Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
ما يحبه ويراه، وهذا توقيع تصدق به مولانا السلطان على مولانا فيه زيادة معلوم دراهم وغلة وكسوة لحم وجراية، ونزل يركب، ونزل معه علاء الدين، فلما ركب وفارقه، قال: يا مولانا علاء الدين! والله هذه الأشياء أنا أفعلها طباعاً، وأنا لا أرجوك ولا أخافك.
وقيل: إنه مرة شرب دواء، فجمع له كل ما دخل القاهرة ومصر من الورد، وحمل إلى داره وبسط ذلك الورد إلى كراسي الطهارة، وداس الناس ما داسوه، وأخذ ما فضل أباعه الغلمان للبيمارستان بمبلغ ثلاثة آلاف درهم.
وكان السلطان قد فوض إليه نظر البيمارستان المنصوري، فنمت أجور أوقافه، وعمرت وعمر البيمارستان، وكان كلما دخل فيه تصدق بعشرة آلاف درهم، ومات مرة من الزحمة ثلاثة أنفس.
وبالجملة، فما سمعت عنه بالديار المصرية إلا كل مكرمة غير الأخرى يبتدع فعلها ولم نسمعها عن غيره. وهو الذي صدق أخبار البرامكة، ومن رئاسته الكاملة أنه كان إذا قال: نعم؛ كانت نعم، وإذا قال: لا؛ فهي لا، وهذه الخلة تمام الرئاسة.
وكان في كل أول ثلاثة الشهور رجب وما بعده من كل سنة يخرج كل من كان في الحبوس من الولاية، ومن حبس الشرع، وما يدع في الحبوس أحداً، إن كان عليه دين أوفاه، أو على قضية معضلة أحضر الغريم، وتوصل إلى رضاه بكل طريق، وعمر
стр. 1577
بالزربية جامعاً وميضأه، وعمر في طرق الرمل البيارات، وأصلح الطرق، وعمر في دمشق جامع القبيبات وجامع القابون، ووقف عليهما الوقوف الجيدة.
وكان عاقلاً وقوراً داهية، جزل الرأي بعيد الغور، بحب العلماء والفضلاء، ويبرهم ويحسن إليهم أخبرني الشيخ شهاب الدين العسجدي، قال: كنت ليلة عيد مع الشيخ صدر الدين ونحن متوجهان إلى القرافة، فعرض لنا فقير، وقال للشيخ: يا سيدي، شيء لله، فقال لي: كم معك؟ قلت: لا عليك، توجه إلى القاضي كريم الدين، وقل له: الشيخ يسلم عليك، ويهنئك بالعيد، فتوجهت إليه، وقلت له ذلك، فقال: كأن الشيخ مفلس في هذا العيد، يا ططاج - مملوكه - ادفع إلى رسول الشيخ ألفي درهم، قال: فأخذتها، وجئت بها إليه، فقال الشيخ: صدق رسول الله ﷺ الحسنة بعشرة.
قدم من ثغر من الإسكندرية مرة في نوبة الحريق الذي وقع بالقاهرة، فغوت به الغوغاء، ورجموه، فغضب السلطان، وقطع أيدي أربعة، ثم إنه مرض في ذلك العام قبل الواقعة، ولما عوفي زينت القاهرة، وتزاحم الخلق، واختنق واحد.
ولما انحرف عنه السلطان أمر للأمير سيف الدين أرغون النائب بالقبض عليه، فلما أراد بكرة النهار الدخول إلى السلطان على العادة طلبه إلى بيته وأمسكه، وأوقعت الحوطة على دوره وموجوده، وأمسك ولده علم الدين عبد الله، وكان يوماً عظيماً، وذلك يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وبقي في بيته أياماً، ثم إنه رسم له بالنزول إلى تربته بالقرافة، فتوجه إليها، وأقام بها.
стр. 1578
وفي جمادى الآخرة رسم بتسفيره إلى الشوبك، فأقام به إلى أن رسم له بالحضور إلى القدس، فوصل إليه تاسع عشر شوال من السنة المذكورة، فأقام به يحسن إلى الفقراء والمجاورين والزوار، إلى أن رسم له بالعودة إلى مصر، فتوجه من القدس في حادي عشر شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ولما وصل إليها أخذ ما كان من ذخائره وحواصله وموجوده، ورسم له بالتوجه إلى أسوان، فأقام بها إلى أن توجه إليه الأمير ركن الدين بيبرس الفارقاني، وأصبح على ما قيل مشنوقاً بعمامته، وقيل: إنه لما أحس بقتله توضأ، وصلى ركعتين، وقال: هاتوا، عشنا سعداء، ومتنا شهداء. وكان الناس يقولن: ما عمل أحد مع أحد ما عمله السلطان مع كريم الدين أعطاه الدنيا والآخرة.
وكان قد طلب الحجار وست الوزراء، وسمع عليهما صحيح البخاري بقراءة شيخنا ابن سيد الناس ووصلهما، ووصل الشيخ بجملة، وكتب له بها نسخ وذهبت وجلدت.
وكتب إليه شرف الدين القدسي:
إذا ما بار فضلك عند قوم ... قصدتهم ولم تظفر بطائل
فخلهم خلالك الذم واقصد ... كريم الدين فهو أبو الفضائل
وأنشدني إجازة شيخنا أبو الثناء شهاب الدين محمود، ما كتب به إلى القاضي كريم الدين يتقاضاه سكراً له في الديوان:
أيها السيد الذي لو تجارى ... جوده والحيا لقصر وبله
والكريم الذي تفرد في الجو ... د فلم يلف في المكارم مثله
стр. 1579
والذي كل ما تفرق بين الن؟ ... اس من فرغ نائل فهو أصله
والذي كل ما يقال من الأو ... صاف والمدح والثنا فهو أهله
عم معروفة وتمت أيادي؟ ... هـ، وزادت علياه وامتد فضله
؟ وسما نيله على النيل إذ في ... كل يوم إن تأته فاض فضله
وهمى جوده فلو لم يسل سأ ... ل ومن لم يقصده وافاه بذله
لي رسم على نداك من السك؟ ... ر هذا أوانه ومحله
وخصوصاً والعبد من إثر ضعف ... آده ثقله وأعياه حمله
لي مني تصحيفه في نظام ... يتقاضاه عقده أو حله
مثل مولاي من يرى الشكر أولى ... فهو آل الندى ويصبيه فعله
فابق واسلم يعزى إليك الندى وال؟ ... جود والفضل والتطول كله
ما تغنت ورقاء في الورق النض؟ ... ر وحلى معاطف الدوح ظله
ومما رثى به الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم للقاضي كريم الدين رحمه الله تعالى:
كريم الدين عشت بكل خير ... ومت ممات كل فتى كريم
شهيداً قد درجت بغير ذنب ... ولا إثم يؤثم للأثيم
بلغت جميع ما تختار حتى ... بلوغك رحمة الله الرحيم
إلى جنات عدن صرت يا من ... له تشتاق جنات النعم
وجدت بما حوت كفاك فينا ... لأرملة وشيخ أو يتيم
وللأمراء والفقراء حتى ... لأثرى كل محتاج عديم
стр. 1580
ففي دنياك فزت بكل حظ ... وفي أخراك بالأجر العظيم
وقد خلفت ما يبقى إلى أن ... تقوم قيامة العظم الرميم
من الذكر الجميل لكل صنع ... حديث منك أو بر قديم
مناقب خصها الرحمن منه ... بما قدم عم من فضل عميم
وبالمدح المضمن كل حمد ... وشكر ظاعن لثنا مقيم
وما أبقيت في قلبي جواه ال؟ ... مجدد للهموم وللغموم
لقد جرعت حين جرعت كأس ال؟ ... حمام فتاك كاسات الحميم
ففي الجنات أنت بغير شك ... ومن خلفت في نار الجحيم
ويحسب من تصبره سليماً ... وكيف وليله ليل السليم
يقضي ليله بتعلات ... ويخلو في دجاه بالهموم
فلا تبعد فإن الموت آت ... على المخدوم منا والخديم
عبد اللطيف بن بلبان
ابن عبد الله السعودي، الشيخ الصالح الفاضل سيف الدين أبو محمد.
كان خليفة الشيخ عمر السعودي مدة، ثم ولي المشيخة ولد الشيخ عمر.
سمع من ابن عزون، والمعين ابن القاضي الدمشقي، وخرج له شهاب الدين الدمياطي جزءاً. وكان فيه خير وديانه، وله شعر وكلام على طريقة القوم.
توفي رحمه الله تعالى في سابع عشر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة، وكتب في الإجازات.
стр. 1581
عبد اللطيف بن خليفة
الصدر المعظم الفضل شمس الدين العجمي أخو النجيب كحال غازان وغيره.
كان النجيب المذكور له صورة كبيرة، ومحل زائد عند ملوك المغل، وكان أخوه هذا شمس الدين عبد اللطيف قد تسمى في تلك البلاد بالملك الصالح، وورد إلى الديار المصرية، فأكرم كثيراً إلى الغاية.
وكان أديباً فاضلاً، لبيباً عاقلاً، على ذهنه غوامض من العربية، وعنده نكت ظريفة أدبية، يترسل بغير سجع، وينبت في طروسه أزاهر بغير رجع، لكن بعبارة فاضل، بحاث مناضل، يستشهد على مقصوده بالآيات الكريمة، والأحاديث القويمة والحكمة القديمة، والأشعار الرائقة، والفقر الفائقة، وخطه قوي إلى الغاية من عادة تعليق العجم، وشبه الزهر الذي أينع لما نجم، وله مداخلات مع السلطان وغيره من أرباب الدولة، وممن له في الدهر جولة، يتحدث بالتركي والعجمي فصيحاً، ويذر من يجادله في الوقت طريحاً.
وكان له إقدام على الأكابر، وجرأة على أرباب السيوف والمحابر، ويحضر عند السلطان في بعض الأحيان، وينفع من يريد، ويضر بكل لسان.
ولم يزل على حاله إلى أن مرض بفالج، فكابد منه ألماً يعالج من برحه ما يعالج، ثم إنه بطلت حركات جوارحه، وقيدت مطلقات سوارحه.
стр. 1582
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين سلخ المحرم سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وجدوه غريقاً في البركة، ودفن في مقابر باب النصر.
وكان له من الرواتب في تلك الأيام ما يقارب الألفي درهم، واجتهد بدهائه، إلى أن جعل ذلك في جملة رواتب المماليك السلطانية حتى إن المستوفين لا يتعرضون له إذا عملوا استيماراً، وكان الأمير سيف الدين أرغون النائب إذا رآه في القلعة يقول: ما أحسد إلا هذا الشيخ الذي له في كل شهر ألفا درهم، وهو دائر بطال بلا شغل.
وكان يحضر عند السلطان في سرياقوس، يتكلم بين يديه بالنفع والضر لمن يريد، لأنه كان خبيراً بأخلاق الملوك، ومخاطباتهم وسياساتهم. قال لي من لفظه: أنا أتعيش بين الناس، وأتجوه عندهم بكل جلسة أجلسها بسرياقوس عند السلطان عدة شهور.
وكانت له خصوصية بالقاضي فخر الدين ناظر الجيش، وبالقاضي علاء الدين بن الأثير كاتب السر، ونفع جماعة، وهو كان أحد من ساعد الخطيب جلال الدين القزويني على توليه قضاء القضاة بالشام وعلى الحضور إلى قضاء الديار المصرية.
ودخل يوماً إلى القاضي مجد الدين بن لفيتة، وهو ناظر الدولة، يطالبه بمرتبه وألح عليه، وزاد في الإبرام، فقال له: يا مولانا كل شهر ألفا درهم، ما تمهل علينا بشهر واحد؟، فقال: يا مولانا هذه الألفان التي لي ما تكفي هذا عبدك الذي يحمل دواتك أن يشرب بها نبيذاً، فلم يجبه بكلمة، وصرف له ما أراد.
стр. 1583
وكان إذا حضر عند فخر الدين ناظر الجيوش أخذ الورقة من يده، ونتشها بعنف، ورمى بها، وقال: خلنا من هذا، وتحدث بنا في شأننا.
وكان شيخاً تام القامة، أعشى البصر قليلاً، ذا عمة صغيرة كأنها تخفيفة، وكان لا يخاطب إلا بمولانا، وكان يدعي أنه قرأ المنطق على الأثير الأبهري.
وكانت له دار مليحة على بركة الفيل، وله أموال وجواهر نفيسة، ورأيته يوماً وقد دخل إلى الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك، وقد انقطع الأمير من وجع مفاصل كان يعتريه في رجليه، وكان قد غاب عنه مدة، فلما رآه مقبلاً؛ قال له: يا مولانا! أين كنت في هذه الغيبة؟ وا ويلاه من رجلك.
وكان أصله بتلك البلاد يهودياً ثم أسلم، ولما انفلج جاء إلي الشيخ شمس الدين محمد ابن الأكفاني، وقال لي: يا مولانا الآن. كما أسلم شمس الدين العجمي، فقلت له: كيف ذلك، وهو قديم الإسلام؟! فقال: لأن المسلمين سلموا من يده ولسانه، يعني بالفالج الذي حصل له.
أخبرني من لفظه العلامة شيخ الإسلام، قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى قال: اجتمع يوماً شمس الدين، والأمير ناصر الدين بن البابا، وشجاع الدين الترجمان، ونجم الدين بن قاسم بن مرداد، فقال ناصر الدين: أخبرني
стр. 1584
هذا، وأشار إلى أحد الاثنين، فقال شمس الدين: من هو هذا؟ " إن البقر تشابه علينا " فقال شجاع الدين: مولانا، من قال هذا الكلام. فقال شمس الدين: الذين قال الله في حقهم: " يا بني إسرائيل اذكر نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين "، فقال شجاع الدين: مولانا، حاشاك تقول مثل هذا! وإنما قال الله في حقهم: " وضربت عليهم الذلة والمسكنة " الآية، أو كما قال.
ولما دخلت القاهرة اجتمعت به في سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فرأيت منه رجلاً داهية، خبيراً بما يتكلم به، يغلب عليه العقليات، ويستحضر من كلام الحكماء جملة وافرة، وينقل كثيراً مما يذاكر به من فنون الأدب ووقائع الناس، خصوصاً وقائع ملوك المغل، وله ذوق جيد في الشعر، وتفضل في حقي كثيراً ﵀ ونوه بذكري عند الأكابر وأثنى علي ثناء كثيراً انتفعت به، شكوت إليه يوماً من بعض الكتاب، فقال لي: مولانا القواهر العلوية دائمة الفيض ممنوعة الحجب تقتص من الظالم للمظلوم، ومن الحاكم للمحكوم.
وكتبت أنا إليه في أول شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مئة:
يا من بحبل ولائه أتمسك ... وبذكره بين الورى أتمسك
أوليتني نعماً غدت تترى فما ... تدرى وغاية شكرها لا تدرك
وأفدتني فضلاً بكل نفيسة ... تشرى فجودك في الورى لا يشرك
أنت المبوأ ذروة المجد التي ... عزت فما لسواك فيها مسلك
стр. 1585
حزت السيادة في الأنام وأنت في ... أهل العلوم على الجميع مملك
كل ينام عن المحامد والعلا ... وإذا دعي لفضيلة يستدرك
إذا عزائمك العلية كم لها ... في كسب ذلك باعث ومحرك
وتجود مبتدئاً ومالك مقصد ... إلا طباع فتى غدا يتبرمك
شيم من النفس الأبية أشرقت ... أبداً تقاد إلى الجميل وتملك
وغدت مرنحة بما تولي الورى ... صنعاً جميلاً شأوه لا يدرك
هذبتها بمعارف قدسية ... فتبيت تصقل بالعلوم وتسبك
حتى لقد خلصت ونور ذاتها ... عرفان من بجنابه تتمسك
إن لم يكن هذا فكيف بررتني ... وجعلت ثغر الدهر نحوي يضحك
يا شمس فضل ظله المبسوط لي ... أنا من سناه في الورى أتبرك
سطرت ما أوليتني ذهباً على ... وجه الزمان وذا المديح يزمك
فتهن شهراً قد أتاك مبشراً ... يا خير من بصيامه يتنسك
واسلم ودم في كل خير وافر ... من حيث يأتي لا يمل ويترك
ما بات ضوء الشمس يصقل جدولاً ... ويروح من نفس الصبا يتفرك
عبد اللطيف بن ممد بن سند
سراج الدين التاجر الكارمي الإسكندراني.
كان من أعيان الكارم، وذوي الجود والمكارم، رئيساً وجيهاً، فاضلاً نبيهاً، وقف وقوفاً جيده، وبنى مدرسة بالثغر للمحاسن متصيده، وسمع وروى، وأطنب في ذلك وما غوى، وله ديوان كله أمداح نبوية، ومحامد على خير البرية.
стр. 1586
ولم يزل على حاله إلى أن طفئ سراجه، وكمل نقد عمره وخراجه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة وسبع مئة.
وكان قد سمع من النجيب، وابن فارس، وغيرهما، وحدث وسمع منه الأعيان.
ومن شعره:
لي بالأجيرع دون وادي المنحنى ... قلب تقلبه الصبابة والضنا
غاروا عليه بالغوير ويمموا ... نجداً سحيراً واستقلوا أيمنا
ملكوه مني بالمكارم والعلا ... وحموه عني بالصوارم والقنا
أتبعتهم يوم استقلت عيسهم ... بحشاشة ألفت معاناة الغنا
ونثرت من جفني عقيق مدامعي ... حين التفرق فاستحالت أعينا
وسرت بي الهوج البوازل ترتمي ... ليلاً ولذ لها الفناء على الفنا
حتى إذا أهدت لنا ريح الصبا ... عرف الخزامى زال عنها ما عنى
فأنخت نضوي ثم قلت لها: قفي ... مهلاً رويدك فالمعرس ههنا
وأنشدني من لفظه العلامة أبو حيان قال: ومن شعر سراج الدين المذكور:
ما للنياق عن العراق تميل ... تهوى الحجاز وما إليه سبيل
ذكرت لياليها المواضي بالحمى ... والوجد منها سائق ودليل
стр. 1587
واستنشقت عرف الخزام وشاقها ... ظل بأكناف الغوير ظليل
عجباً لها تهوى النسيم تعللاً ... بنسيم رامة والنسيم عليل
ترد النقيب وما تبل به صدى ... وتود لو أن العذيب بديل
لله ليلتها وقد لاحت لها ... أعلام يثرب واستبان نخيل
وبدا لها شعب الثنية فانثنت ... تهتز من طرب به وتميل
يحدو لها حادي السري مترنماً ... ما بعد طيبة لركاب مقيل
يا سائق الوجناء عرج بالغضا ... فهناك عرب بالأراك نزول
دار لعزة ما أعز جوارها ... وظلالها للوافدين نزول
للنوق مراعاها البهيج وللعدى ... نقم تهيج وللجياد صهيل
فإذا حللت فللظباء مراتع ... وإذا رحلت فللحمام هديل
عبد اللطيف بن أحمد
ابن محمود بن الإمام الفاضل التاجر، سراج الدين بن الكويك، بكاف أولى مضمومة، وبعدها واو مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وبعدها كاف أخرى.
كان فاضلاً جيد العربية، والمقاصد الدقيقة الأدبية، حسن الشاكلة والمحيا، لو حاول القمر حسنه ما تم له وما تهيأ، حسن النظم البارع، جيد الذهن فيما يفهمه وإليه يسارع.
سمع بقراءتي على شيخنا أثير الدين كثيراً، وكان يحلني من قبله محلاً أثيراً.
стр. 1588
توجه إلى التكرور بتجارة فلم يكر، وحل به من الموت هناك الأمر النكر.
وتوفي هناك ﵀ سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
اجتمعت به غير مرة ونحن نحضر حلقة شيخنا أثير الدين، وسمع بقراءتي جملة، وكان شافعي المذهب، قدم دمشق سنة عشر وسبع مئة، وسمع بنت البطائحي وإسحاق الأسدي وابن مكتوم.
وقفت على ثلاثة أبيات بخطه كتبها على مصنف لشيخنا العلامة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي سماه كل وما علي تدل وهي:
لله ذر مسائل هذبتها ... ونفيت خلفاً عد خلفاً نقله
وحللت إذ قيدت بالشرطين ما ... أعيا على العلماء قبلك خله
فعلا على الشرطين قدرك صاعداً ... أوج العلوم وفوق ذاك محله
عبد اللطيف بن عبد العزيز
ابن عبد السلام، الفقيه محيي الدين بن الشيخ عز الدين السلمي الدمشقي الشافعي.
روى عن ابن اللتي، وطلب الحديث بنفسه بالقاهرة وقرأ على الشيوخ، فكان أفضل الإخوة، وهو من بينهم صاحب القريحة والهمة والنخوة، قرأ الفقه وتميز،
стр. 1589
وانزوى إلى زاوية العلماء وتحيز، وكان يعرف تصانيف والده جيداً، ولم يكن عن معرفة غيرها متحيداً.
ولم يزل على حاله إلى أن لقي عبد السلام من ربه سلاماً، ولم يسمع محادثه منه كلاماً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة، وقيل: سنة خمس.
عبد اللطيف بن عبد العزيز
الشيخ مجد الدين بن تيمية الحراني الحنبلي.
روى عن جده، وعن عيسى بن سلامة، وابن عبد الدائم. وخطب بحران سنوات، وكان عدلاً خيراً.
توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة.
عبد اللطيف بن محمد
ابن الحسين العلامة أبو البركات بدر الدين بن شيخ الشافعية القاضي تقي الدين بن رزين الحموي المصري الشافعي.
كان إماماً تفنن، وعرف المذهب وتعين، ودرس وأفتى، وحسن وصفاً ونعتاً، أعاد لأبيه، وولي قضاء العسكر، فلم يكن له فيه شبيه، ودرس بالظاهرية، وخطب الجامع الأزهر.
стр. 1590
ولم يزل على حاله إلى أن خف ابن رزين على نعشه، وبله وبل الردى بطشه.
وتوفي رحمه الله تعالى ثامن عشري جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة.
ومولده بدمشق سنة تسع وأربعين وست مئة.
وحدث عن عثمان خطيب القرافة، وعبد الله ابن الخشوعي، وغيره، وكان قد حفظ المحرر في الفقه.
وكان فقيهاً كبيراً قد تولى الإعادة لوالده، وهو ابن عشرين سنة، وأفتى، وناب في الحكم بالقاهرة وقليوب، وولي قضاء العسكر في حياة والده، واستمر على ذلك إلى أن مات، أكثر من ثلاثين سنة.
ودرس بالمدرسة الظاهرية، والسيفية والأشرفية، وخطب بالجامع الأزهر، وكان يذكر الدروس من الفقه والحديث والتفسير والأصول، وكان له اعتناء بالحديث والرواية.
وولي قضاء العسكر عوضه جمال الدين الأذرعي مضافاً إلى قضاء القضاة بمصر.
عبد اللطيف
بن عبد العزيز
الشيخ الإمام النحوي المقرئ شهاب الدين بن المرحل الحراني.
كان في النحو علامة، له فيه أمارات بينة وعلامة، لو عاصره الأستاذ ابن عصفور لكان غلامه، متثبتاً فيما يقوله، سالمة من الشك نقوله، يكتب خطاً
стр. 1591
حسناً قوياً، ويأتي به في المنسوب سوياً. وكان يتردد من مصر إلى حلب، ويتجر بالكتب فيها إذا جلب.
ولم يزل على حاله إلى أن رحل رحلة لم يعد منها إلى هذه الدار، ورثاه حتى الحمام الهدار.
وتوفي رحمه الله تعالى سنى أربع وأربعين وسبع مئة بالقاهرة.
سمعت صحيح البخاري بقراءته في شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وسبع مئة بالظاهرية بين القصرين على شيخنا أبي الفتح.
وكان فيه جمود يسير، وما اعتقد ذاك الجمود عن بلادة، ولكنه كان ذا تثبت في النقل.
أخبرني الشيخ شمس الدين محمد بن الخباز، قال: سألته بحلب، فقلت: يا سيدي، كِشاجم بكسر الكاف أو فتحها أو ضمها؟ فأخذ يفكر زماناً، ويقول: كُشاجم بضم الكاف مثل علابط، هذا وزن صحيح، ثم التفت إلي، وقال: يا سيدنا، لا تنقل عني في هذا شيئاً ما يحل لك.
قلت أنا: المعروف بين أهل الأدب أنه كشاجم بفتح الكاف لأنه كما قيل في سبب تسميته بذلك أنه كان كاتباً شاعراً أميراً جليساً منجماً، فأخذوا له من كل وصف حرفاً وركبوا له هذا الاسم.
وكان الشيخ شهاب الدين رحمه الله تعالى يعرف ألفية ابن مالك، أقرأها جماعة بالقاهرة وحلب، وممن قرأها عليه بالقاهرة أخي إبراهيم.
стр. 1592
وقد اجتمعت به رحمه الله تعالى غير مرة، وأخذت من فوائده، وكان يلازم سوق الكتب كثيراً لأنه كان يتجر فيها، وينقلها إلى حلب.
عبد اللطيف بن نصر
ابن سعيد بن سعد بن محمد بن ناصر بن الشيخ أبي سعيد الميهني الشيخي نجم الدين شيخ الشيوخ بالبلاد الحلبية بن الشيخ بهاء الدين أبو محمد.
سمع من جده لأمه حامد بن أميري، وعبد الحميد بن بليمان، ويحيى بن الدامغاني، وابن روزبه، وغيرهم.
أقام بحلب وحدث بها.
وغص بلقمة، فمات رحمه الله تعالى في سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده بحمص سنة تسع وست مئة، وكتب لشيخنا الذهبي بإجازة مروياته.
عبد اللطيف
الشيخ سيف الدين شيخ زاوية السعودية بالقاهرة، كان يعرف قبل ذلك ببلبان الكرجي.
стр. 1593
سمع من المعين أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي، وأبي إسحاق إبراهيم ابن عمر بن مضر، غيرهما. وخرجت له مشيخة لطيفة، وكتب خطاً حسناً متوسطاً.
أجاز لي بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وكتب بخطه:
أجزت لهم رواية كل مالي ... روايته سماعاً أو إجازه
ومالي من مقول مؤلفات ... حوت نظماً ونثراً لي مجازه
أجزتهم وأرجو الله ربي ... ينيلهم الكرامة والعزازه
عبد المحسن بن حسن
ابن سليمان البارنباري جمال الدين.
أخبرني من لفظه العلامة أثير الدين قال: رايته مراراً بالقاهرة ودمياط، وبمصر، وله نظم، منه ما أنشدني لنفسه بدمياط وهو:
متى يا أهيل الحي أحظى بقربكم ... ويبلغ قلبي من لقائكم القصدا
وترجع أيام تقضت على الحمى ... وتنجز ليلى من تواصلها الوعدا
قال: وله أيضاً:
منهج فخر الدين في حكمه ... وشرعه أقوم منهاج
قد وسع الناس بأخلاقه ... فما له في الخلق من هاج
стр. 1594
عبد المحسن بن أحمد
ابن محمد بن علي، الشيخ المسند أمين الدين أبو الفضائل بن شهاب الدين بن الحافظ جمال الدين أبي حامد بن الصابوني.
أجاز لي بخطه المرتعش المعوج بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت سادس جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في سابع عشر ذي الحجة سنة سبع وخمسين وست مئة.
وسمع من أصحاب البوصيري، وكان مكثراً. وحدث وهو من رواة جزء ابن عرفة. وسمع ابن عزون، وابن القاضي الدمشقي، وابن علاق، والنجيب الحراني بالقاهرة، وبدمشق من ابن أبي اليسر، وابن عبد، وشيوخ جمة.
وكان شاهداً بمصر ثم ضعف بصره.
عبد المحسن بن عبد اللطيف
ابن محمد بن الحسين بن رزين، القاضي الإمام علاء الدين بن القاضي بدر الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين بن رزين.
سمع من العز الحراني، وغازي.
سمعت خطابته ودرسه بالظاهرية غير مرة، وكان فصيحاً بليغاً، ودرسه بسكون، لا يتكلم فيه أحد غيره.
стр. 1595
أجاز لي بخطه في رابع المحرم سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الاثنين عاشر شعبان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
وسمع من ابن خطيب المزة سنن أبي داوود بقراءة أبي حيان.
وكان خطيباً بالجامع الأزهر
عبد المحمود بن عبد الرحمن
ابن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الله الشيخ الإمام القدوة والصدر الكبير شهاب الدين أبو القاسم بن أبي المكارم بن الشيخ عماد الدين أبي جعفر بن الشيخ الإمام القدوة شهاب الدين أبي حفص السهروردي البغدادي.
كان شيخاً قدره كبير، له وقار يخف عنده ثبير، صدر العراق وقلبه، وعينه التي يطبق الدهر عليها هدبه، أمواله جزيلة، وحشمته نبيلة، وكلمته كالسهام النافدة، وعظمته في النفوس ترى وهي إلى الثريا آخذة. وكان يجلس للوعظ أحياناً، ويموت سامعوه وجداً، وهم يقولون: أحياناً.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح عبد المحمود على الأعناق محمولاً، وقطع من كل من كان يؤمه مأمولاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر شهر رجب سنة أربع عشرة وسبع مئة.
وكان قد لبس الخرقة من جده أبي جعفر محمد، وروى عنه سداسيات القاسم بن عساكر. ولشيخنا علم الدين البرزالي منه إجازة.
стр. 1596
عبد المحمود بن عبد السلام
ابن حاتم بن أبي محمد بن علي البعلبكي الدمشقي الشافعي الشيخ الإمام العالم مجد الدين أبو المحامد.
اشتغل وحفظ التنبيه وعرضه على المشايخ، وقرأ على الشيخ محيي الدين النووي، ولازم الشيخ برهان الدين الإسكندري وقرأ عليه القرآن والتنبيه. وسمع الحديث من القاضي شمس الدين بن عطاء الحنفي وحدث عنه.
وقال: كتبت الأسماء في مجالس الحديث، وقرأت بنفسي على الكرجي والقاضي ابن الخويي، وأجلسني مع الشهود القاضي بهاء الدين بن الزكي.
وكان يدعي أنه من ذرية أبي فراس بن حمدان.
توفي رحمه الله تعالى في يوم الاثنين عرفة تاسع ذي الحجة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وقال: كنت رضيعاً عندما دخل هولاكو البلاد.
عبد الملك بن أحمد
ابن عبد الملك الأنصاري، تقي الدين الأرمنتي الشافعي.
стр. 1597
سمع الحديث على شيخه مجد الدين القشيري، وابنه الشيخ تقي الدين، وعلى عبد المحسن ابن إبراهيم المكتب وغيرهم.
وحدث، وكان فقيهاً مفتياً، معيداً في فضله مبدياً وكان يحسن إلى الفقهاء، ويجود على الأدباء ويساعدهم على المناصب، ويكف عنهم بفضله كل شر واصل واصب.
ولم يزل على حاله إلى أن أنشبت فيه المنية أظفارها، وحكمت فيه شفارها.
وتوفي رحمه الله تعالى بقوص سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. ومولده بأرمنت سنة اثنتين وثلاثين وست مئة.
وكان قد أجازه الشيخ مجد الدين بالإفتاء، وله أرجوزة في الحلى، ورجز تاريخ مكة للأزرقي. وكان يكتب خطاً رديئاً لا يحسن أحد يستخرجه إلا الشاذ.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: كان بعض قضاة قوص إذا جاءت إليه ورقة بخطه، يقول لصاحبها: أحاضره ليقرأها.
ومن شعره:
قالت لي النفس وقد شاهدت ... حالي لا تصلح أو تستقيم
стр. 1598
بأي وجه نلتقي ربنا ... والحاكم العدل هناك الغريم
فقلت: حسبي حسن ظني به ... ينيلني منه النعيم المقيم
قالت وقد جاهرت حتى لقد ... حق له يصليك نار الجحيم
قلت معاذ الله أن يبتلي ... بناره وهو بحالي عليم
ولم أفه قط بكفر وقد ... كان بتكفير ذنوبي زعيم
وقال في لزوم سوق الوراقة:
أيا سائلاً حالي بسوق لزمته ... يسمونه سوق الوراقة ما يجدي
خذ الوصف مني ثم لا تلو بعده ... على أحد من سائر الخلق من بعدي
يكسب سوء الظن بالخلق كلهم ... وخسة طبع في التقاضي مع الحقد
وينقص مقدار الفتى بين قومه ... ويدعى على رغم من القرب والبعد
وإن خالف الحكام في بعض أمرهم ... يرى منهم الله كل الذي يردى
ولا سيما في الدهر إذ رسموا لنا ... بأربعة في كل أمر بلا بد
ويكفيه تمعير النقيب وكونه ... يشنطط بين الرسل في حاجة الجندي
وإن قال إني قانع بتفردي ... فهذا معاش ليس يحصل للفرد
فبالله إلا ما قبلت نصيحتي ... وعانيت ما يغنيك عنه وما يجدي
وإن كنت مقهوراً عليه لحاجة ... فصابر عليه لا تعيد ولا تبدي
стр. 1599
عبد الملك بن الأعز
ابن عمران الثقفي، تقي الدين الأسنائي.
كان بالتشيع متهماً، وعلى التوالي ملتئماً. وكان في عداد الأدباء، ومن جملة الشعراء. وكان قد قرأ النحو والأدب على الشمس الرومي. ورد عليهم أسنا. وله ديوان شعر.
ولم يزل على حاله إلى أن جف من حياته الورق، ورق خيط عمره ودق.
وتوفي رحمه الله تعالى بأسنا سنة سبع وسبع مئة.
ومن شعره:
لا تلم من تحب عند سراه ... فغرام الحبيب قد أسراه
جذبته يد الغرام لمن يه؟ ... واه فاعذره في الذي قد عراه
راح يطوي نشر الليالي من الشو ... ق إليه ووجده قد براه
ومنه:
جفوني ما تنام إلا ... لعلي أن أراك
فزرني قد براني الشو ... ق يا غصن الأراك
وطرفي ما رأى مثلك ... وقلبي قد حواك
فهو لك لم يزل مسكنفسبحان الذي أسكنوحسنك كم به أفتن
وما قصدي سواكحبيبي آه ما أحلىهواني في هواك
فخل الصد والهجران ... ولا تسمع ملام
стр. 1600
وصلني يا قضيب البان ... ففي قلبي ضرام
وجد للهائم الولهان ... يا بدر التمام
وزر يا طلعة البدرودع يا قاتلي هجريوارفق قد فني عمري
وعد أيام وفاكواسمح أن أقبل يامليح بالله فاك
إذا ما زاد بي وجدي ... ولا ألقى معين
وصار معي على خدي ... كالماء المعين
أفكر األتقيك عندي ... يطيب قلبي الحزين
لأنك نزهة الناظروشخصك في الفؤاد حاضروحبي فيك بلا آخر
وقولي قد كفاكفجد واعدل وعد واصلوصل من رضاك
جبينك يشبه الإصباح ... بنور وقد هدى
وريقك من رحيق الراح ... به يروى الصدى
وخدك يبهر التفاح ... مكلل بالندى
سباني لونه القانيفخلاني كئيب عانيتجافي النوم أجفاني
فهل عيني تراكفذاك اليوم فيه خديأعفر في ثراك
عذولي لا تطل واقصر ... ودع صباً كئيب
تأمل من هويت وابصر ... إلى وجه الحبيب
стр. 1601
وكن يا صاح مستبصر ... ترى شيئاً عجيب
ترى من حسنه مبدعكبدر التم إذ يطلعتحير لم تدر ما تصنع
ولا تعرف هداكوتبقى مفتكر حيرانإلا إن هداك
عبد الملك بن عبد الرحمن
ابن عبد الأحد بن عبد العزيز بن أبي نصر حماد بن صدقة الحراني العطار، الشيخ جمال الدين العطار، عرف بابن العنيقة.
قال شيخنا البرزالي: سمعت عليه الفوائد الملتقطة المخرجة من مسموعات أبي الفتح عبد الله بن أحمد بن أبي الفتح الخرقي الأصبهاني انتقاء محمد بن مكي الحنبلي بسماعه من الشيخ العدل أبي الفضل معالي، بسماعه من الخرقي المذكرو بأصبهان في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وست مئة، بقراءة الشيخ تقي الدين بن تيمية، قال: ثم قرأت عليه عدة أجزاء.
توفي رحمه الله تعالى في ربيع الأول سنة سبع مئة في المحارة بعد الرحيل من الصالحية إلى العباسة بدرب مصر في الجفل.
عبد المؤمن بن خلف
ابن أبي الحسن بن شرف، الشيخ الإمام العالم العلامة، الحافظ البارع النسابة،
стр. 1602
المجود الحجة، علم المحدثين عمدة النقاد، شرف الدين أبو محمد وأبو أحمد الدمياطي الشافعي.
قرأ القرآن وطلب الحديث بعدما تميز في الفقه، وقد صار له ثلاث وعشرون سنة، فسمع بالإسكندرية في سنة ست وثلاثين من أصحاب السلفي، ثم قدم القاهرة وعني بهذا الشأن رواية ودراية، ولازم الحافظ زكي الدين حتى صار معيده.
وحج سنة ثلاث وأربعين وست مئة، وسمع بالحرمين، وارتحل إلى الشام سنة خمس وأربعين وست مئة.
وارتحل إلى الجزيرة والعراق مرتين، وكتب العالي والنازل، وبالغ، وصنف إذ ذاك وحدث، وأملى في حياة كبار مشايخه.
وسمع من ابن المقير، وعلي بن مختار العامرين ويوسف ابن عبد المعطي بن المخيلي، والعلم بن الصابوني، وإبراهيم بن الخير البغدادي، وابن العليق، وأحمد ويحيى ابنى قميرة، وموهوب بن الجواليقي، وعد بالعزيز بن الزبيدي، وهبة الله محمد بن مفرج ابن الواعظ، وعلي بن زيد التساري، وظافر بن شحم
стр. 1603
المطرز، وشعيب بن الزعفراني المجاور، وصفية بنت عبد الوهاب، وحمزة بن أوس الغزالي، ومحمد بن محمد بن محارب القيسي، ومحمد بن الجباب، وابن عمه أبي الفضل بن الجباب، وابن رواج، وابن رواحة عبد الله، وأبي الحسن محمد بن ياقوت، وابن الجميزي، وحسين ابن يوسف الشاطبي، وعبد العزيز بن النقار الكاتب، ومظفر بن عبد الملك الغوي، وأبي علي منصور بن سند بن الدماغ، ويوسف بن محمود الساوي، وعبد الرحمن بن مكي السبط، ومحمد بن الحسن السفاقسي، خاتمة من سمع حضوراً من السلفي.
وسمع بدمشق من عمر بن البراذعي، والرشيد بن مسلمة، ومكي بن علان، وطبقتهم.
وبدمياط من خطيبها الجلال عبد الله.
وبحران من عيسى بن سلامة الخياط.
وبماردين من عبد الخالق بن أنجب النشتبري.
وبحلب من ابن خليل فأكثر، لغله سمع منه مئتي ألف حديث.
стр. 1604
وبالموصل من أبي الخير إياس الشهرزوري صاحب خطيب الموصل.
وبمصر من عبد الكريم بن عبد الرحمن الترابي، حدثه عن خطيب الموصل، وعنده عدة من أصحاب السلفين وشهدة، وابن عساكر، وخلق من أحاب ابن شاتيل، والقزاز، وابن بري النحوي، وإسماعيل بن عوف، ويحيى الثقفي، وابن كليب، وأصحاب ابن طبرزد، وحنبل، والبوصيري، والخشوعي. ونزل إلى أصحاب الكندي، وابن ملاعب، والافتخار الهاشمي.
وكتب عنه طائفة من رفائه ومن هو أصغر منه، وعدد معجمه ألف ومئتان وخمسون نفساً.
وأجاز له أبو المنجا بن اللتي، وأبو نصر بن الشيرازي. ويروي بالإجازة العامة عن المؤيد الطوسي وجماعة.
وحدث عنه الصاحب كمال الدين بن العديم، والإمام أبو الحسين اليونيني، والقاضي علم الدين الأخنائي، والشيخ علاء الدين القونوي، والشيخ أثير الدين أبو حيان، والشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس، والحافظ المزي، والعلامة قاضي
стр. 1605
القضاة تقي الدين السبكي، وفخر الدين النويري، وخلق كثير من الرحالين، وطال عمره، وتفرد بأشياء.
قال المزي: ما رأيت أحفظ منه. وسمع جزء ابن عرفة من بضع وثمانين نفساً بالشام ومصر والعراق والجزيرة وجزء ابن الأنصاري من أكثر من مئة شيخ.
وكان قد أربى على من تقدمه في علم النسب، لأنه طفا على من سواه، وغيره رسا ورسب. وكان قد برع في علوم، وآسى بعرفانه ما أعيا من الكلوم، وتفنن في فضائل، وتفرد بأدلة ومسائل، وصنف التصانيف المحررة، والتواليف المحبرة، ونحوه فيه غوامض، ولغته فيها الروافع والخوافض، إلى فصاحته المنتهى، وقراءته هي رصد السمع والمشتهى، سريع القراءة لا يعرف التثبت ولا الإناءة، كأنه السيل إذا تحدر، والبحر إذا اندفع بعدما تصدر. مليح الهيئة، قريب العودة والفيئة، حسن الأخلاق، غنياً بعلمه لا يلتفت في الإملاء إلى الإملاق، جيد العبارة، ظريف الإشارة، صحيح الكتب كثيرها، غزير المادة لمن يثيرها، باسم الثغر في ملقاه، طالب الزيادة والعلو في مرقاه، حلو المذاكرة، زائد الإمتاع والتفنن في المحاضرة، حسن العقيدة، كافاً عن الدخول في الكلام، لا يفتح وصيده، ينظم القريض، ويأتي به كالإغريض.
وكان موسعاً عليه في رزقه، ولم يك كما جرت العادة مثل من خمل مع حذقه، له عند الناس حرمة وجلاله، وأبهة في النفوس تزين خلاله.
ولم يزل يسمع الحديث إلى أن مات فجاءه، وكأنما كان ينتظر قدوم الموت فجاءه.
وتوفي رحمه الله تعالى في نصف صفر سنة خمس وسبع مئة.
وقال شيخنا علم الدين البرزالي: في خامس عشر ذي القعدة من السنة المذكورة.
стр. 1606
ومولده بتونة، قرية من أعمال تنيس في آخر عام سنة ثلاث عشرة وست مئة.
وكان منشؤه بدمياط، وسكن دمشق مدة، وأفاد أهلها، ثم تحول إلى الديار المصرية ونشر بها أعلام علومه، وتولى مشيخة الظاهرية بين القصرين.
وتصانيفه كلها جيدة منقحة مهذبة، تشهد له بالفهم وسعة العلم، منها: كتاب الصلاة الوسطى مجلد لطيف. كتاب الخيل مجلد وقد جوده قبائل الخزرج مجلد، العقد المثمن فيمن اسمه عبد المؤمن مجلد، الأربعون المتبانية الإسناد في حديث أهل بغداد مجلد، مشيخة البغاددة مجلد، السيرة النبيوية مجلد، مشيخة، وله غير ذلك.
قال الذهبي: سمعته يقول: سمعت ابن رواج يقول: قرأ علي السراج بن شحانة نتف الإبط فحركه بالكسر، فقلت: لا تحركه يفح صنانه.
وأخبرني شيخنا ابن سيد الناس، قال: دخل الشيخ على جماعة يقرؤون الحديث فسمعهم يقولون: عبد الله بن سلام بتشديد اللام، فقال: سلام عليكم سلام.
وحمل عن الصاغاني عشرين مجلداً من تصانيفه في اللغة والحديث.
ومن شعره....
стр. 1607
عبد المؤمن بن عبد الحق
ابن عبد الله بن علي، الإمام العالم صفي الدين البغدادي الحنبلي، من علماء العراق.
كانت له بالحديث عناية، وله تواليف بلغ فيها النهاية، وعنده فنون، مضى من عمره في جمعها سنون، وكان فيه خير وفتوة، وديانة ومروة.
ولم يزل إلى أن تكدر عيش الصفي، وظهر أجله الذي كان في غضون الأيام وهو خفي.
وتوفي رحمه الله تعالى في صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وخمسين وست مئة.
وخرج لنفسه، وسمع من شيخنا الذهبي، ومن الفرضي.
عبد المؤمن بن عبد الرحمن
الشيخ الإمام الكاتب المجود عز الدين بن العجمي.
كانت له فضائل، وعنده فوائد ومسائل، وهو شيخ كتابه، ورب ذكاء ومهابه.
كان قد رحل إلى القاهرة، وأهلها في ذك العصر يفاخرون بالمكارم النجوم الزاهرة، فانقطع في بيت بحارة أرجوان، وأرخى على بابه ستارة أرجوان، وتردد الناس إليه، وأقبلو بخواطرهم عليه، فنفقت سوقه، ومشت وما وقفت سوقه،
стр. 1608
وراج وأذكى السراج، وجبى ما وجب له من الإتاوة والخراج. وكان يجلس في كل سوق حيث تباع المجلدات والدفاتر التي فيها دواوين العلوم مخلدات، فيشتري منها القشات وما يمتري، ويقع له فيها مخاريم من صحاح الجوهري، فيكملها بخطه ويناسب، ويأخذ فيها مع ما يترجمه عليها ما شاء من المكاسب. وكان يشد الكتب أحمالاً أجمالاً، ويسير بها إلى حلب أجمالاً أحمالاً، وحصل من ذلك جملاً، وأوفر من فوائدها جملاً.
ولم يزل على حاله إلى أن أخذه الموت في قشه، وجعل التراب فرشه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
وكان هو وأخوه الشيخ شمس الدين خطيب حلب الآتي ذكره، إن شاء الله تعالى في مكانه شيخي كتابة.
اجتمعت بالشيخ شمس الدين هذا بالقاهرة غير مرة في بيته وفي سوق الكتب، وكان من رجال الدنيا في بابه وإذا ذكر الرجال ما يكونون قطرة في حساب سحابه.
وكتب له شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود، رحمه الله تعالى، إجازة وهي: أما بعد حمد الله جاعل علم البيان علماً على الإعجاز، وسلماً إلى ارتقاء ذروة الفصاحة المستقرة على ركني الحقيقة والمجاز، ووسيلة إلى الإحاطة بأسرار البلاغة المستكنة في طرفي الإطناب والإيجاز، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أوتي
стр. 1609
جوامع الكلم، ولوامع الحكم، التي يتضاءل لديها كل منثور، من كلام البشر ومنتظم، وعلى آلة وصحبه الذين من زل عن سننهم ذل وهوى، ومن تمسك بسننهم فاز وسلم.
فإني لما خلت في غمار طلبة الأدب رغبة في اقتباسه، وطعماً في تحصيل بعضه بإدامة التماسه، وحصلت كثيراً من كبته رواية ودراي، وعرفت ما أجتنب من نقائص المعاني والألفاظ التي لا تؤمن نكايتها في الأذهان السليمة بالسراية، لم أزل أستضيء بنور أئمته، وأهتدي بمنار من بلغ الغاية فيه من علماء أمته، وأقنع من لحاق من برز في مضماره برؤية غباره، وأرضى من مآثر من صرفه على إيثاره بمشاهدة آثاره، فنمت علي نفحات آدابهم، ورفلت في فواضل ما تشبثت به من أهابهم، وكاتبوني فأجبت بعدم الرغبة في العتق في رقهم، وجاروني فوافقتهم في المضمار الأدبي، مع الاعتراف بتقدمهم وسبقهم، فقبلوا من كلامي ما لولا حسن إغضائهم لم يقبل، واسبلوا علي ما اضطرتني إليه المباشرة ستر تجاوزهم ولولا جميل اعتنائهم لم يسبل.
ولما فزت بالاجتماع بالجناب العالي الشيخي العزي، نفع الله به طارحته في فنون الأدب غير مرة، فرأيت من مواده بحراً لا يرى العبر عائمة، وشاهدت من بدائهه برقاً لا يفقد الري شائمة، وفاوضت منه إماماً تقطر الفصاحة من أعطاف قلمه،
стр. 1610
وتخطر البلاغة في أفواف كلمه، وتنزل المعاني المتمنعة من معاقل القرائح على حكمه، وتقف جياد البدائة حسرى دون الوسط في حلبة علمه، إن وشي الطرس فرياض، وإن أجرى النقس فحياض، أو نظم فقلائد، أو نثر ففرائد، لا يتجاسر المعنى المطروق أن يلم بفكره، ولا يقدم التخيل المسبوق على المرور بذكره، ولا يجوز زيف الكلام على ذهنه المنتقد، ولا يثبت عناء النظام لدى خاطره المتقد، فسمعت منه مقامات في العرفان قد وشى الأدب حبرها، وحقق الطلب خبرها، وزان الصدق لهجتها، وزاد الحق بهجتها، وحلتها البلاغة برقومها، وكللتها الفصاحة بشهبها ونجومها، تشرق القلوب بأضوائها، وترتوي النفوس بأنوائها، وتستضيء البصائر بأقمارها، وتغتذي السرائر بما تجتني في رياض اليقين من يانع ثمارها، ووقفت له على طرائق في التوحيد، أوضحها علمه لسالكها، وهدى فكره الطائف بكعتبها إلى لطائف مشاعرها ومناسكها، فمن أراد الصفا في سلوكه سعى من مروة الإخلاص إليها، ومن تعرض لنفحات الفتح الذي اقتصر في طرق تعبده عليها، مع بروزها في ألفاظ أرق مساغاً من الماء القراح، وأدق مسلكاً في الجسوم من الأرواح، وأجلى لليل الشك البهيم من صباحة محيا الصباح، إلى غير ذلك من أحاديث تكلم على بلاغتها وبلاغها، وأبان ما جهلته الأفهام الظامئة من أسباب مساغها، مما لم يبلغ بذلك إلا إرشاد الطالب، وتنبيه المفتقر إليها على ما أودع في أثنائها من الكنوز، وادخر في أرجائها من المطالب.
ولما وقفت على تلك البدائع، وفهمت ما تضمنته من النكت الروائع، وعلم مني
стр. 1611
أني ممن يعرف الدر وإن لم يملكه، وينتقد التبر وإن لم يسبكه، ولذلك أتعوض فيما أعانيه من الكتابة عن الدر بالخرز، وأكتفي عن أبكار المعاني الجليلة من العون المسنة بما هو سداد من عوز، سامني مع ارتفاع شأنه في هذه الصناعة، وإثرائه دوني من نفائس هذه البضاعة، أن أجيزه رواية نظمي الذي قدمت العذر في انتهاج طريقه، ونثري الذي أوضحت السبب في مصاحبة فريقه، ومكاتباتي التي أنشأتها بسبب الوقائع التي دعت إليها، وتواقيعي التي ارتجلت غالبها لحفز الدواعي الباعثة عليها، ولمالي في قواعد ذلك من تأليف وتصنيف، وانتخاب غني بشهرته عن التصريف، فسألته الإعفاء من هذه الدرجة التي قدره أرفع منها، ورغبت إليه في قبول القول بالموجب في إجازتي من فوائده التي هي أحق بأن يروي غريبها ويحدث عنها، فلم يعف من تلك الإشارة التي قصده بها الإحسان، ومراده أن ينظم سبح نظمي في سلك ما يؤخذ عنه من درر بدائعه الحسان.
فامتثلت أمره أعزه الله تعالى ونفع به وأجزته رواية ما يجوز لي وأتيه من مسموعاتي ومقروءاتي واختياراتي ومناولاتي، وما لي من نظم مختلف الأوضاع، مستحق، لولا ما يضوع فيه من المدائح النبوية، أن يضاع ولا يذاع، وإنشاء نوعته كثرة المباشرة، وكثرته المحافظة على الوظيفة والمثابرة، ونفحته فوائد المطارحة والمذاكرة، إلى ما يندرج في سك ذلك من تأليف حمل عليه التنقيب عن أسرار هاتين الصناعتين واختيار واختصار وانتقاء وانتقاد، وانتخاب تكلمت على ما فيه من معنى مستملح وأدب مستفاد، ورغبت إليه في أن يصلح من ذلك ما أغفله القلم، وزل
стр. 1612
فيه الفكر الذي عثرته أبلغ من عثرة القدم، إذ هو الملي بالإحسان في ذلك، الجدير بتوطئة ما تعذر سلوكه على السالك.
ومولدي بحلب في شعبان سنة أربع وأربعين وست مئة، وهي إذ ذاك للعلوم معالم، ولوفود الفوائد مواسم، وسمعت بها الكثير ولكن أين أصوله؟ وفقد لي في الوقعة ثبت كبير، ولكن كيف حصوله؟ فإن وجد في ذلك شيء في الأصول فهو أصل في هذه الإجازة، وإن تعذر وجوده فكم سلبت بضاعة فضل في أثناء مفازه.
وكتب: محمود بن سلمان في المحرم، سنة ست عشرة وسبع مئة.
عبد المؤمن
كان مقداماً جريئاً، شجاعاً من الخير بريئاً، لا يهاب سيول السيوف إذا تحدرت، ولا يخاف من ورد الحتوف إذا تكدرت، بلا عقل بلا دين يردانه عن الردى بلا لب بلا ثبات يصدانه عما يوجب الصدى. قد ركب هو نفسه، وذهل عن وجود حسه. لا يخشى عاقبة، ولا له من الله تعالى مراقبة، يقدم على الليث في غابة، ويرد على المطلوب ولو أن فيه تمزيق إهابة.
ولم يزل في سكر جنونه وسوء ما يتوهم في ظنونه، إلى أن ركب الجمل مصلوباً، وانعكس حسابه عليه فأصبح مقلوباً.
كان هذا المذكور قد ورد القاهرة في أيام القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص، وأخذ يتعلق على خدمة الأميرين سيف الدين قوصون وسيف الدين بشتاك
стр. 1613
بواسطة طاجار الدوادار، ولم يكن في ذهن الناس منه شيء إلى أن دخل مع الأمير قوصون وبشتاك على السلطان في معنى النشو، على ما سيأتي في ترجمة النشو، وخاف السلطان شره، فأراد إبعاده، وولاه قوص، وتوفي السلطان الملك الناصر وهو في قوص. ولما خلع الأمير قوصون الملك المنصور أبا بكر بعث به إلى قوص، وكأنه سير إليه في السر بقتله، فقتله، وأخذ ما معه من الجواهر، ولما جاء السلطان أحمد بن الكرك وطشتمر والفخري طلبوه من قوص، وسمروه على جمل، وطافوا به شوارع القاهرة، وشمت به الناس وسبوه ولعنه، واعترف وهو على الجمل مسمر أنه هو الذي جرح القاضي شرف الدين النشو، فقال: يا أهل مصر، أنا ما أبالي بتسميري وقد قتلت ملك الكتاب وملك الترك في بلادكم، فأنا الذي جرحت النشو، وأنا الذي عمل عليه حتى أمسك وقتل، وأنا قتلت المنصور أبا بكر سلطانكم وابن سلطانكم، أو كما قال.
وكان تسميره في أواخر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان المذكور رافضياً، والله أعلم بحاله وبما صار إليه في ماله.
عبد الواحد بن منصور
ابن محمد بن المنير، العلامة عز القضاة فخر الدين الجذامي الإسكندري صاحب التفسير.
سمع من السراج ابن فارس، وتفقه بعمه ناصر الدين، وله نظم ونثر، وعمل أرجوزة في السبع.
стр. 1614
وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة في يوم السبت رابع جمادى الأولى.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
عبد الواحد بن عبد الحميد
ابن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن محمد ابن المسلم بن الحسن بن هلال بن الحسن بن عبد الله بن محمد، الشيخ الفقيه الفاضل الأصيل، مخلص الدين أبو المكارم، ابن الشيخ عز الدين بن فخر الدين.
سمع من جده فخر الدين في سنة ست وخمسين وست مئة، وسمع من ابن أبي اليسر، والنجم ابن النشبي. وأجاز له إبراهيم بن خليل، وعبد الله بن الخشوعي، وعبد الحميد بن عبد الهادي وجماعة. حفظ التنبيه. وكان يكرر عليه إلى آخر وقت، واشتغل على الشيخ تاج الدين.
وكان له شعر وخدم في الجهات الدينية.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
وكان عنده تعفف وانقطاع.
عبد الواحد بن علي
ابن أحمد بن محمد بن عبد الواحد، شمس الدين القرشي الحنبلي.
أخبرني من لفظه شيخنا أبو حيان، قال: كان المذكور موصوفاً بالصلاح،
стр. 1615
ويذكر عنه أنه اجتمع بالخضر ﵇ لما سافر عن جبل لبنان واشتاق إليه، وأنشد لنفسه:
لعلك يا نسيم صبا زرود ... تعود، فقد ذوى للبين عودي
ويا نفحات أنفاس اللخزامى ... على المشتاق من لبنان عودي
قال: وأسمع الحديث وسمعنا عليه بالحكر، وكان فيه مقيماً.
عبد الواحد القيرواني
أخبرني من لفظه شيخنا أثير الدين قال: كان عندنا بالقاهرة، وله نظم حسن، ورحل إلى الحجاز، واستوطن بمكة، وصحب ملكها أبا نمي الحسيني. وله فيه أشعار حسنة، أجاد فهيا غاية، ونظم بها نظماً كثراً، وتعرض في نظمه لأصحاب رسول الله ﷺ ، فقتل بها أشنع قتل.
ومن شعره بالقاهرة مما أنشدنا بعض أصحابنا:
غليل أسى لا يهتدى لمكانه ... عزيز أسى لا يرتجى من سقامه
خذوا إن قضى في الحب عمداً بثأره ... أخا البدر يبدو في غمام لثامه
ورفقاً به لا ناله ما يشينه ... وإن كان أسقى الصب كأس حمامه
следующие страницы →