← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وخرج له ابن طغريل والشيخ عماد الدين بن كثير مشيخة، فوصلهما بجملة. وشرح الحاوي في أربع مجلدات وجوده، واختصر منهاج الحليمي وسماه الابتهاج. وله التصرف، شرح التعرف في التصوف. وكان قد أحكم العبية، وله يد طولى في الأدب، ويكتب خطاً قوياً إلى الغاية مليحاً تعليقاً. وكان له حظ وافر من صلاة وصيام وخير وحياء، وكان مع مخالفته للشيخ تقي الدين بن تيمية وتخطئته له في أشياء كثيرة، يثني عليه ويعظمه ويذب عنه، إلا أنه لما توجه من مصر قال له السلطان: إذا وصلت إلى دمشق، قل لنائب الشام يفرج عن ابن تيمية. فقال: يا خوند، على ماذا حبستموه؟ قال: لأجل ما أفتى به في تلك المسألة. فقال: إنما حبس للرجوع عنها، فإن كان قد تاب ورجع أفرجنا عنه. وكان ذلك سبب تأخيره في السجن إلى أن مات. وكان له ميل إلى محيي الدين بن عربي، إلا أن له ردوداً على أهل الاتحاد. وكان يتحدث على حديث أبي هريرة ﵁: " كنت سمعه الذي يسمع به ". وشرحه شرحاً حسناً، وبينه بياناً شافياً.

стр. 1717

ورأيته يكتب بخطه على ما يقتنيه من الكتب التي تخالف السنة من اعتزال وغيره: عرفت الشر لا للشر ... ر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر ... ر من الخير يقع فيه وكان يترسل جيداً من غير سجع، ويستشهد بالأبيات المناسبة والأحاديث والآيات اللائقة بذلك المقام. وكنت أنا بصفد أكتب إليه وهو بمصر عن الأمير شرف الدين حسين بن جندر رحمه الله تعالى فتأتي أجوبته بخطه، وهي في غاية الحسن، وفيها السلام علي والثناء الكبير والتودد من غير معرفة. ولما دخلت القاهرة واجتمعت به مرات، عاملني بكل جميل وطلب مني كتابي جنان الجناس. وقف عليه، وبقي عنده مدة، ثم أعاده إلي، وبلغني الثناء الزائد منه علي. ثم لما قدمت من مصر إلى دمشق متوجهاً إلى الرحبة، وهو بالشام قاض، طلب ذاك المصنف مني، فحملته إليه، وبقي عنده مديدة، ثم أعاده، وأخذ في الفضل والشكر على عادة إحسانه، جزاه الله عني الخير، ورحمه ورضي عنه. وكتب هو ﵀ إلى ناصر الدين شافع، وقد طلب منه شيئاً من شعره: غمرتني المكارم الغر منكم ... وتوالت علي منها فنون شرط إحسانكم تحقق عندي ... ليت شعري الجزاء كيف يكون يقبل الباسطة الشريفة، لا زالت للمكرمات مستديمة، وفي سبل الخيرات مستقيمة.

стр. 1718

وينهي أن بضاعة المملوك فغي كل الفنون مزجاه، ولا سيما في فن الأدب، فإنه فيه في أدنى الدرجات. وقد وردت عليه إشارة مولانا حرسه الله تعالى في طلبه شيئاً من الشعر الذي ليس المملوك منه في عير ولا نفير، ولا حظي منه بنقير ولا قطمير، سوى ما شذ من الهذيان، الذي لا يصلح لغير الكتمان، ولا يحفظ إلا للنسيان. والمسؤول من فضل مولانا وكرمه المبذول أن يتم إسحانه إليه بالستر عليه، فإنه وجميع ما لديه من سقط المتاع، ولا يعار لسقاطته لا لنفاسته ولا يباع، والله يؤيد مولانا ويسعده ويحرسه بالملائكة ويعضده. وكتبت إليه وقد وقف على كتابه الذي سماه مخالفة المرسوم في حل المنثور والمنظوم: مخالفة المرسوم وافقت المنى ... وحازت من الإحسان خصل المناضل أثارت على نجل الأثير إثارة ... من العلم مفتوناً بها كل فاضل وشاعت بالشام صورة فتيا على لسان بعض اليهود، وهي: أيا علماء الدين ذمي دينكم ... تحير دلوه بأوضح حجة إذا ما قضى بي بكفر بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي دعاني وسد الباب عني فهل إلى ال؟ ... دخول سبيل؟ بينوا لي قصتي قضى بضلالي ثم قال ارض بالقضا ... فها أنا راض بالذي فيه شقوتي فإن كنت بالمقضي يا قوم راضياً ... فربي لا يرضى لشؤم بليتي وهل لي رضى ما ليس يرضاه سيدي ... وقد حرت دلوني على كشف حيرتي ؟

стр. 1719

إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة فها أنا راض باتباع المشيئة وهل لي اختيار أن أخالف حكمه ... فبالله فاشفوا بالبراهين غلتي فكتب الشيخ علاء الدين ﵀ الجواب: حمدت إلهي قبل كل مقالة ... وصليت تعظيماً لرب البرية وحاولت إبلاغ النصيحة منصفاً ... لمن طلب الإيضاح في كل شبهة فأول ما يلقى إلى كل طالب ... لتحقيق حق واتباع حقيقة نزوع الفتى من كل عقد وشبهة ... تصد عن الإمعان في نظم حجة وإلقاء سمع واجتناب تعنت ... فلا خير في المستحمق المتعنت إذا صح عن الجد في كشف غمة ... بليت بها فاسمع هديت لرشدتي صدقت، قضى الرب العظيم بكل ما ... يكون وما قد كان فوق المشيئة وهذا إذا حققته متأملاً ... فليس يسد الباب من بعد دعوة لأن من المعلوم أن قضاءه ... بأمر على تعليقه بشريطة يجوز ولا يأباه عقل كما ترى ... حدوث أمور بعد أخرى تأدت كما الري بعد الشرب والشبع الذي ... يكون عقيب الأكل في كل مرة فليس ببدع أن يكون معلقاً ... قضاء إله الخلق رب الخليقة بكفرك مهما كنت بالبغي رافضاً ... تعاطي أسباب الهدى مع مكنة فمن جملة الأسباب مما رفضته ... مع الأمر والإمكان لفظ الشهادة فأنت كمن لا يأكل الدهر قائلاً ... أموت بجوع إذ قضى لي بجوعة

стр. 1720

فلو أنتم أقبلتم بضراعة ... إلى الله والدين القويم الطريقة ووفيتم حسن التأمل حقه ... وأحسنتم الإمعان في كل نظرة لكان الذي قد شاءه الله من هدى ... وليس خروج من قضاء بالة ألا نفحات الرب في الدهر جمة ... ولكن تعرض كي تفوز بنفحة ولا تتكل واعمل فكل ميسر ... لما هو مخلوق له دون ريبة ولو كنت أدري أن فهمك قابل ... لفهم كلام ذي غموض ودقة لأشبعت فيه القول بسطاً محققاً ... على نمطي علمي كلام وحكمة ولكنما المقصود إقناع مثلكم ... فهاك قصيراً من فصول طويلة ولولا ورود النهي عن هذه التي ... سألت لصار الفلك في وسط لجة فها أنا أطوي بسط ما قد نشرته ... وأستغفر الله العظيم لزلتي ونظم الشيخ علاء الدين ﵀ أبياتاً في الشجاج، أنشدنيها عنه الإمام قاضي القضاة جمال الدين محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك المسلاتي المالكي. قال: أنشدنا لنفسه، وسمعتها منه غير مرة: إذا رمت إحصاء الشجاج فهاكها ... مفسرة أسماؤها متواليه فحارصة إن شقت الجلد ثم ما ... أسال دماً وهي المسماة داميه وباضعة ما تقطع اللحم والتي ... لها الغوص فيه للذي مر تاليه وتلك لها وصف التلاحم ثابت ... وما بعدها السمحاق فافهمه واعيه

стр. 1721

وقل ذاك ما أفضى إلى الجلدة التي ... تكون وراء اللحم للعظم غاشيه ومن بعدها ما ينقل العظم واسمها ... منقلة ثم التي هي آتيه وموضحة ما أوضح العظم باديا ... وهاشمة بالكسر للعظم باغيه ومأمومة أمت من الرأس أمه ... وقد بقيت أخرى بها العشر وافيه فدامية تسمى لخرق جليدة ... هي الأم كيس للدماغ وحاويه وهذا هو المشهور في عدها وإن ... ترد ضبط حكم الكل فاسمع مقاليه ففي الخمسة الأولى الحكومة ثم ما ... بإيضاح عمد فالقصاص وجانيه وخصت بهذا الموضحات لضبطها ... فلا عشر في استيفائها متكافية وإن حصلت من غير عمد أو انته ... إلى المال عفواً فاقدر الأرش ثانيه على ذمة النفس التي أوضحت بها ... فتلك لنصف العشر منها مسايه وذاك لأرش الهشم والنقل مفرداً ... وزد بانضمام للحساب مراعيه ففي اثنين منها العشر ثم لثالث ... يزيد عليه نصفه بك حاسيه ومأمومة فيها من النصف ثلثها ... ودامغة مثل لها ومكافيه وقيل بأن الدمغ ليس جراحة ... لتدقيقه كالحرز وهي ملافيه وقد نجز المقصود والعي واضح ... وعجمتي العجماء في النظم باديه ؟ علي بن إسماعيل بن إبراهيم ابن قريش، المسند نور الدين أبو الحسن بن المحدث تاج الدين المخزومي المصري.

стр. 1722

سمع الحافظين المنذري والعطار، وشيخ الشيوخ الحموي، ومحمد بن أنجب، والكمال الضرير، وابن البرهان، وابن عبد السلام. وسمع حضوراً من عبد المحسن بن مرتفع. وتفرد بأشياء، وكان صالحاً خيراً، من الشهود. أخذ عنه شهاب الدين الدمياطي، والشيخ تقي الدين بن رافع، وشمس الدين السروجي، وجماعة. وسمعت أنا عليه الجزء الأول والثاني من عوالي المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، بقراءة شيخنا الحافظ أبي الفتح، في منزله بين القصرين في عدة مجالس، آخرها في سابع جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وأجاز لنا جميع ما يرويه، ورواهما لنا بسماعه من الشيخ زين الدين أبي الطاهر إسماعيل بن عبد القوي بن عزون. قال: أخبرتنا الشيخة فاطمة بنت الإمام أبي الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري، قراءة عليها، وأنا أسمع، قالت: أخبرتنا الشيخة فاطمة بنت أحمد بن عبد الله بن عقيل الجوزدانية، قراءة عليها، وأنا حاضر، في الثالثة، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ريدة الضبي، أخبرنا الطبراني. وتوفي الشيخ نور الدين بن قريش المذكور في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة اثنتين وخمسين وست مئة.

стр. 1723

علي بن إسماعيل الشيخ الإمام نور الدين الصفدي. ربي في حجر الشيخ زين الدين أبي بكر المقرئ إمام مسجد الشيرزي بصفد ومقرئها. كان له قدرة على الحفظ، وشهرة بكثرة اللفظ، ذكياً إلى الغاية، زكياً في نفسه ليس لطلبه نهاية، يحرص على أن يسلك طريق الشيخ تقي الدين بن تيمية، ويأخذ نفسه بالدخول في كل بلية، ويشتهي أن يحيط بالأشياء علماً، وألا يدع علماً ولا غيره حتى يملكه فهما، فلذلك ضيع الزمان، وإن كان قد خرج عن الجهل بأمان، لكنه ذو عربية جيدة، وروية لم تكن عن الصواب متحيدة، وبرع في الحديث دراية، وشاكل فيه ببعض رواية، وشارك في الفقه فأخذ منه بنصيب، وكابد من الفقر كل يوم عصيب. ثم إنه دخل اليمن، وتولى هناك تدريساً، ولم يكشف الله لي بعد ذلك من أمره تلبيساً. وأظنه توفي رحمه الله تعالى بعد الست والثلاثين وسبع مئة. كان هذا نور الدين أعجوبة لمن يفكر في أمره، كان شديد الحرص على أن يعرف كل شيء، وإذا سئل عن شيء، يريد أن يجيب عنه بالقوة، وإذا لم يوافق الصواب يتحيل على نصرة ما يقوله بكل الطرق.

стр. 1724

وأعرف له يوماً وضعت قدامه قطع الشطرنج التي وصفها مشهرو، وهو أنها تصف صفاً مخصوصاً من القطع البيض والسود، وإذا تكامل ذلك يدعي أن مركباً كان فيه مسلمون ونصارى جالسين على هيئة مخصوصة، وكان الرائس مسلماً، فهاج البحر عليهم وهم في وسط اللجة، فاحتاجوا إلى أن يرموا بعضهم في البحر ليخف المركب فأرادوا يعملون القرعة، وكان الرائس ذكياً، فنظر إليهم وقال: ما نحتاج إلى قرعة، بل نعد من هنا، وكل من جاء تاسعاً ألقيناه إلى البحر، فارتضوا جميعاً بذلك، وأخذ الرائس يعد، وكلما جاء تاسعاً ألقيناه إلى البحر، فارتضوا جميعاً بذلك، وأخذ الرائس يعد، وكلما جاء تاسع من النصارى رمى به إلى البحر إلى أن رمى بالنصارى جميعهم، ولم يرم بأحد من المسلمين. فلما صنعت ذلك قدامة، أعجبه ذلك وزهره ونحنح وبقي مفكراً في ذلك، واشتغل باله به عامة نهاره. ثم إني فارقته وعدت إليه، فوجدته يكرر عليها ويقول: أربعة مسلمون وخمسة نصارى، ومسلمان ونصراني وثلاثة مسلمون ونصراني ومسلم، وهو يدرس ذلك، ويكرر عليه، ويقع التخبيط عليه في سرد ذلك على الصحة، فرحمته وقلت: يما مولانا هذا أمر يتعبك ولا ينضبط لك، وقد تطلبه في وقت الحاجة، فيشذ الصواب فيه عنك. فقال لي: فكيف انضبط لك هذا؟ قلت له: هذا ضابطه في بيت واحد من الشعر. فطار عقله، وقال: هذا أعجب. ولم يصدق. قلت: نعم، بيت واحد، حروفه المهملة مسلمون، والمعجمة نصارى. فلما أنشدته ذلك، وصف القطع على حكمه وعده وصح معه، خرج من حبال عقله، فقلت: وأزيدك أخرى، إن أردت صففت لك ثمانية ثمانية وسبعة سبعة وستة ستة وخمسة وخمسة وأربعة أربعة ثلاثة ثلاثة. فقال: هذا بقاعدة أيضاً قلت: نعم. فقال: أريد تعلمني ذلك، فقلت: ما هو وقته. وقمت وتركته. وحفظ مني بيت التسعة، وهو:

стр. 1725

ولما فتنت بلحظ له ... عذلت فما خفت من شامت وفرح به فرحاً عظيماً، ثم إنه طالبني في آخر وقت بمعرفة القاعدة في ذلك، فما قلت له. وفرق الدهر بيننا بعد ذلك. ونور الدين هذا في عذر مما ذهب، لأنني وجدت الفاضل الأديب الكامل صفي الدين الحلي قد جاء إلى شيء مثل هذا، فأراد ضبط صفه، وصنع له أبياتاً لتعلق بالذهن، فقال خمسة أبياتاً، أولها: جيش من الزنج والإفرنج يقدمه ... ما كان بينهما زوج من الخدم والضبط في هذا ببيت واحد أخصر وأحسن وأسرع في العمل. ث إنني بعد فراقي لنور الدين هذا بثلاثين سنة، أردت ضابطاً لعد ستة وإلقاء السابع، وأخذت نفسي به، تصورته، وعملت لذلك بيتاً، وهو: فديتك إن صدقي من فخار ... أبان بناء سر في دعائي ثم إنني فكرت في رص مهارك النرد، وهي ثلاثون مهركة، وأردت أن توضع كذا دائرة، وتعد: ستة ويلقى السابع، ففتح الله بذلك، ووضعت له هذا البيت، وهو: قد رد شاني بكل شين ... عدمت ذا في صلاح جبري ثم أردت أيضاً أعد قطع الشطرنج: أربعة ويحذف الخامس، ففتح الله به، ونظمت لذلك بيتاً، وهو: عبتم فلم أندفع ومن ذا ... يدفع بالسب عنه ضرا؟ ثم إني أردت ذلك في قطع النرد، ففتح الله به، ونظمت له بيتاً، وهو:

стр. 1726

لا تبك إن هب ريح نجد ... إنك يا بئس ما بليتا وكان قد نزل إلى دمشق، وقرأ على الشيخ نجم الدين القحفازي نحواً وعروضعاً، ولما رآه الجماعة بهذه المخيلة عبثوا به، ونظم فيه جمال الدين يوسف الصوفي رحمه الله تعالى. وسائل يسأل مستفهماً ... من أين ذا المولى علي ورد قلت له: من صفد، قال لي: ... ولا رأى أولى به من صفد وشاع البيتان في دمشق واشتهر، فحصل له خيال، وترك دمشق، وتوجه إلى صفد، وفتح له حانوت تجارة في البطاين، ثم إنه طلب في بكرة نهار فلم يوجد له خبر، وغاب سنين ولم يظهر له أثر، فعمل أهله عزاءه. ولما كان بعد مدة ظهر خبره من مصر، ثم إنه عاد إلى صفد، فرأيته قد زاد الحال به، وقد تعلق بلعب الشطرنج، فكان يستغرق نهاره وليله، ولا يأكل ولا يشرب إلا إذا لم يجد من يلعب معه، وزاد في ذلك، فقلت له: يا مولانا، هذا الشطرنج هو مثل الكتابة، متى وصل الإنسان فيهما إلى غاية لا يمكنه أن يتعداها، وأنا قد نصحتك فما بقيت تقدر تزداد على هذه الغاية التي وصلت إليها شيئاً. فقال: كيف أعمل؟ أريد أكون فيها عالية مثل غيري. قلت: هذا الذي فتح الله به عليك، فلم يرجع عن غيه، ثم إنه لازم ذلك زماناً وعاد إلى ما قلت له. ثم إنه نزل إلى دمشق ورأيته بها، ثم إنا طلبناه فلم نقع له على خبر. وبعد حين تقديره عشرة أعوام طلع خبره في اليمن، وأنه هناك شيخ حديث، وهذا آخر عهدي بخبره في سنة ست وثلاثين وسبع مئة.

стр. 1727

علي بن إسماعيل بن جعفر القاضي علاء الدين بن الآمدي. كتب المنسوب الفائق، وحقق ما فيه من الطرائق، وأتقن أقلامه السبعة، مع ثبوت التأنق وعدم التأني والسرعة، تسابق البروق أقلامه، وتفوق سطوره الدر إذا زانه نظامه. كأنما همزاته الحمائم على ألفاته التي هي الأغصان، وكأنما عطفات الجيمات وجنات، ونقطها خيلان. كم كتب ختمة وكأنها للعيون روضة ورد، وكم حرر ربعة فلم تحتج إلى ذهب ولا لازورد، تسودت بعده أوراق التجويد، وتحطمت أقلام الكتاب بعدما كانت أماليد: وأكبت الكتاب تبكي بعده ... بمدامع بلت بها أوراقها باشر جهات الديوان والأوقاف والدرج، وكان معدوداً في كتاب الحساب، متفرداً بالضبط في الدخل والخرج. ولم يزل على حاله إلى أن قطع الآمدي مدى الحياة، وجعله الطاعون ملقى على قفاه. وتوفي رحمه الله تعالى بعد عصر الخميس ليلة عيد رمضان سنة أربع وستين وسبع مئة في طاعون دمشق، وقد ناهز الخمس وسبعين. وكان إماماً في صناعة الحساب، ليس في كتاب المسلمين له نظير في عصره. كنت أقول له: كم جملة ما أقول لك، وهو خمس مئة عشرون ألف وخمس عشرة وثمانين وخمسة وعشرين وسبعة وثلاثون ومئة وسبعين. وأقول له من هذه التفاصيل جملة، وهو يلتقط ذلك على أصابعه، فإذا فرغت من الكلام، قال على الفور: كذا وكذا.

стр. 1728

وكان قد باشر في ديوان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى مستوفياً فيما أظن، وأقام به مدة، ثم إنه في أيام حمزة التركماني صادره مع علاء الدين بن القلانسي وغيره، وأخذ منه مبلغ ستين ألف درهم، ثم استخدمه في ديوان خاص داريا ودومة، وخدم كاتباً عند الأمير سيف الدين قرمشي في أيام القاضي شهاب الدين بن فضل الله، دخل به ديوان الإنشاء في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وباشر في أيام طقزدمر في ديوان الأسرى. وكان يشتري الملك بالدين، ويجعل الأجرة في وفاء الدين، فحصل من ذلك أملاكاً كثيرة من بساتين وقاعات ورباع. وكتب ما يقارب المئة والاثنتي عشرة ختمة وربعة، وأشعار تاريخي الكبير والتذكرة التي لي جميعها، وانتخب من ذلك مجاميع عديدة. وكان قد أودعه الأمير سيف الدين تنكز ﵀ عشرة آلاف دينار، ونسيها، فلما صادره، قال له: لك عندي وداعة. فقال: لا، إن كان صحيحاً، فهاته، فأحضر الذهب بجملته، وكان الناس يلومونه على ذلك، وهو معذور لأنه لو ذكرها فيما بعد راحت روحه معه. علي بن أسمح العلامة الزاهد أبو الحسن البعقوبي الشافعي النحوي المعروف بالشيخ علي مثلاً، بفتح الميم والثاء المثلثة وبعدها لام ألف.

стр. 1729

أخذه التتار من بعقوبا فأقام ببلغار عند التتار، وحفظ المصابيح للبغوي والمفصل والمقامات وغير ذلك. وكان شديد الديانة عتيد الصيانة، يلف رأسه بمئزر صغير، ويغني بقناعته عن الأمير والوزير. وكان ممن يعبث بالشيخ تقي الدين بن تيمية ويؤذيه بلسانه، ويستعمل في الحط ما علمه من معانيه وبيانه. ولم يزل كذلك إلى أن توجه للحج في سنة عشر وسبع مئة، فأدركه باللجون حمامه وحان من الحياة انصرافه وانصرامه. وكان قد سكن الروم، وولي مشيخة الحديث هناك، وهو شاب، وركب المغلة، ثم إنه بعد ذلك تزهد، وفارق الروم، وحضر إلى دمشق سنة بضع وثمانين وست مئة. علي بن أغرلو الأمير علاء الدين بن الأمير سيف الدين أغرلو العادلي. كان والده مملوك الملك العادل كتبغا، وكان والده ملك الأمراء بدمشق في أيام أستاذه، وقد تقدم ذكره في مكانه من حرف الهمزة. وكان هذا الأمير علاء الدين من جملة أمراء الطبلخاناة بدمشق. توفي رحمه الله تعالى في أوائل جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مئة. في طاعون دمشق.

стр. 1730

علي بن ألدمر الأمير علاء الدين بن الأمير سيف الدين أمير جاندار، قد تقدم ذكر والده رحمه الله تعالى في مكانه. ورد هذا الأمير علاء الدين أمير علي إلى دمشق أميراً من مصر على طبلخاناة في تاسع ذي القعدة سنة ستين وسبع مئة، وجلس تحت الأمي ناصر الدين بن ألملك. وأقام على حاله بدمشق إلى أن توفي رحمه الله تعالى في العشر الأواخر من شهر رجب الفرد سنة اثنتين وستين وسبع مئة. علي بن أيبك الأمير علاء الدين بن الأمير عز الدين أيبك الطويل، وهو أخو الأمير صلاح الدين محمد بن أيبك الطويل، وسوف يأتي ذكره في مكانه من المحمدين. وكان الأمير علاء الدين أولاً بدمشق في جملة أمراء الطبلخانات، ثم إنه نقل إلى طرابلس على إمرة طبلخاناة، وأقام بها إلى أن عزل الأمير شهاب الدين أحمد بن القشتمري أمير حاجب من طرابلس، ونقل إلى إمرة الحجبة بدمشق عوضاً عن الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي في سنة ستين أو في سنة إحدى وستين وسبع مئة. فأعطي الأمير علاء الدين بن أيبك الطويل مكانه. وكان بطرابلس أمير حاجب إلى أن نقل منها إلى دمشق أميراً، فحضر إلى دمشق، وبقي بها أميراً، وكان وصوله إلى دمشق في العشر الأول من شعبان سنة ثلاث وستين وسبع مئة. إلى أن توفي رحمه الله تعالى في خامس عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وسبع مئة.

стр. 1731

علي بن أيوب بن منصور الشيخ الإمام علاء الدين المقدسي الشافعي، معيد المدرسة الباذرائية بدمشق. كان أولاً يعرف بعليان ويكتب ذلك بخطه في أول أمره. سمع من الفخر بن البخاري ومن عبد الرحمن بن الزين. وحدث بدمشق والقاهرة. وكان قد عني بالحديث، وطلب وقرأ بنفسه، وحرر الألفاظ وضبطها. وكان يكتب خطاً فائقاً، ويبرز الصحف من يده تحكي روضاً بالأزاهر رائقاً صحيحة الألفاظ مضبوطة، سليمة من اللحن مشكولة منقوطة. ولما أبيعت كتبه في حياته، تغالى الناس في أثمانها، وبالغوا في قيمتها رغبة في صحتها وحسنها وإتقانها. وكان قد درس بالأسدية وبحلقة صاحب حمص. ثم إنه توجه إلى القدس وسكنه فاختلط، وتلفظ بالصواب تارة، وتارات بالغلط، وأخذ في ادعاء المستحيلات، والقدرة على فعل ما هو خارج عن الممكنات. وكابد مع ذلك فقفراً شديداً، وعيشاً من الهناء بعيداً. ولم يزل على حاله إلى أن نزل قبره، وما يملك خيطاً في إبرة.

стр. 1732

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة بالقدس. وكان بدء اختلاطه في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. وكان يذكر الجن كثيراً في كلامه، ويقول: قد وعدوني بأن يسوقوا إلي نهراً من النيل، ونهراً من زيت نابلس إلى داري هذه، ويعد لذلك أماكن يكون فيها الماء وأماكن يكون فيها الزيت، وأشياء من هذه المستحيلات. وكابد فقراً مراً مع هذه الحالة. نسأل الله تعالى العافية من كل بلاء. علي بن شاه بن أبي بكر التوريزي، الوزير الكبير. خدم القان بوسيعد ملك التتار، وتمكن منه عظيماً، وجعل عقد وزارته نظيماً. وهو الذي قام على الرشيد الوزير، وأهلكه، وساق إليه حتفه حتى أدركه. وكان داهية ذا هبة، غير مفكر في أمر دنياه الذاهبة. وكان محباً لأهل تالسنة، قوي اليقين في ذاك والمنة. صافي السلطان الملك الناصر، وهاداه، وكان إلباً على من خالفه وعاداه. ولم تزل رسله ترد، وسيل هداه إلى دمشق ومصر يجري ويطرد، وكلمته مقبولة وإشارته على العين محمولة. وكان في أول أمره سمساراً. فما زال يرقى إلى أن صار النجم له جاراً. ولم يزل على حاله إلى أن حمل على شرجعه، وعز على ذويه أوان مرجعه.

стр. 1733

وتوفي رحمه الله تعالى بأرجان في أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة. وهو والد الأمير ناصر الدين خليفة، أحد أمراء دمشق، المقدم ذكره في مكانه. وكان قد أهدى إلى السلطان الملك الناصر ربعة مليحة في قطع نصف البغدادي في ورق جيد، وهي مكتوبة، جميع أجزائها الثلاثين، بليقة ذهب، بقلم محقق كبير، مزمكة، في غاية الحسن. رأيتها في الخانقاه بسرياقوس. وأهدى أخرى مثلها إلى الأمير سيف الدين تنكز، أظنه جعلها في جامعة. علي بن أبي بكر بن محمد ابن محمود بن سلمان بن فهد، القاضي علاء الدين بن القاضي شرف الدين، وقد تقدم في حرف الباء، ابن القاضي شمس الدين، وسيأتي ذكره في حرف الميم، ابن العلامة شهاب الدين محمود، وسيأتي ذكره. كان قد شدا طرفاً من الأدب، وعني بالإنشاء وكتب. ونظم ونثر، وجرى إلى الغاية فما شارفها حتى عبر. وكان يتودد إلى الناس، ويخدمهم بما يقدر عليه من غير إلباس. ولم يزل على حاله إلى أن كبا جوداه في وسط الميدان، وخلا منه صدر الدست وقلب الديوان. وتوفي رحمه الله تعالى في نهار الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبع مئة.

стр. 1734

ومولده فيما أظن سنة ثلاثين وسبع مئة. كان قد دخل إلى الديوان، وكتب الإنشاء. ولما توفي أخوه القاضي شهاب الدين أحمد وكان يوقع في الدست، دخل هو بدل أخيه، ووقع في الدست بدمشق المحروسة. وحج إلى بيت الله الحرام في سنة ثلاث وستين وسبع مئة. وكان رحمه الله تعالى كثير الأسقام، ضعيف التركيب. وكان في وقت قد أهدى إلي صحن حلوى مشبك، وتحته قطائف، فكتبت إليه: يا سيدي إن الذي أهديته ... عطف الموائد من حلاه مائد وافى فأذكرني عهود مكارم ... والخير منك كما يقال عوائد صحن لأنواع الحلاوة جامع ... ذا راكع فيه وهذا ساجد نصبت بساحته شباك مشبك ... وقطا القطائف تحتهن رواكد وبأفقه أقراص ليمون بدت ... فكواكب قد رصعت وفراقد والسكر المذرور فيه مجرة ... أو لا فمن فوق النحور قلائد إن كنت قد فرغته أكلاً فقد ... ملأته مني في علاك محامد لا زلت تهدي للموالي مثله ... في كل صوم فيه عيد عائد علي بن أبي بكر علاء الدين بن البرقعيدي الكحال. ما رأيت مثله في العمل بالحديد، قطع عندي لإحدى بناتي شرانيق من عينها في

стр. 1735

دفعة واحدة، من أسرع ما يكون. فتق الجفن الأعلى، واستخرج منه شيئاً شبيهاً بالشحم الأصفر، ولم يعمل ما يعتمده غيره من تعليق الصنانير في الأجفان، وحك الشرانيق بالسكر النبات، لأن ذلك أمر مطول مؤلم. وكانت عنده مشاركة في الطب وغيره، وكان كحالاً بالبيمارستان النوري بدمشق. وأنشدني من لفظه لنفسه، وادعاه أنه نظمه في مشد الدواوين بدمشق: مشدنا في الشام قد شقيت ... مما تقاسي من جوره الأمم يذبح الناس ما يرق لهم ... كأنما الناس عنده غنم وتوفي ﵀ في حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبع مئة. علي بن بكتمر الأمير علاء الدين بن الأمير سيف الدين الأبو بكري. أحد الأمراء أخيراً بمصر. كان هو وإخوته قد أخرجهم الملك الناصر محمد بعد موت أبيهم في حبس الإسكندرية إلى دمشق، فأقاموا بها. وقد تقدم ذكر أخيه الأمير شهاب الدين أحمد. وطلب السلطان الملك الناصر حسن الأمير علاء الدين هذا، وأخاه الأمير سيف الدين أسنبغا إلى مصر، وأقبل عليهما.

стр. 1736

ولم يزل الأمير علاء الدين بمصر أميراً إلى أن جرى للملك الناصر حسن ما جرى، وتصاف هو والأمير سيف الدين يلبغا، وتناوشوا القتال، فحصلت للأمير علاء الدين جراحة في وجهه، فمات منها بعد يويمات، على ما قيل، ووصل الخبر بموته إلى دمشق في أواخر جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة. ولما كان بالشام توجه إلى الرحبة نائباً مرتين، وأنا شاك في الثالثة. وكان من أبناء الستين أو ما يزيد عليها. كان شكلاً تاماً ذا رواء، وهمة في الأمور واعتلاء. يكتب ويقرأ، ويد لو أنشأ نظماً ونثراً، لأنه بمصر كان يجتمع بالأفاضل، ويرامي الأقران بالجدال ويناضل. وله ميل كثير إلى الألغاز، ولم يكن كغيره يهواها، وهو في العمي ضائع العكاز. ولما كنت بالقاهرة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، طلب مني لغزاً، فكتبت إليه: أيا سيداً حاز العلا وهو يافع ... فراوي الندى عنه كثير ونافع ومن حاز فضل السيف في معرك الردى ... فبارقه في ظلمة النقع ساطع ومن إن سألنا: من أولو الفضلو والنهى ... أشارت إليه عند ذاك الأصابع ومن نفق الآداب بعد كسادها ... وجلى دجاها من محياه لامع ومن هو ذخر للعفاة وملجأ ... إذا صدهم حظ من الدهر صادع أحاجيك ما اسم، أعوز الناس قطرهم ... فلما دعا انجابت عيون هوامع كتابته في الطرس لا شك أربع ... وعدته خمس وفي العكس سابع وإن زال منه ثالث فقبيلة ... لها في قراع الدارعين وقائع

стр. 1737

وعدة ما يبقى لعكس ثلاثة ... ولكنه سبع، ففيم التنازع وإن تم معكوساً وصحفت لفظه ... تجده منى من قد غدا وهو جائع فصحفه بعد القلب من غير نقصه ... فذلك في التصحيف والقلب شائع أبن لي معماي الذي قد سترته ... فغيرك فيه مثل أشعب طامع ودم وارق في أوج المفاخر والعلا ... مدى الدهر ما غنت بأيك سواجع فحله في عباس. ولم يكتب الجواب نظماً. وطلب الزيادة مني، فكتبت إليه أيضاً ملغزاً في أبيات، منها: تقدم لعز قبل ذا وحللته ... فمن يقتن العليا بفضلك يقتد فما اسم رباعي الحروف وإنما ... تركب من حرفين من رامها هدي رسول إلى قوم كريم كتابه ... به خاطب القرآن كل موحد ويقتل عند الشافعي ومالك ... وعند الفتى النعمان والحبر أحمد له في أعالي كل غصن تلاوة ... بلحن كأن الدوح معبد معبد تكاد قوافي ذا القريض تذيعه ... فقد زينت منه بحرف مردد ودم راقياً في أفق كل سعادة ... بنى لك منها الدهر أشرف مقعد فحله في هدهد وهو صحيح.

стр. 1738

علي بن بلبان الأمير امفتي المحدث النحوي، أبو الحسن علاء الدين الفارسي المصري الجندي الحنفي. سمع من الحافظ شرف الدين الدمياطي جزء ابن ديزيل، وسمع من محمد بن علي بن ساعد، وبدمشق من البهاء بن عساكر وغيره. وكان جيد الفهم، لا يرد له عن إصابة الصواب سهم، حسن المذاكرة، كثير الفوائد في المحاضرة. وله تقدم في الدولة المظفرية، ووجاهة في الدولة الناصرية. وله شعر مموه بالبديع، ويوهم أنه مفيد، وهو طعام من ضريع. إلا أنه مقبول غير مردود. وفيه دلالة على أنه برز من خاطر مكدود. وكان مليح الشكالة، وافر الجلالة. ولم يزل على حاله إلى أن بلغ الأجل كتابه، وهيل عليه ترابه. وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شوال سنة تسع وثلاثين وسبع مئة في منزله بشاطئ النيل. ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة. وكان قد تفقه بقاضي القضاة أبي العباس أحمد السروجي، وبفخر الدين عثمان بن التركماني وبمحيي الدين الدمشقي وغيرهم.

стр. 1739

وقرأ المنطق والأصول على الشيخ علاء الدين القونوي، والنحو على العلامة شيخنا أبي حيان، وصحب الأمير سيف الدين أرغون النائب، وكان قد تقدم في أيام المظفر. وله تصانيف، منها: شرح كتاب الجامع تصنيف صدر الدين الخلاطي. ورتب صحيح ابن حبان على أبواب الفقه، وكذلك معجم الطبراني الكبير بإعانة الشيخ قطب الدين عبد الكريم. وانتشا ولده جمال الدين، فتفقه لأبي حنيفة، ثم تحول شافعياً، فتألم والده لذلك. وكان علاء الدين الفارسي يصلح للقضاء لسكونه وعلمه وتصونه. ومن شعره: سرت نسمة طابت بطيبة للذكر ... فأرجت الأرجاء من عرفها العطر وجاءت بها البشرى فسرت بما سرت ... وأحيت بما حيت إلى مطلع الفجر فيا حسنها بخدية زمزمية ... أضاء لها من ثغرها زاهر الدر تبسم منها كل قلب وقالب ... فتيق نسيق الشيح والرند والزهر تجلت فجلت بالشفا كل غلة ... وحلت فحلت بالصفا عقدة الهجر أباحت حباء من حبائل شعرها ... تصيد به صيد الصناديد عن قسر

стр. 1740

وغادرت الأسرى وأسري بسرها ... تسر بما لاقت وذاقت من الأسر فأصبحت مشتاقاً إلى ساكن الحمى ... ولم أستطع من بعد شيئاً سوى الصبر وهي طويلة. وهذا القدر منها كاف، إذ هو شعر فاضل. أتى فيه بصناعة بديع يوهم أن ذلك شعر يسمع فيطرب، وليس كذا ما كل باسمة لبنى. علي بن بلبان الأمير علاء الدين بن الأمير الكبير سيف الدين البدري. تقدم ذكر والده في مكانه من حرف الباء الموحدة. وكان الأمير علاء الدين أحد أمراء الطبلخاناة بدمشق. وكان حسن السياسة، كثير الرياسة، وافر الأمانة، زائد الصيانة، عفيفاً عن أموال الرعية، سالك الطريق المرضية المرعية. قل من رأينا سلك مسلكه القويم، أو تولى أمر ناحية فسقى عدله أهلها كأساً، مزاجها من تسنيم. ما باشر جهة إلا وسد خللها، وأزاح عللها، وشفى غللها وفصم جللها، ونشر حللها. لا جرم أنه وجد له ذلك مدخراً، وجعل ذكره الطيب في الناس سمرا.

стр. 1741

وراح إلى الله معفواً عن مغفوراً له خطأه، ودخل في قوم ضرب مثلهم بزرع أخرج شطأه. وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. ولاه الأمير علاء الدين ألطنبغا ولاية نابلس لما كان بدمشق، فأجمل فيها السيرة. ثم إنه تولى ولاية الولاة بالصفقة القبلية، فأجمل سياستها، وعف عن أموال الرعايا إلى الغاية، ثم ولي نيابة الرحبة فحمدت سيرته بها، ثم عزل منها وأقام في دمشق على إمرته، ثم أعيد إلى نيابة الرحبة، ثم إنه عزل منها، ثم تولى القبلية، فزداد في حسن المباشرة والعفة عن أموال الرعايا حتى إنه كان لا يعلق التبن على خيله، ولا يشرب الماء إلا بثمن من دراهمه، ثم إن استقال فأعفي من ذلك. ثم ورد مرسوم السلطان بإعادته إلى نيابة الرحبة، وكا قد حصل له مرض استرخاء، فعاقه عن ذلك، وطولع بأمره، فورد مرسوم السلطان بأن يعفى من ذلك، ويتوجه إليها الأمير ناصر الدين محمد بن الزيبق. وبقي الأمير علاء الدين بعد ذلك قريباً من شهرين أو ثلاثة، وتوفي رحمه الله تعالى في التاريخ المقدم. علي بن بهادر آص الأمير علاء الدين أمير علي بن الأمير سيف الدين بهادر آص.

стр. 1742

كان أمير عشرة، ولم يكن في دمشق من يلعب الكرة أحسن منه، يقال إنه هو بهذا اللعب كان السبب في خلاص والده، لأن تنكز كان يعظمه، ولكنه ضيع ماله وتضعضع حاله. وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبع مئة. علي بن بيبرس الأمير الفاضل الذكي النحرير، علاء الدين بن الأمير الكبير ركن الدين. تقدم ذكر والده في حرف الباء مكانه. كان هذا علاء الدين له ألمعية، وعنده لوذعية، يتوقد ذكاء وفطنة، ويتقلب ما بين حالتي منحة ومحنة. عاشر الناس وصحب الفضلاء، واجتمع بالأكابر الرؤساء والنبلاء. وطالع كتب الأدب، وعلق لنفسه واختار ودأب، وحفظ من المنظوم والمنثور جملة وافية، وعلق بدهنه من أخبار من تقدم قطعة كافية. نشأ بمصر وأقام بدمشق وحلب، وترسل إلى سيس، فلذلك كان إذا تحدث خلب. وجلب إلى النفوس من محاسنة ما جلب. ولما عمل الحجوبية ما كان يدع أحداً يسبقه إلى كلام، وإذا قال شيئاً كان برئياً من المؤاخذة والملام. فكأنما عناه أبو الطيب بقوله:

стр. 1743

في رتبة حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه علي الحاجبا ولي الحجوبية بحلب ثم نقل منها إلى دمشق، وكان وهو حاجب عينها، وأصلح منها ما فسد، وسد مينها، ثم عاد إلى حلب على الوظيفة، وزاد علواً في مراتبها المنيفة. ولم يزل بها على حاله إلى أن أطبق الموت أجفانه، وأودعه تحت الأرض أكفانه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وخمسين وسبع مئة. وقد عدى الخمسين بقليل. وهو أكمل الإخوة وأسعدهم وأفضلهم، سعى بنفسه إلى أن أخذ الإمرة من مصر، وكان قد كتب على يده الأمير سيف الدين يلبغا كتباً ومطالعة إلى السلطان، فاتفق تغير الدولة، فأقام هناك، وأعطي إمرة بدمشق، فجاء وأرغون شاه بدمشق نائب، سيف الدين أرغون الكاملي إليها نائباً، فخدمه، فولاه بها شد الدواوين. ولم يزل إلى أن اتفقت للكاملي تلك الكائنة مع الحلبيين، وهرب من عندهم، وجاء إلى دمشق، وتوجه منها إلى مصر، وأعيد إليها نائباً، فأحسن إلى علاء الدين بن بيبرس، لأنه ما غفل عن خدمة بيته وأهله، ولا خانة، فرعى له ذلك. ولما قدم الكاملي إلى دمشق، وطلب الأمير سيف الدين تلك الحاجب إلى مصر، خلت الوقت الوظيفة، فطلبها للأمير علاء الدين، فجاء إلى دمشق حاجباً، ولم يكن عنده غيره، لأنه عارف خبير درب، عاشر الناس ورآهم في مصر والشام، فما كان يتكلم في الدست غيره.

стр. 1744

ثم إنه توجه إلى لد، وجاء معه إلى دمشق، وتوجه معه إلى حلب، فكان معه، فلما رسم له بالإقامة هناك، أقام عنده حاجباً، ولما طلب الكاملي إلى مصر لم يمكنه إلا الإقامة في حلب، وحضر الأمير سيف الدين طاز إلى حلب نائباً، فراج عليه ونفق عنده بعدما كان قد أعرض عنه. ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله تعالى في التاريخ. وكان يستحضر شعراً كثيراً للأقدمين والمتأخرين وأهل العصر، وعلى ذهنه تواريخ ووقائع من قديم الإسلام وحديثه. وكان حلو العبارة، فصيح اللسان، يستحضر الواقعة في وقتها، ويتمثل بالشعر النادر في كتبه. وكان غريباً في أبناء جنسه. كتبت إليه بعدما توجه من دمشق لما أقام بحلب ارتجالاً من رأس القلم في شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة: لقد أوحشت أهل الشام حتى ... سلبت ربعوها ثوب البهاء يقبل الأرض ويشكو حظه من الأيام، وما يجده لهذه الحادثة من الآلام، وما يجرعه من الغصص لفراق مولانا الذي آنس مقامه حلب، وأوحش فراقه الشام. وإذا تأملت البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتسعد نعم يا مولانا، لقد شقيت دمشق ببعدك عنها، وسعدت حلب بقربك منها. وما يقول المملوك إلا كأن الله تعالى كان قد كمل محاسنها بحلولك، وأطلع الأمن فيها

стр. 1745

بنزولك، وكاثر أنهارها بما تجريه المكارم فيها من سيولك، وفاخر أهلة أفقها بما تؤثره في طرقها حوافر خيولك، وفاضل أزاهرها النافحة بآثار جرذيولك: فتجملت وتكملت ... فأصابها عين الكمال ورمى الإله صفاتها ال؟ ... حسنى بحادثة الليالي فعيوننا من ذا بوا ... ك في منازلها البوالي وكأنما عرصاتها ... سلك وأدمعنا لآلي ومولانا عز نصره، فيجد أمثالنا كثيراً، وأما نحن فوالله ما نجد مثله، ولا من إذا أصابنا ظمأ أفاض علينا بالجود وبله وبله. وقد حرم المملوك على نفسه المرور على باب دار مولانا الكريمة، لا أخلاها الله تعالى من المحيا الكريم، والوجه الذي يخجل البدر إذا أنار في الليل البهيم. يا مولانا، الله يمتعنا بحياتك، ما ينسى المملوك تلك الليلة التي مرت، ومماليك بين يديك، وكأن الأنس والسعد والفضل في قبة ضربت عليك، والمسرة والإقبال والهناء خدام وقفوا لديك. ودموع المملوك ما يملك رد عنانا، ولا يخبا عقود درها وجمانها، ولا ينقطع لها خيط مزن، ولا يعلم الباعث لها ما هو، أمن سرور أو حزن. نعم، للنفس شعور بما يقع فيما بعد، وإدراك بما سوف يتجدد من النحس أو السعد. ولما عاد المملوك تلك الليلية من عند مولانا أعز الله أنصاره ودخل مسكنه واستجن داره، نظم المملوك: تعجب خلي من عبرتي ... وقد هطلت كالحيا الساكب فقلت: دموعي تحاكي ندى ... علي بن بيبرس الحاجب

стр. 1746

وبالله يقسم المملوك أن دمشق بعد مولانا ما تسكن، والعمل على الخروج منها متعين إن أمكن. فلقد كان لها بمولانا ملك الأمراء جمال وأي جمال، ورونق لا يملكه إلا البدور إذا كانت في ليالي الكمال، وعز دائم لو أن ركابه الكريم فيها يحل ويرحل، وظل ظليل لو أن مغناها ما أقفر منه ولا محل. ما العيش فيها طيب لبعاده ... عنها ولا روض الحمى بنضير وعلى الجملة، فدمشق لها مدة سنين في خمول، الله يجعل هذا آخره، ويرينا وجه مولانا على ما يسر من أوقات أنسه الفاخرة: وكنا كما نهوى فيا دهر قل لنا ... أفي الوسع يوماً أو نكون كما كنا وألطاف الله تعالى خفية بعباده، وقد يرجع الله الغريب إلى بلاده، بمنه وكرمه. أنهى ذلك إن شاء الله تعالى. علي بن تنكز الأمير علاء الدين أيمر علي بن الأمير الكبير المهيب سيف الدين نائب الشام. كان يحبه والده محبة عظيمة، وأظنه من زوجه بنت الأمير سيف الدين كوكاي. أمره السلطان الملك الناصر، ولبس التشريف والشربوش، ومشى الأمراء

стр. 1747

والحجاب ووجوه الدولة من أرباب السيوف في خدمته من مدرسة نور الدين الشهيد إلى دار السعادة في يوم الخميس ثاني شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وكان لا يزال عليلاً كثير الأوجاع والأسقام، فتنكد عيش والده بذلك. ولم يزل على ذلك إلى أن توفي ﵀ في عشية الاثنين عند المغرب، العشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن في أول الليل بتربة والده التي بجوار جامعة، ظاهر دمشق. ووجد عليه وجداً عظيماً والده، وجهز إليه السلطان أميراً كبيراً يعزيه، وجهز إليه تشريفاً عظيماً، فلبسه. وكان قد جاء منه كتاب إلى الأمير سيف الدين بكتمر الساقي، يوصي فيه بأخته، زوج أمير أحمد بن بكتمر الساقي، وكان اسمه فيه بخط يده، لأنه كان صغيراً جداً أول ما كتب. فكتبت أنا الجواب عنه وأنا بالديار المصرية في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ونسخته: " أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي الأميري العلائي، وزاد العيون بآثاره كل بهجة، وسر بأبكار معانيه كل نفس وأقر بها كل مهجة، وشد ببأسه عضد والده حتى يطفئ به حر الوغى ورهجه. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تطوى على سلام، هو أصدق القول وأطربه لجهة، وينشر عن ثناء جعل طريقه إلى الأسماع على الرياض ونهجه.

стр. 1748

وتوضح لعلمه الكريم ورود مكاتبته التي هي حقيقة المحاسن ومجازها، وبرود الفضل التي أضحت، وخط اسمه الكريم طرازها، فوقف منها على الرياض رقمها الغمام بأبر قطره، ودبح ثراها بملونات زهره، لا بل نظل منها إلى الأفق يلمع في ليل مداده صباح طرسه، ووجد ألفاظه الدر، لا بل تعلوا على الدر، أن تكون من نوعه وجنسه، وسر من الجناب العالي بدره، أهذا أبوه وهو في الحقيقة بحر وسماً واسعاً، وتعجب له من ماجد فاق البدور هلالاً وعلا الشموس نجماً، ورأى خط يده يطير جناحه بنجاح النجابة، وعلم أنه لا بد وأن يغدو فارس الكتائب والكتابة. فيا عز هذه الدولة الناصرية ببأسه الماضي الشبا. ويا بشرى المعالي منه بأمارة نجيب قالت له الإمارة مرحباً، والله يجمل ببدره هالات المواكب، ويعلي قدره على أقدار السعود من الكواكب، فإن الظن في الصدقات السلطانية ما رقى له غير أولي درجة، ولا تخطى الأمل الصادق منعطفه ومنعرجه. وأما الإشارات الكريمة إلى كريمته، فهي أين كانت كريمة، وحيث سارت وصارت سعودها مقيمة، وما الجناب العالي وأهله إلا بمنزلة الولد بل أعز قدراً، وإذا جاء أحدهم بحسنة واحدة نال بها عشراً، فهي درة أحرزها مودعها وشمس أشرق بالسعد واليمن مغربها ومطلعها. فلتقر عينه من جهتها المصونة، ولتطب نفسه بما تناله من العناية والمعونة، إن شاء الله تعالى. علي بن جابر بن علي بن موسى نور الدين الهاشمس اليمني.

стр. 1749

شيخ الحديث بالمنصورية بالقاهرة. سمع باليمن من الزكي البيلقاني، وبمصر من العز الحراني وخلق، بدمشق من الفخر، وجماعة. كان فاضلاً محدثاً أديباً، رئيساً في نفسه أريباً، أخلاقه سهلة، وحركاته تقتضي التراخي والمهلة، متواضعاً في نفسه، مقتصراً في حاله ولبسه، وكان للكتب جماعة، ونفسه إلى التزيد منها طماعة. وكان صوته جهورياً، وليس من الفصاحة عرياً، وقراءته مليحة، وكلماته صحيحة. ولم يزل على حاله إلى أن هشم الموت عظام الهاشمي، وأتاه منه ما لم يسلم منه النوع الآدمي. وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشري جمادة الآخرة سنة خمس وعشرين وسبع مئة. ومولده بمكة سنة سبع وأربعين وست مئة وقليل: سنة ثمان وأربعين، في يوم عاشوراء، كما ذكر. قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: وأصحابنا ينسبونه إلى شيء من التساهل فيما يقوله ويدعيه. وكان الشيخ أبو عمرو بن سيد الناس يذكر عنه أنه ذكر شيئاً وكتب بخطه، ثم ادعى غيره وأصلحه. وكانت فيه مكرمة، وكان يوصف بحسن الجوار والمخالطة، وتورع في أنه هاشمي.

стр. 1750

وقال شيخنا الذهبي: وكان مع علمه ليس متحرياً في النقل. قال أبو محمد النويري. أخذ عنه الطلبة. وأخبرني من لفظه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى قال: استعرت من نور الدين المذكور مجلداً، فوجدت فيه في مكان الأبيات الضادية التي للشافعي ﵁ وفيها تخريجة إلى الحاشية تتصل ببيتين، الأول حفظته، وهو: قف ثم ناد بأنني لمحمد ... ووصية وابنيه لست بباغض ثم تأملت الخط، فإذا هو خط نور الدين، انتهى. قلت: وقد اشتهر هذا البيت، وأثبته الفضلاء والحفاظ والناس من شعر الشافعي، وهو: يا راكباً قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضاً كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي ولكن من له معرفة ودربة بقدر الشافعي ﵁ يتحقق أن الشافعي ما يقول: باغض، اسم فاعل من أبغض.

стр. 1751

وذكر الثقات عن الربيع أنه قال: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى نجداً. ولا هبط وادياً، إلا وهو يبكي وينشد هذه الأبيات الثلاثة. فإذا زيد رابع أو خامس، أخرج ذلك أهل النقد. وعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: شهدت بأن الله لا رب غيره ... وأشهد أن البعث حق وأخلص وأن عرى الإيمان قول مبين ... وفعل زكي قد يزيد وينقص وأن أبا بكر خليفة أحمد ... وكان أبو حفص على الحق يحرص وأشهد ربي أن عثمان فاضل ... وأن علياً فضله متخصص أئمة دين يقتدى بفعالهم ... لحى الله من إياهم يتنقص وروى أبو سعد بن السمعاني في ذيله، وبسنده إلى جعفر بن أحمد بن الحسن السراج أنه أنشد رداً على من زعم أن في الشافعي تشيعاً: لا در در معاشر لم يحفظوا ... غيب الأئمة عاجز أو ناهض زعموا بأن الشافعي محمداً ... جادت ثراه بمصر مزنة عارض مترفض إذ قال في بيت له ... فليشهد الثقلان أني رافضي

стр. 1752

ما قاله إلا بشرط واضح ... لأولي النهى والدين ليس بغامض إن كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي وبه يقول المسلمون فهل ترى ... عين لآل محمد من باغض يا من رماه ببدعة في دينه ... لازال جسمك حلف حمى نافض رجع القول إلى ذكر نور الدين الهاشمي: الله أعلم بسريرته. ومن شعره في أصحاب الطيالس: قوم لهم سيرة سارت ببغيهم ... قد ارتدوا برداء الكبر والحمق خفت رؤوسهم إذ خف عقلهم ... لولا طيالسهم طارت من العنق ومنه في أصحاب العذبات: قوم إلى الثيران أقرب نسبة ... وحقيقة قد ألبسوا أثوابا سترت عمائمهم شعوب قرونهم ... أو ما ترى عذباتهم أذنابا ومنه: يفخر زيد بحسن عمته ... يخطر بالكم إذا رأى عذبه كمثل ثور يدور ملتهيا ... يمرح عجباً إذا رأى ذنبه ومنه: هو المجد لا زور الأماني الكواذب ... وليس العلا إلا ابتذال الرغائب وما فاح نشر الروض إلا لأنه ... بذول لما أولاه قطر السحائب وما طاب ذكر الحمد إلا لأنفس ... لها في اقتناء الحمد أسنى المكاسب حناينك من عصر خلت منه سادة ... غياث لمستجد وغوث لراغب

стр. 1753

ومنه: نال من صدها الفؤاد سوا ... رب خير أتى بغير اعتماد شيمة في الحسان بغض المحب؟ ... بين فلا ترجون صفو الوداد قلت: شعر جيد، ومقاصد حسنة، ولكنه هو ولد بمكة، وربي باليمن، وأهل تلك البلاد المعهود عنهم اللطف ورقة الحاشية، ولا سيما وقد أقام بالديار المصرية، فكيف يقول: نال من صدها الفؤاد سلوا ... رب خير أتى بغير اعتماد هذا فيه جفاء وغلظة طباع. وأين هذا من قول الأول: علمتني بهجرها الصبر عنها ... فهي مشكورة على التقبيح قال علمتني، فنسب ذلك إليها، وقال: الصبر، وما قال: السلو. والنصف الثاني في غاية الحسن. وكان الشيخ نور الدين المذكور يدعي أنه يحفظ الوجيز علي بن الحسن بن أحمد الإمام الزاهد العابد، علم الأولياء، أبو الحسن الواسطي الشافعي. صحب الشيخ عز الدجين الفاروثي، وسمع من أمين الدين بن عساكر وغيره،. وقرأ

стр. 1754

القرآن والفقه، وأكثر من مطالعة العلم، ولاذ بظل الصبر والحلم، ولازم الحج ستين عاماً، وجاور في بعض ذلك مقاماً. وكان منجمعاً عن الناس، منعزلاً عن الأدناسن لا يقبل من كل أحد، ولا له غير الصبر ملتحد. له كشف وحال، وفضل وقال. كثير التلاوة والقيام، والذكر والصيام، منقطع القرين، متواصل الآهة والأنين. توفي رحمه الله تعالى ببدر محرماً، وراح إلى الله مكرماً، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. علي بن الحسن الإمام الخطيب ابن الجابي، بالجيم والألف والباء الموحدة، خطيب جامع جراح. كان طيب النغم، حسن الصوت إذا نغم، جيد الأداء، فصيح التلاوة يشوق إلى الاقتداء به والاهتداء. يورد خطباً طوالاً، يطيل فيها جواباً وسؤالاً. وله عمل كثير في الكيمياء، ويزعم أنها صحت معه. والظاهر أنه ظفر منها ببعض صبغ أطمعه. ولم يزل في نصبه وكده إلى أن حصل في لحده.

стр. 1755

وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وسبع مئة. وخطب بعده الشيخ شرف الدين الفزاري إلى أن نقل إلى خطابة الجامع الأموي. وكان هذا الخطيب ابن الجابي قد جمع نحو أربع مئة دينار. وجاءت التتار، فكابر وقعد في بيته في الجامع، فدخلوا عليه، فكلمهم بالتركي، فأخذوا ثيابه وفرشه ونحو ثلاثين قطرميزاً من زبيب ومخلل وعسل. ثم جاءته فرقة أخرى، وقالوا له: أين المال، فتمسكن لهم، فرأوا هناك لازورداً، فأرادوا أن يوجروه به، فصاح وخرج لهم عن ثلاث مئة دينار، فأخذوا الذهب، وعذبوه، ثم إنه هرب وتسلق من الباب الصغير، فظفر به أناس آخرون، وطالبوه مصادرة، وقاسى أهوالاً ووبالاً وفقراً إلى أن توفي رحمه الله تعالى في تاريخه. ولما أبيعت كتبه، جاء الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى واشترى منه كتباً بألف درهم، جميعها في الكيمياء، ورمى بها في وقته في بركة، وغسلها، وقال: هذه كانت تضل الناس وتضيع أموالهم. علي بن الحسن بن علي بن أبي نصر علاء الدين بن عمرون.
следующие страницы →