← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ومرض أواخر عمره بالفالج، وعجز وانقطع إلى أن مات. وتوفي رحمه اله تعالى ثامن ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ثمان وأربعين وست مئة. عثمان بن علي الإمام العالم المفتي القاضي فخر الدين الأنصاري الشافعي المصري ابن بنت أبي سعد. كان فقيهاً كبيراً، وحاكماً خبيراً، فاضلاً في الأصول، غزير المادة والمحصول، ويدري العربية، وعنده جزء كبير من الأنواع الأدبية، وكتب الخط البهج، وأتى به أبهى من الروض الأرج. وكان يشارك يف علم الموسيقى، ويطبق الألحان على الكلام تطبيقاً. ولم يزل على حاله إلى أن تداول أصحابه نعيه، وتذاكروا اجتهاده وسعيه. وتوفي رحمه الله تعالى رابع عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة. ومولده بداريا من أرض دمشق. وحدث عن الكمال الضرير، والرضي بن البرهان، وتقلب في الخدم الديوانية، ووقع عن قاضي القضاة ابن رزين، وأفتى سنين وولي القضاء بقوص، وتوفي رحمه الله تعالى وله تسعون عاماً. ومن شعره يصف بركة: وجلا بياض النهر في مخضرها ... وكأنه إذ لاح للأبصار سبك اللجين على بساط زمرد ... والشمس فيه تلوح كالدينار

стр. 1647

عثمان بن علي بن إسماعيل ابن الشيخ الإمام العلامة صاحب الفنون، قاضي القضاة. فخر الدين أبو عمرو بن زين الدين الطائي الحلبي الشافعي ابن خطيب جبرين، فقيه حلب ومقرئها وحاكمها. كان فاضلاً إذا قلت فاضل، وعالماً يقر له كل مناظر ومناضل، قادراً على حل كلام الناس في سائر الفنون، مبادراً إلى شرح ما يقرأ عليه ويأتي من ذلك بالنكت والعيون، لم أر له في هذا الشأن نظيراً يقاربه، ولا من يجاريه فيسالمه أو يحاربه، وكان في كل فن ماهراً، وعلى كل علم ظاهرا، كأن ابن الخطيب ابن خطيب الري وكلاهما فخر، وكأن هذا ذاك إلا أن الأول فينا يقطف من زهر وذاك يقطع من صخر، يحل كلام كل مصنف بغير كلفه، ويتسرع إلى فهمه، كأن له دربة قديمة وألفه. لقد كنت أعجب من شأنه وحق لي العجب، وأتفكر في بيانه الذي أطلع على كل غائب وما احتجب، وما كان إلا أعجوبة الزمان، ونادرة الوجود في نوع الإنسان. لكنه تولى قضاء قضاة حلب فما حمد في ذلك العقبي، وضرب بينه وبين الراحة بسد فما استطاع له نقبا، وطلب إلى مصر وأنكر السلطان ولا يته وزجره، فنزل من القلعة، وكان ذلك مِنْ مَنْ أمره نهايته:

стр. 1648

فمالنا اليوم ولا للنهى ... من بعده إلا البكا والنحيب وتوفي ﵀ في القاهرة بالمنصورية سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة اثنتين وستين بالقاهرة، كذا رأيته بخط بعض الفضلاء. وكان ﵀ قد تلا بالسبع على شمس الدين الخابوري، والبدر التاذفي، وابن بهرام، والكمال الغرناطي. وتفقه بقاضي حلب شمس الدين بن بهرام، وقاضي حماة شرف الدين، وأخذ عن ابن ملي علم الكلام. وتصدر وأقرأ، وتخرج به الناس، واشتهر اسمه، وكان عاقلاً ذكياً غزير المادة، كثير الإطلاع. قرأت أنا عليه بحلب سنة.. في الأربعين للإمام فخر الدين الرازي، وفي الشمسية مشروحة لابن المطهر في المنطق. وحضرت دروسه الجماعة الذين يقرؤون عليه، فكنت أرى منه العجب، لم يحضر إليه أحد بأي كتاب كان في أي علم كان في أي باب كان من ذلك الكتاب إلا وأقرأه فيه، وحل كلام ذلك المصنف، ولم أر مثله في هذا الباب ولا رأى غيري إلا ما حكاه لنا الأشياخ عن الشيخ كمال الدين بن يونس، فإنه كان عجباً في هذا الباب.

стр. 1649

وكان يقرئ في الشاطبية وكتب القراءات، وفي الحاوي، وكتب الفروع، وفي المختصر لابن الحاجب، والمحصل للإمام فخر الدين، وفي الفرائض، والجبر، والمقابلة، وفي الحساب، وعلم: الصواب، وكتاب التحت والميل، وفي الحاجبية، وفي تصريف ابن الحاجب، وفي تمرين التصريف، وفي كتب الحكمة مثل الملخص لفخر الدين، وفي كتب الطب، وفي كتب الهجاء، وفي أشياء غير ذلك. وكان يومئذ ينوب عن القاضي زين الدين الشافعي، وعن القاضي ناصر الدين بن العديم الحنفي، ومع ذك كله يحكم بين الناس، وإذا فرغ من الحكم سبح، وكذلك في التعليم إذا قرأ الطالب اشتغل بالسبحة. وصنف شرح الشامل الصغير وشرح التعجيز وشرح مختصر ابن الحاجب وشرح البديع لابن الساعاتي. وله في الفرائض نظم، وشرحه في مجلد. ومصنف في المناسك، وفي اللغة، وشرح الحاوي في الفقه فيما أظن. وتلا عليه بالسبع محتسب حلب نجم الدين بن السفاح الحلبي، والشيخ علي السرميني، وجمال الدين يوسف بن حسن التركماني، وأحمد بن يعقوب، ولم يكمل. وتولى قضاء قضاة حلب الشافعية في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وسبع مئة.

стр. 1650

ثم إن السلطان طلبه وطلب ولده إلى مصر، فلما مثلا بين يديه روعهما الحضور قدامه، لكلام أغلظه لهما، فنزلا مرعوبين، ومرض بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة، ومات ولده قبله، وتوفي هو ﵀ بعده بيوم أو يومين، مدة المرض دون الجمعة. وكان قد ولي حلب عوضاً عن قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب. وكنت قلت فيه: غدا ابن خطيب الري للناس آية ... فضائله منها البدور تمام وفي حلب قاضي القضاة نظيره ... ففخرهما يسمو وليس يسام كما اشتركا في ابن الخطيب إضافة ... ولكن ذا قاض وذاك إمام ومن شعره في مقلمة: تأمل تر حالي بعديعاً وقصتي ... وأنعم رعاك فكرك في أمري حويت الذي رزق الخلائق كلهم ... وأحكامهم طول الزمان به تجري ولو رمت مما في يد الناس حبه ... عجزت ولم أبلغ مرامي مدى عمري ومنه في مروحة: وخادم ما مثلها خادم ... بكل معنى حسن توصف يروق من يبصرها حسنها ... أخلاقهها محبوبة تؤلف لباسها الوشي وفي حجرها ... عود لها وهي به أعرف يحرك الأرواح ترويحها ... ويشتفي المكروب إذ تطرف ومنه:

стр. 1651

وقائل ما الذي ترجوه حين ترى ... ببابك الموت قد أرسى ولم ترم وما الذي أنت يا مسكين قائله ... إذا حللت بضيق اللحد والظلم فقلت: توحدي رب العرش مدخري ... وحسن ظني بربي بارئ النسم والقول فاسمع رعاك الله قول فتى ... على سوى الحق يا مولاي لم يقم أمسيت جارك يا من لا يضام له ... جار وضيفك يا ذا الجود والكرم ومنه في أسماء الولائم: بوليمة سم كل دعوة مأكل ... بتقيد لكن لعرف أطلق ولذي الختان فتك إعذار وما ... للطفل فهي عقيقة بتحقق وسلامة الحبلى من الطلق اجعلا ... خرساً لها ولأجل غائب انطق بنقيعة ووكيرة لعمارة ... ووضيمة لمصيبة بتصدق وسم اليتامى ما لها سبب بمأ ... دبة وخد يا صاح قول محقق قلت: لا بأس بتصحيح ألفاظ هذه الولائم خوفاً من التصحيف: فطعام الختان إعذار وهو بالعين المهملة والدال المعجمة والراء، لأن العرب تقول عذرت الغلام إذا ختنته. وطعام المولود في اليوم السابع عقيقة، بعين مهملة وقافين وهو مشهور. وطعام سلامة الحبلى من الطلق خرس، بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبعدها سين مهملة، تقول العرب فيه: خرسه. وطعام الغائب إذا قدم من سفره نقيعة بنون مفتوحة وقاف مكسورة وياء آخر الحروف ساكنة وعين مهملة مفتوحة.

стр. 1652

وطعام الدار إذا فرغت عمارتها وكيرة بفتح الواو بعدها كاف وياء آخر الحروف وراء بعدها هاء. وطعام المصيبة وضيمة بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة وبعد ها ياء آخر الحروف ساكنة وبعدها ميم وهاء. والطعام بلا سبب مأدبة بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة وبعدها هاء على وزن مأربة، فإن كانت المأدبة عامة فهي الجفلى بفتح الجيم والفاء واللام وبعدها ألف مقصورة، وإن كانت المأدبة خاصة لقوم بأعيانهم النقرى بفتح النون والقاف والراء وبعدها ألف مقصورة. ومن شعر الشيخ فخر الدين في أسماء خيل الحلبة. أسامي خيول الحلبة أعلم أنها ... لمن عدها عشر فخد قول واصف مجل مصل قل مسل لثالث ... ورابعها التالي وخمس بعاطف وسدس بمرتاح حظي مؤمل ... لطيم سكيت فاره غير خائف وخذها على الترتيب والفسكل الذي يجيء أخيراً فاستمع قول عارف قلت: لا بأس بتقييد أسماء خيل الحلبة ليؤمن فيها التصحيف: الأول: المجلي، بضم الميم وفتح الجيم وتشديد اللام. والثاني: المصلي مثل اسم الفاعل من الصلاة. والثالث: المسلي، بضم الميم وفتح السين وتشديد اللام. والرابع: التالي، اسم فاعل من تلا يتلو. والخامس: العاطف بالعين المهملة والألف والطاء المهملة والفاء.

стр. 1653

والسادس: المرتاح، بضم الميم وسكون الراء وبعدها تاء ثالثة الحروف وألف وحاء مهملة. والسابع: الحظي بفتح الحاء المهملة وكسر الظاء المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف. والثامن: المؤمل بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الميم وبعدها لام. والتاسع: اللطيم بفتح اللام وكسر الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها ميم. والعاشر: السكيت تصغير ساكت، بضم السين المهملة وفتح الكاف مخففة وبعضهم يشددها، وسكون الياء آخر الحروف وبعدها تاء ثالثة الحروف، وبعض العرب تسمية الفسكل بكسر الفاء وسكون السين المهملة وكسر الكاف وبعدها لام. وقد طول الشيخ فخر الدين رحمه الله تعالى في عد هذه العشرة، وقد نظمها بعض الأفاضل في بيتين وهما: أتانا المجلي والمصلي بعده ... مسل وتال بعده عاطف يجري ومرتاحها ثم الحظي ومؤمل ... وجاء اللطيم والسكيت له يبري عثمان بن عمرو ابن أبي بكر بن محمد، الملك العزيز فخر الدين بن الملك المغيث فتح الدين بن الملك العادل سيف الدين بن الملك الكامل ناصر الدين بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن محمد بن أيوب. أجاز لي بخطه في القاهرة سنة تسع وعشرين وسبع مئة. سمع من مؤنسة بنت العادل وجماعة.

стр. 1654

وحدث وجمع مجاميع بخطه الحسن. وكان ناظر البيمارستان القديم بالقاهرة. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء رابع عشر المحرم سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. ومولده بقلعة الكرك سنة اثنتين وخمسين وست مئة. عثمان بن محمد ابن منيع بن عثمان بن شادي، شمس الدين بن البشطاري، بضم الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وفتح الطاء المهملة وبعد الألف راء. سمع من ابن رواج، والمرسي، وسمع منه شيخنا الذهبي. وكان طيب النغمة يعرف الموسيقي موصوفاً بذلك. توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة. وعمل المؤذنون عزاءه بدمشق. وكانت وفاته بقوص. ومولده بعد الأربعين وست مئة. عثمان بن محمد بن عثمان ابن أبي بكر، الشيخ المقرئ الفقيه الزاهد مفيد الديار المصرية، فخر الدين أبو عمرو المغربي التوزري، بفتح التاء ثالثة الحروف وسكون الواو وفتح الزاي وبعدها راء، المصري المالكي المجاور. سمع من ابن الجميزي، وسبط السلفي. ثم طلب بنفسه سنة نيف وخمسين وست مئة.

стр. 1655

وتلا بالسبع على أبي إسحاق بن وثيق، والكمال بن شجاع. وقرأ صحيح مسلم على ابن البرهان. وأكثر عن المنذري، والرشيد بن عزون، وأصحاب البوصيري فمن بعدهم. قرأ مسند أحمد والمعجم الأكبر للطبراني والدواوين الكبار، وذكر أنه قرأ صحيح البخاري نحواً من ثلاثين مرة. وسمع بقراءته خلق كثير، وشيوخه نحو الألف. ثم إنه أقبل على شانه، وعرف عواقب زمانه، فجاور بالبيت الحرام، وغني هناك بالحطيم عن الحطام، وتعبد في مثل ذاك المقام، وتهجد فيه والناس ينام، وحدث بالكثير، وكان صاحب أصول وله فهم خطير، ولديه محاضرة، وعنده مذاكرة ومسامرة، وخبرته بالقراءات متوسطه، ولكنها غير مغلطه. ولم يزل على حاله إلى أن وصل بعد تسميعه إلى الفوت، وحسمت فوائده بمدية الموت. وتوفي رحمه الله تعالى حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. ومولده سنة ثلاثين وست مئة. وكانت له إجازة من ابن المقير. وقرأ عليه شيخنا الذهبي بمنى أجزاء، وأخذ عنه الإمام عبد الله بن خليل والناس. عثمان بن محمد ابن عبد الرحيم، الإمام البارع قاضي القضاة فخر الدين أبو عمرو حفيد قاضي القضاة فخر الدين الحموي بن البارزي الشافعي.

стр. 1656

لحق جده وأخذ عنه وعن عمه قاضي القضاة شرف الدين. وكان ذا دين وصرامة، وسيرة مشكورة عند الخاصة والعامة، وكان يحفظ الحاوي ويفهمه، وينزل مسائله على الرافعي ويعلمه. وله إلمام كثير بنحو ابن مالك، وخوض كثير في تلك المسالك. ولي قضاء حمص وما ساس نوابها، فما دخل معهم مدينة الحرمة ولا رأى بوابها. لا جرم أن القرماني ضربه، ولولا الإنابة قرمة، وألهب جمر غضبه عليه وضرمة. ثم إنه عاد إلى حماه، وأوى منها إلى حماه، وولي بها الخطابة، وجمع بينها وبين النيابة. ثم إنه تولى قضاء القضاة بحلب، وأماط عنها العدوان وسلب. ولم يزل بها إلى أن مرض مدة وأفاق غير ناصح، ثم بعد مدة مات فجأة فما صح إلا أنه ما صح. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر صفر سنة ثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة ثمان وستين وست مئة. وحج غير مرة، وحدث بمسند الشافعي عن ابن النصيبي، وتفقه به جماعة. وكان قد مرض مدة وأفاق، وتوضأ بعد ذلك في ويوم وجلس في مجلس حكمه ينتظر صلاة العصر فمات فجأة. وكان بحمص والأمير سيف الدين أرقطاي بها نائب، فجرى بينهما يوماً كلام،

стр. 1657

فأساء الأدب على النائب، فصبر له واحتمله، ولما جاء القرماني إلى حمص نائباً جرى بينهما كلام، فأساء الأدب، فبطش به وضربه، وقال الناس: إنما ضربه الحاج أرقطاي. وكان توجهه إلى حلب قاضياً في أوائل الحجة سنة سبع وعشرين وسبع مئة. عثمان بن محمد بن علي فخر الدين أبو عمرو البزاز مفتي الثغر. عثمان بن محمد بن عبد الملك ابن عيسى بن درباس، فخر الدين الماراني القاهري. سمع من أبيه، وحدث. وكان مقبول القول عند القضاة، وإذا فتح فمه بالشعر قلت: هذا سيف قد انتضاه. وهو من بيت حشمة وقضاء، وقبول عند الناس وارتضاء. لم يزل على حاله إلى أن سكن منه النفس، وأصبح فيما بين عم يتساءلون وعبس. وتوفي رحمه الله تعالى يوم عاشوراء سنة خمس وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ثمان وأربعين وست مئة.

стр. 1658

ومن شعره: كيف المقام بدار لا أراك بها ... وأي معنى لمغنى لم تكن فيه يفديك بالروح صب لو حصلت له ... وفاته كل شيء كان يكفيه عثمان بن محمد لؤلؤ الأمير فخر الدين بن الأمير شمس الدين لؤلؤ. كان أحد الأمراء الطبلخانات بدمشق، جهزه الأمير سيف الدين تنكز إلى صفد مشد الدواوين ووالي الولاة عوضاً عن الأمير علاء الدين بن المرواني، فأقام بها سنتين فأكثر، وطلب الإقالة، فتوجه إلى دمشق وأقام بها أميراً إلى أن توجه ابن المرواني إلى مصر، فولاه تنكز مكانه في ولاية البر في أول شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فأقام بها مدة إلى أن مرض وطلب الإقالة فأقيل. وتوفي رحمه الله تعالى بعد ذلك بعشرة أيام في رابع شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة. وكان أميراً من خمس عشرة سنة. وكان خيراً ديناً عاقلاً وقوراً، فيه حشمة وعقل وأدب، وكان يقيم الثلاثة الأيام والأربعة ما يشرب فيها ماء، ويعمل بيده عدة صنائع ويزركش ويطرز ويعمل الكشاتوين. عثمان بن يعقوب ابن عبد الحق، السلطان أبو سعيد المغربي المريني، صاحب مراكش وفاس وغير ذلك.

стр. 1659

كان ذا حلم، وركون إلى السلم، فأهمل أمور الجهاد، فامتلأت عليه بالوبال الربا والوهاد، وامتدت أفنان الفتن، وجرى وبل الوبال وهتن. وعلا في أيامه أمر الغلاء، وكادت سنوه تجري على الولاء. إلا أنه كان له نظر في العلوم، واتصاف يدخل به في ذوي الفهوم. ولم يزل في إنكاد إلى أن كاد يفارقه الملك، ويقع في ورطات، يرمي بنفسه إلى الهلك، إلى أن جاء الأمر الذي لا يدفع، ولا يرده صاحب ولا يمنع. وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. وله بضع وستون سنة. كانت دولته اثنتين وعشرين سنة، وملك أخوه يوسف قبله خمساً وعشرين سنة، لكن بينهما الملكان عامر وسليمان، وخالف على عثمان ابنه عمرو، وملك سجلماسة، وجرت في ذلك أمور يطول شرحها. وملك بعد عثمان ولده الفقيه العالم السلطان العادل أبو الحسن علي، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه. عثمان بن يوسف ابن أبي بكر، القاضي المحدث الفقيه الورع الصالح فخر الدين أبو محمد النويري المالكي. صحب والده القدوة الزاهد علم الدين، وتفقه به وبجماعة، وأفتى ودرس، وكان كثير الحج والمجاورة والتأله والصدق والإخلاص.

стр. 1660

ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة. عثمان أبو عمرو الصعيدي، الحلبوني: بفتح الحاء المهملة، وسكون اللام، وضم الباء الموحدة، وبعدها واو ساكنة، ونون، الشيخ الصالح العابد. كان فيه صدق وتأله، وتؤثر عنه أحوال وتوجه وتأثير. أقام مدة ببعلبك، ومدة ببرزة. وكان قانعاً متعففاً، ترك أكل الخبز مدة سنين عديدة، وقال إنه يتضرر بأكله. وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري شهر المحرم سنة ثمان وسبع مئة، وطلع الأفرم والقضاة والناس إلى جنازته. عثمان بن أبي النوق فخر الدين المغربي. كان له قدرة على الارتجال، والبديهة التي يعجز عنها رجاء الرجال، يكاد أنه لا يتكلم في جميع محاوراته إلا بالشعر الموزون، والنظم الذي يفرح به المخزون، ولما وصف لي بذل هونت أمره، وقلت: يكون ممن يورد تمرة وجمرة، فما كان إلا أن

стр. 1661

رأيته بالجامع الأموي في ليلة نصف شعبان وهو واقف ينضض بلسانه مثل الثعبان والناس في ذلك الأمر المريج، وكأن صحن الجامع بذلك الوقيد أزاهر الروض البهيج، فقلت له: يا مولانا أنشدنا شيئاً من شعرك، واقذف لنا قليلاً من لآلئ بحرك، فأنشدني من وقته في الحالة الراهنة أبياتاً جملة، أتى بها سرداً من أول وهلة، كأنما كان قد بيتها لذلك، أو سهر فيها ليلة الحالك، ومعناها تشبيه ذلك الوقيد والاشتعال، ووصف ما للناس به من الاحتفال والاشتغال، وتشبيه القومة وحركاتهم، وترقيهم في درجاتهم، وانحطاطهم في دركاتهم، بحيث لو وصف في ذلك لما صدقت، ولا ارتمى بي الظن إلى ذلك ولا حلقت، فما كدت أقضي عجبي منه، ووددت أنني لم أنفصل عنه. ثم إنني اجتمعت به بعد ذلك في جامع حلب، وكان الأمر على ذلك الأنموذج الذي مضى وذهب. وأخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: رآني مرة وبين يدي كتاب له فاتحة ذهب، فأنشدني كأنه يتحدث: أراك تنظر في شيء من الكتب ... وفي أوائلة شيء من الذهب لو شئت تصرف نقداً من فواتحه ... صرفت منه دنانيراً بلا ريب قال: فوهبته الكتاب، وأنشدته: خذه إليك بما يحوي من الذهب ... ففي ندي السحب لا يخشى من اللهب واضمم يديك عليه لا تمزقه ... فإنه ذهب من معدن الأدب

стр. 1662

قال: وكتب إلي يتقاضاني عليقاً لفرسه، وشيئاً ينفقه: دموع كميتي على خده ... من الجوع يطلب مني العلف وليس معي ذهب حاضر ... ولا فضة وعلي الكلف ولي منك وعد فعجل به ... فمن أنجز الوعد حاز الشرف ودم وتهن بشهر الصيا ... م بوجه يهل وكف تكف فبعثت إليه الشعير والنفقة، وكتبت إليه الجواب: مسحت بكمي دموع الكميت ... وقلت له قد أتاك العلف ووافى إليك جديد الشعير ... لعل يداوي سقام العجف وفي كم سائقه صرة ... تسر لتخفيف ثقل الكلف فإياك تحسبها للوفا ... فإني بعثت بها للسلف وكان يقص ما ينظمه في الورق قصاً مليحاً محكماً جيداً بالنقط والضبط، ولكن أوضاعه على عادة المغاربة في كتابتهم. ونقلت من قصة قوله: إلى الحر الحسيب إلي علي ... علاء الدين ذي الحسب العلي إلى من جوده عم البرابا ... وفاق مكارماً لكريم طي إلى من قدره فاق البرايا ... وزاد علاً على الأفق السمي وكان اجتماعي به في الجامع الأموي سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، أو في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، واجتماعي به في حلب سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وتركته وهو يعمل مجلساً يفسر فيه القرآن، وكان ذلك آخر عهدي به.

стр. 1663

عثمانالمعروف بالدكالي بضم الدال المهملة، وكاف بعدها ألف، ولام، الصوفي، من فقراء الشميساطية . كان يتردد إلى الناس، ويجتمع بطائفة من العوام والأدناس، فاستخف منهم جماعة، وألقى إليهم من الكلام ما ذكره للزمان أضاعه، وسلك بهم شيئاً من الطرائق الباجربقية، فإنه كان عنده منها بقية غير نقية ولا تقيه، وقال لهم: أنا أدلكم على الطريق إلى الله ، وخالف القواعد الشرعية فضل أو أضل، وتبعه شرذمة قليلة، وطائفة أذهانهم عن قبول الصواب كليله. ولم يزل على حاله، واستمراره على غيه وضلاله، إلى أن فصل السيف رأسه من بدنه، وأراح الناس من فتنه، وذلك في حادي عشري القعدة سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ولما شاع أمره أمسك واعتقل، وأحضر في دار العدل ثلاث مرات في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وأدوا عليه شهادات عجيبة، ولم يعترف بشيء، ولما كان يوم الثلاثاء أحضر في زنجير وبلاس شعر، وحضر الشيخ جمال الدين المزي والشيخ شمس الدين الذهبي وجماعة، وشهدوا عليه بالاستفاضة عنه أنه قال ما ادعي عليه به، فحكم قاضي القضاة شرف الدين المالكي بإراقة دمه، فضربت رقبته في سوق الخيل، ولم يكن ذلك رأي النائب ألطنبغا ولا رأي قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، ولكن أمر الله تعالى نفذ فيه. حكى لي قاضي القضاة تقي الدين، رحمه الله تعالى قال: قال لي الأمير

стр. 1664

علاء الدين ألطنبغا: لما كانت ليلة الثلاثاء فكرت في أنهم يحضرون عثمان الصوفي وأبتلش بأمره، وقصدت دفع أمره عني، فقلت: غداً ما أعمل دار عدل، وأركب بكرة وأروح، فلما أصبحت أرسل الله عليه النوم، فنمت إلى أن طلع النهار وتعالى، فدخلوا إلى وقالوا: إن القضاة والحجاب والجماعة حضروا وهم في انتظارك، فالتزمت بعمل دار العدل ذلك النهار، أو كما قال. وحكى لي هو عن نفسه، رحمه الله تعالى قال: أردت وأنا خارج من دار السعادة أن أقول لنقيب المتعممين أن يتوجه إليهم ويقول لهم ألا يعجلوا في أمره، فأنساني الله ذلك إلى أن فرط فيه الأمر، أو كما قال. ولم أر أنا أثبت جناناً منه ولا أملك لأمر نفسه، لأنني كنت حاضرة أمره في الثلاثة أيام. عثمان المعروف بابن علم ابن الإمام العالم القاضي فخر الدين المعروف بابن علم. كان شيخاً فقيهاً محدثاً، له اشتغال بالقاهرة وتحصيل، وولي قضاء الخليل مدة، ثم تركه لولده وسكن الرملة، وكان له بها ميعاد وحلقة إشغال، وله معلوم على ذلك. توفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين سلخ المحرم سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. وهو والد القاضي برهان الدين قاضي الخليل. وكانت وفاة فخر الدين بالخليل ودفن بمقبرة البلد. عثمان المعروف بالقريري الشيخ المنيني الصالح المعروف بالقريري، بضم القاف وفتح الراء الأولى، وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة وراء ثانية مكسورة.

стр. 1665

كان رجلاً مباركاً صالحاً. لما اشتد الأمر بأهل بعلبك زمن غازان، وكانت بعلبك مفتوحة الأبواب، فلما نازلها بولاي غلقت أبوابها، قال القاضي محيي الدين بن فضل الله: فتوجهنا لزيارته، فوجدنا قطب الدين اليونيني خارجاً من عنده، فقال لنا: دخلت على الشيخ فلم يكلمني ووجدته مفكراً، فلم أجلس، والرأي أن ترجعوا، فإن هذا رجل له بادرة فقلنا: لا بد أن ندخل فدخلنا، قال: فالتفت إلي وقال: يا محيي الدين، لأي شيء غلقتم أبواب المدينة؟ فقلت له: يا سيدي، خوفاً من بولاي، فإنه قد جاء ونزل عليها، وربما أنه يريد أن يحاصرها، قال: فغضب الشيخ غضباً شديداً، واحمرت عيناه، وجثا على ركبتيه، وطلعت الزبدة من فيه، حتى ظنناه سبعاً يريد أن يفترسنا، وبقي على هذه الحالة هنية، ثم قال: وغزة العزيز، طرشهم رجل طرشة بدد شملهم. وفتح يديه يمنة ويسرة ثم سري عنه. وقال: قل لهم يا محيي الدين أن يفتحوا الأبواب: قال: فقمنا وفعلنا ما قال، فباكرنا الخبر في اليوم الثالث برحيل غازان عن دمشق في الساعة التي قال فيها الشيخ عثمان ما قال. وتوفي الشيخ القريري في سنة ثمان وسبع مئة. الألقاب والأنساب ابن العجمي: الخطيب شمس الدين أحمد بن عبد الرحمن. وأخوه الشيخ عز الدين عبد المؤمن. وشمس الدين أحمد بن محمد. شمس الدين العجمي: عبد اللطيف بن خليفة.

стр. 1666

وكمال الدين بن العجمي: عمر بن محمد. وابن العجمي الحنفي المدرس بالإقبالية: محمد بن عثمان. وشهاب الدين بن محمد بن عبد الرحمن. وبهاء الدين يوسف بن أحمد. وتاج الدين يوسف بن إسماعيل. عدنان بن جعفر ابن محمد بن عدنان الشريف، شرف الدين بن الشريف أمين الدين بن محيي الدين الحسيني بن أبي الجن نقيب الأشراف بدمشق. تقدم ذكر والده وعمه، وسيأتي ذكر جده في المحمدين إن شاء الله تعالى. لبس تشريفه عوضاً عن والده بطرحة في تاسع شعبان سنة أربع عشرة وسبع مئة وهو شاب، فقدم على غيره لعقله وفهمه وأهليته لذلك. ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في عشية الأربعاء تاسع عشري المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمقابرهم عند مسجد الذبان ظاهر دمشق وعمره اثنتان وأربعون سنة. الأنساب والألقاب ابن عدلان: محمد أحمد. ابن العديسة: محمد بن علي. ابن العديم: عبد العزيز بن محمد. وناصر الدين محمد بن عمر بن عبد العزيز. ابن عرام: بهاء الدين أحمد بن أبي بكر.

стр. 1667

ابن بنت العراقي: عبد الكريم بن علي. العزازي التاجر الشاعر: أحمد بن عبد الملك. وبدر الدين محمد بن عثمان. وولده فخر الدين عثمان بن أبي الوفاء. ابن العز الحنفي: محمد بن محمد، وجمال الدين يوسف بن محمد. ابن العز عمر: بهاء الدين علي بن عمر. ابن العسال: أمين الدين فرج الله بن أسعد. وصلاح الدين يوسف بن أسعد. بنو عساكر: جماعة منهم: شرف الدين أحمد بن هبة الله. وفخر الدين إسماعيل بن نصر الله. وبهاء الدين القاسم بن مظفر. وبدر الدين محمد بن الحسين. ابن عسكر المالكي: عبد الرحمن بن محمد. العسقلاني: بهاء الدين عبد الله بن محمد. العشاب المحدث: أحمد بن محمد. ابن عصية قاضي بغداد: أحمد بن حامد. ابن أخت ابن عصفور: محمد بن أحمد. أبو عصيدة صاحب تونس: محمد بن يحيى. عضد بالعين المهملة المفتوحة، والضاد المعجمة المضمومة، والدال المهملة، الشريف الخواجكي، المعروف بابن قاضي يزدكان، أحد خواجكية القان بوسعيد. أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أخبرني الخواجا مجد الدين

стр. 1668

إسماعيل السلامي، أن المذكور كان فيه تسلط على الوزير ومن حول السلطان، ففكروا في إبعاده، وحسنوا لبوسعيد أن يجهزه رسولاً إلى الهند إلى السلطان محمد بن طغلق، قال: فجهزه، فلما وصل إليه أقبل عليه، وكان يقربه ويدينه ويؤثر كلامه ويسامره، وأعطاه شيئاً كثيراً إلى الغاية، ولما كان في بعض الأيام، قال له: ادخل إلى الخزائن، فدخلوا به إليها وعرضوها عليه. وقالوا: أمرنا السلطان أنك مهما أردت وأعجبك منها تأخذه، فأخذ من جميع الخزائن مصحفاً، فحكوا ذلك للسلطان، فأحضره وأنكر عليه ذلك، فقال: السلطان قد أغناني بإحسانه عن جميع ما رأيت، ولم يكن لي غنى عن كلام الله تعالى، فأعجبه ذلك منه، وأمر له بألف ألف دينار فحملت إليه. ولما عاد وقارب البلاد بلغ الوزير الخبر، فحسنوا لبوسعيد أن يجعل أحمد أمير ألكة بفتح الهمزة واللام والكاف وبعدها هاء ومعناه أن يكون له الحكم حيث حل من المملكة، وأن يفعل ما أراد، فتوجه المذكور إلى أطراف مملكة بوسعيد وتلقى الشريف عضد، وأخذ منه مبلغ مائتي ألف دينار، وضرب منها أواني، وقدم بعضها لبوسعيد أو كما قال. عطاء الله بن علي ابن زيد بن جعفر، الفقيه نور الدين بن الثقة الحميري الأسنائي. كان فقيها فرضياً، عدلاً مرضياً، من كبار الصالحين، والأولياء الناجحين، انقطع ستين سنة في مكان، لا يخرج منه إلا للصلاة إذا سمع الأذان، ولا يملك شيئاً من الدنيا، ولا يرغب إلا فيما في المنزلة العليا. ولم يزل على حاله إلى أن خانت الليالي لابن الثقة، وحانت من المنايا صعود العقبة الزلقة.

стр. 1669

فتوفي رحمه الله تعالى بأسنا في سنة ثماني عشرة وسبع مئة. ووقع يوم موته مطر عظيم. قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: أخبرت أنه قال: أنا أموت في هذا النهار، فإن والدتي أخبرتني أنني ولدت في يوم مطر عظيم. وقال: أخبرني جماعة أنه لما قدم نجم الدين بن ملي إلى أسنا اجتمع به وتكلم معه في الفرائض والجبر والمقابلة، فقال: ما ظننت أحداً في كيمان الصعيد بهذه المثابة. وكان رحمه الله تعالى سليم الصدر جداً، قال: قال لي صاحبنا علاء الدين الأصفوني: قلت له مرة: يا سيدنا، أبو بكر المؤذن طلق زوجته، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قلت له: لكن صارت بكراً كما كانت، فضحك وقال: فتبول من أين؟ وجمع دراهم ليحج بها، وأقام سنين يجمعها فسرقت، فقصد الوالي أن يمسك إنساناً بسببه فلم يوافق. قال: وحكي لي عنه أنه كان يقول: الجن فلي الليل يمسكون إصبعي، ويقولون: هذا إصبع عطاء الله! وأخذ علمه من الشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي، وأقام بالمدرسة الأفرمية التي بأسنا ستين سنة تقريباً منقطعاً لا يخرج إلا للصلاة في مسجد له أو لضرورة، وليس عنده إلا عمامة وفوقانية طاقية وفروة وشملة.

стр. 1670

الألقاب ابن العطار: جماعة منهم: شرف الدين إبراهيم بن أحمد. كمال الدين كاتب الإنشاء أحمد بن محمود. والشيخ علاء الدين بن العطار علي بن إبراهيم بن داود. وبدر الدين محمد بن أحمد. ابن عطاء السكندري تاج الدين أحمد بن محمد. ابن عطايا سعد الدين الوزير محمد بن محمد. الشريف عطوف محمد بن علي. ابن عطية عطية بن إسماعيل . عطية بن إسماعيل ابن عبد الوهاب بن محمد بن عطية بن المسلم بن رجا اللخمي الإسكندراني المالكي، العدل الكبير جمال الدين أبو الماضي بن مكين الدين. سمع كرامات الأولياء من مظفر بن الفوي، وتفرد بذلك. وكان والده من أصحاب الصفراوي وجده، وروى عن الحافظ ابن المفضل، وجدهم عطية أخو أحمد يروي عن أبي بكر الطرطوشي. وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة، وقد زاد على الثمانين أشهراً. الألقاب

стр. 1671

ابن العفيف: الكاتب محمد بن محمد. أولاد ابن عقبة: جماعة منهم: القاضي صدر الدين إبراهيم بن أحمد بن عقبة. وصدر الدين يعقوب بن إبراهيم. العقيمي: جمال الدين عمر بن إبراهيم. علي بن إبراهيم ابن الخطيب يحيى بن عبد الرزاق بن يحيى، العدل المسند مؤيد الدين أبو الحسن الزبيدي بضم الزاي، المقدسي، ثم الدمشقي، ابن خطيب عقربا. سمع من جده، ومن الناصح ابن الحنبلي، وابن غسان، والإربلي، وابن اللتي، والقاضي ابن الشيرازي، وسالم بن صصرى، ومحمد بن نصر القرشي، وحج فسمع بالمدينة من النجم بن سلام. كان ديناً متواضعاً، ولي مخزن الأيتام. وناب في نظر الجامع وغير ذلك، وشهد على القضاة. توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة. ومولده سنة إحدى وعشرين وست مئة. علي بن إبراهيم بن داود الشيخ الإمام المفتي المحدث الصالح، بقية السلف، علاء الدين أبو الحسن بن

стр. 1672

الموفق بن الطبيب الشافعي، شيخ دار الحديث النورية، ومدرس القوصية والعلمية. حفظ القرآن، وسمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وعبد العزيز بن عبد، والجمال ابن الصيرفي وابن أبي الخير، والمجد محمد بن إسماعيل ابن عساكر، والعماد محمد بن صصرى، وابن مالك شيخ العربية، والشمس ابن هامل، وأبي بكر محمد بن النشبي، وخطيب بيت الآبار، ومحمد بن عمر، والقطب ابن أبي عصرون، وأحمد بن هبة الله الكهفي، والكمال بن فارس المقرئ، والشيخ حسن الصقلي، والفقيه زهير الزرعي، والقاضي أبي محمد بن عطاء الأذرعي، ومدللة بنت الشيرجي، وإلياس بن علوان المقرئ وغيره. وسمع بمكة من يوسف بن إسحاق الطبري، وأبي اليمن بن عساكر. وبالمدينة من أحمد بن محمد النصيبي. وبالقدس من قطب الدين الزهري. وبنابلس من العماد عبد الحافظ. وبالقاهرة من الأبرقوهي، وابن دقيق العيد. وعمل له شيخنا الذهبي معجماً بلغ أشياخه فيه مئتين وسبع وعشرين شيخاً. وسمعه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بقراءته سنة سبع وتسعين، وابن الفخر، وابن المجد، والمجد الصيرفي، والبرزالي، والمقاتلي.

стр. 1673

وكان فقيهاً أفتى ودرس، وركب الجادة في العلم وألج وعرس، وجمع وصنف، ونسخ الأجزاء وألف، ودار مع الطلبة ووطف. وكان فيه زهد، وورع بلغ الجهد، وتعبد وأمر بالمعروف على زعارة أخلاقه، ومرارة في مذاقه. وكان قد صحب الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى، واشتعل ذهنه عليه اشتعالاً، وتفقه عليه، وحفظ التنبيه بين يديه. وكان له محبون وأتباع، وسوق نافقة فيها تطلب وتباع. وأصيب رحمه الله تعالى بالفالج سنة إحدى وسبع مئة، وكان يحمل في محفة، ويكون فيها جالساً مرفه، ويدار به كذلك إلى الجامع والمدارس، ويمارس حامله ما يمارس. ولم يزل على حاله إلى أن التقى عمله، وأعطاه الله من جوده أمله. وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل ذي الحجة سنة أربع وعشرين وسبع مئة. ومولده يوم الفطر سنة أربع وخمسين وست مئة. رأيته غير مرة ولم أسمع منه، لكن حصلت بركة رؤيته لا روايته. وعقد يوماً مجلس بمشهد عثمان في أيام الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى فطلب العلماء والفقهاء، وغص المجلس بالأعيان، فما كان إلا أن جاء الشيخ علاء الدين بن العطار وقد حمله اثنان في محفته على عادته، فلما رآه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وقد دخلا به، قال: أيش هذا؟ من قال لكم تأتون بهذا، ورده تنكز إلى برا، وجلس خارج الشباك، إلا أن ابن الزملكاني لحق كلامه بأن قال: قنا لكم تحضرون العلماء، ما قلنا لكم تحضرون الصلحاء.

стр. 1674

قلت: على كل حال كسر خاطره. وكان يكتب بيده اليسرى. وكان قد حج غير مرة، وكان في شهر ذي القعدة سنة أربع وسبع مئة تكلم الشيخ شمس الدين بن النقيب وجماعة في بعض الفتاوي الصادرة عن الشيخ علاء الدين بن العطار، وأن فيها تخبيطاً ومخالفة لمذهب الشافعي، وأنه ينبغي للفقهاء والقضاة النظر في ذلك، وتوجهوا إلى الحكام، فحضر جماعة إلى ابن العطار وقالوا: إنهم قد هيؤوا شهادات يشهدون بها عليك، فبادر هو إلى القاضي الحنفي، وصورت عليه دعوى، فحكم بإسلامه وحقن دمه وبقاء جهاته عليه، ونفذ حكم ذلك، فلامه أصحابه على عجلته، فأحال الأمر على من نقل ذلك فأنكروا، ووصلت القضية إلى الأفرم فأنكر ذلك، وغضب لحصول الفتن بين الفقهاء، وأحضر ابن النقيب وجماعة، ورسم عليهم بالقصر أربع ليال، وأحضروا بدار العدل وسوعدوا، فأطلقوا بعد ذلك. علي بن إبراهيم التجاني البجلي أخبرني العلامة أثير الدين قال: المذكور أستاذ بتونس يقرأ عليه النحو والأدب، قدم علينا حاجاً، وأنشدنا بالقاهرة لنفسه: إن الذي يروي ولكنه ... يجهل ما يروي وما يكتب كصخرة تنبع أمواهها ... تسقي الأرض وهي لا تشرب قال: وأنشدنا وكان الممدوح قد وهبه مالاً عوناً على الحج: يا سيداً قامت لدهري به ... على الذي تعتبه الحجة جودك للناس ربيع ولي ... منه ربيعان وذو الحجة

стр. 1675

علي بن إبراهيم بن عبد المحسن ابن قرناص علاء الدين الخزاعي الحموي الشافعي، ابن قرناص. أخذ عن جماعة، ونسخ، وقرأ على الشيوخ ولم يكثر. سمع بمصر من ابن خطيب المزة، وبدمشق من شرف الدين بن عساكر. وكان فصيح القراءة، قيل الدربة بالرجال، وله نظم. توفي رحمه الله تعالى ثالث عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة بدمشق. ومولده سنة أربع وخمسين وست مئة. ومن شعره ... علي بن إبراهيم بن علي ابن معتوق بن عبد المجيد بن وفا، علاء الدين أبو الحسن الواسطي الأصل البغدادي المنشأ، الواعظ المعروف بابن الثردة، بالثاء المثلثة والراء والدال. قدم إلى دمشق مرات ووعظ بها، وأخذ من فضتها وذهبها، ولكنه في المرة الأخيرة تغيرت حاله، وتغبت سماء عقله وغزاله، فالتحق بعقلاء المجانين، وسلك من الهذر في أفانين، وكان يثوب إليه عقله في بعض الأوقات، وتكون منادمته ألذ من الأقوات، فينشد الأشعار الرائقة له ولغيره، ويبذر الحب لسقوط طيره، ثم يعاود الاختلال والاختلاط، وينخل، إذ ينخل من الرباط. رأيته في هذه الحالة وهو

стр. 1676

يجاري القاضي شهاب الدين بن فضل الله بيتاً فبيتاً، ويسبق إلى نظم البيت حتى إخاله كميتاً. وابتدأ بعمل كارة صغيرة يحملها تحت إبطه، ويجتهد عليها بكل جهده وضبطه. وهو يزيدها في كل يوم مما يراه مطرحاً في الطرق، إما خيطاً أو حبلاً ويديره عليها كالنطق، وتلك في كل يوم تنمو وتزيد، وهو يقاسي من حملها العذاب الشديد، حتى إنه يكون في الطهارة وهو يكابد حملها، وما ينكر حملها. ولما كان آخر وقت ضعف عن حملها فألقاها، وعجز عن ضمها ومعالجة شقاها. وأصبح ابن الثردة طعام الدود، وشخصه المنتصب وهو تحت الأرض ممدود. وتوفي رحمه الله تعالى بالبيمارستان النوري في أول شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبع مئة. وسألته عن مولده، فقال: في ثاني عشري شعبان سنة سبع وتسعين وست مئة. وكان في هذا الاختلاط يدعي أنه كانت له ببغداد كتب تقدير الألفي مجلد، وأن جماعة من التجار الذين قدموا إلى دمشق اغتصبوها وأخذوها منه، ولم يلق من يساعده على ذلك. وكان ذلك من مخيلة السوداء، فساءت حاله وأضرت به، وأخذه الولع الزائد في هذه الكارة، ويطلبها الناس منه فيقول: لو دفع لي فيها ألف دينار ما أبعتها. وكان قد أتى إلى بعض الحكام وادعى عنده، وهو في هذه الحالة، على التجار الذين

стр. 1677

أخذوا كتبه، فقال له القاضي: يا شيخ علاء الدين، قولك دعوى، ألك بينة تشهد بذلك؟ فقال له: كيف يكون لي بينة، وقد صفعوك منها بمئتي مجلد، يعني دفعوها برطيلاً، فضحك القاضي والحاضرون منه. وعلق عني أشياء من نظمي، وعلقت عنه. وقال لي يوماً: أنشدني هذين البيتين اللذين لك في الجناس، وأنا قد حفظتهما، ولكن أشتهي أسمعهما منك لأرويهما بالسماع. فأنشدته لنفسي: أتاني كتاب فيه أن محبتي ... تلاشت كما قيل أي تلاشي فيا قبح ما قد ضم جانب طرسه ... فضائح واش في فضاء حواشي وكان إذا دفع إليه أحد شيئاً من دراهم أو غيرها يقول: من أنت؟ أظن عندك شيء من كتبي، فأنت تبرطلني على ذلك. ولا يقبل لأحد شيئاً. وكنت أراه فأتألم لحاله، وأتوجع لما أصابه. وكنت أخضع له وأتذلل وأعطيه شيئاً قليلاً من الدراهم، فيقول: يا مولانا، والله لا أريد شيئاً من مالك. فأقسم عليه وأقول: لا بد من ذلك، فأنا محبك وراوية شعرك. فيأخذ من عرض ذلك درهماً واحداً، ولا يزيد على ذلك. فعله مرات. وكتب، وهو في هذه الحالة، قصة للأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي نظماً، نقلت ذلك من خطه، وهي: يا نائب السلطان لا تك غافلاً ... عن قتل قوم للظواهر زوقوا قوم لهم وقع وذكر في الورى ... ويرى عليهم في المهابة رونق

стр. 1678

وإذا رأوا شيئاً عليه تحيلوا ... في أخذه وتأولوا وتملقوا ما هم تجار بل لصوص كلهم ... فأمر بهم أن يقتلوا أو يشنقوا المين دأبهم إذا ما حدثوا ... ما فيهم من في كلام يصدق مرقوا من الدين الحنيف بأسرهم ... كالسهم ظل من الرمية يمرق كم أستغيث وكم أضج وأشتكي ... منهم إليك وكم لقلبي أحرقوا سدوا علي الطرق بغياً منهم ... أني اتجهت وللأعادي أذلقوا وأتوا بمالي من لآمة طبعهم ... نحو الشآم وبينهم قد مزقوا وأراك لا تجدي إليك شكاية ... إلا كأنك حائط لا ينطق ماذا جوابك حين تسأل في غد ... عنهم ورأسيك من حيائك مطرق ما أنت راع والأنام رعية ... وإذا ركبت، لك الملوك تطرق؟ كن منصف المظلوم من غرمائه ... فالبغي مصرعة وفعل موبق واكشف ظلامة من شكا من خصمه ... فالحق حق واضح هو مشرق لا تعف عن قوم سعوا لفسادهم ... في الأرض بغيا منهم وتجوقوا وانصب لهم شرك الردى إن أنجدوا ... أو أتهموا أو أشأموا أو أعرقوا لا تنبرق منهم وإن هم أسرجوا ... أو ألجموا أو أرعدوا أو أبرقوا ومتى ظفرت بمفسد لا تبقه ... فبقاؤه للناس ضر مقلق واكفف أكف الظالمين عن الورى ... ليكف عنك الله شراً يطرق لا زلت سيفاً للأعادي قاطعاً ... ورؤوسهم مهما حييت تحلق وبقيت في مجد رفيع لا يهي ... وبنود نصرك عاليات تخفق

стр. 1679

علي بن إبراهيم بن عبد الكريم تاج الدين الكاتب المصري. كان رجلاً عاقلاً، كثير السكون، فيه لطف وتودد إلى الناس. يعرف بكاتب قطلوبك، لأنه كان كاتب الأمير سيف الدين قطلوبك الكبير. ولم يزل في الخدم الديوانية. وهو والد الشيخ الإمام العالم القاضي فخر الدين المصري الشافعي، الآتي ذكره في المحمدين إن شاء الله تعالى. توفي في العشرين من شعبان سنة خمس وثلاثين وسبع مئة بالعادلية عند ولده المذكور، ودفن بمقبرة الباب الصغير ظاهر دمشق. علي بن إبراهيم بن خالد الأمير علاء الدين بن جمال الدين. كان قد باشر ولاية دمشق هو وأبوه. وتوفي رحمه الله تعالى بقرية من قرى حوران في سابع عشري شهر رجب الفرد سنة عشرين وسبع مئة. قال شيخنا علم الدين: رأيت سماعه على القاضي شمس الدين بن عطا الحنفي في سنن أبي داود. ويعرف بابن النحاس.

стр. 1680

علي بن أحمد بن عبد الدائم ابن نعمة بن أحمد، الشيخ أبو الحسن المقدسي الصالحي، قيم جامع الجبل. سمع من البهاء عبد الرحمن، وابن صباح، وابن الزبيدي، وابن غسان، ومكرم، والإربلي، وأبي موسى الحافظ، وجماعة بدمشق، ولزم جعفر الهمداني. كان رجلاً عابداً، فقيراً لأهوال هذه الدنيا مكابداً. ابتلي فصبر، وثبت على البلاء لما اجتاز به وعبر، وانقطع لما حصل له الزمانة، وشكر الله وما ذم زمانه. وكان لا يبرح يتلو في المصحف بين يديه، ويتلو كل يوم ختمة يقدمها بين يديه. ودخل عليه التتار لما فتحوا الباب، وحموا له سيخاً ووضعوه في فرجه فمات في العذاب. وكانت وفاته رحمه الله تعالى في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وست مئة عن ثمانين سنة. علي بن أحمد بن عبد المحسن ابن أحمد، الإمام الفقيه، العالم، المحدث، المسند، بقية المشايخ، تاج الدين

стр. 1681

أبو الحسن العلوي الحسيني الغرافي، بالغين المعجمة والراء المشددة وبعد الألف فاء، الإسكندري الشافعي، المعدل. سمع في الخامسة من ابن عماد وطائفة، وببغداد من أبي الحسن القطيعي، وابن بهروز، وابن القبيطي، وجماعة. وسمع منه شيخنا الذهبي جماعة أجزاء، وانتقى عليه عوالي، وخرج لنفسه ولغيره، وحمل عنه المغاربة والرحالون، وحدثوا عنه في حياته. وكان قد سمع من ظافر بن شحم، وابن حاتم، وعلي بن جبارة. كان له بالحديث أنس وعناية، ومعرفة بقوانين الرواية، وكان فقيهاً نبيهاً، وفاضلاً في بلده وجيهاً. وكتابته حسنة سريعة، وإذا ألقى الطرس من يده تراه روضة مريعة. ولم يزل على حاله إلى أن لبى من دعاه، وجاء إلى البلاد من نعاه. وتوفي رحمه الله تعالى في سابع ذي الحجة سنة أربع وسبع مئة. ومولده سنة ثمان وعشرين وست مئة. وكان شيخ دار الحديث التي أنشأها نبيه الدين بن الأبزاري بثغر الإسكندرية.

стр. 1682

علي بن أحمد بن جعفر ابن علي بن محمد بن عبد الظاهر بن عبد الولي بن الحسين بن عبد الوهاب بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب بن محمد بن أبي هاشم بن داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، الشيخ كمال الدين الهاشمي الجعفري القوصي، نزيل إخميم، المعروف بابن عبد الظاهر. سمع من الشيخ أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة، ومن شيخه مجد الدين بن دقيق العيد، وأجازه بالتدريس على مذهب الشافعي. وصحب الشيخ علي الكردي، وقدم عليهم قوص، فاجتمع عليه الشيخ تقي الدين بن دقيق العبد والشيخ جلال الدين الدشناوي والشيخ كمال الدين هذا، وعبد الخالق بن الفقيه نصر، ولازموا الذكر بمسجد جلال بقوص. وكان الشيخ كمال الدين هذا قد أصبح شيخ دهره، وأوحد عصره. قد جمع بين العلم والعمل، وبلغ من الصلاح كل أمل. وظهر له من الكرامات ما أخجل الشمس إذا حلت دارة الحمل. وانتشر ذكره، وصدق خبره خبره. وحكى الناس عنه أموراً في الصلاح لم تحك عمن سواه من أهل ناحيته، ولا رواها الرواة عمن هو في دائرته. وكان يحضر السماع، ويخلع فيه على الأغاني ما عليه من المتاع، وله فيه أحوال عجيبة، وإشارات مصيبة.

стр. 1683

ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن عبد الظاهر في باطن الأرض، وأقام تحتها إلى يوم العرض. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة إحدى وسبع مئة ودفن برباط إخميم، وقبره هناك يزار. ومولده سنة ثمان وثلاثين وست مئة بقوص. وامتدحه الشيخ تاج الدين الدشناوي بأبيات منها: محبك هذا العارف العازف الذي ... تبدى بوجه بالضياء مكلل حليف التقي والشكر والذكر دائماً ... فلله هذا الشاكر الذاكر الولي عزائمه العليا تضاهي مقامه ... ومقداره والسر أن أسمه علي ألا إن لله الكمال جميعه ... وما لسواه منه حبة خردل ومن شعر الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر: يا عين بحق من تحبي نامي ... نامي فهواه في فؤادي نام والله ما قلت ارقدي عن ملل ... إلا لعسى تريه في الأحلام قلت: فيهما لحنتان خفيفتان خفيتان، ولو قال: " يا عين بمن سهرت فيه نامي " " إلا لعسى أراه في الأحلام ". لخلص من ورطة اللحن. وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي: حكى لي القاضي نجم الدين القمولي أن الشيخ كمال الدين رأى مرحاضاً قد أخرج ما فيه، ووضع بجانب المسجد، فقال في نفسه: لا بد أن أحمل هذا، فنازعته نفسه في ذلك، لأنه من بيت رياسة وأصالة وسيادة

стр. 1684

وعدالة، فقال: لا بد من ذلك، ثم استدرجها إلى أن حمله في النهار، ومر به في حوانيت الشهود حتى تعجبوا منه ونسبوه إلى خبل في عقله. ثم إنه سافر إلى القاهرة، واجتمع بإبراهيم الجعبري ولازمه وانتفع به. ثم إنه استوطن إخميم، وظهرت بها كراماته وانتشرت بركاته. وقال حكى لي صاحبنا الفقيه علاء الدين العدل علي بن أحمد الأصفوني رحمه الله تعالى وكان ثقة في نقله، قال: كنت بأدفو أخذت في العبادة، ولازمت الذكر مدة حتى خطر لي أني تأهلت. قال: وكان أخي جلال الدين غائباً عنا مدة وانقطع خبره، فحضر شخص وأخبرني أنه قدم من ألواح ونزل سيوط، فسافرت إلى سيوط، فلم أجده، وصحبت شاباً نصرانياً ورافقته في الطريق إلى سوهاي، وصار ينشدني طول الطريق شعراً، وكان جميلاً ففارقته من سوهاي، ووجدت ألماً كبيراً لمفارقته، فدخلت إخميم وعندي وجد بذلك النصرانين فحضرت ميعاد الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر، فتكلم في الميعاد، على عادته، ونظر إلي وقال: لا إله إلا الله، ثم أناس يعتقدون أنهم من الخواص، وهم من عوام العوام، قال الله تعالى: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ". والنحاة يقولون: مِن للتبعيض، ومعنى التبعيض ألا ترف شيئاً من بصرك إلى شيء من المعاصي. ثم قال: حكى لي فقير قال: كنت في خدمة شيخ، فمررنا بدار، وإذا بامرأة جميلة ورأسها خارجة من الطاق تتطلع إلى الشارع، فوقف الشيخ زماناً يتطلع إليها ويتعجب من ذلك. ثم بعد ساعة والشيخ صاح صيحة عظيمة، وإذا بالمرأة نزلت

стр. 1685

وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فالتفت الشيخ إلى الفقير وقال: نظرت إلى هذا الجمال، فقال: أنقذني من هذا الكفر، فتوجهت إليه، فالشيخ ما نظر إلى حسن الصورة، وإنما نظر إلى صورة الحسن، فمن أراد ينظر إلى النصراني فلينظر كذا. قال الشيخ علاء الدين: فصرخت ووقعت. قال: وحكى لي صاحبنا محمد بن العجمي، وهو من أصحاب أبي عبد الله الأسواني قال: عمل سماع في دار ابن أمين الحكم، وحضر الشيخ ورؤساء البلد وخلق كثر، وكنت من جملة الحاضرين، فحضر القوال، وهو مظفر بالشبابات والدفوف، وقالوا شيئاً، ثم قال: من بعد ما صد حبيبي ومار ... جا اليوم وزار أبصرت ما كان أبركو من نهار جاني حبيبي وبلغني المنى ... وزال عن قلبي الشقا والعنا ودار كاس الأنس ما بيننا يا ما أحسن الكاسات علينا تدار ... في وسط دار أنا ومحبوبي نهاراً جهار فقام الشيخ وقال: إي والله، أن ومحبوبي نهاراً جهار. إي والله. وطاب وخلع جميع ما عليه، وخلع الجماعة ما عليهم، ولم يبق كل أحد إلا بلباسه، ثم أرسلوا
следующие страницы →