Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
وورد العلل في فهم العلل، وكتبتها بخطي، وقرأتها عليه، وكتبت عليها:
أيا من شفى ما بنا من علل ... ورد ردانا بورد العلل
جزاك إلهك من محسن ... هدانا الصواب وروى الغلل
ونيل العلا في العطف بلا، وكتبتها بخطي وقرأتها عليه، وكتبت عليها:
يا من غدا في العلم ذا همة ... عظيمة في الفضل تملا الملا
لم ترق في النحو إلى رتبة ... سامية إلا بنيل العلا
ومن تصانيفه أيضاً رافع الشقاق في مسألة الطلاق، والرياض الأنيقة في قسمة الحديقة، ومنية المباحث في حكم دين الوارث، ولمعة الإشراق في أمثلة الاشتقاق وإبراز الحكم من حديث: رفع القلم، وإحياء النفوس في حكمة وضع الدروس، وكشف القناع في إفادة لو الامتناع، وضوء المصابيح في صلاة التراويح، ومسألة كل وما عليها تدل، وكتب عليها الفاضل سراج الدين عبد اللطيف بن الكويك ثلاثة أبيات أوردتها في ترجمته، والرسالة العلانية والتحبير المذهب في تحرير المذهب، والقول الموعب في القول بالموجب، ومناسك أولى ومناسك أخرى، وبيع المرهون في غيبة المديون، وبيان الربط في اعتراض الشرط على الشرط، ونور الربيع من كتاب الربيع، والرقم الإبريزي في شرح التبريزي، وعقود الجمان في عقود
стр. 1857
الرهن والضمان، وطليعة الفتح والنصر في صلاة الخوف والقصر، والسيف المسلول على من سب الرسول، والسهم الصائب في بيع دين الغائب. وفصل المقال في هدايا العمال، والدلالة على عموم الرسالة. والتهدي إلى معنى التعدي، والنقول البديعة في أحكام الوديعة، وكشف الغمة في ميراث أهل الذمة، والطوالع المشرقة في الوقوف على طبقة بعد طبقة، وحسن الصنيعة في حكم الوديعة، وأجوبة أهل طرابلس، وتلخيص التلخيص وتاليه، والإبهاج في شرح المنهاج في الأصول، بدأ فيه قدر كراسين، وكمله ولده قاضي القضاة تاج الدين.
ورفع الحاجب في شرح ابن الحاجب في الأصول، والقراءة خلف الغمام، والرد على الشيخ زين الدين الكتاني، وكشف اللبس في المسائل الخمس ومنتخب طبقات الفقهاء، وقطف النوار في دراية الدور، والغيث المغدق في ميراث المعتق، وتسريح الناظر في انعزال الناظر والملتقط في النظر المشترط، وتنزيل السكينة على قناديل المدينة، ودفع من تغلبك في مسألة مدرسك بعلبك، وشي الحلى في تأكيد النفي بلا، الاعتبار ببقاء الجنة والنار، ضرورة التقدير في تقويم الخمر والخنزير، تقيدي التراجيح، الكلام على حديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. الكلام مع ابن الدارس في المنطق، جواب سؤال علي بن عبد السلام، رسالة
стр. 1858
أهل مكة، أجوبة أهل صفد، فتوى: كل مولود يولد على الفطرة، مسألة فناء الأرواح، مسألة في التقليد، النوادر الهمذانية، الفرق في مطلق الماء والماء المطلق، المسائل الحلبية، أمثلة المشتق، القول الصحيح في تعيين الذبيح، القول المحمود في تنزيه داود، الجواب الحاضر في وقف عبد القادر، حديث نحر الإبل، قطف النور من مسائل الدور، مسألة ما أعظم الله، مسائل في تحرير الكتابة، مسألة هل يقال العشر الأواخر، مختصر كتاب الصلاة لمحمد بن نصر المروزي، الإقناع في قوله تعالى " ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع "، جواب سؤال من القدس، منتخب تعليقة الأستاذ في الأصول، عقود الجمان في عقود الرهن والضمان، مختصر عقود الجمان، وقف بني عساكر، النصر الناهد في لا كلمت كل واحد، الكلام في الجمع في الحضر لعذر المطر، الصنيعة في ضمان الوديعة، النقول البديعة في ضمان الوديعة، بيان المحتمل في تعدية عمل، القول الجد في تبعية الجد، تفسير يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، المواهب الصمدية في المواريث الصفدية، كشف الدسائس في هدم الكنائس، حفظ الصيام عن فوت التمام، جواب سؤال ورد من بغداد، كتاب الخيل، جواب الأمير سيف الدين بيبغاروس ورد من حلب، كم حكمة أرتنا أسئلة أرتنا، جواب أهل مكة، جواب المكاتبة من حارة المغاربة، معنى قول الإمام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، سبب الانكشاف عن إقراء الكشاف، وقف على وقف أولاد
стр. 1859
الحافظ، النظر المعيني في محاكمة أولاد اليونيني، موقف الرماة من وقف حماة، مركز الرماة، القول في التقوي في الوقف التقوي، القول المختطف في دلالة: إذا اعتكف، كشف اللبس عن المسائل الخمس، غير الإيمان لأبي بكر وعمر وعثمان، زكاة مال اليتيم، الكلام على لباس الفتوة، وهو فتوى الفتوة، بيع المرهون في غيبة المديون، الألفاظ التي وضعت بإزاء المعاني الذهنية أو الخارجية، أجوبة مسائل سأله عنها ولده قاضي القضاة تاج الدين في أصول الفقه، العارضة في البينة المتعارضة، مسألة تعارض البينتين، كتاب بر الوالدين، أجوبة أسئلة حديثية وردت من الديار المصرية، نصيحة القضاة الكلام على قوله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ".
ولما وقف على رد الشيخ تقي الدين بن تيمية على ابن المطهر في الرفض قال: وأنشدنيها من لفظه، وهي:
إن الروافض قوم لا خلاق لهم ... من أجهل الناس في علم وأكذبه
والناس في غنية عن رد إفكهم ... لهجنة الرفض واستقبال مذهبه
وابن المطهر لم تطهر خلائقه ... داع إلى الرفض غال في تعصبه
لقد تقول في الصحب الكرام ولم ... يستحي مما افتراه غير منجبه
ولابن تيمية رد عليه وفى ... بمقصد الرد واستيفاء أضربه
لكنه خلط الحق المبين بما ... يشوبه كدراً في صفو مشربه
стр. 1860
يخالط الحشو أنى كان فهو له ... حثيث سير بشرق أو بمغربه
يرى حوادث لا مبدا لأولها ... في الله سبحانه عما يظن به
لو كان حياً يرى قولي ويفهمه ... رددت ما قال أقفو إثر سببه
كما رددت عليه في الطلاق وفي ... ترك الزيارة رداً غير مشتبه
وبعده لا أرى للرد فائدة ... هذا وجوهره مما أظن به
والرد يحسن في حالين واحدة ... لقطع خصم قوي في تغلبه
وحالة لانتفاع الناس حيث به ... هدى وربح لديهم في تطلبه
وليس للناس في علم الكلام هدى ... بل بدعة وضلال في تكسبه
ولي يد فيه لولا ضعف سامعه ... جعلت نظم بسيطي في مهذبه
وقال: ما أنشدنيه من لفظه لما رد على ابن تميمة في الطلاق، وقد أكثر من الاحتجاج بيمين ليلى:
في كل واد بليلى واله شغف ... ما إن يزال به من مسها وصب
ففي بني عامر من حبها دنف ... ولابن تيمية من عهدها شغب
وكتب لابنه الأكبر محمد رحمه الله تعالى في سنة عشر وسبع مئة، وأنشدنيه من لفظه رحمه الله تعالى:
أبني لا تهمل نصيحتي التي ... أوصيك واسمع من مقالي ترشد
احفظ كتاب الله والسنن التي ... صحت وفقه الشافعي محمد
стр. 1861
وتعلم النحو الذي يدني الفتى ... من كل فهم في القران مسدد
واعلم أصول الفقه علماً محكماً ... يهديك للبحث الصحيح الأيد
وأسلك سبيل الشافعي ومالك ... وأبي حنيفة في العلوم وأحمد
وطريقة الشيخ الجنيد وصحبه ... والسالكين طريقهم بهم اقتدي
وابتع طريق المصطفى في كل ما ... يأتي به من كل أمر تسعد
واقصد بعلمك وجه ربك خالصاً ... تظفر بسبل الصالحين تهتدي
واخش المهيمن وأت ما يدعو إلي؟ ... هـ وانته عما نهى وتزهد
وارفع إلى الرحمن كل ملمة ... بضراعة وتمسكن وتعبد
واقطع عن الأسباب قلبك واصطبر ... واشكر لمن أولاك خيراً وأحمد
وعليك بالورع الصحيح ولا تحم ... حول الحمى واقنت لربك واسجد
وخذ العلوم بهمة وتفطن ... وقريحة سمحاء ذات توقد
واستنبط المكنون من أسرارها ... وابحث عن المعنى الأسد الأرشد
وعليك أرباب العلوم ولا تكن ... في ضبط ما يلقونه بمفند
فإذا أتتك مقالة قد خالفت ... نص الكتاب أو الحديث المسند
فاقف الكتاب ولا تمل عنه وقف ... متأدباً مع كل حبر أوحد
فلحوم أهل العلم سمت للجنا ... ة عليهم فاحفظ لسانك وابعد
هذي وصيتي التي أوصيكها ... أكرم بها من والد متودد
وكتب لولده قاضي القضاة تاج الدين وق رتب موقعاً بالدست الشريف بالشام في سنة خمس وسبع مئة:
أقول لنجلي البر المفدى ... مقالاً وثقت منه عراه
وليت كتابة في دست ملك ... رست أركانه وسمت ذراه
стр. 1862
فلا تكتب بكفك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه
ولا تأخذ من المعلوم إلا ... حلالاً طيباً عطراً شذاه
ونصحك صاحب الدست اتخذه ... شعارك فالسعادة ما تراه
ثلاث يا بني بها أوصي ... فمن يأخذ بها يحمد سراه
وتقوى الله رأس المال فالزم ... فما للعبد إلا من براه
قلت: التزم ﵀ فيها الراء والثالث تضمين، وهو بيت مشهور جاء في موضعه متمكناً، وتراه في هذا البيت من الرؤية، وفي الخامس من الرأي فلا يظن أنه إيطاء.
وأجابه رحمه الله تعالى ولده قاضي القضاة تاج الدين عن ذلك بقوله:
أتت والقلب في الغفلات ساه ... تنبه كل ساه من كراه
وصية والد برشفوق ... يقوم مع ابنه فيما عراه
رؤوف بابنه لو بيع مجد ... بمقدور لبادر واشتراه
ألا يا أيها الرجل المفدى ... ومن فوق السماء يرى ثراه
أنلت فنلت في الدنيا منالاً ... يسرك في القيامة أن تراه
وقال رحمه الله تعالى في معنى قول امرئ القيس: وما ذرفت عيناك ... البيت، وأنشدني ذلك من لفظه:
стр. 1863
قلبي ملكت فما به ... مرمى لواش أو رقيب
قد حزت من أعشاره ... سهم المعلى والرقيب
يحييه قربك إن مننت به ولو مقدار قيب
يا متلفي ببعاده ... عني أما خفت الرقيب
قلت: ليس لهذه القوافي خامس فيما أظن، وقد تلطف في القافية الثالثة حتى تركبت معه من كلمتين وامتزجت، وقيب لغة في قاب، وفي هذه الأبيات معنى من المعاني الأدبية، وهو مما يمتحن به الأدباء في قول امرئ القيس: وما ذرفت عيناك، البيت، لأن الأصمعي قال فيه ما هو باد لكل أحد، وهو أن عينيها سهمان ضربت بهما في قلبه المقتل الذي هو أعشار، أي مكسر، من قولك: برمة أعشار إذا كانت كذلك.
وأما ابن كيسان فقال ما هو أدق من هذا المعنى، فقال: ضربت بسهميك اللذين هما من سهام الميسر لتملكي أعشار القلب، وهي جميع ما يخص الميسر من القداح، فالمعلى له سبعة أسهم، والرقيب له ثلاثة أسهم، فيستغرق السهمان جميع الأعشار، وهذا وإن كان دقيقاً وفيه غوص ففيه تعسف، وتأويل فيه بعد، وأما هذا الذي نظمه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فهو صريح في هذا المعنى.
وكنت قد طلبت منه ما أستعين به على ترجمته لما وضعتها في تاريخي الكبير الوافي بالوفيات فكتب لي مسموعاته وأشياخه ومصنفاته، ولم يكتب شيئاً من نظمه، فكتبت إليه:
стр. 1864
مولاي يا قاضي القضاة الذي ... أبوابه من دهرنا حرز
أفدتني ترجمة لم تزل ... بحسن أقمار الدجى تهزو
لبست منها حلة وشيها ... أعوزه من نظمك الطرز
فكتب الجواب رحمه الله تعالى:
لله مولى فضله باهر ... من كل علم عنده كنز
يا واحد الدهر ومن قد علا ... منه على هام العلا الغرز
تسألني النظم ومن لي به ... وعندي التقصير والعجز
قبل الداعي طرساً قد سما نوراً ونقساً، جمع أفانين العلوم في شبه الوشي المرقوم، ما بين خط إذا رمقته العيون قالت: هذا خط ابن مقلة، ونظم لا يطيق حبيب أن ينكر فضله، ونثر يرى عبد الرحيم عليه طوله، صدر عمن توقل ذروة البلاغة وسنامها، وامتطى غاربها وملك زمامها، وكملها من كل علم بأكمل نصيب، ضارباً فيه بالسهم المصيب، مشمراً فيه عن ساق الجد والاجتهاد، متوقداً ذكاء مع ارتياض وارتياد، إلى من هو عن ذلك كله بمعزل، ومن قعد به قصوره إلى حضيض منزل يطلب منه شيئاً مما نظم، ولعمري لقد استسمن ذا ورم، ومن أين لي النظم والرسائل إلا بنغبه من المسائل، على تبلد خاطر وكلال قريحه، وتقسم فكر بين أمور سقيمة وصحيح، فأنى لمثلي شعر ولا شعور، أو يكون له منظوم ومنثور، غير أني مضت لي أوقات استخفني فيها إما محبة التشبه بأهل الأدب، وإما ذهول عما يحذره العقلاء من العطب، وإما حالة تعرض للنفس فتنضح بما فيها،
стр. 1865
وأقول دعها تبلغ من أمانيها، فنظمت ما يستحيا من ذكره، ويستحق أن يبالغ في ستره، ولكنك أنت الحبيب الذي لا يستر عنه معيب، أذكر لك منه حسبما أشرت نبذاً، وأقطع لك منه فلذاً. وذكر أبياتاً أوردتها في ترجمته في تاريخي الكبير، ونقلت من خطه له وأنشدنيه من لفظه:
إن الولاية ليس فيها راحة ... إلا ثلاث يبتغيها العاقل
حكم بحق أو إزالة باطل ... أو نفع محتاج سواها باطل
ونقلت من أيضاً له:
مثال عم وخال ... بقول صدق وجيه
بني بأخت أخيه ... لأمه لا أبيه
وذاك لا بأس فيه ... في قول كل فقيه
فنجلة هو داع ... بذاك لا شك فيه
وكتب إلي وقد وقع ثلج بدمشق في أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين وسبع مئة:
نطرت إلى أشجار جلق فوقها ... ثلوج أراها كالبروق تلوح
فشبهتها قضبان فضة اكتست ... وقابلها منا الغداة صبوح
ومن تحتها الأوراق خضر كأنها ... زمردة تغدو بنا وتروح
ومن بينها النارنج كالذهب الذي ... هواه به كل النفوس تبوح
стр. 1866
فقلت: لقد أخطأت تشبيهي الذي ... يعز علي المعتز وهو فصيح
تشبه يبساً ذاوياً برطيبه ... وميتاً بمن فيه الحياة وروح
فول صلاح الدين هذا فإنه ... إذا قال تشبيهاً أقول صحيح
وبعده:
أقول للسرو قد كساه ... ثلج رواء عليه نور
زمرد أنت في لجين ... فقال مه إن ذا قصور
تشبيه ذاو بلا حياة ... بمن له منظر نضير
وبعده أيضاً:
أقول للسرو قد كساه ... ثلج بدا نوره وأنهج
زمرد أنت في لجين ... فقال أبهى سنا وأنهج
فهل ذكي يطيق وصفي ... أريه طرق الهدى وأنهج
تقول لي ذائب المعاني ... فلا تراني لذا أنهج
وأنت يا واصفي بشعر ... بغير ردف سواه أنهج
فكتبت أنا الجواب إليه رحمه الله تعالى يقبل الأرض ويقول:
أتتني سطور كالدياجي مدادها ... وفيها المعاني كالنجوم تلوح
يغني بها الشادي إذا ما حسا الطلا ... ويخلو بها عاني الهوى فيبوح
فكل معانيها غريب مصنف ... كما لفظها بين الأنام فصيح
ملوكية التشبيه فيما تخيلت ... كذلك تشبيه الملوك مليح
стр. 1867
فقابلت منها نسخة تقويه ... على كل سطر قد حوته صحيح
فأعملت فكري فانثنى متقاعساً ... وعهدي به عند القريض لحوح
وعاد فقيراً في زوايا أضالعي ... وما عنده في نظم ذاك فتوح
ثم إن أعقله بارحته، وصبر إلى اليوم حتى رأى نشاطه لما كن عليه وجانحته، وغالطه في نظم شيء في هذه المادة، وقال: ما ضرك أن تسير جوادك في هذه الجادة، فلا بد له من العرض بين يدي مولانا قاضي القضاة أدام الله تعالى أيامه، وإغضاؤه مضمون الدرك فيما كل السوانح غزلان رامة، فانفعل لذلك بعدما استحيا وخجل، وقال وهو ما بين الجذل والوجل:
الثلج يسقط فوق أوراق حوت ... نارنج بستان سبى بروائه
فكأنما تلك الثلاث سرقن من ... قاضي القضاة الحسن يوم لقائه
فابيض ذا كثنائه واخضر ذا ... من جوده وأنار ذا كذكائه
فشكرت له هذا التخيل وعلمت أنه لطيف التحيل، وقلت: ما بك ما يعوق، فالحق ببضاعتك السوق، فإذا به قد نظم واستعمل القلم، وقال:
نارنجنا في الغصون يحكي ... والثلج في بعضهن رقم
خدا تبدى به عذار ... عاجله بالمشيب هم
فقلت له: لا بد من الزيادة، فإن الخيرة عادة، فقال: أزيدك شيئاً من الاستعارة فإنها لقمر التشبيه داره. وقال:
قد سقط الثلج فوق دوح ... نارنجها يفرح الحزينا
стр. 1868
كورد خد وآس صدغ ... لاح به السيب ياسمينا
فقلت له: حسن، ولكن التشبيه الملوكي فات وهو من أعظم الآفات فقال:
كأن سقيط الثلج في الورق التي ... تضمنت النارنج عند التضرج
لآلي مشيب في زمرد عارض ... تبدى على ياقوت خد مضرج
فقلت: هذا كاف، فانظم في السرو بلا خلاف، فقال بعدما نضج ولم يبق فيه عرق يختلج:
عاينت سروة دوحة قد أشبهت ... والثلج يسقط فوقها متوالي
حسناء زفت في ملاءة مخمل ... خضراء كللها سموط لآلي
فكتب هو رحمه الله تعالى الجواب إلي عن ذلك:
تراقصت الأشجار عند سماعها ... قريضك واختلت كنشوان يطرب
وقالت: ألم أخبرك أنك قاصر؟ ... فقلت لها: باب صحيح مجرب
وركبت أنا مغلطة من مغالط المنطق، ونظمته وكتبت به إليه وهو:
أيا قاضي القضاة بقيت ذخراً ... لتشفي ما يعالجه الضمير
فأنت إمامنا في كل فن ... ومثلك لا تجيء به الدهور
كأنك للغوامض قطب فهم ... عليك غدت دقائقها تدور
بلغت بالاجتهاد إلى مدى لا ... يخونك في معارفه فتور
وبابك عاصم من كل جور ... وعلمك نافع ولنا كثير
وقلنا أنت شمس علا وعلم ... فكيف بنوك كلهم بدور
стр. 1869
إليك المشتكى من سوء فهم ... يعسر إذ يسير له اليسير
بليت بفكرة قد أتعبتني ... تحور إلي كسلى إذ تخور
مقدمتان سلمتا يقيناً ... ولكن أنتجا ما لا يصير
تقول البدر في فلك صغير ... وذلك في كبير يستدير
فيلزم أن بدر التم ثاو ... بجانحة الكبير وذاك زور
فأوضح ما تقاعس عنه فهمي ... فأنت بحله طب خبير
وفهمك في الورى كضياء شمس ... وعلمك في الأنام هدى ونور
فكتب الجواب في ليلته وفرع عليه ثلاثة أجوبة، وهو:
سؤالك أيها الحبر الكبير ... سمت في حسن هالته البدور
وهمتك العلية قد تعالت ... فدون طلابها الفلك الأثير
ونظمك فوق كل النظم عال ... على هذا الزمان له وفور
فلو سمحت بك الأيام قدماً ... لقدمك الجحا جحة الصدور
سألت وأنت أذكى الناس قلباً ... وعندك كل ذي عسر يسير
وقلت المشتكى من سوء فهم ... وحاشى إن فهمك مستطير
وفكرتك الصحيحة لن تجارى ... ولم أرها تحور ولا تخور
ولا كسل بها كلا وأنى ... ودون نشاط أولها السعير
فهاك جواب ما قد سلت عنه ... وأنت بما تضمنه خبير
مقدمتان شرطهما اتحاد ... بأوسط إن يفت فات السرور
وهذا منه فالانتاج عقم ... وأعقبه عن التصديق زور
стр. 1870
وذلك أن قولك في صغير ... هو المحمول ليس هو الصغير
وفي الكبرى هو الموضوع فاعلم ... فمن ذياك للشرط الثبور
وإن رمت التوصل باجتلاب ... مقدمة بها يقع العثور
على تحقيق مظروف وظرف ... فمشترك عن المعنى قصير
فمعنى البدر في فلك صغير ... يخالف ما تضمنه الكبير
فلم يحصل لشرطهما وجود ... لذلك أنتجا ما لا يصير
وفي التحقيق لا إنتاج لكن ... لأجلك قلت قولك لي عذير
وأما إن أردت عموم معنى ... وذلك فيهما معنى شهير
فينتج آمناً من كل شك ... وليس عليه إيراد يصير
فذاك جواب ما قد سلت يا من ... غدا في العلم ليس له نظير
وما عنه تقاعس منك فهم ... وكيف ومنك تنل الصخور
فأنت البدر حسناً وانتقالاً ... بأفلاك مضاعفة تسير
لحامله السريع وتالييه ... دليل أن خالقه قدير
يرى ذو الهيئة النحرير فيها ... عجائب ليس يحويها الضمير
فسبحان الذي أنشأه بر ... رحيم قاهر رب غفور
وصلى الله رب على نبي ... هو الهادي به قد تم نور
وكتبت أنا إليه سؤالاً من علم المناظر:
قاضي قضاة الشام يا من له ... فوائد كالديم الهاطلة
ومن له معرفة قد غدت ... لكل علم في الورى شاملة
стр. 1871
ومن إذا حل بنا مشكل ... يلقا بالأجوبة الفاصلة
وهو إمام الناس في فنهم ... وفي فنون عنده حاصله
من كذب الحس فما عنده ... بينة تعضده عادله
لكن هذا القطر في جوه ... غدا خطوطاً للثرى نازله
كذلك النقطة فوق الرحى ... تبصرها دائرة جائله
فبين العلة في صدقنا ... أولا فدعواكم إذا باطله
وابق مدى الأيام في نعمة ... بدورها مشرقة كالمة
فكتب هو ﵀ الجواب إلي مختصراً:
علتها السرعة مع وهمنا ... ومن خيال لم يزل خاتلة
يقضي بها الوهم ويأبى الحجى ... وهو الذي أحكامه عادلة
والحس مقصور على رؤية ... مبصرة للصورة الحاصلة
وكتب أيضاً رحمه الله تعالى جواباً مطولاً في ثلاثة وأربعين بيتاً وقد أثبتها بكمالها في كتابي ألحان السواجع بين البادي والمراجع، وقال لي يوماً: نظمت بيتاً مفرداً من ثماني عشرة سنة، وزدت الآن عليه بيتاً في هذه السنة، وكانت سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وهما:
لعمرك إن لي نفساً تسامى ... الى ما لم ينل دارا بن دارا
فمن هذا أرى الدنيا هباء ... ولا أرضى سوى الفردوس دارا
فأعجباني، وقلت في مادتهما، إلا أن بيتيه رحمه الله تعالى أحسن وأصنع من
стр. 1872
قولي:
لعمرك إن للباقي التفاتي ... ومالي نحو ما يغني طريقه
أرى الدنيا وما فيها مجازاً ... وما عندي سوى الأخرى حقيقه
وحصل له في وقت ما شرى، فكتب إليه جمال الدين محمد بن نباتة المصري:
يفديك يا قاضي القضاة عليهم ... من كل داء تشتكي كل الورى
شهد الشرى لك حين زارك بالتقى ... والصبر والصدقات لما خبرا
لا تعدم المدح الروائح سيداً ... هذي خلائقها بتخبير الشرى
فلما حضرت عنده أراني إياها، فلا وقفت عليها علمت ما أراده من خطأ التورية مع الناظم فمضيت من عنده وعدت إليه وقد كتبت أنا إليه بعد ذلك:
لما اشتكى قاضي القضاة فديته ... من كل سوء يشتكي منه الورى
عاينته لأذى الشرى متصبراً ... فعلمت حقاً أنه أسد الشرى
وربحت توريتي التي قعدت وما ... خسرت ولم أنطق بتخيير الشرى
فأعجبه ذلك وجبر على عادته معي، وفساد التورية مع الناظم الأول هو أن الشرى، بفتح الشين، مقصور؛ وهو المرض المعروف عند الأطباء بالماشرى، وهو الخراج الصغار التي تتولد من مادة دموية لذاعة، والشِرى بكسر الشين، مصدر شرت شرى، ففسدت توريته.
ووصل الخبر مع البريد من مصر بوفاته قدس الله روحه في يوم الجمعة سابع جمادى
стр. 1873
الآخرة سنة ست وخمسين، فكتبت مرثية إلى ابنه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب، وأنشدت في صبيحة العزاء بالعادلية، وهي:
أي طود من الشريعة مالا ... زعزعت ركنه المنون فزالا
أي ظل قد قلصته المنايا ... حين أعيا على الملوك انتقالا
أي بحر قد فاض بالعلم حتى ... كان منه بحر البسيطة آلا
أي حبر مضى وقد كان بحراً ... فاض للواردين عذباً زلالا
أي شمس قد كورت في ضريح ... ثم أبقت بدراً يضي وهلالا
مات قاضي القضاة من كان يرقى ... رتب الاجتهاد حالاً فحالا
مات من فضل علمه طبق الأر ... مسيراً وما تشكى كلالاً
كأن الشمس في العلوم إذا ما ... أشرقت أصبح الأنام ذبالا
كان كل الأنام من قبل ذا العص؟ ... ر عليه في كل علم عيالا
؟ كان فرد الوجود في الدهر يزهى ... بمعالي أهل العلوم جمالا
فمضوا قبله وكان ختاماً ... بعدهم فاعتدى الزمان وصالا
كملت ذاته بأوصاف فضل ... علم البدر في الدياجي الكمالا
وأنام الأنام في مهد عدل ... شمل الخلق يمنة وشمالا
لمن بعده نشيد رحاباً ... ولمن بعده نشد رحالا
وهو إن رمت مثله في علاه ... لم تجد في السؤال عنه سوى لا
أحسن الله للأنام عزاهم ... فهم بالمصاب فيه ثكالى
ومصاب السبكي قد سبك القل؟ ... ب وأودى منا الجلود انتحالا
خزرجي الأصول لو فاخر النج؟ ... م علا مجده عليه وطالا
خلق كالنسيم مر على الرو ... ض سحيراً وعرفه قد توالى
ويد جودها يفوق الغوادي ... تلك ماء همت وذا صب مالا
стр. 1874
أيها الذاهب الذي حين ولى ... صار منه عز الدموع مذالا
لو أفاد الفداء شخصاً لجدنا ... بنفوس على الفدا تتغالى
أنفس طالما تنفس عنها ... منك كرب يكظها واستحالا
أنت بلغتها المنى في أمان ... فاستفادت غنى غزت منالا
من لنا إن دجت شكوك شكونا ... من أذاها في الذهن داء عضالا
كنت تجلو ظلامها ببيان ... حل من عقلنا الأسير عقالا
من يعيد الفتوى إلى كل قطر ... منه جاءت جوابها يتلالا
قد صببت الصواب فيها وأهدي؟ ... ت هداها وقد محوت المحالا
فيقول الورى إذا ما رأوها ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
فليقل من يشاً ما شاء إن المو ... ت أردى الغضنفر الرئبالا
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
قد تقضى قاضي القضاة تقي ال؟ ... دين سبحان من يزيل الجبالا
فالدراري من بعده كاسفات ... وإذا ما بدت تراها خجالى
كان طوداً في علمه مشمخراً ... مد في الناس من بنيه ظلالا
فبهاء بها ونعمت وتاج ... فوق فرق العلياء راق اعتدالا
هو قاضي القضاة صان حماه ... من عوادي الزمان ربي تعالى
وهداه للحكم في كل يوم ... فيه يرعى الأيتام والأطفالا
وحباه الصبر الجميل ووفا ... هـ ثواباً يهمي سحابا ثقالا
ليبيد العدى جلاداً ويغدو ... فيفيد الندى ويبدي الجدالا
стр. 1875
وكتبت بعد ذلك إلى ولده الشيخ الإمام بهاء الدين أحمد بمصر أعزيه:
؟ وهكذا جيشه المعهود نصرته ... على أعاديه بعد اليوم ينهزم
أهكذا جبل الإسلام ينهدم ... وهكذا سيفه المسلول ينثلم
وهكذا مجده الراسي قواعده ... تنحط منه أعاليه وتنحطم
وهكذا البدر في أعلى منازله ... وسعده قد محت أنواره الظلم
وهكذا البحر يمشي وهو ذو يبس ... من بعد ما كان في عرنينه شمم
وهكذا كل ميت حل في جدث ... بكى له الفاقدان العلم والكرم
وقد نعى العدل منه سيرة كرمت ... يحفها الزاهران الحلم والنعم
والورق تملي لنا في وصفه خطباً ... يقلها المنبران البان والسلم
ولو أراد الأعادي كتمها اعترفت ... بفضلها الشاهدان العرب والعجم
قل للعدى إن جهلتم قدر رتبته ... فالبيت يعرفه والحل والحرم
والليل والذكر والمحراب شاهده ... والشرع والحكم والتصنيف والقلم
ومن يقل إنه يدري مكانته ... فما خفي عنهم أضعاف ما علموا
فكم كماة من النظار قد مهروا ... في البحث جاؤوا بما ظنوا وما زعموا
فكر فيهم بلا فكر وجد لهم ... جداله ثم لما سلموا سلموا
؟ وقصروا عن مبادي غاية حصلت ... له وأين عقاب الجو والرخم
ولوا فراراً وقد ألقوا سلاحهم ... وهم أناس على التحقيق قد وهموا
عليه هزمهم في كل معركة ... وما عليه بهم عار إذا انهزموا
شكوا فتوراً رأوه في بصائرهم ... ولو ألموا به من قبل ما ألموا
стр. 1876
ما الناس إلا سواء في بيوتهم ... ما الشأن في أمرهم إلا إذا التحموا
كل يرى أنه راح منفرداً ... ليث وأقلامه من حوله أجم
فإن تضمهم وقت الجدال وغى ... فغندها تظهر الأقدار والقيم
تزايد الحلم من زاكي سجيته ... فلم يكن من عداه قط ينتقم
موفق الحكم والفتوى على رشد ... ما ند منه على ما قد مضى ندم
كم بات ينصر مظلوماً رآه وقد ... أودى وجانبه بالضعف يهتضم
كان ابن تيمية بالفضل معترفاً ... وهو الألد الذي في بحثه خصم
يثني عليه وقد أبدى بفكرته ... أوهامه فيراها وهو يبتسم
وما أقر لمخلوق سواه وفي ... زمانه كل حبر علمه علم
قاضي القضاة تقي الدين حين قضى ... غدا أولو العلم لم يهناهم حلم
وكيف يهنأ عيش بعده وبه ... قد كان شمل الهدى بالحق يلتئم
فاليوم أقفر ربع المكرمات وقد ... شط المزار وأقوت دونها الخيم
مات الذي كان إن تسأله غامضة ... خلاك من حلها في العلم تحتكم
يا سائراً فوق أعناق الرجال وكم ... سعت له في المعالي والهدى قدم
خدمت علمك وقتاً والأنام إلى ... يوم القيامة فيما قلته خدم
تركت فينا تصانيفاً تخاطبنا ... فأنت حي ولما تنشر الرمم
ما مثل سيرتك المثلى إذا ذكرت ... بالحمد تبدو وبالتقريظ تختم
أقمت في مصر والأخبار نافحة ... طيباً تسير بها الوخادة الرسم
ما كنت إلا إمام الناس قاطبة ... في النقل والعقل تقضي كلما اختصموا
стр. 1877
وكل مشكلة في الدين معضلة ... يضيق فيها على سلاكها اللقم
تحل شبهتها من حيثما عرضت ... بالحق إذ لست في الترجيح تتهم
مطهر الذات من ريب تضيء لنا ... منك العوارف والأخلاق والشيم
يكاد من رقة فيه يهب صباً ... هذا وقد برحت أحداثه الحطم
من أجل ذا غدت أيامه غرراً ... بيضاً ولم يقض فيها أن يراق دم
كف على عدد الأنفاس في هبة ال؟ ... أموال ما سامها من بذلها الديم
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
لكن صبرنا على التفريق وهو أذى ... وما لجرح إذا أرضاكم ألم
مهما نسيت فما أنسيت برك بي ... عند الظما ونداك البارد الشبم
وفرط جبرك إذ تثنيني علي بما ... لا أستحق وذاك الحفل مزدحم
حتى أغالط نفسي في حقيقة ما ... أدريه منها وفي علمي بها أهم
فعال من طبع الباري سجيته ... على مكارم منها الناس قد حرموا
وكاد دهري لياليه تسالمني ... وكاد يصرف عني الشيب والهرم
والله لا فترت مني الشفاه عن الد ... عا ولا افتر لي من بعد ذاك فم
فاصبر أبا حامد فالناس قد فجعوا ... فيمن مضى لم تخصص أنت دونهم
تشارك الناس في هذا العزاء كما ... نعمى أياديه فيها الناس تقتسم
وانظر وقس يا إمام الناس كلهم ... فإن سلمت فكل الناس قد سلموا
стр. 1878
هذي المصيبة بالإسلام قد نزلت ... فانظر عرا الدين منها كيف تنفصم
ما مثل من قد مضى يبكى عليه ولا ... تجري على وجنتيك الأدمع السجم
فإنه في جنان الخلد في دعة ... لكفه الحور والولدان تستلم
فقدس الله ذاك الروح منه ولا ... أراه يوم اللقا والحشر ما يصم
يقبل الأرض وينهي ما عنده من الألم الذي أنكى، والحادث الذي ما يحيك في خلد ذي جلد ولا يحكى، والمصاب الذي عقد المناحات له بالمناجاة، فوقف واستوقف له، وبكى واستبكى:
ولو يغني البكا أو رد ميتاً ... بكيت فلم يساجلني الغمام
فإنا لله وإنا إليه راجعون، قول من فقد إمامه، وفجع بمن كان يهديه إلى رشده ويريه طرق السلامة، وأعدمته الأيام حبراً لم يلتفت معه إلى الدراري إذا سمع كلامه، وغيضت منه بحراً كان يقذف به من دره فذه وتوامه، وأخذت منه فريد عصره فما يدري ما يبكيه منه، أعلمه أم بركته أم لطفه أم جوده الذي فضح الغمامة، وابتزت منه شيخ الإسلام الذي ما يخلفه الوجود إلى يوم القيامة.
عمت فواضله فعم مصابه ... فالناس فيه كلهم مأجور
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، كلمة تقولها الملوك لهذه المصيبة العظمى والرزية التي ما يجد الناس لها رحمى، ذهب والله من كان جمال الوجود، وإمام الأئمة وكعبة الجود، ومن كان بقاؤه بين ظهراني الناس رحمه، ومن بينه في العلوم وبين علو النجوم زحمه، ومن كان إذا كتب اهتزت من الطرب له الأقلام، وخضعت لأوامره
стр. 1879
السيوف، وسكنت خافقات الأعلام، وتملت بعلومه وتصانيفه الشريعة، فلما مات قال الناس أحسن الله عزاء الإسلام:
غدا طاهر الأثواب لم تبق روضة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
ويقسم المملوك أن مولانا وأخاه أدام الله أيامهما ما انفردا بهذه الرزية، ولا ابتليا دون الناس بهذه البلية، يا مولانا هذا ركن الإسلام قد انهدم، وهذا بحر الإيمان قد ارتدم فمصابه قد عم وما خص، وتحيف جناح الصبر وما حص، فالله يعين على ما أبلى ويمسك رمق القلوب فإنها عريت من جبة الصبر وما تطيق من الأحزان نبلاً، وما بقي غير الأخذ بالسنة في الصبر، والتمسك بآثار السلف الصالح ممن أودع أحبابه القبر:
أنت يا فوق أن تعزى عن الأحباب فوق الذي يعزيك عقلاً
وبألفاظك اهتدى فإذا عز ... اك قال الذي له قلت قبلا
ويقسم المملوك ثانياً أن فيكما خلفاً باقياً، وكلاكما، كلاكما الله، نير أصبح في درجات من درج السعد راقياً، وما السلوة إلا بهذا، وإلا كانت قلوب الأولياء قد أمست جذاذاً، فالله تعالى يمتع مصر والشام منكما بمطالع النيرين، ويديم
стр. 1880
للإسلام منكما من يحيي له سيرة العمرين، وقد جاء من مولانا قاضي القضاة تاج الدين ما نور الظلم، وبور أرباب السيف والقلم.
وقال الناس ليمن أيامه: " ومن يشابه أباه فما ظلم ". فمولانا يمده بالخاطر ولا ينسه من دعائه، فإنه في الأرض مثل الغمام الماطر، أنهي ذلك، والله الموفق بمنه وكرمه؛ إن شاء الله تعالى.
علي بن عبد الكريم
ابن طرخان بن تقي، الشيخ الإمام العالم علاء الدين أبو الحسن بن مهذب الدين الحموي الصفدي، وكيل بيت المال بصفد، المعروف بعلاء الدين الكحال.
كان شيخاً مليح الشيبة، ظاهر الهيبة، طاهر الحضرة والغيبة، أحمر المحيا، قد طال ريا وطاب ريا، له مطالعة واشتغال، وعنده على الطبة حنو واشتمال، جمع مجاميع حديثيه، وألف مؤلفات أدبية.
ولم يزل على حاله إلى أن كحل التراب أجفان الكحال، وغير بطن الأرض وجهه النير فاستحال.
وتوفي رحمه الله تعالى في حدود العشرين وسبع مئة، وكان قد تعدى السبعين.
رأيته بصفد مرات عديدة، وكان يركب فرسه ويقف على الخضري واللحام والخباز وغيرهم، ويشتري ذلك بنفسه ويخرج الفلوس من منديله وهو بعمة كبيرة
стр. 1881
وعذبة طويلة، إلا أنه كان خيراً لا شر فيه، ولا أعرف في صفد وكيل بيت مال غيره إلى أن مات.
وصنف كثيراً، من ذلك كتاب القانون في أمراض العيون، وكتاب الأحكام النبوية في الصناعة الطبية وكتاب مطالع النجوم في شرف العلماء والعلوم.
علي بن عبد الكريم بن أبي العدائر
العنبري ظهير الدين.
كان من الكتاب الكبار المعروفين، وله نظم، وهو خال الشيخ كمال الدين بن الزملكاني.
توفي في المحرم سنة اثنتين وسبع مئة ببعلبك.
علي بن عبد الملك
الأمير علاء الدين بن الملك القاهر بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل.
توفي رحمه الله تعالى يوم السبت تاسع عشر شهر رجب الفرد سنة ست وسبع مئة. وكان يوماً مطيراً، ودفن بتربة والده، وعمل عزاؤه بكرة الأحد بتربة أم الصالح.
علي بن عبد المؤمن بن عبد العزيز
المسند نور الدين الشافعي.
стр. 1882
سمع من جده لأبيه، ومن جده لأمه إسماعيل بن أبي اليسر، وأجاز لي بالقاهرة بخطه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
علي بن عبد النصير
ابن قاضي القضاة نور الدين أبو الحسن المالكي.
كان قيماً بمذهب مالك، عالماً بما فيه من الغوامض الدقيقة والمسالك، حج مرات وحج من ناظره فقطعه كرات، وكان متقشفاً، ظاهر التخلي عن الدنيا كأنه منها على شفا، يتردد على أصحابه ويتعهد أماكن لداته وأترابه، توجه إلى مصر آخر مرة، وتعرف بالأمير سيف الدين شيخو فأقسم أنه ما رأى مثله في عمره، وراج عنده لما راح، ونزل محادثته منزلة كأس الراح، فولاه قضاء القضاة بالديار المصرية ولبس التشريف لذلك، وفرح به أصحابه وقالوا: هذا مالك مذهب مالك.
فأقام على ذلك قليلاً، ثم اتخذ إلى ربه سبيلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين رابع جمادى الأولى سنة ست وخمسين وسبع مئة ومولده....
وكان قد ورد إلى دمشق صحبة قاضي القضاة فخر الدين أحمد بن سلامة المالكي، وناب له في دمشق، ثم إنه أقام بعده في دمشق، وكان بيده تصدير في الجامع الأموي، ولما توجه إلى مصر آخراً لازم الأمير سيف الدين شيخو فولاه القضاء في يوم الاثنين ثاني صفر سنة ست وخمسين وسبع مئة، وتوفي في التاريخ المذكور.
стр. 1883
فأقام في الحكم اثنين وسبعين يوماً، مرض منها مدة خمسين يوماً أو أقل، وما كان أقرب المأتم من العرس.
علي بن عبد الواحد بن الخضر
الرئيس علاء الدين بن السابق - بالسين المهملة وبعد الألف باء موحدة وقاف - الحلبي، نزيل دمشق.
كان شيخاً جليلاً متميزاً، من رؤساء الدولة الناصرية يوسف. خدم في الجهات وولي نظر البيمارستان، ومات وهو ناظر العشر.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة. وسيأتي بعده ذكر علاء الدين بن السايق، بالياء آخر الحروف ولكن ذاك علي بن عثمان بن السايق.
علي بن عبد الوهاب
ابن علي بن خلف بن بدر علاء الدين ابن القاضي تاج الدين بن بنت الأعز الشافعي.
كان مقيماً بمصر فنزح عنها هارباً من الشجاعي إلى أن وصل حلب وبلادها، وأقام في حماة مدة ثم حضر إلى دمشق وسعى أخوه القاضي تقي الدين في ترتيبه ناظراً بديوان الأمير حسام الدين طرنطاي بدمشق رفيقاً لبدر الدين المسعودي.
стр. 1884
وحكى المسعودي قال: لما باشر علاء الدين عندنا في الديوان لم يكن له من الملبوس إلا ما هو عليه، وقد أخلق ولم يكن معه شيء، فأرسلت إليه جملة دراهم وقماشاً غير مفصل من مالي، وبحث فلم يجدني تعرضت إلى درهم واحد من مال مخدومي، قال وذكرني بكل سوء.
ولما تولى الشجاعي نيابة دمشق حضر عنده، وتوصل إليه بما يلائمه، وولاه نظر ديوانه، وبعد ذلك توجه إلى مصر، وتولى الحسبة بها.
توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة.
قال ابن الصقاعي: وكان فيه قلق وثلب للناس ومن شعره:
حماة غزالة البلدان أضحت ... لها من نهر عاصيها عيون
وقلعتها لها جيد بديع ... ومن سود التلول لها قرون
قلت: أخذه من قول....
علي بن عتيق
ابن عبد الرحمن بن علي الشيخ الإمام العالم العلامة المفنن المحقق المدقق أبو الحسن المغربي القابسي المعروف بابن الصياد.
ورد إلى الشام وقدم علينا إلى صفد في سنة ست وعشرين وسبع مئة وقرأت عليه المقامات الحريرية كاملة، وقطعة من ديوان أبي تمام، وديوان أبي الطيب، وبعض كتاب أسرار العربية لابن الأنباري، وبعض درة الغواص للحريري، وكتاب العمدة في الأحكام، وبعض الحماسة لأبي تمام،
стр. 1885
وبعض المقامات اللزومية التي للسرقسطي، وذكرت إسناده لكل نسخة منها في النسخة المقروءة عليه. ثم إنني اجتمعت به في القاهرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة. ومن هناك عاد إلى بلاده وكان آخر العهد به. إلا أنه كان أحد الأشياخ الذين أخذت عنهم، واقتطفت در الفوائد منهم، كان عالماً بالعربية، والمواد الأدبية، وكان له يد في الأصول فقهاً وديناً، وحاصله في مذهب الإمام مالك متوفر، كأنه ليث ولج منه عريناً، وأما التفسير فكان فيه علامة، ونهجه فيه واضح الاستقامة، وأما أسماء الرجال والسيرة النبوية فكان في ذلك قد بلغ الغاية، وأطل فيه على النهاية، وكان مع ذلك فقيراً، وورد إلى هذه الديار فلم يكن فيها أثيراً. وعاد إلى بلاده بخفي حنين، مثقل الجوانح بالأحزان، فارغ اليدين، وكان وجهه يتوقد حمرة، ويظن به أن قد شرب كأس خمره. قال لي ما افتصدت عمري.
وكان ينظم نظماً عجيباً، أنشدني من لفظه لنفسه بالقاهرة:
ما جاءك الوغد إلا كنت تكرمه ... ولا أتيتك إلا كنت منحرفا
كذلك الكلب لا يعبا بجوهرة ... ومن سجيته أن يألف الجيفا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
إنني من أرض فاسٍ ... كنت فيها كالقمر
فخرجنا فكسفنا ... هكذا جري القدر
стр. 1886
علي بن عثمان
ابن يوسف بن عبد الوهاب الرئيس علاء الدين بن العدل، شرف الدين الدمشقي التغلبي الكاتب، ابن السايق، بالسين المهملة وبعد الألف ياء آخر الحروف وقاف، وقد تقدم ذكر ابن السابق، بالباء الموحدة، وكلاهما علي، ووفاتهما قريبة.
كان علاء الدين شيخاً له جلالة، وله مروءة وأصالة، يكتب خطاً بديعاً، ويوشي به الطرس فيخال روضاً مريعاً، نسخ كثيراً بخطه، ووشع بقلمه حاشية مرطه، وله أدب ونظم متوسط الرتبة، وإذا جلاه عروساً قوبل بالخطبة.
ولم يزل على حاله إلى أن حصل له صمم، ولمن يخاطبه ألم، وكان يكتب له في الهواء المراد فيفهم، وما يحوج الذي يخاطبه إلى أن يتكلم، أو أن يكتب له في الأرض ما يراد، فيعرف ذلك بالاقتصار والاقتصاد.
ثم إن الموت ساق ابن السايق، وقطع من دناه العلائق.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين ست مئة.
وروى عن الرشيد بن مسلمة كان قد تخلى عن الناس وانقطع.
علي بن عثمان بن عبد الواحد
علاء الدين المعروف بالطيوري، الحاسب.
كان رجلاً جيداً يشهد في القيمة، ويعلم الناس الحساب، وكان له مكتب وحلقة بالجامع الأموي.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة.
стр. 1887
علي بن عثمان
الشيخ العادل المقرئ الفاضل نور الدين أبو الحسن بن الشيخ المقرئ فخر الدين أبي عمرو بن الشيخ الصالح نفيس الدين بن عبد الرحمن بن الشيخ الصالح زهري بن فارس بن قضاعة بن مدلج، ينتهي إلى مذحج بن عبد مناف القرشي، المصري الفرسيسي - بالفاء مفتوحة وراء ساكنة وسينين مهملتين بينهما ياء آخر الحروف - الشافعي.
سمع من زينب بنت سليمان الإسعردي من الخلعيات، وكان متصدراً بالجامع الحاكمي بالقاهرة، وفيه خير وصلاح وانجماع عن الناس. وقرأ القراءات على نور الدين الشطنوفي. ولم يحدث.
توفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين ثامن ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
علي بن عثمان بن محاسن
الفقيه العالم المقرئ المحدث علاء الدين أبو الحسن الدمشقي الشاغوري الشافعي ابن الخراط، معيد الباذرائية، ونائب الخطابة.
سمع من ابن علان، والقاسم الإربلي، والفخر علي. وأكثر، وقرأ بنفسه، وسمع المسند كله والكتب المطولة، وتلا بالسبع على برهان الدين الإسكندري، وشارك في الفضائل، وظهرت عليه للخير والصلاح دلائل. وكتب بخطه كثيراً واختصر، وجمع
стр. 1888
في ذلك وحشر، اختصر تفسير ابن جرير بخطه، ويشنف أذن قرطاسه بقرطه، وكان فيه انجماع، وبعد عن الشر وامتناع، مع ملازمة الجماعة، والإمامة بالناس على أجمل طاعة.
ولم يزل على حاله إلى أن ركب نعشه ومحا الدهر من الكون نقشه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وخمسين وست مئة.
قال شيخنا الذهبي: سمعنا منه وسمع مني.
علي بن عثمان بن إبراهيم
ابن مصطفى، الشيخ الإمام الفاضل المفنن علاء الدين قاضي القضاة بالديار المصرية، الحنفي، ابن التركماني، تقدم ذكر والده الشيخ فخر الدين، وذكر أخيه الشيخ تاج الدين أحمد.
اشتغل هذا الشيخ علاء الدين وأفنى في ذلك عمره، واجتمع بمن أخذ عنه زمرة بعد زمرة، وكتب ودأب وصنف في غير ما فن وأتى فيه بالعجب. وجمع المجاميع المفيدة، ونزل من العلوم بالقصور المشيدة. وكان هو وأخوه في سماء الديار المصرية قمرين، وفي جنة رياضها نهرين، ولكن أفل أخوه تاج الدين قبله، واقتضى عطف الدهر لهذا بالتراخي والمهلة، فتولى قضاء القضاة بالديار المصرية، ونال من ذلك سؤله ورضاه.
стр. 1889
ولم يزل على حاله إلى أن غدت به أم حبو كرى، ونقلته من منصبه العالي إلى تحت الثرى.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر الله المحرم سنة خمسين وسبع مئة.
ومولده في شهور سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
وكانت ولايته القضاء بالديار المصرية في شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ولبس تشريفه من قلعة الجبل، ونزل فلم يشعر به قاضي القضاة زين الدين البسطامي إلا ودخل عليه في تلك الصورة فبهت.
ومن تصانيف قاضي القضاة علاء الدين ابن التركماني بهجة الأريب لما في الكتاب العزيز من الغريب، والمنتخب في علوم الحديث، وكتاب المؤتلف والمختلف، وكتاب في الضعفاء، والمتروكين، وكتاب الرد على الحافظ البيهقي، ولم يكمل، مختصر المحصل في علم الكلام مقدمة في أصول الفقه الكفاية في مختصر الهداية مختصر رسالة القشيري. وشرع في كتب كثيرة وفي مقدمات في العلوم ولم تكمل.
ولما توفي رحمه الله تعالى تولى ولده قاضي القضاة جمال الدين عبد الله مكانه.
стр. 1890
وله من قصيدة كتبها إلى الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار:
إذا شغل البرية فيك فاها ... فكل عنك بالخيرات فاها
فإنك في الشبيبة والمبادي ... بلغت من الفضائل منتهاها
وحزت جميع أنواع المعالي ... وفزت بها وجزت إلى مداها
وصمت عن الحرام على اقتدار ... وصنت النفس عنه في صباها
وملت بها إلى عمل وعلم ... فأضحى ذا الورى حقاً وراها
فلا برح الوجود لها مطيعاً ... ولا زال العدا أبداً فداها
علي بن عثمان بن أحمد
ابن هبة الله بن أحمد بن عقيل الحكيم، الفاضل بهاء الدين أبو الحسن القيسي المصري، المعروف بابن أبي الحوافر.
سمع من النجيب عبد اللطيف، والشريف العماد، وإبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب المنقدي، والشيخ شمس الدين بن العماد الحنبلي، ومحمد بن إبراهيم بن رسلان الكلي، وغيرهم. وسمع من قطب الدين القسطلاني، وابن الأنماطي، وحدث.
كان طبيباً فاضلاً حسن المعالجة، وبيته معروف ومشهور. وكان يكتب خطاً حسناً.
توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في تاسع عشري شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
стр. 1891
علي بن علي
ابن أبي الحسن الشيخ علي بن الشيخ علي الحريري.
كان شيخاً مشهوراً عند الناس مكرماً معظماً، له حرمة عند الدولة ووجاهة.
توفي رحمه الله تعالى في عشري جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسع مئة بقرية بسر من عمل زرع، وصلي عليه بجامع دمشق غائباً.
ومولده سنة ثلاث وأربعين وست مئة.
وتوفي والده سنة خمس وأربعين وهو طفل صغير.
علي بن علي
القاضي بهاء الدين بن أبي سوادة، كاتب سر حلب، تقدم ذكره في حرف السين.
علي بن عمر بن أبي بكر
الشيخ الصالح المعمر المسند نور الدين أبو الحسن الواني بن الصلاح المصري الصوفي.
سمع من ابن رواج أربعين الثقفي، ومن السبط أربعين السلفي وجزء
стр. 1892
ابن عيينة والسابع من أمالي المحاملي، والعاشر من الثقفيات. وسمع صحيح مسلم من المرسي والبكري، وحدث به خمس مرات، وسمع من يوسف الساوي.
كان شيخاً من أهل الصلاح وأرباب الخير والفلاح، سهل القياد لمن يقصد سماعه، مطيعاً لمن حاول منه انتفاعه، أكثر المصريون عنه وأخذوا كثيراً من الرواية منه. تفرد في عصره وتجرد سيفه الماضي في مصره، فالحق الصغار بأكابدهم، وجمعهم بالرواية عنه يغابدهم. وكان قد أضر بأخرة، وعولج فأبصر، وطول به عمده فما قصر.
ولم يزل على حاله إلى أن رأى الواني من سكرات الموت ألوانا، وترك مجاج الحياة مجاناً.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد ثامن عشر المحرم سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة خمس وثلاثين وست مئة. وهو آخر من روى حديث السلفي بالسماع المتصل.
علي بن عمر بن أحمد بن عمر
ابن أبي بكر بن عبد الله بن سعد، الصدر العدل الكبير الشروطي بهاء الدين بن العز المقدسي الأنصاري.
سمع من ابن عبد الدايم، وعمر بن محمد الكرماني، وغيرهما.
كانت له دربة كبيرة بالشروط ومعرفة تامة بما هو باد إليها منوط، يكتب خطاً آنق من الحدائق، وأنقى من محاسن الغيد العواتق. وعاش عمراً عامر الربوع، وأقام
стр. 1893
يمد له حبل الدهر وهو يبوع، ومتعة الله بحواسه لم يتغير فيها بضره ولا سمعه ولا نقص حرصه ولا جمعه.
ولم يزل على حاله إلى أن انتبه له الدهر من سنته، وأمسكه في سنته.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء رابع عشر المحرم سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده في سنة ستين وست مئة.
وكان يستخصر أسماء الناس وتواريخهم عجباً في ذلك. وعاش هذه المدة إلى آخر وقت وهو يقرأ الخطوط الدقيقة. وكان قد شهد على قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ومن بعده من القضاة إلى آخر وقت.
قال لي شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى: إذا أشكلت علي قراءة كتاب امحى خطه أدفعه إليه فيقرأه بلا كلفة. وله مشيخة حدث بها، واجتمعت به غير مرة وكان يحضر إلى عندي وأملي عليه ما يكتبه من الأصدقة، وأجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وفي سنة ثلاثين أيضاً بخطه.
علي بن عمر بن عبد الله
ابن عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل المقدسي الأصل، الآباري، الشيخ الصالح علاء الدين أبو الحسن بن الخطيب نجيب الدين بن الخطيب محب الدين بن الخطيب الزاهد بقية السلف أبي حفص.
стр. 1894
سمع من جده لأبيه الخطيب عماد الدين داود وأخويه الضياء يوسف الموفق محمد، وهم أعمام والده، ومن النجيب نصر الله بن الصفار المحدث.
حدث وسمع منه الطلبة.
مرض آخر عمره مدة، وضعف وتغيرت أحواله، وانقطع بالكلية. وكان يؤذن ببيت الآبار.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة خامس شعبان سنة ثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وأربعين وست مئة.
علي بن عيسى
ابن سليمان بن رمضان بن أبي الكرم، الشيخ الرئيس الكاتب الفاضل المعمر بهاء الدين أبو الحسن ابن الشيخ الفقيه ضياء الدين ناظر الأوقاف، وصهر الوزير بهاء الدين بن حنا، التغلبي المصري الشافعي، ابن القيم.
سمع من الفخر الفارسي، وعبد العزيز بن باقا وسبط السلفي، وتفرد مدة عن الفارسي.
стр. 1895
وكان فيه قوة، وهمة مرجوه، يركب الخيل ويتصرف في مصالحه، ويسعى في مناجحه. وعنده دين واف، وخير كاف، ولطف مع من يلقاه، وتواضع وهو في أعلى مرقاه.
ولم يزل على حاله إلى أن آن انصرام حبله، وحان انصراف حبله.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشري القعدة سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث عشرة وست مئة.
وسمع منه الدمياطي، والحارثي، وشيخنا ابن سيد الناس، وابن حبيب، وشيخنا العلامة قاضي القضاة السبكي، والواني، والنور الهاشمي، وابن سامة، وابن المهندس، والشيخ رافع، وولده الشيخ تقي الدين حضوراً، وابن الفخر، وابن خلف.
وقرأ عليه شيخنا الذهبي الأول من عوالي ابن عيينة للرئيس الثقفي.
وكان يركب الخيل، ويقوم لكل من يدخل عليه، ويمشي في أموره. وكان ناظر الأحباس. وولي أمر التركة الظاهرية. وصاهر الصاحب بهاء الدين بن حنا.
علي بن عيسى بن المظفر
ابن إلياس ابن الشيرجي الدمشقي.
حدث عن ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وطائفة.
следующие страницы →