← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وذكر الثقات عن الربيع أنه قال: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى نجداً. ولا هبط وادياً، إلا وهو يبكي وينشد هذه الأبيات الثلاثة. فإذا زيد رابع أو خامس، أخرج ذلك أهل النقد. وعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: شهدت بأن الله لا رب غيره ... وأشهد أن البعث حق وأخلص وأن عرى الإيمان قول مبين ... وفعل زكي قد يزيد وينقص وأن أبا بكر خليفة أحمد ... وكان أبو حفص على الحق يحرص وأشهد ربي أن عثمان فاضل ... وأن علياً فضله متخصص أئمة دين يقتدى بفعالهم ... لحى الله من إياهم يتنقص وروى أبو سعد بن السمعاني في ذيله، وبسنده إلى جعفر بن أحمد بن الحسن السراج أنه أنشد رداً على من زعم أن في الشافعي تشيعاً: لا در در معاشر لم يحفظوا ... غيب الأئمة عاجز أو ناهض زعموا بأن الشافعي محمداً ... جادت ثراه بمصر مزنة عارض مترفض إذ قال في بيت له ... فليشهد الثقلان أني رافضي

стр. 1752

ما قاله إلا بشرط واضح ... لأولي النهى والدين ليس بغامض إن كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي وبه يقول المسلمون فهل ترى ... عين لآل محمد من باغض يا من رماه ببدعة في دينه ... لازال جسمك حلف حمى نافض رجع القول إلى ذكر نور الدين الهاشمي: الله أعلم بسريرته. ومن شعره في أصحاب الطيالس: قوم لهم سيرة سارت ببغيهم ... قد ارتدوا برداء الكبر والحمق خفت رؤوسهم إذ خف عقلهم ... لولا طيالسهم طارت من العنق ومنه في أصحاب العذبات: قوم إلى الثيران أقرب نسبة ... وحقيقة قد ألبسوا أثوابا سترت عمائمهم شعوب قرونهم ... أو ما ترى عذباتهم أذنابا ومنه: يفخر زيد بحسن عمته ... يخطر بالكم إذا رأى عذبه كمثل ثور يدور ملتهيا ... يمرح عجباً إذا رأى ذنبه ومنه: هو المجد لا زور الأماني الكواذب ... وليس العلا إلا ابتذال الرغائب وما فاح نشر الروض إلا لأنه ... بذول لما أولاه قطر السحائب وما طاب ذكر الحمد إلا لأنفس ... لها في اقتناء الحمد أسنى المكاسب حناينك من عصر خلت منه سادة ... غياث لمستجد وغوث لراغب

стр. 1753

ومنه: نال من صدها الفؤاد سوا ... رب خير أتى بغير اعتماد شيمة في الحسان بغض المحب؟ ... بين فلا ترجون صفو الوداد قلت: شعر جيد، ومقاصد حسنة، ولكنه هو ولد بمكة، وربي باليمن، وأهل تلك البلاد المعهود عنهم اللطف ورقة الحاشية، ولا سيما وقد أقام بالديار المصرية، فكيف يقول: نال من صدها الفؤاد سلوا ... رب خير أتى بغير اعتماد هذا فيه جفاء وغلظة طباع. وأين هذا من قول الأول: علمتني بهجرها الصبر عنها ... فهي مشكورة على التقبيح قال علمتني، فنسب ذلك إليها، وقال: الصبر، وما قال: السلو. والنصف الثاني في غاية الحسن. وكان الشيخ نور الدين المذكور يدعي أنه يحفظ الوجيز علي بن الحسن بن أحمد الإمام الزاهد العابد، علم الأولياء، أبو الحسن الواسطي الشافعي. صحب الشيخ عز الدجين الفاروثي، وسمع من أمين الدين بن عساكر وغيره،. وقرأ

стр. 1754

القرآن والفقه، وأكثر من مطالعة العلم، ولاذ بظل الصبر والحلم، ولازم الحج ستين عاماً، وجاور في بعض ذلك مقاماً. وكان منجمعاً عن الناس، منعزلاً عن الأدناسن لا يقبل من كل أحد، ولا له غير الصبر ملتحد. له كشف وحال، وفضل وقال. كثير التلاوة والقيام، والذكر والصيام، منقطع القرين، متواصل الآهة والأنين. توفي رحمه الله تعالى ببدر محرماً، وراح إلى الله مكرماً، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. علي بن الحسن الإمام الخطيب ابن الجابي، بالجيم والألف والباء الموحدة، خطيب جامع جراح. كان طيب النغم، حسن الصوت إذا نغم، جيد الأداء، فصيح التلاوة يشوق إلى الاقتداء به والاهتداء. يورد خطباً طوالاً، يطيل فيها جواباً وسؤالاً. وله عمل كثير في الكيمياء، ويزعم أنها صحت معه. والظاهر أنه ظفر منها ببعض صبغ أطمعه. ولم يزل في نصبه وكده إلى أن حصل في لحده.

стр. 1755

وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وسبع مئة. وخطب بعده الشيخ شرف الدين الفزاري إلى أن نقل إلى خطابة الجامع الأموي. وكان هذا الخطيب ابن الجابي قد جمع نحو أربع مئة دينار. وجاءت التتار، فكابر وقعد في بيته في الجامع، فدخلوا عليه، فكلمهم بالتركي، فأخذوا ثيابه وفرشه ونحو ثلاثين قطرميزاً من زبيب ومخلل وعسل. ثم جاءته فرقة أخرى، وقالوا له: أين المال، فتمسكن لهم، فرأوا هناك لازورداً، فأرادوا أن يوجروه به، فصاح وخرج لهم عن ثلاث مئة دينار، فأخذوا الذهب، وعذبوه، ثم إنه هرب وتسلق من الباب الصغير، فظفر به أناس آخرون، وطالبوه مصادرة، وقاسى أهوالاً ووبالاً وفقراً إلى أن توفي رحمه الله تعالى في تاريخه. ولما أبيعت كتبه، جاء الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى واشترى منه كتباً بألف درهم، جميعها في الكيمياء، ورمى بها في وقته في بركة، وغسلها، وقال: هذه كانت تضل الناس وتضيع أموالهم. علي بن الحسن بن علي بن أبي نصر علاء الدين بن عمرون.

стр. 1756

نشأ علاء الدين هذا، وقد عدم ما كان لوالده من الدنيا الواسعة، فاشتغل بالحساب، وولي الزكاة ثم الوكالة وغيرها. وكان من عقلاء الناس. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ست وسبع مئة في خامس عشر شهر رجب. وروى سداسيات الرازي عن أحمد بن النحاس، سمعها عليه بالإسكندرية عن ابن موقا. وكان والده من أرباب الأموال الجزيلة. أقام بالإسكندرية وتوفي بها. علي بن حسن الأمير نور الدين بن الأمير بدر الدين حسن بن الأفضل. كان الأمير نور الدين هذا ابن أخي الملك المؤيد صاحب حماة. جاء إلى دمشق بعد الفخري أمير طبلخاناة، وأقام بدمشق، واشترى دار أيدغدي شقير التي عند مئذنة فيروز من الأمير علاء الدين علي بن بيبرس الحاجب، وهي دار عظيمة وبها بحرة متسعة، لم يكن بداخل دمشق أكبر منها، وعمر بها الأمير نور الدين قبة مليحة إلى الغاية. وكانت له أملاك وسعادة بحماة وإقطاع جيد، وعنده جواري جنكيات ودفيات، فانقصف، وأورث أهله الأسى والأسف.

стр. 1757

وكان موته في عاشر صفر سنة تسع وأربعين وسبع مئة. وعمره تقدير أربع وعشرين سنة. وكان يعرج قليلاً إلا أن وجهه حسن. علي بن حسن الأمير علاء الدين بن المرواني. كان في دمشق من خيار الناس، وأعقلهم ممن يود أن يعد أو يدخل في كيس الأكياس. ظريفاً مندباً، مخرجاً مهذباً، يخدم الناس ويتقرب بإحسانه، ويحسن بيده وبلسانه، إلى أن تولى الصعيد بمصر، فاكتسب هناك الإثم، وأصر على الإصر وسفك الدماء نهاراً جهاراً، وأجرى منه بجرأته أنهاراً. ثم إنه نقل إلى ولاية القاهرة، فأظهر فيها من الجبروت ما تجف منه البحار الزاخرة، ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى الآخرة. وتوفي رحمه الله تعالى.... أول ما علمت من أمره أنه جاء إلى صفد شاد الديوان ووالي الولاة عوضاً عن الأمير علم الدين سنجر الساقي، جهزه الأمير سيف الدين تنكز في سنة ثماني عشرة أو تسع عشرة. ولم يزل بصفد إلى أن طلب إلى دمشق، وتولى ولاية البر بها في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة عوضاً عن سنجر الطرقجي، فأحبه تنكز والصاحب شمس الدين، وقرباه وأدنياه وبالغا في إكرامه.

стр. 1758

ولم يزل معظماً يحبه أهل دمشق، ويحسن هو إليهم إلى أن طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى القاهرة في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وولاه الصعيد، فدخل يوماً إلى ديوان الإنشاء بقلعة الجبل لإلفه بأهل دمشق، وقعد عندنا يسيراً يتحدث ويذكر دمشق، فجاء إليه إنسان من عند بعض الخاصية يقول: هذا يكون في خدمتك، يصلي بك ويؤذن ويقرأ. يشير إلى فقيه معه. فقال: سلم على الأمير، وقل له: أنا ما أروح إلى الصعيد مسلماً، فضلاً عن أني أصلي. فأخذنا منه ذلك على عادة بسطه وتنديبه. فما كان إلا أن راح إلى الصعيد، وحط يده والسيف. فوسط وسمر وشنق، وسفك الدماء، إلى أن نقل إلى ولاية القاهرة في سادس عشري جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وسبع مئة. وكان الحال في هذه الولاية أشق. أول ولاية بالقاهرة قطع على ما قيل خمسين يداً غير الأرجل، وزاد في ذلك، ودخل مع القاضي شرف الدين النشو وأحبه وأخذا أرواح جماعة من الكتاب. وولى السلطان ابنه الأمير ناصر الدين محمداً مصر، وأضاف الحسبة في الخبز إلى الأمير علاء الدين في أيام الغلاء، لكنه ساس ذلك سياسة جيدة. وأظنه تولى القاهرة بعد سيف الدين بلبان الحسامي، بعدما نقل إلى نيابة دمياط. علي بن الحسن بن علي الشيخ نور الدين أبو الحسن الأرموي الشافعي، شيخ خانقاه القاضي كريم الدين. سمع من الفخر بن البخاري وغيره.

стр. 1759

وأجاز لي بخطه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. ومولده بأقصر سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين وست مئة. علي بن حسن بن أبي الفضل ابن جعفر بن محمد بن كثير الحلي. قدم دمشق وأقام بها سنوات، ثم إنه في يوم شق الصفوف في الجمع الأموي، والناس في صلاة جنازة، وجعل يقول: لعن الله من ظلم آل محمد. ومن هذا وشبهه، فنبه الشيخ عماد الدين بن كثير عليه، وقال: أمسكوه، فإن هذا يسب الصحابة، فأمسكوه وأحضروه إلى العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى فاستفهم منه عما يقول، فظهر له أنه يسب أبا بكر وعمر ﵄ فأمر باعتقاله. ثم إن الناس قاموا في أمره، ورفعوه إلى قاضي القضاة جمال الدين المسلاتي المالكي، فضربه ثلاثة أيام بالسياط، ويأمره بالتوبة، وهو مصر، ثم إن الناس حملوه إلى دار العدل بين يدي النائب، فأمره بالتوبة هو والقضاة، وهو مصر، ثم إن نائب القاضي المالكي حكم بضرب عنقه، فتوجه الناس به إلى سوق الخيل، وتوجه بعض الناس يشاور عليه، فجاء بعض الجند، وضرب عنقه، وأخذ رأسه، ولعب الجند به الكرة في سوق الخيل، ثم إن العوام أحرقوا جسده بالنار، وطيف برأسه بعد ذلك في أسواق دمشق. وكان ذلك في يوم الخميس عشري جمادة الأولى سنة خمس وخمسين وسبع مئة.

стр. 1760

علي بن حسن بن صبح الأمير علاء الدين، أحد الأمراء بدمشق. صحب الأفرم وداخله، ولما قفز الأمراء وتركوا الأفرم وحده، ولم يبق عنده أحد من الأمراء إلا من هو من خواصه، ولا من هو بعيد عنه، أخذه علاء الدين بن صبح، وتوجه به إلى الشقيف. ولما دخل السلطان إلى دمشق كتب لهما أماناً، فحضر إليه، ثم إنه أمسكه فيما بعد، وأقام في سجن الإسكندرية إلى أن أفرج السلطان عنه، ووصل إلى دمشق يوم عيد الأضحى سنة أربع عشرة وسبع مئة. ولم يزل بدمشق مقيماً على إمرته إلى أن توجه إلى البقاع، ومرض به. وتوفي هناك في يوم الأربعاء سابع عشري شوال سنة أربع وعشرين وسبع مئة. عمره سبع وأربعون سنة. علي بن الحسن بن محمد بن الحسين القاضي الرئيس الشريف، شرف الدين الحسيني الأرموي ثم المصري، نقيب العلويين ووكيل بيت المال بالقاهرة، وقاضي العساكر. حدث عن ست الوزراء، ودرس بمشهد الحسين بالقاهرة، وكان من كتاب الإنشاء. وهو ابن عم السيد الشريف شهاب الدين الحسين المقدم ذكره. وكان السيد علاء الدين ظريف الشكل والمنظر، دائم البشر بوجه يخجل القمر إذا

стр. 1761

تم وأبدر. وله إنشاء جيد، ونثر ما عرج عن الحسن ولا حاد عنه، فإنه بالبلاغة متأيد، وبينه وبين الشيخ جمال الدين بن نباتة مكاتبات راقت صدروها وسطورها، ولاق بالقولب منظومها ومنثورها. وكان قد حصلت له وجاهة في أيام الملك الصالح إسماعيل من جهة أم السلطان، وساد فيها، وعبث به ابن عمه الشريف شهاب الدين بما كتب على الحيطان. ولم يزل على حاله إلى أن أصبح في أكفانه مدرجاً، وانقطع أمل من أم له ورجا. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع وخمسين وسبع مئة بالقاهرة. علي بن الحسين بن قاسم بن منصور بن علي الشيخ الإمام العالم الفاضل العلامة المتبحر المفتن الأصولي الفقيه النحوي، الكامل زين الدين أبو الحسن ابن الشيخ جمال الدين ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين ابن الشيخ زين الدين بن العوينة الموصلي الشافعي. كان حسن الشكالة، ظاهر الجلالة، نير المحيا، يشبهه البدر لو تم له ذلك أو تهيا، أحمر الوجنة، رؤية البدر معها هجنة، نقي الشيب، بريئاً من العيب، طاهر الذيل عاطر الحبيب، فكه المحاضرة مأمون الغيب، خالياً من الشبهة والريب، حالياً بمواهب الفوائد التي ما يذكر معها للغمائم سيب. فقيه إذا قلت فقيه، يبهر علمه وبحثه كل من يلتقف فضله أو يلتقيه،

стр. 1762

أصولي مد أطناب الإطناب في شرح المختصر، وقام بأعباء هذا العلم وجالد لما جادل وانتصر. مفسر غير مقصر، بليغ إذا تفوه ألهي بعذوبة نطقه عن العذيب ووادي محسر. نحوي حل ما في التسهيل من التعقيد، وأوضح غوامضه فأغمض ناظر الناظر فيه بعد ما كان يعالج التسهيد. ورياضي أخذ جمل محاسنه بلا حسب، وقرب بعيد هذا الفن وسهل الاكتساب. وناظم أدار قوافيه كؤوساً على الألباب وأنس المتيمين بأغزاله ذكرى المنازل والأحباب. نبه به جماعة من الأعيان، وتخرج به طائفة من أولي الفهم والأذهان. ولم يزل يفيد، ويبدي البدائع في البدائة ويعيد إلى أن أتى سيل المنية على ابن شيخ العونية، واستوفى أجله منه دينه. وتوفي رحمه الله تعالى بالموصل، وصلي عليه في ماردين غائباً في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة. وسألته عن مولده، فقال: بالموصل ثاني عشر شهر رجب الفرد سنة إحدى وثمانين وست مئة.

стр. 1763

اجتمعت به في دمشق بالمدرسة القليجية جوار دار الذهب في شهر شوال سنة خمسين وسبع مئة، وقد ورد للحج إلى دمشق صحبة بنت صاحب ماردين، فرأيت منه حبراً كامل الفوائد، وبحراً لا تبخل أمواجه بإلقاء الفرائد، وكتبت إليه بعد ذلك سؤالاً نظمته قديماً، وهو: ألا إنما القرآن أكبر معجز ... لأفضل من يهدى به الثقلان ومن جملة الإعجاز كون اختصاره ... بإيجاز ألفاظ وبسط معان ولكنني في الكهف أبصرت آية ... بها الفكر في طول الزمان عناني وما ذاك إلا استطعما أهلها فقد ... نرى استطعماهم مثله ببيان فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر ... مكان ضمير إن ذاك لشان فكتب هو الجواب إلي عن ذلك: سألت لماذا استطعما أهلها أتى ... عن استطعماهم إن ذاك لشان وفيه اختصار ليس ثم ولم تقف ... على سبب الرجحان منذ زمان فهاك جواباً رافعاً لنقابه ... يصير به المعنى كرأي عيان إذا ما استوى الحالان في الحكم رجح الضمير، وأما حين يختلفان فإن كان في التصريح إظهار حكمة ... لرفعة شان أو حقارة جان كمثل أمير المؤمنين يقول: ذا ... وما نحن فيه، صرحوا بأمان وهذا على الإيجاز والفظ جاء في ... جوابي منثوراً بحسن بيان

стр. 1764

فلا تمتحن بالنظم من بعد عالما ... فليس لكل بالقريض يدان وقد قيل إن الشعر يزري بهم فلا ... تكاد ترى من سابق برهان ولا تنسني عند الدعاء فإنني ... سأبدي مزاياكم بكل مكان وأستغفر الله العظيم لما طغى ... به قلمي أو طال فيه لساني والجواب المبسوط بالنثر، فهو: بسم الله الرحمن الرحيم سأل بعض الفضلاء عن الحكمة في ف؟ " استطعما أهلها " دون فاستطعماهم مع أنه أخصر؟ والجواب: قلت: والله الموفق: إنه لما كانت الألفاظ تابعة للمعاني، لم يتحتم الإضمار، بل قد يكون التصريح أولى، بل ربما يكاد يصل إلى حد الوجوب، كما سنبين إن شار الله تعالى، ويدل على الأولية قول أرباب علم البيان ما هذا ملخصه: لما كان للتصريح عمل ليس للكناية، كان لإعادة اللفظ من الحسن والبهجة والفخامة ما ليس لرجوع الضمير، انتهى كلامهم. فقد يعدل إلى التصريح إما للتعظيم وإما للتحقير وإما للتشنيع والنداء بقبح الفعل، وإما لغيرهم، فمن التعظيم قوله تعالى: " قل هو الله أحد، الله الصمد " دون " هو ". وقوله تعالى: " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل " ولم يقل وبه. وقوله: " الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " فقد كرر لفظ الحج مرتين دون أن يقال: فمن فرضه فيهن،

стр. 1765

ولا جدال فيه "، إعلاماً بعظمة قدر الحج، وعبادته، من حيث إنها فريضة العمر، وفيها شبه عظيم بحال الموت والبعث، فناسب حال تعظيمه في القلوب التصريح باسمه ثلاث مرات. ومه قول الخليفة أمير المؤمنين: يرسم بكذا دون أنا، إما لتعظيم ذلك الأمر أو لتقوية داعية المأمور أو نحوهما. وقول الشاعر: نفس عصام سودت عصاما وقول أبي تمام: قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلاً فإن إيقاع الطلب على المثل أوقع من إيقاعه على ضميره لو قال: طلبنا لك مثلاً فلم نجده. وقول بعض أهل العصر: إذا برقت يوماً أسرة وجهه ... على الناس قال الناس جل المنور وأما ما يكاد يصل إلى حد الوجوب، فمثل قوله تعالى: " يا أيها النبي إنا أحللنا

стр. 1766

لك أزواجك " إلى قوله: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها " عدل عن الإضمار إلى التصريح، وكرر اسمه ﷺ تنبيهاً على أن تخصيصه ﷺ بهذا الحكم أعني النكاح بالهبة عن سائر الناس، لمكان النبوة، وكرر اسمه ﷺ تنبيهاً على عظمة شأنه وجلالة قدره، إشارة إلى علة التخصيص وهي النبوة. ومن التحقير: " فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم " " فأنزلنا على الذين ظلموا "، دون: " عليهم "، " وقالوا قلوبنا غلف، بل لعنهم الله بكفرهم " أضمر هنا، ثم لما أراد المبالغة في ذمهم صرح في الآية الثانية والثالثة بكفره فقيل " لعنة الله على الكافرين " " وللكافرين عذاب مهين ". وأمثاله كثير، فإذا تقرر هذا الأصل، فنقول: لما كان أهل هذه القرية موصوفين بالشح الغالب واللؤم اللازب بدليل قوله ﷺ " كانوا أهل قرية لئاماً " وقد صدر منهم بحق هذين العبدين الكريمين على الله ما صدر من المنع بعد السؤال، كانوا حقيقين بالنداء عليه بسوء الصنع، فناسب ذلك التصريح باسمهم، لما في لفظ

стр. 1767

الأهل من الدلالة على الكثرة مع حرمان هذين الفقيرين من خيرهم مع استطعمامهما إياهم، ولما دل عليه حالهم من كدر قلوبهم وعمى بصائرهم، حيث لم يتفرسوا فيهما ما تفرسه صاحب السفينة في قوله: أرى وجوه الأنبياء. هذا ما يتعلق بالمعنى، وأما ما يتعلق باللفظ، فلما في جمع الضميرين في كلمة واحدة من استثقال، فلهذا كان قليلاً في القرآن المجيد. وأما قوله تعالى: " فسيكفيكهم الله " وقوله: " أنلزمكوها " فإنه ليس من هذا القبيل، لأنه عدول عن الانفصال إلى الاتصال الذي هو أخصر، وعند فك الضمير لا يؤدي إلى التصريح باسم ظهر، بل يقال " فسيكفيك إياهم الله "، و" أنلزمكم إياها "، فكان الاتصال أولى، لأنه أخصر، ومؤداهما واحد، بخلاف مسألتنا. ثم هنا سؤالات، فالأول: ما الفرق بين الاستطعام والضيافة؟ فإن قلت: إنهما بمعنى، قلت: فلم خصصهما بالاستطعام، والأهل بالضيافة؟ والثاني: فلم قيل " فأبوا أن "، دون فلم، مع أنه أخصر؟ والثالث: لم قيل " أتيا أهل قرية "، دون أتيا قرية، والعرف بخلافة؟ نقول: أتيت الكوفة دون أهل الكوفة، كما قال تعالى: " ادخلوا مصر ". والجواب عن الأول: أن الاستطعام وظيفة السائل، والضيافة وظيفة المسؤول

стр. 1768

لأن العرف يقضي بذلك، فيدعو المقيم إلى منزله القادم، يسأله ويحمله إلى منزله. وعن الثاني: أن في الإباء من قوة المنع ما ليس في فلم، لأنها تقلب المضارع إلى الماضي وتنفيه، فلا يدل على أنهم لم يضيفوهم في الاستقبال، بخلاف الإباء المقرون بأن، فإنه يدل على النفي مطلقاً، وآيته: " ويأبى الله إلا أن يتم نوره " أي حالاً واستقبالاً. وعن الثالث: أنه مبني على أن مسمى القرية ماذا؟ أهو الجدران وأهلها معاً حال كونهم فيها؟ أم هي فقط، أم هم فقط؟ والظاهر عندي أنه لم يطلق عليها مع قطع النظر إلى وجود أهلها وعدمهم بدليل قوله تعالى: " أو كالذي مر علي قرية وهي خاوية على عروشها " سماها قرية، ولا أهل ولا جدار قائماً، ولعدم تناول لفظ القرية إياهم في البيع إذا كانت القرية وأهلها ملكاً للبائع، وهم فيها حالة البيع، ولو كان الأهل داخلين في مسماها لدخلوا في البيع، ولثبوت المغايرة بين المضاف والمضاف إليه، وإنما ذكر الأهل لأنهم المقصود من سابق الكلام، دون الجدران، لأنه بمعرض حكاية ما وقع منهم من اللؤم. فإن قلت: فما تصنع بقوله تعال: " وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها " " وكم من قرية أهلكناها، فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون " " وضرب الله مثلاً

стр. 1769

قرية كانت آمنة " إلى آخره " واسأل القرية " فإن المراد في هذه الآيات وأمثالها الأهل والجدران؟ قلت: هو من باب المجاز بالقرينة، لأن الإهلاك إنما ينسب إليهم دونها، بدليل " أو هم قائلون " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وبطرت معيشتها، ولاستحالة السؤال من غير الأهل. على أنا نقول: لو تصور وقوع الهلاك على نفس القرية بالخسف والحريق والغريق وننحوه، لم تتعين الحقيقة، لما ذكرناه. وهذه عجالة الوقت، ونحن على جناح السفر. هذا صورة ما كتب به إلى الشيخ زين الدين رحمه الله تعالى، وقد كنت كتبت هذا السؤال للشيخ الإمام العلامة نجم الدين علي بن داود القحفازي وأجاب عنه بجواب يأتي إن شاء الله في ترجمته. وأجاب عنه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يجيء في ترجمته إن شاء الله تعالى. وقرأ الشيخ زين الدين القرآن ببغداد على الشيخ عبد الله الواسطي الضرير لعاصم من طريق أبي بكر. وشرح الشاطبية على الشيخ شمس الدين بن الوراق الموصلي، وحفظ الحاوي الصغير، وشرحه على أقضى القضاة عز

стр. 1770

الدين أبي السعادات عبد العزيز بن عدي البلدي، وشرحه أيضاً على السيد ركن الدين. وقرأ مختصرات ابن الحاجب، وشرحه على السيد ركن الدين أيضاً. وقرأ أصول الدين والمعقولات على السيد ركن الدين أيضاً، وقرأ ألفية ابن معط على الشيخ شمس الدين المعيد المعروف بابن عائشة. وقرأ اللمع أيضاً لابن جني ببغداد على مهذب الدين النحوي، وعلى شمس الدين الحجري بفتح الحاء والجيم التبريزي مدرس العربية في المستنصرية. وقرأ الحساب على القاضي عز الدين المذكور آنفاً، وقرأ عليه الطب أيضاً. أجاز له جماعة، منهم الشيخ تاج الدين بن بلدجي الحنفي، وسمع عليه بعض جامع الأصول لابن الأثير، وكان يرويه عن ابن الحامض عن المصنف، وسمع أكثر شرح السنة على الشيخ تاج الدين عبد الله بن المعافي، وأجاز له الشيخ شمس الدين بن الوراق الحنبلي. وقدم إلى دمشق سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وسمع على الشيخ جمال الدين المزر صحيح البخاري والترمذي ومسند الشافعي، وأجزاء كثيرة. وعلى

стр. 1771

الشيخ شمس الدين السلاوي صحيح مسلم، وعلى الشيخ زين الدين بن تيمية سنن النسائي، وعلى الشيخ شمس الدين الذهبي سنن ابن ماجة، وسمع على الشيخ شمس الدين بن النقيب قاضي حلب بعض سنن الدارقطني، وأجازه الباقي. وسمع على الشيخ علم الدين البرزالي كتاب علوم الحديث لابن الصلاح. وأجازه الشيخ شمس الدين محمد بن شكاره المؤدب الموصلي المقامات الحريرية. وروي مصنفات الشيخ موفق الدين الكواشي عن الشيخ شمس الدين بن عائشة عن السيد ركن الدين عن المصنف رحمه الله تعالى وله من المصنفات تفسير بنج الحمد، وهو خمس سور من القرآن الكريم، أول كل سورة: " الحمد ". وشرح مختصر ابن الحاجب في مجلد، وشرح البديع لابن الساعاتي الحنفي، وشرح مختصر المعالمين للسد ركن الدين، وكتاب تنفيح الأفهام في جملة الكلام اختصار مقاصد السول في علم الأصول للسد ركن الدين، ونظم الحاوي الصغير في دون الخمسة آلاف بيت، ونظم شرح المنظومة الأسعردية في الحساب وشرح التسهيل لابن مالك، ولم يكمل، وشرح قصدية في الفرائض للشيخ عبد الله الجزري. وله كتاب عرف العبير في عرف التعبير. هذه الترجمة أملاها علي من لفظه، وسألته عن معنى هذه التسمية، أعني شيخ العوينة، فقال: الشيخ زين الدين الأعلى كان من أهل الثروة والسعادة بالموصل،

стр. 1772

فآثر الانقطاع والعزلة، فآوى إلى الجباية بباب الميدان ظاهر الموصل، ولا ماء لها هناك إلا من الآبار المحفورة، طول البير خمسون ذراعاً وستون ذراعاً وأكثر وأقل فكان الشيخ زين الدين يتوجه في كل يوم إلى الشط، ويملأ إبريقين، ويحملهما، ويجيء بهما لأجل شربه ووضوئه. فمكث على ذلك مدة، وهو يقاسي مشقة لبعد المسافة، فلما كان في ليلة، رأى النبي ﷺ أو الإمام علي بن أبي طالب ﵁ يقول له: احفر لي عندك حفيرة، يظهر لك الماء، فلما انتبه استبعد ذلك، لأن الآبار هناك بعيدة الغور، ولبث مدة، فرأى تلك الرؤيا، فاستبعد ذلك، وقال: لو حفرت بعكاز طلع لك الماء. فقص ذلك على بعض أصحابه، وحفر في ذلك المكان تقدير ثلاثة أذرع أو أكثر، فأجرى الله تعالى هناك عيناً، وهي مشهورة هناك، فمن ثم قيل له شيخ العوينة، وكان من الصلحاء الكبار. انتهى. ولما بلغتني وفاة الشيخ زين الدين المذكور، قلت أنا في رثائه: الشيخ لما توفي ... وقدر الله حينه سالت دموعي عيوناً ... على ابن شيخ العوينة وأنشدني الشيخ زين الدين ﵀ من لفظه لنفسه. ما كتب به إلى الشيخ شمس الدين الحيالي: سلام مثل أنفاس العبير ... على من حبه زاد المسير ونهج سبيله حرز الأماني ... ومصباح الهداية للبصير

стр. 1773

عوارفه لأهل الكشف قوت ... وإحياء لعلمهم الغزير إشارته النجاة لمن وعاها ... ومنطقه شفاء للصدور تحية من ذريعته إليه ... خلاصة نية وصفا ضمير وفي جمل الفصول له مثير ... الى المقصور في تلك القصور ولو واتاه تيسير وفوز ... بتكميل المقاصد والسرور وقابل سره وجه التهاني ... ولاح طوالع السعد المنير سعى ورمى جمار البعد عنه ... وطاف بكعبة الحرم الخطير ولم يقنع بتحفة بنت فكر ... ولا اعتاض السطور عن الحضور وأنشدني من لفظه لنفسه يمدح سيدنا رسول الله ﷺ بالحرم الشريف في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة: دعاها تواصل سيرها بسراها ... ولا تردعاها فالغرام دعاها ولا تخشيا منها كلالاً من السرى ... وحقكما إن الكلال عداها فإن مل حاديها وحار دليلها ... هدها إلى تلك القباب سناها عسى ينقضي في مسجد الخيف خوفها ... وتلقى مناها في نزول مناها وتجرع من ماء الأجيرع شربة ... وتنقع من حر الذميل صداها متى ما تخللت النخيل بيثرب ... بها عدمت تثريبها وغناها ولم يبق من أكوارها في ظهروها ... ظهور إذا ما بطن مر حواها إليك رسول الله سعى عصابة ... تعد خطاها فيك محو خطاها

стр. 1774

أتت وقراها موقر بذنوبها ... فأحسن كعادات الكرام قراها وليس لها عند الإله وسلية ... سواك إذا ما النار شب لظاها وأنشدني من لفظه ما كتبه لصاحب ماردين، يودعه، وقد توجه للحج سنة خمسين وسبع مئة: ودعتكم وتركت قلبي عندكم ... ورحلت بالمخلوق من صلصال فالقلب في الفردوس يشهد حسنكم ... والجسم في نار التفرق صال ومن شعره أيضاً يمدح صاحب ماردين: إلهي إن الصالح المصلح الذي ... بدا غزه في آل أرتق يزهر وألبسته من نور وجهك حلة ... تكاد لأبصار الخلائق تبهر إذا برقت يوماً أسرة وجهه ... على الناس قال جل المنور وقالوا كما قالت صواحب يوسف: ... أذا ملك أم آدمي مصور يؤمل أن يدعوك ظناً بأنني ... لديك وجيه مستجاب موقر إلهي فلا تخلف بي الظن عنده ... وإن لم أكن أهلاً فحلمك يستر وهذي يدي مرفوعة بتضرع ... فيسر عليه كل ما يتعسر وآمنه من خوف فقد أمن الورى ... بهيبته مما يخاف ويحذر وأحسن له العقبى وبلغه بيتك ال؟ ... حرام على وجه يحب ويؤثر وحط ملكه حتى يؤوب مسلماً ... وقد حطت الأوزار وهو مطهر فما في اعتقادي في السلاطين مثله ... وأنت بما يخفى ويعلن أخبر

стр. 1775

فإن لم يكن فاجعله حيث ظننته ... فأنت على قلب الحقائق أقدر علي بن الحسين بن علي بن بشارة الفاضل علاء الدين أبو الحسن الشبلي، بالشين المعجمة والباء الموحدة واللام، الدمشقي الحنفي. سمع كثيراً من اليونيني، وسمع بنفسه، وكتب، وأعاد، وتأهل للإفتاء. وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة تسعين وست مئة في غالب الظن. وولي إعادة المدرسة الشبلية. قال شيخنا علم الدين البرزالي: سمع معنا كثيراً، ورافقته في الحج رحمه الله تعالى. علي بن الحسين بن محمد بن عدنان السيد الشريف علاء الدين بن الشريف زين الدين بن الشريف محيي الدين بن أبي الجن الحسيني. كان أولاً خليعاًن ظريفاً خريعاً، فيه دماثة أخلاق، وسعة صدر في حالتي يسر وإملاق. قل أن يرى إلا وهو يضحك، ولسلامة صدره يعتقد ودك ونصحك. وكان الناس يتطفلون على عشرته، ويعتقدون وده لعدم شرته، ولم يكن في باطنه حقد، وخيره دون شره نقد. إلا أنه لسلامة باطنة يتظاهر بمذهب الاعتزال، وإذا أنكرنا عليه حاله في الوقت زال. ومع ذلك فكان عامياً خالياً من العلم، قد ملئ باطنه وظاهره من الحلم.

стр. 1776

ولم يزل على حاله إلى أن طفئت شعلته، وراح إلى الله تعالى ومعه نحلته. وتوفي رحمه الله تعالى في سلخ شعبان سنة سبع وأربعين وسبع مئة. وكان قد ابتلي بحمى الربع وطالت به مدة سنتين، ثم إنه راح إلى الربوة، وأكل سمكاً ولبناً، وربما أنه نزل في النهر، فمات رحمه الله تعالى. وكان أولاً بيده شهادة المواريث الحشرية، وله فيها أخبار. وكنت قد كتبت له توقيعاً بنقابة الأشراف بدمشق في شهر رجب الفرد سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وهو: الحمد لله الذي زان أشراف هذه الأمة بعليها، وجعله من الذرية المنسوبة إلى نبيها، ورفع شأنها إلى رتب تحف الملائكة بناديها والملوك بنديها، وقمع من شأنها برفع لوائها في آفاق الفخار إلى غاية لا يترجل علوي عن علويها، نحمده على نعمه التي لا تزال تجود وليها بجود وليها، ومننه التي طاب عرف رياها، وطار عرف ريها، وأياديه التي بلغت النفوس آمالها بماليها خيراً ومليها، وعوارفها التي نأت عن لحاق الشكر فيما نجد عبارة، وفيها حق وفيها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يلمع الإيمان من محيا ألمعيها، وتميس أعطاف قائلها تحت اللواء المعقود في حلالها وحليها، وترد نفس معتقديها الحوض المورود، فتبل غلتها بشهي كوثريها.

стр. 1777

ونشهد أن سيدنا محمداً عبده الذي ابتعثه من سادة لم يلو المجد عن لؤيها، ولا أقصى الله المحامد عن قصيها، ورسوله الذي انتخبه من أنجاب كم أنجاب الظلام بسنا السنان من سمهريها وخفية الذي انتفاه من أمجاد لم تستقم طرق النجابة حتى شقها سنبك أعوجيها. صلى الله عليه وآله وصحابته الذين هم خير جماعة، ركبت إلى الشرف مطامطيها، وأعز فئة لم تخط غرض الصواب سهام قسيها، وأفضل زمرة تفرق الأبطال إذا انحسر فوق كميها، وأشرف سادة عاد غنيها على فقيرها، وعاذ فقيرها بغنيها. صلاة ترفل الأقلام من الطروس في سندسيها، وتبسم شفاه الطروس اللعس عن جوهري كلمها ولؤلؤيها، وشرف ومجد وكرم. وبعد، فإن أولى النسب بأن ترعى له الأقلام حدوداً، وترفعه إلى غاية تعقد له على السماك ألوية تخفق عذباتها وبنوداً، وتودع في غاب متى دخله دعي داخله الخوف مما ملئ أساود وأسودا، وينتهي إلى محل إذا سرحت العيون في أفيائه لم تلق إلا نعمة وحسوداً. نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ونم فلق الصباح عمودا فهو بيت النبوة الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره، وأعلاه على كل ذي شرف باذخ، وأظهره، وفرعه من شجرة أصلها ثابت من أبي القاسم، كما حرره النقل

стр. 1778

والنقد، وحبره، وفرعها في السماء، تتشعب غصونه من التبول وحيدره، ولم تزل نقابة الطالبيين تساهمهم الخلافة العباسية في المناصب، وتزاحمهم في كواكب المواكب بالمناكب، وتشركهم في كل عقد وحل، وتجاذبهم سقيا رياضهم بكل وابل وطل، وقد قال الشريف الرضي للطائع، وما استحيا، مهلاً أمير المؤمنين فإننا لم نتفرق في درجة العليا. ولما خلت الآن هذه الوظيفة السنية، والرتبة العلية العلوية، من النقيب عماد الدين موسى بن جعفر، قدس الله روحه تطاول كل عرابة لتلقي راية مجدها بيمينه، ونظر بعين صلفه، وخطر بعطف شرفه، وشمم عرنينه، واحتاجت العصبة الطاهرة، والأنجم التي كل منها نير فكلها بحمد الله تعالى زاهرة إلى من يسد مسده، ويبلغ أشده الذي لا يبلغ الوصف حده أجمعوا رأيهم على من عقدوا عليه الخناصر، وحكموا بأن الأحق لما حواه من كرم الأصول، وطيب العناصر، واتفقت كلمتهم عليه بمجلس الحكم العزيز الشافعي زاده الله علواً، وأفاد أحكامه رفعة وسمعوا، وقال لسان حاله لما ولي: لا سيف إلا ذو الفقار ... ولا فتى إلا علي ولما كان الجناب العلالي الأميري العلائي أدام الله عزي شرفه، ونفع ببركة سلفه هو الذي أسر القلم ضميره، وحكم الفكر فيه بصفاء السريرة، وأشارت الصفات إليه،

стр. 1779

وكادت سماته الصادقة تدل الرائد عليه. فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري، ولا زال الشرف بأوامره المطاعة يزيد علاء، ويفوق على مدى الأيام سناً وسناء أن يغوص إليه نقابة الطالبيين بدمشق المحروسة على عادة من تقدمه بحكم رضى السادة الأشراف به، لما حازه من مفاخرة التي تبتلج بها الوجه الوضاء، ومآثره التي يترنم بها الركبان على ذات الأضاء، ومناقبة التي انساقت إليه من الحسين إلى زين العابدين إلى محمد الباقر إلى جعفر الصادق إلى موسى الكاظم إلى علي الرضى، إلى محمد الجواد، وهلم جرا، حتى انتهى صباح ذلك إليه فأسفر بمساعيه وأضا، ولأنه من بيت أحياه محييه، وزاده زيناً، وجعل رئاسته، أعزه الله تعالى، في ذمة الزمان إلى هذا الوقت ديناً، وسماه علياً تفاؤلاً بعلوه، ولذلك جعل أول اسمه عيناً، فليفخر بهذا النسب الذي أضحى على هامة الجوزاء مرخى الذوائب والبيت الذي علت شرفات شرفه، فكأنما تحاول ثأراً عند بعض الكواكب، والمكارم التي شرح الجود بها التباس المذاهب، وليجمع السادة الأشراف عليه بأحسانه، ويودع كبيرهم وصغيرهم من الحنو والرأفة سرادق أجفانه، وينشر عليهم ملاءة عارفته وعرفانه، ويعاملهم بالبر والتقوى حتى يروا طرف الزمان الذي عمه عمه، كيف من الله علي بإنسانه. وليحفظ عليهم أنسابهم المتصلة، ويضبط ما تفرع من أغصانه المتهدلة، حتى لا تشذ شذرة من مكانها، ولا تتركب حبة مع غير جمانها، ولينزهم عن مناكحة غيرهم من الأجانب، ومخالطة من لا يعادلهم في الدرج والمراتب، فقبيح بالجواهر أن ينخرط الجزع في أسلاكها، وغير لائق بالدراري أن لا تدور في غير أفلاكها، وليصنهم عن التبذل في اكتساب المعاش، والتظاهر بغير ما ألفوه من زينة اللباس والرياش.

стр. 1780

وليمنعهم من التحاكم إلا إليه، والوقوف في التنازع إلا بين يديه، ولا يدعهم يتبذلون فإنهم سادة من فاه أو تكلم، وأشرف من تكرم أو تحلم، وبقية قوم إذا غضبوا غضبة مضرية قطر السيف دماء وتثلم، وإذا أعاروا ذرى المنابر سيداً صلى عليهم وسلم، وليأمرهم بالاتضاع لمن دونهم في المحافل والمجامع، والانقياد في الخير، فإن الناس يدخلون معهم في النسب الواسع، وليستوق المباشرين في تحصيل ما لهم وصرفه، وإنفاقه في طبقاته حين جناه وقطفه، وليحذرهم كل الحذر من الخوض فيما شجر بين الصحابة، ومن القول إنه كان الخطأ مع هذا، ومع ذلك الإصابة، فإنه لم يخرج أحد منهم عن الكتاب والسنة، والقاتل والمقتول بين علي ومعاوية من أهل الجنة، وكل منهم اجتهد فيما ترك وأخذ، وأنعم النظر فيما تناول ونبذ، والمجتهد يخطئ تارة ويصيب، وله من الأجر على كل حال نصيب، ولكن كان الحق مع علي يدور كيف دار، ويسير مع مقاصد كيفما سار. وأما المقالات المبتدعة، والضلالات التي خاب من شام برقها وانتجعة، فليزجرهم عن الخوض في باطلها الذي لا يعلم، ويكن عليهم في مثل ذلك قاسياً، ومن كان حازماً فليقس أحياناً على من يرحم، فقد دون أهل الباطل مقالات ابتدعوها، وزخارف لا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم من تلك العقائد التي زرعوها.

стр. 1781

أما أمر الخلافة فإنه ثابت الأساس، واضح القياس، مأمون الالتباس، لقوله ﷺ فيما نهى وأمر: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "، وقد ماتا قبل علي، فلو تولى الخلافة قبلهما لما صح إخبار هذا الخبر، ولا كان له من المعجزات أثر، وقد بايع علي أبا بكر فيما بعد مجتهداً، ولو كانت خلافته غير صحيحة لما سوغ نكاح الحنفية حتى أولدها محمداً، والحجج في هذا الباب كثيرة، والأدلة فيها قاطعة عند أولي البصيرة، وأنت أيها السيد أعلى الله قدرك أدرى بهذه الأمور، لأنك جهينة أخبارها، وحقيبة أسرارها التي توجد عند أخيارها دون أشرارها، فبصرهم المحجة، ولقنهم الحجة، وأقل الأقسام الإمساك عما لا عاصروه، ولا عالجوا جرحه المؤلم، ولا شاهدوا فتنة التي كانت كقطع الليل المظلم. وأما العقائد فحذرهم من الخوض في أخطار لجتها، والركوب على ظهر محجتها، كالقول بأنه الكسف الساقط، أو أنه يأتي " في ظلل من الغمام " والرعد الضاغط، ولهذا يسلمون على ما يزمجر من السحاب، ويخالون أن الأبرق سوطه المتألق بالتهاب، أو أنه اشتبه بغيره اشتباه الغراب، واعترفوا بهذا الباطل ودانوا، وغلطوا جبريل في الوحي، فمالوا عن الهدى ومالوا أو أنه الضوء من الضوء، يعنون أنه لا فرق إلا أن أحدهما أسبق، فافترى القائل بهذا وحاد عن الحق ولم يلحق، أو أن العصمة للأئمة والمعصية جائزة على الأنبياء، فإن القائل بهذا من أكبر الضلال والأشقياء، أو أن الإمام الظاهر حجته مسورة. والمستور حجته ظاهرة، فإن ذلك

стр. 1782

جهل وضعف في الأذهان الفاترة، أو أن الدين معرفة الإمام، فإن هذا وأمثاله تحكم منهم وإسلام، إلى غير ذلك من المقالات التي خبطوا خبط العشواء فيها، واستعملوا في القول بها من كان غمراً أو سفيهاً، فما الدين القيم إلا ما كان النبي ﷺ عليه، وأشار الخلفاء الراشدون إليه، ولزم السلف الصالح منهاجه، وقوى الكتاب والسنة والإجماع احتجاجه، فاجهد على أن يركبوا الصراط المستقيم من ذلك، واحرص على أن يسلكوا إلى الحق أوضح المسالك، وتقوى الله تعالى ملاك الوصايا، وأنت إن شاء الله تعالى لا تزال خير خدنها، وساكن عدنها، وساحب ردنها، وصاحب مدنها، فاجعلها نصب عينك، وهذا فراق بين الوصايا وبينك، والله تعالى يعين ولايتك، ويوضح لأهل الحق بالسنة عنايتك، والخط الكريم أعلاه حجة في العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى. علي بن داود ابن يحيى بن كامل بن يحيى بن جبارة بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن موسى بن جبارة بن محمد بن زكري بن كليب بن جميل بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، الشيخ الإمام العلامة الفريد الكامل الفقيه الأصولي النحوي الأديب نجم الدين أبو الحسن ابن القاضي عماد الدين القرشي الأسدي الزبيري القحفازي، بالقاف والحاء المهملة، وفاء بعدها ألف وراء. قرأ القرآن الكريم على الشيخ علاء الدين بن المطرز، وكان قد أخذ القراءات

стр. 1783

السبع عن عماد الدين بن أبي زهران الموصلي، قرأ عليه رواية أبي عمرو من طريقي الدوري والسوسي إفراداً وجمعاً. وأخذ الفقه عن قاضي القضاة صدر الدين علي مع الفرائض قبل أن يباشر الحكم، وأصول الفقه على قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة لعنايته بمختصر ابن الحاجب، وعن الشيخ جلال الدين الخبازي الحنفي. وقرأ في أصول الدين عقيدة الطحاوي حفظاً، واعتنى بحلها وبمطالعة كتب الأصول لأصحاب أبي حنيفة ﵁، وغيرهم، وعلم العربية من الشيخ شرف الدين الفزاري، ثم عن الشيخ مجد الدين التونسي. وعلم البلاغة عن الشيخ بدر الدين بن النحوية الحموي حين جاء إلى دمشق سنة تسع وتسعين وست مئة مع الجفال، ونزل بالبادرائية، قرأ عليه كتابه ضوء المصباح، وشرحه إسفار الصباح. والمنطق والجدل عن الشيخ سراج الدين الرومي مدرس الفرخشاهية والسفينية بالجامع الأموي. وعلم المواقيت عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة في مقدمته التي صنفها

стр. 1784

ثم عن الشيخ بدر الدين بن دانيال بمدينة الكرك حين جفل الأعيان إليها سنة سبع مئة في مقدمته التي صنفها في علم الإسطرلاب وهي مطولة مفيدة. وعلم العروض فمن الكتب الموضوعة في ذلك. وحل المترجم، وجد في الكتب الموضوعة وقد تكلم فيه كلاماً غير شاف، فأخذه بالقوة حتى كتب له فيه: إن زرزوراً ووزه ... زودا داود زادا فحله. وسمع الحديث من الشيخ برهان الدين بن الدرجي فيما حول سنة ثمانين وست مئة. سمع عليه أجزاء كثيرة، وسمع موطأ مالك من قاضي القضاة جمال الدين المالكي، ومن الشيخ نجم الدين الشقراوي الحنبلي، وسمع مختصر الرعاية للمحاسبي على قاضي القضاة شرف الدين البارزي لما قدم إلى دمشق حاجاً، ومن غيرهم. وكان الشيخ نجم الدين مجموعاً للفضائل، ممنوعاً من الرذائل، مطبوعاً على التنديب والتندير الذي يدل على لطف الشمائل، كثير الحكايات المختصرة في دروسه، والنوادر المضحكات في غصون فوائده وغروسه، لا يخل بذلك، ولا يوجد في وقت إلا وهو عليه متهالك، يضحك الثكالى، وينشط الكسالى، مع الأصول التي أحكم

стр. 1785

قواعدها، وكثر بروقها ورواعدها، والفقه الذي تهدلت فروعه، وتملأت منه أفاويقه وضروعه، والنحو الذي برز على أقرانه في إقرائه، وظهر مذهبه الصحيح من إفرائه، قرأ عليه فيه من الأعيان جماعة، واشتهر ذلك عنه في عصره، فما ينكر أحد سماعه، لو عاصره صاحب المفصل كان عليه مفصلاً، أو صاحب التكملة كان ناقصاً، وهذا مكملاً. وكتب المنسوب القوي، وحرر أصله السوي، وكان خطه آنق من حواشي الأصداغ، وأظرف من الحلل التي رقمت في أوان الصحة والفراغ. وله النظم الذي هو وسط، لا هو الذي ارتفع، ولا هو الذي سقط. كان من محاسن دمشق التي يفخر بها لزمان، وغرائبها التي قلدت جيد الدهر قلائد الجمان، وقل أن اتفق مجموعه في عصر لغيره من أهل مذهبه، أو قارب مداه من يجاري إلى غاية مطلبه. وخطب بالجامع التنكزي قبل بالدموع الأردان، وعلا المنبر فما ذكر معه سجع الحمائم على البان. ولم يزل على حاله إلى أن أصاب الموت قحف القحفازي، واختطف روحه من المنية بازي. وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وأربعين وسبع مئة. ونقلت مولده من خطه ثالث عشر جمادى الأولى سنة ثمان وستين وست مئة.

стр. 1786

حكى لي نور الدين علي بن إسماعيل الصفدي، وقد تقدم ذكره، قال: أنشد الشيخ نجم الدين يوماً لغزاً للجماعة وهم بين يديه في الحلقة يشتغلون عليه: يا أيها الحبر الذي ... علم العروض به امتزج أبن لنا دائرة ... فيها بسيط وهزج فقال واحد منهم: هذه الساقية، فقال له الشيخ: دورت فيها زماناً حتى ظهرت لك، يريد أنه ثور يدور في الساقية. وجئت أنا إليه في سنة سبع عشرة وسبع مئة، وسألته في أن أقرأ عليه المقامات الحريرية، فقال: أنا والله قليل الأدب. وسمعته يوماً يقول لمنصور الكتبي ﵀: يا منصور! هذا أوان الحجاج، اشتر لك منهم مئتي جراب، وارمها خلف ظهرك إلى وقت موسمها تكسب فيها جملة، فقال له: والله الذي يشتغل عليك في العلم يحفظ منك حرفاً قدره عشر مرات. وقيل لي: إنه لما عمر الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى الجامع الذي له بظاهر دمشق كان قد عينوا له شخصاً من الحنفية يلقب الكشك ليكون خطيباً، فلما كان يوماً وهو يمشي في الجامع المذكور، أجري له ذكر الشيخ نجم الدين ومجموع فضله وأنه في الحنفية مثل الشيخ كمال الدين الزملكاني في الشافعية، فأحضره، واجتمع به، وتحدثا، ثم قال له وهم في الجامع يمشون: أيش تقول في هذا الجامع؟ فقال: مليح، وصحن مليح، لكن ما يليق أن يكون فيه كشك، فأعجب

стр. 1787

ذلك الأمير سيف الدين تنكز، وأمر له بخطابة الجامع، وسمعت خطبته في أول يوم خطب به، وذلك في يوم الجمعة عاشر شعبان سنة ثماني عشرة وسبع مئة، ثم إنه رسم له بعد مدة بتدريس الركنية، فوليها سابع عشري المحرم سنة تسع عشرة وسبع مئة. فباشرها مدة، ثم نزل عنها، وقال: لها شرط لا أقوم به، ومعلومها في الشهر جملة كثيرة، تركه تورعاً. وكان إذا قال هذه التناديب يقولها سريعة رشقة من غير فكر ولا روية، ويقولها وهو يضحك وينبسط. وكان يعرف الإسطرلاب، ويحل التقويم، ويشتغل في مختصر ابن الحاجب والحاجبية والألفية لابن مالك، والمقرب لابن عصفور، وفي ضوء المصباح وغيره في المعاني والبيان. وكان قد تولى تدريس الركنية بجبل قاسيون عوضاً عن الشيخ محيي الدين أحمد بن عقبة الحنفي لما مات في المحرم سنة تسع عشرة وسبع مئة. وتولى الظاهرية عوضاً عن شمس الدين بن العز في أول صفر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. وكنت قد كتبت أليه لما وضعت تاريخي الكبير أطلب منه ما أستعين به على ترجمته على العادة في مثل ذلك، ومنه:

стр. 1788

يا مفيد الورى معاني المعالي ... وإمام الأنام في كل علم إن لي معجماً كأفق فسيح ... اشتهى أن يزان منك بنجم فتأخر جوابه عني، فكتبت إليه أيضاً: ظفرت بوعد منك بلغني المنى ... وجودك نجم الدين ليس يحول وقد طال ليلي لانتظار وروده ... وليل الذي يرعى النجوم طوي وكتبت معه السؤال الذي تقدم ذكره في ترجمة الشيخ زين الدين بن شيخ العوينة آنفاً وأوله: ألا إنما القرآن أكبر معجز ... لأفضل من يهدي به الثقلان فكتب هو إلي بخطه: يا سائلي عن نسبي ... ومولدي وأدبي وما قرأ في العلو ... م من شريف الكتب ومن أخذت ذاك عنه من شيوخ مذهبي وغيرهم ممن حوى ... سر كلام العرب وما الذي سمعته ... عن النبي العرب وما الذي سمعته ... عن النبي العربي صلى عليه الله ما احلو ... لك جنح غيهب وذكر شيء صغته ... من شعري المنتخب

стр. 1789

وما الذي صنفته ... من كتب وخطب لولا وجوب حرمة القصد ورعي الرتب ما قلت ذاك خشية ... من حاسد مؤنب يقول إني قلته مفتخراً بحسبي لكنما البخل بما ... سئلت لا يحسن بي والمقتضى مني له ... لا يأتلي في الطلب وهو خليل في الرخا ... وعدة في الكرب وهمة في جمع شم؟ ... ل الفضل لا في النشب وما صلاح الدين إلا ... في اقتناء القرب هو الذي أوجب لي ... يا صاح كشف الحجب عن محتدي ومولدي ... وفضلي المحتجب فقلت غير آمن ... من عائب مندب مختصراً مقتصداً ... معتذراً من رهبي ما ستراه واضحاً ... مرتسماً عن كثب ما زلت للفضل حمى ... ولبنيه كالأب تجمع شمل ذكرهم ... مخلداً في الكتب وذكر نثراً ما ذكرته في صدر ترجمته هذه، ثم إنه قال: وأما الرواية فإني لم أسمح لأحد بأن يروي عني مسموعاتي لصعوبة ما شرطه أصحابنا في الضبط بالحفظ من حين سمع إلى حين روى، وأن الكتب التي سمعتها لم تكن محفوظة عندي، فضلاً عن حفظ ما سمعته. وأما ما صنفه من الكتب فإني رغبت عن ذلك لمؤاخذتي للمصنفين،

стр. 1790

فكرهت أن أجعل نفسي غرضاً لمن يأخذ علي، غير أني جمعت منسكاً للحج أفردت فيه أنواع الجنايات، ومع كل نوع ما يجب من الجزاء على من وقع فيه؛ ليكون أسهل في الكشف ومعرفته، وكان ذلك بسؤال امرأة صالحة لا أعلم في زماننا أعبد منها، وانتفع بحسن القصد فيه وبركتها خلق كثير. وأما ما سمحت به القريحة الجامدة والفكرة الخامدة، فمن ذلك ما كتبت به إلى عماد الدين بن مزهر، وقد كان يجتمع معنا في ليالي الشتاء عند بعض الأصحاب، فلما مات عمه تزوج جاريته، وانقطع عنا، فقلت: إن يكن خصك الزمان بخود ... ذات قد لدن وخد أسيل فلقد فزت بالسعادة والرحب وفارقتنا بوجه جميل قلت: هو مأخوذ من قول ابن الخيمي: لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل وقال: وقلت متذكراً لزيارة الكعبة وزيارة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام: يا ربة الستر هل لي نحو مغناك ... من عودة أجتلي فيها محياك أم هل سبيل إلى لقياك ثانية ... لمغرم ما مناه غير لقياك
следующие страницы →