← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

روى عن عيسى بن الخياط الحراني، وسمع من مجد الدين بن تيمية، وغيرهما. وكان من أعيان المؤذنين، طيب الصوت، فقيهاً فاضلاً مناظراً مشاركاً في العلوم، وله نظم. توفي رحمه الله تعالى بقرن الحارة، وحمل إلى دمشق، وكانت جنازته حافلة في ثالث ربيع الآخر سنة خمس وسبع مئة. ومولده سنة خمس وثلاثين بحران. وحدث بعرفة ومنى. عبد الغني بن عروة ابن عبد الصمد بن عثمان، جمال الدين أبو محمد بن الشيخ الصالح الرأس عيني. سمع بحلب سنة أربع وأربعين وست مئة على الشيخ عز الدين عبد الرزاق الرأس عيني المعروف بالمحدث. وكان جمال الدين هذا حسن الخلق خفيف الروح، يتردد إلى الأعيان وغيرهم من الأفرم ومن دونه من جميع الطوائف، ويحاضرهم ويلاطفهم ويستجديهم، وكان يخرج من بيته من بكرة، ويدور على الناس دورة، وما تجيء الثانية أو الثالثة حتى يحصل له العشرون درهماً فما دونها. وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت رابع عشر جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وقد تجاوز الثمانين، ودفن بمقابر الشيخ أرسلان.

стр. 1542

وكان كثيراً ما يحكي ويتعيش بوقائعه مع الأمير علم الدين أرجواش نائب قلعة دمشق، لأنه كان به خصيصاً، لا يكاد يصبر عنه. حضر إلى صفد في وقت، وكان الأمير علم الدين سنجر الساقي مشد الديوان بصفد ووالي الولاة، وهو متزوج بابنة أرجواش فتركها في مخدع بحيث تسمع، وأحضر الشيخ عبد الغني واستحكاه، فأخذ يحكي عن أرجواش، ومما حكاه أنه لما توفي الملك المنصور، قال: يا عبد الغني، أحضر لي مقرئين يقرؤون ختمة للسلطان، قال: فأحضرت له جماعة، وجلس أمامهم وإلى جانبه دبوس، وأخذ أولئك يقرؤون على العادة، فقال: دعهم يقرؤون عالياً، ليسمع السلطان في قبره، فقلت لهم: ارفعوا أصواتكم بالقراءة، فقفزوا وما فرغوا منها إلى ربع الليل، فقلت: يا خوند فرغوا، فقال: دعهم ليقرؤوا ختمة أخرى فقال، فقلت لهم: ابدؤوا في أخرى فشرعوا في الثانية، وما فرغوا منها إلى نصف الليل، فقلت: يا خوند فرغوا بسعادتك، فقال: لا، السموات ثلاث، والأرض ثلاثة، والبحار ثلاثة، والمعادن ثلاثة، كل شيء في الدنيا ثلاثة ثلاثة، يقرؤون الأخرة تتمة ثلاثة، فقلت لهم: يا مساكين اقرؤوا أخرى، واحمدوا الله واشكروه كونه ما عرف أن السموات سبع والأرض سبع، فما فرغوا حتى أشرفوا على الهلاك، لأنهم من المغرب إلى بكرة في عياط، فقلت: يا خوند فرغوا، فقال: رسم عليهم إلى بكرة، فإذا تعالى النهار، اكتب عليهم حجة تحت الساعات بالله وبالقيامة الشريفة أن ثواب هذه الختمة لأستاذنا السلطان الملك المنصور، وهات الحجة إلي واعطهم مئة درهم. فما ملكت ابنة أرجواش نفسها، بل فتحت الباب، وخرجت إلى الشيخ عبد الغني ونتفت ذقنه، وخربت عمامته، فخرج منها، وهي تشيخه وتسبه، وأما زوجها؛ فقاسى منها شدة.

стр. 1543

وقال: جئت يوماً إلى باب القصر الأبلق، فوجدت الملك الكامل، والصاحب عز الدين بن القلانسي جالسين فدروزتهما، فلم يعطياني شيئاً، فلطفت القول، وزدت فما رشحالي بشيء، فقلت: والله لأغرمنكما جملة كثيرة على هذه العشرة دراهم، وتركتهما، ومضيت، وشددت طبق فاكهة، وحملته حمالاً، وغطيته بفوطة مليحة، وجئت إلى باب الصاحب، ودققت الباب، فخرجت الجارية، فدفعت إليها الطبق، وقلت لها: قولي لمولانا الصاحب، الله يجعلها ساعة مباركة، وتركتها حتى مشت خطوتين، وقلت لها: يا ستي تعالي، هذا بيته الجديد وإلا العتيق؟ فقالت: ولي! إيش يكن بيته الجديد؟ فقلت: يا ستي هاتي الطبق، أنا أحسبه الذي دخل فيه عروساً، وأخذت الطبق ومضيت، فدخلت إلى ستها، وحكت لها الواقعة، فما شكت أن الصاحب تزوج بغيرها، فقعدت في حزن شديد، ولما حضر الصاحب؛ لم تقم إليه، ولم تأخذ شاشه، ولا فرجيته على العادة، فقال: خير ما لكم؟! قالت: روح إلى عروسك الجديدة، فضحك، فصممت، وصار كلما ضحك؛ تصمم، فحلف لها بالطلاق، أن هذا ما جرى منه شيء، فزادت في التصميم، فاغتاظ منها، وحلف بطلاقها، وباتت منه وبقيت مدة إلى أن ترضاها وسألها عن الموجب لذلك، فحكت له الصورة، فعلم من أين أتي؟، وحكى لها الصورة، فصدقته، فجدد لها صداقاً، وزاده، وبذل لها شيئاً بجملة، وغرم في هذه الواقعة قريباً من خمسة آلاف درهم. وأما الملك الكامل؛ فإنه كان يوماً عند الأفرم يحكي له، ويتلطف، فحضر الملك الكامل، فشكر الأفرم منه، فقال عبد الغني: والله يا خوند، ما في دمشق من يحب

стр. 1544

مولانا ملك الأمراء مثله، ولقد بلغ الملوك أنه من أيام اشترى خمس مئة غرارة شعير، ليحملها إلى اصطبل مولانا ملك الأمراء، فالتفت إليه الأفرم، وقال: يا ملك ليش تفعل هذا؟، أنا أعرف بحالك، والله ما تعود تفعل مثل هذا وأمثاله وأعود أقبل منك، فقال: يا خوند الكل من صدقاتك، وخرج فما أمكنه إلا حمل خمس مئة غرارة شعير إلى اصطبل الأفرم، وكان الصاحب عز الدين بعد ذلك والملك الكامل إذا رأيا عبد الغني بادراً بالمكارمة، وقالا له: اكفنا شرك، وله من هذا الضرب ألوان، وأنواع يضيق عنها هذا المكان، وهذا القدر كافي. عبد القادر بن عبد العزيز ابن السلطان الملك المعظم عيسى بن أبي بكر محمد العادل بن أيوب هو الملك أسد الدين أبو محمد. سمع من خطيب مردا السيرة النبوية وحدث بها في مصر، وروى عنه عدة أجزاء، وله إجازة من محمد بن عبد الهادي والصدر البكري. وله همة وجلادة، وقدوم على دمشق ووفاده، مليح الشكل لمن يراه، صبيح الوجه، يشهد بالقدرة لمن يراه، حسن الأخلاق من الرياضة، كثير البشر لمن قصد اعتراضه، شديد البنية والتركيب، عتيد القوى في الترغيب والترهيب، قيل: إنه ما تزوج ولا تسرى، ولا تبرم من ذلك ولا تبرى. ولم يزل على حاله إلى أن أصبح أسد الدين مفترساً، ورسب شخصه في القبر ورسا.

стр. 1545

وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مائة. ومولده بالكرك سنة اثنتين وأربعين وست مئة، وكانت وفاته بالرملة، ونقل إلى القدس، وأجاز لي بالقاهرة بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. واجتمعت به غير مرة. عبد القادر بن محمد ابن أبي الكرم عبد الرحمن بن علوي بن المعلى بن علوي بن جعفر القاضي تاج الدين بن القاضي عز الدين العقيلي البخاري الحنفي. سمع الصحيح من ابن الزبيدي، وسمع من الإمامين جمال الدين الحصيري، وتقي الدين بن الصلاح، وولي قضاء الحنفية بحلب، ونظر الأوقاف والمدرسة العصرونية. وعاد إلى دمشق، وحدث بها بالمئة البخارية، وعاد إلى حلب. ولم يزل بها إلى أن حلت به في حلب الداهية، وأصبح ذا قوة واهية. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة. ومولده بدمشق سنة ثلاث وعشرين وست مئة. عبد القادر بن محمد بن تميم الفقيه المحدث محيي الدين المقريزي، بالميم المفتوحة والقاف الساكنة والراء المكسورة وبعدها زاي، البعلبكي الحنبلي.

стр. 1546

سمع ببلده من زينب بنت كندي، وبدمشق من ابن عساكر، وابن القواس، وبمصر من البهاء بن القيم وسبط زيادة، وبحلب والحرمين. ونسخ وحصل، وجمع وأصل، وميز وفصل، وتفقه ودأب، وجد واجتهد في الطلب، وصار شيخ دار الحديث للبهاء بن عساكر، وكان بها يحاضر ويذاكر. ولم يزل على حاله إلى أن نزل في الجدث، وأنس أصحابه ما قدم بما حدث. وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، عن خمس وخمسين سنة أو نحوها. عبد القادر بن أبي القاسم ابن علي الأسنائي، القاضي ناصر الدين الشافعي. كان كاتب الحكم العزيز الشافعي بالقاهرة. كان فاضلاً ديناً، عاقلاً صيناً، عفيفاً ورعاً، خبيراً حفظ عهد القضاء ورعاه، عمر المدرسة الشهابية بميدان القمح ظاهر القاهرة، وعمر وقوفاً من ماله، ثم إنه استعاد ذلك من ربع الوقف قليلاً قليلاً، وكان معيد الشافعية بالمدرسة المنصورية، وشاهد الحواصل بها وبالبيمارستان، ومعيد المدرسة القطبية، وناب في الحكم خارج باب

стр. 1547

الفتوح عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وناب عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في بعض الأعمال، وكان يحج كل سنة ويترك سنة، وجاور بمكة مدة، وكان يعيد بالسيفية. وسمع من شهاب بن علي المحسني وغيره. وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر شهر رجب الفرد سنة ثلاثين وسبع مئة وقد جاوز السبعين، وخلف مالاً وثروة، وتصدق في مرضه بنحو من خمسة عشر ألف درهم، ودفن بالقرافة الصغرى. عبد القادر بن بركات ابن أبي الفضل: الشيخ محيي الدين الصوفي المعروف بابن قريش أحد الأخوة، تقدم ذكر أخيه الشيخ إبراهيم، وسيأتي ذكر أخيه الشيخ تقي الدين في حرف الميم. أسن هذا محيي الدين وكبر وعجز عن المشي، وكان يركب حماراً، وكانت له خصوصية بقاضي القضاة نجم الدين بن صصرى، وكان من ذلك الطراز الأول، فبقي في آخر عمره غريباً. إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق. عبد القادر بن يوسف ابن مظفر، الصدر الجليل العدل المأمون أبو محمد شمس الدين بن الخطيري الدمشقي الكاتب.

стр. 1548

سمع من عبد الوهاب بن رواج، وأجاز له أبو القاسم بن الصفراوي: وعلي بن مختار: وجماعة. وسمع منه جماعة: الواني، والبرزالي، وابن شيخنا الذهبي، وولي نظر الجامع الأموي ونظر الخزانة. وكان من الكتاب العقلاء، والرؤساء النبلاء، تنقل في المباشرات، وقابل بالمكاسرات المكاشرات. وساس دهره إلى أن زار قبره. وتوفي رحمه الله تعالى ثامن عشري جمادى الأولى سنة ست عشرة وسبع مئة. ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة. عبد القادر بن أحمد الفقيه الجدلي المناظر محيي الدين حينئذ، كان يكثر في بحوثه من قول حينئذ. كان أصله من بغداد، ومن سمعه تحقق أنه أستاذ، مليح السمت عديم الصمت، له فضائل، وعنده شبه ودلائل. لم يزل إلى أن سقط عن سلم فما تنفس وكان من الحياة في طريق مستقيم حتى تنكس. وكانت وفاته رحمه الله تعالى سنة سبع مئة في سن الكهولة.

стр. 1549

عبد القادر بن مهذب ابن جعفر الأدفوي قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: هو ابن عمي، كان ذكياً جواداً متواضعاً، وصل إلى قوص للاشتعال بالفقه، وحفظ أكثر التنبيه ولم ينتج فيه، وكان إسماعيل المذهب، مشتغلاً بكتاب الدعائم تصنيف النعمان بن أحمد، متفقهاً، وكان فيلسوفاً، يقرئ الفلسفة، ويحفظ من كتاب زجر النفس، وكتاب أثولوجيا، وكتاب التفاحة المنسوب لأرسطو كثيراً. قال: وذكر لي بعض أصحابنا، ممن لا أتهمه بكذب، أنه تعسر عليه قفل باب، فذكر أسماء وفتحه، وأنهم قصدوا حضور امرأة، فهمهم بشفتيه لحظة فحضرت فسألوها عن ذلك، فقالت: إنها حصل عندها قلق عظيم، فلم تقدر على الإقامة. وكان مؤمناً بالنبي ﷺ ، منزلاً له منزلته، ويعتقد وجوب أركان الإسلام، غير أنه يرى أنها تسقط عمن حصل له معرفة بربه بالأدلة التي يعتقدها، ومع ذلك، فكان مواظباً على العبادة في الخلوة والجلوة، والصيام، إلا أنه يصوم بما يقتضيه الحساب، ويرى أن القيام بالتكاليف الشرعية يقتضي زيادة الخير، وإن حصلت المعرفة، وكان يفكر طويلاً، ويقوم ويرقص ويقول:

стр. 1550

يا قطوع من أفنى عمرو في المحلول ... فاتوا العاجل والآجل ذا البهلول قال: فمرض فلم أصل إليه، ومات فلم أصل عليه، وسار إلى ساحة القبور، وصار إلى من " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ". وأظن وفاته ي سنة خمس أو ست وعشرين وسبع مئة، قال لي: جماعة سنة خمس لا غير. عبد القاهر بن محمد ابن عبد الواحد بن موسى القاضي الأديب الخطيب الشافعي جمال الدين أبو بكر البخاري ثم التبريزي. كان ذا شكالة وعمه، وحركات وهمه، أبيض اللحية نقيها، أحمر الوجنة ورديها، عليه قبول: وللنفس إليه تشوق وبه ذهول، مغرى بالأدب، موفر الهمة في تحصيله والطلب، يشعر مثل الصبا إذا هبت، والقطر إذا نبت، وينثر الدر من فيه نثراً، ويكتب الرقعة كأن صغرى وكبرى، لم تخرج تبريز مثل كلمة الإبريز. تولى القضاء بسلمية وعجلون، وقضاء القضاة بصفد، وختم ذلك بقضاء دمياط، وأقام بها إلى أن جاءه الأمر الذي لا يدفع بالأعلاط.

стр. 1551

وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مئة. ومولده بحران سنة ثمان وأربعين وست مئة. واشتغل ونشأ بدمشق، وتفقه للشافعي، وجاءنا قاضي القضاة إلى صفد في أيام قاضي القضاة جمال الدين الزرعي لما كان بدمشق، ولم يزل تلك المدة، إلى أن عزل وتولى القضاء جلال الدين القزويني، فعزله من صفد، ثم إنني رأيه بالقاهرة مرات، وولي قضاء دمياط مرات، وآخر عهدي به في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة. قال شيخنا الذهبي: قال فيما ذاكرني به، يعني القاضي جمال الدين التبريزي، قال: ماتت أمي بنت عشرين سنة، وكان أبي تاجراً ذا مال، فقدم بي إلى دمشق، وأنا ابن ست سنين فمات، وكفلني عمي عبد الخالق، ورجع إلى حران، وباع أملاكنا بثمانين ألفاً ورد بي، ثم قال لي يوماً: امض بنا، فمضى بنا نحو ميدان الحصا، وعرج بي فوثب علي وخنقني، فغشيت، فرماني في حفرة، وطم علي المدر والحجارة، فأبقى كذلك إلى أربعة أيام، فمر رجل صالح كان برباط الإسكاف عرفته بعد ثلاثين سنة، فبكر يتلو، ومر بجسرا بن شواش ثم إلى القطائع، فجلس يبول، وكنت أحرك رجلي فرأى المدر يتحرك، فظنه حية، فقلب حجراً، فبدت رجلي في خف بلغاري، فاستخرجني، فقمت أعدو إلى الماء فشربت من شدة عطشي، ووجدت في خاصرتي فزاراً من الحجارة، وفي رأسي فتحاً قال الشيخ شمس الدين: ثم أراني القاضي أثر ذلك في كشحه، ووضع أصابعي على جورة في رأسه تسع باقلاة ودخلت البلد إلى

стр. 1552

إنسان أعرفه، فمضى بي إلى ابن عم لنا، وهو الصدر الخجندي، وكان مختفياً بالصالحية، وله غلامان ينسجان ويطعمانه، اختفى لأمور بدت منه أيام هولاكو، وكتب معي ورقة إلى نسائه بالبلد، وكانت بنته ست البهاء التي تزوج بها الشيخ زين الدين بن المنجا، وماتت معه، هي أختي من الرضاعة، فأقمت عندهن مدة لا أخرج، حتى بلغت، وحفظت القرآن بمسجد الزلاقة، فمررت يوماً بالديماس، فإذا بعمي، فقال: ها جمال الدين، امش بنا إلى البيت، فما كلمته، وتغيرت ومعي رفيقان، فقالا لي: ما بك، فسكت وأسرعت، ثم رايته مرة أخرى بالجامع، فأخذ أموالي، وذهب إلى اليمن، وتقدم عند ملكها، ووزر، ومات عن أولاد. وجودت الختمة على الزواوي، وتفقهت على النجم الموغاني، وترددت إلى الشيخ تاج الدين، وتفقهت بابن جماعة، وقرأت عليه مقدمة ابن الحاجب وعلى الفزاري، ثم وليت القضاء من جهة ابن الصائغ وغيره، ونبت يوماً بجامع دمشق عن ابن جماعة، فقيل له: إن داوم هذا راحت الخطابة منك، يعني لحسن أدائه وهيئته. وجالسته مرات، وكان يروي عن الشيخ مجد الدين بن الظهير قصيدته التي أولها: كل حي إلى الممات مآبه

стр. 1553

انتهى ما ذكر الذهبي. قلت: ولما كان بصفد، قرأت عليه ديوان خطبه سماه تحفة الألباء وأجازني جميع ما يجوز له أن يرويه، وفي هذه الخطب مواضع خارجة عن الصواب من اللحن الخفي، فكتبت عليها طبقة، وهي: قرأت هذه الخطب المسرودة على حروف المعجم من أولها إلى آخرها على مصنفها وكاتبها العبد الفقير إلى الله تعالى القاضي جمال الدين عبد القاهر بن محمد التبريزي الحاكم بصفد المحروسة، لا زالت الطروس توشي وتوشع بكلامه وأقلامه، وترصف وترصع بحكمه وأحكامه، ومحاسن أيامه ولياليه تنشا وتنشد، ودرر نظمه ونثره تنظم وتنضد، قراءة من غاص اللجة من بحر حبرها، وعلم قيمة المنتقى والمنتقد من دراريها ودرها، واستشف معانيها المجلوة في حبر حبرها، وصدق معجز آياتها، وما شك في خبر خبرها، واستجلى وجوه عربها وتوجيه إعرابها، وتحقق أن القرائح ما لها من طاقة على مثلها في بابها، وتنزه في حدائقها التي ضربت عليها أوراق الأوراق، واجتلى أبكارها الغر، فكانت حقيقة فتنة العشاق، فسرحت سوام الطرف فيما أرضاه من روضاتها، ورشفت قطر البلاغة مما زهي من زهراتها: وتشنفت أذني بلؤلؤ لفظها ... وتنزهت عيناي في جناتها وتأملت أفهامنا فتمايلت ... بترشف الصهباء من كاساتها وكأن همز سطورها بطروسها ... ورق على الأغصان من ألفاتها وكأنها وجنات غيد نقطها ... خال على الأصداغ من جيماتها لله ما أطرى وأطرب ما أتى ... في هذه الأوراق من سجعاتها لا غرو أن عقدت لسان أولي النهى ... عن مثلها بالسحر من كلماتها

стр. 1554

فكتب هو إلي: شرفت غرس الدين حين قرأت ما ... أمليت من خطب أجدت شياتها فصاحة لو أن قساً حاضر ... لرآك تسبقه إلى غاياتها يا فخر دهر أنت من بلغائه ... وعلا ليال أنت من ساداتها خطبي التي أنشأتها ما أنت من ... خطابها فتجاف عن علاتها عظمتها وبررتها وجبرتها ... وغفرت ما قد كان من زلاتها فلأنت أكرم فاضل لما بدت ... لعيانه غطى على عوراتها فاسلم ودم ما رنحت ريح الصبا ... أعطاف غصن الروض في هباتها وأنشدني لنفسه في شبابة، وقد وجدتها فيما بعد في ديوان جوبان القواس بخطه: وناطقة بأفواه ثمان ... تميل بعقل ذي اللب العفيف لكل فم لسان مستعار ... يخالف بين تقطيع الحروف تخاطبنا بلفظ لا يعيه ... سوى من كان ذا طبع لطيف فضيحة عاشق ونديم راع ... وعزة موكب ومدام صوفي فأنشدته أنا لنفسي ملغزاً في الكمنجا: ما اسم إذا خفت هماً ... رأيت لي فيه منجا يشدو بلحن عجيب ... حروفه ما تهجى كم قد شجاك بصوت ... من الحمائم أشجى إن لم يجئ لك طوعاً ... في الحل فهو كمن جا فأعجبه ذلك وزهزه وطرب.

стр. 1555

وأنشدني من لفظه لنفسه، قال: حضرت صحبة الملك الظاهر بيبرس حصار قلعة صفد، فصنعت هذه الأبيات: إذا القلعة الشماء باتت حصينة ... وبات على أقطارها القوم رصدا ترى منجنيقاً يذهب العقل جسه ... يغدرهم بين الأسرة همدا إذا ما أراها السهم منه ركوعه ... تخر له أعلى الشراريف سجدا وأنشدني لنفسه من لفظه كثيراً من شعره فمن ذلك قصيدة طويلة أولها: أنت الممنع والمحجب ... إلا على من ليس يحجب ومع البعاد فأنت من ... حبل الوريد إلي أقرب سر بسيط ظاهر ... يختال في شبح مركب

стр. 1556

عبد القوي بن عبد الكريم القرافي الحنبلي الطوفي، نجم الدين الرافضي. له مصنف في أصول الفقه ونظم كثير، وعزر بالقاهرة على الرفض لأنه قال: كم بين من شك في خلافته ... وبين من قيل إنه الله وهو الذي يقول في نفسه: حنبلي رافضي ظاهري ... أشعري هذه إحدى الكبر توفي ببلد الخليل ﵇ سنة ست عشرة وسبع مئة. ويقال إنه تاب أخيراً من الهجاء والرفض. عبد القوي بن محمد ابن جعفر الأسناي، نجم الدين المعروف بابن مغني وبابن أبي جعفر. قرأ على الشيخ النجيب بن مفلح، والشيخ بهاء الدين بن هبة الله القفطي، وناب في الحكم، ودرس بالمدرسة العزية بقوص. وكان طيب الخلق، ضحوك السن لو نظر إلى الأفق، كثير الرياضة.

стр. 1557

لا يدخل من الغيظ في مخافة ولا مخاضه، خفيف الروح إذا جالس، ظريف الإشارة إذا خالس، وكان محباً للسماع، لا يؤثر عليه شيئاً في الانتفاع، يكاد إذا سمع شبابة يطير طرباً، ولا يبلغ من اللذة أربا، وكان التزم أنه لا يبحث مع قاض، ولا يجيبه عن تقريرات ولا إنقاض. ولم يزل على حاله إلى أن عقر سمعه وطفي من نور الحياة شمعه. وتوفي رحمه الله تعالى بأسنا سنة ثمان وتسعين وست مئة. قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: بلغني أنه وصى أن تخرج جنازته بالدفوف والشبابة، وتمنع النائحات والباكيات عليه. عبد الكافي بن عثمان الشيخ جمال الدين المعروف بابن بصاقة الحيسوب كان كاتباً متصرفاً، يعرف صناعة الكتابة الديوانية، وهو من قدماء الكتاب، وعمر وضعف. وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية، وصلي عليه في جامع الأمير سيف الدين تنكز. وكان حسن الأخلاق. عبد الكافي بن علي ابن تمام بن يوسف، الشيخ الإمام القاضي زين الدين، أبو محمد السبكي الشافعي، والد قاضي القضاة شيخ الإمام تقي الدين السبكي.

стр. 1558

توفي رحمه الله تعالى تاسع شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. ومولده في حدود سنة تسع وخمسين وست مئة. هو من أهل سبك العبيد من الديار المصرية. تفقه بالقاهرة على السديد، والظهير، وقرأ أصول الفقه على الشيخ شهاب الدين القرافي، وناب في القضاء ببعض أعمال القاهرة عن قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق اليد، وتولى أخيراً قضاء المحلة الغربية، وأقام بها إلى حين وفاته. وسمع من ابن خطيب المزة وغيره، وحدث. وسمع منه ولده قاضي القضاة تقي الدين. وخرج له أقضى القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف السبكي مشيخة. وحدث بالقاهرة والمحلة ومكة والمدينة، وسمع منه حفيده قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب جزء الغطريف وقطعة من سنن أبي داود وشيئاً من نظمه، وتوفي بالمحلة، ونقلت من خطه له: قطعنا الأخوة عن معشر ... بهم مرض من كتاب الشفا فماتوا على دين رسطالس ... ومتنا على ملة المصطفى

стр. 1559

الألقاب والنسب جمال الدين بن عبد الكافي: اسمه سليمان. عبد الكريم بن حسن الشيخ المسلك العارف كريم الدين الآملي، بميم بعد الألف الممدودة، ينتمي إلى سعد الدين بن حموية شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة. كان إلى الأعيان محبباً، ولم يكن حظه منهم مخيباً، له في النفوس صورة كبيرة، وله أبهة في الصدور، كأنما ألبس منها حبيره، وعنده شيء يغطي جراجات باطنه بجبيره، وفيه أمور لا يدريها ولا يدريها إلا العقول الخبيرة، وهو من كبار القوم الذين خاضوا تلك الغمرات، وعظموا تلك المشاعر ورموا بها تلك الجمرات، وقالوا في خلواتهم: إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات وكانت له رياضات عديدة، ومفاوضات للصوفية مديدة. وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية كثير الحط عليه، غزير النط - على رأي العوام - إليه. حكى لي الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأكفاني، قال: دخل

стр. 1560

الشيخ كريم الدين مرة إلى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وتكلم زماناً طويلاً والشيخ ساكت، فلما خرج من عنده؛ قال للحاضرين: هل فيكم من فهم عنه تراكيب كلامه، لأني أنا ما فهمت غير مفرداته. وقال شيخنا الذهبي: أثبت الصوفية فسقه من ستة عشرة وجهاً، وأخرج من الخانقاه، ثم أعيد، وتولى مكانه بعد موته قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. ولم يزل على حاله إلى أن خاب من الآملي أمله، ووافاه بالوفاة أجله. وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة عشر وسبع مئة، وتولى عوضه الشيخ علاء الدين القونوي. عبد الكريم بن يحيى ابن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز، الشيخ الإمام القاضي تقي الدين أبو محمد بن قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل بن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي بن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن بن قاضي القضاة منتخب الدين أبي المعالي القرشي الأموي العثماني المصري، ثم الدمشقي الشافعي. ولد بمصر ليلة عرفة سنة أربع وستين وسبع مئة. وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة سبع وأربعين وسبع مئة.

стр. 1561

وقدم من مصر إلى دمشق، وتفقه بها، وسمع من ابن البخاري وغيره، وولي مشيخة الشيوخ، ودرس بأماكن، وكان من رجال الدهر عزماً وحزماً وسكوتاً ودهاء وغوراً ومكارم وإفضال. عبد الكريم بن عبد الرحمن ابن عبد الواحد، نجم الدين بن صدقة الكاتب، ابن عم النفيس واقف النفيسية. قال شيخنا الذهبي: خدم في جهات الظلم، وكان سمع من الرشيد بن مسلمة وابن عبد الدائم وطبقته، وحفظ التنبيه. قتل: وتوفي رحمه الله تعالى بصافيتا سنة ست وتسعين وست مئة. عبد الكريم بن عبد النور ابن منير، الشيخ الإمام الحافظ مفيد الديار المصرية، قطب الدين أبو علي الحلبي، ثم المصري الشافعي المعروف بابن أخت الشيخ نصر. حفظ القرآن وتلا بالسبع على أبي الطاهر إسماعيل المليجي صاحب

стр. 1562

أبي الجود، وتلاه بالسبع على خاله الزاهد الشيخ نصر المنبجي، وانتفع بصحبته، وسمع من العز الحراني، وغازي، وابن خطيب المزة، والقاضي شمس الدين بن العماد، وطبقتهم بدمشق والحرمين من طائفة. وكتب العالي والنازل، وسمع من السامي والسافل، وخرج وجمع، ونفع وانتفع، وشرح من البخاري شطره، وأثبت في طرسه سطره، وعمل بمصر بالرجال، ومجال بالفقه بعض مجال، وحج غير مرة، وأحرز من الأجر كل ذرة، وروى الكثير، وهو في حجنب ما سمعه قليل، وجالد وحد عمره فليل. ولم يزل على حاله إلى أن دارت رحا الموت على قطبه، ونزلت بأهله مصيبة خطبه. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد سلخ شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة أربع وستين وست مئة. علق في تاريخه عن شيخنا الذهبي، وما عنده عنه إلا الإجازة، وكان يحبه في الله. وكان فيه تواضع زائد، وحسن سيرة، ولعل أشياخه تبلغ الألف، وخرج لنفسه أربعين تساعيات.

стр. 1563

وأخذ عنه المحدثون تقي الدين بن رافع، وابن أيبك الدمياطي، وعمر بن العجمي، وعلاء الدين مغلطاي، والسروجي، وعدد كثير. وأنا في شك هل سمعت منه أو لا؟ ولكنه أجاز لي، وأجزت له ولأولاده، واجتمعت به عند الشيخ فتح الدين بن سيد الناس غير مرة. عبد الكريم بن علي الشهرزوري زين الدين. كان مقيماً بقوص، وحظه من الدنيا منقوص، وكان يتطور أطواراً، ويتدور مع الدقر أدواراً، تارة يلبس زي الفقراء، وتارة يكون في شعار الرؤساء. بينا هو في الربط والزوايا إذا هو يخدم في الجهات التي فيها المكوس والطوايا. ولم يزل على حاله إلى أن دعاه الله وأخذه، واجتذبه من الحياة وفلذه. وتوفي رحمه الله تعالى بعد سنة خمس وسبع مئة بقوص. عمل بعض الرؤساء من جيرانه عرساً، وفرق أطعمة كثيرة، وغفل عنه فلم يرسل إليه شيئاً، فكتب إليه: يا جيرة جرتم على جاركم ... وعادة الجيران ألا تجور ما كان في أمراقكم كلها ... رطل خرا يشربها الشهرزور وقال يهجو شهاب الدين بن القاضي النجيب القوصي: وكرشة مملوءة ... من الخرا مطنبه

стр. 1564

شبهتها مرمية ... بدمها مختضبه قليطة القاضي الشها ... ب بن النجيب بن هبه وكان ينظم الأزجال والبلاليق، وطلب من بعض التجار جوزة هندية، فلم يبعث بها قال: طلبت منك جوزة ... منعت مني قربها وكم طلبت زوجة ... منك فلم تبخل بها قلت: الباء الأولى في قوله قربها مفتوحة، والثانية مكسورة، وهي عيب في القافية، وكان ضامن الزكاة بقوص. عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري الشيخ الإمام الفاضل علم الدين، ابن بنت العراقي. كان من علماء مصر في عدادهم، وفضائله التي قضت بسدادهم، وكانت له مشاركة في عدة فنون، ومضت عليه في الإقراء سنون، وله صبر على التعليم والإشغال وقدرة على الإكباب على نفع الطلبة وإيغال، حتى إن معظم من في الديار المصرية قرأ عليه، وأخذ عنه العلوم، ومثل بين يديه. وكان حسن المفاكهة، مليح الملقى بالملق والمواجهة، لا يسأم المذاكرة، ولا يمل طول المحاضرة، كثير الحكايات والنوادر، والإصابات في البوادر، نفسه منبسطة، وسيوف فوائده مخترطة، إلا أنه أضر آخر عمره، وعدم من الطروس والأقلام رؤية بيضه وسمره.

стр. 1565

ولم يزل على حاله إلى أن بلغت التراقي، وذهب ابن بنت العراقي. وتوفي رحمه الله تعالى في سابع صفر سنة أربع وسبع مئة. ومولده بمصر سنة ثلاث وعشرين وست مئة. أخبرني شيخنا العلامة أبو حيان قال: أصله من وادي آش من الأندلس، وجده أبو أمه ليس من العراق، وإنما رحل إلى العراق، ثم عاد إلى مصر وهي بلده، فسمي العراقي. وكانت له مشاركة في الفقه وأصوله والأدب والتفسير، وله اختصاص بتفسير الزمخشري، وصنف مختصراً في أصول الفقه، ورداً على القاضي ابن المنير المالكي في رده على الزمخشري. وكانت له معرفة بالحساب والكتابة، وحظ من النظم والنثر، ودرس بالشريفية وبالمشهد الفقه، وأملى كتاباً على تفسير القرآن مختصراً احتوى على فوائد، وأنشدنا قال: نظمت في النوم في قاضي القضاة ابن رزين وكان معزولاً: يا سالكاً سبل السعادة منهجاً ... يا موضح الخطب البهيم إذا دجا يا ابن الذين رست قواعد مجدهم ... وسرى ثناهم عاطراً فتأرجا لا تيأسن من عود ما فارقته ... بعد السرار ترى الهلال تبلجا وابشر وسرح ناظراً فلقد ترى ... عما قليل في العدى متفرجاً وترى وليك ضاحكاً مستبشراً ... قد نال من تدميرهم ما يرتجى

стр. 1566

وكتب الشيخ علم الدين المذكور بخطه كتاب الحاوي الكبير للماوردي مرتين. وكان يؤم بمسجد الدرفل. قال شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي ﵀: سمعت عمي - يعني أبا البقاء يحيى بن علي - يقول: كنا حاضرين في الدرس عند قاضي القضاة صدر الدين ابن بنت الأعز، وهو يلقي في حديث " أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر " فحضر الشيخ علم الدين العراقي، فما استقر جالساً حتى قال على وجه السؤال: لا يخلو إما أن تحصل الحياة بتلك الأرواح أم لا؟ والأول عين ما تقوله التناسخية، والثاني مجرد حبس للأرواح وسجن. انتهى. قلت: لا نسلم أنها إذا كانت كذلك تكون في سجن وحبس، لأنه أقل أقسامها أن تكون في حواصل الطير، كما كانت في أجسادها في هذه الدار، وما قال أحد إن هذا عذاب لها ولا سجن، ولا يورد أن الدنيا سجن المؤمن، لأن هذا أمر نسبي، وقد يجعل الله لها في الحواصل من السرور والابتهاج ما يحصل لبعض النفوس في هذه الدار من السرور الزائد والبهجة التامة. عبد الكريم بن أبي الفرج ابن الحكم الشيخ الزاهد القدوة الصدر شرف الدين بن الشيخ السيد القدوة الزاهد نجم الدين الحموي الشافعي.

стр. 1567

باشر حسبة حماة مدة، وكان يعرف بالمحتسب في حياة والده وبعدها، وتركها، وكان له زاوية حسنة يقصدها الفقراء والزوار ويجدون عنده الراحة والفضل المكارم والأوقات الطيبة والمكارم والسماعات والسماطات. ودرس بالمدرسة الحيرية بحماة، ولم يزل بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى في ثامن شوال سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ودفن بتربته بعقبة نقيرين، وصلي عليه غائباً وعلى الوزير فخر الدين بن الخليلي بالجامع الأموي بدمشق في وقت واحد. عبد الكريم بن محمد ابن محمد بن نصر الله الحموي الشيخ الفاضل الصدر الكبير أبو السماح، ابن المغيزل، وكيل بيت المال بحماة. حدث بمصر والشام، وكان قد سمع من الكاشغري، وابن الخازن وابن قميرة، وسمع بحماة من العز بن رواحة. وكان شيخاً حسن الخلق، يلقى الناس بوجه طلق، يجتهد على قضاء الحوائج، ويسلك في التلطف لهم أقرب المسالك وأنجح المناهج، حسن التوصل إلى مقاصده، لطيف التوصل في مصادره وموارده، لا يخبأ عمن يقصده نفسه ولا ماله، ولا يزال يسعى إلى أن يبلغه آماله.

стр. 1568

ولم يزل على حاله إلى أن نحلت حركاته، وغاضت عمن يقصده بركاته. وتوفي رحمه الله تعالى في رابع عشر المحرم سنة سبع وتسعين وست مئة. ومولده سنة ست عشرة وست مئة. عبد الكريم بن هبة الله ابن السديد المصري القاضي الجليل الكبير النبيل المدبر المشير الأثير الأثيل، كريم الدين أبو الفضائل، وكيل السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وناظر خاصته ومدبر دولته. أحيا الكروم والجود، وسهر في طيب الثناء عليه والمدابير هجود، صدق أخبار البرامكة بل أخملهم، وزاد في اقتراح المكارم فحملهم الخجل بل جملهم، ابتدع في الإحسان طرقاً خفيت على الأوائل، وابتده جوداً لا يحسن الثناء عليه سحبان وائل، فكان كما قال أبو الطيب: تمشي الكرام على آثار غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع عمر ربوع الندى، وغمر الناس بالجدى، وعم بجوده وما خص، وبل جناح الشكر وما حص، فدرجت حوله طيور الثناء وما طارت، وعرجت في مراقي حمدة ودارت، أجمع أهل عصره من غير مصره على سماحه، ولم يخالف واحد على مبالغة الجود في بطن راحه، إذا أنه كرم، كرمه عرش على الفقراء والأمراء، وتعدى الغاية فتأدى إلى الملوك والوزراء حتى أخجل بنيله النيل، وفرت مياه الفرات، وقالت:

стр. 1569

هذا من المستحيل، وعلى الجملة فكان خبره أكبر من خبره، وهو أبو دلف زمانه الذي ولت الدنيا على أثره، وقد تمكن من سلطانه تمكن الصبابة من بني عذرة، والشجاعة من آل أبي صفرة، وحل منه محل الإنسان من العين. وأطاعه طاعة امفلس لرب الدين، فهو له في القوبل مثل المحب للواشين، والغر للغاشين لا يكاد يخالفه، ولا يرى هواه في شيء إلا يميل إيه ويحالفه، وكان به لذلك الملك نضارة، ولذلك العصر غضارة: جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير ولم يزل نجمه في سعود، وعزمه في صعود، إلى أن غدر به زمانه، وخانه محبوه وإخوانه، وتبرأ منه من كان يجمعهم خوانه فقبض عليه ونظر بعد الرضا بعين السخط إليه وجهزه إلى الشوبك، ثم إلى القدس، ثم إلى أسوان، ومن هناك انتقل إلى رضوان، وادعي أنه شنق روحه، واختار أن سكن ضريحه، وذلك في ثالث عشر شوال سنة أربع وعشرين وسبع مئة. وكان قد أسلم كهلاً أيام الجاشنكير، وكان كاتبه، وكان لا يصرف على السلطان شيء إلا بقلمه، ويقال: إنه طلب يوماً إوزة، ولم يكن كريم الدين حاضراً، فتعذر

стр. 1570

صرفها إليه، ولما هرب المظفر رحمه الله تعالى ووصل السلطان إلى مصر، لم يكن له دأب في غير تطلب كريم الدين والتوقع عليه والسؤال عنه في كل وقت. أخبرني الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس، قال: جاء كريم الدين إلى الأمير علم الدين الجاولي، وقال له: قد جئت إليك، فقال: ما في يدي لك فرج، ولكن اليوم للسلطان خاصكي، يقال له: الأمير سيف الدين طغاي الكبير وهو لا يخالفه فأريد أجتمع لك به، وأعرفك ما يكون، ثم إنه اجتمع به فقال له أحضره، ودخل طغاي إلى السلطان، وهو يضحك، فقال له: إن حضر كريم الدين أيش تعطيني؟ ففرح، وقال له: أعندك هو؟ أحضره، فخرج، وقال للجاولي: أحضره، فأحضره، وقال طغاي لكريم الدين: مهما قال لك السلطان؛ قل له: نعم، ولا تخاله، ودعني أنا أدبر أمرك، فدخل به عليه، فلما رآه استشاط غضباً، وقال له: اخرج الساعة، احمل ألف ألف دينار، فقال: نعم، وخرج، فقال: لا كثير، أحمل خمس مئة ألف دينار، فقال: السمع والطاعة. فقال: لا، كثير، احمل ثلاثة مئة ألف دينار، فقال: السمع والطاعة، فقال: لا، كثير، احمل الساعة مئة ألف دينار، فقال: السمع والطاعة، فخرج، فقال له الأمير: سيف الدين طغاي: لا تسقع ذقنك وتحضر الجيمع الآن، ولكن هات الآن منها عشرة آلاف دينار، ودخل بها إلى السلطان، فسكن غيظه، وبقي كل يومين وثلاثة يحمل خمسة آلاف دينار، ومرة ثلاثة آلاف دينار، ومرة ألفين. ولم يزل هو والقاضي فخر الدين ناظر الجيش؛ يصلحان أمره عند السلطان إلى أن رضي عنه وسامحه بما بقي عنده، واستخدمه ناظر الخاص فهو أول من باشر هذه الوظيفة، ولم تكن تعرف أولاً، ثم

стр. 1571

تقدم عنده، وأحبه محبة زائدة عن الحد، وكان يخلع عليه أطلس أبيض والفوقاني بطرز، والتحتاني بطرز، والقبع زركش على ما استفاض. وكانت الخزائن عنده جميعها في بيته، وإذا أراد السلطان شيئاً نزل مملوك إليه في بيته، واستدعى منه ما يريده، فيجهزه إليه من بيته، وكان يخلع على أمراء الطبلخانات الكبار من عنده، وقيل: إن السلطان نزل يوماً من الصيد، فقال له: يا قاضي! عرض أنت صيود الأمراء، يحضرون صيودهم على طبقاتهم بين يديه، وهو يخلع عليهم على طبقاتهم واحداً بعد واحد. وحج هو والخوندة الكبرى طغاي، واحتفل بأمرها، وقد مضى ذكر حجها في ترجمتها، وكان يخدم كل واحد من الأمراء الكبار والمشايخ والخاصكية الكبار، وأرباب الوظائف والجمدارية الصغار، وكل أحد حتى الأوشاقية في الإصطبل وأرباب الوظائف، وكان في أول أمره ما يخرج القاضي فخر الدين لصلاة الصبح إلا ويجد كريم الدين راكباً وهو ينتظره، ويطلع في خدمته إلى القلعة، ودام الأمر هكذا ستة أشهر أو ما حولها، ثم إن فخر الدين كان يركب ويحضر إلى بابه، وينتظره ليطلع معه إلى القلعة، وكان في كل يوم ثلاثاء، يحضر إلى دار فخر الدين، ويتغذى عنده، ويحضر محفيتين لا يعود اله شيء من ماعونهما الصيني أبداً، وكان يركب في عدة مماليك أتراك - يقال سبعين مملوكاً أو أقل - بكنابيش عمل الدار وطرز

стр. 1572

ذهب، والأمراء تركب في خدمته. وبالجملة ما رأى أحد من المتعممين ما رآه القاضي كريم الدين. ولما ورد في صفر سنة ثماني عشرة وسبع مئة أمر ببناء جامع في آخر القبيبات بدمشق، فعمره الصاحب شمس الدين غبريال، وأخذ في العمل فيه بعد سفره. قيل: إنه طلبه السلطان يوماً إلى الدور فدخل، وعادت الخزندارة تروح وتجيء مرات فيما تطلبه الخوندة طغاي، فقال له السلطان: يا قاضي! أيش حاجة لهذا التطويل بنتك، ما تختبئ منك، ادخل إليها، وأبصر الذي تريده أفعله، فقام، ودخل إليها وسير قال لها: أبوك هنا، أبصري له ما يأكل، فأخرجت له طعاماً، وقام السلطان إلى كرمة في الدور، وقطع منها عنباً، وأحضره في يده، وهو ينفخه من الغبار، وغسله بماء بيده، وقال: يا قاضي، كل من عنب دورنا، هذا أمر ما فرح به متعمم. وكان إذا أراد أن يعمل سوءاً، ويراه قد أقبل يقول: جاء القاضي وما يدعنا نعمل شيئاً مما نريده، فيحدثه في إبطال ما كان قد هم به من الشر، وفي مدة حياة القاضي كريم الدين لم يقع من السلطان إلا خير. وأما مكارمه فحكى لي غير واحد بالقاهرة جماعة لا يمكن تواطؤهم على نقل باطل: أنه حضرت إليه امرأة رفعت له قصة تطلب فيها إزاراً، فوقع في ظاهرها إلى الصيرفي بصرف مبلغ ثماني مئة درهم، فلما رأى الصيرفي ذلك؛ أنكره، وأوقفها، وتوجه إليه، وقال: يا سيدي، هذه سألت إزاراً والإزار ما ثمنه هذا المبلغ، فقال له:

стр. 1573

صدقت، وأخذ القصة، وقال: الأولى متاع الله تعالى، وزادها مبلغ ثمانين، وقال: الأولى متاع الله تعالى، وزادها مبلغ ثمانين، وقال: هذه متعالي وقال: أنا ما أردت إلا ثمانين، ولكن الله أرادها ثماني مئة، فوزن الصيرفي للمرأة ثماني مئة درهم وثمانين درهماً. وقيل: إنه كان له صيرفي يستدعي منه ما يريد صرفه لمن يسأله شيئاً، وإن الصيرفي أحضر إليه مرة وصولات ليست بخطه فأنكرها، فقال الصيرفي: هذا في كل وقت يحضر إلي مثل هذه الوصولات، فقال: إذا جاء أمسكه وأحضره، فلما جاء على العادة أمسكه وأحضره إلى بابه فقيل: إن الصيرفي وقع بالمزور، فقال: سيبوه، مالي وجه أراه، ثم قال: أحضروه، فلما مثل بين يديه قال: ما حملك على هذا؟ قال: الحاجة، فقال له: كلما احتجت إلى شيء اكتب به خطك على عادتك لهذا الصيرفي، ولكن ارفق، فإن علينا كلفاً كثيرة، وقال للصيرفي: كلما جاءك شيء من خط هذا فاصرفه، ولا تشاور عليه. وحكي لي أنه قبل إمساكه ضيع بعض بأبية مماليك بكتمر اللاساقي حياصة ذهب، فقال صاحبها للأمير، فقال الأمير: إن لم يحضر الحياصة، وإلا روحوا به للوالي ليقطع يده، فنزلوا بذلك البابا، فوجد القاضي كرم الدين آخر النهار طالعاً إلى القلعة، فوقف وشكا حاله، فقال: أخروا أمره إلى غد، فلما نزل إلى داره؛ قال لبعض عبيده: خذ معك غداً حياصة ذهب، لنعطيها لذلك البابا المسكين، فلما أصبح وطلع إلى القلعة أمسك، واشتغل الناس بأمره، ونسي أمر البابا، ولما فرغ

стр. 1574

الناس طلب البابا، وجهز إلى الوالي، فقال له رفاقه: ما كان القاضي كريم الدين وعدك، روح إليه، فقال: يا قوم، إنسان قد أمسك وصودر، أروح إليه! فراح إليه، وكان قد أمر بالمقام في القرافة، فلما دخل إليه؛ شكا حاله، فقال: يا بني، جئت إلي وأنا في هذه الحالة، ثم إنه رفع المقعد، وقال له: خذ هذه الحالة، ثم إنه رفع المقعد، وقال له: خذ هذه الدراهم، استعن بها، كانت قريب الألفين، فلما أخذها وخرج؛ قال لذلك العبد: ما كنت قد أعطيتك حياصة ذهب لهذا البابا؟ فقال: نعم، وهي معي، فقال: هاتها، فأخذها، وطلب البابا، ودفعها إليه، وقال: هذه الحياصة أعطهم إياها والدراهم أنفقها، فطلع بالحياصة، وأعطا للمملوك، فدخل بها المملوك للأمير سيف الدين بكتمر الساقي، فطلب البابا، وقال له: قل لي أمر هذه الحياصة كيف هو؟ فحكى له ما جرى له مع كريم الدين، فقيل لي: إن بكتمر الساقي لطم وجهه، وقال: يا مسلمين! مثل هذا يمسك أو يؤذى؟! وما إمساك كريم الدين برضى بكتمر. وحكى لي القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله أنه بلغه أن القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر والقاضي نجم الدين بن الأثير قعدا يوماً على باب القلة وأجري ذكر كريم الدين ومكارمه، فقال علاء الدين بن عبد الظاهر: ما مكارمه إلا لمن يخالفه، فهو يصانع بذلك عن نفسه، فما كان بعد يومين أو ثلاث إلا حتى احتاج نجم الدين بن الأثير إلى رصاص يستعمله في قدور حمام، فكتب ورقة إلى كريم الدين يسأل فيها بيع جملة من الرصاص بديوان الخاص، فحمل إليه جملة كبيرة، فضل له منها عما احتاج إليه ثلاثون قنطاراً، ولم يأخذ عن ذلك ثمناً، وأما علاء الدين بن بعد الظاهر؛ فإنه تركه يوماً في بستانه، وانحدر إليه في البحر، فلم يدر به إلا وقد

стр. 1575

أرست حراقته على زربية علاء الدين، فنزل إليه، وتلقاه، ودهش لقدومه، فحلف أنه ما يأكل ما يحضره إليه من خارج البستان، ومهما كان طعام ذلك النهار يحضره، فأحضر له ما اتفق حضوره، وقال له: يا مولانا أنا ما أعلمتك بمجيئي، ولكن أنا مثل اليوم ضيفك، ولكن لا ألتقي هذه العمارة على هذه الصورة، وشرع رتبها على ما أراد، وخرج من عنده، فلم يشعر علاء الدين ذلك اليوم إلا بالمراكب قد أرست على زربيته بأنواع الأخشاب والطوب وأفلاق النخل والجبس والمهندسين والصناع والفعول، وكل ما يحتاج إليه، وأخذوا في هدم ذلك المكان، وشرعوا في بنائه، على ما قال لهم، فلم يأت على ذلك خمسة أيام أو ستة إلا وقد تكامل ورخم وزخرف بالذهب واللازورد، وفرغ منه، فلما كان قبل الميعاد بيوم جاء إليه مركب موسوق بأنواع الغنم والإوز والدجاج الفائق وغيره، والسكر والأرز، وجميع ما يطبخ حتى المخافي والماعون الصيني والجبن ومن يقليه، وعمل الطعام الفائق المختلف ومد السماط العظيم، ونزل القاضي كريم الدين ومعه من يختاره وجاء إليه، وجد الدار قد عمرت على ما أراد، والطعام قد مد سماطه، فأكل هو ومن معه، وأحضر أنواع الفواكه والحلوى والمشروب، ولما فرغ من ذلك أحضر بقجة كبيرة، أخرج إليه منها ما يصلح للنساء من القماش الإسكندري وغيره، وما يصلح لملبوس علاء الدين، وقال: هذه خمسة آلاف درهم يكسو بها مولانا عبيده وجواريه على

стр. 1576

ما يحبه ويراه، وهذا توقيع تصدق به مولانا السلطان على مولانا فيه زيادة معلوم دراهم وغلة وكسوة لحم وجراية، ونزل يركب، ونزل معه علاء الدين، فلما ركب وفارقه، قال: يا مولانا علاء الدين! والله هذه الأشياء أنا أفعلها طباعاً، وأنا لا أرجوك ولا أخافك. وقيل: إنه مرة شرب دواء، فجمع له كل ما دخل القاهرة ومصر من الورد، وحمل إلى داره وبسط ذلك الورد إلى كراسي الطهارة، وداس الناس ما داسوه، وأخذ ما فضل أباعه الغلمان للبيمارستان بمبلغ ثلاثة آلاف درهم. وكان السلطان قد فوض إليه نظر البيمارستان المنصوري، فنمت أجور أوقافه، وعمرت وعمر البيمارستان، وكان كلما دخل فيه تصدق بعشرة آلاف درهم، ومات مرة من الزحمة ثلاثة أنفس. وبالجملة، فما سمعت عنه بالديار المصرية إلا كل مكرمة غير الأخرى يبتدع فعلها ولم نسمعها عن غيره. وهو الذي صدق أخبار البرامكة، ومن رئاسته الكاملة أنه كان إذا قال: نعم؛ كانت نعم، وإذا قال: لا؛ فهي لا، وهذه الخلة تمام الرئاسة. وكان في كل أول ثلاثة الشهور رجب وما بعده من كل سنة يخرج كل من كان في الحبوس من الولاية، ومن حبس الشرع، وما يدع في الحبوس أحداً، إن كان عليه دين أوفاه، أو على قضية معضلة أحضر الغريم، وتوصل إلى رضاه بكل طريق، وعمر

стр. 1577

بالزربية جامعاً وميضأه، وعمر في طرق الرمل البيارات، وأصلح الطرق، وعمر في دمشق جامع القبيبات وجامع القابون، ووقف عليهما الوقوف الجيدة. وكان عاقلاً وقوراً داهية، جزل الرأي بعيد الغور، بحب العلماء والفضلاء، ويبرهم ويحسن إليهم أخبرني الشيخ شهاب الدين العسجدي، قال: كنت ليلة عيد مع الشيخ صدر الدين ونحن متوجهان إلى القرافة، فعرض لنا فقير، وقال للشيخ: يا سيدي، شيء لله، فقال لي: كم معك؟ قلت: لا عليك، توجه إلى القاضي كريم الدين، وقل له: الشيخ يسلم عليك، ويهنئك بالعيد، فتوجهت إليه، وقلت له ذلك، فقال: كأن الشيخ مفلس في هذا العيد، يا ططاج - مملوكه - ادفع إلى رسول الشيخ ألفي درهم، قال: فأخذتها، وجئت بها إليه، فقال الشيخ: صدق رسول الله ﷺ الحسنة بعشرة. قدم من ثغر من الإسكندرية مرة في نوبة الحريق الذي وقع بالقاهرة، فغوت به الغوغاء، ورجموه، فغضب السلطان، وقطع أيدي أربعة، ثم إنه مرض في ذلك العام قبل الواقعة، ولما عوفي زينت القاهرة، وتزاحم الخلق، واختنق واحد. ولما انحرف عنه السلطان أمر للأمير سيف الدين أرغون النائب بالقبض عليه، فلما أراد بكرة النهار الدخول إلى السلطان على العادة طلبه إلى بيته وأمسكه، وأوقعت الحوطة على دوره وموجوده، وأمسك ولده علم الدين عبد الله، وكان يوماً عظيماً، وذلك يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وبقي في بيته أياماً، ثم إنه رسم له بالنزول إلى تربته بالقرافة، فتوجه إليها، وأقام بها.

стр. 1578

وفي جمادى الآخرة رسم بتسفيره إلى الشوبك، فأقام به إلى أن رسم له بالحضور إلى القدس، فوصل إليه تاسع عشر شوال من السنة المذكورة، فأقام به يحسن إلى الفقراء والمجاورين والزوار، إلى أن رسم له بالعودة إلى مصر، فتوجه من القدس في حادي عشر شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ولما وصل إليها أخذ ما كان من ذخائره وحواصله وموجوده، ورسم له بالتوجه إلى أسوان، فأقام بها إلى أن توجه إليه الأمير ركن الدين بيبرس الفارقاني، وأصبح على ما قيل مشنوقاً بعمامته، وقيل: إنه لما أحس بقتله توضأ، وصلى ركعتين، وقال: هاتوا، عشنا سعداء، ومتنا شهداء. وكان الناس يقولن: ما عمل أحد مع أحد ما عمله السلطان مع كريم الدين أعطاه الدنيا والآخرة. وكان قد طلب الحجار وست الوزراء، وسمع عليهما صحيح البخاري بقراءة شيخنا ابن سيد الناس ووصلهما، ووصل الشيخ بجملة، وكتب له بها نسخ وذهبت وجلدت. وكتب إليه شرف الدين القدسي: إذا ما بار فضلك عند قوم ... قصدتهم ولم تظفر بطائل فخلهم خلالك الذم واقصد ... كريم الدين فهو أبو الفضائل وأنشدني إجازة شيخنا أبو الثناء شهاب الدين محمود، ما كتب به إلى القاضي كريم الدين يتقاضاه سكراً له في الديوان: أيها السيد الذي لو تجارى ... جوده والحيا لقصر وبله والكريم الذي تفرد في الجو ... د فلم يلف في المكارم مثله

стр. 1579

والذي كل ما تفرق بين الن؟ ... اس من فرغ نائل فهو أصله والذي كل ما يقال من الأو ... صاف والمدح والثنا فهو أهله عم معروفة وتمت أيادي؟ ... هـ، وزادت علياه وامتد فضله ؟ وسما نيله على النيل إذ في ... كل يوم إن تأته فاض فضله وهمى جوده فلو لم يسل سأ ... ل ومن لم يقصده وافاه بذله لي رسم على نداك من السك؟ ... ر هذا أوانه ومحله وخصوصاً والعبد من إثر ضعف ... آده ثقله وأعياه حمله لي مني تصحيفه في نظام ... يتقاضاه عقده أو حله مثل مولاي من يرى الشكر أولى ... فهو آل الندى ويصبيه فعله فابق واسلم يعزى إليك الندى وال؟ ... جود والفضل والتطول كله ما تغنت ورقاء في الورق النض؟ ... ر وحلى معاطف الدوح ظله ومما رثى به الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم للقاضي كريم الدين رحمه الله تعالى: كريم الدين عشت بكل خير ... ومت ممات كل فتى كريم شهيداً قد درجت بغير ذنب ... ولا إثم يؤثم للأثيم بلغت جميع ما تختار حتى ... بلوغك رحمة الله الرحيم إلى جنات عدن صرت يا من ... له تشتاق جنات النعم وجدت بما حوت كفاك فينا ... لأرملة وشيخ أو يتيم وللأمراء والفقراء حتى ... لأثرى كل محتاج عديم

стр. 1580

ففي دنياك فزت بكل حظ ... وفي أخراك بالأجر العظيم وقد خلفت ما يبقى إلى أن ... تقوم قيامة العظم الرميم من الذكر الجميل لكل صنع ... حديث منك أو بر قديم مناقب خصها الرحمن منه ... بما قدم عم من فضل عميم وبالمدح المضمن كل حمد ... وشكر ظاعن لثنا مقيم وما أبقيت في قلبي جواه ال؟ ... مجدد للهموم وللغموم لقد جرعت حين جرعت كأس ال؟ ... حمام فتاك كاسات الحميم ففي الجنات أنت بغير شك ... ومن خلفت في نار الجحيم ويحسب من تصبره سليماً ... وكيف وليله ليل السليم يقضي ليله بتعلات ... ويخلو في دجاه بالهموم فلا تبعد فإن الموت آت ... على المخدوم منا والخديم عبد اللطيف بن بلبان ابن عبد الله السعودي، الشيخ الصالح الفاضل سيف الدين أبو محمد. كان خليفة الشيخ عمر السعودي مدة، ثم ولي المشيخة ولد الشيخ عمر. سمع من ابن عزون، والمعين ابن القاضي الدمشقي، وخرج له شهاب الدين الدمياطي جزءاً. وكان فيه خير وديانه، وله شعر وكلام على طريقة القوم. توفي رحمه الله تعالى في سابع عشر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة، وكتب في الإجازات.
следующие страницы →