← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

سمع من جعفر الهمذاني، وعلي بن زيد التسارسي، سمع عليه الثالث من الثقفيات وسمع الدعاء للمحاملي على جعيفر، وسمع من ابن رواج. وسمع منه الواني، وشيخنا أبو الفتح بن سيد الناس، وابن ربيع المصغوني، وسمع منه شيخنا الذهبي خمس مجالس تعرف بالسلماسية. وكان له بصر بالشروط، وأمره في العدالة مضبوط، وله فيها تقدم وشهرة، وخبرة فيها قد جمل به دهره. وتفرد بأجزاء عالية سلفية رواها، وملك زمام أمرها وحواها، وشفى بروايتها من النفوس جواها. ولم يزل على حاله إلى أن فرغ من حياته وعاؤها، وأجيب في منيته دعاؤها. وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة. عبد الرحمن بن مسعود بن أحمد العلامة شيخ الحنابلة، شمس الدين ابن قاضي القضاة، سعد الدين الحارثي المصري الحنبلي. سمع من العز الحراني، وغازي، وبدمشق من الفخر علي وجماعة. وأخذ النحو عن الشيخ بهاء الدين بن النحاس، والأصول عن ابن دقيق العيد. وحج غير مرة.

стр. 1472

وكان يدرس بمدارس كبار، وإذا جرى في حلبة المناظرة لا يعلق الريح له بغبار. مع الوقار الجميل، والسمت الذي لبس له فيه عديل. وصدق اللهجة، وعفاف المهجة، والديانة التي رأس بها وتصدر، والصيانة التي تصبب بها نوه وتحدر. ولم يزل على حاله إلى أن نبش من الحارثي قبره، وعدم من صاحبه عليه صبره. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة سادس عشري ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة إحدى وسبعين وست مئة. عبد الرحمن بن موسى هو الملك أبو تاشفين، ابن الملك أبي حمو، بالحاء المهملة والميم المشددة والواو، ابن الملك أبي عمرو عثمان ابن السلطان يغمراسن بن عبد الواد الزناتي المغربي البربري صاحب تلمسان. كان شجاعاً حازماً، موقناً بالشر جازماً، جبروته زاد عن الحد حتى كذبه العقل وأباه، وناهيك بمن تجرأ وما اتجرى وقتل أباه. وكان قد نظر في فنون العلم مدة، وأنفق فيها من عمره عدة، وتفقه على ابني الإمام، وفدت سيرته ونسي ورد الحمام. ويحكى عنه في دولته قبائح، أما الراوي لها فكاتم وأما التاريخ لها فبائح. قصده سلطان المغرب أبو الحسن المريني وحاصره مدة طويلة وأنشأ في المنزلة

стр. 1473

مدينة كبيرة، وطال الأمر إلى شهر رمضان، فبرز أبو تاشفين في أبطاله لكبسه ومكيدة يعملها فانعكست عليه، وركب جيش أبي الحسن وحملوا حتى دخلوا من باب تلمسان وقتلوه على ظهر جواده في سنة سبع وثلاثين وسبع مئة. وكان الحصار نحو سنتين وأكثر. وطيف برأسه في المغرب، ثم دفن مع جسده عند آبائه بتلمسان. وكان جد السلطان أبي الحسن قد نازل تلمسان أيضاً سنوات ومات وهو يحاصرها سنة بضع وسبع مئة. عبد الرحمن بن موسى بن عمر تاج الدين الناسخ، عرف بابن المناديلي، ووالده بدر الدين بن أبي الفضل. كان ينادي يوم الجمعة على الكتب، ويأخذ رزقه فيها من بني الخطية السلب، ونسخ كثيراً من الدواوين الصغيرة الرائقة، والأشعار التي بالغزل والنسيب لائقة. وقطعت في غير جناية يمينه، وبقي رحمة لا يجد من يعينه. وكتب بعد قليل بشماله، وقاتل على ذلك لأن الخط كان رأس ماله. وكان يعتذر في آخر الكتاب أنه بيده اليسرى، ليعذره من كان بذكره مغرى. وكان خطه أبهج من خميلة، وأرهج من الطلعة الجميلة. ولم يزل على حاله إلى أن غص بالشجى، ولم يجد من يد الموت مخرجاً. وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبع مئة. ووصل إلى السبعين. وكان قد وصل إليه القباري واليعفوري، وكتب لهما كتاباً، وكان ذلك مرافعة

стр. 1474

في حق الأفرم، فأمسكوا، وأفتى الشيخ زين الدين الفارقي بقطع يديه، وتوسيط الآخرين، فقطعت يده. وقد تقدم ذكر هذه الواقعة في ترجمة الشيخ أحمد القباري في آخر الأحمدين فتكشف من هناك. ولما قطعت يده قال للأفرم: يا خوند قطعت يدي لأجل درهمين، هذان دفعا إلي درهمين وقالا: اكتب هذا الكتاب، فرق له الأفرم، وأعطاه جملة دراهم، وأظنه رتب له شيئاً، وكان التاج المذكور مغرى بكتابة ديوان ابن الفارض والحاجري وغيره من هذه الدواوين الصغار، ويكتب كثيراً بكتاب الدرة المضية في اللغة التركية، وهذه الكتب موجودة بين ظهراني الناس، وخطه معروف. وكان يقول: عمري ما وقع في أذني ألذ من قول الأفرم: وهذا اقطعوا يده، لأنه رسم قبل ذلك بتوسيط القباري واليعفوري المذكورين. وكان قد أسن، ووقعت أسنانه، وكان يمشي وفي جنبه جرن خشب، ويدق، حتى يدق الخيارة والقيثاءة والتفاحة والسفرجلة والكمثري وغير ذلك. ووجد بعد موته سماعه مشيخة العفيف محمد بن زكريا بن رحمة. عبد الرحمن بن نصر ابن عبيد المفتي الإمام زين الدين الفدمي السوادي الصالحي الحنفي. سمع المرسي، وسبط بن الجوزي، وخطيب مردا، وإبراهيم البطائحي، والرشيد العراقي، واليلداني، وعدة. كان له في الفقه بصر حديد، وفي الشروط نظر ما لخصمه عنه محيد. شهد تحت

стр. 1475

الساعات، وأنفق عمره في الطاعات، إلى أن عجز وانقطع، ولمع برق ضعفه وسطع. وكان يعبر الرؤيا، ويأتي في كلامه بما هو الغاية العليا. ولم يزل إلى أن جف عوده، وزمجرت بالنزاع رعوده. وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وله ست وثمانون سنة. وانقطع بمدرسة الأسدية لما عجز عن التوجه إلى مكان الشهود. عبد الرحمن بن يوسف ابن محمد الشريف الخطيب الإمام العالم، الزاهد الفاضل جمال الدين أبو البقاء الحراني، خطيب المسجد الأقصى. كان صاحب فضائل وفنون، ولي الخطابة بالأقصى بعد قاضي القضاة، بدر الدين بن جماعة. توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبع مئة. عبد الرحيم بن إبراهيم ابن إسماعيل بن أبي اليسر التنوخي، تاج الدين أبو الفضل. سمع من جده أبي محمد كثيراً، وأجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بدمشق.

стр. 1476

عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله قاضي القضاة نجم الدين الجهني البارزي الشافعي الحنفي، حفيد قاضي القضاة شيخ الإسلام شرف الدين، الحاكم بحماة، وسيأتي ذكر جده هبة الله في حرف الهاء في مكانه. توفى القضاء نجم الدين هذا بحماة لما ترك قاضي القضاة جده المنصب وقد أضر. وقد كان إبراهيم والده توفي في حياة والده شرف الدين. ولم يكن في عصر نجم الدين هذا أحد من قضاة القضاة أقدم منه في هذا المنصب شاماً ومصراً مدة تزيد على الثلاثين سنة. وكان ساكناً خيراً قائماً بوظيفته على مات يجب. ورأيته بحماة غير مرة. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبع مئة. عبد الرحيم بن أبي بكر مجد الدين الجزري الفقيه النحوي الصوفي. كان قائماً بمعرفة النحو، هائماً في محبة أدته سكرتها إلى عدم الصحو. وكانت له حلقة اشتغال، يجالس إليه فيها من هو في محبته متغال. وفيه مع ذلك عشرة وانطباع زائد، وكيس لا يحتاج معه في المحبة إلى رائد. ولكنه ابتلي بحب شاب شيب فوده، وحسن إلى الهلاك قوده، فكان إذا رآه ترعد فرائضه عشقاً وصبابة، ويود لو نال من عظيم وصاله صبابة. فقويت عليه سوداؤه، وتحكم منها فيه داؤه. فأغلق الخانقاه الشهابية عليه، وطلع إلى سطحها وألقى بنفسه إلى الطريق فمات، وأنزل

стр. 1477

بنفسه من أعاديه الشمات. وكان يوم جمعة، وقت الصلاة، ثاني عشر شهر رمضان سنة ثمان وتسعين وست مئة. عبد الرحيم بن عبد الرحمن ابن نصر الموصلي، الشيخ الإمام نجم الدين بن الشحام الشافعي. أكثر الأسفار، ومطالعة الأسفار. واشتغل ببغداد وتميز، وانزوى إلى سراي وتحيز. وأقام بها مدة، وأنفق فيها من العمر جده. وقدم دمشق سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وولي مشيخة القصر. ودرس بالجاروخية والظاهرية البرانية. ولم يزل إلى أن ذاب بالأسقام شحمه، وسبك في القبر لحمه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة. وله ثمان وسبعون سنة. وكان فقيهاً طبيباً. وكان قد ولي تدريس الظاهرية البرانية، ثم أضيف إليه تدريس الجاروخية ومشيخة خانقاه القصر. عبد الرحيم بن عبد العليم الدندري، بدال مهملة أولى ودال ثانية بينهما نون وبعد الدال الثانية راء، المعروف بالفصيح.

стр. 1478

مدح الأكابر، واستجدى بشعره، وسامحهم فيه بترخيص سعره. وكان خفيف الروح، قانعاً بما تيسر من الفتوح. ولم يزل على حاله إلى أن خرس الفصيح، وبكاه صاحبه بجفنه القريح. قال الفاضل كما الدين الأدفوي: توفي سنة أربع وسبع مئة ظناً. وأورد له في تاريخ الصعيد قصيدة مدح بها الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، منها: أيا سيداً فاق كل البشر ... ومن علمه في الوجود انتشر ويا بحر علم غدا فيضه ... لوارده من نفيس الدرر أيادي ندى عمنا جودها ... كما عم في الأرض جود المطر وفي روض أيامك المونقات ... أنزه طرف المنى بالنظر عبد الرحيم بن عبد المنعم ابن عمر بن عثمان، الإمام المفتي الزاهد، جمال الدين، أبو محمد الباجربقي، بباء موحدة وبعد الألف جيم وراء وباء أخرى وقاف، الموصلي الشافعي. شيخ فقيه محقق، نبيه مدقق، نقال، عارف بالوجود والطرق والأقوال. له حلقة اشتغال تحت قبة النسر إلى جانب البرادة، كل فاضل قد جعل إليها ترداده. اشتغل بالموصل وأفاد، وبدأ بالفضل في دمشق وأعاد.

стр. 1479

وكان طويلاً، عليه مهابة، ساكناً كثير الرجوع والإنابة، كثير الصلاة والذكر، والخشوع والفكر. ولم يزل على حاله إلى أن بلغ عمره حده، وجعل اللاحد على الأرض خده. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة في شوال. وكان قد خطب الجامع الأموي نيابة، ودرس بالغزالية نيابة. وولي تدريس الفتحية، وحدث ب؟ جامع الأصول لابن الأثير عن واحد عن المصنف. وله نظم ونثر ووعظ. وقد نظم كتاب التعجيز فعمله برموز. وهو والد الشيخ محمد الآتي ذكره في مكانه، إن شاء الله تعالى، صاحب تلك العجائب. ومن شعره:.... عبد الرحيم بن علي ابن هبة الله الأسنائي الصوفي. كان من أصحاب الحسن بن الشيخ عبد الرحيم القنائي. وكان نحوياً شاعراً، لغوياً ماهراً. جمع في النحو كتاباً سماها المفيد، وقال: " هذا ما لدي عتيد ".

стр. 1480

ولم يزل إلى أن نحاه البلى، وجر ذيله إليه مسبلاً. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة. ومن شعره: أهاجك برق بالمدينة يلمع ... وبيض يعاليل سوار وطلع تراهن يهمين الحيا فكأنه ... على وجنات الأرض در مرصع كأن عراها عندما مسها الحيا ... سحيقة مسك نشره يتضوع على جنبات الغدر زهر تفتقت ... لها في شعاع الشمس لون منوع عبد الرحيم بن علي بن الحسن ابن الفرات عز الدين الحنفي. اجتهد في مذهبه واشتغل، ودخل في مضائقه ووغل، وبرع في الفقه وأفتى، وسلك طريقاً " لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا " وانتهت إليه رياسة الإفتاء والإشغال، ودرس وأعاد وأتى بكل نفيس غال. وكان قد سمع من قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وأبي عبد الله بن القماح، وعبد الله الصنهاجي. وتفقه على محيي الدين الدمشقي، وقاضي القضاة شمس الدين الحريري، والشيخ علاء الدين القونوي.

стр. 1481

ودرس بالحسامية بالقاهرة وبتربة الحريري بالقرافة، وأعاد بالمدرسة المنصورية وغيرها، وناب في الحكم بمصر. وبطل ذاك إلى أن أصبح ابن الفرات رفاتاً، وأمسى شخصه تحت الأرض كفاتاً. وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في المدرسة الصالحية بين القصرين سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ومولده سنة ثلاث وسبع مئة. عبد الرحيم بن محمد ابن يوسف السمهودي، الخطيب بسمهود. كان فقيهاً شافعياً، أديباً نحوياً. رحل إلى دمشق، واجتمع بمحيي الدين النووي وحفظ منهاجه، وجعل إلى هذا الكتاب معاده ومعاجه. وكان لضيق رزقه. وما هو عليه من حذقه يتحيل على ما يتقوت به بأنواع من الحيل، ويقول إذا جاءه طوفان الحرمان: " سآوي إلى جبل " وكان يقرئ النحو والعروض والأدب بسمهود، ويأتي على ذلك بما هو من الشواهد مشهور ومشهود.

стр. 1482

ولم يزل على حاله إلى أن رقا الخطيب منبر نعشه، وفسد ولم يعط جناية أرشه. وتوفي رحمه الله تعالى بسمهود سنة عشرين وسبع مئة. وكان قد قرأ الفقه على الزكي عبد الله السيرناوي. وأقام بالقاهرة مدة. قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: حكى لي ﵀ أن كان بالقاهرة تحصل له ضائقه، وتلجئه الحاجة والفاقة، فيأخذ ورقاً ويكتب فيه قلفطيريات ويعتقه ويبيعه بشيء له صورة. قال: وحكي لي ذلك أيضاً شيخنا أثير الدين وكان صاحبه. وكان ظريفاً لطيفاً جارياً على مذهب أهل الأدب في حب الشراب والشباب والطربق، وكان ضيق الخلق، قليل الرزق، اجتمعت به كثيراً. وله خطب ورسائل، ومن شعره: يا مالكي ذلي لحسنك شافعي ... فاشفع هديت الحسن بالإحسان من قبل أن يأتي ابن حنبل آخذاً ... من وجنتيك شقائق النعمان ومنه: وافي نظامك فيه كل بديعة ... أخذت من الحسن البديع نصيباً

стр. 1483

فلقد ملكت من البلاغة سرها ... وحويت من فن البديع غريبا ونصبت من بيض الطروس منابراً ... أضحى يراعك فوقهن خطيبا تبدي ضروب محاسن لسنا نرى ... بين الورى يوماً لهن ضريبا ومنه: وروض حللنا من حماه خمائلاً ... ينبه منه النشر غير نبيه تغنت لنا الأطيار من كل جانب ... بمرتجل نختاره وبديه وأضحى لسان الزهر فوق غصونها ... يخبر بالسر الذي هو فيه ومنه: كأنما البحر إذ مر النسيم به ... والموج يصعد فيه وهو منحدر بيضاء في أزرق تمشي على عجل ... وطي أعكانها يبدو ويستتر ومنه: قال لي من هويت شبه قوامي ... وقد اهتز بالجمال دلالا قلت: غصن على كثيب مهيل ... صافحته النسيم فمالا ومنه قصيدة يمدح بها المظفر صاحب اليمن: هم القصد إن حلوا بنعمان أو ساروا ... وإن عدلوا في مهجة الصب أو جاروا تعشقتهم لا الوصل أرجو ولا الجفا ... أخاف وأهل الحب في الحب أطوار

стр. 1484

وآثرتهم بالروح وهي حبيبة ... إلي، وفي أهل المحبة إيثار وهل سحر ولى بنعمان عائد ... فكل ليالينا بنعمان أسحار عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم ابن علي تقي الدين البمباني - بالباء الموحدة. وبعدها ميم وباء أخرى، وألف بعدها، ونون - وبمبان قرية بأسوان. قرأ النحو والأدب على الشمس الرومي. وكان فاضلاً أديباً، نحوياً أريباً، خفيفاً ظريفاً، متعاً لطيفا، ينظم البلاليق، ويجيد الاختيارات والتعاليق. ولم يزل على حاله إلى أن بلغ غايته، ونكس الموت رايته. وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس أو ست وسبع مئة. ومن نظمه يمدح طقصبا والي قوص: لعلا جنابك كل أمر يدفع ... وإليك حقاً كل خطب يرفع ومنها: ما كان يفعله الشجاعي سالفاً ... في مصر في أسوان جهراً يصنع

стр. 1485

وضاعت له سكين فوجدها مع ابن المصوص الأسنائي، فقال فيه: إنك قذارى في اللصوص ... يا بن المصوص خنيجري كان في الطبق ومنتصر في القول صدق وأنت خذته بالسبق ... لعب الفصوص عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحمن ابن عمر بن أحمد القزويني الأصل، الدمشقي الدار، تاج الدين، خطيب الجامع الأموي، ابن قاضي القضاة جلال الدين تقدم ذكر أخيه جمال الدين عبد الله، وسيأتي ذكر أخيه الخطيب بدر الدين محمد وذكر والده وذكر عمه وجماعة من بيتهم إن شاء الله تعالى. كان أعلم، وهو بمخارج الحروف من إخوته أعلم. فكنت أعجب من ألفاظه الفصيحة، وخطابته المليحة. وكان يخطب بلحن، ويورد خطبته بلا لحن. ويقرأ طيباً في محرابه، ويأتي من نعمة النغمة بما هو أحرى به. وكان يتعاجم في كلامه تشبهاً بأبيه، دون إخوته وذويه. وكان العوام يحبونه، ويؤثرونه على من سواه ويختارونه. وعزل من الخطابة، ثم أعيد إليها رحمة له وإطابة.

стр. 1486

ولم يزل على حاله إلى أن صلي عليه، وامتدت يد البلى إليه. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء، ثامن ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق، بصق دماً على العادة. وخرج جنازته ومعها خمس جنائز من بيته فيما أظن أو أكثر، لأنه مات منهم في جمعة جماعة. لما مات أخوه الخطيب بدر الدين محمد، ولي الأمير علاء الدين ألطنبغا الخطابة للعلامة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى، وباشر الخطابة إلى أن ملك الفخري دمشق، فولي الخطابة لتاج الدين هذا. وكتبت له توقيعاً من رأس القلم ارتجالاً، جاء أوله: " الحمد لله الذي رفع تاج الدين على رأس المنابر، وأنطق بأوصافه ألسنة الأقلام في أفواه المحابر.. ". ولما طلب قاضي القضاة إلى مصر في أيام الصالح إسماعيل تولى الخطابة من هناك، وكان يطلع على المنبر ويجلس قبل الخطبة ويبكي ويقول: هذا السبكي قد أخذ الخطابة وقطع رزقنا، فكان يرق العوام له، ويبكون معه. ولما جاء قاضي القضاة إلى دمشق نزل له عنها، فاستمر تاج الدين يخطب بالجامع الأموي من سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة إلى أن توفي في سنة تسع وأربعين وسبع مئة. وكان خطيب جامع بشتاك الذي على بركة الفيل، وهو أول من خطب به، وكان معه بدمشق تدريس المدرسة الشامية الجوانية وتصدير بالجامع الأموي. وقرأ كثيراً من العربية على الشيخ الإمام بهاء الدين بن عقيل وكثيراً من الأصول على العلامة الشيخ شمس الدين الأصبهاني.

стр. 1487

ولم يكن له يد في شيء من العلوم، وتأسف الناس لموته، وكانت جنازته حافلة، ولم يبلغ الأربعين. عبد الرحيم بن علي ابن حسين بن مناع المعمر الصالح زين الدين التكريتي الدمشقي التاجر. حدث بالصحيح غير مرة عن ابن عبد الدائم. وكان مهيباً نبيلاً، منور الشيبة، كريم الأخلاق أقعد في أواخر عمره. وتوفي رحمه الله تعالى بالصالحية في سنة خمس وأربعين وسبع مئة. ومولده في شهر رمضان سنة اثنتين وستين وست مئة. عبد الرحيم بن يحيى ابن عبد الرحيم بن المفرح بن المسلمة، الأموي، الشيخ الفقير أبو محمد بن المحدث الدمشقي الكوافي. حضر السخاوي، وعتيقاً السلماني، وعمر بن البراذعي، وسمع كثيراً من عم أبيه الرشيد بن مسلمة، والسديد بن علان، وعدة. وحدث وكتب في الإجازات في أيام ابن أبي اليسر، وحفظ القرآن. وكان يعمل الكوافي، ويقرأ على الترب. وخرج له شيخنا علم الدين البرزالي مشيخة سمعها منه شيخنا الذهبي والجماعة.

стр. 1488

وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع عشرة وسبع مئة. ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة. عبد الرزاق بن أحمد ابن محمد بن أحمد بن الصابوني، الشيخ الإمام المحدث المؤرخ الإخباري النسابة الفيلسوف الأديب، كمال الدين الشيباني بن الفوطي البغدادي، صاحب التصانيف. أفرد له شيخنا الذهبي ترجمة تخصه في جزء، ذكر أنه من ولد معن بن زائدة الأمير. اشتغل في علوم الأوائل، وحظي منها بكل طائل. وعبث بالنظم وبالنثر وتأدب، وأتقن ذاك وتهذب. ثم إنه صنف التواريخ المفيدة، وكانت له يد في ترصيع التراجم مجيدة، وذهنه في جميع ذلك سيال، وإلى كل فن ميال. وأما خطه فلم أر أقوى منه ولا أبرع، ولا أسرى ولا أسرع، خط فائق، رائع رائق، بديع إلى الغاية في تعليقه، لو أنه ريح لسابق الرياح في يومه إلى تخليقه، وكان يكتب في كل يوم أربع كراريس، ويأتي بها أنقش وأنفس من ذنب الطواويس. أخبرني من رآه قال: ينام ويضع ظهره على الأرض ويكتب ويداه إلى جهة السقف. ولم أر له بعد هذا خطاً إلا وهو عجب، وقد أجاز لشيخنا الذهبي مروياته. ولم يزل على حاله إلى أن فرط أمر الفوطي، وديس خده تحت الأرض ووطي.

стр. 1489

وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث المحرم سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة. كان قد أسر في كائنة بغداد، ثم إنه صار إلى النصير الطوسي سنة ستين، واشتغل عليه بعلوم الأوائل، وباشر كتب خزانة الرصد بمراغة أزيد من عشرة أعوام، وهي على ما قيل أربع مئة ألف مصنف، والأصح أن تكون أربع مئة ألف مجلد. ولهج بالتاريخ، واطلع على كتب نفيسة. ثم إنه تحول إلى بغداد وصار خازن كتب المستنصرية، فأكب على التصنيف، وسود تاريخاً كبيراً جداً، وآخر دونه، سماه: مجمع الآداب في معجم الأسماء على الألقاب، في خمسين مجلداً، المجلد عشرون كراساً. وألف كتاب: درر الأصداف في غرر الأوصاف مرتب على وضع الوجود من المبدأ إلى المعاد، يكون عشرين مجلداً، وكتاب: تلقيح الأفهام في المختلف والمؤتلف مجدولاً، والتاريخ على الحوادث إلى خراب بغداد. والدرر الناصعة في شعر المئة السابعة. قال: ومشايخي الذي أروي عنهم ينيفون على الخمس مئة شيخ، منهم: الصاحب محيي الدين بن الجوزي، والأمير مبارك بن المستعصم بالله حدثنا عن أبيه بمراغة، وحلف ولدين. وله شعر كثير بالعربي وبالعجمي. عبد الرزاق بن أحمد بن عبد الله ابن الزبير، الخطيب، تقي الدين ابن الشيخ العلامة شمس الدين أحمد الخابوري، خطيب حلب وابن خطيبها.

стр. 1490

توفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وسبع مئة، في أوائلها. وولي الخطابة بعد قاضي القضاة شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام الشافعي المعروف بالدمشقي. عبد الرزاق بن علي ابن سلمي بن ربيعة الفقيه، المحصل جمال الدين بن القاضي ضياء الدين الشافعي. كان اشتغل وتعب، وحفظ الوجيز وحفظ كتابين في الطب، وأقام مدة بالباذرائية. وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشر شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة. عبد السلام بن محمد ابن مزروع بن أحمد، الإمام المحدث القدوة، عفيف الدين أبو محمد البصري الحنبلي. حدث عن المؤتمن ابن قميرة، وفضل الله الجيلي، وجاور بالمدينة أكثر عمره، خمسين سنة، وحج أربعين حجة منها متوالية. وكان من خيار الشيوخ. سمع منه شيخنا علم الدين البرزالي، وله نظم.

стр. 1491

وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة. ومولده سنة خمس وعشرين وست مئة. وكانت وفاته بالمدينة الشريفة. وقرأ عليه علم الدين البرزالي مشيخة ابن شاذان الكبرى بدمشق ثم قرأها عليه بالحجاز في رابغ وخليص، وقرأ عليه بالمدينة ثلاثة أجزاء، وهي: الخامس من حديث الحمامي، والثاني والثالث من حديث أبي الأحوص. الألقاب والنسب ابن عبد السلام: خطيب العقيبة ناصر الدين أحمد بن يحيى. ومحيي الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز. عبد السيد بن إسحاق بن يحيى الحكيم الفاضل بهاء الدين ابن المهذب، الطبيب الكحال. كان من قبل ديان اليهود، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، وتعلم القرآن وجالس العلماء. وكان طبيباً فاضلاً. توفي رحمه الله تعالى في سادس جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.

стр. 1492

عبد الصمد بن عبد اللطيف ابن محمد بن محمد بن نصر الله، الصدر، الرئيس، الأصيل، بهاء الدين أبو القاسم بن الشيخ الخطيب بدر الدين بن المغيزل الحموي. كان رجلاً جيداً، له ثروة وتجارة، وقد سمع على جماعة، وحدث ببلده وبطريق الحجاز وولي الوزارة بحماة، ثم تركها. ولما مات أخوه الخطيب معين الدين ولي الخطابة بحماة مكانه، فبقي سنة ومات في ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وعشرين وسبع مئة. الألقاب والنسب ابن عبد الظاهر: كمال الدين علي بن أحمد والقاضي علاء الدين علي بن محمد. عبد العزيز بن أحمد ابن عثمان، الإمام البارع، الرئيس عماد الدين، أبو العز الهكاري المصري الشافعي قاضي المحلة، ويعرف بابن خطيب الأشمونين. كان من الرؤساء النبلاء، والفقهاء والعلماء، له معرفة وفهم، وحكم ينفذ نفوذ السهم، مع رياسة وسؤدد، وتؤدة وقعدد. له اعتناء بالحديث واهتمام، وله تصانيف مليحة الترتيب والنظام. وكان يتواضع مع رفعته، ويتدانى على سعة رقعته.

стр. 1493

حج مرات، وفاز بما شاء من مبرات. وذكر لقضاء دمشق بعد ابن صصرى، ولم يرض بها لسكنه قصراً. ولم يزل على حاله إلى أن ولي قاضي المحلة محلة الأموات، وأصبح وقد خلت بأهله المثلات. وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة. وكان قد سمع من عبد الصمد بن عساكر، وغيره. وله تصانيف وأدب وشعر، ومن تصانيفه الكلام على حديث الأعرابي الذي واقع أهله في شهر رمضان، واستنبط منه ألف حكمة. عبد العزيز بن أحمد بن شيخ السلامية القاضي الرئيس فخر الدين. باشر الحسبة بدمشق في يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى تسع عشرة وسبع مئة عوضاً عن القاضي بدر الدين بن الحداد، وولي ابن الحداد نظر الجامع الأموي، ولبسا تشريفيهما. عبد العزيز بن إدريس ابن محمد بن أبي الفرج المفرح بن إدريس، الشيخ عز الدين أبو محمد، وأبو بكر

стр. 1494

أيضاً ابن الشيخ الإمام المحدث تقي الدين بن مزيز التنوخي الحموي، أخو الشيخ تاج الدين أحمد، وقد تقدم ذكره في الأحمدين. روى جزء ابن عرفة عن شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز، وسمع بالقاهرة من إسماعيل بن عزون عدة أجزاء تفرد ببعضها في الشام. وتوفي رحمه الله تعالى سلخ المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة بحماة. ومولده سنة ثمان وأربعين وست مئة. ولما توفي صلى عليه أخوه الشيخ تاج الدين، ودفن بمقبرة الباب القبلي ظاهر حماة. عبد العزيز بن عبد الحق ابن شعبان بن علي بن الشياح عز الدين أبو محمد الأنصاري الدمشقي. روى عن ابن عبد الدائم، وسمع من عبد الله الخشوعي. توفي بقرية يبرود، وحمل على الأعناق إلى تربة والده، وتوفي رحمه الله تعالى سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبع مئة. عبد العزيز بن سرايا ابن علي بن أبي القاسم بن أحمد بن نصر بن أبي العز بن سرايا بن باقي بن

стр. 1495

عبد الله بن العريض، الإمام العلامة، البليغ، المفوه، الفاضل، الناظم، الناثر، شاعر عصرنا على الإطلاق، صفي الدين الطائي السنبسي الحلي. شاعر أصبح به راجح الحلي ناقصاً، وكان سابقاً فأصبح على عقبه ناكصاً. أجاد القصائد المطولة والمقاطيع، وأتى بما أخجل زهر النجوم في السماء، فما قدر زهر الأرض في الربيع؟ تطربك ألفاظه المصقولة ومعانيه المعلولة، ومقاصده التي كأنها سهام راشقة أو سيوف مسلولة. يغوص على المعاني ويستخرج جواهرها، ويصعد بمخيلته الصحيحة إلى السماء ويلتقط زواهرها. كلامه السحر إلا أنه خلال، ولفظه على القلب الظمآن ألذ من الماء الزلال. تلعب بالمعاني كما يتلعب النسيم بالأغصان اللدان، وولد بعضها من بعض كما يتولد الضرج من الخجل في خدود الولدان، مع بديع ما سمع بمثله البديع، وترصيع ما ألم به الصريع. وشعره مع حلاوة الديباجة، وطلاوة التركيب التي ما فرحت بها طلاء الدن ولا سلافة الزجاجة، لا يخلو من نكت أدبية ترقص المناكب، وفوائد علمية من كل فن ينقص الكواكب. عالماً بكل ما يقول، عارفاً بغرائب النقول. أجاد فنون النظم غير القريض، وأتى في الجميع بما هو شفاء القلب المريض، لأنه نظم القريض فبلغ فيه الغاية، وحمل قدامة جماعة من فحول الأقدمين الراية.

стр. 1496

وكذلك هو في الموشحات والأزجال والمكفرات والبلاليق والقرقيات، والدوبيت والمواليا، والكان وكان والقوما، ليس له في كل ذلك نظير يجاريه، ولا يعارضه ولا يباريه. وأما الشعر فجود فنونه، وصاد من بره ضبه ومن بحره نونه، لأنه أبدع في مديحه وهجوه، ورثائه وأغزاله، وأوصافه وتشبيهاته، وطردياته وحماسته، وحكمه وأمثاله، لم ينحط في شيء منها عن الذروة، ولم يخرج في مشاعرها عن الصفا والمروة. وأما نثره فهو طبقة وسطى، وترسله يحتاج في ترويجه إلى أن يعلق في أذنه قرطاً. وعلى الجملة فإنه: تملل الشعر حتى ما لذي أدب ... في الناس شين ولا غين ولا راء وكان يسافر ويتجر، ويعف في بعض الأحيان عن الاجتداء ويزدجر. وكان منقطعاً إلى الملوك الأرتقية أصحاب ماردين، وشهر مدائحهم في الصادرين والواردين. وكانت فيه شجاعة وإقدام، وقوة جنان وثبوت أقدام. ورد إلى مصر وامتدح السلطان الملك الناصر، وبز بمديحه كل متقدم ومعاصر. وعاد إلى البلاد الشرقية، إلا أنه كان شيعياً، وليس هذا الأمر في الحلة بدعياً. وكان يتردد إلى حلب وحماة ودمشق، ويعد إلى ماردين، ويعرج على بغداد. ولم يزل على حاله إلى أن كدر الموت على الصفي عيشه، وأنساه خرقه وطيشه. وتوفي رحمه الله تعالى تخميناً سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.

стр. 1497

ومولده يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وست مئة. وقلت أنا فيه: إن فن الشعر نادى ... في جميع الأدباء أحسن الله تعالى ... في الصفي الحلي عزائي وأنشدني من لفظه الشيخ جمال الدين محمد بن نباته: يا سائلي عن رتبة الحلي في ... نظم القريض وراضياً بي أحكم للشعر حليان ذلك راجح ... ذهب الزمان به وهذا قيم وكان قد دخل إلى مصر في سنة ست وعشرين وسبع مئة تقريباً، وأظنه وردها مرتين، ومدح القاضي علاء الدين بن الأثير بعدة مدائح، وأقبل عليه كثيراً، ودخل به إلى السلطان الملك الناصر، وقدم مديحه، واجتمع بالشيخ فتح الدين، وبأثير الدين، وبمشايخ ذلك العصر، ولما دخلت بعده، وجدتهم يثنون عليه. وأما الصدر المعظم شمس الدين عبد اللطيف الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، فكان يظن بل يعتقد أنه ما نظم الشعر أحد مثله لا في المتقدمين ولا في المتأخرين مطلقاً. واجتمعت أنا به في الباب وبزاعة من بلاد حلب في مستهل ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، كنا في الصيد مع الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، وأجاز لي بخطه جميع ماله من نظم ونثر وتأليف مما سمعته منه، وما لم أسمعه، وما لعله يتفق له بعد ذلك التاريخ على أحد الرائين، وما يجوز له أن يرويه سماعاً وأجازة ومناولة ووجاده بشرطه.

стр. 1498

وأنشدني من لفظه لنفسه في التاريخ والمكان: للترك مالي ترك ... مادين حبي شرك حواجب وعيون ... لها بقلبي فتك كالقوس يصمي وهذي ... تشكي المحب ويشكو وأنشدني أيضاً من لفظه لنفسه: وإذا العداة أرتك فر ... ط مذلة فإليك عنها وإذا الذئاب استنعجت ... لك مرة فحذار منها وأنشدني من لفظه لنفسه: لا غرو أن يصلى الفؤاد بذكركم ... ناراً تؤججها يد التذكار قلبي إذا غبتم، يصور شخصكم ... فيه، وكل مصور في النار وأنشدني من لفظه لنفسه: يقبل الأرض عبد تحت ظلكم ... عليكم، بعد فضل الله، يعتمد ما دار مية من أسنى مطالبه ... يوماً وأنتم له العلياء والسند وأنشدني من لفظه لنفسه:

стр. 1499

وأغر تبري الإهاب مورد ... سبط الأديم محجل ببياض أخشى عليه بأن يصاب بأسهمي ... مما يسابقني إلى الأغراض وأنشدني من لفظه لنفسه: وأدهم يقق التحجيل ذي مرح ... يميس من عجبه كالشارب الثمل مضمر مشرف الأذنين تحسبه ... موكلاً باستراق السمع من زحل ركبت منه مطاليل تسير به ... كواكب تلحق المحمول بالحمل إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرت بهاديه وانحطت عن الكفل قلت: ولم يطل اجتماعنا به، لأنه كان قد قصد الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام ﵀، لأنه كان قد سرقت له عملة بماردين، وبلغه أن اللص من أهل صيدنايا، وسأل كتابه إلى متولي البريد بدمشق بأمساك غريمه. وقوله: " كالقوس ... " الأبيات، إشارة إلى قول ابن الرومي: تشكي المحب وتشكو وهي ظالمة ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان

стр. 1500

وقوله: " وإذا الذئاب استنعجت ... " البيت، يريد بذلك قول القائل: وإذا الذئاب استنعجت لك مرة ... فحذار منها أن تعود ذئاب والذئب أخبث ما يكون إذا اكتسى ... من جلد أولاد النعاج ثيابا وديوانه يدخل في مجلدين كبار أو ثلاثة صغار، وكله منتخب. وله قصيدة ميمية في مديح النبي ﷺ عارض بها البردة، أتى فيها بما يزيد على المئة والأربعين نوعاً من البديع، وشرحها وسماها: نتائج الألمعية في شرح الكافية البديعية. وجود في هذه القصيدة ما شاء. وله مدائح ببني أرتق على حروف المعجم، مجلد. وله كتاب: العاطل الحالي والمرخص الغالي. وقال لي إنه وضع شيئاً في الجناس، ولم أره إلى الآن. وقيل: إنه عمل مقامات يسيرة. والذي أقوله: إن الرجل كان أديباً كبيراً عالماً فاضلاً قادراً على النظم والإنشاء، مهما أراد فعل. وأنشدني له إجازة: سوابقنا والنقع والسمر والظبي ... وأحسابنا والحلم والبأس والبر هبوب الصبا والليل والبرق والقضا ... وشمس الضحى والطود والنار والبحر وأنشدني إجازة، وفيه استخدامان: لئن لم أبرقع بالحيا وجة عفتي ... فلا أشبهته راحتي في التكرم ولا كنت ممن يكسر الجفن في الوغى ... إذا أنا لم أغضضه عن رأي محرم

стр. 1501

قلت: استخدام الحيا في مفهومية، وهو: الحيا، نقيض الوقاحة، والحيا: المطر. واستخدم الجفن في مفهوميه، أحدهما: جفن السيف وهو قرابة، والجفن: غطاء العين، وهو من غريب النظم. وأنشدني له إجازة في مثله: لا يسمع العود منا غير حاضنه ... من لبة الشوس يوم الروع بالعلق ولا يعاطي كميتاً غير مصدره ... يوم الصدام بليل العطف بالعرق وأنشدني له إجازة في سبع تشبيهات: وظبي بقفر فوق طرف مفوق ... بقوس رمى في النقع وحشاً بأسهم كشمس بأفق فوق برق بكفه ... هلال رمى في الليل جناً بأنجم ونقلت من خطه وهو مما يقرأ مقلوباً: " كد ضدك. كن كما أمكنك. كرم علمك يكمل عمرك ". ونقلت من خطه رسالة طويلة نظماً ونثراً، كل كلمة منها تصحيف ما بعدها، تكون أربع مئة كلمة، وهي: " قبل قبل يداك ثراك عبد عند رخاك رجاك، أبي أبي سؤال سواك. آمل أمك رجاء رخاء. فألغى فألقى جدة خده بأعتابك باغياً بك شرفاً سرفا. لاذبك لأدبك مقدماً مقدماً أمل آمل يزجيه يبشره بيسره وجودك وجودك. فاشتاق فاستاف. عَرف عرُف منك مثل عبير عنبر، وقَدم وقُدم، صَدقه صِدقه متجملاً متحملاً بصاعه بضاعة تبر نثر.

стр. 1502

سند سيد حليم حكيم ... فاضل فاضل مجيد مجيد حازم جازم بصير نصير ... زانه رأيه الشديد السديد أمه أمة رجاء رخاء ... أدركت إذ زكت نقود تقود مكرمات مكرمات بنت بي؟ ... ت علاء علا بجود يجود وهي طويلة، ربما تزيد على الأربع مئة. وقد أوردتها بمجوعها في كتاب: حرم المرح في تهذيب لمح الملح. وأنشدني له إجازة مضمناً. تزوج جاري وهو شيخ صبية ... فلم يستطع غشيانها حين جاءها ولو أنني بادرتها لتركتها ... يرى قائم من دونها ما وراءها وأنشدني له إجازة: ليهنك أن لي ولداً وعبداً ... سواء في المقال وفي المقام فهذا سابق من غير سين ... وهذا عاقل من غير لام وأنشدني لنفسه إجازة: وذات حر جادت به فصددتها ... وقلت لها: مقصودي العجز لا الفرج

стр. 1503

فدارت ودارت سوء خلقي بالرضا ... وفي قلبها مما تكابده وهج إذا ما دفعت الأير فيها تجشأت ... وذاك ضراط لم يتم له نضج وأنشدني له إجازة: خلياني أجر فضل برودي ... راتعاً في رياض عين البرود كم بها من بديع زهر أنيق ... كفصوص منظومة وعقود زنبق بين قضب آس وبان ... وأقاح ونرجس وورود كجبين وعارض وقوام ... وثغور وأعين وخدود وأنشدني له إجازة: ولي غلام كالنجم طلعته ... أخدمه وهو بعض خدامي تراه خلفي طول النهار فإن ... دجا لنا الليل صار قدامي جعلته في الحضور مع سفري ... كفروة الحرث بن همام قلت: يريد قول الحريري: فعمدت لفروة هي في النهار رياشي وفي الليل فراشي. وأنشدني لنفسه إجازة:

стр. 1504

لما رأت علياك أني كالذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد وافيتني ووفيت لي بمكارم ... فنداك لي صلة وأنت العائد قلت: أخذ هذا من واقعة شرف الدين بن عنين مع الملك المعظم لما كتب إليه وهو ضعيف: انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي أنا كالذي أحتاج ما أحتاجه ... فاغنم ثنائي بالجيمل الوافي فحضر المعظم إليه وقال له: أنت الذي وأنا العائد وهذه الصلة، وأعطاه صرة فيها ثلاثة مئة دينار. ولكن صفي الدين زاد هنا النقص، لأن الذي عند النحاة اسم ناقص يحتاج إلى صلة وعائد. وأنشدني له إجازة: وعود به عاد السرور لأنه ... حوى اللهو قدماً وهو ريان ناعم يغرب في تغريده فكأنه ... يعيد لنا ما لقنته الحمائم وأنشدني له إجازة يطلب مشمشاً: يا جواداً أكفه في مجال الحر ... ب حتف وفي النوال غمامه جد بتضعيف عكس مشطور تصحيف مثنى ترخيم مثل علامه

стр. 1505

قلت: مثل علامة: سمة، فإذا رخمتها كانت: سم، فإذا ثنيتها كانت: سمسم، فإذا صحفتها كانت: شمشم، فإذا أخذت شطرها كان: شم، فإذا عكستها كانت: مش، فإذا ضعفتها كانت: مشمش. ومثل هذا قول القائل يطلب حبراً: تصدق علي بمعكوس ضد ... مصحف قولي خبت ناره فتصحيف: خبت ناره: خسارة، وضدها: ربح، ومعكوسها: حبر. ولكن الشيخ صفي الدين زاده عملاً كثيراً. وأنشدني إجازة لنفسه يستهدي راحاً: جاد لنا الدهر بعد ما بخلا ... ومجلس الأنس قد صفا وحلا ونحن في مجلس يزينه ... رشف طلى بيننا ولثم طلى فاهد لنا لا برحت ذا نعم ... ما ضد تصحيف عكسه عدلا قلت: ضد عدل: جار، وتصحيفه: حار، وعكسه: راح. والله أعلم. وأنشدني له إجازة يطلب فلفلاً: أعوزتنا إحدى العقاقير في الدر ... ياق فأتحف بها تكن خير تحفه ضعف تصحيف ضد مشطور مثل ... لمثنى معكوس ترخيم دفه قتل: ترخيم دفه: دف، ومعكوسه: فد، ومثتاه: فدفد، ومثله: مهمه، ومشطوره: مه، وضده: قل وتصحيفه: فل، وتضعيفه: فلفل.

стр. 1506

وأنشدني لنفسه إجازة: بأبي قذار منك وابن زرارة ... أدنيت حتف المستهام العاني فلو أن كاسم أبي معاذ قلبه ... ما كان في البلوى أبا حسان قلت: المعنى: بسالف منك وحاجب أدنيت حتفي، فلو أن قلبه جبل ما كان في البلوى ثابتاً، لأن سالفاً أبوه قذار، وحاجباً أبوه زرارة، ومعاذاً أبوه جبل، وحسان أبوه ثابت. وأنشدني لنفسه أيضاً: ما كان ودك إذ عتبتك في الجفا ... كابن الطفيل ولا أبي حسان وجهي أبو المقداد منك من الحيا ... والقلب منك حكى أبا سفيان قلت: المعنى: ما كان ودك عامراً ولا ثابتاً، وجهي منك أسود وقلبك صخر. لأن الطفيل ابنه عامر، وحسان أبوه ثابت، والمقداد أبوه الأسود، وأبا سفيان كنيته صخر. وأنشدني لنفسه أيضاً رحمه الله تعالى موالياً: تقول بسك مني يا شقيق البدر ... لقول ضدك عني بالخنا والغدر وكان ظنك أني يا جليل القدر ... يكون ذلك فني عند ضيق الصدر قلت: وهذان البيتان يقرأ شطر كل قفل منها فيصير بيتي قريض قائمة الوزن بذاتها، وهما:

стр. 1507

تقول بسك مني ... لقول ضدك عني وكان ظنك أني ... يكون ذلك فني وإذا قرأت هذين البيتين بالهجاء حرفاً فحرفاً، خرج منهما بيتاً موالياً قائماً الوزن، وذلك: تاء قاف واو لام باء سين كاف ميم نون يا ... لام قاف واو لام ضاد دال كاف عين نون يا واو كاف ألف نون ظاء نون كاف ألف نون يا ... ياء كاف واو نون ذال لام كاف فاء نون يا وهذا عمل صعب إلى الغاية، ولا يتأتى إلا لذي القدرة والتسلط على النظم. وقد أردت أن أعمل مثل ذلك، فأعان الله تعالى، وفتح علي، فقلت: علمت أنك حبي يا رشيق القد ... وقلت: ودك طبي يا شريق الخد فراع صدك لبي يا سعيد الجد ... عسى يردك ربي يا مديد الصد فشطر كل نصف أول يقرأ فيكون قريضاً وهو: علمت أنك حبي ... وقلت: ودك طبي فراع صدك لبي ... عسى يردك ربي وإذا قرأت هذين البيتين بالهجاء حرفاً فحرفاً، كانا بيتي موالياً وهما: عين لام ميم تاء ألف نون كاف حاء باء يا ... واو قاف لام تاء واو دال كاف طاء باء يا فاء راء ألف عين صاد دال كاف لام باء يا ... عين سين ألف ياء راء دال كاف راء باء يا

стр. 1508

وأنشدني له إجازة: وعدت في الخميس وصلاً ولكن ... شاهدت حولنا العدا كالخميس أخلفت في الخميس وعدي وجاءت ... بعدما قبل بعد يوم الخميس قلت: المعنى: أنها أوعدته الزيارة في يوم الخميس فرأت العدا كالجيش، فأخلفت الوعد في ذلك النهار، وجاءت في يوم الجمعة، وذلك لأن البعد والقبل متكافئان فسقطا، وفضل معه بعد والخميس بعده الجمعة. وهذا أخذه من قول القائل: ما يقول الفقيه أيده الله ... ولا زال عنده الإحسان في فتى علق الطلاق بشهر ... بعدما قبل بعده رمضان وقد أوردت هذين البيتين في شرح اللامية وتكلمت عليه وعلى تقديم القبلات والبعدات، وهناك يظهر هذا أوضح من هنا. وأنشدني لنفسه ما يقرأ مقلوباً: أنث ثناء ناضراً لك إنه ... هنا كل أرض إن أنث ثناء أمر كلاماً ألفته مظنه ... له نظم هتف لأم الكرماء أهب لوصف لا لما هب آمل ... ملماً بها ملء الفصول بهاء أروح أطيل الدأب أبرم همة ... مربى بإدلال يطاح وراء أرق فلا حزن ينم بمهمل ... مهم بمن ينزح الفقراء

стр. 1509

أخر لأني نائب لقضية ... تهيض قلبي أن ينال رخاء أفوه أراعي قوته بتكلف ... لكتبة توقيع أراه وفاء وأنشدني له إجازة مما يقرأ مقلوباً: يلذ ذلي بنضو ... لو ضن بي لذ ذلي يلم شملي لحسن ... إن سح لي لم شملي وأنشدني لنفسه إجازة في الجناس: كم قد أفضنا من دموع ودماً ... على رسوم للديار والدمن وكم قضينا للبكاء منسكاً ... لما تذكرنا بهن من سكن معاهد تحدث للصبر فناً ... إن هاجت الورق بها على فنن تذكارها أحدث في القلب شجاً ... وفي الحشا قرحاً وفي القلب شجن لله أيام لنا على منى ... فكم لها عندي أياد ومنن شربت فيها لذة العيش حساً ... وما رأيت بعدها مرأى حسن ؟ كم كان فيها من فتاة وفتى ... كل لقلب المستهام قد فنى فما ارتكبنا بالوصال مأثماً ... بل بعتهم روحي بغير ما ثمن وعاذل أضمر مكراً ودها ... فنمق العيش بنصح ودهن لاح غدا يعرف للقلب لحاً ... إن أعرب القول بعذلي أو لحن

стр. 1510

يزيدني بالزجر وجداً وأسى ... وكان ماء الود منه قد أسن سئمت منه اللوم إذ طال مدى ... ولم أجبه بل بدوت إذا مدن بجسرة تشد في السير قرى ... إذا لم تذلل بزمام وقرن لا تتشكي نصباً ولا وجى ... إذا دجا الليل على الركب وجن حنت وأعطت في السرى خير عطاً ... إن حن يوماً غيرها إلى عطن وأصبحت من بعد أين وعناً ... للملك الناصر ضيفاً وعنن ملك غدا لسائر الناس أباً ... إن سار في كسب الثناء أو أبن الناصر الملك الذي فاض جداً ... فخلته ذا يزين وذا جدن ملك علا قدراً وجداً وسناً ... فجاء في طرق العلا على سنن لا جور في بلاده ولا عدى ... إن عد في العدل زبيد وعدن كم بدر أعطى الوفود ولهى ... وكان يرضيهم كفاف ولهن حنيت من إنعامه خير جنى ... وكنت من قبل كميت في جنن فما شكوت في حماه لغباً ... ولو أطاق الدهر غبني لغبن دعوته بالمدح عن صدق ولا ... فلم يجب يوماً بلم ولا ولن أنظم في كل صباح ومساً ... كأنه لصارم الفكر مسن يا مالكاً فاق الملوك ورعاً ... إن شان أهل الملك طيش ورعن أكسبني بالمجد مجداً وعلاً ... فصغت فيك المدح سراً وعلن
следующие страницы →