Полный текст (3 194 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
والأفضل: جعل فصه مما يلي كفَّه (١٢)، وله جعل فصِّه منه ومن غيره (١٣)، والأولى: جعله في يساره (١٤)، ويُكره بسبَّابة
(١٢) مسألة: يُستحب أن يُجعل فص خاتم الفضة في ظهر كفه، لا في باطنه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع أن يكون ذكر الله تعالى المكتوب في الفصِّ متوجهًا إلى النجاسة التي تزال عادة باليد اليُسرى.
(١٣) مسألة: يُباح أن يُجعل فصُّ الخاتم الفضي منه، ويُباح أن يُجعل فصُّه من غيره، ويُباح أن يكون بلا فص، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد اتخذ خاتمًا من فضة، فصُّه منه" وزاد مسلم: "كان فصُّه حبشيًا" وتُقبل هذه الزيادة؛ لأنها زيادة ثقة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.
(١٤) مسألة: يُستحب أن يُجعل الخاتم بيده اليُسرى؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اليُمني تُستعمل للأكل والشرب، والعطاء، والأخذ، والمصافحة، والحمل ونحو ذلك، والخاتم قد يعيق تلك الحركات، وخلعه لكل فعل يشق؛ نظرًا لتكراره، فإن قلتَ: المستحب أن يُلبس باليُمنى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد تختَّم باليُمنى، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الخاتم زينة أن يُلبس في اليمين - ذكره النووي - قلتُ: أما لبس النبي ﷺ الخاتم في اليُمنى فقد ضعَّفه بعض أئمة الحديث، وذكر الدارقطني في "السنن الكبرى" "أنه اتخذه في اليمنى ثم حوله إلى يساره"، فيكون منسوخًا، أما التلازم فلا يصح؛ لأن المصلحة التي قلناها مقدَّمة عليه؛ لأن دفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح من زينة وغيرهما فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة الفعلية الأخرى" وكذا: "تعارض المصلحتين".
стр. 947
ووسطى (١٥)، ويُكره: أن يُكتب عليه ذكر الله: قرآنًا أو غيره (١٦)، ولو اتخذ لنفسه عِدَّة خواتيم: لم تسقط الزكاة فيما خرج عن العادة (١٧) إلا أن يتخذ ذلك لولده أو
(١٥) مسألة: يُكره أن يُجعل الخاتم في السَّبَّابة والوسطى من أصابعه؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ بعض الصحابة أن يجعل خاتمه في السبابة والوسطى منها" والمصلحة هي التي صرفت هذا النهي من التحريم إلى الكراهة؛ لأن العادة قد جرت بأن أكثر ما يُزيل النجاسة من الأصابع السبابة والوسطى، فلو لبسه في أحدهما لأدى ذلك إلى امتهان ذكر الله تعالى، وهذا لا يليق بجلاله، لكن لو جعله في أحدهما: لما أثم في ذلك، وهذا هو حد الكراهة.
(١٦) مسألة: يُستحب أن يُكتب على الخاتم ذكر الله؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد نقش على خاتمه ذكر الله تعالى، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشرُّف بذلك، فإن قلتَ: يُكره أن يُكتب ذلك - وهو ما ذكره المصنف هنا - للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُؤدِّي إلى امتهان ذكره سبحانه؛ لكون اللَّابس لذلك يدخل فيه الخلاء، قلتُ: إنه لا يؤدِّي إلى الامتهان؛ لكون دخوله للخلاء نادر، ولأنه ﷺ قد كتب عليه ذلك، وهو ﷺ لا يفعل شيئًا مكروهًا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع السنة الفعلية" فعملنا بالسنة وعملوا بالمصلحة وخصَّصوا السنة بها.
(١٧) مسألة: إذا لبس عِدَّة خواتم، وخرج بذلك عن المألوف والعادة عند الناس: فعليه زكاة ما خرج عن المألوف والعادة، فيُثمَّن ثم يُخرج ربع عشر ذلك الثمن زكاة، أما إن لبس خاتمًا أو خاتمين صغيرين قد اعتاد بعض الناس على لبسهما: فلا زكاة فيهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لبس الخارج عن العادة: وجوب الزكاة فيه؛ لأنه حلي لم يُعدُّ للاستعمال العادي، ويلزم من لبس غير =
стр. 948
عبده (١٨) (و) يُباح له (قبيعة السيف) وهي: ما يُجعل على طرف القبضة، قال أنس ﵁: "كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة" رواه الأثرم (و) يُباح له (حلية المنطقة) وهي: ما يُشدُّ به الوسط، وتسمِّيها العامة: "الحياصة"، واتخذ الصحابة ﵃ المناطق محلَّاة بالفضة (ونحوه) أي: نحو ما ذكر كحلية الجوشن، والخوذة والخف، والران، وحمائل السيف؛ لأن ذلك يساوي المنطقة معنى، فوجب أن يساويها حكمًا قال الشيخ تقي الدِّين: وتركاش النشاب، والكلاليب؛ لأنه يسيرٌ تابع (١٩)، ولا يُباح غير ذلك: كتحلية المراكب، ولباس الخيل كاللَّجم، وتحلية الدواة، والمقلمة،
الخارج عن العادة: عدم وجوب الزكاة فيه؛ لأنه حلي أُعدَّ للاستعمال العادي المباح كالأواني، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من لبس الشيء الخارج عن العادة.
(١٨) مسألة: إذا اشترى الشخص خواتم، وقسَّمها على من عنده من الأولاد، والعبيد بطريقة لا تخرج عن العادة: فلا زكاة فيها؛ للتلازم، وقد بينَّاه في مسألة (١٧).
(١٩) مسألة: يُباح أن يحلَّى مقبض السيف بالفضة اليسيرة - وهو قبيعة السيف - وعلَّاقته، وكذا: المنطقة - وهو: الحزام الذي يشدُّ به الإنسان وسطه -، وكذا: رأس الرمح، ورأس النعل، وحلقة الإناء، وشعيرة السكين، ورأس الخف، ورأس الجرموق - وهو: الران -، ورأس الدرع - وهو: الحوشن - وما تُمسك به العمامة - وهي: الكلاليب، والحلقة التي تعين على ركوب الخيل - وهو: النشاب -، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كانت قبيعة سيف الرسول ﷺ من فضة، الثانية: القياس، بيانه: كما يُباح للرجل أن يتخذ خاتمًا من فضة فكذلك يُباح ما ذكرنا، والجامع: أن كلًا منها حلي معتاد مُحسِّن لمظهر المسلم لا يصل إلى درجة الإسراف وكسر قلوب الفقراء، وهو يسير تابع وهو المقصد منه.
стр. 949
والكمران، والمشط، والمكحلة، والميل، والمرآة، والقنديل (٢٠) (و) يُباح للذكر (من الذهب قبيعة السيف)، لأن "عمر كان له سيف فيه سبائك من ذهب، وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب" ذكرهما أحمد، وقيَّدهما باليسير مع أنه ذكر أن قبيعة سيف رسول الله ﷺ كان وزنها ثمانية مثاقيل فيُحتمل أنها كانت ذهبًا وفضة، وقد رواه الترمذي كذلك (٢١) (وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحو) كرباط أسنان؛ "لأن عرفجة بن أسعد قُطع أنفه يوم الكُلاب: فاتخذ أنفًا من فضة، فأنتن
(٢٠) مسألة: لا يجوز أن يُحلَّى بالفضة غير ما سبق - في مسألة (١٩) -: فلا يجوز أن يُجعل من الفضة في المراكب، أو السُّرج، أو أطرافهما، وما يُجلس عليه في السيارات ولا في لجام الفرس، ولا في الدواة، والمقلمة، والكمران - وهو: الذي تُجعل الأواني عليه - ولا في الأمشاط - وهي: ما يُمشط الرأس فيها - ولا في المكحلة، والمروحة، والمشربة، والمدهنة، والمحمرة، ولا في الميل - وهي: الآلة التي يُكحَّل بها العين -، ولا في المرآة، والقنديل - وهو: المصباح من الزجاج -، ولا في نحو ذلك؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل تحريم استعمال الفضة، فيستصحب هذا الأصل، ويُعمل به، حتى يرد دليل يُغيِّر الحالة، ولم يرد شيء من ذلك فنبقى على التحريم، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إسراف، وكسر لقلوب الفقراء.
(٢١) مسألة: يُباح للرجل أن يُحلِّي مقبض السيف باليسير من الذهب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ مُحلَّاة باليسير من الذهب والفضة" لكون المقبض صغير فإذا كان بعضه مُحلَّى بالفضة، فلا يبقى إلا اليسير من الذهب، وهذا من اللوازم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان سيف عمر ﵁ مُحلَّى باليسير من الذهب، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه عزة للمسلمين مع عدم الإسراف في ذلك.
стр. 950
عليه، فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفًا من ذهب" رواه أبو داود وغيره، وصحَّحه الحاكم، وروى الأثرم "عن موسى بن طلحة وأبي جمرة الضبعي وأبي رافع، وثابت البناني، وإسماعيل بن زيد بن ثابت، والمغيرة بن عبد الله أنهم شدُّوا أسنانهم بالذهب" (٢٢) (ويُباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلُبسه ولو كثُر) كالطَّوق والخلخال، والسوار، والقرض، وما في المخانق، والمقالد، والتاج، وما أشبه ذلك؛ لقوله ﷺ : "أحلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرِّم على ذكورها" (٢٣)، ويُباح لهما
(٢٢) مسألة: يُباح للرجل أن يضع من الذهب ما تدعو الضرورة إليه وإن كثر: كأن يضع أنفًا من ذهب، أو أن يضع سنًا من ذهب، أو أن يربط أسنانه بشرائط من ذهب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "إن النبي ﷺ قد أمر عرفجة أن يتخذ أنفًا من ذهب" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الإباحة هو وروده بعد حظر؛ حيث إنه يُحرم استعمال الذهب للرجل، فلما أمر به ﷺ دلَّ على إباحة ذلك، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يجوز اتخاذ الأنف من الذهب، فكذلك يجوز اتخاذه لأي ضرورة أخرى، والجامع: دفع الضرر عن المسلم في كل، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الذهب لا يتغيَّر بطول مُكثه فهو أولى من غيره لدفع المفسدة عن المسلم، ودفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة.
(٢٣) مسألة: يُباح للنساء لبس ما شاءت من الذهب والفضة على حسب عادة اللبس في ذلك سواء كثُر ذلك أو قلَّ؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أُحلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها" وهذا عام، فيشمل القليل والكثير؛ لأن "الذهب" اسم جنس معرف بأل وهو من صيغ العموم، وإذا أحلَّ الذَّهب، فمن باب أولى أن يُحلَّ الفضة؛ لكونها أدون منه من باب "مفهوم الموافقة الأولى"، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن =
стр. 951
تحلِّ بجوهر ونحوه (٢٤)، وكره تختمهما بحديد، وصفر، ونحاس، ورصاص (٢٥) (ولا زكاة في حُليهما) أي: حُلي الذكر والأنثى المباح (المعدِّ للاستعمال، أو العارية)؛ لقوله ﷺ : "ليس في الحلي زكاة" رواه الطبراني عن جابر، وهو قول أنس، وجابر، وابن عمر وعائشة، وأسماء أختها ﵃، حتى ولو اتخذ الرجل حُلي النساء
الأصل تحريم الذهب والفضة على الذكر والأنثى، ولكن أحل للأنثى؛ نظرًا لحاجتها إليهما للتَّزيُّن لزوجها، مما يؤدِّي إلى وطئها، وهذا يكون سببًا في حملها، ثم ولادتها، وبذلك يكثر نسل المسلمين، وبهذا تتحقق مكاثرة الأمم؛ حيث قال ﷺ : "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم".
(٢٤) مسألة: يُباح للرجل والمرأة أن يتحلَّيا بالجواهر، والزُّمرُّد، واللُّؤلؤ، والياقوت، والأحجار الكريمة بأي طريقة أرادا استعمالها فيها؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في هذه الأشياء الإباحة، فيُستصحب ذلك، ويُعمل به إذا لم يرد شيء يُغيِّر الحالة، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكريم للمسلمين، وإباحة مشاركتهم غيرهم في الزينة في حين أنه لا يُوجد في ذلك تكسير لقلوب الفقراء؛ لعدم معرفتهم لتلك الأشياء في العادة بخلاف الذهب والفضة.
(٢٥) مسألة: يُباح للرجل والمرأة أن يلبسا خاتمًا من حديد، أو صفر، أو نحاس، أو رصاص، بدون كراهة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ولو خاتمًا من حديد" حيث يلزم من ذلك أن الخاتم يكون من الحديد، ومن غيره مما شابهه، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تزيُّن مع عدم التكلفة، فإن قلتَ: يُكره ذلك - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
стр. 952
لإعارتهن، أو بالعكس إن لم يكن فرارًا (٢٦) (وإن أُعدَّ) الحلي (للكرى، أو النفقة،
(٢٦) مسألة: لا تجب الزكاة في حُلي المرأة والرَّجل من الذهب والفضة بشروط: أولها: أن يكون مباحًا كالخاتم من الفضة، وقبيعة السيف والمنطقة من الذهب والفضة أو ما أشبه ذلك أو اتخذه الرجل ضرورة - كما سبق -، ثانيها: أن يكون هذا الحلي مُعدًّا للاستعمال، أو مُعدًّا لإعارته للآخرين، ثالثها: أن لا يقصد في تحلِّيه بها، أو إعارتها الفرار والهروب عن الزكاة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا زكاة في الحلي" وهذا عام في القليل والكثير والذكر والأنثى، لأن "زكاة" نكرة في سياق نفي، وهي من صيغ العموم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث ثبت عن بعض الصحابة أنهم كانوا لا يُزكون على حليهم من الذهب والفضة كأنس، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء ﵃، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن العوامل من الإبل والبقر، وثياب القنية، والزينة لا زكاة فيها فكذلك الحلي من الذهب والفضة مثلها، والجامع: أن كُلًا منها قد أُعدَّ للاستعمال الشخصي المباح، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة في الحلي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضرر عن المسلم؛ لأنه إذا زُكَّى ما يتحلَّى به لنقص ما عنده، دون نماء، وهذا مخالف للمقصد من مشروعية الزكاة، وهو: المواساة بين الفقير والغني، وعدم الإضرار بأحدهما، فإن قلتَ: تجب الزكاة في الحلي، وهو قول أكثر الحنفية وبعض الحنابلة وتبعهم ابن عثيمين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث أمر ﷺ امرأة أن تزكي ما عليها من أسورة، والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث ثبت عن بعض الصحابة وجوب الزكاة فيها كعمر، وابن عباس، وابن مسعود ﵃، قلتُ: أما الحديث: فهو ضعيف؛ -كما ذكر كثير من أئمة الحديث - وعلى فرض صحته: فيحتمل أن يكون المراد بزكاته: إعارته، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما قول الصحابي: فلا يُحتج به، لأنه مُعارض بقول صحابي آخر - كما قلنا - وإذا تعارضا: تساقطا، فإن قلتَ: لمَ =
стр. 953
أو كان محرمًا) كسرج ولجام، وآنية: (ففيه الزكاة) إن بلغ نصابًا وزنًا؛ لأنها إنما سقطت مما أُعدَّ للاستعمال بصرفه عن جهة النماء، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل (٢٧)، فإن كان مُعدًّا للتجارة: وجبت الزكاة في قيمته كالعروض (٢٨)، ومباح
وجبت الزكاة إذا قصد بالتحلِّي الفرار منها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع بعض الناس من التحايل إلى تعطيل الزكاة، مما يُفضي إلى الإضرار بالفقير، فوجبت؛ معاملة له بنقيض قصده كمن طلَّق زوجته في مرض موته لحرمانها من الميراث: فإنها ترث فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع السنة القولية الأخرى" فعندنا: يُعمل بالسنة القولية الأولى؛ لضعف الثانية وعندهم: يُعمل بالثانية؛ لقوتها عندهم.
(٢٧) مسألة: الحلي المعدُّ للنَّماء - من ذهب وفضة - تجب فيه الزكاة كأن يُعدُّ للكراء والتأجير، أو كان مُعدًّا للنفقة منه على الأكل والشرب، أو كان مستعملًا في موضع لم يُجز الشارع استعماله فيه كأن يلبس الرجل الذهب من غير ضرورة، أو يضعه على السَّرج ولجام الدابة، أو الأواني، أو نحو ذلك بشرط بلوغه للنصاب - وهو (٨٥) جرامًا من الذهب أو (٥٦) ريالًا - وحولان الحول على ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل وجوب الزكاة في الحلي مُطلقًا، وإنما سقطت الزكاة عن ما أُعدَّ للاستعمال في المباح دون النماء، أما ما لم يُعد للاستعمال، أو استعمل في مواضع غير مباحة فتبقى على الأصل، وهو: وجوب الزكاة فيها، فإن قلتَ: لمَ وجبت الزكاة في ذلك؟ قلتُ: لأنه قابل للزيادة بتأجيره، ولأن الإنفاق منه فيه كسر لقلوب الفقراء؛ ولأن الرُّخص لا تكون في أمور غير مباحة.
(٢٨) مسألة: إذا كان الحلي من الذهب والفضة قد أُعدَّ للتجارة: فإن الزكاة تجب في قيمته: وطريقة ذلك: أن يُقيَّم الذهب البالغ نصابًا - وهو (٨٥) جرامًا - والفضة البالغة (٥٦) ريالًا بالريال السعودي مثلًا، والناتج يُخرج =
стр. 954
الصناعة إذا لم يكن للتجارة يُعتبر في النصاب بوزنه، وفي الإخراج بقيمته (٢٩)، ويحرم أن يُحلَّى مسجد، أو يُموَّه سقف، أو حائط بنقد، وتجب إزالته، وزكاته بشرطه إلا إذا استهلك فلم يجتمع منه شيء (٣٠).
منه ربع عشرة، ويُعطى لأهل الزكاة؛ للقياس، بيانه: كما يُفعل ذلك في عروض التجارة من البهائم وغيرها، فكذلك يُفعل في عروض التجارة من الذهب والفضة والجامع: أنه في كل منهما يُحقق العدالة بالنسبة للمالك والفقير؛ إذ القيمة هي التي تقدِّر المال بدقة.
(٢٩) مسألة: إذا أُعدَّ الذهب والفضة للصناعة: فإنه يُنظر في النصاب إلى وزنه - وهو: (٨٥) جرامًا من الذهب، و (٥٦) ريالًا من الفضة -، ويُقيَّم الذهب والفضة ويُخرج ربع عشر قيمته؛ للقياس، بيانه: كما أن الحلي المعد للكرى يُعتبر في النصاب بوزنه، وفي الإخراج بقيمته فكذلك هذا مثله، والجامع: أن في كلا الحالتين مصلحة للمالك والفقير؛ إذ لا يفوت شيء من حقهما.
(٣٠) مسألة: يُحرَّم جعل نقد ذهب أو فضة في حيطان مسجد، أو محرابه، أو سقفه أو نحو ذلك، أو يُموَّه ذلك منهما، وإن وقع شيء من ذلك تجب إزالته، وتجب زكاته إن بلغ نصابًا وحال عليه الحول بنفسه أو بانضمامه إلى غيره؛ للقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: وجوب الزكاة في الذهب والفضة، فيُستصحب ذلك، ويُعمل به حتى يرد شيء يُغيِّر الحالة، الثانية: القياس، بيانه: كما يُحرَّم على الرجل أن يلبس خاتمًا من ذهب وتجب عليه إزالته فكذلك هنا والجامع: الإسراف في كل، فإن قلتَ: لمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إسراف، والله لا يحب المسرفين وأن جعل الذهب والفضة في المسجد مشغل للمصلين عن عبادتهم، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
هذه آخر مسائل باب "زكاة النقدين" ويليه باب "زكاة عروض التجارة"
стр. 955
باب زكاة العروض
جمع "عرْض" بإسكان الراء، وهو: ما أُعدَّ لبيع أو شراء؛ لأجل ربح، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُعرض؛ ليُباع ويُشترى أو لأنه يعرض ثم يزول (إذا ملكها) أي: العروض (بفعله) كالبيع، والنكاح، والخلع، وقبول الهبة، والوصية، واسترداد المبيع (بنية التجارة) عند التملُّك، أو استصحاب حكمها فيما تُعوض عن عرضها (وبلغت قيمتها نصابًا) من أحد النَّقدين: (زكَّى قيمتها)؛ لأنها محلُّ الوجوب؛ لاعتبار النصاب بها، ولا تجزئ الزكاة من العروض (١) (فإن ملكها بـ) غير فعله
باب زكاة عروض التجارة
وفيه خمس عشرة مسألة:
(١) مسألة: عروض التجارة وهي: كلُّ شيء أُعدَّ للمتاجرة فيه ببيع، أو شراء، وتأجير؛ لأجل الربح والمكسب من أي نوع من أنواع الأموال كالبهائم، والعقارات، والأقمشة، والكتب، والأواني، والذهب والفضة، وغيرها: تجب في قيمتها الزكاة بشروط: أولها: أن يكون الشخص قد ملكها بفعله بأن يشتريها، أو يبيعها، أو يقبلها كهدية، أو وصية، ثانيها: أن يقصد بها التكسُّب والمتاجرة عند تملُّكها، واستمرار ذلك، ثالثها: أن يبلغ قيمة ما يتاجر به نصابًا ويتم حوله عليه، فإذا اجتمعت تلك الشروط: وجب إخراج زكاتها، وهو ربع عشر قيمتها: فلو كان يملك عقارات، وبهائم، وثياب يُتاجر بها: فإنه بعد تمام الحول على ذلك: يُقيِّمها بالنَّقد المتعامل به في بلده، فلو كانت قيمة تلك الأشياء مائة ألف ريال - مثلًا -: فإنه يُخرج "ألفين وخمسمائة" ريالًا زكاة لها، ولا يُجزئ: أن يُخرج الزكاة من نفس العروض، فلو أخرج مثلًا ثوبًا أو بهيمة لتكون زكاة عما يُتاجر فيه منها: لما أجزأت؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ =
стр. 956
كـ (إرث أو) ملكها (بفعله بغير نية التجارة، ثم نواها) أي: التجارة بها: (لم تصر لها) أي: للتجارة؛ لأنها خلاف الأصل في العروض فلا تصير لها بمجرَّد النية (٢) لا
حيث قال جابر بن سمرة: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نُخرج الزكاة مما نعدُّ للبيع" والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وهذا عام لكل شيء يُعدُّ للتجارة؛ لأن "ما" من قوله: "مما" موصولة وهي من صيغ العموم الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال أبو عمرو بن حماس: قال عمر لأبي: "أدِّ زكاة مالك" فقال أبي: مالي مال إلا جعاب وأدم فقال له: "قوِّمها، ثم أدِّ زكاتها" ويلزم من ذلك: أن ذلك كان يُتاجر بهما؛ لأن ما يُستعمل في البيوت لا يُزكى عليه بالاتفاق، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن عروض التجارة تختلف أثمانها باختلاف أجناسها وأنواعها، ومنافعها فيشق إخراج زكاتها من عينها، وقد يفوت بعض حق الفقير، فدفعًا لذلك، وتحقيقًا لتأدية حقوق المالك والفقير: شُرع إخراج زكاة قيمة تلك العروض، فإن قلتَ: لمَ وجبت الزكاة في عروض التجارة بتلك الشروط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن عروض التجارة مال تام ينمو فيتحمَّل المواساة، واشتُرط الأول؛ لكون فعله فيه دليل على التملُّك، واشتُرط الثاني: لأن تلك العقارات والبهائم لم تكن للتجارة أصلًا، فلا تصير لها إلا بنيتها وقصدها، واشتُرط الثالث؛ لكونه شرط وجوب الزكاة، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بعروض التجارة؟ قلتُ: لكونها تعرض على الناس لتُباع وتُشترى من أجل التكسُّب والرِّبح.
(٢) مسألة: عروض التجارة تجب فيها الزكاة بمجرَّد أن ينويها للتجارة، ولو لم تكن للتجارة أولًا، فلو كنت تملك أرضًا أو سيارة - عن طريق الإرث أو الشراء، أو الهدي أو الصدقة، أو الهبة - وكنت تستعملهما استعمالًا خاصًا لنفسك، ثم بعد ذلك نويت أن تُؤجر الأرض أو السيارة، أو تُتاجر بهما، فإنهما تكونان للتجارة بمجرَّد تلك النية، وتجب فيهما الزكاة إذا بلغت =
стр. 957
حلي لبس إذا نواه لقنية، ثم نواه للتجارة فيُزكِّيه (٣) (وتُقوَّم) العروض (عند) تمام (الحول بالأحظ للفقراء من عين) أي: ذهب (أو ورق) أي: فضة؛ فإذا بلغت
قيمتها النصاب، وحال عليهما الحول من وقت النية، ولو كان العكس: بأن اشتريت سيارة للمتاجرة بها، ثم مضت مدة، ثم نويت استعمالها استعمالًا شخصيًا: فلا تجب الزكاة فيها من وقت تلك النية؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قول جابر بن سمرة: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نُخرج الصدقة مما نُعدُّه للبيع" وهذا عام؛ حيث إن النية تُعتبر إعداد، ثانيهما: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" حيث إنه بسبب النية يتغيَّر حكم العمل، فإذا نوى التجارة: وجبت الزكاة عليه وإذا نوى الاستعمال الشخصي: سقطت، فإن قلتَ: إذا ملك العروض بغير فعله كأن صارت في مُلكه بإرث، أو ملكها بفعله بغير نية التجارة، ثم نواها بعد ذلك لها: فلا تجب زكاتها؛ لكن لو باعها ثم اشترى غيرها ونوى بها التجارة ابتداء: وجبت الزكاة فيها إذا بلغت نصابًا، وحال على ذلك الحول وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مُلكه لها بفعله مع النية: وجوب الزكاة، ويلزم من اختلال أحد الأمرين: عدم وجوبها قلتُ: تكفي النية في تغيير حكم الشيء، وإن لم يملكه بفعله كما قلنا فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع السنة القولية" فعملنا بعموم السنة، وهم عملوا بالتلازم المخصِّص لعموم تلك السنة.
(٣) مسألة: إذا اشترت امرأة حُليًا من ذهب أو فضة للقُنية والاستعمال الشخصي، فلا زكاة فيه - وقد سبق بيانه في مسألة (٢٦) من باب "زكاة النقدين" -، فإذا نوت المتأجرة فيه: فتجب زكاته من حين وقت تلك النية؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين قد ذكرناهما في مسألة (٢).
стр. 958
قيمتها نصابًا بأحد النَّقدين، دون الآخر: اعتبر ما تبلغ به نصابًا (٤)، (ولا يُعتبر ما اشتريت به) لا قدرًا، ولا جنسًا، روي عن عمر ﵁، وكما لو كان عَرْضًا (٥)، وتُقوَّم المغنية: ساذجة (٦)،
(٤) مسألة: تُقوَّم العروض إذا بلغت نصابًا وحال عليها الحول بالأصلح للفقير، فإذا كان الأحظ والأصلح له أن يُقوِّمها بالذهب: فعله، وإذا كان الأحظ والأصلح له أن يُقوِّمها بالفضة والنقد المستعمل في الأسواق: فعله؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أحوط لدين المالك، وأحفظ لحق الفقير.
(٥) مسألة: عند تقويم عروض التجار بعد تمام الحول: تُعتبر قيمتها عند تمام ذلك الحول، ولا يُعتبر قيمتها عند شرائها قبل عام لا من حيث القدر، ولا من حيث الجنس، فإذا بلغت نصابًا عند حولان الحول: وجبت تزكيتها، وإن لم تبلغ نصابًا: لا تجب تزكيتها؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من بلوغ النصاب، وحولان الحول على عين ذلك المال: وجوب الزكاة، بصرف النظر عن سابقه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال عمر ﵁: "قَوِّمها وأدِّ زكاتها" وهذا يلزم منه وجوب ذلك بعد تمام الحول، وبلوغ النصاب، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أحوط للمالك، وأنفع للفقير.
(٦) مسألة: إذا وُجد عند مسلم عبدٌ أو أمة يُغنِّيان أو يفعلان أيَّ شيء محرَّم من هذا النوع وهو يُتاجر بهما، وأراد تقويمهما، عند تمام الحول؛ لإخراج زكاتهما؛ فإنه يُقوِّمهما على أنهما ساذجان، أي: غير مُغنِّيين؛ للتلازم؛ حيث إن عدم مشروعية هذه الصنعة - وهي: الغناء - وتحريمها يلزم منه: عدم تقويمهما بها؛ لأنه لا قيمة لها شرعًا فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إهانة لمن يفعل مثل هذه المنكرات.
стр. 959
والخصي بصفته (٧)، ولا عبرة بقيمة آنية ذهب وفضة (٨) (وإن اشترى عَرَضًا بنصاب من أثمان أو عروض: بنى على حوله)؛ لأن وضع التجارة على التغليب والاستبدال بالعروض والأثمان، فلو انقطع الحول به: لبطلت زكاة التجارة (٩) (وإن اشتراه) أو باعه (بـ) نصاب (سائمة: لم يبنِ) على
(٧) مسألة: إذا وجد عند مسلم عبد خصي - وهو: مقطوع الخصيتين - وهو: يُتاجر به، وأراد تقويمه عند تمام الحول؛ لإخراج زكاته: فإنه يُقوِّمه بناء على صفة الخصي؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الاستدامة فيه ليست محرمة، فيلزم جوازه شرعًا، ويلزم من جوازه شرعًا: جواز تقويمه به، الثانية: المصلحة؛ حيث إن العبد ينقص ويزيد ثمنه بسبب الخصي وعدمه فكان لا بدَّ منه؛ حفاظًا لحقوق الآخرين، واحتياطًا للدِّين.
(٨) مسألة: إذا اتخذ مسلم آنية ذهب أو فضة، فإنه لا يُقيِّمها، ولا يُخرج زكاتها؛ للتلازم؛ حيث إن قيمة آنية الذهب والفضة محرَّمة فيلزم منه عدم إخراج زكاة ذلك؛ لأن الزكاة لا تكون من مال محرَّم؛ فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على عدم التعاون على الإثم والعدوان، أصله قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
(٩) مسألة: إذا اشترى أرضًا للتجارة، وبعد مُضي أربعة أشهر استبدلها بمنزل للتجارة: فإنه يبني على حول الأرض، وعليه فإنه بعد ثمانية أشهر - بعد ملكه للمنزل - يُقيِّم ذلك المنزل، ويُخرج ربع عشر قيمته زكاة؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من انقطاع الحول بالبيع والشراء، والاستبدال: عدم تحقق الزكاة في عروض التجارة؛ لأن التجارة مبنية على تغليب العروض، واستبدال الأملاك بغيرها؛ والبيع والشراء، وتغيير السلع؛ رغبة بالرِّبح ولذا: وجبت الزكاة في ذلك كله، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للفقير من أن يُسلب حقوقه بالحيل.
стр. 960
حوله؛ لاختلافهما في النصاب والواجب (١٠) إلا أن يشتري نصاب سائمة للتجارة بمثله للقُنية؛ لأن السَّوم سبب للزكاة قُدِّم عليه زكاة التجارة؛ لقوَّتها، فبزوال المعارض يثبت حكم السوم؛ لظهوره (١١)، ومن ملك نصابًا من السائمة لتجارة:
(١٠) مسألة: إذا اشترى عَرَضًا من عروض التجارة، أو باعه بنصاب من بهيمة الأنعام السائمة: فلا يبني على حوله، بل يبدأ حساب حوله من وقت شرائه أو بيعه، فمثلًا: لو كان عندك خمسة آلاف ريال في شهر محرم، ثم اشتريت بها خمسًا من الإبل سائمة في شهر شعبان: فإن حساب الحول يبدأ من "شعبان" وكذا العكس: فلو كان عندك خمس من الإبل في محرَّم؛ فبعتها بخمسة آلاف ريال في شهر شعبان: فإن حساب حول الخمسة آلاف يبدأ من "شعبان" وهكذا؛ للتلازم، حيث إن اختلاف الجنس والنصاب، ومقدار الواجب بين النقود والبهائم يلزم منه اختلاف في الحول، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط وحفظ لحق المالك والفقير.
(١١) مسألة: إذا اشترى أربعين شاة للتجارة مثلًا، وبعد مضي ستة أشهر باعها واشترى أربعين شاة للقنية، وهي سائمة: فإنه يبني على حول الأربعين التي اشتراها للتجارة، وعلى ذلك: فإذا مضى ستة أشهر أخرى: فإنه يُقيِّم ما عنده، ويُخرج ربع عشر قيمتها زكاة؛ للتلازم؛ حيث إن قوة التجارة يلزم منها تقديم زكاتها على زكاة السائمة، ويلزم من زوال نية التجارة: زكاتها بناء على أنها سائمة؛ نظرًا لظهور السَّوم على التجارة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للمالك، وإعطاء الفقير حقه، فإن قلتَ: لمَ كانت التجارة قوية في تزكيتها؟ قلتُ: لأن نية التجارة حين التملُّك تكفي في وجوب الزكاة فيها سواء حصل السوم فيها أو لا.
стр. 961
فعليه زكاة تجارة، وإن لم تبلغ قيمتها نصاب تجارة: فعليه زكاة السوم (١٢)، وإذا اشترى ما يُصبغ به ويبقى أثره كزعفران ونيل ونحوه: فهو عرض تجارة يُقوَّم عند حوله، وكذا: ما يشتريه دبَّاغ ليدبغ به كعفص، وما يدهن به كسمن، وملح (١٣)، ولا شيء في آلات الصَّبَّاغ، وأمتعة التجارة، وقوارير العطَّار إلا أن يُريد بيعها معها، ولا
(١٢) مسألة: إذا ملك بهائم سائمة للتجارة، وكانت قيمتها قد بلغت نصاب تجارة: فإنه يُقوِّمها بنقد البلد الذي يعيش فيه، ثم يُخرج ربع عشر هذه القيمة، أما إن لم تبلغ قيمتها نصاب تجارة: فإنه يُزكِّيها زكاة البهائم السائمة، فيُخرج شاة عن أربعين شاة، ويُخرج بنت مخاض عن خمس وعشرين من الإبل، وهكذا - كما سبق -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قوة التجارة فيها تقديم زكاتها على زكاة السوم؛ ويلزم من عدم بلوغ قيمتها نصاب التجارة: أن يُزكِّيها زكاة السوم؛ لوجود سبب الزكاة، وهو: السوم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لما ذكرناه في مسألة (١١).
(١٣) مسألة: إذا وجد عند شخص ثياب أو أبواب أو نوافذ، ونحو ذلك يُتاجر بها واشترى لذلك أصباغًا لها، أو اشترى الصائغ ما يُعينه على صنعته كأن يشتري الدَّبَّاغ القرظ والصابون، أو يشتري الخباز الدهن والملح ونحو ذلك: فإن الأصباغ، والقرظ، والصابون، والدهن والملح تُعتبر من عروض التجارة، تجب فيها الزكاة، فيُقوِّم المشتري ذلك، ويُخرج ربع عشر القيمة، عند تمام الحول على شرائها؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الأصباغ والدهن، والقرظ والصابون، والملح ونحوها تزيد في ثمن الأبواب والثياب، والخبز، أو الجلود المدبوغة فتتأثَّر التجارة بها فيلزم من ذلك: إخراج زكاة ذلك؛ لكونه داخلًا في عروض التجارة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لما فيها من المتاجرة فيها.
стр. 962
زكاة في غير ما تقدَّم (١٤)، ولا في قيمة ما أُعدَّ للكراء من عقار، وحيوان، وظاهر كلام الأكثر: ولو أكثر من شراء العقار فارًّا (١٥).
(١٤) مسألة: الآلات التي يستعملها التاجر لصنع الثياب، أو الأحذية، أو البهائم التي يحمل عليها أمتعته، وسياراته، وقوارير العطَّار، والزيَّات، وخشب البناء ونحو ذلك مما يبقى عنده، ولا يُريد بيعها: كل ذلك لا زكاة في قيمتها، أما إن أراد بيعها مع ما يبيعه: فإنه يُزكِّي على قيمتها كغيرها؛ للتلازم؛ حيث إن عدم نماء الآلات وحاجته إليها: يلزم منه عدم تزكيتها؛ لما فيه من الضرر على المالك، ويلزم من نيته في بيعها: تزكية قيمتها؛ لكونها عروض تجارة تنبيه: قوله: "ولا زكاة في غير ما تقدم" يقصد المسائل السابقة وما شابهها.
(١٥) مسألة: لا زكاة في قيمة العقارات والحيوانات، والسيارات والقطارات، والطائرات ونحوها مما أُعدَّ للكراء والتأجير، سواء كثُرت، أو قلَّت، وسواء كان مالكها يفعل ذلك فرارًا من الزكاة أو لا، وإنما الزكاة في أجرتها إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، فيجمعه ويُخرج ربع عشره؛ للتلازم؛ حيث إن الزكاة فيما يرصد للنَّماء بالتجارة، وهذا ليس بمال تجارة؛ لكونه لا نماء فيه، فيلزم: عدم وجوب الزكاة في أعيانها، وإنما تكون الزكاة في أجرتها فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة في قيمة العين المؤجَّرة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو وجبت الزكاة في تلك العين لتضرَّر المالك، ودفع الضرر واجب، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة في قيمة العين المؤجَّرة إن قصد الفرار من الزكاة مع أن من باع مُلكًا له فرارًا من الزكاة: وجبت عليه الزكاة؟ قلتُ: لوجود الفرق بينهما وهو: أنَّ الذي يُؤجِّر العين فرارًا من زكاتها قد نوى وقصد: أنه سيُخرج زكاة الأجرة إذا بلغت نصابًا وحال عليها الحول، أما من باع مُلكًا فرارًا من الزكاة: فإنه قصد عدم دفع زكاة هذا العين مُطلقًا، فلما اختلف المقصد: اختلف الحكم ومعلوم أن الأمور بمقاصدها.
هذه آخر مسائل باب "زكاة عروض التجارة" ويليه باب "زكاة الفطر"
стр. 963
باب زكاة الفطر
هو: اسم مصدر من "أفطر الصائم إفطارًا"، وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن، وإضافتها إلى "الفطر" من إضافة الشيء إلى سببه (١) (تجب على كل مسلم) من أهل البوادي وغيرهم، وتجب في مال اليتيم؛ لقول ابن عمر ﵃: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعًا من بُرٍّ، أو صاعًا من شعير على العبد، والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى
باب زكاة الفطر
وفيه خمس وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: المراد بزكاة الفطر: صدقة الفطر الواجبة التي تُدفع قبل صلاة عيد الفطر، فإن قلتَ: لمَ شُرعت زكاة الفطر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها سبب لطهرة الصائم من اللغو والرفث، فتكون مُكفِّرة لما حصل منه من الخلل أثناء صيامه، وهي سبب أيضًا لإغناء الفقراء والمساكين ومنعهم من أن يتكفَّفوا ويسألوا الناس في يوم العيد، فيكون فيها إعزاز لهم، وهو ما نص عليه الحديث؛ حيث قال ﷺ : "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم" فإن قلتَ: لمَ ذُكرت زكاة الفطر في كتاب الزكاة مع أنها مُختصَّة برمضان؟ قلتُ: لكونها من الواجبات المالية، ولأنها تُعتبر زكاة عن البدن والنفس، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بصدقة الفطر؟ قلتَ: لأن الزكاة تسمَّى صدقة شرعًا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ .. ﴾ وقال النبي ﷺ لمعاذ: "وأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم وتُدفع إلى فقرائهم" فإن قلتَ: لمَ أضيفت الزكاة إلى الفطر؟ قلتُ: لبيان أن سبب هذه الزكاة هو: الإفطار من صيام رمضان، وأنه مُكفِّر للخلل الذي حصل في صيامه من باب: "إضافة الشيء إلى سببه" وهي تسمية مجازية.
стр. 964
الصلاة" متفق عليه، ولفظه للبخاري (٢) (فضُل له) أي: عنده (يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله)؛ لأن ذلك أهم فيجب تقديمه؛ لقوله ﷺ : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" (٣)، ولا يُعتبر لوجوبها ملك نصاب (٤)، وإن فَضُل بعض
(٢) مسألة: يجب على كل مسلم أن يُخرج صاعًا من تمر - ونحوه مما سيأتي ذكره -: سواء كان هذا المسلم كبيرًا أو صغيرًا، حرًا أو عبدًا، حضريًا أو بدويًا، ذكرًا أو أنثى، وسواء صام رمضان كله، أو بعضه، أو لم يصمه؛ لعذر كنفاس، أو حيض، أو مرض أو سفر، أو كِبر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والكبير والصغير من المسلمين" وهذا عام فيشمل جميع ما ذكرنا؛ لأن لفظ "المسلمين" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، ولفظ "فرض" من صيغ الوجوب.
(٣) مسألة: يُشترط لوجوب زكاة الفطر: أن يكون هذا الصاع الذي يُريد إخراجه زكاة قد فضل وزاد عن قوت نفسه، وقوت من يعول من أولاد وزوجات وعبيد وغيرهم ممن تجب نفقتهم عليه، وذلك في ليلة العيد ويومه إلى قبل صلاة العيد، أما إن كان محتاجًا إلى ذلك الصاع هو أو أحد ممن يعول: فإنها تسقط عنه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه، فيجب على المسلم أن يبدأ بنفسه بإغنائها عن السؤال، فإن زاد شيء: وجب أن يُخرجه، لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، و"ثم" للعطف مع الترتيب والتراخي فلزم ما قلناه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقديم الأهم، وهي إغناء النفس؛ لإعزازها وإكرامها - على المهم - وهو: إغناء الآخرين.
(٤) مسألة: لا يُشترط لوجوب زكاة الفطر: أن يملك المسلم نصابًا من الثمار والحبوب، وعليه: فتجب على الفقير الذي لا يملك إلا ما يُغنيه ويحتاجه إلى =
стр. 965
صاع: أخرجه؛ لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٥) (و) يُعتبر كون ذلك كله بعد (حوائجه الأصلية) لنفسه أو لمن تلزمه مؤنته من مسكن، وعبد، ودابة، وثياب بذلة، ونحو ذلك (٦) (ولا يمنعها الدَّين)؛ لأنها ليست واجبة في المال
يوم العيد وليله وزيادة ذلك الصاع؛ للسنة القولية؛ وهي حديث ابن عمر السابق ذكره في مسألة (٢)؛ حيث يشمل الغني والفقير، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكونه قد حصل له الغنى ذلك اليوم وليلته فاحتمل ماله مواساة الفقراء.
(٥) مسألة: يجب إخراج بعض الصاع إن كان هو الفاضل فقط عن حاجته وحاجة من يعول؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ حيث إن زكاة الفطر أُمر بإخراجها أمر إيجاب، وهذا لا يستطيع إخراج صاع كامل، فيُخرج ما يستطيعه منه وجوبًا، لأن الأمر في قوله: "فأتوا منه" مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ولفظ "من" هنا للتبعيض، فوجب إخراج بعضه، و"ما" الموصولة من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ وجب هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدُّ بعض حاجة الفقير، وهو أولى من أن لا يُحرم كليًا.
(٦) مسألة: يُشترط لوجوب زكاة الفطر: أن يكون هذا الصاع الذي يُريد إخراجه زكاة فاضلًا وزائدًا عن حوائجه الأصلية وحوائج من يعولهم: فلا يحتاجه لمسكن أو ملبس، أو خدمة، أو مركوب أو ثياب زينة في هذا اليوم، ولا يحتاجه لفراش أو غطاء أو أي أثاث فمثلًا: لو كان يجد صاعًا من بُرٍّ ولكنه يحتاج إلى ثمنه ليستأجر دابة ليركب عليها لضرورة أو حاجة: فإن زكاة الفطر تسقط عنه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهذا عام؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهذا من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ حيث إنه إذا دفع ذلك الصَّاع وهو مُحتاج إلى ثمنه للحقه ضرر، فدفعًا لذلك شرع، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
стр. 966
(إلا بطلبه) أي: طلب الدَّين، فيُقدِّمه إذن؛ لأن الزكاة واجبة؛ مواساة، وقضاء الدَّين أهم (٧) (فيُخرج) زكاة الفطر (عن نفسه)؛ لما تقدَّم (و) عن (مسلم يمونه) من الزوجات، والأقارب، وخادم زوجته إن لزمته مؤنته، وزوجة عبده الحرة، وقريبه الذي يلزمه إعفافه؛ لعموم قوله ﷺ : "أدُّوا الفطرة عمَّن تمونون" (٨)، ولا تلزمه فطرة من يمونه من الكفار؛ لأنها طهرة للمُخرج عنه، والكافر لا يقبلها؛ لأنه لا
(٧) مسألة: لا يمنع الدَّين غير المطالب به زكاة الفطر، وعليه: فتجب زكاة الفطر وإن كان عليه دين إلا إذا طالب الدائن المدين بذلك الدين: فتسقط عنه زكاة الفطر هنا، للقياس، بيانه: كما أن النفقة واجبة على المسلم وإن كان عليه دين فكذلك زكاة الفطر واجبة مثلها والجامع: أن كلًا منهما طُعْمة، فيُطعمُها الفقراء كما يُطعِم عياله يوم العيد وليلته، فإن قلتَ: لمَ وجبت زكاة الفطر وإن كان عليه دين غير مطالب به؟ قلتُ: لعدم وجوبها في المال، ولتأكُّدها، فإن قلتَ: لمَ سقطت زكاة الفطر عن الشخص الذي يُطالب بدين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن سداد الدَّين المطالب به يدفع عنه مفسدة ومضرَّة المطالبة، والضيق والحرج، وإخراج زكاة الفطر مواساة للفقراء لا يُطالب بها عند العجز عنها، فسقطت الزكاة هنا؛ لأن دفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
(٨) مسألة: إن كان المسلم قادرًا على إخراج زكاة الفطر عن نفسه وعمَّن يمون من قرابته من الزوجات والأولاد، والأقارب، ومن يلزمه إعفافه ونفقته من غيرهم كخادمه، وزوجة عبده الحرة: فإنه يجب أن يُخرجها عنه وعنهم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" وقد سبق بيانه وتقريره في مسألة (٣) تنبيه: ما ذكر المصنف مما روي عنه ﷺ أنه قال: "أدوا الفطرة .. " قد ضعَّفه كثير من أئمة الحديث، وبعضهم ذكر أنه موقوف على راويه.
стр. 967
يُطهره إلا الإسلام، ولو عبدًا (٩)، ولا تلزمه فطرة أجير وضئر استأجرهما بطعامهما (١٠)، ولا من وجبت نفقته في بيت المال (١١) (ولو) تبرَّع بمؤنة شخصٍ جميع
(٩) مسألة: إذا كان المسلم يمون بعض الكفار كعبيد وزوجات وإماء: فلا يجب عليه إخراج زكاة الفطر عنهم، وكذا: العكس، فلو كان الكافر يمون بعض المسلمين كأن يكون بعض المسلمين تحت يد كافر: فلا يجب عليه إخراج زكاة الفطر عنهم أيضًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر ﵃: "فرض رسول الله زكاة الفطر .. " إلى قوله: "من المسلمين - وقد سبق في مسألة (٢) - حيث دلَّ مفهوم الصفة من "المسلمين" على أن الكافر لا تُخرج عنه زكاة الفطر، ولا يُخرج هو عن المسلم، فإن قلتَ: لمَ لا يُخرج المسلم عمَّن يمونه من الكفار؟ قلتُ: لأن زكاة الفطر طهرة عن مُخرجها، والكافر لا يُطهِّره إلا دخوله في الإسلام، فإن قلتَ: لمَ لا يخرج الكافر عمن يمونه من المسلمين؟ قلتُ: لأن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة في الدنيا، والمسلم تسقط عنه زكاة الفطر بهذا العذر - وهو كونه تحت يد كافر - وقد بينتُ ذلك في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام".
(١٠) مسألة: إذا كان زيد مستأجرًا لعمرو ليعمل عنده، أو كان مستأجرًا لزينب لتُرضع له ولده - وهو: الضئر - وكانت هذه الأجرة هي: إطعامهما وقت الأجرة، فجاء عيد الفطر وهما عنده: فلا تجب على زيد أن يُخرج زكاة الفطر عنهما؛ للقياس، بيانه: كما لو اشترى زيد من عمرو وزينب شيئًا: فلا يجب على زيد إلا أن يدفع المتفق عليه من الثمن فكذلك هنا، والجامع: عدم وجوب الزيادة على المستأجِر، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرَّة عن زيد.
(١١) مسألة: إذا وجبت نفقة زيد على بيت المال؛ نظرًا لكونه لقيطًا - لا يُعرف نسبه - أو عبدًا - لا يُعرف سيِّده -: فإن زكاة فطرته تُؤخذ من بيت المال؛ =
стр. 968
(شهر رمضان): أدَّى فطرته؛ لعموم الحديث السابق، بخلاف ما لو تبرَّع به بعض الشهر (١٢) (فإن عجز عن البعض) وقدر على البعض: (بدأ بنفسه)، لأن نفقة نفسه مُقدَّمة فكذا: فطرتها (فامرأته)؛ لوجوب نفقتها مُطلقًا، ولآكديتها، ولأنها معاوضة (فرقيقه)؛ لوجوب نفقته مع الإعسار، ولو مرهونًا، أو مغصوبًا، أو غائبًا، أو لتجارة (فأمُّه): لتقديمها في البر (فأبيه)؛ لحديث: "من أبرُّ يا رسول الله؟ "، (فولده)؛ لوجوب نفقته في الجملة (فأقرب في ميراث)؛ لأنه أولى من غيره (١٣)، فإن استوى
للقياس؛ بيانه: كما وجبت نفقته على بيت المال فكذلك زكاة الفطر مثلها والجامع: أن كلًا منهما طُعمة، وهو حق من حقوقه.
(١٢) مسألة: إذا تبرَّع وتطوَّع زيد بأن يقوم بمؤنة عمرو والنفقة عليه طوال شهر رمضان: فيُستحب أن يُخرج زيد عنه زكاة الفطر، ولا تجب عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجوب نفقة عمرو على زيد شرعًا: عدم وجوب زكاة الفطر على زيد عنه؛ لكون زيدًا قد تبَّرع وتطوع فقط بنفقته، فإن قلتَ: بل تجب على زيد زكاة الفطر عن عمرو إن أنفق عليه طوال الشهر، بخلاف ما لو أنفق عليه بعض الشهر فلا تجب - وهو: ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، والحديث الذي استُدل به - وهو: "أدُّوا الزكاة .. " - ضعيف كما سبق ذكره.
(١٣) مسألة: إذا كان يمون عددًا من الأقرباء والعبيد ولا يقدر على إخراج زكاة جميعهم فيلزم ما يلي: أولًا: أن يبدأ بنفسه فيُخرج الزكاة عنها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ابدأ بنفسك" وقد سبق بيانه، ثانيًا: إن بقي شيء: فإنه يُخرجه زكاة عن زوجته، للتلازم؛ حيث إن وجوب نفقتها على سبيل المعاوضة عن الوطء مع العسر واليُسر يلزم منه تأكد نفقتها على زوجها، وتقديمها على أقربائه، فيلزم من ذلك تقديم إخراج زكاة الفطر عنها على =
стр. 969
اثنان فأكثر ولم يفضل إلا صاع: أُقرع (١٤) (والعبد بين شركاء عليهم صاع) بحسب مُلكهم فيه كنفقته، وكذا: حرٌّ وجبت نفقته على اثنين فأكثر يُوزَّع الصاع بينهم
غيرها؛ لكون غيرها من الأقرباء تلزم نفقتهم مع اليُسر فقط، ثالثًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فإنه يُخرجه عن عبده: سواء كان عنده أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب نفقة العبد مع اليُسر والعسر: وجوب تقديمه على غيره في إخراج زكاة الفطر، رابعًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فيُخرجه عن أُمِّه؛ للتلازم؛ حيث إن تقديمها في البِّر على الأب ثلاث مرات، وضعفها عن التكسُّب بنفسها يلزم منه تقديمها على الأب، خامسًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فإنه يُخرجه عن أبيه؛ للتلازم؛ حيث إن ذكره بعد الأم في البر: يلزم جعله بعدها في الرتبة في ذلك، سادسًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فيُخرجه عن أولاده - بنين أو بنات -؛ للتلازم؛ حيث إن وجوب نفقة الولد على الوالد في الجملة: يلزم منه تقديمه على غيره من الأقرباء خاصة الصغير منهم؛ لعجزه عن التكسُّب، سابعًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فيُخرجه عن أقرب وارث له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تقديمه في الميراث: تقديمه في إخراج الزكاة عنه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا الترتيب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقديم الأهم والأحق في المؤنة والمسؤولية.
(١٤) مسألة: إن وُجد قريبان متساويان في الرُّتبة، وليس عنده إلا صاع واحد: كأن يكون عنده زوجتان، أو عبدان، أو ولدان: فإنه يُقرع بينهما: فمن أصابته القرعة: أخرج عنه ذلك الصاع، وترك الآخر ولا يُخرج نصفه عن واحد، والنصف الآخر عن الآخر؛ للتلازم؛ حيث إن تساوي المستحقين، وعدم وجود المرجِّح: يلزم الحكم بالقرعة؛ لكونها طريقًا من طرق تقسيم الحقوق إذا تساوى المستحقون؛ إذ لا يجوز ترجيح بدون مُرجِّح، ويلزم من أن الصاع كاملًا هو المشروع: أن لا يُجزئ بعضه عن مسلم.
стр. 970
بحسب النفقة؛ لأن الفطرة تابعة للنفقة (١٥) (ويُستحبُّ) أن يخرج (عن الجنين)؛ لفعل عثمان ﵁، ولا تجب عنه؛ لأنها لو تعلَّقت به قبل ظهوره: لتعلَّقت الزكاة بأجنَّة السوائم (١٦) (ولا تجب لـ) زوجة (ناشز)؛ لأنها لا تجب عليه نفقتها، وكذا:
(١٥) مسألة: إذا وجد عبد يملكه اثنان أو أكثر: فإنه يُخرج عنه صاع يشترك فيه هؤلاء الشركاء في العبد، فلو اشترك أربعة في عبد: فإن كلَّ واحد منهم يدفع ربع الصاع، وكذا: الحرُّ إذا وجبت نفقته على مجموعة كأن يشترك أربعة أبناء في الإنفاق على أبيهم: فإن كلَّ واحد منهم يجب عليه ربع صاع وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن نفقة العبد المشترك بين أشخاص، ونفقة الحر الواجبة على المتساويين في النفقة يشترك الجميع في ذلك، فكذلك يشتركون في الصاع الذي يُخرج زكاةً للفطر عن هذين، والجامع: الشراكة في كل، فإن قلتَ: لا تجب زكاة الفطر عن العبد المشترك وهو قول كثير من الحنفية؛ للقياس، بيانه: كما أن المكاتب لا تجب على سيده زكاة الفطر عنه، فكذلك العبد المشترك مثله والجامع: الشراكة في العبد، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المكاتب لا تلزم سيده نفقته؛ لكونه اشترى نفسه من سيده على أقساط، فأصبح بذلك مسؤولًا عن نفسه في النفقة؛ بخلاف العبد المشترك؛ حيث تجب نفقته على الشركاء فيه، والفطرة تابعة للنفقة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناه بالنفقة على العبد؛ لأنه أكثر شبهًا بذلك، وهم ألحقوه بالمكاتب؛ لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا يُسمَّى بـ "قياس الشَّبه" أو "غلبة الأشباه".
(١٦) مسألة: يُستحب أن تُخرج زكاة الفطر عن الجنين - وهو: ماله أربعة أشهر في بطن أمِّه -؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عثمان ﵁ قد أخرج عنه، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر صدقة مُطلقة؛ شكرًا لله تعالى كسائر الصدقات، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة هنا؟ قلتُ: لكون الجنين لم =
стр. 971
من لم تجب نفقتها؛ لصغر ونحوه؛ لأنها كالأجنبية ولو حاملًا (١٧)، ولا لأمة تسلَّمها ليلًا فقط وتجب على سيِّدها (١٨) (ومن لزمت غيره فطرته) كالزوجة والنسيب
تثبت له أحكام الدنيا - إلا في الإرث والوصية - فلم تتعلَّق به الزكاة كأجنَّة البهائم السائمة، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد ذلك بأربعة أشهر؟ قلتُ: لكونه إذا وصل إلى هذه المدَّة تُنفخ فيه الروح كما في الحديث، ولذلك إذا سقط بعد هذه المدة يُغسَّل ويُكفَّن، ويُصلى عليه، بخلاف من سقط قبل ذلك: فلا يُفعل به ذلك؛ لكونه ليس بإنسان.
(١٧) مسألة: لا يجب على الزوج أن يُخرج زكاة الفطر عن زوجته الناشز - وهي التي تعصيه، وتترفَّع عليه، وتأتي بأفعال أو أقوال تحطُّ من كرامته، ولا تُطيعه إلا وهي مكرهة -، وكذلك المسافرة لقضاء حاجتها ولو كانت حاملًا؛ للقياس، بيانه: كما أن النفقة تسقط عن تلك الزوجة والأجنبية، فكذلك زكاة الفطر تسقط عنه والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر نفقة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للزوجات من العصيان والنشوز، فإن قلتَ: إن الزوجة الناشز الحامل يجب على زوجها إخراج زكاة الفطر عنها، وهو قول بعض العلماء؛ للقياس، بيانه: كما تجب النفقة على الحامل فكذلك يجب إخراج زكاة عنها، لأن الفطرة تابعة للنفقة قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الإنفاق واجب بسبب الحمل فقط، أما الفطرة فلا تجب للمحمول به بل مُستحب - كما سبق في مسألة (١٦) -، فلا دخل للزوجة الحامل بهذا الإنفاق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناها بالأجنبية؛ لكونها أكثر شبهًا بها، وألحقوها هم بالحامل؛ لأنها أكثر شبهًا بها عندهم.
(١٨) مسألة: إذا اشترى زيد من عمرو أمة، وتسلَّمها زيد ليلة عيد الفطر: ففطرتها تكون على عمرو؛ للتلازم؛ حيث إن عمرًا قد أنفق على تلك الأمة في النهار -=
стр. 972
المعسر (فأخرج عن نفسه بغير إذنه) أي: إذن من تلزمه: (أجزات)؛ لأنه المخاطب بها ابتداءً، والغير مُتحمِّل (١٩)، ومن أخرج عمَّن لا تلزمه فطرته بإذنه: أجزأ، وإلا: فلا (٢٠) (وتجب) الفطرة (بغروب الشمس ليلة) عيد (الفطر) لإضافتها إلى الفطر، والإضافة تقتضي الاختصاص والسببية، وأول زمن يقع فيه الفطر من جميع رمضان: مغيب الشمس من ليلة الفطر (فمن أسلم بعده) أي: بعد الغروب (أو ملك عبدًا) بعد الغروب (أو تزوَّج) زوجة بعد الغروب (أو وُلد له ولد) بعد الغروب: (لم تلزمه فطرته) في جميع ذلك؛ لعدم وجود سبب الوجوب (و) إن
ومعلوم أن النهار هو زمن النفقة - فيلزم أن يُخرج - أي: عمرو - فطرتها، لكون الفطرة تابعة للنفقة.
(١٩) مسألة: إذا كان زيد يمون ولدًا من أولاده، ثم أخرج هذا الولد فطرته عن نفسه: فإنها تُجزئ: سواء أذن زيد أو لم يأذن وكذلك زوجته، وأبوه ونحو ذلك يقال فيهم مثل القول في ولده؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن يُخرج كل مسلم فطرته عن نفسه؛ لأنه المخاطب بها، فإذا أخرجها عن نفسه فقد عمل بالأصل، تنبيه: كون زيد تحمَّلها؛ نظرًا لإعسار من يمونهم، فإذا أخرجها هؤلاء فإنهم أدُّوا ما عليهم أصلًا وابتداء.
(٢٠) مسألة: إن كان زيد لا تلزمه مؤنة عمرو، وأخرج فطرة عمرو: فإنها تُجزئ عن عمرو إن أذن لزيد بذلك، فإن لم يأذن عمرو له: فلا يُجزئ هذا الإخراج، وبناء عليه: يجب أن يُخرج عمرو فطرته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إذن عمرو لزيد ذلك: إجزاء ذلك الإخراج عنه، ويلزم من عدم إذنه: عدم الإجزاء؛ لأن الأصل: وجوب الفطرة على كل أحد بنفسه.
стр. 973
وُجدت هذه الأشياء (قبله) أي: قبل الغروب: (تلزم) الفطرة لمن ذكر؛ لوجود السبب (٢١) (ويجوز إخراجها) مُعجَّلة (قبل العيد بيومين فقط)؛ لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر ﵃: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان" وقال في آخره: "وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين"، وعُلم من قوله: "فقط": أنها لا تجزئ قبلهما؛ لقوله ﷺ : "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، ومتى قدَّمها بالزمن الكثير: فات الإغناء المذكور (٢٢) (و) إخراجها (يوم العيد قبل) مُضيه إلى
(٢١) مسألة: وقت وجوب إخراج زكاة الفطر هو: غروب الشمس من ليلة عيد الفطر - وهو غروب شمس آخر يوم من أيام رمضان -، وبناء عليه: فلو أسلم شخص، أو ملك مسلم عبدًا مُسلمًا، أو وُلد له مولود، أو تزوَّج مُسلمة، أو أيسر بعد غروب الشمس ليلة عيد الفطر بلحظة: فلا تجب عليهم زكاة الفطر، ولو حصل ذلك قبله بلحظة: وجبت زكاة الفطر؛ للتلازم؛ حيث إن إضافة الزكاة إلى الفطر يلزم منه: أن يكون الفطر سببًا لوجوب الزكاة؛ لأن فطر رمضان جميعه يحصل بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان فيتعلَّق الوجوب به، فيكون ما حدث بعد الغروب - من: إسلام، أو تملُّك عبد، أو ولادة، أو زواج أو يُسر - شيء قد حَدَث بعد خروج وقت الوجوب، كمن ملك مالًا جديدًا بعد إخراج زكاة ماله الأول فإن حوله يبدأ من حين ملكه الجديد كما سبق، ويلزم من حدوث هذه الأشياء قبل الغروب: وجوب زكاتهم؛ لوجودها قبل خروج وقته.
(٢٢) مسألة: يُباح إخراج زكاة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين فقط، ولا يُجزئ إخراجها قبل ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: إجماع الصحابة؛ حيث قال ابن عمر ﵃: "كانوا يُعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" وهذا عام لجميع الصحابة؛ حيث إن "واو الجماعة" من صيغ العموم، ودل مفهوم الزمان منه على عدم =
стр. 974
(الصلاة: أفضل)؛ لحديث ابن عمر السابق أول الباب (٢٣) (وتكره في باقيه) أي:
جواز إخراجها قبل الفطر بثلاثة أيام أو أكثر، الثانية: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" حيث يلزم من قوله: "اغنوهم": أن لا تُخرج قبل الفطر بثلاثة أيام؛ حيث إنها ستنتهي غالبًا بأكلها، إذا أخرجت قبل الفطر بثلاثة أيام، ولا يتمُّ إغناؤهم في يوم العيد، فإن قلتَ: لمَ أُبيح إخراجها قبل الفطر بيوم أو يومين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين، ولا يُخلُّ ذلك بالمقصود منها؛ حيث إنها ستبقى غالبًا إلى آخر يوم العيد، فيتم الإغناء بها، فإن قلتَ: يُباح إخراجها من أول يوم من أيام رمضان، وهو قول الحنفية وبعض الشافعية، وقال آخرون: يُباح إخراجها من مُنتصف، رمضان، للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعًا من تمر .. " وهذا مُطلق في الأزمان، فيشمل ما ذُكر قلتُ: هذا مُقيَّد بالقاعدتين اللَّتين قد ذكرناهما - وهما: الإجماع، والسنة القولية - وقد سبق بيانهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية التي رواها ابن عمر مع السنة القولية وهي قوله: "اغنوهم … " والإجماع فعندنا: أن السنة القولية التي رواها ابن عمر قد قيدت بالسنة القولية الأخرى، والإجماع وعندهم: لا.
(٢٣) مسألة: أفضل وقت لإخراج زكاة الفطر هو: يوم العيد، قبل خروج المسلم إلى صلاة العيد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "أمر بها رسول الله ﷺ أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة" وإجماع الصحابة قد صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب؛ حيث قال ابن عمر: "كانوا يُعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" وقد سبق تقريره في مسألة (٢٢) فإن قلتَ: لمَ كان ذلك هو أفضل وقت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك سيُحقِّق إغناء الفقير عن السؤال في يوم العيد.
стр. 975
باقي يوم العيد بعد الصلاة (٢٤) (ويقضيها بعد يومه) ويكون (آثمًا) بتأخيرها عنه؛ لمخالفته أمره ﷺ بقوله: "أغنوهم في هذا اليوم" رواه الدارقطني من حديث ابن عمر (٢٥) ولمن وجبت عليه فطرة غيره: إخراجها مع فطرته مكان نفسه (٢٦) فصل:
(٢٤) مسألة: يُكره إخراج زكاة الفطر بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يومه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" واليوم الكامل يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس - كيوم الصوم -، فإذا أُخرجت قبل صلاة العيد: فإنه يتحصَّل الإغناء الكامل، وإذا أُخرجت بعدها: فلا يحصل الإغناء الكامل، بل بعضه، فلا يحصل كل المقصود منها، فلزم من ذلك كراهة ذلك؛ لفوات بعض المصلحة منها، وهو المقصد من ذلك الحكم.
(٢٥) مسألة: إذا أخَّر زكاة الفطر عن يوم عيد الفطر، فيجب أن يُخرجها قضاءً بعده، فإن كان هذا التأخير لعذر - كان لا يجد من يستحقها، أو أخَّرها وكيله، أو علم أن يوم العيد بالأمس -: فإنه لا يأثم، وإن أخَّر لغير عذر: فإنه يأثم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" حيث دل مفهوم الزمان على أنه إذا أخَّرها عن يوم العيد: فإنه يأثم؛ لمخالفته الأمر المطلق الدال على الوجوب، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه إذا ترك الصلاة لعذر كنوم أو نسيان، ثم ذكرها بعد خروج وقتها: فإنه يجب عليه أن يقضيها ولا يأثم، وإذا تركها لغير عذر: فإنه يُصلِّيها قضاء ويأثم؛ فكذلك زكاة الفطر مثل ذلك والجامع: أن كلًا منهما مأمور به أمر إيجاب بأن يُفعل في وقت معيَّن، وأن الواجب لا يسقط بفوات وقته، ولا تبرأ الذمة إلا بالفعل في كل، وهو المقصد.
(٢٦) مسألة: إذا كان زيد يقوم بمؤنة ونفقة بعض أقاربه وهو - أي: زيد - بعيد عن البلد الذي يُقيم فيه هؤلاء الأقارب كان يكون هو في مكة، وهم في بغداد: فإنه =
стр. 976
(ويجب) في الفطرة (صاع) أربعة أمداد، - وتقدَّم في الغُسْل - (من بُرٍّ، أو شعير، أو دقيقهما، أو سويقهما) أي: سويق البر، أو الشعير، وهو: ما يُحمَّص، ثم يُطحن، ويكون الدقيق أو السويق بوزن حبِّه (أو) صاع من (تمر، أو زبيب، أو أقط) يُعمل من اللَّبن المخيض؛ لقول أبي سعيد الخدري: "كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا نبينا رسول الله ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط" متفق عليه (٢٧)، والأفضل: تمر، فزبيب، فبرٍّ، فأنفع،
يُخرج زكاة الفطر عنهم في البلد الذي يُقيم فيه - وهي: مكة هنا - مع إخراج فطرته؛ للتلازم؛ حيث إن وجوب زكاة الفطر عليه عنهم، وتعلُّق الفقراء بها؛ لعلمهم بغناه يلزم منه: إخراجها مع فطرته في البلد الذي يُقيم هو فيه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، وآكد لإخراجها.
(٢٧) مسألة: يُخرج كل مسلم - وجبت عليه زكاة الفطر - صاعًا من أحد أصناف خمسة وهي: إما من بُرٍّ، أو من شعير، أو من تمر، أو من زبيب، أو من أقط، ولو لم تكن من قوت البلد؛ للسنة التقريرية؛ حيث ذكر أبو سعيد الخدري أن الصحابة كانوا يخرجون زكاة الفطر من أحد هذه الأصناف، دون نكير منه ﷺ ؛ وإقراره الأقط والزبيب بأنهما يخرجان مع أنهما ليسا من قوت المدينة المنورة في عصره يدل على عدم اشتراط قوت البلد؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ حُددت هذه الأصناف دون غيرها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، حيث إن كلَّ صنفٍ يُحقِّق إغناء الفقير في يوم العيد، فإن قلتَ: لمَ اقتصر على الصاع الواحد هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يكفي الفقير في ذلك اليوم، ولا يضرُّ بمال المخرج، [فرع] يُخرج "البرُّ" و"الشعير" مُطلقًا: أي: سواء كان حبًا =
стр. 977
فشعير، فدقيقهما، فسويقهما، فأقط (٢٨) (فإن عدم الخمسة) المذكورة: (أجزأ كُلُّ
عاديًا، أو محموسًا - وهو: السَّويق منهما -، أو كان دقيقًا وطحينًا على وزن الحبِّ، والمراد بـ "الزَّبيب": يابس العنب، والمراد بـ "الأقط": اللَّبن المخيض بعد تجفيفه، والمراد بـ "التمر" هو: التمر الجاف الذي يمكن أن يُكال أو يوزن، فلا يُخرج "الرُّطَب"، [فرع آخر] الصاع: أربعة أمداد، كل مُدٍّ يُعادل حفنة بكفَّي الرجل المعتدل في الخِلْقة، وهو: يُعادل (٣) كجم تقريبًا وقد سبق بيان ذلك، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي البرُّ بالطعام في الحديث السابق؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البرَّ أنفع الأطعمة قديمًا وحديثًا، وأقلُّها ضررًا، وكان أهل الحجاز قد تعارفوا بأنه هو الطعام الحقيقي، فإن قلتَ: لمَ جاز إخراج سويق البر والشعير ودقيقهما؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أنفع للفقير؛ حيث إنه قد كُفي الفقير مؤنة طحنه وحمسه، وهو ممكن كيله، ووزنه، وادخاره، فإن قلتَ: لمَ لا يُجزئ إخراج الرُّطب، والعنب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع الضرر عن الفقير؛ لكون الرطب والعنب ينقصان إذا يبسا.
(٢٨) مسألة: الأفضل أن يخرج المسلم صاعًا من أيِّ طعامٍ يُعتبر هو قوت البلد العام، ويسهل الانتفاع به بدون تكلفة، ويشتهيه أكثر أهل البلد كالأرز في أيامنا هذه: لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث ورد في حديث أبي سعيد السابق: "صاعًا من طعام" وقد حُمل الطعام في عهده ﷺ على البر؛ لكونه هو المنتشر في بلاد الحجاز، وهو المستطعم به عامة، ويُحمل الآن على الأرز ويُخصَّص به؛ لكونه هو الطعام المنتشر الآن، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الطعام الذي ينتفع به الأكثر كالأرز الآن يحقق إغناء الفقير؛ لكونه أشهى، ويُطبخ بدون طحن، ويقبله عامة الناس عند البيع والشراء، فإن قلتَ: الأفضل أن يُخرج صاعًا من تمر، ويليه في الأفضلية صاع من زبيب، ويليه في ذلك صاع =
стр. 978
حبٍّ) يُقتات (وثمر يُقتات) كالذرة، والدخن، والأرز، والعدس، والتِّين اليابس (٢٩)، و (لا) يُجزئ (معيب) كمسوس، ومبلول، وقديم تغيَّر طعمه، وكذا: مُختلط بكثير مما لا يُجزئ، فإن قلَّ: زاد بقدر ما يكون المصفَّى صاعًا، لقلَّة مشقَّة تنقيته (٣٠)، وكان ابن سيرين، يُحبُّ أن يُنقَّى الطعام، وقال أحمد: وهو أحبُّ
من بُرٍّ، ويليه في ذلك صاع مما ينفع الناس - غير التمر والزبيب والبر - من أرز ونحوه، ويلي ذلك في الأفضلية صاع من شعير، ويليه في ذلك صاع من دقيق البر أو الشعير، ويليه في ذلك صاع من سويق البر أو الشعير، ثم يلي ذلك صاع من الأقط، وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا الترتيب فيه نفع للفقراء قلتُ: إن مصلحة الفقير تتحقَّق فيما قلناه من إخراج غالب قوت البلد كالأرز في هذه الأيام، وهي أرجح من المصلحة التي ذكروها، يُؤيد ذلك السنة التقريرية التي استدللنا بها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" حيث إن المصلحة التي ذكرناها أشمل وأعم فأخذنا بها، بخلاف المصلحة الأخرى.
(٢٩) مسألة: إذا فُقدت تلك الأصناف الخمسة - وهي: البر، والتمر، والشَّعير، والزبيب، والأقط -: فإنه يُجزئ عنها إخراج كلَّ حبٍّ وثمر كالذرة، والأرز، والتين الجاف، والعدس، ونحو ذلك بشرط: أن يكون مُقتاتًا يُستساغ أكله عادة؛ للمصلحة؛ حيث إن المقصود هو: إغناء الفقير عن السؤال في يوم العيد، وإخراج الطعام الذي يقتاته أهل البلد عادة يُحقِّق ذلك المقصود، وهذا فيه مصلحة للفقراء وللأغنياء كما قال ابن القيم.
(٣٠) مسألة: لا يُجزئ أن تُخرج زكاة الفطر من أصناف معيبة أو أكثرها معيبة: كأن يكون قد أصابه بلل فنفخه، أو أكله السوس فنخر جوفه، أو تغيَّر طعمه، أو ريحه من طول مكثه، أما إن كان المعيب أقل من الصحيح: فإنه يُجزئ أن =
стр. 979
إلي (٣١) (ولا) يُجزئ (خبز)؛ لخروجه عن الكيل، والادِّخار (٣٢) (ويجوز أن يُعطى الجماعة) من أهل الزكاة (ما يلزم الواحد وعكسه): بأن يُعطى الواحد ما على الجماعة (٣٣)، والأفضل: أن لا ينقص مُعطَى عن مدِّ بُرٍّ، أو نصف صاع من
يُخرج منه زكاة الفطر بشرط: أن يزيد من هذه الحبوب والثمار المختلطة حتى يغلب على ظنه أن المخرج يبلغ صاعًا فيما لو صُفِّي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم" والحبوب والثمار المعيبة، أو التي أكثرها كذلك لا يحصل فيها الإغناء؛ لكونها لا تؤكل أصلًا، فيلزم أن لا يجزئ إخراجها عن الواجب، بخلاف ما إذا كان الأقلُّ معيبًا فيمكن أن يحصل به الإغناء؛ لأن تصفيته وتنقيته لا مشقَّة فيها، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للفقير من أن يُسلب حقه.
(٣١) مسألة: يُستحب أن تُنقَّى وتُصفَّى الحبوب والثمار التي يُريد إخراجها زكاة للفطر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم" فلا يتحقَّق إغناؤهم إغناء كاملًا إلا إذا أُعطوا حبوبًا وثمارًا صالحة للأكل مباشرة، ولا يكون ذلك إلا بعد تنقيتها، وكان السلف يعملون ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل الأجر الكامل، أصله قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
(٣٢) مسألة: لا يُجزئ إخراج الخبز، والمكرونة، والهريسة ولا أي شيء صنع بالطبخ: بأن يقوم شخص بطحن الحب الذي يُريد إعطاءه الفقير، وعجنه وطبخه؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يُفوِّت على الفقير منفعته الكاملة بما يُعطى؛ لفساده بالادخار، ومشقَّة معرفة وزنه وكيله بالتَّحديد.
(٣٣) مسألة: يُباح أن يُقسِّم مسلم صاعًا واحدًا على عدد من الفقراء، ويُباح العكس: بأن يُعطي المسلم عدَّة أصواع لفقير واحد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: =
стр. 980
غيره (٣٤)، وإذا دفعها إلى مستحقها فأخرجها آخذها إلى دافعها، أو جُمعت الصدقة عند الإمام ففرقها على أهل السُّهمان فعادت إلى إنسان صدقتُه: جاز ما لم يكن حيلة (٣٥).
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حيث أطلق الشارع ذلك، فلم يُحدِّد القدر المعطى، فإذا أعطى جمعًا من الفقراء والمساكين صاعًا واحدًا، قسَّمه بينهم، أو أعطى عِدَّة أصواع لفقير واحد: فإنه ينطبق عليه وصف الصدقة، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(٣٤) مسألة: إذا أراد مسلم أن يُقسِّم صاعًا على عدد من الفقراء: فيُستحبُّ أن يُقسِّمه على أربعة فقراء، كل واحد يأخذ مُدًّا إذا كان المخرج بُرًّا، أما إن كان غير بُرِّ - كتمر أو شعير، أو زبيب، أو أقط -: فيُستحب أن يُقسِّم الصاع على اثنين من الفقراء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" وربع الصاع من البر - وهو المدُّ - يُحقِّق هذا الإغناء، ونصف الصاع من غير البر يُحقِّق ذلك؛ لاختلاف البر عن غيره في الأهمية والفائدة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مُحاولة لتحقيق الإغناء بصورة كاملة.
(٣٥) مسألة: إذا دفع زيد فطرته إلى عمرو - فدفعها عمرو إلى زيد - وهما مستحقان - أو جمعها الإمام عنده، ثم وزَّعها على الفقراء فعادت إلى زيد فطرته التي أخرجها: فإنه يجوز لزيد أن يأخذها بشرط: أن لا يقصد زيد أخذ فطرته بعينها، وتحايل لأجل ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن إخراج زيد لفطرته يلزم منه زوال ملكه لها، وقبولها بنفسها يُعتبر تمليكًا جديدًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع للحيل المحرَّمة؛ لأن أي شيء من الصدقات جرَّ نفعًا لا يُسمَّى صدقة. [فرع]: لا يُجزئ إخراج القيمة =
стр. 981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالنقود عن الصاع من بُرٍّ ونحوه في زكاة الفطر؛ للسنة التقريرية؛ وهو حديث أبي سعيد الخدري السابق ذكره في مسألة (٢٧) حيث نصَّ على الأصناف الخمسة - وهي: البر، والشعير، والتمر، والزبيب والأقط - والنَّص عليها يلزم منه: عدم إجزاء إخراج غيرها ليس من جنسها، والقيمة ليست من جنسها، فلا يُجزئ إخراجها، فإن قلتَ: لمَ لا يُجزئ ذلك؟ قلتُ: لأن إخراجها تركًا للمأمور بإخراجه، فيكون إخراج القيمة مردودًا؛ عملًا بعموم قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ"، فإن قلتَ: يُجزئ إخراج القيمة هنا، وهو قول كثير من الحنفية؛ للقياس، بيانه: كما أنه يجوز إخراج تلك الأصناف الخمسة من الأطعمة فكذلك يجوز إخراج القيمة والجامع: نفع الفقير في كل، بل إن هذا قياس أولى؛ لأن القيمة أنفع للفقير من تلك الأصناف؛ حيث إنه سيشتري بها طعامًا وغيره، قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن القيمة ليست من جنس الأطعمة؛ حيث إن الأطعمة أنفع للفقراء، والواقع يشهد لذلك؛ إذ قد يشتري الفقير بتلك القيمة أشياء تُفسده وتُفسد غيره، وقد يبخل رب الأسرة الفقيرة بتلك القيمة، فلا يُنفقها على أسرته، ثم إنه يلزم أن يشتري بتلك القيمة بعض الأطعمة وهذا قد يشق على بعض الناس، فدفعًا لذلك: شرع الشارع الأصناف الخمسة وما هو من جنسها فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يُقاس على المحصور بعدد؟ " فعندنا: لا يُقاس هنا على تلك الأصناف الخمسة إلا ما هو من جنسها وعندهم: يقاس عليها ما هو من جنسها وما هو من غير جنسها بجامع: النفع كما سبق بيانه.
هذه آخر مسائل باب "زكاة الفطر" ويليه باب "إخراج الزكاة"
стр. 982
باب إخراج الزكاة
يجوز لمن وجبت عليه الزكاة: الصدقة تطوعًا قبل إخراجها (١) (ويجب) إخراج الزكاة (على الفور مع إمكانه) كنذر مطلق، وكفارة؛ لأن الأمر المطلق يقتضي الفورية، وكما لو طالبه بها الساعي، ولأن حاجة الفقير ناجزة والتأخير مخلٍّ بالمقصور، وربَّما أدَّى إلى الفوات (٢) (إلا لضرورة) كخوف رجوع ساع، أو على
باب إخراج الزكاة
وفيه ست وعشرون مسألة:
(١) مسألة: يجوز أن يتصدَّق مَنْ وجبت عليه الزكاة بصدقة مُطلقة بأي شيء قبل إخراج تلك الزكاة الواجبة عليه؛ للتلازم؛ حيث إن الأمر بالصدقات مطلق في الأوقات، فيلزم إخراجها بأيِّ وقت، ومنها: الوقت الذي يكون قبل إخراج الزكاة الواجبة، فإن قلتَ: لمَ ذُكر ذلك مع أنه معلوم جوازه؟ قلتُ: ليُفرِّق بين الزكاة والصوم؛ لأن صوم التطوع لا يُقدَّم على صوم الفرض.
(٢) مسألة: إذا وجبت زكاة على مسلم لأيِّ مال من الأموال الزكوية كبهيمة الأنعام، أو الثمار والحبوب، أو النقود فيجب عليه أن يُخرجها فورًا، دون تأخير؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ حيث دلَّ مفهوم الزمان على عدم جواز تأخير إخراج زكاة الحبوب والثمار عن يوم حصاده؛ ولأن الأمر مطلق فيقتضي الفور، وغير الثمار والحبوب مثلها؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيهما: قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ حيث إن الأمر مطلق، فيقتضي الفور، الثانية القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الوفاء بالنذر المطلق وإخراج كفارة اليمين، يجب أن يكونا على الفور فكذلك إخراج الزكاة مثلهما والجامع: الإسراع في إبراء =
стр. 983
نفسه، أو ماله ونحوه، وله تأخيرها لأشدِّ حاجة، وقريب، وجار، ولتعذُّر إخراجها من المال لغيبة ونحوها (٣) (فإن منعها) أي: الزكاة (جحدًا لوجوبها: كفر عارف بالحكم) وكذا: جاهل عرف فعُلِّم وأصرَّ، وكذا: جاحد وجوبها ولو لم يمتنع من أدائها (وأخذت) الزكاة (منه وقُتل)؛ لردَّته بتكذيبه لله ورسوله بعد أن يُستتاب ثلاثًا (أو بخلًا) أي: ومن منعها بخلًا من غير جحد: (أخذت منه) فقط قهرًا كدين الآدمي، ولم يُكفَّر (وعُزِّر) إن علم تحريم ذلك، وقوتل إن احتيج إليه، ووضعها
الذمة؛ والأمر يقتضي الفورية في كل، ثانيهما: كما أن ساعي الزكاة - وهو: جامعها من قبل الإمام - إذا طالب المالك بالزكاة فيجب عليه أن يدفعها له فورًا، فكذلك يجب أن يُخرجها فورًا بسبب طلب الشارع لها بدون ساع، والجامع: الطلب في كل الذي يقتضي الفورية فإن قلتَ: لمَ وجب إخراجها على الفور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط المالك لدينه، والإسراع في إبراء ذمته منها، وقضاء حاجة الفقير؛ لأن حاجته ناجزة.
(٣) مسألة: يُستحب تأخير أداء الزكاة لمصلحة ضرورية أو حاجية اقتضت تأخيرها كمرض، أو غيبة مال - بسبب كونه ليس عنده - أو خشي المالك من لصوص إن علموا مقدار زكاته، أو خشي إن أخرجها بنفسه أن يأتي إليه ساعي الزكاة فيأخذها منه مرة أخرى، أو قصد بتأخيرها أن يعطيها أشدَّ الناس حاجة لها، أو أن يعطيها جاره، أو قريبه المستحقين لها، أو مُنع التصرف فيها أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا التأخير فيه دفع ضرر عن المالك، أو جلب مصلحة حاجية له في دنياه أو آخرته، فشرع ذلك من أجلها، أصله: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". [فرع]: مقدار التأخير الذي استُحب في أداء الزكاة: مدَّة لا تزيد عن شهر؛ للتلازم؛ حيث إن الشهر هو أقصى مُدَّة يرجع فيه الناس، أو تُسدَّد فيها الديون، أو يزول الضرر فيها غالبًا: فلزمت.
стр. 984
الإمام في مواضعها، ولا يكفر بقتاله للإمام (٤)، ومن ادَّعى أداءها، أو بقاء الحول،
(٤) مسألة: إذا منع شخص زكاة ماله: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان عارفًا بحكمها، ولكنه جحده وأنكره: فيُطبَّق عليه أحكام المرتدِّ، فيُستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب ودفع الزكاة: تُرك، وإن لم يتب: أخذت منه الزكاة، وقُتل؛ وكذا: يُفعل فيمن كان جاهلًا بحكم الزكاة فعُلِّم إياه، وأصرَّ على عدم دفعها؛ لإجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن أبا بكر ﵁ قد قاتل مانعي الزكاة، ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة، فإن قلتَ: لمَ يُستتاب؟ قلتُ: لما ذكرناه فيمن جحد وجوب الصلاة في مسألة (١٥) من باب "حقيقة الصلاة وحكمها" من كتاب الصلاة، فإن قلتَ: لمَ يُقتل إذا لم يتب؟ قلتُ: لارتداده عن الإسلام: نظرًا لتكذيبه لله ورسوله، فيُقتل؛ لئلا يؤثِّر على غيره، فإن قلتَ: لمَ أخذت الزكاة منه مع أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام؟ قلتُ: لأن الزكاة قد استقرَّت في ذمَّته قبل الحكم بكفره فأصبحت من حقوق الفقراء، فإن قلتَ: لمَ يُعلَّم بحكم الزكاة إن كان جاهلًا؟ قلتُ: لكونه معذورًا بجهله فلا يؤاخذ به؛ قياسًا على النسيان والخطأ الوارد في قوله ﷺ : "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان .. " ثانيًا: إن كان عالمًا بحكم الزكاة، ومُقرًا به، ولكنه امتنع من دفع الزكاة بُخلًا: فلا يحكم بكفره، وتُؤخذ منه قهرًا، ثم يُعزِّره ويؤدِّبه الإمام بما يراه مناسبًا، فإن امتنع عن دفعها: فللإمام - الذي يقوم بمصالح المسلمين -: أن يقاتله، ولا يكفر هذا البخيل بسبب مقاتلته؛ للقياس، بيانه: كما أن الدَّين يُؤخذ من المدين قهرًا إذا امتنع عن الوفاء به فكذلك الزكاة تؤخذ من البخيل هذا، والجامع: أن كلًا منهما حقٌّ يجب أن يُخرج ويُعطى أصحابه، فإن قلتَ: لمَ لا يكفر هذا البخيل إذا قاتل الإمام؟ قلتُ: لكونه مُعتقدًا وجوب الزكاة، وهو يُقاتله دفاعًا عن نفسه، فإن قلتَ: لمَ يُعزَّر؟ قلتُ: لأنه أخَّر الزكاة عن مستحقيها.
стр. 985
أو نقص النصاب، أو أن ما بيده لغيره ونحوه: صُدِّق بلا يمين (٥) (وتجب) الزكاة (في مال صبي ومجنون)؛ لما تقدَّم (فيُخرجها وليُّهما) في مالهما كصرف نفقة واجبة عليهما: لأن ذلك حق تدخله النيابة، ولذلك صحَّ التوكيل فيه (٦) (ولا يجوز
(٥) مسألة: إذا طولب مسلم بأن يُزكِّي على ما عنده من أموال فقال: "إني قد دفعتها أو أن النصاب ناقص، أو أن الحول لم يتم، أو أن هذا المال ليس له" أو قال غير ذلك مما يمنع الزكاة فإنه يُصدَّق، ولا يُطلب منه اليمين على ذلك؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلم الصدق، فيُستصحب ذلك ويعمل به إن لم يتبين ما يدل على خلافه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو طُلب من كل مسلم اليمين على كل ما ادَّعاه: للحق كثيرًا من المسلمين المشقة.
(٦) مسألة: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون - إذا بلغ النصاب وتمَّ عليه حول -، ويتولَّى إخراج ذلك وليُّهما؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنهما لو أتلفا شيئًا أخذ ثمن ما أتلفاه من مالهما فكذلك الزكاة تُؤخذ من مالهما، والجامع: أن كلًا منهما حق لآدمي، فيجب أن يُخرج هذا الحق، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر وابنه، وعلي، جابر، والحسن وعائشة ﵃ كانوا يُخرجون الزكاة من مالهما، فإن قلتَ: لمَ وجبت في مالهما مع أنهما غيرُ مكلَّفين؟ قلتُ: لأن الزكاة مُتعلِّقة بالمال، لا بالشخص، فإذا بلغ النصاب وحال عليه الحول: فيجب إخراج زكاته بصرف النظر عن مالكه من باب الحكم الوضعي، لا التكليفي وقد بينتُ ذلك في كتابي: "إتحاف ذوي البصائر" و"المهذب"، فإن قلتَ: لمَ يقوم الولي بإخراج الزكاة؟ قلتُ: لأن إخراج الزكاة لا بدَّ فيه من نية، والصبي والمجنون لا تصح منهما نية؛ فنية الولي تكفي عنهما؛ لكونه يُعتبر وكيلًا عنهما، ومعروف: صحة الوكالة والنيابة في الأموال كنفقة الأقارب والزوجات، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات.
следующие страницы →