأصناف الباقية؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر وعثمان وعلي ﵃ منعوا إعطاءهم في خلافتهم؛ لعدم اقتضاء المصلحة لذلك في تلك الفترة، ويُفهم من ذلك: أنهم يُعطون عند اقتضاء المصلحة لذلك.

стр. 1001

التكسُّب، ولو قبل حلول نجم (١٣)، ويجوز أن يشتري منها رقبة لا تعتق عليه فيُعتقها؛ لقول ابن عباس (١٤) (و) يجوز أن (يفكَّ منها الأسير المسلم)؛ لأن فيه فكَّ رقبة من الأسر (١٥)، لا أن يُعتق قِنَّه أو مكاتبه (١٣) مسألة: في الخامس - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: المكاتب، وهو الرقيق الذي اشترى نفسه من سيده بثمن يُسدِّده له على أقساط: سواء كان هذا الرقيق قادرًا على التكسُّب أو لا، وسواء حلَّ سداد القسط أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهو عام فيشمل كل ما ذُكر: لأن لفظ "الرقاب" جمع معرَّف بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ يُعطى هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة الرِّق والذُّل والمهانة عن مسلم وإرجاعه إلى الأصل وهو الحرية. (١٤) مسألة: يجوز أن يشتري الشخص عبدًا أجنبيًا عنه من زكاته، فيُعتقه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ حيث إن ذلك عام لجميع العبيد؛ لأن لفظ "الرقاب" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم كما سبق، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قال ذلك، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيناها في مسألة (١٣)، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك في العبد الأجنبي عنه فقط؟ قلتُ: لأن العبد القريب للشخص بنسب أو رحم كأبيه أو أمه، أو بنته، أو أخيه، أو أخته، أو عمه، أو خاله، أو عمته، أو خالته -، يعتقون شرعًا إذا اشتراهم ولو لم يُعتقهم المشتري، فإذا حسب أثمانهم التي اشترى بها هؤلاء من زكاته: فلا يُجزئ هذا عنه؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه عود نفع الزكاة إلى مُخرجها فيلزم: عدم إجزائها. (١٥) مسألة: يجوز أن يفكَّ الشخص مسلمًا من الأسر من زكاته؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهذا عام، فيشمل هذا - كما سبق -، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز أن يُعطى الغارم من الزكاة لسداد =

стр. 1002

عنها (١٦) (السادس: الغارم) وهو: نوعان: أحدهما: غارم (لإصلاح ذات البين) أي: الوصل بأن: يقع بين جماعة عظيمة - كقبيلتين أو أهل قريتين - تشاجرا في دماء وأموال ويحدث بسببها الشحناء والعداوة، فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمَّته مالًا؛ عوضًا عما بينهم، ليطفئ النائرة، فهذا قد أتى معروفًا عظيمًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة؛ لئلا يُجحف ذلك بسادات القوم المصلحين، أو يوهن عزائمهم، فجاء الشرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيبًا من الصدقة (ولو مع غنى) إن لم يدفع من ماله، النوع الثاني: ما أشير إليه بقوله (أو) تديَّن (لنفسه) في شراء من كفار، أو مباح أو محرَّم وتاب (مع الفقر)، ويُعطى وفاء دينه ولو لله (١٧)، ولا يجوز له صرفه دينه وفكِّ رقبته منه، فكذلك يجوز هنا والجامع: فكُّ الرقبة في كل، والتَّخليص من الضيق الذي كان يُلاقيه الأسير والمدين، وهذا هو المقصد الشرعي. (١٦) مسألة: لا يجوز للشخص أن يُعتق عبده أو أمته من زكاته؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يجوز إخراج عين من العروض زكاة عنها، فكذلك لا يجوز إعتاق العبد منها، والجامع: عدم حصول نفع الفقير، وهو المقصد من الزكاة في كل، وهذا هو المقصد الشرعي. (١٧) مسألة: في السادس - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: الغارم، وهو نوعان: أولهما: الشخص الذي التزم بدفع مال من أجل إصلاح بين جماعتين قد اختلفا لأي سبب، وهذا يُعطى منها وإن كان غنيًا سواء دفع من ماله أو لا، ثانيهما: الشخص الذي استدان أموالًا لنفسه ليشتغل بها، أو لينفقها على نفسه ومن يعول، أو لينفقها لله كحج ونحو ذلك: ثم بعد ذلك عجز عن السداد، أو مات قبل ذلك: فإنه يُسدَّد ذلك من الزكاة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ وهذا عام لكل من ذكرنا ويعم قبل الموت وبعده؛ لأن "الغارمين" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم؛ الثانية: =

стр. 1003

في غيره ولو فقيرًا (١٨)، وإن دُفع إلى الغارم؛ لفقره: جاز أن يقضي منه السنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا تحل لغني إلا لخمسة .. " وذكر منهم "الغارم" فأثبت جواز إعطاء الغارم من الزكاة وإن كان غنيًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ولم يُفرِّق بين من دفع من ماله أو لا ثانيهما: أن قبيصة قال: تحمَّلتُ حمالة فأتيتُ النبي ﷺ فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة فآمر لك بها" وهذا عام؛ حيث إنه ﷺ لم يستفصل: هل هو غني أو فقير؟ فلزم أن تُعطى للغارم وإن كان غنيًا، أو دفع من ماله؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال، فإن قلتَ: لمَ يُعطى الغارم من الزكاة مع غناه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثُ الناس على إصلاح ذات البين، وهو: إصلاح حال الوصل الفاسد بين جماعتين، لئلا يضرُّ ذلك بالسادات المصلحين، أو يُضعف من عزائمهم، وفيه التكافُل والتعاون الاجتماعي بتسديد دين العاجز عن سداد دينه، أو مات قبل ذلك، وفيه تحسين الإسلام في أنظار الكفار فيتسبَّب في إسلامهم فإن قلتَ: لا يعطى الغني الغارم إذا دفع من ماله وهو ما ذكره المصنِّف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن سداده من ماله يلزم منه سقوط الغرم، فلا يكون مدينًا قلتُ: إن الغارم يُعطى وإن سدَّد من ماله؛ لعموم القاعدتين السابقتين، فلم يخصص ذلك بشيء، ثم إن سداده من ماله يضرُّه فشُرع إعطاؤه من الزكاة لدفع ذلك الضرر فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع الكتاب والسنة" فنعمل بعمومهما وهم خصَّصوا ذلك بالتلازم. (١٨) مسألة: إذا أُعطي شخص من الزكاة؛ لكونه غارمًا فقط: فلا يجوز له أن يصرف ذلك إلا لما غرمه فقط، وعليه: فلا يجوز أن يصرف ما أُعطي لأكله أو شُربه أو مسكنه وإن كان فقيرًا مُحتاجًا إليه؛ للتلازم؛ حيث إن المعطي للزكاة قد نوى إعطاء ذلك الشخص لكونه غارمًا: يلزم منه أن يصرف ما أعطاه إياه =

стр. 1004

دينه (١٩) (السابع: في سبيل الله وهم: الغزاة المتطوِّعة الذين لا ديوان لهم) أو لهم دون ما يكفيهم، فيُعطى ما يكفيه لغزوه ولو غنيًا (٢٠)، ويُجزئ أن يُعطى منها لحج فرض فقير وعمرته (٢١) لا أن يشتري منها فرسًا يحبسها، أو عقارًا يقفه على لما نواه المعطي فقط دون غيره؛ لأن النية تُعيِّن، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ للذرائع؛ لأن بعض الناس قد يتحايل الأخذ زكاة الناس بادِّعائه بأنه تحمَّل حمالة، ثم يصرفها لنفسه، فدفعًا لذلك شرع. (١٩) مسألة: إذا أُعطي شخص من الزكاة؛ لكونه غارمًا فقيرًا معًا: فيجوز له أن يُسدِّد ما غرمه ويأخذ منه لسداد دينه؛ للتلازم؛ حيث إنَّ المعطي للزكاة قد نوى حين دفع الزكاة إليه: أنه لما غرم، ولفقره، ولم يُعيِّن أحدهما: فيلزم منه جواز صرفه لهما معًا. (٢٠) مسألة: في السابع - مَّمن يُعطون من الزكاة - وهو: المجاهد في سبيل الله، وهو: الذي يغزو ويُقاتل الكفار لإعلاء كلمة الله، المتطوِّع في ذلك الذي لا راتب ولا رزق ولا عطاء له من بيت المال، أو له شيء، ولكن لا يكفيه، فهذا يُعطى وإن كان غنيًا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حيث إن هذا عام لما ذكرنا؛ لأنه منكَّرًا أضيف إلى معرفة، وهذا من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تحلُّ لغني إلا لخمسة .. " وذكر منهم: "الغازي" حيث أثبت الشارع إعطاء الغازي وإن كان غنيًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مصلحة عامة وهي نشر الإسلام، وهدم الكفر وأعظم التطوُّعات الشرعية الجهاد بالنفس، ثم النفقة فيه كما سبق بيانه في مسألة (٢) من باب "صلاة التطوع" من كتاب "الصلاة". (٢١) مسألة: إذا عجز شخص عن فرض الحج أو العمرة؛ لفقره: فيجوز أن يأخذ من الزكاة ليحج أو يعتمر بما أخذ، ويُجزئ ذلك عن المخرج وهو المزكِّي؛ =

стр. 1005

الغزاة (٢٢)، وإن لم يغز: ردَّ ما أخذه (٢٣) نقل عبد الله: إذا خرج في سبيل الله: أكل من الصدقة (٢٤) (الثامن: ابن السَّبيل) وهو (المسافر المنقطع به) أي: بسفره المباح، أو المحرَّم إذا تاب (دون المنشئ للسفر من بلده) إلى غيرها؛ لأنه ليس في سبيل؛ لأن السَّبيل هي: الطريق، فسمي من لزمها ابن السَّبيل كما يُقال: "ولد الليل" لمن يكثر خروجه فيه، و"ابن الماء" لطيره؛ لملازمته له (فيُعطى) ابن السَّبيل (ما يوصله إلى بلده) ولو وُجد مُقرضًا، وإن قصد بلدًا واحتاج قبل وصوله إليها: أُعطي ما يصل للقياس؛ بيانه: كما أنَّ من جاهد في سبيل الله يُعطى من الزكاة فكذلك الحاج والمعتمر العاجز عنهما من ماله والجامع: أن كلًا منهما يُسمَّى جهادًا؛ كما ورد عنه ﷺ ، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا قد احتاج إلى الحج والعمرة فيُعطى لسدِّ هذه الحاجة، وهو موافق للمقصد الشرعي من الزكاة. (٢٢) مسألة: لا يجوز للشخص أن يشتري من زكاة ماله فرسًا أو جملًا، أو عقارًا، أو درعًا ويوقف ذلك في سبيل الله؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ووقف الشيء ليس من الإيتاء أو الإعطاء، فلا يكون من الزكاة، فلم يجز. (٢٣) مسألة: إذا أخذ شخص من الزكاة بناء على أنه سيغزو العدو، ولكنه لم يفعل ذلك: فيجب عليه: أن يردَّ ما أخذه؛ للقياس، بيانه: كما أن الشخص إذا أخذ نقودًا لأجل أن يعمل عملًا فلم يعمله، فيجب عليه ردُّ هذه النقود، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما لم يقم بالعمل الذي استلم الأجرة من أجله. (٢٤) مسألة: لا يستفيد الشخص مما أُعطي - من الزكاة - لأجل الغزو إلا بعد خروجه له؛ للتلازم؛ حيث إنه أُعطي لخروجه للغزو فيلزم: أن لا يستفيد مما أُعطي - من أكل ونحوه - إلا بعد تحُّق الخروج؛ لكونه هو المقصود بالعطاء.

стр. 1006

به إلى البلد الذي قصده، وما يرجع به إلى بلده (٢٥)، وإن فضل مع ابن سبيل، أو غاز، أو غارم، أو مكاتب شيء: ردَّه وغيرهم يتصرَّف بما شاء؛ لملكه له مُستقرًا (٢٥) مسألة: في الثامن والأخير - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: المسافر المنقطع في سفره عن أهله وولده، ولا شيء معه يُوصله إليهم، أو قصد بلدًا مُعينًا، وانتهى ما معه من النفقة، فهذان يُعطيان: فيُعطى الأول ما يُوصله إلى أهله، ويُعطى الثاني ما يُوصله إلى البلد الذي قصده وما يُرجعه منه إلى بلده الأصلي: وهذا مطلق: أي سواء كان هذا السفر طويلًا أو قصيرًا، وسواء وجد مُقرضًا أو لم يجد، وسواء كان مُوسرًا في بلده أو لا، بشرطين: أولهما: أن يكون الانقطاع حال السفر، ثانيهما: أن يكون السفر مباحًا، أو غير مباح لكنه تاب؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ والمقصود به: المسافر المنقطع، وهذا يعمُّ كلَّ من ذكرنا لأنه منكرًا أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، ودلَّ المنطوق من ذلك على أنَّ الذي يُعطى هو من لازم الطريق المنقطع؛ لذلك سُمِّي به؛ لملازمته إياه، ودلَّ مفهوم الصفة على أن من أراد الخروج لا يُعطى من الزكاة وإن لم يجد ما يُوصله إلى ما أراد السفر إليه؛ لكونه لا يُطلق عليه "ابن السَّبيل" حقيقة ولا مجازًا، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المضرَّة عن هذا المنقطع، والرفق به، لذلك لا يُعطى من أراد السفر وهو غير قادر على الوصول إلى البلد الذي يُريد السفر إليه؛ لأن وجود هذا في بلده أرفق به، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط كون السفر مباحًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إعطاء المسافر سفر معصية إعانة له على معصيته، وهذا منهي عنه؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

стр. 1007

(ومن كان ذا عيال: أخذ ما يكفيهم) لأن كل واحد من عائلته مقصود دفع حاجته (٢٦)، ويُصدَّق من ادَّعى عيالًا، أو فقرًا، ولم يُعرف (٢٦) مسألة: إن بقي شيء بعد سداد المكاتب لدينه، وسداد الغارم ما غرم، وفراغ المجاهد من جهاده، ووصول ابن السَّبيل إلى بلده: فيجب إرجاعه إلى من دفعه - من إمام أو غني -، أما إن بقي شيء بعد زوال الفقر، والمسكنة، والعمالة وحصول التأليف: فلا يجب إرجاعه إلى من دفعه؛ للكتاب حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ حيث يلزم من تعبير الشارع بـ "اللام" في الأربعة الأوائل: أن ملكهم قد استقر على ما أخذوه، لأن "اللام" للتمليك، ويلزم من تعبير الشارع بـ "في" في الأربعة الأواخر: أنهم لا يملكون ما أخذوه، فلم يستقر لهم، بل أخذهم مُراعى فيه السبب الذي من أجله أعطوا منها - وهو: سداد دين المكاتب، وسداد ما غرم، والجهاد في سبيل الله، ووصول ابن السبيل -، وبناء عليه: يجب على هؤلاء الأربعة أن يُرجعوا ما بقي بعد ذلك فإن قلتَ: لمَ فُرِّق بين أهل الزكاة في هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يشقُّ معرفة زوال الفقر، والمسكنة، والعمالة، وحصول التأليف بالتَّحديد، فلا يرد الواحد من الأربعة الأوائل في الآية ما بقي بعد زوال ما هم فيه؛ دفعًا لتلك المشقة، بخلاف الفراغ من سداد الدَّين للمكاتب والغارم، والفراغ من الجهاد في سبيل الله، ووصول ابن السبيل إلى بلده فلا يشقُّ معرفته، فوجب ردُّ ما بقي بعد زوال ذلك، تنبيه: قوله: "ومن كان ذا عيال" إلى قوله "حاجته" قد سبق بيانه في مسألة (٥). [فرع]: السائل للصدقة والزكاة يُعطى منها إن ظهرت عليه علامات الاستحقاق؛ للمصلحة؛ حيث إن أُعطي مُطلقًا فقد يؤدِّي إلى أن يأخذها من لا يستحقها، ويُحرم منها من يستحقها. [فرع آخر]: يُستحب للمسلم أن يتعفَّف، ولا يأخذ =

стр. 1008

بغِنَى (٢٧) (ويجوز صرفها) أي: الزكاة (إلى صنف واحد)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ولحديث معاذ - حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن - فقال: "أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردَّ على فقرائهم" متفق عليه، فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفًا واحدًا (٢٨)، ويُجزئ الصَّدقات وإن كان فقيرًا، وأن يحرص كل الحرص على أن يعمل عملًا وإن كانت أجرته قليلة؛ حيث إن هذا أعزُّ وأكرم له؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" ثانيها: قوله: "من يستعفف يُعفُّه الله، ومن يستغن يُغنه الله" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الاستعفاف والاستغناء عما في أيدي الأغنياء والسلاطين يؤدِّي إلى عز الإسلام والمسلمين. (٢٧) مسألة: إذا ادَّعى شخص أنه فقير، أو أنه صاحب عيال: فإنه يُصدَّق، فلا تُطلب البينة على ذلك، ويُعطى من الزكاة بشرط: عدم معرفته بالغِنَى؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهذا الشخص بادِّعائه الفقر يدخل تحت عموم تلك الآية، فيلزم إعطاؤه لعدم معرفتنا له بالغنى، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل في المسلمين الصدق، ولمشقة إثبات البينة على ذلك. (٢٨) مسألة: يجوز أن يُعطى الشخص جميع زكاة ماله لصنف واحد كالفقراء مثلًا، ويُستحب أن يجتهد في الأحوج لها منهم فيُقدِّمه في العطاء منها كما نص عليه الإمام مالك؛ لقواعد: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : " … فترد على فقرائهم" حيث لم يذكر إلا صنفًا واحدًا في النَّصَّين وهم: الفقراء، فيلزم جواز صرفها لهم فقط، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن صرفها إلى صنف واحد قد روي عن عمر، =

стр. 1009

الاقتصار على إنسان واحد، ولو غريمه، أو مكاتبه إن لم يكن حيلة؛ لأنه ﷺ أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر، وقال لقبيصة: "أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها" (٢٩) (ويُسنُّ) دفعها (إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم) كخاله، وخالته، على قدر حاجتهم: الأقرب فالأقرب؛ لقوله ﷺ : "صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة" (٣٠) فصل: (ولا) يُجزئ أن (تُدفع إلى هاشمي) أي: من وحذيفة، وابن عباس ﵃، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة تقسيمها على كل صنف من الثمانية. (٢٩) مسألة: يجوز أن يُعطى زيد زكاة ماله لعمرو الفقير: سواء كانت كثيرة أو قليلة، وسواء كان عمرو غريمًا لزيد - بأن كان زيد يطلبه دينًا - أو لا، وسواء كان عمرو عبدًا مكاتبًا لزيد - بأن اشترى عمرو نفسه من زيد - أو لا، بشرط: أن لا يكون إعطاء زيد زكاة ماله لعمرو حيلة من زيد لينتفع بزكاة ماله؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أمر بني زريق أن يدفعوا بزكاتهم لسلمة بن صخر، وهو واحد، ثانيهما: أنه قال لقبيصة: "أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها" وهو واحد، وهي كثيرة، والنَّصان مُطلقان؛ حيث لم يُقيَّدا بشيء من كون المعطي غريمًا، أو مكاتبًا، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وسد حاجة ذلك الفقير الواحد، ودفع مشقة تقسيمها على الثمانية، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدُّ الذرائع والحيل التي تجعل المزكِّي ينتفع بزكاة ماله؛ لقطع طمعه والعود في شيء مما أخرجه بكل طريق، وهذا من محاسن الإسلام كما قال ابن القيم. (٣٠) مسألة: يُستحب أن يُعطي المسلم زكاة ماله قريبه المستحق لها الذي لا تجب نفقته عليه، أما إن كان ليس مستحقًا لها أو كان مستحقًا ولكنه ممن تجب =

стр. 1010

يُنسب إلى هاشم بأن يكون من سلالته، فدخل فيهم آل عباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب؛ لقوله ﷺ : "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" أخرجه مسلم (٣١) لكن تجزئ مؤنتهم ونفقته عليه: فلا يجوز دفع الزكاة إليه؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ : "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" والزكاة يُطلق عليها "صدقة" وصيغة "أفضل" من صيغ الندب، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقوية الصلة والقرابة والتراحم بين الأقرباء. [فرع]: إذا أعطى زكاته للمستحقين لها من الأجانب أو الأقرباء: فإنه يُفرقها بينهم على التساوي إن كانوا في رتبة واحدة من الحاجة، وإن كان بعضهم أحوج من البعض الآخر: فإنه يُقدِّم في العطاء الأحوج فالأحوج، وإن وجد أجنبي أحوج لها من القريب: قدِّم ذلك الأجنبي، ويُقدَّم الجار من المستحقين لها على غير الجار، ويُقدَّم العالم على طالب العلم، ويُقدَّم المستقيم في دينه على من ليس كذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن القصد من الزكاة هو: سدُّ حاجة المستحقين لها، ومواساتهم، وما كان أحوج، أو أقرب في الجوار، أو أعلم، أو أكثر استقامة فإنه يتحقق فيه ذلك المقصد بصورة آكد. (٣١) مسألة: لا يُجزئ دفع الزكاة إلى بني هاشم، ولا يحل لهم أخذها، ويشمل ذلك ستة بطون: "آل العباس" و"آل علي" و"آل جعفر" و"آل عقيل" و"آل الحارث بن عبد المطَّلب" و"آل أبي لهب"؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أن الفضل بن العباس، والمطلب بن ربيعة بن الحارث قالا للنبي ﷺ : "أمِّرنا على هذه الصدقة، فنُصيب ما يُصيب الناس من المنفعة" فقال ﷺ : "إن الصدقة لا تحلُّ لآل محمد، وإنما هي أوساخ الناس" فبيَّن تحريم دفع الزكاة إلى هؤلاء، وحُرِّم عليهم أن يأخذوها؛ لأن لفظ "لا تحلُّ" من صيغ التحريم، =

стр. 1011

إليه إن كانَ غازيًا، أو غارمًا؛ لإصلاح ذات البين، أو مؤلَّفًا (٣٢) (و) لا إلى (مطلبي)؛ لمشاركتهم لبني هاشم في الخمس، اختاره القاضي، وأصحابه، وصحَّحه ابن المنجا، وجزم به في "الوجيز" وغيره، والأصح: تُجزئ إليهم اختاره الخرقي، والشيخان وغيرهم؛ لأن آية الأصناف وغيرها من العمومات تتناولهم، ومشاركتهم ثانيهما: أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال ﷺ له: "كخ كخ ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة" فحرم ذلك فنهى هؤلاء عن الأخذ من الصدقة؛ لأن النفي: نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم؛ فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مَنْعهم من أكل الزكاة يُعتبر تكريمًا لهم؛ لكون الزكاة أوساخ الناس - كما ورد في الحديث - فإن قلتَ: إن آل أبي لهب يُعطون من الزكاة - وهو ما ذكره بعض العلماء -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إيذاء أبي لهب للنبي ﷺ : أن لا تستحق ذراريه الكرامة بخلاف البطون الخمسة الأخرى فقد نصروه في الجاهلية والإسلام قلتُ: إن ابني أبي لهب: "عتية" "ومُعتّب" قد أسلما عام الفتح، وحسن إسلامهما، وشهدا غزوة حنين والطائف، ولهما عَقِب نفع الله به، فلزم دخولهم مع أصلهم، وهم بنو هاشم، فلا يُعطون من الزكاة تكريمًا، ولا دخل لهم فيما فعله أبوهم أبو لهب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. (٣٢) مسألة: إذا كان الشخص من بني هاشم من المؤلَّفة قلوبهم، أو غازيًا، أو غارمًا لدين بسبب إصلاح ذات البين: فيجوز أن يُعطى من الزكاة، وله الأخذ منها؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للغني أن يأخذ من الزكاة إذا كان غازيًا أو غارمًا، أو مؤلَّفًا فكذلك يجوز للهاشمي ذلك إذا كان كذلك، والجامع: أن كلًا منهم أخذ بسبب العمل الذي قام به، ولا توُجد منَّة في ذلك.

стр. 1012

لبني هاشم في الخُمس ليس لمجرَّد قرابتهم؛ بدليل: أن بني نوفل وبني عبد شمس مثلهم ولم يُعطوا شيئًا من الخمس، وإنما شاركوهم بالنصرة مع القرابة كما أشار إليه ﷺ بقوله: "لم يُفارقوني في جاهلية ولا إسلام" والنُّصرة لا تقتضي حرمان الزكاة (٣٣) (و) (٣٣) مسألة: لا يُجزئ دفع الزكاة إلى بني المطَّلب، وهم من يُنسبون إلى المطَّلب بن عبد مناف، ولا يحل لهم أخذها، وهو مذهب الجمهور؛ للقياس، بيانه: كما أن بني هاشم لا تدفع لهم الزكاة، ولا يحل لهم أخذها، فكذلك بنو المطَّلب مثلهم والجامع: أن كلًا منهم يأخذون من خمس الغنيمة الذي خُصِّص لذوي القربى، وأن كلًا منهم قد اشتركوا في نصرة النبي ﷺ والقرابة له، ولذا حكم ﷺ عليهما بأنهما كالشيء الواحد قائلًا: "إنما بنو المطَّلب وبنو هاشم شيء واحد" يُؤيده: أنه لما حاصرت قريش بني هاشم انضمَّ إليهم بنو المطَّلب، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيَّناها في مسألة (٣١)، فإن قلتَ: يُجزئ دفع الزكاة إلى بني المطَّلب، ويحلُّ لهم أخذها وهو قول كثير من الحنابلة - كالخرقي والشيخين: ابن قدامة موفق الدين، والمجد بن تيمية ومال إليه المصنف هنا -، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .. ﴾ وهذا عام، فيشمل فقراء بني المطَّلب، وغيرهم، وإنما خُصِّص منهم بنو هاشم بالسنة القولية، وهي من وجهين وقد سبق ذكرهما في مسألة (٣١) -، ويبقى لفظ الآية عامًا شاملًا لما بقي بعد التخصيص، وهو حجة فيه، وقرابة بني المطَّلب لبني هاشم لا تقتضي أن يكون بنو المطَّلب مثل بني هاشم في منعهم من أخذ الزكاة؛ لنقض ذلك في بني عبد شمس وبني نوفل؛ حيث إنهما مثل بني المطَّلب في القرابة ومع ذلك لم يُعطيا شيئًا من الخمس قلتُ: إن قياس بني المطلب على بني هاشم في ذلك قياس صحيح؛ حيث استكمل شروطه؛ حيث إن هناك أمورًا تجمع بني المطَّلب وبني هاشم منها: القرابة الشديدة التي بينهما، وأن كلًا =

стр. 1013

لا إلى (مواليهما)؛ لقوله ﷺ : "وإنَّ مولى القوم منهم" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصحَّحه، لكن على الأصح: تُجزئ إلى موالي بني المطَّلب كإليهم (٣٤)، منهما يأخذ من خمس الغنيمة، وأنهما كالشيء الواحد، وأنهما قد انضمَّا معًا عند الضراء، فلذا صحَّ قياس بني المطلب على بني هاشم، وهذا القياس قد خصَّص عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فأخرج بني المطَّلب عن ذلك العموم فلا تُدفع لهم الزكاة كبني هاشم، بخلاف بني نوفل، وبني عبد شمس فلا يُوجد شيء من ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل القياس السابق قد قوي على تخصيص عموم الآية؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا. [فرع]: يجوز للمطَّلبي أن يأخذ من الزكاة إذا كان غازيًا أو غارمًا أو مؤلفًا؛ قياسًا على الهاشمي في ذلك كما سبق في مسألة (٣٢). [فرع آخر]: يجوز لبني هاشم وبني المطَّلب أخذ الزكاة إذا كانوا فقراء، ومُنعوا من خمس الغنيمة، أما إن لم يكونوا فقراء، أو أعطوا من الغنيمة فلا يجوز لهم أخذ الزكاة؛ للمصلحة؛ حيث إن منعهم من أخذ الزكاة مع حاجتهم، وعدم تمكُّنهم من أخذ الخمس يُلحق الضَّرر بهم، فدفعًا لذلك: شرع هذا. (٣٤) مسألة: لا يُجزئ دفع الزكاة إلى موالي بني هاشم وموالي بني المطَّلب - وهم العبيد الذين أعتقهم هؤلاء وسُلالتهم -، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تحلُّ لنا الصدقة وإن موالي القوم منهم" فيكون على موالي القوم ما على القوم، ولهم مالهم ويعم ما ذكرناه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن بني هاشم وبني المطَّلب يرثون هؤلاء الموالي بالتعصيب، فإن قلتَ: يُجزئ دفع الزكاة إلى مواليهم، وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس، بيانه: كما يجوز دفع الزكاة إلى فقراء سائر الناس فكذلك هؤلاء الموالي مثلهم إذا كانوا فقراء، والجامع: أن كلًا منهم ليسوا بقرابة للنبي ﷺ ، قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس =

стр. 1014

ولكل أخذ صدقة التطوع، ووصية، أو نذر لفقراء (٣٥)، لا كفارة (٣٦) (ولا إلى فقيرة تحت غني مُنفق) ولا إلى فقير يُنفق عليه من وجبت عليه نفقته من أقاربه، لاستغنائه بذلك (ولا إلى فرعه) أي: ولده وإن سفل من ولد الابن، أو ولد البنت (و) لا إلى مع الفارق؛ لأن هؤلاء الموالي بمنزلة القرابة؛ لثبوت حكم القرابة فيهم من الإرث، والعقل، والنفقة، فأجروا مجرى ذلك في الصدقة، وهذا بخلاف سائر فقراء الناس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: هل لفظ "منهم" الوارد في الحديث شامل لحكم عدم دفع الزكاة لهم كالقوم أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا، تنبيه: قوله: "لكن على الأصح تُجزئ إلى موالي بني المطَّلب كإليهم" يُشير به إلى ما صحَّحه وهو: جواز دفع الزكاة إلى بني المطَّلب فإذا جاز ذلك فمن باب أولى جواز دفعها إلى مواليهم، وقد سبق أن هذا مرجوح في مسألة (٣٣). (٣٥) مسألة: يجوز لبني هاشم، ولبني المطَّلب ومواليهم أخذ صدقات التطوع، والصدقات الموصى بها، والصدقات المنذورة للفقراء إذا كانوا فقراء حقيقة؛ للتلازم؛ حيث إن كونها لا يُطلق عليها زكاة مفروضة يلزم منه: جواز أخذهم لها، فإن قلتَ: لمَ فُرِّق بين الزكاة والصدقات المطلقة هنا؟ قلتُ: لأن الزكاة تُعتبر من أوساخ الناس كما ورد، بخلاف الصدقات المطلقة، فلا توصف بذلك. (٣٦) مسألة: لا يجوز لبني هاشم وبني المطَّلب ومواليهم أخذ الصَّدقات التي هي كفارة عن ذنب كإطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، أو إطعام ستين مسكينًا في كفارة الجماع في نهار رمضان ونحو ذلك؛ للقياس، بيانه: كما لا يجوز لهؤلاء أخذ الزكاة، فكذلك لا يجوز أخذ شيء من الكفارات والجامع: أن كلًا منها قد أوجبه الشارع، فيُؤخذ بسبب طلب الشارع له، فيكون كل منها من أوساخ الناس.

стр. 1015

(أصله) كأبيه، وأُمه، وجده، وجدته من قبلهما وإن علوا (٣٧)، لا أن يكونوا عُمَّالًا أو مؤلَّفين، أو غزاة، أو غارمين لذات بين، ولا يُجزئ أيضًا إلى سائر من تلزمه نفقته ما لم يكن عاملًا، أو غازيًا، أو مؤلفًا، أو مكاتبًا، أو ابن سبيل، أو غارمًا لإصلاح ذات بين (٣٨)، ويُجزئ إلى من تبرَّع بنفقته بضمِّه إلى عياله (٣٩)، أو تعذَّرت (٣٧) مسألة: لا يُجزئ دفع الزكاة إلى أيِّ شخص يُنفق عليه مَنْ وجبت عليه نفقته من أقاربه كزوجته، وفروعه كابنه وبنته وإن نزلوا، وأصوله كأبيه وأمه وإن علوا، وهذا المنفق غني منفق، فإن كان فقيرًا، أو كان غنيًا لا يُنفق: فيجوز دفعها إلى هؤلاء؛ للتلازم؛ حيث إن الإنفاق عليهم يلزم منه استغناؤهم عن أخذ الزكاة، ويلزم من عدم الإنفاق: عدم استغنائهم عنها، فجاز دفعها إليهم؛ لدخولهم تحت عموم قوله تعالى: ﴿ … لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهو المقصد الشرعي. (٣٨) مسألة: يجوز للشخص أن يدفع زكاة ماله إلى والديه، أو أولاده، أو أي شخصٍ تلزمه نفقته بشرط: أن يكون من تُدفع له الزكاة عاملًا على الزكاة، أو مؤلَّفًا قلبه، أو مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا بسبب إصلاح ذات البين، أو مكاتبًا قد اشترى نفسه من سيده، أو قد انقطع به السبيل؛ للقياس، بيانه: كما أن الغني يُعطى من الزكاة لأجل هذه الأمور، فكذلك الأقرباء يُعطيهم قريبهم من زكاته لأجل تلك الأمور، والجامع: أن كلًا قد استحقَّ العطاء بسبب عمله، أو بسبب الانقطاع، أو كثرة الدَّين، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ لحاجة هؤلاء، وهو المقصد من مشروعية الزكاة. (٣٩) مسألة: إذا تبرَّع زيد فضمَّ عمرًا إلى عياله، وأنفق عليه طول عمره: فيجوز لزيد أن يُعطي عمرًا من زكاته؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ .. ﴾ حيث إن هذا عام لكل فقير؛ لأن "الفقراء" جمع معرف بأل، وهو =

стр. 1016

نفقته من زوج أو قريب بنحو غيبة، أو امتناع (٤٠) (ولا) تجزئ (إلى عبد) كامل رق (٤١) غير عامل أو مكاتب (٤٢) (و) لا إلى (زوج) فلا يُجزئها دفع زكاتها إليه ولا بالعكس (٤٣)، وتُجزئ إلى ذوي أرحامه من غير عمودي من صيغ العموم، فيشمل عمرًا؛ لكونه فقيرًا، فإن قلتَ: لمَ يُعطى وقد استغنى بالنفقة عليه؟ قلتُ: لأن نفقته مُتبرِّعًا بها، ولم تكن إلزامية من الشارع، لذا: يستطيع زيد التخلِّي عنه، فلم يكن عمرو مستغنيًا حقيقة. (٤٠) مسألة: إذا كان لزيد زوجة، وأولاد، فغاب زيد، أو امتنع عن الإنفاق: فيجوز أن تُدفع لهم الزكاة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ وهو عام لكل فقير، فيشمل هؤلاء؛ لعدم استغنائهم، وقد سبق ذلك في مسألة (٣٧). (٤١) مسألة: لا يُجزئ أن يدفع السيد زكاة ماله إلى رقيقه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من دفع ذلك: أن يكون قد دفعها إلى نفسه؛ لكون مال العبد لسيده؛ فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الزكاة تُعتبر مُلكًا لآخذها، والعبد لا يملك، ولأن السيد سينتفع من ذلك. (٤٢) مسألة: إذا كان ذلك الرقيق عاملًا على الزكاة، أو مُكاتبًا - بأن اشترى نفسه من سيده -: فيجوز أن يدفع سيده إليه زكاة ماله؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهذا عام، فيشمل الرقيق؛ لكون العامل يأخذ أجرة عمله وإن كان غنيًا، والمكاتب يأخذ ما يُسدِّد به دينه. (٤٣) مسألة: يُجزئ أن تدفع الزوجة الغنية زكاة مالها إلى زوجها الفقير دون العكس؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ وهذا عام؛ لأن "الفقراء" جمع معرَّف بأل، وهو من صيغ العموم، فيشمل الزوج الفقير وغيره من الفقراء، فالمقتضى لإعطائه موجود، والمانع من ذلك مفقود، الثانية: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ لما علم بأن زينب تُعطي زوجها عبد الله بن مسعود من زكاة مالها قال: "لها أجران: أجر القرابة، وأجر =

стр. 1017

النَّسب (٤٤) (وإن أعطاها لمن ظنَّه غير أهل) لأخذها (فبان أهلًا): لم تُجزئه؛ لعدم جزمه بنية الزكاة حال دفعها لمن ظنه غير أهل لها (٤٥) (أو بالعكس) بأن دفعها لغير أهلها ظانًا أنه أهلها: (لم تجزئه)؛ لأنه لا يخفى حاله غالبًا، وكدين الآدمي (٤٦) (إلا) الصدقة" وهذا يلزم منه جواز ذلك فإن قلتَ: لا يُجزئ أن تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، ولا يُجزئ العكس وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: أما عدم إجزاء دفع الزوج زكاته لزوجته فهذا صحيح وقد سبق بيانه في مسألة (٣٧)، أما عدم إجزاء دفع الزوجة زكاتها لزوجها: فلم أجد دليلًا قويًا على ذلك؛ بل الدليل على خلافه وقد بينَّاه. (٤٤) مسألة: يجوز للشخص أن يدفع زكاة ماله لأيِّ قريب لا تجب نفقته عليه: سواء من ذوي الأرحام أو لا بشرط: أن يكونوا فقراء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ .. ﴾ وهذا عام، فيشمل القريب وغيره إذا كانوا فقراء، ولا تجب نفقتهم على المزكِّي. (٤٥) مسألة: إذا دفع زيد زكاة ماله إلى عمرو ظنًا منه أنه ليس ممن يستحقونها: فبان بعد مُدَّة: أنه ممن يستحقونها: فإن هذا لا يُجزئه، بل يجب على زيد أن يدفع الزكاة مرة أخرى لأحد مستحقيها؛ للقياس، بيانه: كما أن الشخص لو صلى في وقت ظنه أنه ليس وقت للصلاة فبان بعد ذلك أنه وقت لها: فإن الصلاة لا تصح، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما قد خلى من نية صلاحية كل من الركنين - وهما الصلاة والزكاة -؛ لعدم موافقته لما تصح فيه النية، وأيُّ عمل يخلو من النية لا يصح، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لكونه وضعها في غير موضعها؛ حيث إنه أعطاها لغير مستحقها عمدًا فكانت مردودة. (٤٦) مسألة: إذا دفع زيد زكاته إلى عمرو ظنًا منه أنه ممن يستحقها - غير الفقير -، فبان بعد مُدَّة: أنه ممن لا يستحقها: فلا يُجزئه ذلك، بل يجب على زيد أن =

стр. 1018

إذا دفعها (لغني ظنَّه فقيرًا) فتُجزئه؛ لأن النبي ﷺ أعطى الرجلين الجلدين وقال: "إن شئتما أعطيتكما منها، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب" (٤٧) (وصدقة التطوع مستحبة) حثَّ الله عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة، وقال ﷺ : "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" رواه الترمذي، وحسَّنه (٤٨) (و) يدفع الزكاة مرة أخرى لأحد مستحقيها؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن زيدًا المدين لعمرو، لو أعطى هذا الدَّين لبكر ظنًا منه أنه عمرو، فبان بعد ذلك أنه ليس بعمرو، فيجب على زيد أن يُعطي ذلك الدَّين لعمرو مرة أخرى، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما لم يصل الحق إلى صاحبه الحقيقي، الثانية: العادة والعرف؛ حيث إنه قد اعتاد الناس أن من يستحق الزكاة لا يخفى حاله، فنظرًا لتساهله في التأكد وإعطائها لغير مستحقيها: لم يُعذر وهذا هو المقصد من ذلك. (٤٧) مسألة: إذا دفع زيد زكاة ماله إلى عمرو ظنًا منه أنه فقير، فبان بعد ذلك أنه غني: فإنها تجزئ عن زيد، وتبرأ ذمَّته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال النبي ﷺ لرجلين جلدين سألا الصدقة -: "إن شئتما أعطيتكما منها .. " فيلزم من ذلك: جواز إعطاء من ادَّعى الفقر وأظهره، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الغالب أن الغِنَى يخفى على كثير من الناس، ولو أراد شخص أن يعلم أن هذا غني أو فقير: لوجد مشقة عظيمة في ذلك فدفعًا لذلك: أجزأت. (٤٨) مسألة: صدقة التطوع من أعظم المستحبَّات؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وغيرها من الآيات الكثيرة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" فإن قلتَ: لمَ استُحبَّت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها تتسبَّب في =

стр. 1019

هي (في رمضان) وكل زمان ومكان فاضل كالعشر، والحرمين أفضل؛ لقول ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبرائيل" الحديث متفق عليه (و) في (أوقات الحاجات أفضل) (٤٩) وكذا: على ذي رحم، ولا سيما مع عداوة وجار؛ لقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ولقوله ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: إيجاد خيري الدنيا والآخرة من بركة المال المتصدق منه، وإطفاء غضب الرب، ودفع ميتة السوء، ورفع الأمراض، والستر. (٤٩) مسألة: أفضل الأوقات في إخراج الصدقات هو: رمضان، والعشر ذي الحجة، ووقت حاجة الناس لها كأوقات الشتاء، والمطر، ووقت المجاعة، والحروب والقحط، والزلازل، والفتن، ونحو ذلك؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي: أعظم الصدقة هي: الصدقة على فقير بئيس بحاجة إلى المال حاجة شديدة وغير ذلك مما ذكر مثل ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" يقصد عشر ذي الحجة؛ الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث قال ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان" فإن قلتَ: لمَ كان ذلك الأفضل؟ قلتُ: لأفضلية الزمان الذي وقعت تلك الصدقة فيه. [فرع]: أفضل الأماكن في إخراج الصدقات هي: أفضل بُقاع العالم وهي مكة المكرمة، والمدينة المنورة؛ للتلازم؛ حيث إن مضاعفة الحسنات في هذين المكانين يلزم منه: أن تكون الصدقة فيهما أفضل من غيرهما.

стр. 1020

صدقة وصلة" (٥٠) (وتسن) الصدقة (بالفاضل عن كفايته و) كفاية (من يمونه)؛ لقوله ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غِنَى" متفق عليه (ويأثم) من تصدَّق (بما ينقصها) أي: يُنقص مؤنة تلزمه، وكذا: لو ضرَّ بنفسه، أو غريمه، أو كفيله؛ لقوله ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يقوت" (٥١)، ومن أراد الصدقة بماله كله، وله عائلة لهم كفاية، أو يكفيهم بمكسبه: (٥٠) مسألة: أفضل المستحقين للصدقة: هو القريب الفقير المظهر عداوته للمتصدِّق، ثم: القريب الفقير الكاتم عداوته له، ثم القريب الفقير المحب، ثم الجار الفقير المظهر عداوته له، ثم الجار الفقير الكاتم عداوته له، ثم الجار الفقير المحب له، ثم فقراء المسلمين ومساكينهم: الأمثل فالأمثل في الحاجة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ وقال: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ حيث قدَّم الأقربين في الصدقات سواء كانت قرابة نسب أو رحم، أو جوار، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة" وقال: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" أي: العدو المظهر لعداوته، والجار مثله؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يتسبَّب في إزالة العداوة بين الأقرباء، ويُوجد الترابط الأسري، والجار بمنزلة القريب في الرحم؛ لشدَّة ما اهتمَّ الشارع به ومن ذلك قوله ﷺ : "أوصاني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيُورِّثه". (٥١) مسألة: يُستحب أن يتصدَّق المسلم بما فضل وزاد عن كفايته وحاجته، وكفاية وحاجة من يعول، ويُحرَّم أن يتصدَّق بشيء يُنقص تلك الكفاية، أو يتسبَّب بضرره، أو ضرر غريمه - وهو: من يطالبه بدين - أو يضرُّ كفيله بحق مالي، ويأثم إن فعل ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "اليد العليا خير من اليد =
следующие страницы →