← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

حكى لي نور الدين علي بن إسماعيل الصفدي، وقد تقدم ذكره، قال: أنشد الشيخ نجم الدين يوماً لغزاً للجماعة وهم بين يديه في الحلقة يشتغلون عليه: يا أيها الحبر الذي ... علم العروض به امتزج أبن لنا دائرة ... فيها بسيط وهزج فقال واحد منهم: هذه الساقية، فقال له الشيخ: دورت فيها زماناً حتى ظهرت لك، يريد أنه ثور يدور في الساقية. وجئت أنا إليه في سنة سبع عشرة وسبع مئة، وسألته في أن أقرأ عليه المقامات الحريرية، فقال: أنا والله قليل الأدب. وسمعته يوماً يقول لمنصور الكتبي ﵀: يا منصور! هذا أوان الحجاج، اشتر لك منهم مئتي جراب، وارمها خلف ظهرك إلى وقت موسمها تكسب فيها جملة، فقال له: والله الذي يشتغل عليك في العلم يحفظ منك حرفاً قدره عشر مرات. وقيل لي: إنه لما عمر الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى الجامع الذي له بظاهر دمشق كان قد عينوا له شخصاً من الحنفية يلقب الكشك ليكون خطيباً، فلما كان يوماً وهو يمشي في الجامع المذكور، أجري له ذكر الشيخ نجم الدين ومجموع فضله وأنه في الحنفية مثل الشيخ كمال الدين الزملكاني في الشافعية، فأحضره، واجتمع به، وتحدثا، ثم قال له وهم في الجامع يمشون: أيش تقول في هذا الجامع؟ فقال: مليح، وصحن مليح، لكن ما يليق أن يكون فيه كشك، فأعجب

стр. 1787

ذلك الأمير سيف الدين تنكز، وأمر له بخطابة الجامع، وسمعت خطبته في أول يوم خطب به، وذلك في يوم الجمعة عاشر شعبان سنة ثماني عشرة وسبع مئة، ثم إنه رسم له بعد مدة بتدريس الركنية، فوليها سابع عشري المحرم سنة تسع عشرة وسبع مئة. فباشرها مدة، ثم نزل عنها، وقال: لها شرط لا أقوم به، ومعلومها في الشهر جملة كثيرة، تركه تورعاً. وكان إذا قال هذه التناديب يقولها سريعة رشقة من غير فكر ولا روية، ويقولها وهو يضحك وينبسط. وكان يعرف الإسطرلاب، ويحل التقويم، ويشتغل في مختصر ابن الحاجب والحاجبية والألفية لابن مالك، والمقرب لابن عصفور، وفي ضوء المصباح وغيره في المعاني والبيان. وكان قد تولى تدريس الركنية بجبل قاسيون عوضاً عن الشيخ محيي الدين أحمد بن عقبة الحنفي لما مات في المحرم سنة تسع عشرة وسبع مئة. وتولى الظاهرية عوضاً عن شمس الدين بن العز في أول صفر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. وكنت قد كتبت أليه لما وضعت تاريخي الكبير أطلب منه ما أستعين به على ترجمته على العادة في مثل ذلك، ومنه:

стр. 1788

يا مفيد الورى معاني المعالي ... وإمام الأنام في كل علم إن لي معجماً كأفق فسيح ... اشتهى أن يزان منك بنجم فتأخر جوابه عني، فكتبت إليه أيضاً: ظفرت بوعد منك بلغني المنى ... وجودك نجم الدين ليس يحول وقد طال ليلي لانتظار وروده ... وليل الذي يرعى النجوم طوي وكتبت معه السؤال الذي تقدم ذكره في ترجمة الشيخ زين الدين بن شيخ العوينة آنفاً وأوله: ألا إنما القرآن أكبر معجز ... لأفضل من يهدي به الثقلان فكتب هو إلي بخطه: يا سائلي عن نسبي ... ومولدي وأدبي وما قرأ في العلو ... م من شريف الكتب ومن أخذت ذاك عنه من شيوخ مذهبي وغيرهم ممن حوى ... سر كلام العرب وما الذي سمعته ... عن النبي العرب وما الذي سمعته ... عن النبي العربي صلى عليه الله ما احلو ... لك جنح غيهب وذكر شيء صغته ... من شعري المنتخب

стр. 1789

وما الذي صنفته ... من كتب وخطب لولا وجوب حرمة القصد ورعي الرتب ما قلت ذاك خشية ... من حاسد مؤنب يقول إني قلته مفتخراً بحسبي لكنما البخل بما ... سئلت لا يحسن بي والمقتضى مني له ... لا يأتلي في الطلب وهو خليل في الرخا ... وعدة في الكرب وهمة في جمع شم؟ ... ل الفضل لا في النشب وما صلاح الدين إلا ... في اقتناء القرب هو الذي أوجب لي ... يا صاح كشف الحجب عن محتدي ومولدي ... وفضلي المحتجب فقلت غير آمن ... من عائب مندب مختصراً مقتصداً ... معتذراً من رهبي ما ستراه واضحاً ... مرتسماً عن كثب ما زلت للفضل حمى ... ولبنيه كالأب تجمع شمل ذكرهم ... مخلداً في الكتب وذكر نثراً ما ذكرته في صدر ترجمته هذه، ثم إنه قال: وأما الرواية فإني لم أسمح لأحد بأن يروي عني مسموعاتي لصعوبة ما شرطه أصحابنا في الضبط بالحفظ من حين سمع إلى حين روى، وأن الكتب التي سمعتها لم تكن محفوظة عندي، فضلاً عن حفظ ما سمعته. وأما ما صنفه من الكتب فإني رغبت عن ذلك لمؤاخذتي للمصنفين،

стр. 1790

فكرهت أن أجعل نفسي غرضاً لمن يأخذ علي، غير أني جمعت منسكاً للحج أفردت فيه أنواع الجنايات، ومع كل نوع ما يجب من الجزاء على من وقع فيه؛ ليكون أسهل في الكشف ومعرفته، وكان ذلك بسؤال امرأة صالحة لا أعلم في زماننا أعبد منها، وانتفع بحسن القصد فيه وبركتها خلق كثير. وأما ما سمحت به القريحة الجامدة والفكرة الخامدة، فمن ذلك ما كتبت به إلى عماد الدين بن مزهر، وقد كان يجتمع معنا في ليالي الشتاء عند بعض الأصحاب، فلما مات عمه تزوج جاريته، وانقطع عنا، فقلت: إن يكن خصك الزمان بخود ... ذات قد لدن وخد أسيل فلقد فزت بالسعادة والرحب وفارقتنا بوجه جميل قلت: هو مأخوذ من قول ابن الخيمي: لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل وقال: وقلت متذكراً لزيارة الكعبة وزيارة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام: يا ربة الستر هل لي نحو مغناك ... من عودة أجتلي فيها محياك أم هل سبيل إلى لقياك ثانية ... لمغرم ما مناه غير لقياك

стр. 1791

له نوازع شوق بات يضرمها ... بين الجوانح والأحشاء ذكراك لم ينس طيب لياليك التي سلفت ... وكيف ينساك صب بات يهواك يا ربة الخال كم قد طل فيك دم ... فما أجل بعرض البيد قتلاك أسرت بالحسن ألباب الأنام فما ... أعز في ذل ذاك الأسر أسراك ماذا عساها ترى تنأى الديار بنا ... لو كنت في مسقط الشعرى لجيناك ولو تحجبت بالسمر الذوابل عن ... زوار ربعك يا سمرا لزرناك ذلت لعزك أعناق الملوك أعلاك يا منتهى سؤلي وأغلاك تهتكت فيك أستار الهوى ولهاً ... لما بدا من خلال الستر معناك يا هل ترى يسمح الدهر المشت بما ... أرجوه من قرب مغناك لمضناك وأجتلي من محياك الجميل ضحى ... ما بات يحكيه لي من حسنك الحاكي من بعد خط رحالي في حمى أرج الأرجاء بالمصطفى الهادي الرضى الزاكي خير الخلائق طراً عند خالقه ... وخاتم الرسل ما حي كل إشراك سباق غايات أقصى الفضل والشرف الأعلى وراقي العلى من غير إدراك مهدي المعارف مبدي كل غامضة ... مسدي العوارف مردي كل فتاك محمد ذي المقال الصادق الحسن المصدوق في القول مقتصي كل أفاك يا نفس إن بلغتك العيس حجرته ... وصافحت يمن ذاك الربع يمناك ونلت مأمؤلك الأقصى بلثم ثرى ... أعتابه وبلغت القصد من ذاك وقمت بين يديه للسلام على ... أقدام ذلك تذري الدمع عيناك وقد مددت يد الإملاق طالبة ... سؤاله لك عفواً عند مولاك فقد بلغت المنى والسول فاجتهدي ... هناك واستنجدي لي طرفك الباكي

стр. 1792

عساك أن ترزقي عطفاً عليك فإن رزقت ذاك فيا والله بشراك وليهنك السعد إذ حطت رحالك في ... ربع به لم تزل تحدى مطاياك فثم أندى الورى كفاً وأعظمهم ... جاهاً وأرحبهم صدراً لملقاك وخيرهم لنزيل في حماه وأو ... فاهم ذماماَ وأملاهم بجدواك آخر قلباه من شوق لرؤيته ... فقد تقادم عهد الشيق الشاكي بالله يا نفس كوني لي مساعدة ... حاشاك أن تخذليني اليوم حاشاك وجددي العزم في ذا العام واجتهدي ... عسى بذلك تخبو نار أحشاك فإن حرمت لقاه تلك معذرة ... وإن ظفرت به يا حسن مسعاك صلى عليه إله العرش ما قطعت ... كواكب الأفق ليلاً برج أفلاك قال: وقلت عند قدوم الحج في بعض السنين أبياتاً أنشدت بدار الحديث الأشرفية: يا نياق الحجيج لا ذقت سهداً ... بعدها ولا ولا تجشمت وخدا لا فدينا سواك بالروح منا ... أنت أولى من بات بالروح يفدى يا بنات الذميل كيف تركتن ... شعاب الغضا وسلعاً ونجدا مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بوجوه زارت معالم سعدى قال: ولم يحضرني باقيها. ولما ظفر قازان في سنة تسع وتسعين، ثم جاء في سنة اثنتين وسبع مئة، فكسر، وقيل لي: إن قازان عندهم اسم للقدر، قلت:

стр. 1793

لما غدا قازان فخاراً بما ... قد نال بالأمس وأغراه البطر جاء يرجي مثلها ثانية ... فانقلب الدست عليه فانكسر قلت أنا: هذان البيتان في غاية الحسن في بادي الرأي، ولكن إذا حكهما النظر ونقدهما تبهرجا وتزيفا وذلك لأن القدر في اللغة التركية قرن، هكذا بلا ألف، وأولها قاف، وقازان إنما هو: غازان، بالغين المعجمة، وإنما قال ذلك المتهكم به، كما قالوا في بولاي: بوليه، وفي خداي بندا خربندا، وفي قوله: فانقلب الدست عليه، فانكسر فيه أيضا، نظر، لأن المعنى الذي ورى به لا يصح له وبأدنى تأمل يظهر هذا للبيب، ولولا أن هذا شعر مثل هذا شيخ الأدب وفقيه وما وأخذته، فإنه قد مر ويمر في هذا التاريخ أشياء من هذا النوع فما أعرج على المؤاخذة. قال الشيخ نجم الدين: ولما ذهب بدر الدين بن بصخان مع الجفال إلى مصر وأقام هناك كتبت إليه: يا غائباً قد كنت أحسب قلبه ... بسوى دمشق وأهلها لا يعلق إن كان صدك نيل مصر عنهم ... لا غرو فهو لنا العدو الأزرق قلت: وقد ذكرت في ألحان السواجع ما جاء في هذه المادة. قال الشيخ: ومن الخطب فاتحة خطبة رأس السنة: " الحمد لله الذي لا تدرك كنه عظمته ثواقب الأفهام، ولا تحيط بمعارف عوارفه

стр. 1794

خطرات الأوهام، ولا تبلغ مدى شكر نعمه محامد الأنام، الذي طرز بعسجد الشمس حواشي الأيام، ورصع بجواهر النجوم حلة الظلام، وفصل بلجين الأهلة عقود الشهور والأعوام. أحمده على نعمه الجلائل العظام، ومنه الشوامل الجسام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا نقص لها تمام، ولا يخفر لها ذمام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله وسوق الباطل قد هام، وطرف الرشد قد نام، وأفق الحق قد غام، فجرد سيف العزم وشام، وعنف على الغي ولام، واقتاد الخليفة إلى السعادة بكل زمام، صلى الله عليه وآله الخيرة الكرام، صلاة لا انفصال لمتتابعها ولا انفصام. قال: وأما الجواب عن إعادة لفظ الأهل في قوله تعالى: " حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها "، ولم يقل: استطعماهم، والمحل إضمار، وفيه الإيجاز، فقد علم أن البلاغة لا تختص بالإيجاز، وإنما هو نوع من أنواع، وأن مدار حسن الكلام وارتفاع شأنه في القبول بإيراده مطابقاً لمقتضى الحال، فإن كان مقتضى الحال خليقاً ببسط الكلام تعلقت البلاغة ببسطه، وإن كان حقيقاً بالإيجاز كانت البلاغة في إيراده كذلك، ثم قد يعرض للبليغ أمور يحسن معها إيراد الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فيتنزل غير السائل منزلة من يسأل إذا كان قد لوح له بما

стр. 1795

يقتضى السؤال، ويتنزل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهرت عليه مخايل الإنكار، ويوقع المضمر في موضع الظاهر، والظاهر في موضع المضمر إلى غير ذلك من الأمور المذكورة في علم البلاغة، والذي حسن إيقاع الظاهر موقع المضمر في الآية الكريمة أن الظاهر أدل على المعنى الذي وضع له اللفظ من المضمر؛ لأنه يدل عليه بنفسه، والمضمر يدل عليه بواسطة ما يفسره، وقصد المتكلم هنا الإخبار عن الذين طلب منهم الإطعام أنهم أهل القرية؛ لأن من غشيه الضعف في منزله ولم يعتذر بعذر عن إكرامه؛ بل قابله بالمنع مع ظهور حاجته التي أوجبت له أن يسأل منه ذلك؛ لأن المسألة آخر أسباب الكسب يعلم بذلك أن الحامل له على الامتناع من إضافته لؤم الطباع واتباع مذموم البخل ولشح المطاع، كما قال الشاعر: حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع حتى روي عن النبي ﷺ أنه قال: " كانوا أهل قرية لئاماً "، ومن كانت هذه سجيته كان حرياً بالإعراض عنه، وعدم مقابلته بالإحسان إيه، فلما رأى موسى صلوات الله عليه إصلاح الخضر ﵇ لجدار مشرف على السقوط في القرية التي هؤلاء أهلها من غير طلب أجر ذلك منهم مع الحاجة إلى ذلك عجب من ذلك وأنكره حتى كأن نسي ما قدمه من وعده إياه بالصبر وبعدم المصاحبة إن سأله عن شيء بعد ذلك، مع حرصه على صحبته والتعلم منه فكان في إعادة لفظ الأهل في الآية الكريمة إقامة لعذر موسى في الاعتراض في هذه الحالة؛ لأنه حالة لا يصبر عن

стр. 1796

الاعتراض فيها لأن حالهم يقتضى بذل الأجر في إصلاح أمر ديناوي لحرصهم وشحهم فترك طلب الأجرة على إصلاح ذلك مع الضرورة والحاجة وقع إحساناً إلى أهلها الذين قابلوهما بالمنع عن الضيافة، فكانت البلاعة متعلقة بلفظ الأهل التي هي الحاملة على الاعتراض ظاهراً فأطلعه الخضر ﵇ بأن الجدار إنما كان ليتيمين من أهلها، واليتيم محل المرحمة، وليس محلاً لأن يطلب منه أجرة، وإما لعجزه، أو لفقره وهو الظاهر، أو لأنه لا يجوز تصرفه في ماله، ولهذا قال: " رحمة من ربك "، ولم يكن لأهلها الذين أبوا أن يضيفوهما، والله أعلم، انتهى ما نقلته من خط الشيخ رحمه الله تعالى. قلت: جواب الشيخ رحمه الله تعالى في غاية الحسن، وهو كلام عارف بهذا الفن، جار على القواعد، والذي قاله الشيخ جمال الدين بن الحاجب رحمه الله تعالى في الجواب عن ذلك ملخصه: أنه إنما أعاد الأهل بلفظ الظاهر، لأمرين. أحدهما: أن استطعتم صفة لقرية، فلو قال: أستطعماهما لكان مجازاً، إذ القرية لا تستطعم، فلا بد من ذكر المضاف مضمراً، فتعين ذكره مظهراً، ولا يرد عليه أن استطعما جواب ل؟ إذا، لا صفة لقرية، لأنا نقول: لقوله في القصة الأخرى: " حتى إذا لقيا غلاماً فقتله "، فقال: ههنا جواب إذا متعين ولا يستقيم أن يكون فقتله جوابه إذ الماضي الواقع في جواب، إذا لا يكون

стр. 1797

بالفاء، فتعين فيه. قال: والظاهر أن الجواب في القصة الأخرى هكذا لأنها في مساق واحد. الثاني: أن الأهل لو أضمر لكان مدلوله مدلول الأول، ومعلوم أنه جمع الأهل، ألا ترى أن إذا قلت: أتيت أهل قرية كذا، إنما تعني: وصلت إليهم، فلا خصوصية لبعضهم، والاستطعام في العادة إنما يكون لمن يلي النازل بهم وهم بعضهم، فوجب أن تقول: استطعما أهلها لئلا يفهم أنهم استطعموا جميع الأهل، وليس كذلك. وقد أجابني عن هذا السؤال شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى بجواب طويل، نظم ونثر، وقد كتبته بخطي، وقرأته عليه، وهو مثبت في التذكرة التي لي. وقد تقدم جواب الشيخ زين الدين علي بن الحسين بن شيخ العوانية في ترجمته أيضاً. ومن شعر الشيخ نجم الدين رحمه الله تعالى، قوله في مليحة اسمها: قلوب: عاتبني في حبكم عاذل ... يزعم نصحي وهو فيه كذوب وقال: ما في قلبك اذكره لي ... فقلت في قلبي المغنى قلوب ومنه في مليح نحوي: أضمرت في القلب هوى شادن ... مشتغل في النحو لا ينصف وصفت ما أضمرت يوماً له ... فقال لي: المضمر لا يوصف

стр. 1798

وأنشدني من لفظه لنفسه ما كتبه من أبيات إلى الشيخ تاج الدين عبد الباقي اليمني. بأبي بكر خصصت بها ... من أخي الأفضال والمنن أقبلت تختال في حلل ... وشيها من صنعة اليمن فرعها يملي خلاخلها ... ما يقول القرط في الأذن قلت: هو مأخوذ من قول الصاحب جمال الدين عيسى بن مطروح: إذا ما اشتهى الخلخال أخبار قرطها ... فيا طيب ما تملي عليه الظفائر ولكن قول الشيخ نجم الدين أخصر بكثير، فهو أحق به. ؟ علي بن رزق الله بن منصور الشيخ نور الدين المقدسي. سمع من ابن عبد الدائم، وأبي حامد محمد بن الصابوني. أجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة. علي بن سالم بن عبد الناصر القاضي الرئيس الفاضل المنشئ علاء الدين أبو الحسن الكناني الغزي الشافعي، أحد الأخوة. كان حسن الشكل والسمت، بهي المنظر؛ إلا أنه لا يملك الصمت، لا يكاد يسكت إذا تكلم، ولا يخشى على حسام لفظه أن يتثلم. تام القامة، ملحي الوجه

стр. 1799

والعمامة، وخطه جيد ما به بأس، وفضله ظاهر ما به إلباس، له قدرة على مداخلة الأكابر، والخوض معهم في اللجج والمعابر، يتحدث بالتركي، ويرمي في الإماج والألكي؛ إلا أن الموت هصر غصنه اليانع، وأجرى عليه المدامع. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع وأربعين وسبع مئة فيما أظن. باشر التوقيع بغزة بعد ابن منصور لما توجه إلى طرابلس فيما أظن، وتغير عليه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى وعزله، وأحضره إلى دمشق، واعتقله. ولما كان في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا رسم له بالمدرسة الجراحية والمواعيد بالصخرة في القدس الشريف. وكتب إلي أيام غضب تنكز علي شعراً كثيراً، من ذلك: غدا حالي بحمد الله حالي ... وبالي قد تخلص من وبالي وراح الخير منحل العزالي ... علي وقبل ذا كان الغزالي وحزت العز مذ يممت حبراً ... كبحر لا يكدر بالقلال فحياني وأحياني وأبدى ... مكارم لم يشنها بالقلا لي وأرشفني على ظمأ زلالاً ... فكان ألذ من بنت الدوالي وشنف مسمعي ببديع لفظ ... فقلت أتيت بالسحر الحلال فزدني من قريضك يا خليلي ... فإن بليغ لفظك قد خلا لي أبث لديك خطباً قد دهاني ... نوائب أذهبت جاهي مالي وقد فني اصطباري واحتمالي ... وقد خان المناصح والموالي

стр. 1800

فعجل يا أخا العلياء جبري ... وعاملني معاملة الموالي فقد ذقت المنايا لا المنى يا ... إماماً قد تفرد بالمعالي فقد قدتني الأحزان قداً ... بوخز البيض والسمر العوالي وأنبني ونيبني زماني ... وصيرني على جمر المقالي وأنت أبا الصفاء تقيم عذري ... وتغضي عن عيوب في مقالي أيا من علمه عم البرايا ... وحشى حلمه في كل حال فبلغني ولا ترجي رجائي ... فسيف الغم يا بن العم خالي رجوتك في قديم ثم لما ... علوت مكانة زاد الرجا لي فلا حظني بعين الجبر واعطف ... حماك الله من غلب الرجال قلت: خانته العوالي والمعالي ومالي، ما أتى لها بأخت، وكان يمكنه ذلك، وتكررت معه: لفظة: لي، بلام الجر، وياء المتكلم، وهو إيطاء، وبعضهم تسمح فيه. وكتب على كتابي جنان الجناس: نزهت في روض الجنان الناضر ... طرفاً يفديه بنور الناظر خطرت به والحسن فيه شاهد ... أبكار أفكار بدت للخاطر أكرم بجنات الجناس وزهرها ... مع زهرها الزاهي البهي الباهر نمت بها لما نمت ريح الصبا ... فغدت تضوع بالعبير العاطر يحيا الصريع بها إذا ما جعفر ... منها أتت غدرانه بغدائر

стр. 1801

ويصير في روض المحاسن خالداً ... يأتي يفضل ربيعها للزائر فأعجب لروض زخرفته يراعه ... في نقش قرطاس بنقس محابر أضحى به در البلاغة زاهياً ... فالناس فيه ناظم مع ناثر قد فاق منشئه به من قبله ... فاعجب لسباق أتى في الآخر ما قدر سحبان وقدر قدامة ... إن خاض في بحر الخليل الزاخر فلقد أتيت أبا الصفا بفضائل ... كملت به من كل واف وافر قلدت أجياد الزمان قلائداً ... نظمتها من كل زاه زاهر وسكنت معنى العز يا ابن الغر إذ ... أبرزت معنى ذا بهاء باهر فلك الفضاحة والسماحة والكيا ... سة والرياسة من أقل مفاخر قصرت في مدحيك فاعذر إنني ... فني فروع الفقه لست بشاعر أصبحت من جور الزمان نعامتي ... فتخاء تجفل من صغير الصافر ونظمت هذا الهموم ضجيعتي ... بل كان قلبي في جناحي طائر فاغضض عن العي الذي في منطقي ... واحرص بجهدك أن تقيم معاذري واسلم ودم لعرائس أبرزتها ... وجليتها من بكر فكر ظاهر فكتبت أنا الجواب أشكره على ذلك: أسماء نظم قد زهت بزواهر ... وحديقة قد أحدقت بزواهر

стр. 1802

أم غادة أهديتها في جيبها ... من شعرك الفتان عقد جواهر بكرت إلي فباكرتني نشوة ... ما كان يخطر مثلها في خاطري في باطني منها باقي سكرة ... يبدو علي بها الهنا في ظاهري مهلاً علاء الدين قد حملتني ... منناً تفوق على الغمام الماطر وجبرت تضيفي الكسير فقد غدا ... يروي الإجازة في الورى عن جابر ما هذه أولى يد أوليتني ... لك يا بن سالم ابن عبد الناصر زهر ودر ذاك من روض زها ... نبتاً وهذا من خضم زاخر إن كان شعر كنت أفقه عالم ... أو كان فقه كنت أبدع شاعر وكتب إلي كثيراً وهذا القدر كاف. وحمل إلي تخميس البردة؛ قصيدة البوصيري، فكتبت أنا له عليها: وقفت على هذا التخميس الذي طرز طرسه، وسقي الفضل غرسه، وجلا للعين عرسه، ونوع في البديع جنسه، ونول أهل الأدب أنسه، وساق إلى طيبة بأحمال المدائح عنسه، فرأيت أسرار البلاغة فيه فاشية، وأبكار الفصاحة كيف غدت في خدور السطور ناشيه، والبردة كيف اكتست بهذه الزيادة رقة الحاشية: لله من جاء به أولاً ... فإنه أتعب من بعده عسل ثغر الزهر في روضه ... لما روى الإبداع عن شهده وكل سطر غصن قد غدا ... يحمل من قافية ورده أقسم ما خمسها ناظماً ... لكنه قد طرز البردة فيا له من سهم خرج من كنانه، وشهم لا يثني إلا حجام عنانه، وذي فهم ثقف

стр. 1803

العلم رمح قلمه، وأرهف سنانه، لقد أصبحت غزة به ذات عزه، وأمس كثير الفضائل وفوائد تخجل منها عزه، يقول جاره البحر: ما لي عجائبه، ولا لي لآليه، ويعجز بلديه أبو إسحاق أن يكون قوى فيه لقوافيه، ويرى الخياط أن البردة كانت قبل هذا التفصيل سدى، ويعترف الرفاء أن إبرة قلمه قد لبست من المداد الصدا، فالله يديم لبني الآداب هذه الفوائد، ويميرهم من هذه المآدب التي غصون أقلامهم في امتداحهم فوائد، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى. علي بن سعيد بن سالم علاء الدين الصبيبي، بضم الصاد المهملة، وبعدها باء موحدة مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وباء ثانية نسبة إلى قلعة الصبية وهي قلعة بين صفد ودمشق، ومدينة هذه القلعة بليدة بانياس، الخياط، الشاعر المعروف بالشوش بشينين معجمتين بينما واو ساكنة والأولى مضمومة. كان من أعاجيب الأناسي، وممن غدت لحيته وكأنها خلقت بالمواسي، ووقفت سفنه في أبحر القريض، ولم تجر لأنها قيدت بالمراسي، وأضحكت الثكالى حركاته، حتى قال الزمان: لقد بان ياسي من التعجب بعد البانياسي، ما عساي أن أقول فيمن

стр. 1804

يزعم أن أبا الطيب عنده باقل، وأن أبا تمام لم ينهض من الحضيض شعره المتثاقل. يدعي مثل هذا بتصميم، ويتبادى وما فيه شعرة من تميم. ولم يزل في طيشه، وتقتير عيشه إلى أن دب سوس البلى في الشوش، وفتح فاهاً له قبره المرفوش. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة. ومولده في حدود سنة ست وسبعين وست مئة. اجتمعت به غير مرة بالجامع الأموي وبجسر اللبادين، وكان ينشدني كثيراً من شعره فأسمع العجائب والغرائب، وأشكر الله على نعمة العقل، إلا أنه كان يندر له البيت في القصيدة ونصف البيت. وقال لي غير مرة وأنا وهو نمشي في صحن الجامع بعد ما يدير وجهه إلى القبلة: وحق هذا المعبد وما يتلى فيه، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل شعري ما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. وقال لي غير مرة: أنا والله الذي لا إله إلا هو، ما لي غرض مع المتنبي، شعري خير من شعره، وكذا يقول في أبي تمام وغيره. ولقد قال لي مرة وأنا بجسر اللبادين: يا مولانا! ما هذا الحاتمي إلا كان إماماً

стр. 1805

عظيماً، هذا يسمي شعراء عمرنا ما سمعنا بهم، مثل الحطبة، كذا قال بالباء الموحدة، ومثل الطرماخ كذا قال، بضم الطاء وسكون الراء، وبعد الألف خاء معجمة. وأنشدني في وقت قصيدة له ثانية جاء منها: والليل أسود كالزنجي حالكه ... والبرق سيف له فيه جراحات فقلت له: يا شيخ علاء الدين: عابوا عليك هذا، وقالوا: كأنك تقول: الليل أسود أسود أسود، فنفر في وقال: ما أراك أنت الآخر إلا قليل العقل مثلهم. وقال لي مرة: يا مولانا هجاني واحد أبلم، قلت: ما قال؟ قال: قال: في الخواصين خياط ... قالوا إن اسموا الشوش من جهلو صار لو ... فوق راسو شر بوش ثم مر بيده على رأسه في الهوى، وراح وجاء مرات، وقال: يا مولانا! أين الشربوش الذي على رأسي. وقلت أنا فيه وقد تبرمت به: كأني إذا أنشا وأنشد شعره ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل فيرمي ولا يدري فؤادي ومسمعي ... بجلمود صخر حطه السيل من عل ونقلت من خط شيخنا الذهبي رحمه الله تعالى، قال: أنشدنا لنفسه موشحاً:

стр. 1806

هل لكم من شعور بأفاعي الشعور ... حين يلدغن قلبي من كثيب الخصور لا تزيدوا ملامي ... ما لدائي دوا قد وهى بي غرامي ... وهوى بي الهوى وبرى من عظامي ... جلدها والقوى وتدانى حمامي ... آه أنى للنوى من ذوات الخدور هل لنا من مجير ... راشقات بهدب من نشاط الفتور من سهام الجفون ... كم بقلبي كلوم نزحها من عيوني ... عند مي مقيم أوردتني منوني ... وهو منهم نعيم لذ فيهم شجوني ... أقصروا لا تلوموا إن نار السعير جنتي مع سروري ... لا تزيدوا فعتبي كمنادي القبور علي بن سليم بن ربيعة القاضي الفقيه الأديب أقضى القضاة ضياء الدين الأذرعي الشافعي. تنقل في قضاء النواحي نحواً من ستين سنة من جهة ابن الصايغ وغيره، أكبرها طرابلس وأعمالها، وناب بدمشق أياماً سنة تسع وعشرين وله نظم كثير، من ذلك: نظم التنبيه في ستة عشر ألف بيت. وكان منطبعاً بساماً عاقلاً.

стр. 1807

توفي رحمه الله تعالى بالرملة ثالث عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وله أربع وثمانون سنة. علي بن سليمان بن أحمد أبو الحسن الهادي بالله ابن أمير المؤمنين المستكفي ابن أمير المؤمنين الحاكم. كان أبوه المستكفي بالله قد عهد إليه بالخلافة بعده، فتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشرين شوال سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. وعاش أقل من عشرين سنة، ودفن في ترب جده بجوار السيد نفيسة ﵂، وفجع به والده، ووجد عليه وجداً عظيماً. علي بن سنجر الإمام العالم تاج الدين بن قطب الدين أبي اليمن البغدادي ابن السباك، بالسين المهملة وبالباء الموحدة المشددة، وبعدها ألف وكاف الحنفي. عالم بغداد، وواحدها الذي يطلق عليه أنه أستاذ، انتهت إليه رئاسة المذهب بالمسنتصرية، وتفرد هناك بالعلوم الأدبية. وكان قيماً بعرفانه، ذكياً قد مضى فضله برفعة شانه. وخطه رياض مونقه، وآفاق بالشموس مشرقه، ما يرضى أن يكون ياقوت فصاً في خاتمه، ولا يرى أن جود هذه الصناعة، ينسب إليه، لا إلى حاتمه.

стр. 1808

ونظم شعراً تجاوز به الشعرى، وظن من سمعه أن قوافيه وضعت في أذن دراً. ولم يزل على حاله إلى أن سبك ابن السباك في بوتقة القبر، وعدم الطلبة على المصيبة به ذخائر الصبر. وتوفي ﵀ ... ومولده سنة إحدى وستين وست مئة، أو في ستين، في شعبان، الشك منه. وكان قد سمع وهو كهل صحيح البخاري عن ابن أبي القاسم، وأحكام ابن تيمية منه، وإحياء علوم الدين من كمال الدين محمد بن المبارك المخرمي، ومسند الدارمي من ست الملوك، وله إجازة من أبي الفضل بن الدباب، ومحمد بن المريح. وأخذ السبع عن أمين الدين مبارك بن عبد الله الموصلي، والمنتجب التكريتي. وتفقه على ظهير الدين محمد بن عمر البخاري، وعلى مظفر الدين أحمد بن علي بن ثعلب بن الساعاتي صاحب مجمع البحرين.

стр. 1809

وقرأ الفرائض على أبي العلاء محمود الكلاباذي، والأدب على حسين بن إياز، وحفظ اللمع، ثم المفصل والبداية وأصل ابن الحاجب، وله أرجوزة في الفقه، وشرح أكثر الجامع الكبير. ومن شعره: هل أرى للفراق آخر عهد ... إن عمر الفراق عمر طويل طال حتى كأننا ما اجتمعنا ... فكأن التقاءنا مستحيل وأنشدني الإمام تقي الدين بن رافع، قال: أنشدنا المطري، قال: أنشدنا ابن السباك لنفسه: الأمر أعظم مما يزعم البشر ... لا عقل يدركه كلاً ولا نظر فانظر بعينك أو فاغمض جفونك واح؟؟ ... ذر أن تقول عسى أن ينفع الحذر فكل قول الورى في جنب ما هو في ... نفس الحقيقة إن هم فكروا هذر فاستغفر الله قولاً قد نطقت به ... فيما مضى وهو في الألواح مستطر وأنشدني الحافظ نجم الدين أبو الخير سعيد الذهلي، قال: أنشدنا ابن السباك لنفسه: يا نهار الهجير نجم الدين قد طلت بالصو ... م كما طال ليل هجر الحبيب ذاك قد طال بانتظار طلوع ... مثل ما طلت بانتظار مغيب

стр. 1810

ومن شعره: يخفي السلام علي خوف وشاته ... ويبيت لي حتى الصباح نديما فلسانه حين التقينا صامت ... ولحاظه تقرينني التسليما قلت: هذه تقرينني مستثقلة إلى الغاية لو أنها في النيل كدرته، أو في وجه الصباح جدرته، ولو قال: ولحاظه تهدي لي التسليما؛ لكان أحسن وأعذب في السمع. ومن شعره: لما غدا والشهد من ريقه ... ودونه يستشهد المستهام ازدحم النمل على خده ... والمنهل العذب كثير الزحام وكان قد قرأ عليه جماعة منهم: القاضي حسام الدين الغوري قاضي قضاة مصره. ولما ولي الغوري القضاء ببغداد دخل على شيخه ابن السباك بالخلعة، وقال: الحمد لله الذي جعل من غلمانك قاضي القضاة. ورأيت أنا بخطه نسخة بالكشاف في مجلدين صغيرين وهي كتابة عظيمة صحيحة مليحة إلى الغاية. ؟ علي بن طرنطاي الأمير علاء بن الأمير الكبير حسام الدين طرنطاي المنصوري. كان أصغر الأخوة، وهو أمير عشرة بالديار المصرية، مليح الشكل، حسن الهيئة. توفي رحمه الله تعالى في حادي عشر شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة، وعمل عزاؤه أياماً.

стр. 1811

؟ علي بن طغريل الأمير علاء الدين أمير حاجب دمشق. حضر من مصر إلى دمشق حاجباً في شهر ربع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة في أواخر أيام يلبغا، فما أقام إلا يسيراً حتى جرى ليلبغا ما جرى، على ما سيأتي في ترجمته، وكانت الملطفات قد جاءت من السلطان المظفر حاجبي إليه والى الأمراء بدمشق بإمساك يلبغا، فلما هرب يلبغا ساق الأمير علاء الدين خلفه وجماعة من الأمراء، ورد من رد منهم، وبقي هو وراءه إلى أن اضطره إلى حماة. حكى لي الأمير سيف الدين تمر المهمندار انه رأى هذا الأمير علاء الدين وقد جاءه اثنان من جماعة يلبغا، وطعناه برمحيهما، وأنه عطل ذلك بقفا سيفه، ولم يؤذ أحداً منهما، وكان يحكي لي ذلك، ويتعجب من فروسيته. ولم يزل بدمشق على إمرته ووظيفته إلى أن وصل الأمير سيف الدين أرغون شاه، فأقام يدخل عليه في كل خدمة، ويطلب منه الإقالة من الشام والرجوع إلى مصر إلى أن كتب له إلى باب السلطان، وجاء الجواب بالإجابة إلى ذلك، فعاد إلى مصر في شعبان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وحضر الأمير سيف الدين منجك عوضه حاجباً. وأقام الأمير علاء الدين بالقاهرة بطالاً إلى أن توفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر. علي بن طيدمر ككز بضم الكافين، وبعدهما زاي، الأمير علاء الدين أحد أمراء العشرات بدمشق، والده من مماليك السلطان الملك الناصر محمد.

стр. 1812

وكان هذا ظريف القد، أسيل الخد، وجفنه يجرد سيفاً ماضي الحد، وخده كأنما ورد الورد وما رد، ظريف العمة، لبق الشمائل، يود الغصن لو ضمة، والبدر لو وهبه كماله وتمه. يتجمل به الموكب إذا كان في دارته، والأفق إذا تخيل أنه في شارته. ومع حسنه البارع فكان لطيفاً، إذا خطا رأيت الجمال به مطيفاً، سهل الإنقياد، كثير الوداد، ليس فيه شمم، ولا عنده عن طلب الميل صمم. ولم يزل إلى أن أذبل الموت ورد خده، وكف عن جفنه غرب حده. وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شهر رجب سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ولم يبقل وجهه. علي بن طنبغا قوين باشي علاء الدين ابن الأمير علاء الدين نائب حمص ونائب غزة. تقدم ذكر والده في مكانه من حرف الطاء. كان هذا علي ذا صورة جميلة، وطلعة كم جعلت القلوب من حسنها دمنة، والعيون كليلة، أرشق من الغصن إذا عطفته النسمات، وأعدل من الرمح إلا أن هذا ألطف حركات، كم فتن قلباً، وجعل من الصب دمعه صبا. بينا هو بدر في ليالي كماله إذا به قد انخسف، وبينا هو غصن يميس في اعتداله إذا هو قد انقصف، وأنشد الناس قبره: ما أنت يا قبر لا روض ولا فلك ... من أين جمع فيك الغصن والقمر وتوفي رحمه الله تعالى بكرة الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، ومات عن اثنتين وعشرين سنة، وصلى عليه بسوق الخيل، وحضره الأمير سيف الدين والأمراء. وكانت جنازته حافلة، وكان قد حج مرتين، وأثنى الناس عليه، وتألموا له ولوالده. علي بن عثمان ابن يعقوب بن عبد الحق السلطان أبو الحسن بن أبي سعيد بن أبي يوسف المريني، صاحب مراكش وفاس وغيرهما، المريني، تقدم ذكر والده في مكانه. ملك أبو الحسن هذا، رحمه الله تعالى، بعد موت والده سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. وكان سلطاناً فاضلاً، مناظراً للفقهاء ولأرباب السلاح مناضلاً. قام بالجهاد مدة ملكه، ونظم كثيراً من البلاد في سلكه، امتشق الصوارم واعتقل الأسل، واشتار العسل من غزواته وما اختار الكسل، وباشر القتال بنفسه، وأقام وجهه للنبل مقام ترسه، ووجد ضرب المواضي أحلى من الضرب، وجاد بروحه للخطوب حتى كأنما له في قتله أرب. يكر على الأبطال، والسيف مصلت بكفه، ويقدم على الصفوف باجتهاد، كأنه يخاف أن يطعن من خلفه، فما حمل على جيش إلا أباده، وأبان للملائكة كره، وفره وطراده، وأجال في حومات الوغي

стр. 1813

جياده، وارتجل المنايا للأعادي وباده، وعلى صرح الإسلام وشاده، وأصلح فساد الدهر وأهله فساده، هذا مع فضائل بحرها زخار، وعلوم نيرها سيار. ولم يزل في جهاد مع الفرنج، وحروب نصره الله فيها، وقد ظن أنه لم ينج، إلى أن أدبر سعده، وأخلفه الزمان وعده، وطالما صدق وعده، وخانه حتى ابنه، وساعده عليه حتى أدبرت شجاعته وأقبل جبنه، وهذه قاعدة الأيام التي قل ما انخرمت، وطالما أصبحت جمراتها رماداً بعد ما اضطرمت. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وخمسين وسبع مئة. وكان هذا السلطان أبو الحسن قد صادق سلطاننا الأعظم الملك الناصر محمد بن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وهاداه وراسله، وجهز إليه التحف والطرف، وجهز إليه مرة في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة خمسين فرساً بسروجها وعددها المغربية صحبة الجهة التي حضرت للحجاز، وتدعى الحرة، وحضر معها شيء كثير من التحف النفائس. قيل: إنها أحضرت معها صورة كرمة تحمل على رؤوس النساء، عناقيدها الجواهر النفيسة، وأحضرت من الثياب البيض الرفاع جملة وافرة. وكانت هذه السروج على كل ركاب منها طلاء ذهب، ستة سبعة دنانير، وأمر السلطان لها بجميع ما دعت حاجتها إليه من آلات الحج وزاده وماعون مائه لها ولمن حضر معها، وكان

стр. 1814

معها فيما أظن خمس مئة نفر، ولما عادت أرسل السلطان معها من تحف مصر وقماش إسكندرية، وقماش العراق شيئاً كثيراً. وكان قد جهز إلى مكة، شرفها الله تعالى، ختمة بخط يده، وقر بعير مذهبة مليحة في بابها، والى القدس الشريف ختمة أخرى نظيرها صحبة ابن فرقاجة، وجهز معه مبلغاً اشترى به ملكاً ووقفه على من يقوم بقراءة القرآن هنا وهنا. وكانت المكاتبات ما تنقطع بينهما كل قليل. وورد منه كتاب على السلطان الملك الصالح إسماعيل في أواخر شعبان سنة خمس وأربعين وسبع مئة على يد كاتبه ابن أبي مدين يعزي السلطان فيه بأبيه، ويهنئه بالجلوس على تخت الملك، ويذكر واقعة جرت له، ويطلب الدعاء، ويستنجد به على الأعداء، ونسخته بعد الحمدلة والصلاة: من عبد الله علي أمير المسلمين المجاهدين في سبيل رب العالمين، المنصور بفضل الله، المتوكل عليه، المعتمد به جزيع أموره ما لديه، سلطان البرين، حامي العدوتين، مؤثر المرابطة والمثاغرة، ومؤازر حرب الإسلام، مظاهر دين الملك العلام، ابن مولانا أمير المسلمين المجاهدين في سبيل رب العالمين، فخر السلاطين، حامي حوزة الدين، ملك البرين، إمام العدوتين، ممهد البلاد، مبدد شمل الأعاد، مجند الجنود، المنصور الرايات والبنود، محط الرحال، مبلغ الآمال، أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، حسنة الأيام، حسام الإسلام، أبي الأملاك، شجى أهل العناد والإشراك، مانع البلاد، رافع علم الجهاد، مدوخ

стр. 1815

أقطار الكفار، مصرخ من ناداه للاسنتصار، القائم لله بإعلاء دين الحق، أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أخلص الله لوجهه جهاده، ويسر في قهر عداة الدين مراده. إلى محل ولدنا الذي طلع في أفق العلا بدراً تما، وصدع بأنوار الفخار فجلى ظلاماً وظلماً، وجمع شمل المملكة الناصرية، فأعلى منها علماً، وأحيا بها رسما، حائط الحرمين، القائم بحفظ القبلتين، باسط الأمان، قابض كف العدوان، الجزيل النوال، الكفيل تأمينه بحياطة النفوس والآمال، قطب المجد وسماكه، حسب الحمد وملاكه: السلطان الجليل، الرفيع الأصيل، الحافل العادل، الفاضل الكامل، الشهير الخطير، الأضخم الأفخم، المعان المورث المؤيد المظفر، الملك الصالح، أبو الوليد إسماعيل ابن محل أخينا الشهير علاؤه، المستطير في الآفاق ثناؤه، زين الأيام والليال، كمال عين إنسان المجد، وإنسان عين الكمال، وارث الدول، النافث بصحيح رأيه في عقود أهل الملل والنحل، حامي القبلتين بعدله وحسامه، النامي في حفظ الحرمين أجر اضطلاعه بذلك وقيامه، هازم أحزاب المعاندين وجيوشها، هادم الكنائس والبيع " فهي خاوية على عروشها "، السلطان الأجل الهمام، الأحفل، الأفخم، الأضخم، الفاضل العادل، الشهير الكبير، الرفيع الخطير، المجاهد المرابط، المقسط عدله في الجائر والقاسط، المؤيد المظفر المنعم المقدس المطهر، زين السلاطين، ناصر الدنيا والدين، أبي المعالي محمد ابن الملك الأرضى الهمام

стр. 1816

الأقضى، والد السلاطين الأخيار، عاقد لواء النصر في قهر الأرمن والفرنج والططار، محيي رسوم الجهاد، معلي كلمة الإسلام في البلاد، جمال الأيام، ثمال الأعلام، فاتح الأقاليم، صالح ملوك عصره المتقادم، الإمام المؤيد المنصور المسدد، قسيم أمير المؤمنين فيما تقلد، الملك المنصور، سيف الدنيا والدين قلاوون مكن الله له تمكين أوليائه، ونمى دولته التي أطلعها السعد شمساً في سمائه، وأحسن إبزاغه للشكر أن جعله وارث آبائه. سلام كريم يفاوح زهر الربا مسراه، وينافح نسيم الصبا مجراه، يصحبه رضوان يدوم ما دامت تقل الفلك حركاته، ويتولاه روح وريحان تحييه به رحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله مالك الملك، جاعل العاقبة للتقوى صدعاً باليقين ودفعاً للشك، وخاذل من أسر في النفاق النجوى، فأصر على الدخن، والإفك. والصلاة والسلام على نبينا محمد ورسوله الذي محا بأنوار الهدى ظلم الشرك، ونبيه الذي ختم به الأنبياء، وهو واسطة ذلك السلك، ودحا به حجة الحق، فمادت بالكفرة محمولة الأفلاك، وماجت بهم حاملة الفلك، والرضا من آله وصحبه الذين ملكوا سبل هاده، فسلك في قلوبهم أجمل السلك، وملكوا أعنة هواهم، فلزموا من محجة الصواب أسحج الهلك، وصابروا في جهاد الأعداء، فزاد خلوصهم مع الابتلاء. والذهب

стр. 1817

يزيد خلوصاً على السبك، والدعاء لأولياء الإسلام، وحماته الأعلام بنصر لمضائه في العدا أعظم الفتك، ويسر بقضائه درك آمال الظهور، وأحفل بذلك الدرك، فكتبنا إليكم - كتب الله لكم رسوخ القدم، وسبوغ النعم - من حضرتنا بمدينة فاس المحروسة وصنع الله سبحانه تعرف مذاهب الألطاف، وتكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف، وتصرف من أمره العظيم وقضائه المتلقى بالتسليم ما يتكون بين الكاف والنون، ومكانكم العتيد سلطانه، وسلطانكم المجيد مكانه وولاؤكم الصحيح برهانه، وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلال ميدانه، والى هذا زاد الله سلطانكم تمكيناً، وأفاد مقامكم تحصيناً وتحسيناً، وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلاً مبيناً، فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى ومهدته الرسائل التي على الصفاء تطوى بيننا وبين والدكم نعم الله روحه وقدسه، وبقربه مع الأبرار في عليين آنسه - من مؤاخاة أحكمت منها العقود تالية الكتب والفاتحة، وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذتاها المحبة والنية الصالحية، فانعقدت على التقوى والرضوان، واعتضدت بتعارف الأرواح عند تنازح الأبدان حتى استحكمت وصلة الولاء، والتحمت كلحمة النسب لحمة الإخاء، فما كان إلا وشيكاً من الزمان، ولا عجب في قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان ورد وارد أورد رنق المشارب، وحقق قول: " ومن يسأل الركبان عن كل غائب "، أنبأ باستئثار الله بنفسه الزكية وإكنان درته السنية، وانقلابه إلى ما أعد له من المنازل الرضوانية بجليل ما وقر لفقده في الصدور، وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك المقدور حناناً للإسلام بتلك الأقطار وإشفاقاً من أن يعتور قاصدي بيت الله الحرام من حر الفتن عارض الأضرار، ومساهمة في مصاب الملك الكريم،

стр. 1818

والولي الحميم، عميت الأخبار، وطويت طي السجل الآثار، فلم نر مخبراً صدقاً ولا معلماً بمن استقر له ذلك الملك حقاً، وفي أثناء ذلك أحفزنا الحركة عن حضرتنا لاستصراخ أهل الأندلس وسلطانها وتواتر الأخبار بأن النصارى أجمعوا على خراب أوطانها، ونحن أثناء ذلكم الشأن نستخبر الوارد من تلكم البلدان عما أجلى عنه ليل الفتن بتلكم الأوطان. فبعد لأي وقعنا منها على الخبير، وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير، وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه، وتداركه الله منكم بفاتح الخير من أبوابه، فأطفأ بكم نار الفتنة وأخمدها، وأبرأ من أدواء النفاق ما أعل البلاد وأفسدها. فقام على سبيل الحج سابلا، وتعبد طريقه لمن جاء قاصداً أو قافلاً، ولما اجتمعت بهذا الخبر القرائن، وتواتر بنقله الحاضر له والمعاين، أثار حفظ الاعتقاد البواعث، والود الصحيح تجره حقاً الموارث، فأصدرنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الأطوار، الجامعة بين الخبر والاستخبار الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار، ومثل ذلكم الملك رضوان الله عليه من يجل المصاب لفقدانه، وتحل عرا الاصطبار لموته ولات حين أوانه، ولكن الصبر الجميل أجمل ما ارتداه ذو عقل حصين، والأجر أولى ما اقتناه ذو دين متين، ومثلكم من لا يخف وقاره، ولا يشف عن ظهور الجزع للحادث اصطباره ومن خلفكم فما مات ذكره، ومن قمتم بأمره فما زال بل زاد فخره، وقد طالت والحمد لله العيشة الراضية بالحقب، وطاب بين مبتداه ومحتضره هنيئاً بما من الأجر اكتسب،

стр. 1819

وصار حميداً إلى خير المنقلب، ووفد من كرم الله على أفضل ما منح موقناً ووهب، فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة، وحماية زوار بيته مقيمة أو معرسة، ونحن بعد بسط هذه التعزية نهنئكم بما خولكم الله أجمل التهنئة، وفي ذات الله الإيراد والإصدار، وفي مرضاته سبحانه الإضمار والإظهار، فاستقبلوا دولة ألقى العز عليها رواقه، وعقد الظهور عليها نطاقه، وأعطاها أمان الزمان عهده وميثاقه، ونحن على ما عاهدنا عليه الملك الناصر رضوان الله عليه من عهود موثقة، وموالاة محققة وثناء كمائمه عن الزهر غب القطر مفتقه، ولم يغب عنكم ما كان من بعثنا المصحفين المكرمين اللذين خطتهما منا اليمين، وأوت بهما الرغبة من الحرميين الشريفين إلى " قرار مكين "، وأنه كان لوالدكم الملك الناصر؛ تولاه الله برضوانه وأورده موارد إحسانه؛ في ذلك من الفعل الجميل، والصنع الجليل، ما ناسب مكانه الرفيع، وشاكله فضله من البر الذي لا يضيع حتى طبق فعله الآفاق ذكرا، وطوق أعناق الوراد والقصاد براً، وكان من أجمل ما به تحفى وأتحف، وأعظم ما يعرف إلى رضا الملك العلام في ذلك تعرف، إذنه للمتوجهين إذ ذاك في شراء رباع توقف على المصحفين، ورسم المراسم المباركة بتحرير ذلك الوقف مع اختلاف الجديدين، فجرت أحوال القراء فيها بذلك الخراج المستفاد وبما يصلهم من خراج ما وقفناه عليهم بهذه

стр. 1820

البلاد، على ما رسمه رحمة الله عليه من عناية بهم متصلة، واحترام في تلك الأوقاف فوائدها به موفرة متحصلة. وقد أمرنا مؤدي هذه لكمالكم، وموفدها على جلالكم كاتبنا الأسنى الفقيه الأجل الأحظى الأكمل أبا المجد ابن كاتبنا الشيخ الفقيه الأجل الحاج الأتقى الأرضى الأفضل الأحظى الأكمل المرحوم أبي عبد الله بن أبي مدين حفظ الله عليه رتبته، ويسر في قصد البيت الحرام بغيته، بأن يتفقد أحوال تلك الأوقاف، ويتعرف تصرف الناظر عليها، وما فعله من سداد وإسراف. ويتخير لها من يرتضى لذلك، ويحمد تصرفه فيما هنالك، وخاطبنا سلطانكم في هذا الشأن جزياً على الود الثابت الأركان، وإعلاماً بما لوالدكم رحمه الله تعالى في ذلك من الأفعال الحسان، وكمالكم يقتضي تخليد ذلك البر الجميل، وتجديد عمل ذلك الملك الجليل، وتشييد ما اشتمل عليه من الشكر الأصيل والأجر الجزيل، والتقدم بالإذن السلطاني في إعانة هذا الوافد بهذا الكتاب، على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب، وثناؤنا عليكم الثناء الذي يفاوح زهر الربا، ويطارح نغم حمام الأيك مطربا. وبحسب المصافاة ومقتضى الموالاة نشرح لكم المتزيدات بهذه الجهات، وننبئكم بموجب إبطاء إنفاذ هذا الخطاب على ذلك الجناب، وذلك أنه لما وصلنا من الأندلس الصريخ، ونادى الجهاد منا عزماً لمثل ندائه نصيخ، أنبأنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب، وحتم عليهم بابهم اللعين التناصر من كل أوب، وأن تقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها، وتنقص بالمنازلية أرضها من أطرافها، لتمحو كلمة

стр. 1821

الإسلام منها، وتقلص ظل الإيمان عنها، فقدمن من يشتغل بالأساطيل من القواد، وسرنا على أثرهم إلى سبتة منتهى المغرب الأقصى وباب الجهاد. فما وصلناها إلا وقد أخذ أخذه العدو الكفور، وسد اختطاف الطواغيت على التعاون مجاز العبور، وأتوا من أجفالهم بما لا يحصى عدداً وأرصدوها بمجمع البحر حيث المجاز إلى دفع العدا، وتقلصوا عن الانبساط في البلاد، واجتمعوا إلى جزيرة الخضراء، أعاذها الله، بكل من جمعوه من الأعاد، لكنا مع انسداد تلك السبيل وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجميل، حاولنا إمداد تلكم البلاد بحسب الجهد، وأصرخناهم بمن أمكننا من الجند، وجهزنا أجفاناً مختلسين فرصة الإجازة وتترد على خطر من جهز الجهاد جهازه، وأمرنا لصاحب الأندلس من المال بما يجهز به حركته لمداناة حزب الضلال، وأجرينا له ولجيشه العطاء الجزل مشاهرة، وأرضخنا لهم في النوال ما نرجو به ثواب الآخرة، وجعلت أجفاننا تتردد من يمشي السواحل ويلج أبواب الخوف العاجل، لإحراز الأمن الآجل، مشحونة بالعدد الموفورة، والأبطال المشهورة، والخيل المسومة، والأقوات المقومة، فمن ناج حارب دونه الأجل، وشهيد مضى لما عند الله ، وما زالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر، حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية أجرها عند الله يدخر، ثم لم نقنع بهذا العمل والإمداد، فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم مساهمة لأهل تلك البلاد، فلقي من هول البحر وارتجاجه، وإلحاح العدو ولجاجه، ما به الأمثال تضرب وبمثله يتحدث ويستغرب، ولما خلص لتلك العدوة بمن أبقته الشدائد نزل بإزاء الكافر الجاحد، حتى كان منه بفرسخين أو أدنى، وقد ضرب بطعن يصابح العدو ويماسيه بحرب بها يمنى، وقد كان

стр. 1822

من مددنا بالجزيرة جيش شريت شرارته، وقويت في الحرب إدارته، يبلون البلاء الأصدق، ولا يبالون بالعدو وهو منه كالشامة البيضاء في البعير الأورق، إلا أن المطاولة بحصرها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف، ومنازلتها في البر نحو عامين معقوداً عليها الصف بالصف، أدى إلى فناء الأقوات بالبلد حتى لم يبق لأهله قوت نصف شهر مع انقطاع المدد، وبه من الخلق ما يربي على عشرة آلاف دون الحرم والولد. فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الإذن له في عقد الصلح، ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النجح. فأذنا فيه الإذن العام، إذ في إصراخه وإصراخ من في طره من المسلمين توخينا ذل المرام، هنالك دعا النصارى إلى السلم فاستجابوا لداعيه، وقد كانوا علموا فناء القوت، وما استرابوا الصلح إلى عشر سنين، وخرج من بها من فرسان ورجال وأهل وبنين، ولم يرزؤوا مالاً ولا عدة، ولا لقوا في خروجهم غير النزوع عن أول أرض مس الجلدة ترابها شدة، ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء، وأسليناهم عما جرى بالحباء، فمن خيل تزيد على الألف عتاقها، وخلع تربي على عشرة آلاف أطواقها، وأموال عمت الغني والفقير، ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير، وكفى بالله ضر الطواغيت عما عداها، وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها. وقد كان من لطف الله حين قضى بأخذ هذا الثغر أن قدم لنا فتح جبل طارق من أيدي الكفر، وهو المطل على هذه المدرة، والفرصة منه فيها إن شاء الله ميسرة.

стр. 1823

حين يفترق عقد الكفار، ويفرد بهذه الجهة منه مجاوروا هذه الدار فلولا إجلابهم من كل جانب، وكونهم سدوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب، لما بالينا بأضعافهم، ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم. ولكن للموانع أحكام، ولا راد لما جرت به الأقلام، وقد أمرنا لذلك الثغر بمزيد المدد، وتخيرنا له ولسائر تلك البلاد من العَدد والعُدد، وعدنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السفر، وتربط الجياد تنتخب العُدد لوقت الظهور المنتظر، وتكون على أهبة الجهاد وعلى مرقب الفرصة عند تمكنها في الأعاد، وعند عودنا من تلك المحاولة نسير الركب الحجاز موجهاً إلى هنالكم رواحله، فأصدرنا إليكم هذا الخطاب إصدار الود الخالص والحب اللباب، وعندنا لكم ما عند أحنى الآباء، واعتقادنا فيكم في ذات الله لا يخشى جديده من البلاء، وما لكم من غرض بهذه الأنحاء، فموفى قصده على أكمل الأهواء موالي تتميمه على أجمل الآراء، والبلاد باتحاد الود متحده، والقلوب والأيدي على ما فيه من مرضاة الله تعالى معتضده، جعل الله ذلكم خالصاً لرب العباد، مذخوراً ليوم التناد، مسطوراً في الأعمال الصالحة يوم المعاد بمنه وفضله، وهو سبحانه يصل إليكم سعداً تتفاخر به سعود الكواكب، وتتضفر على الانقياد له صدور المواكب، وتتقاصر عن نيل مجده متطاولات المناكب، والسلام الأتم يخصكم كثيراً أثيراً، ورحمه الله وبركاته. وكتب في يوم الخميس السادس والعشرين لشهر صفر المبارك من عام خمسة وأربعين وسبع مئة، صورة خط أبي الحسن المريني صاحب فارس. وكتب في التاريخ المؤرخ.

стр. 1824

وكنت أنا إذ ذاك في القاهرة فرسم لي بكتابة الجواب فكتبته بخطي من إنشائي، في سادس شهر رمضان المعظم سنة خمس وأربعين وسبع مئة بعد البسملة في قطع النصف بقلم الثلث: عبد الله ووليه صورة العلامة الشريفة ولده إسماعيل بن محمد. السلطان الملك الصالح السيد العالم المؤيد المجاهد المثاغر المظفر المنصور، عماد الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والترك، فاتح الأقطار، واهب الممالك والأمصار، إسكندر الزمان، مملك أصحاب المنابر والأسرة والتخوت والتيجان، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، مالك البحرين، خادم الحرمين الشريفين، سيد الملوك والسلاطين، جامع كلمة الموحدين، ولي أمير المؤمنين، أبو الفداء إسماعيل ابن السلطان الشهيد السعيد الملك الناصر ناصر الدنيا والدين، أبي الفتح محمد ابن السلطان الشهيد السعيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون، خلد الله سلطانه، وجعل الملائكة أنصاره وأعوانه. يخص المقام العالي الملك الأجل الكبير المجاهد المؤيد المرابط المثاغر المعظم المظفر المعمر الأصعد الأوحد الأمجد الأنجد السني السري، المنصور أبا السحن علي ابن أمير المسلمين أبي سعيد ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أمده الله بالظفر، وقرن عزمه بالتأييد في الآصال والبكر، بسلام وشت البروق وشائعه، وادخرت الكواكب ودائعه، واستوعب الزمان ماضيه ومستقبله ومضارعه، وثناء اتخذ المسك الأذفر طلائعه، ونبه للتغريد في الروض سواجعه، وجلا في كأسه من الشفق الأحمر مداماً ومن النجوم فواقعه.

стр. 1825

عبد حمد الله على نعم أدت لنا الأمانة في عود سلطنة والدنا الموروثة، وأجلستنا على سرير مملكة زرابيها بني النجوم مبثوثة، وأحسنت بنا الخلف عن سلف عهوده في الأعناق غير منكورة ولا منكوثة. وصلاه على سيدنا محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه الذين بلغ بجهادهم في الكفرة غاية أمله وسوله، صلاة تنحط بالرضوان سيولها، وتجر بالغفران ذيولها، ما تراسل أصحاب، وتواصل أحباب وسلامه. ونوضح لعلمكم الكريم ورود كتابكم الكريم، وخطابكم الفائق على الدر النظيم، تفاخر الخمائل سطوره، ويصبغ خدود الورد بالخجل منثورة، وتحكي الرياض اليانعة فالألفات غصونه، والهمزات عليها طيوره، ويخلع على الآفاق حلل الأيام والليالي، فالطرس صباحه والنقس ديجوره، لفظه يطرب، ومعناه يعرب فيغرب، وبلاغته تدل على أنه آية لأن شمس بيانها طلعت من المغرب. فاتخذنا سطوره ريحاناً، ورجعنا ألفاظه ألحاناً، ورجعنا إلى الجد فشبهنا ألفاته بظلال الرماح، وورقه بصقال الصفاح، وحروفه المعرقة بأفواه الجراح، وسطوره المنتظمة بالفرسان المزدحمة في يوم الكفاح، وانتهينا إلى ما أودعتموه من اللفظ المسجوع، والمعنى الذي يطرب طائره المسموع، والبلاغة التي فضح المتطبع فيها بيانها المطبوع. فأما العزاء بأخيكم الوالد، قدس الله روحه وسقى عهده، وأحسن لسلفه خلفنا بعده، فلنا برسول الله ﷺ أسوة حسنة.
следующие страницы →