Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
أني ممن يعرف الدر وإن لم يملكه، وينتقد التبر وإن لم يسبكه، ولذلك أتعوض فيما أعانيه من الكتابة عن الدر بالخرز، وأكتفي عن أبكار المعاني الجليلة من العون المسنة بما هو سداد من عوز، سامني مع ارتفاع شأنه في هذه الصناعة، وإثرائه دوني من نفائس هذه البضاعة، أن أجيزه رواية نظمي الذي قدمت العذر في انتهاج طريقه، ونثري الذي أوضحت السبب في مصاحبة فريقه، ومكاتباتي التي أنشأتها بسبب الوقائع التي دعت إليها، وتواقيعي التي ارتجلت غالبها لحفز الدواعي الباعثة عليها، ولمالي في قواعد ذلك من تأليف وتصنيف، وانتخاب غني بشهرته عن التصريف، فسألته الإعفاء من هذه الدرجة التي قدره أرفع منها، ورغبت إليه في قبول القول بالموجب في إجازتي من فوائده التي هي أحق بأن يروي غريبها ويحدث عنها، فلم يعف من تلك الإشارة التي قصده بها الإحسان، ومراده أن ينظم سبح نظمي في سلك ما يؤخذ عنه من درر بدائعه الحسان.
فامتثلت أمره أعزه الله تعالى ونفع به وأجزته رواية ما يجوز لي وأتيه من مسموعاتي ومقروءاتي واختياراتي ومناولاتي، وما لي من نظم مختلف الأوضاع، مستحق، لولا ما يضوع فيه من المدائح النبوية، أن يضاع ولا يذاع، وإنشاء نوعته كثرة المباشرة، وكثرته المحافظة على الوظيفة والمثابرة، ونفحته فوائد المطارحة والمذاكرة، إلى ما يندرج في سك ذلك من تأليف حمل عليه التنقيب عن أسرار هاتين الصناعتين واختيار واختصار وانتقاء وانتقاد، وانتخاب تكلمت على ما فيه من معنى مستملح وأدب مستفاد، ورغبت إليه في أن يصلح من ذلك ما أغفله القلم، وزل
стр. 1612
فيه الفكر الذي عثرته أبلغ من عثرة القدم، إذ هو الملي بالإحسان في ذلك، الجدير بتوطئة ما تعذر سلوكه على السالك.
ومولدي بحلب في شعبان سنة أربع وأربعين وست مئة، وهي إذ ذاك للعلوم معالم، ولوفود الفوائد مواسم، وسمعت بها الكثير ولكن أين أصوله؟ وفقد لي في الوقعة ثبت كبير، ولكن كيف حصوله؟ فإن وجد في ذلك شيء في الأصول فهو أصل في هذه الإجازة، وإن تعذر وجوده فكم سلبت بضاعة فضل في أثناء مفازه.
وكتب: محمود بن سلمان في المحرم، سنة ست عشرة وسبع مئة.
عبد المؤمن
كان مقداماً جريئاً، شجاعاً من الخير بريئاً، لا يهاب سيول السيوف إذا تحدرت، ولا يخاف من ورد الحتوف إذا تكدرت، بلا عقل بلا دين يردانه عن الردى بلا لب بلا ثبات يصدانه عما يوجب الصدى. قد ركب هو نفسه، وذهل عن وجود حسه. لا يخشى عاقبة، ولا له من الله تعالى مراقبة، يقدم على الليث في غابة، ويرد على المطلوب ولو أن فيه تمزيق إهابة.
ولم يزل في سكر جنونه وسوء ما يتوهم في ظنونه، إلى أن ركب الجمل مصلوباً، وانعكس حسابه عليه فأصبح مقلوباً.
كان هذا المذكور قد ورد القاهرة في أيام القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص، وأخذ يتعلق على خدمة الأميرين سيف الدين قوصون وسيف الدين بشتاك
стр. 1613
بواسطة طاجار الدوادار، ولم يكن في ذهن الناس منه شيء إلى أن دخل مع الأمير قوصون وبشتاك على السلطان في معنى النشو، على ما سيأتي في ترجمة النشو، وخاف السلطان شره، فأراد إبعاده، وولاه قوص، وتوفي السلطان الملك الناصر وهو في قوص. ولما خلع الأمير قوصون الملك المنصور أبا بكر بعث به إلى قوص، وكأنه سير إليه في السر بقتله، فقتله، وأخذ ما معه من الجواهر، ولما جاء السلطان أحمد بن الكرك وطشتمر والفخري طلبوه من قوص، وسمروه على جمل، وطافوا به شوارع القاهرة، وشمت به الناس وسبوه ولعنه، واعترف وهو على الجمل مسمر أنه هو الذي جرح القاضي شرف الدين النشو، فقال: يا أهل مصر، أنا ما أبالي بتسميري وقد قتلت ملك الكتاب وملك الترك في بلادكم، فأنا الذي جرحت النشو، وأنا الذي عمل عليه حتى أمسك وقتل، وأنا قتلت المنصور أبا بكر سلطانكم وابن سلطانكم، أو كما قال.
وكان تسميره في أواخر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان المذكور رافضياً، والله أعلم بحاله وبما صار إليه في ماله.
عبد الواحد بن منصور
ابن محمد بن المنير، العلامة عز القضاة فخر الدين الجذامي الإسكندري صاحب التفسير.
سمع من السراج ابن فارس، وتفقه بعمه ناصر الدين، وله نظم ونثر، وعمل أرجوزة في السبع.
стр. 1614
وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة في يوم السبت رابع جمادى الأولى.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
عبد الواحد بن عبد الحميد
ابن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن محمد ابن المسلم بن الحسن بن هلال بن الحسن بن عبد الله بن محمد، الشيخ الفقيه الفاضل الأصيل، مخلص الدين أبو المكارم، ابن الشيخ عز الدين بن فخر الدين.
سمع من جده فخر الدين في سنة ست وخمسين وست مئة، وسمع من ابن أبي اليسر، والنجم ابن النشبي. وأجاز له إبراهيم بن خليل، وعبد الله بن الخشوعي، وعبد الحميد بن عبد الهادي وجماعة. حفظ التنبيه. وكان يكرر عليه إلى آخر وقت، واشتغل على الشيخ تاج الدين.
وكان له شعر وخدم في الجهات الدينية.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
وكان عنده تعفف وانقطاع.
عبد الواحد بن علي
ابن أحمد بن محمد بن عبد الواحد، شمس الدين القرشي الحنبلي.
أخبرني من لفظه شيخنا أبو حيان، قال: كان المذكور موصوفاً بالصلاح،
стр. 1615
ويذكر عنه أنه اجتمع بالخضر ﵇ لما سافر عن جبل لبنان واشتاق إليه، وأنشد لنفسه:
لعلك يا نسيم صبا زرود ... تعود، فقد ذوى للبين عودي
ويا نفحات أنفاس اللخزامى ... على المشتاق من لبنان عودي
قال: وأسمع الحديث وسمعنا عليه بالحكر، وكان فيه مقيماً.
عبد الواحد القيرواني
أخبرني من لفظه شيخنا أثير الدين قال: كان عندنا بالقاهرة، وله نظم حسن، ورحل إلى الحجاز، واستوطن بمكة، وصحب ملكها أبا نمي الحسيني. وله فيه أشعار حسنة، أجاد فهيا غاية، ونظم بها نظماً كثراً، وتعرض في نظمه لأصحاب رسول الله ﷺ ، فقتل بها أشنع قتل.
ومن شعره بالقاهرة مما أنشدنا بعض أصحابنا:
غليل أسى لا يهتدى لمكانه ... عزيز أسى لا يرتجى من سقامه
خذوا إن قضى في الحب عمداً بثأره ... أخا البدر يبدو في غمام لثامه
ورفقاً به لا ناله ما يشينه ... وإن كان أسقى الصب كأس حمامه
стр. 1616
غزال تضاهيه الغزالة في الضحى ... وتشبهه في البعد عن مستهامه
يموت جني الورد غماً بخده ... ألم تنظروه مدرجاً في كمامه
عبد الوهاب بن عمر
الإمام الزاهد النحوي ظهير الدين بن عمر بن عبد المنعم بن هبة الله ابن أمين الدولة الحلبي الحنفي الصوفي.
سمع من حيية الحرانية، وأجاز له شعيب الحراني، وابن الجميزي.
وحدث، وأخذ عنه محمد بن محمد بن طغريل وجماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة أربعين وست مئة.
عبد الوهاب بن عمر
أخو الشيخ صدر الدين بن الوكيل.
كان أسود الجلدة، لأن أمه كانت حبشية، تفقه وحضر المدارس، ثم إنه انسلخ من ذلك، وتمفقر وتجرد تجرد العالم.
وتوفي رحمه الله تعالى شاباً، سنة تسع وتسعين وست مئة.
стр. 1617
عبد الوهاب بن فضل الله
القاضي الكبير الخبير، الكاتب المدبر شرف الدين أبو محمد، كاتب السر، وصاحب ديوان الإنشاء بمصر والشام.
كان كاتباً مترسلاً، حسن المقاصد متوصلاً، ما كتب بين يدي الأتراك مثله، ولا عرف مقاصدهم وأتاهم كما في نفوسهم مثل بنانه الذي فاض وبله، يتحيل في عبارته، ويتجنب مستثقل الألفاظ، ويتحيد عن الألفاظ الغربية التي تهجر من الأعراب، فلا يخرج الكتاب من يده إلا عذباً فصيح الألفاظ، ظاهر المعاني، لا يحتاج إلى التنبيه والإيقاظ. يكتب خطاً لو كان للحدائق يوماً ما احتاجت للأزاهر، أو للغواني ما تحلت بالجواهر، متعه الله بحواسه الخمس، وكان يسمع البعيد ويسمع الهمس. وكان مخاديمه يحترمونه ويعظمونه، ويتوخون كبار الدر لأجل الثناء عليه وينظمونه. وكان كاملاً في فنه، حاملاً أعباء ديوانه، إذا انفرد لا تثنه.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه بريد حينه، وحل عليه من الأجل وفاء دينه.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الثلاثاء ثاني شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.
ومولده في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
وكان في أول أمره يلبس القماش الفاخر، ويأكل الأطعمة المنوعة الشهية، ويعمل السماعات الطيبة، ويعاشر الفضلاء مثل الشيخ بدر الدين بن مالك وغيره. ثم إنه انسلخ من ذك كله لما داخل الدولة وقتر على نفسه واختصر في ملبوسه، وانجمع عن الناس انجماعاً كلياً.
стр. 1618
وكان قد سمع في الكهولة من ابن عبد الدائم، وأجاز له ابن مسلمة وغيره.
وتنقل إلى أن صار صاحب ديوان الإنشاء بمصر مدة طويلة، وما كتب قدام أحد إلا وعظمة واحترامه، مثل حسام الدين لاجين، والملك الأشرف، والملك الناصر محمد بن قلاوون. والأمير سيف الدين تنكز كان يذكره كل قليل، ويجعل أفعاله قواعد يمشي الناس عليها.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن القيسراني. قال: كنت يوماً أقرأ البريد على الأمير سيف الدين تنكز، فتحرك على دائر المكان طائر، فالتفت إليه يسيراً ورجع إلي، وقال: كنت يوماً بالمروج، وشرف الدين بن فضل الله يقرأ علي بريداً جاء من السلطان، والصبيان قد رموا جلمة على عصفور، فاشتغلت بالنظر إليها، فبطل القراءة وقال: يا خوند، إذا قرأت عليك كتاب السلطان اجعل بالك كله مني، ويكون كلك عندي، ولا تشتغل بغيري أبداً، وافهمه لفظة لفظة، أو كما قال.
وما رأى أحد ما رآه هو من تعظيم الناس له، رآه الملك الأشرف مرة، وقد قام ومشى، وتلقى أميراً، فلما حضر عنده قال: رأيتك وقد قمت من مكانك وخطوت خطوات! فقال: يا خوند، كان الأمير سيف الدين بيدار النائب قد جاء وسلم علي. فقال: لا تعد تقوم لأحد أبداً. أنت تكون عندي قاعداً وذاك واقف.
ولما توفي القاضي فتح الدين محمد بن عبد الظاهر بمصر، وقام بعده عماد الدين بن الأثير مدة يسرة طلب السلطان الملك الأشرف القاضي شرف الدين من دمشق، ورتبه بعد عماد الدين بن الأثير في صحابة ديوان الإنشاء بالديار المصرية،
стр. 1619
فأقام بها إلى أن جاء السلطان الملك الناصر من الكرك في سنة تسع وسبع مئة. وكان قد وعد بالوظيفة للقاضي علاء الدين بن الأثير، فأخرج القاضي شرف الدين إلى صحابة ديوان الإنشاء بدمشق عوضاً عن أخيه محيي الدين، فوصل إلى دمشق يوم السبت تاسع عشر شهر الله المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ولم يزل بها إلى أن توفي في التاريخ المذكور، وهو ينفذ بريداً إلى بعض النواحي.
ومتعه الله بجوارحه، لم يتغير سمعه ولا بصره، ولا تغيرت كتابته، وخلف نعمة طائلة من الأموال.
ولما مات بدمشق حضر شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود مكانه في صحابه ديوان الإنشاء بدمشق، ورثاه بقصيدة طنانة، وهي:
لتبك المعالي والنهى الشرف الأعلى ... وتبك الورى الإحسان والحلم والفضلا
وتنتحب الدنيا لمن لم تجد له ... وإن جهدت في حسن أوصافه مثلاً
ومن أتعب الناس اتباع طريقه ... فكفوا وأعيتهم طريقته المثلى
لقد أثكل الأيام حتى تجهمت ... وإن كانت الأيام لا تعرف الثكلا
وفارق منه الدست صدراً معظماً ... رحيباً يرد الحزن تدبيره سهلا
فكم حاط بالرأي الممالك فاكتفت ... به أن تعد الخيل للصون والرجلا
وكم جردت أيدي العدى نصل كيدهم ... فرد إلى أعناقهم ذلك النصلا
وكم جل خطب لا يحل انعقاده ... فأعمل فيه صائب الرأي فانحلا
وكم جاء أمر لا يطاق هجومه ... فلما تولى أمر تدبيره ولى
وكم كف محذوراً وكم فك عانياً ... وكم رد مكروهاً وكم قد جلا جلى
стр. 1620
ومنها:
وقد كان للاجين ظلاً فقلصت ... يد الموت عدواً عنهم ذلك الظلا
وعف عن الأغراض مغض عن القذى ... صبور عليه في الورى يحمل الكلا
سأندبه دهري وأرثيه جاهداً ... وأكثر فيه من بكاي وإن قلا
ولم لا وقد صاحبته جل مدتي ... أراه أباً براً ويعتدني نجلا
ولم يرنا في طول مدتنا امرؤ ... فيحسبنا إلا الأقارب والأهلا
وكم أرشدتني في الكتابة كتبه ... ولو زل عن إرشادها خاطري ضلا
وكم مشكلات لم تبن لمحدق ... إليها جلاها فانجلت عندما أملى
فمن هذه حالي وحالته معي ... أيحسن أن أبكي على فقده أم لا
وعهدي به لا أبعد الله عهده ... وأقلامه أني جرت نشرت عدلا
وتجري بما تجري الملوك من الندى ... بها فتزيل الجدب والمحل والأزلا
لقد كان ي أنس به وهو نازح ... كأن التنائي لم يفرق لنا شملا
وقد زال ذاك الأنس واعتضت بعده ... دموعاً إذا أنشأتها أنست ألوبلا
فلا مدمعي الهامي يجف ولا الأسى ... يخف جواه إن أقل لهما مهلا
ولا حرقي تخبو وإن يطف وقدها ... بماء دموعي صار فيها غضاً جزلا
إلى الله أشكو فقد صحب رزئتهم ... وفقد ابن فضل الله قد عدل الكلا
ولم يترك الموت الذي حم منهم ... حمماً ولا خلى الردى منهم حلاً
وعمهم داعي الحمام فأسرعوا ... جميعاً وألفى قولنا منه إلا
стр. 1621
وكم يرجئ الساري الونى عن رفاقه ... بإبطائه عمن تقدمه كلا
أيطمع من قد جاز معترك الردى ... إذا ركبهم يوماً بدارهم حلا
ولا سيما من عاهد الداء جسمه ... يعاوده بدءاً إذا ظنه ولى
عزاؤك محيي الدين في الذاهب الذي ... قضى إذا قضى فرض المناقب والنفلا
فمثلك من يلقى الدروس بكاهل ... يقل الذي تعيا الجبال به حملا
وفي الصبر أجر أنت تعرف قدره ... وآثاره الحسنى فلا تدع الفضلا
وسلم لأمر الله وارض بحكمه ... تحز منه فضلاً ما برحت له أهلا
ولا زال صواب المزن والعفو دائماً ... يؤمانه حتى إذا وصلا انهلا
ورثاه الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن غانم، أنشدنيها لنفسه إجازة:
ما كنت من حزني عليك بلاه ... لما فقدتك يا بن فضل الله
أصبحت ذا جلد لفقدك واهن ... حزناً عليك وذا اصطباري واه
كم صنت سر الملك منك بهمة ... وكفاية ما صانها إلا هي
ولكم مهم مشكل أمضيته ... إذ أنت منه امرأو ناه
من للمصالح والمهمات التي ... ما كنت عنها ساعة بالساهي
كم حاجة حصلت تجاهك وانقضت ... وكريهة فرجتها لله
من ذا يقوم مقام فضلك في العلا ... من سائر الأنظار والأشباه
ما زلت عمرك محسناً حتى انتهى ... ولكل عمر في الزمان تناه
كم قائل ما زلت أنت ملاذه ... قد كنت عزي في الأنام وجاهي
стр. 1622
ولكم سعيد مات بعدك خاملاً ... بل كان يفخر دائماً ويباهي
ما فرد داهية برزئك قد دهت ... بل قد دهت لما فقدت دواه
قسماً لقد خمل الزمان وكنت لم؟ ... اكنت فيه هو الزمان الزاهي
لله در معارف قد حزتها ... من ذا يجاري فضلها ويباهي
أنطلقت أفواه الزمان بمدحك ال؟ ... عالي لفضل دام منك وفاهي
أسفي على ما فات منك وأنت لم ... تبرح بقربي منعماً وتجاهي
أبكيك ما بقي البكاء بكاء مح؟ ... زون على طول المدى أواه
فسقت ضريحك رحمة فياضة ... ترويه بالأنواء والأمواه
ولما طلب في الأيام الأشرفية إلى مصر، كتب إليه علاء الدين الوداعي، ومن خطه نقلت:
وافقت ربي في ثلاث بأن ... تبقى وترقى وتنال العلى
وقد رأت عيناي أمنيتي ... والحمد لله تعالى على
والآن في مصر فلا بد من ... أن تخلف الفاضل والأفضلا
وكتب إليه، ونقلت من خطه:
لئن كان أصلي من ذؤابة كندة ... أولي الحكم الغراء والمنطق الفصل
فما زلت طول الدهر أشكر فضلكم ... إلى أن دعوني في القبائل بالفضل
ومن إنشاء القاضي شرف الدين بن فضل الله كتاب بشرى بالنيل، وهو:
стр. 1623
لا زالت البشائر تستمتع بمحاورته، وتغتبط بمجاورته، وتود لو استقر بذراه قرارها، وطال معه سرارها، وهذه البشرى تبشره بنعمة عظمت مواهبها، وعذبت مشاربها، وانتشرت في البسيطة مذاهبها، وردت الآمال الظماء، وضاهت الأرض بها السماء، وأغنت عن منة الغمام، وعمت مصر بالهناء حتى فاض إلى الشام، وهي وفاء النيل الذي وفى، وفي وفائه حياة البلاد والعباد، وشكر النعمة به متعين على الحاضر والباد.
ومنه أيضاً:
ورد كتابه فتمتع منه بعرائس أبكار الأفكار، وتملى منه بنفائس من أنفاس الأزهار، وشاهد كل سطر منه أحسن من سطري، وكان ناظره صائماً عن النظر لبعده فأوجب عليه عيد قدومه فطراً، وردد فكره في بدائعه الرائقة الرائعة، ورأى التشريف بإرساله من جملة صنائعه المتتابعة، ووقف عليه وسر بدونه وإيابه. وشكر الأيام التي خولته من اقترابه ما لم تطمعه الأيام في تمثيله ولم يدر في حسابه، والله تعالى يقرن اليمن بهذه الحركة، ويجعلها مشمولة على السعادة مخصوصة بالبركة.
ومنه نسخة كتاب كتبه عن نائب السلطان بالشام لما قدم المبارك الذي ادعى أنه ابن المستنصر: " سلام عليك طبتم فادخلوها خالدين ".
стр. 1624
ليهنك النعمة المخضر جانبها ... من بعدما اصفر في أرجائها العشب
ضاعف الله جلال الجناب الكريم الشريف العالي المولوي السيدي النبوي، وجعل قدومه كاسمه المبارك على الإسلام.
واسم شققت له من اسمك فاكتس ... شرف العلو به وفضل العنصر
وأورد ركابه الأرض الشامية ورود الغمام، وبين أنوار الخلافة على جبين مجده فلا تضام النواظر في رؤيتها ولا الأفهام، وأضاء بوجوده بيت الإمامة حتى يعود إلى عوائده الحسنى في سالف الأيام، وسخر له العزائم والشكائم، وجعل من شيمته السيوف والأقلام. ورد الكتاب الكريم تبدو البكرات من صفحاته، وتسري نسمات السعد من أنفاس كلمه الطيب ونفحاته، وكان كالسحاب إذا سح وابله، وكالذكر المحفوظ إذا عمت ميامنه للإسلام وفواضله.
وكالبدر وافته لوقت سعوده ... وتم سناه واستقلت منازله
فتلقاه حين ألقي إليه من سماء الشرف بالإعظام، وحل الواردون به من مواطن القبول محل ملائكة الوحي الكرام، وتلا على ما قبله: يا بشراي هذا سيد ولم يقل: هذا غلام. فأي قلب لم يسر بمقدمه، وأي طرف لم يستطع أنوار مطلعه على الدنيا ومنجمه.
ومن شعره يمدح الملك المنصور قلاوون الألفي:
تهب الألوف ولا تهاب لهم ... ألفاً إذا لاقيت في الصف
ألف وألف في ندى ووغى ... فلأجل ذا سموك بالألفي
стр. 1625
ومنه لما ختن الملك الناصر محمد:
لم يروع له الختان جناناً ... قد أصاب الحديد منه حديداً
مثلما تنقص المصابيح بالقط ... ط فتزداد في الضياء وقودا
ومنه:
كتبت والشوق يدنيني إلى أمل ... من اللقاء ويقصيني من الدار
والشوق يضرم فيما بين ذاك وذا ... بين الجوانح أجزاء من النار
ومنه:
في ذمة الله ذاك الركب إنهم ... ساروا وفيهم حياة المغرم الدنف
فإن أعش بعدهم فرداً فيا عجباً ... وإن أمت هكذا وجداً فيا أسفي
ومنه يهنئ القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر ببنت:
أمولاي فتح الدين هنئ خدركم ... بقرة عين للصيانة والمجد
ومتعتم منها بأيمن غرة ... مباركة في الصالحات من الولد
وصين بني سعد حماكم وعشتم ... ميامين فرسان اليراعة والحمد
وعوذ تم من عين حاسد فضلكم ... ومجدكم في المجد يوماً وفي المهد
فأولادكم إما بدور فضيلة ... وإما شموس هن أخبية السعد
فبورك فيها طلعة فلربما ... أفاد بني سعد فخاراً بنو نهد
стр. 1626
؟
عبد الوهاب بن فضل الله
القاضي الكبير الأثير المهيب شرف الدين النشو ناظر الخاص.
كان كالغصن قده. أو السيف حده، أو البدر محياه البهي، أو الدر كلامه الشهي. طويل القامة ممتدها، ظريف الخطرة يحسبها الناظر خطرة كاعب ويعتدا. باشر نظر الخاص فعم به إقبال الدولة، وانتشرت له السمعة والصولة، وسد مهمات لو جرى النيل ذهباً لأفناه الإنفاق، ولو نثرت النجوم دراهم لما ساعدها الإرفاد ولا الإرفاق، وبزت أموال جماعة وأرواحهم، وركدت بعدما هبت بالسعادة أرواحهم، وتمكن من السلطان فوصل وقطع، ولمع بارق سعوده وسطع، وخلاله العصر، وجلا السعد له القصر، وانفرد بالتدبير، وما خلا ذلك التثمير من التدمير، وغره ميل السلطان إليه وتقريبه، وفاته منه ما يجري به تجريبه، فعاند الناس جميعاً، ولم يكن لأحد من الخاصكية سمعياً، وأراد يتعشى بأناس فتغدوا به قبل، وفوقوا إليه من المصائب صائبات النبيل، فافترسته ليوث خوادر، وساعدت عليه المقادر، وعجز السلطان عن خلاصه، وغنموا الغفلة في افتراسه وافتراصه.
وجاءه شؤبوب الشيوب، واستخرج منه ومن أهله خبايا البيوت قبل الجيوب، فقضى تحت العقاب نحبه، ولقي بما قدم ربه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني صفر سنة أربعين وسبع مئة.
وفي ذلك قال القاضي علاء الدين بن فضل الله صاحب دواوين الإنشاء:
стр. 1627
في يوم الاثنين ثاني الشهر من صفر ... نادى البشير إلى أن أسمع الفلكا
يا أهل مصر نجا موسى، ونيلكم ... وفى وفروعون وهو النشو قد هلكا
وكان النشو أولاً هو ووالده وإخوته يخدمون عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، فلما انفصلوا من عنده أقاموا بطالين مدة في بيتهم، ثم إن النشو خدم عند الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور، فأقام في خدمته تقدير ستة أشهر، ثم إن السلطان طلب كتاب الأمراء، فحضروا، فرآه وهو واقف وراء الجميع، وهو شاب طويل نصراني، حلو الوجه، فاستدعاه وقال له: إيش اسمك؟ فقال: النشو. قال: أنا أجعلك نشوي. ثم إنه رتبه مستوفياً في الجيزية، وأقبلت سعادته فأرضاه فيما يندبه إليه، وملأ عينه بالنهضة والكفاءة، فنقله إلى استيفاء الدولة، فباشر ذلك مدة، وخدم الناس، وأحسن معاملتهم فأحبوه.
ثم إن السلطان استسلمه على يد بكتمر الساقي وسماه عبد الوهاب، وسلم إليه ديوان ابنه آنوك، فلاحظته السعادة، ونام عنه طرف الزمان. ولما توفي القاضي فخر الدين ناظر الجيش نقل السلطان القاضي شمس الدين موسى من نظر الخاص إلى نظر الجيش، وولى النشو ناظر الخاص مع كتابة ابنه، وحج مع السلطان في تلك السنة، وهي سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
стр. 1628
ولما كان مستوفياً وهو نصراني كانت أخلاقه حسنة، وفيه بشر وطلاقة ورجه وتسرع إلى قضاء حوائج الناس، ولما تولى الخاص وكثر الطلب عليه من السلطان، وزاد السلطان في الإنعامات والعمائر وبالغ في أثمان المماليك وزوج بناته وتوجه إلى الحج واحتاج إلى الكلف العظيمة المفرطة الخارجة عن الحد ساءت أخلاق النشو، ولبس للناس جلد النمر، وأنكر من يعرفه، وفتحت أبواب المصادرات للكتاب ولمن معه مال، وكان الناس يقعون معه ويقومون إلى أن جرح، فازداد الشر أضعافه، وهلك أناس كثيرون، وسلب جماعة نعمهم وذهبت أرواح، وزاد الأمر إلى أن دخل الأمير سيف الدين بشتاك والأمير سيف الدين قوصون وجماعة من الخاصكية ومعهم عبد المؤمن الذي تقدم ذكره إلى السلطان، فقال عبد المؤمن: أنا الساعة أخرج إلى النشو وأضربه بهذه السكينة، وأنت تشنقني وأريح الناس من هذا الظالم، فقال السلطان: يا أمراء متى قتل هذا بغتة راح مالي، ولكن اصبروا حتى نبرم أمراً، فلما كان ليلة الاثنين ثاني صفر الشهر المذكور اجتمع السلطان به، وقال له: غداً أريد فلاناً، فاطلع أنت من سحر لتروح وتحتاط عليه، وأحضر جماعتك ليتوجه كل واحد إلى جهة أعينها له. فلما كن من بكرة النهار طلع القلعة ودخل إليه واجتمع به وقرر الأمر معه، وقال له: اخرج حتى أخرج أنا وأعمل على إمساكه مع الأمراء، فخرج وقعد على باب الخزانة، وقال السلطان لبشتاك: اخرج إلي النشو وأمسكه، فخرج إليه وأمسكه وأمسك أخاه مجد الدين رزق الله المذكور في حرف الراء، وصهره ولي الدولة، وأخاه الأكرم، وجماعتهم، وعبيدهم، ولم يفت في ذلك الوقت إلا المخلص أخوه الكبير، فإنه كان في بعض الديرة، فجهز إليه من أمسكه وأحضره، وسمل بشتاك النشو إلى الأمير
стр. 1629
سيف الدين برسبغا الحاجب، وعوقب هو وأخوه المخلص ووالدتهما وعبيدهم. وماتت والدتهما وأخوه المخلص تحت العقوبة في المعاصير والمقارع. ثم إن السلطان رق على النشو ورفع عنه العقوبة، ورتب له الجريحية والفراريج والشراب فاستشعروا رضا السلطان عنه، فأعيدت عليه العقوبة ومات تحتها رحمه الله تعالى.
وقيل: إن الذي تحصل من النشو ومن إخوته ومن أمه ومن عبيدهم وأخيه وصهره مبلغ ثلاث مئة ألف دينار مصرية.
وأراني النشو قبل خروجي من الديار المصرية في سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، قال: هذه أوراق فيها ثمن المماليك الذين اشتراهم السلطان من أول مباشرتي سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة إلى الآن، وجملة ذلك أربعة آلاف ألف دينار وسبع مئة ألف دينار. وأما جراحته، فإنه كان من عادته متى أذن الصبح ركب من بيته في الزربية وتوجه إلى القلعة فيجلس على باب القلعة إلى أن يفتح ويدخل، فلما كان في ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع أو ثمان وثلاثين وسبع مئة ركب على عادته، فلا كان خلف الميدان عند أوله إلى جهة البحر، لحقه فارس يطرد الفرس وبيده سيف مشهور، فقال له عبده من ورائه: يا سيدي جاءك، فالتفت فرأى السيف مسلولاً، قال لي: فرفست البغلة لأحيد عنه، فأخذتني إليه، فضربه على عضده اليسار وعلى جنبه إلى مربط لباسه، ثم تقدمه وضربه ضربة أخرى إلى خلف، فوقع شاشة إلى الأرض، ولما ضربه هذه الثانية رفعت البغلة رأسها، فجاء السيف في حجاج عينها
стр. 1630
وبعض أذنها، فلما وقع شاشه توهمه رأسه وساق وتركه، فرجع النشو إلى البيت، فقطب الجرايحي يده بست إبر وقطب جنبه باثنتي عشرة إبرة، ولو لم أر ذلك بعيني ما صدقت، فإن الناس أجمعوا على أنه ادعى ذلك ليؤذي الناس عند السلطان.
وحكى لي القاضي شرف الدين النشو من لفظه غير مرة لما تولى نظر الخاص قال: كنت أطلع مع والدي إلى القلعة بالحساب، فيتقدمني هو بحماره القوي وأنقطع أنا على الحمار الضعيف، والحساب عليه، فلا أزال أضربه بالعصا إلى أن تتكسر ثم أضربه بفردة السرموزة إلى أن تنقطع، وأطلع القلعة في أنحس حال.
وحكى لي أيضاً غير مرة قال: لما بطلنا من عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب أقمنا نبيع من أطرافنا وننفق علينا، إلى أن لم يبق لنا شيء، فاحتجنا يوماً ولم نجد ما نبيعه، فجمعنا السراميز العتق وسيرنا أبعناها بما أنفقناه علينا، فقال لي والدين: هذا آخر الخمول، وما بقي بعد هذا قطوع، وقد قرب الفرج.
قال: وكان لي قميص إذا خرجت أنا لبسته، وإذا خرج أخي المخلص لبسه، فلما كان ثاني يوم نزل عبدنا إلى البحر، فاصطاد لنا سمكة مليحة سمينة، فقلوناها بما فيها من الدهن، ولم يكن عندنا ما نشتري به سيرجاً، فلما كان ثاني يوم لذاك اليوم جاءني من طلبني لأخدم عند أيدغمش أمير آخور، فتوجهت وقدر الله باتصال القسمة وخلع علي، فتوجهت بالتشريف إلى الشرابشيين وأبعته واشتريت قماشاً من الشراب كثيراً وفصلناه قمصانا لما وجدناه من حرقة عدم القمصان.
стр. 1631
عبد الوهاب بن محمد
ابن عبد الوهاب بن ذؤيب الأسدي، الشيخ الإمام العالم النحوي الفقيه كمال الدين ابن قاضي شهبة الشافعي.
سمع من ابن أبي الخير سباعيات الصيدلاني ورواها عنه. سمع الكتب الكبار ومسند الإمام أحمد، وله ثبت بخط الوجيه السبتي.
ومن شيوخه الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وابن علان، وابن البخاري، والمجد بن الخليلي، وإسماعيل بن العسقلاني، والبرهان بن الدرجي، والشرف بن القواس.
كان فقيهاً فاضلاً، عارفاً بالمذهب ناقلاً، له حلقة بالجامع الأموي خلف محراب الحنابلة، قرأ عليه جماعة من الطلبة أولاد الأكابر، ومن أرباب السيوف وذوي المحابر. وكان حريصاً على التعليم، مجتهداً على التفهيم، يعيد الدرس للطالب مرات، ويطالبه بإعادته كرات، ويسمع على المشتغلين الماضي الذي تقدم، ويقيم بالمذاكرة من ربوع العلم ما تهدم، لو أمكنه صور الدرس للطالب في الخارج، ورقاه في فهمه على المعارج، وانتفع عليه بذلك جماعة، وأرخى على وجهه قناع القناعة، وكان يعتكف في الجامع الأموي شهر رمضان بكماله، ويستجلي من الخير بدور جماله.
ولم يزل على حاله إلى أن لم يكن في عدم ابن قاضي شهبة شبهة، ودس في التراب ذاك الوجه والجبهة.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
стр. 1632
ومولده في ثاني عشر شوال سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وكان من أعيان أصحاب الشيخ تاج الدين في الفقه والأصول، ومن أعيان أصحاب أخيه شرف الدين في العربية. لازمهما وسلك طريقهما في الإشغال.
عبد الوهاب بن أحمد
ابن يحيى بن فضل الله، القاضي الرئيس شرف الدين ابن القاضي شهاب الدين ابن القاضي محيي الدين، موقع الدست بدمشق.
كان شكلاً ظريفاً، أبي النفس شريفاً، فيه شجاعة وإقدام، وفروسية ثابتة الأقدام، يلعب الكرة بالصوالج، ويصيد بالطير والحوامي ما هو في وكره والج، ويسوق في البريد فيكاد يسبق الرياح، ويثبت على ظهور الخيل من الليل إلى الليل إلى الصباح. وكتب الرقاع جيداً، ووقع على القصص متأيداً.
وكان فيه مروءة وكرم، وحدة في أخلاقه تتوقد بالضرم.
ولم يزل على حاله إلى أن ذوى غصنه الناعم، وأصبح وأعضاؤه للبلى مطاعم.
وتوفي رحمه الله تعالى ثامن عشري شوال سنة أربع وخمسين وسبع مئة، ودفن في تربتهم بجبل قاسيون.
استخدمه السلطان بمصر بعد دخولهم إليها، في سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين وسبع مئة، وكتب في ديوان الإنشاء مع الواده رحمه الله تعالى، ومع عمه القاضي علاء الدين. وسمع بقراءتي على الشيخ فتح الدين بن سيد الناس وغيره.
стр. 1633
ولما رسم لوالده بكتابة سر دمشق حضر معه، وكان يدخل بالعلامة إلى الأمير علاء الدين ألطنبغا ويخرج، ويقرأ البريد عليه، وكان يؤثره ويحبه، وكان يكتب عن والده أوراق البريد وأسماء الموقعين على القصص. ولما توفي والده رحمه الله تعالى تحدث له مع القاضي ناصر الدين كاتب السر وأدخله إلى الدست موقعاً في أوائل سنة خمسين وسبع مئة أواخر أيام أرغون شاه.
الألقاب والنسب
ابن عبود: جمال الدين الحسين بن محمد.
عبيد الله بن محمد
الإمام العابد شيخ الحنفية ركن الدين أبو محمد البارساه، بالباء الموحدة وبعدها ألف وراء وسين مهملة وبعدها ألف وهاء، السمرقندي، نزيل دمشق، ومدرس الظاهرية، ومدرس النورية.
كان من كبار المذهب، تقمص منه درعه المذهب، وأصبح وحواصل علومه بيد التعليم تنهب، مكباً على التعليم والمطالعة والتفهم والمراجعة، له ورد في اليوم والليلة مئة ركعة، يحرم جفنة في الليل لذاذة الهجعة، وله حلقة في الجامع للإفادة، وللطلبة إلى حرمها في كل يوم وفاده.
ولم يزل البارساره إلى أن بار وجوده، وطفي في الماء وقوده، فأصبح في بكرة الظاهرية ملقى غريقاً، أصيلاً في الأموات عريقاً، قتل لشيء كان معه من الحطام، وقيد إلى المنية بخطام.
стр. 1634
وذلك في ليلة الاثنين ثاني عشر صفر سنة إحدى وسبع مئة.
وكن قد أعطي تدريس النورية قبل وفاته بستة أيام، وألقى فيها ستة دروس لا غير، وأمسك طي الحوراني قيم دار الحديث بالظاهرية، وضرب، فأقر بقتله، فشنق على باب المدرسة.
عبيد الله بن علم الدين
ابن شراقي، بفتح الشين المعجمة وبعدها راء وألف وقاف وياء آخر الحروف، الكاتب.
أخبرني من لفظه العلامة أثير الدين، قال: رأيته بالقاهرة، وكتب إلي بأبيات.
ومن شعره ما كتب به إلى الخطيب مجد الدين بمدينة الفيوم من أبيات:
خلائقك الحسنى أبر وألطف ... وأنت بأنواع المكارم أعرف
وتلك السجايا الغر فهي كروضة ... مفوفة الأزهار تجني وتقطف
طبعت على فعل الجميل خلائقا ... فأنت بما تأتيه لا تتكلف
فأجابه مجد الدين:
يميناً لأنت البحر للدر تقذف ... وذا عجب إذ أنت بالعذب توصف
وما الدر في البحر الفرات وإنما ... خصائص فضل حزتها بك تعرف
فلا جيد إلا وهو منها مطوق ... ولا سمع إلا وهو منها مشنف
стр. 1635
منها:
لقد نالنا من طيب نشرك نشوة ... فقلنا: أهذا الشعر أم هو قرقف
فذاك هو السحر الحلال حقيقة ... كمر نسيم الروض بل هو ألطف
وكتب علم الدين بن شراقي إلى زين الدين الأرمنتي:
بحق ما حزت من خصال ... عطرت الأكوان بالأريج
شنف بنظم كنظم در ... ورونق اليانع البهيج
فمذ قطعت القريض عني ... أمري في مقلق مريج
فأجاب زين الدين المذكور:
سألت أمراً وبي احتياج ... لنظمك الباهر البيهج
تطلب مني وأنت أولى ... ما البحر يحتاج للخليج
نظمك في حسنه أراه ... كالزهر في يانع المروج
بلاغة فيه لم ينلها ... حبيب أوس ولا السروجي
ومن شعر علم الدين شراقي:
ولقد هممت بأن أفوز بنظرة ... من مالك تهوى المعالي وصفه
لم يستطع نظري يراه شاكيا ... فبعثتها عني تقبل كفه
الألقاب والنسب
ابن عبيد الله الموقع: شهاب الدين أحمد بن عبيد الله.
صلاح الدين يوسف بن محمد.
стр. 1636
عتيق بن عبد الرحمن .
ابن أبي الفتح، المحدث المتقن الزاهد تقي الدين أبو بكر القرشي العمري المصري الصوفي المالكي، شيخ خانقاه ابن الخليلي.
سمع بمصر والشام والحجاز، وحدث عن النجيب عبد اللطيف، وعبد الله بن علاق، وكتب عنه الطلبة.
وجاور بمكة مدة، وكان فيه تعبد، وعنده فقر وتزهد، وتحر وتجرد، وله فضيله، يخرج بها من السمة الردية الرذيلة.
مرض مدة بالفالج وعالج من آلامه ما كان يعالج.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
عتيق بن محمد
ابن سلميان المخزومي، تاج الدين الدماميني، بالدال المهملة والميم والألف والميم الثانية والياء آخر الحروف وبعدها نون.
قرأ الفقه بقوص، وحفظ التنبيه، واستوطن الإسكندرية، وانتهت إليه رئاستها.
وكان ذكياً كثير العطاء، وله مشاركة في التاريخ والأدب، وبنى مدرسة بالمرجانيين بالثغر ووقف عليها أوقافاً كثيرة.
وحضر إلى مصر فتوفي بها في أواخر جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
стр. 1637
عثمان بن إبراهيم
ابن أبي علي الحمصي المقرئ الصالح أبو عمرو الصالحي النساج، إمام مسجد القرشيين.
سمع حضوراً نصف البخاري الأخير من ابن الزبيدي، وسمع من ابن اللتي، لكنه كان يحرف كتابة الأسماء، يكتب الحمصي المصري، فذهب سماعه. وكان قد سمع كثيراً من الحافظ الضياء.
وسمع منه الواني، والمقاتلي، والعلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، والمحب، وجماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة، وعاش ثلاثاً وثمانين سنة.
وكان خيراً يتودد إلى الناس ويتواضع ويحسن بشره.
عثمان بن إبراهيم
ابن مصطفى، الشيخ الإمام العالم فخر الدين المارديني المصري، مفتي الحنفية المعروف بابن التركماني.
كان فاضلاً في مذهبه، عارفاً بدقائقه وتقلبه، شرح الجامع الكبير وألقاه دروساً، وجلاه للنواظر والبصائر عروساً.
стр. 1638
كان جميل المحاضرة، جليل المذاكرة، أخلاقه لطيفة، وتناديبه ظريفة، طلق المحيا، فصيح العبارة، حسن العمة، كامل الشارة، وكان له ولدان، كأنهما في سماء الفضل فرقدان.
ولم يزل على حاله إلى أن حم يومه العصيب، فأخذ من الموت بنصيب.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت حادي عشر شهر رجل الفرد سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في عاشر جمادى الأولى سنة ستين وست مئة، يوم توفي الشيخ عز الدين بن عبد السلام المنصوري.
وسمع من الأبرقوهي، والدمياطي، وغيرهما. وشرح الجامع الكبير في مئة كراس، وألقاه في المدرسة المنصورية. وله نظم. وتفقه به ولداه الشيخ علاء الدين والشيخ تاج الدين.
عثمان بن أحمد
ابن محمد، المحدث، فخر الدين أبو عمرو الحلبي، ثم المصري، ابن الظاهري.
حضر النجيب، وابن علاق، وسمع من عامر القلعي والعز الحراني، ونسخ بعض الأجزاء وكتب الطباق.
قال شيخنا الذهبي، رحمه الله تعالى: وله إلمام ببعض هذا الشأن وكثرة مطالعه.
стр. 1639
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس شهر رجب سنة ثلاثين وسبع مئة.
وولده سنة إحدى وسبعين وست مئة.
وكان له قبول، وعنده مروءة، وقرأ القرآن بروايات، وحفظ ألفية ابن مالك، وتعب عليه والده وأسمعه الكثير. قال شيخنا علم الدين البرزالي: شيوخه ست مئة شيخ، وذلك في سنة خمس وثمانين وست مئة، وازداد بعد هذا التاريخ خلقاً كثيراً.
وسمع منه الطلبة والرحالون.
عثمان بن أحمد بن عمر
ابن أحمد بن هرماس بن نجا بن مشرف بن محمد بن ورقة، القاضي الفقيه الإمام العالم فخر الدين أبو عمرو قاضي نابلس.
ولي القضاء بعدة أماكن بالشام. وكان حسن السيرة في القضاء عفيفاً، يقال إنه أباع ملكاً بثلاثين ألفاً، وأنفقه عليه مدة الولاية. وكان كثير الأستحضار لمسائل المحاكمات.
قال البرزالي: كتبنا عنه من شعره بنابلس.
وتوفي رحمه الله تعالى تاسع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبع مئة، ومولده سنة ثلاثين وست مئة بزرع.
стр. 1640
عثمان بن أحمد بن عثمان
ابن هبة الله بن أحمد بن عقيل القيسي الشافعي، المعروف بابن أبي الحوافر، الطبيب بالقارة.
له إجازة من ابن اللتي، وابن المقير، وإبراهيم الخشوعي، وغيرهم. وكان ينعت بجمال الدين.
توفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة غرة صفر سنة إحدى وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة.
عثمان بن إدريس
ابن عبد الله بن السلطان عبد الحق بن مجبو، البطل الضرغام، فارس الإسلام، مقدم الجيوش أبو سعيد بن أبي العلاء المريني.
قائد جيش غرناطة، وهو الذي أبلى يوم الكائنة العظمى سنة تسع عشرة وسبع مئة، ونصر الله فيها الإسلام، وأباد جيوش الفرنج.
وكان ذا دين متين، وعقل صحيح مبين، فيه شرف وعند سيادة، وله كبرياء في الرئاسة، وافرة الزيادة، أبلى في الحروب، وأملى دروساً في الجراح والضروب، يلقى الهجير بنحره ويقدم على الهول وهو قد جاء وطم ببحره، لا يبالي بالكتائب إن قلت أو كثرت، ولا يهمه أمر جياده، إن كلت أو عثرت، أين ما بأسه عنترة أو عامر بن الطفيل؟! وأين من كره على الفارس زيد الخيل؟ كاد يرد الموت من الظما، أو يخال سمرة الرماح لمى، أو يتخيل أن السيوف جداول فهو يخوضها، أو يتوهم أن المنايا ذات دلال فهو يروضها.
стр. 1641
ولم يزل على حاله إلى أن صالت عليه المنايا، وجاءته بما في زواياها من الجنايا.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة.
قيل: إنه شهد مئتي غزوة وأربعاً وثلاثين غزوة، أهلك الله ضده الوزير المحروق الذي أبعده من الحضرة في سنة تسع وعشرين وسبع مئة لأن ولده إبراهيم بن عثمان كان قد شارك يحيى بن عمر بن راجو في قتلة السلطان أبي الوليد، ثم عاد ابن أبي العلاء إلى منصبه فلي سنة تسع وعشرين وسبع مئة. نزل يوم الملحمة العظمى إلى الأرض، وسجد وتضرع إلى الله ثم ركب فرسه وقال لجيشه: احملوا، وكانوا دون الألفين، فحملوا على القلب وفيه ذون بطرو المقدم ذكره، وهو في بضعة عشر ملكاً من الفرنج فقتلوا كلهم، ثم لم يفلت منهم أحد، ودام القتال إلى الليل، فأقل ما قتل من الفرنج ستون ألفاً وقيل: ثمانون ألفاً، ولم يقتل من المسلمين سوى ثلاثة عشر فارساً، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة إلى الغاية.
وتوفي رحمه الله تعالى وهو مرابط، وكان من أبناء الثمانين.
عثمان بن إسماعيل
ابن عثمان، الأمير صارم الدين.
كان أولاً حاجباً بصفد، ثم نقل إلى دمشق أميراً ثم أعيد إلى دمشق، ولم يزل بها مقيماً إلى أن توجه صحبة الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى إلى ملطية.
ولما عاد العسكر من ملطية توفي رحمه الله تعالى في الطريق في سابع عشري شهر ربيع الأول بالمعرة سنة خمس عشرة وسبع مئة.
стр. 1642
وكان رجلاً جيداً ساكناً وقوراً. عين لشد الدواوين بدمشق، وكان يسكن بدرب الفراش، وخلف أولاداً وذرية، وكان جده من مماليك الدوادار الرومي، كذا قاله شيخنا البرزالي. وعاش ثمانياً وخمسين سنة.
وهو أخو الأمير ناصر الدين مشد الأوقاف بدمشق، وناظر الحرمين بالقدس والخليل ﵇. وكان يعرف في دمشق بحاجب صفد، أعني الأمير صارم الدين.
عثمان بن أيوب
ابن مجاهد الفرجوطي، بالفاء والراء الساكنة والجيم والواو الساكنة الطاء المهملة.
كان ملازم التلاوة، ويستعمل الصبر على ذلك علاوة، قد التحف بالتحف من القناعة، وجعل الشكر رداءة وقناعة، يرضى بالقليل من العيش الشطف، ويتجلد لما مضى ولا يأتنف، عديم الطلب من الناس، سليم القلب في معاشرة الأخيار والأدناس.
ولم يزل على حاله إلى أن افترش تراب لحده، وألصق بالثرى ديباجة خده.
وتوفي في مستهل شوال سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وتوفي ببلده فرجوط.
ومن شعره:
ألا في سبيل الحب ما الوجد صانع ... بقلب له من وشكة البين صارع
يكابد من أجل البعاد هلوعه ... وإن قلى الأحباب للصب هالع
стр. 1643
ويقلقه داعي الهوى ويقيمه ... فيقعده الإعجاز والعجز مانع
ويصبو فتنصب الدموع صبابة ... ولا غرو إن صبت لذاك المدامع
إذا فاح من أكناف طيبة طيبها ... تحركه شوقاً إليها المطامع
وإن ذكرت نجد وجرعاء رامة ... ولله كم من لوعة هو جارع
هل الدهر يوماً بعد تفريق شملنا ... بذاك الحمى النجدي للشمل جامع
وهل ما مضى من عيشنا في ربوعكم ... وطيب زمان بالتواصل راجع
عدوا بالتلاقي عطفة وتكرماً ... علي فإني بالمواعيد قانع
وإن تسمحوا بالوصل يوماً لعبدكم ... فهذا أوان الوصل آن فسارعوا
أهيل الحمى هل منكم لي راحم ... وهل فيكم يوماً لشكواي سامع
فهذا لسان الحال يرفع قصتي ... لديكم عسى منكم لبلواي رافع
عثمان بن أيوب
ابن أبي الفتح، فخر الدين أبو عمرو الأنصاري العسقلاني.
أخبرني من لفظه العلامة أثير الدين، قال: مولد المذكور ببيت زينون، بالنون لا بالتاء، من عسقلان وغزة، في خامس عشر شعبان سنة تسع وثلاثين وست مئة.
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
أتاني كتاب خلت في طي نشره ... بريق ضياء يخجل القمرين
إلى علم أسعى به من سميه ... فنلت مني بالسعي في العلمين
стр. 1644
فأجابه نور الدين بن سعيد:
ببيت وبيت قد سبقت مجلياً ... فلا زلت بالبيتين ذا سبقين
وأنجحت بالأمر الذي قد قصدته ... بسعيك يا ذا الفضل بالعلمين
قال: وأنشدنا المذكور لنفسه:
من يبقها وردي ومن وجناتها ... وردي وخمري لحظها والساقي
يا هند عندك منيتي ومنيتي ... بوعيد هجر أو بوعد تلاقي
عثمان بن أبي بكر
ابن محمد قاضي القضاة جلال الدين أبو عمرو الحاكم بصفد. كان قاضيها من الأيام الظاهرية، وكان نوابها يحبونه ويعزونه ويكرمونه، وهو والد قاضي القضاة شرف الدين محمد قاضي صفد وطرابلس الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في المحمدين.
توفي رحمه الله تعالى يوم السبت رابع عشري المحرم سنة ثمان وتسعين وست مئة.
وكان يعرف بالنهاوندي بنون مفتوحة وهاء بعدها ألف وواو ونون ساكنة ودال مهملة.
عثمان بن بلبان
المحدث فخر الدين الرومي المقاتلي الدمشقي الكفتي. سكن مصر سنوات.
стр. 1645
وداخل الرؤساء إلى أن صار معيداً في المنصورية للحديث. وكان حلو المذاكرة، يحفظ بعض القرآن.
سمع من ابن القواس، ويوسف الغسولي، وابن عساكر وبحلب من سنقر الزيني مملوك ابن الأستاذ، وبمصر من الدمياطي وطبقته، وعني بالرواية، ونسخ الأجزاء وحصل.
قال شيخنا الذهبي: كتبت عنه وكتب عني، وكان في ورعه نقص، وغيرة أدين منه، وليس له محفوظ، ولا حفظ القرآن يعني ختمه.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة ثالث عشري شوال سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة.
عثمان بن عبد الصمد
ابن عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل، الشيخ بدر الدين أبو عمرو بن الشيخ جمال الدين الخطيب قاضي القضاة بن قاضي القضاة جمال الدين الحرستاني الدمشقي.
سمع حضوراً من جده سنة ست وخمسين وست مئة، ومن عبد الله بن الخشوعي، وشرف الدين الحسين الإربلي، وابن أبي اليسر، والمجد بن عساكر، والمجد بن النشبي، وغيرهم. واشتغل على الشيخ شمس الدين أبي عبد الله المقدسي مدرس الشامية، ورتب بالمدارس، وكان يجلس مع الشهود.
стр. 1646
ومرض أواخر عمره بالفالج، وعجز وانقطع إلى أن مات.
وتوفي رحمه اله تعالى ثامن ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وأربعين وست مئة.
عثمان بن علي
الإمام العالم المفتي القاضي فخر الدين الأنصاري الشافعي المصري ابن بنت أبي سعد.
كان فقيهاً كبيراً، وحاكماً خبيراً، فاضلاً في الأصول، غزير المادة والمحصول، ويدري العربية، وعنده جزء كبير من الأنواع الأدبية، وكتب الخط البهج، وأتى به أبهى من الروض الأرج. وكان يشارك يف علم الموسيقى، ويطبق الألحان على الكلام تطبيقاً.
ولم يزل على حاله إلى أن تداول أصحابه نعيه، وتذاكروا اجتهاده وسعيه.
وتوفي رحمه الله تعالى رابع عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
ومولده بداريا من أرض دمشق.
وحدث عن الكمال الضرير، والرضي بن البرهان، وتقلب في الخدم الديوانية، ووقع عن قاضي القضاة ابن رزين، وأفتى سنين وولي القضاء بقوص، وتوفي رحمه الله تعالى وله تسعون عاماً.
ومن شعره يصف بركة:
وجلا بياض النهر في مخضرها ... وكأنه إذ لاح للأبصار
سبك اللجين على بساط زمرد ... والشمس فيه تلوح كالدينار
стр. 1647
عثمان بن علي بن إسماعيل
ابن الشيخ الإمام العلامة صاحب الفنون، قاضي القضاة. فخر الدين أبو عمرو بن زين الدين الطائي الحلبي الشافعي ابن خطيب جبرين، فقيه حلب ومقرئها وحاكمها.
كان فاضلاً إذا قلت فاضل، وعالماً يقر له كل مناظر ومناضل، قادراً على حل كلام الناس في سائر الفنون، مبادراً إلى شرح ما يقرأ عليه ويأتي من ذلك بالنكت والعيون، لم أر له في هذا الشأن نظيراً يقاربه، ولا من يجاريه فيسالمه أو يحاربه، وكان في كل فن ماهراً، وعلى كل علم ظاهرا، كأن ابن الخطيب ابن خطيب الري وكلاهما فخر، وكأن هذا ذاك إلا أن الأول فينا يقطف من زهر وذاك يقطع من صخر، يحل كلام كل مصنف بغير كلفه، ويتسرع إلى فهمه، كأن له دربة قديمة وألفه.
لقد كنت أعجب من شأنه وحق لي العجب، وأتفكر في بيانه الذي أطلع على كل غائب وما احتجب، وما كان إلا أعجوبة الزمان، ونادرة الوجود في نوع الإنسان. لكنه تولى قضاء قضاة حلب فما حمد في ذلك العقبي، وضرب بينه وبين الراحة بسد فما استطاع له نقبا، وطلب إلى مصر وأنكر السلطان ولا يته وزجره، فنزل من القلعة، وكان ذلك مِنْ مَنْ أمره نهايته:
стр. 1648
فمالنا اليوم ولا للنهى ... من بعده إلا البكا والنحيب
وتوفي ﵀ في القاهرة بالمنصورية سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وستين بالقاهرة، كذا رأيته بخط بعض الفضلاء.
وكان ﵀ قد تلا بالسبع على شمس الدين الخابوري، والبدر التاذفي، وابن بهرام، والكمال الغرناطي. وتفقه بقاضي حلب شمس الدين بن بهرام، وقاضي حماة شرف الدين، وأخذ عن ابن ملي علم الكلام.
وتصدر وأقرأ، وتخرج به الناس، واشتهر اسمه، وكان عاقلاً ذكياً غزير المادة، كثير الإطلاع. قرأت أنا عليه بحلب سنة.. في الأربعين للإمام فخر الدين الرازي، وفي الشمسية مشروحة لابن المطهر في المنطق. وحضرت دروسه الجماعة الذين يقرؤون عليه، فكنت أرى منه العجب، لم يحضر إليه أحد بأي كتاب كان في أي علم كان في أي باب كان من ذلك الكتاب إلا وأقرأه فيه، وحل كلام ذلك المصنف، ولم أر مثله في هذا الباب ولا رأى غيري إلا ما حكاه لنا الأشياخ عن الشيخ كمال الدين بن يونس، فإنه كان عجباً في هذا الباب.
стр. 1649
وكان يقرئ في الشاطبية وكتب القراءات، وفي الحاوي، وكتب الفروع، وفي المختصر لابن الحاجب، والمحصل للإمام فخر الدين، وفي الفرائض، والجبر، والمقابلة، وفي الحساب، وعلم: الصواب، وكتاب التحت والميل، وفي الحاجبية، وفي تصريف ابن الحاجب، وفي تمرين التصريف، وفي كتب الحكمة مثل الملخص لفخر الدين، وفي كتب الطب، وفي كتب الهجاء، وفي أشياء غير ذلك.
وكان يومئذ ينوب عن القاضي زين الدين الشافعي، وعن القاضي ناصر الدين بن العديم الحنفي، ومع ذك كله يحكم بين الناس، وإذا فرغ من الحكم سبح، وكذلك في التعليم إذا قرأ الطالب اشتغل بالسبحة.
وصنف شرح الشامل الصغير وشرح التعجيز وشرح مختصر ابن الحاجب وشرح البديع لابن الساعاتي. وله في الفرائض نظم، وشرحه في مجلد. ومصنف في المناسك، وفي اللغة، وشرح الحاوي في الفقه فيما أظن.
وتلا عليه بالسبع محتسب حلب نجم الدين بن السفاح الحلبي، والشيخ علي السرميني، وجمال الدين يوسف بن حسن التركماني، وأحمد بن يعقوب، ولم يكمل.
وتولى قضاء قضاة حلب الشافعية في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
стр. 1650
ثم إن السلطان طلبه وطلب ولده إلى مصر، فلما مثلا بين يديه روعهما الحضور قدامه، لكلام أغلظه لهما، فنزلا مرعوبين، ومرض بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة، ومات ولده قبله، وتوفي هو ﵀ بعده بيوم أو يومين، مدة المرض دون الجمعة.
وكان قد ولي حلب عوضاً عن قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب.
وكنت قلت فيه:
غدا ابن خطيب الري للناس آية ... فضائله منها البدور تمام
وفي حلب قاضي القضاة نظيره ... ففخرهما يسمو وليس يسام
كما اشتركا في ابن الخطيب إضافة ... ولكن ذا قاض وذاك إمام
ومن شعره في مقلمة:
تأمل تر حالي بعديعاً وقصتي ... وأنعم رعاك فكرك في أمري
حويت الذي رزق الخلائق كلهم ... وأحكامهم طول الزمان به تجري
ولو رمت مما في يد الناس حبه ... عجزت ولم أبلغ مرامي مدى عمري
ومنه في مروحة:
وخادم ما مثلها خادم ... بكل معنى حسن توصف
يروق من يبصرها حسنها ... أخلاقهها محبوبة تؤلف
لباسها الوشي وفي حجرها ... عود لها وهي به أعرف
يحرك الأرواح ترويحها ... ويشتفي المكروب إذ تطرف
ومنه:
следующие страницы →