Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
خلوت به ليلاً يدير مدامة ... وجنح الدجا دون الرقيب لنا ستر
فلما سرت كاس الحميا بعطفه ... ومالت به تيهاً ورنحه السكر
هممت برشف الثغر منه فصدني ... عذار له في منع تقبيله عذر
حمى ثغره المعسول نمل عذاره ... ومن عجب نمل يصان به ثغر
وكان المجير الخياط قد كتب إلى علاء الدين بن الكلاس أبياتاً كتب بها إلى غيره أولاً وأولها:
علاء الدين إن تنسى الودادا ... وتمنحنا القطيعة والبعادا
فأجابه علاء الدين عنها بأبيات أولها:
مجير الدين فت الناس نظماً ... ونثراً واختياراً وانتقادا
ثم إن علاء الدين علم أن المجير كان قد كتب بها إلى غيره، فكتب المجير إليه، ومن خطه نقلت الأصل والجواب:
يا علاء الدين يا من ... طاب بالآداب ذكره
وله عرف ثناء عطر ... الأقطار نشره
نظمه فاق الدراري ... ونظام الدر نشره
أيها الصدر الذي حا ... ز علوم الناس صدره
والأديب الشهم قنا ... ص المعاني الغر فكره
والجواد الجائد الحا ... وي بحار الجود شبره
عندنا منك حياء ... جل عند الناس قدره
إذ بعثنا نحوك الشعر الذي فصل شذره
стр. 1962
وبه غيرك من قبلك قد قلد نحره
فاغتفر هفوة هاف ... جاء بالأعذار شعره
وليفز منك بعفو ... وليقم عندك عذره
فكتب علاء الدين الجواب عن ذلك:
يا مجير الدين يا من ... أعجز الألسن شكره
وله بحر نوال ... عغمر العافين غمره
والذي يحلو بأفوا ... هـ ذوي الألباب ذكره
والذي بذ فحول الشعر في المضمار شعره
والذي فوق السماكين وفوق النسر قدره
كل مفضال أياديه بها قلد نحره
أيها الحبر مجير الدين والمحمود خبره
جاءني منك قريض ... يسكر الألباب خمره
جامع در المعاني ... عونه فيه وبكره
حل في القلب كما حل بروض الحزن قطره
بل كما ضاء لساري الليل في الظلماء بدره
نحو من يطلب من جو ... دك أن يبسط عذره
عبد إخلاص تساوى ... سره فيك وجهره
وإلى رؤيا محيا ... ك فني والله عمره
стр. 1963
علي بن محمد بن أحمد
ابن سعيد بن سالم بن عمر بن يعقوب، القاضي علاء الدين أبو الحسن المعروف بابن الفامي، المحتسب بدمشق.
اشتغل بمذهب الشافعي ودرس، وأدلج في طلب العلم وعرس، وسهر ودأب، ومهر لما طلب، واشتغل بالشام ومصر، وتوجه إلى الإسكندرية، ولم يؤخذ له على السعي إصر. وتولى تدريس المدرسة الأمينية، وصفا ظاهره في ذلك والنية. ثم باشر الحسبة، ووفر الله تعالى منها كسبه، وأقام فيها مدة وعزل، وكان قد طلع بدره فيها كاملاً، ثم أفل لا بل خسف وخزل، وتمر فيها أموالاً، ولم يبل بالدهر أعاداه أم والى. وعمر أملاكاً لها صورة، وذخائر غير محصور. ثم إنه وليها ثانياً، ورد الدهر عنان سعده ثانياً، إلا أنه أخنى عليه بعد مدة يسيرة، وجعل عين تطلعه إليها حسيرة. ولكنه جبر وقته مع الله بالتوبة منها، وترحل عن امتطاء صهوتها، ونزل عنها، وخف منها حاذه، وأقلع غيم وابله وقل رذاذه. وكان قد أنهكه المرض، وزال عن أعاديه إليه الغرض.
ثم إن ابن الفامي ألفى مي المنية، وسددت إليه سهام الحين من تلك الحنية.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة السبت سادس عشري صفر سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
стр. 1964
ومولده في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
كان قد حفظ التنبيه في الفقه، والعمدة في الأحكام ومقدمة ابن الحاجب، ومختصر ابن الحاجب، وسمع من زينب بنت الكمال، وأبي عمر وعثمان بن سالم بن خلف، ومحمد ابن إسماعيل بن الخباز، والحافظ أبي الحجاج المزي، وزينب بنت الخباز، ومن بهاء الدين بن إمام المشهد، وعليه اشتغل بالعلم وبه تخرج.
وكان أولاً قد تزوج بابنة القاضي زين الدين بن النجيح الحنبلي نائب قاضي القضاة علاء الدين بن المنجا، وكان يكتب الحكم عنه بالمدرسة الجوزية، وكان تولى الأمينية مدرساً بها في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة لما كان السلطان الملك الصالح صالح بدمشق في واقعة بيبغاروس بعد وفاة ابن عمه بهاء الدين بن إمام المشهد، ثم إنه تولى حسبة دمشق في أوائل سنة أربع وخمسين وسبع مئة في أيام الأمير علاء الدين أمير علي المارديني، ثم تزوج زوجة ابن عمه أيضاً وهي الحموية، فورثه في مدرسته وفي الحسبة وفي الزوجة.
وعزل من الحسبة سنة تسع وخمسين بالقاضي عماد الدين الشيرجي، ثم تولاها في شوال سنة اثنتين وستين وسبع مئة، ثم إنه لما أثقل حاله في المرض نزل عنها من ذاته، وخلف عدة من الأولاد الذكور وغيرهم، واشتملت تركته على ثلاثة مئة ألف درهم ما بين عين وأملاك ومجلدات وغير ذلك.
стр. 1965
كان لي تنور قد تعطل في أيام حسبته الأولى، فكتبت أنا إليه في ثامن شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وسبع مئة:
يا سيداً هو بالإحسان محتسب ... أجراً يوازنه في الحشر ثهلان
أشكو إليك من التنور عطلته ... وأنت في العلم والإفضال طوفان
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
يا سيداً هو في الإفضال مبتدأ ... وفي البلاغة والآداب سحبان
أشكو إليك من التنور عطلته ... وأنت في العلم والإفضال طوفان
علي بن محمود بن إسماعيل بن معيد
الأمير علاء الدين البعلبكي.
كان شكلاً طوالاً، جسيماً لم ير له مثالاً، بديناً إلى الغاية، بديلاً من الفيل في العظم والنهاية؛ إلا أنه كان من رجالات الناس رياسة، ودربة وخبرة ومعرفة وسياسة، خبيراً بالأمور ومعالجة الجمهور، دون دهاء وخداع، وملقه ملق واتضاع، خدم الناس وتقدم، وتقرب إليهم فأحمد عقبى ذلك وما تندم، فانتقل من الجندية إلى إمرة العشرة، ثم إلى الطبلخانات والولايات المشتهرة، وولي نظر الأوقاف بدمشق مدة، ثم تولى القبلية ويده إلى أعلى من ذلك ممتدة.
وكان تنكز يحبه لمعرفته، ويقربه ويوليه لدرايته ودربته.
ولم يزل في صعود، ومراقي سعود، إلى أن مرض بالقبلية، وقدم إلى دمشق فطالت علته، ولم تستد بالعلاج خلته، ونشرت له من الكفن حلته.
стр. 1966
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشري ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة ودفن بالمزة.
وكان قد ليس للإمرة بدمشق في ثامن عشر جمادى الأولى سنة خمس وسبع مئة. هو وعز الدين خطاب وسيف الدين بكتمر ومملوك الأمير سيف الدين بكتاش.
وولي البر بدمشق عوضاً عن الأمير شرف الدين بن البرطاسي في ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة. ثم إنه ولي شد الأوقاف في سابع عشري شهر رجب سنة عشرين وسبع مئة مضافاً إلى ولاية البر، ثم إنه عزل منهما وتولى القبلية بحوران يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، عوضاً عن الأمير سيف الدين بكتمر والي الولاة، وتولى أخوه الأمير بدر الدين بن معبد شد الأوقاف، وتولى ولاية البر علم الدين الطرقجي.
وكان أبوه شرف الدين تاجراً ببعلبك من عدولها، فنشأ ولده هذا وتعلق بالدول وخدمها إلى أن تولى شد الأوقاف بدمشق، وتولى البر مدة، ثم جهز إلى القبلية، فقلق فيها، ومرضن وحضر إلى دمشق إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وكان قد سمع من المسلم بن علان ببعلبك في سنة سبع وسبعين وست مئة قطعة من مسند الإمام أحمد.
قال شيخنا البرزالي: وسمع بقراءتي ببعلبك سنة إحدى وثمانين وست مئة.
وسيأتي ذكر أخيه الأمير بدر الدين محمد بن معبد في مكانه إن شاء الله تعالى.
وكان من سمنه إذا نام يحرسه اثنان، فإذا غط أنبهاه، فيقال إنهم غفلوا عنه فنام
стр. 1967
فغط فمات، والله أعلم. كذا جرى للأمير سيف الدين كشلي الآتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى.
علي بن محمود بن حميد
العلامة البارع علاء الدين أبو الحسن القونوي الحنفي الصوفي، المدرس بالقليجية.
سمع من الحجار، والجزري، وعدة. ودار على المشايخ قليلاً وحببت إليه الآثار، وخرجت له مشيخة، ولازم الكلاسة يقرئ العلوم فيها، وينفع من كان طالباً نبيهاً، مع ديانة لا تجهل، وصيانة لا يسمع أحد بذكرها إلا ويذهل، وتواضع على علو قدره، وسمو بدره، ودنو غيثه في العلم وقطره، أقام على ذلك برهة، ولأهل العلم بفوائده في كل وقت نزهة.
ولما توفي شيخ الشيوخ القاضي بدر الدين المالكي تولى هو مكانه، وقال له المنصب باستحقاقه،: كن، فكانه.
وأقام فيه قليلاً إلى أن حشرج صدره، وأفل من سماء الحياة بدره.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعو دمشق.
وكان يعرب لديوان الإنشاء الكتب التي ترد عليه بالعجمية من البلاد الشرقية. وكان يقرئ الطلبة في البزدوي وابن الساعاتي وفي منهاج البيضاوي، وفي
стр. 1968
مختصر ابن الحاجب، وفي الحاجبية، وربما أقرأ في الحاوي الصغير للشافعية.
ولما توفي قاضي القضاة شرف الدين المالكي تولى هو مشيخة الشيوخ مكانه، وكان القاضي شرف الدين يأخذ من كل خانقاه في الشام في كل شهر عشرة دراهم، وفي كل يوم نصيبين. ولما تولى القونوي ذلك أبطله ولم يتناوله.
وكان فيه سكون زائد إلى الغاية رحمه الله تعالى. وممن قرأ عليه أخي إبراهيم رحمه الله تعالى في المنهاج للبيضاوي.
علي بن محمود بن إبراهيم
الشيخ الصدر الرئيس علاء الدين بن جوامرد الفراء.
كان رجلاً جيداً مشكور السيرة، يقصده الناس، ويقضي حوائجهم، قارب التسعين، وكان تاجر الخزانة، وله على ذلك معلوم.
توفي رحمه الله تعالى في سادس عشري المحرم سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن بجبل قاسيون.
علي بن مخلوف
ابن ناهض بن مسلم النويري، قاضي القضاة زين الدين أبو الحسن المالكي.
حكم بالديار المصرية نيفاً وثلاثين سنة.
стр. 1969
سمع المرسي، وروى عنه. وسمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وغيرهما.
كان كثير المروة، غزير الفتوة، وافر الاحتمال، كثير الإحسان إلى أهل العلم والاشتغال، يكرم العدول، ولا يرى له عن تعظيمه عدول، قد درب الأحكام فصار ابن بحدتها وخبر فصل القضايا، ما تخفي علي وهدتها من نجدتها، وكان به لمصر فخار، وللمنصب به اشتهار.
ولم يزل على حاله إلى أن اعترف أجله بما جحد، وأصبح ابن مخلوف، ولم يخلفه أحد. وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري شهر جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
ومولده بالنويرة من أعمال البهنسة أربع وثلاثين وست مئة. وأظن الشيخ صدر الدين بن الوكيل فيه يقول:
إلى مالك يعزونه ونويرة ... فلا عجب إن كان يدعى متمما
ولولا أن هذا البيت من المرقص لم أذكره هنا.
وتولى القاضي زين الدين بن مخلوف رحمه الله تعالى قضاء الديار المصرية في أواخر سنة خمس وثمانين وست مئة عقيب وفاة ابن شاش. ولما توفي هو رحمه الله تعالى تولى المنصب بعده قاضي القضاة تقي الدين ابن الأخنائي.
стр. 1970
وكان السلطان الملك الناصر في سنة إحدى عشرة وسبع مئة قد عزل ابن مخلوف وأمر القاضي الشافعي أن يتخذ قاضياً مالكياً نائباً له من جهته ففعل ذلك ثم أعيد القاضي زين الدين بن مخلوف إلى مكانه.
علي بن مسعود بن نفيس بن عبد الله
الفقيه المحدث الصالح الزاهد نور الدين أبو الحسن الموصلي الحنبلي الحلبي نزيل دمشق.
سمع من أبي القاسم بن رواحة وغيره بحلب، ومن إبراهيم بن خليل.
قال شيخنا الذهبي رحمه الله تعالى: وحدثني أنه سمع من يوسف بن خليل، ولم يظفر بذلك، وسمع بمصر من الكمال بن الضرير، والرشيد، ومن أصحاب البوصيري، وعني بالحديث ودرب قراءته، وكانت مفسرة نافعة، وحصل الأصول ثم ارتحل إلى دمشق، فأكثر عن ابن عبد الدائم والكرماني وابن أبي اليسر والموجودين.
وكان يجوع ويشتري الأجزاء ويقنع بكسرة فيسوء خلقه مع التقوى والصلاح، وقرأ كتباً مراراً.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشر صفر سنة أربع وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وثلاثين وست مئة.
ومات رحمه الله تعالى بالبيمارستان الصغرى.
стр. 1971
علي بن المظفر
ابن إبراهيم بن زيد، الأديب البارع الكاتب الفاضل، المقرئ، المحدث، المنشئ، الناظم، علاء الدين الكندي الإسكندراني ثم الدمشقي المعروف بالوادعي، كاتب ابن وداعة.
وتلا بالسبع على علم الدين القاسم، وشمس الدين بن أبي الفتح. وطلب الحديث، ونسخ الأجزاء. وسمع من عبد الله الخشوعي، وعبد العزيز الكفرطابي، والصدر البكري، وعثمان ابن خطيب القرافة، وإبراهيم بن خليل، والنقيب بن أبي الجن، وابن عبد الدائم، ومن بعدهم. ونظر في العربية.
وكان ناظماً غواصاً على المعاني، شاعراً قادراً على إحكام ما للأبيات من المباني. جود المقاطيع دون القصائد، وأتى في كل بدر العقود وجواهر القلائد، يغوص على المعاني ويغور، ويفوح أرج نظمه ويفور.
وكتب المنسوب الذي أزرت لآليه بياقوت، وأذكر الناس بما يروى من
стр. 1972
السحر عن هاروت وماروت، ما كأن طروسه إلا حدائق، ولا كأن حروفه إلا رياض بين العذيب وبارق، ولا كأن مداده إلا شعرات في صدغي غلام مراهق.
جمع المجاميع الأدبية، وانتقى الأحاديث النبوية، وله التذكرة الكندية التي بخانقاه الشميساطي تشهد بفضله، وتعترف بنباهته ونبله، وديوانه يدخل في مجلدين كبيرين، وقفت عليهما فأطرباني، وقلت للدف والشبابة بعدهما لا تقرباني، ولملكتهما فملكا قلبي، ووضعتهما بين كتبي، وقد سكنا خلبي وقد انتقيت منهما ما راق نظمه، وكمل بدره تمه، ومن ذلك قطعة وافرة في الجزء الثالث والثلاثين من التذكر التي لي.
إلا أنه كان يتشيع، ويتوعر بذلك في ألفاظه وما يتورع.
وكتب الدرج موقعاً بالحصون مدة طويلة، ثم دخل آخر عمره ديوان الإنشاء بدمشق، على رأي العوام، بألف حيلة، وكان هجاماً على الأعراض، هجاء للجواهر والأعراض، وكان الناس ينفرون منه لذلك، ويرون فضائله المضيئة كأنها الليل الحالك، ومع تفنن فضائله وتوسع رسائله لما دخل الديوان لا راح ولا جا، ولم يره الجماعة في باب الكتابة ولا جا، كما جرى لبعض الناس، وقال الجماعة للمتعجب: " ما في وقوفك ساعة من باس "، حتى قلت أنا:
لقد طال عهد الناس بابن فلانة ... وما جاء في الديوان إلا إلى ورا
فقلت كذا كان الوداعي قبله ... ولا شك فيه أنه كان أشعرا
стр. 1973
ولم يزل على اله إلى أن تحقق الوداعي من الحياة وداعة، واسترجع الأجل ماله عنده من وداعة.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الأربعاء سابع عشر رجب سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة أربعين وست مئة تقريباً.
وتوفي ببستانه عند قبة المسجف.
قال شيخنا الذهبي: كان يخل بالصلوات فيما بلغني.
وكان شاهداً بديوان الجامع الأموي، وولي مشيخة الحديث بالنفيسية، وتولى نظر الصبية وبانياس فيما أظن، وأنشدني من لفظه القاضي شهاب الدين بن فضل الله ما كتبه على ديوان الوداعي رحمهما الله تعالى:
بعثت بديوان الوداعي مسرعاً ... إليك وفي أثنائه المدح والذم
حكى شجر الدفلى رواء ومخبراً ... فظاهره شم وباطنه سم
ولما شاع عنه كثرة الهجو تطلب القاضي نجم الدين بن صصرى ديوانه، وتذكرته من خانقاه الشميساطي، وكشط من ذلك أهاجي الناس، ولم يقدر على استيعاب ذلك، فإنني وجدت له بعد ذلك بخطه كثيراً.
وكان شيخاً مسناً، وله ذؤابة بيضاء إلى أن مات، ونقلت من خطه له:
يا عائباً مني بقاء ذؤابتي ... تالله قد أفرطت في تعييبها
قد واصلتني في زمان شبيبتي ... فعلام أٌطعها أوان مشيبها
قلت: نقل هذا من الحكاية التي تحكى عن بعض الوعاظ أنه طلع المنبر ووعظ والسلطان قد حضر ميعاده على كراهية له وهو يتكلم والمقص إلى جانبه والطواقي، والناس يصعدون إليه ويتوبون على يديه، فيقص شعورهم ويلبسهم الطواقي، فما كان
стр. 1974
إلا أن طلع إليه بعض خواص السلطان ممن يحبه ويهواه، وله ذؤابة سوداء مليحة طويلة، فتغير السلطان، وقال لمن يعز عليه: والله إن قطع شعر هذا المملوك لأقطعن يده، فلما صعد إلى الواعظ علم أنه قد وقع في خطر، فأخذ شعره في يده، وأخذ يفكر في خلاصه من تلك الورطة، وشغل المجلس بأشعار وحكايات، ثم قال: يا جماعة! أتدرون ما يقول لسان حال هذه الذؤابة، فقالوا له: ما يقول؟ قال: يقول: أنا كنت معه في زمن المعصية بالله لا تفرق بيني وبينه في زمن الطاعة، انزل روح يا سيدي، فأعجب السلطان ذلك والناس، ووقع كلامه منهم بموقع جد.
وإنما سمي علاء الدين الوداعي، لأنه كان يكتب للصاحب علاء الدين بن وداعة، ولذلك قال، ونقلته من خطه:
ولقد خدمت الصاحب ابن وداعة دهراً طويلاً
فلقيت منه ما التقى ... أنس وقد خدم الرسولا
وأنشدني شيخنا شمس الدين الذهبي، قال: أنشدنا المذكور من لفظه لنفسه، ونقلته أنا من خطه:
من زار بابك لم تبرح جوارحه ... تروي محاسن ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذن عن حسن
ونقلت منه ما كتبه لبعض أصحابه بمصر:
стр. 1975
رو بمصر وبسكانها ... شوقي وجدد عهدي البالي
وصف لي القرط وشنف به ... سمعي وما العاطل كالحالي
وارو لنا يا سعد عن نيلها ... حديث صفوان بن عسال
فهو مرادي لا يزيد ولا ... ثورا وإن رقا وراقا لي
ونقلت منه:
وزائر مبتسم ... يقول لما جا: أنا
فقال أيري منشداً ... أهلاً بتين جاءنا
قلت: يشير إلى قول الشاعر:
أهلاً بتين جاءنا ... مفتح على طبق
كسفرة من أدم ... مجموعة بلا حلق
ونقلت منه له:
لله ما أرشقه من كاتب ... ليس له سوى دموعي مهرق
يميس رقصاً في قباء أسود ... فقلت: هذا ألف محقق
ونقلت منه له:
وذي دلال أحور أجحر ... أصبح في عقد الهوى شرطي
طاف على القوم بكاساته ... وقال: ساقي، قلت: في وسطي
ونقلت منه له:
ولم أرد الوادي ولا عدت صادراً ... مع الركب إلا قلت: يا حادي النوق
стр. 1976
فديتك عرج بي وعرس هنيهة ... لعلي أبل الشوق من آبل السوق
ونقلت منه له:
سقيا لكرم مدامة ... أنشت لها النشوات ليلا
خلعت علينا سكرة ... بدوية كما وذيلا
ونقلت منه له:
ويوم لنا بالنيربين رقيقة ... حواشيه خال من رقيب يشينه
وقفنا فسلمنا على الدوح غدوة ... فردت علينا بالرؤوس غصونه
ونقلت منه له:
ذكرت شوقاً وعندي ما يصدقه ... قلب تقلبه الذكرى وتقلقه
هذا على قرب دارينا ولا عجب ... فالطرف للطرف جار ليس يرمقه
قلت: أخذه من قول الأول، والأول أحسن:
لئن تفرقنا ولم نجتمع ... وعاقت الأقدار عن وقتها
فهذه العينان مع قربها ... لا تنظر الأخرى إلى أختها
ونقلت من خطه له:
الغرب خير وعند ساكنه ... أمانة أوجبت تقدمه
فالشرق من نيريه عندهم ... يودع ديناره ودرهمه
وقال أيضاً:
حوى كل من الأفقين فضلاً ... يقربه الغبي مع النبيه
стр. 1977
فهذا مطلع الأنوار منه ... وهذا منبع الأنوار فيه
قلت: أخذ الوداعي معناه الأول وبعض الثاني من قول القاضي الفاضل رحمه الله تعالى: " وتلك الجهة وإن كانت غربية فإنها مستودع الأنوار وكنز دينار الشمس ومصب أنهار النهار ".
ونقلت من خطه له:
رمتني سود عينيه ... فأصمتني ولم تبطي
وما في ذاك من بدع ... سهام الليل ما تخطي
ونقلت منه له وظرف:
لنا صاحب قد هذب الطبع شعره ... فأصبح عاصية على فيه طيعا
إذا خمس الناس القصيد لحسنه ... فحق لشعر قاله أن يسبعا
ونقلت منه له:
قل للذي بالرفض أتهمني أضل الله قصده
أنا رافضي لاعن الشيخين والده وجده
ونقلت منه له:
ولا تسألوني عن ليال سهرتها ... أراعي نجوم الأفق فيها إلى الفجر
حديثي علا في السماء لأنني ... أخذت الأحاديث الطوال عن الزهري
ونقلت منه له:
امرؤ القيس بن حجر جدنا ... كان من أعجب أملاك الزمان
стр. 1978
ضل لما ظل يبغي ملكهم ... وهدى الناس إلى طرق المعاني
ونقلت منه له:
كم رمت أن أدع الصبابة والصبا ... فثنى الغرام العامري زمامي
بذوائب ذابت عليها مهجتي ... ومناطق نطقت بفرط سقامي
ونقلت منه له:
تأمل إلى الزهر في دوحه ... ومن زاره من ملاح الفتون
تظن الوجوه التي تحته ... تساقطن من فوقه من عيون
ونقلت منه ما قاله في رأس العين ببعلبك:
لله در العين ليلة زرتها ... فوجدتها راقت ورقت مشرعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
ونقلت منه له:
يا عاذلي في وحدتي بعدهم ... وأن ربعي ما به من جليس
وكيف يشكو وحدة من له ... دمع حميم وأنين أنيس
ونقلت منه له:
قسماً بمرآك الجميل فإنه ... عربي حسن من بني زهران
لا حلت عنك ولو رأيتك من بني ... لحيان لا بل مني بني شيبان
ونقلت منه له:
قلت وقد ماس في الكسا رشاً ... يخجل بدر التمام حين بدا
стр. 1979
إن الكسائي لم يمل أبداً ... أحسن من قده إذ أبدا
ونقلت منه له:
أدام الله أيام العذار ... وبارك في لياليه القصار
وأغنى الله روضة كل خد ... إذا استحيت من الديم الغزار
ولا زالت مباسم كل ثغر ... لشائم برقا ذات افترار
ولا برحت على العشاق تصفو ... ثياب العار في خلع العذار
قلت: قد حذا حذو شمس الدين بن العفيف التلمساني حيث قال وهو ألطف:
أعز الله أنصار العيون ... وخلد ملك هاتيك الجفون
وضاعف بالفتور لها اقتداراً ... وإن تك أضعفت عقلي وديني
وأسبغ ظل ذاك الشعر يوماً ... على قد به هيف الغصون
وصان حجاب هاتيك الثنايا ... وإن ثنت الفؤاد إلى الشجون
وخلد دولة الأعطاف فينا ... وإن جارت على قلبي الطعين
وقول شمس الدين محمد أيضاً:
أدام الله أيام الجمال ... وخلد ملك هاتيك الليالي
وأسبغ ظل أغصان التداني ... وزاد قدودها حسن اعتدال
ولا زالت ثمار الأنس فيها ... تزيد لطافة في كل حال
ولا برحت لنا فيها عيون ... تغازل مقلتي خشف الغزال
ونقلت من خطه له:
стр. 1980
تعجبوا من أدمعي إذ غدت ... بيضاً وكانت من دم قان
لا تعجبوا طرفي رب الهوى ... وكل يوم هو في شان
ونقلت منه له:
قلت للعاذل المفند فيها ... حين وافت وسلمت مختاله
قم بنا ندعي النبوة في العشق فقد سلمت علينا الغزاله
ونقلت منه له أيضاً في شاهد:
قضيت نجبي في هوى شاهد ... أصبح عدل القد بين القدود
وليس لي من أمره مخلص ... وهكذا القاضي أسير الشهود
قلت: كان ينبغي أن يأتي بالتوطئة بذكر القاضي ليكون المثل كاملاً.
ونقلت منه له:
متى أرى النفس التي ... من بعدهم قد نحلت
تفتح أبواب الهنا ... إن هي إليهم قفلت
علي بن معالي
الصدر الفاضل علاء الدين الأنصاري الحراني ثم الدمشقي المعروف بابن الزريزير الكاتب الحيسوب. كان مشكوراً، وانتفع به جماعة.
مات عن نحو أربعين سنة فجأة بدمشق في ثالث عشري صفر سنة خمس وسع مئة، ودفن بسفح قاسيون.
стр. 1981
علي بن مقاتل
علاء الدين التاجر الحموي، صاحب الأزجال المشهورة.
تفرد بنظم الأزجال في آخر عمره، وتحكم في فنها نبهية وأمره، وأتى بغرائب الصنعة واللزومات التي تضيق فيها على العوالي الرقعة، بحيث إنه أكثر من أنواعها، واستعمل أعوانها في مد أبواعها، وله شعر أيضاً إلا إنه في ذاك أمهر، وأزجاله أشهى إلى القلوب وأشهر.
اجتمعت به في حماة وفي دمشق غير مرة، وجلا علي من بنات فكره كل خريدة كأنها للشمس ضره، وديوانه يدخل في مجلدين، ويراهما أرباب هذا الفن في جنات الصدور مخلدين.
ولم يزل على حاله إلى أن قتل ابن مقاتل، ولم يقدر في معرك المنية على أن يخاتل.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة إحدى وستين وسبع مئة بحماة المحروسة.
ومولده بها في سنة أربع وستين وست مئة.
أنشدني كثيراً من أزجاله وأشعاره، ونقلت من خطه:
ومليح عمه الحسن بخال مثل حظي
وقع البحث عليه ... بينه وبين لفظي
قال هذا خال خدي ... قلت بل ابن أخت لحظي
стр. 1982
ونقلت منه له:
إن الخراساني لما حوى ... حلاوة الإيمان من خوفه
فضله الله على غيره ... أما ترى قلبين في جوفه
ونقلت منه له:
إن كانون في الكوانين أمسى ... وبه حفلة من النيران
كصديق له ثلاث وجوه ... كل وجه منها بألف لسان
ونقلت منه له:
يا مرقصاً يا مطرباً غنى لنا ... أنعم لإخوان الصفا بتلاقي
فلقد رميت مقاتل الفرسان بين يديك عند مصارع العشاق
ونقلت منه له:
خدود وأصداغ وقد ومقلة ... وةثغر وأرياق ولحن ومعرب
ورود وسوسان وبان ونرجس ... وكأس وجريال وجنك ومطرب
ونقلت منه له الأول تصحيف الثاني:
شفائي وجناتي حبيب بسربه ... لعوب بمرج تفرج البأس شيمته
سقاني وحياني حييت بشربة ... لغوت بمزح تفرح الناس سيمته
ونقلت منه له:
стр. 1983
أسهرتني مليحة أسهرتني ... طول ليلي ظلامه الطرف يعشي
والسهى خيفة الغراق من السقم مسجى على بنيات نعشي
والثريا كأنها راحة تلطم خد المريخ والجو مغشي
ونقلت منه له:
فضوا كتابي واعذروا فأناملي ... منها اليراع إذا ذكرتم يسقط
والقلب يخفق لا ضطراب مفاصلي ... والخط يشكل والمدامع تنقط
قلت: أحسن منه وأجزل وأمتن قول ابن الساعاتي:
بتنا وعمر الليل في غلوائه ... وله بنور البدر فرع أشمط
والطل في سلك الغصون كلؤلؤ ... نطم يصافحه النسيم فيسقط
والطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط
ونقلت منه له:
لا تنكروا حمرة خطي وقد ... فارقت من أحباب قلبي جموع
فإنني لما كتبت الذي ... أرسلته رملته بالدموع
ونقلت منه دوبيت في كل كلمتين قلب نفسها:
الخل خلا من نمعانق بقناعقانع بعناقألف لا عاد وداع
ما دام معانق ناعمعاش شاعألمى يملا ما أمعاطى وأطاع
ونقلت منه له موالياً:
على وفاكي وفاكي كم ذهب من عين ... وفي شفاكي شفاكي للذي بوعين
стр. 1984
ما أحلى وماكي وماكي نبع أعذب عين ... وقد حماكي حماكي أن تراكي عين
ونقلت منه له موالياً:
قال الذي من يراه الطرف ما يسني ... أنا الذي إن نظرت بالبدر ما يسني
والغصن يا خجلتو إن قام ما يسني ... وعاشقي إن هجوتو شهر مايسني
ونقلت منه له أيضاً:
كلمت من لو بقلبي ألف تكليمة ... بسيف لحظو الذي ما فيه تثليمه
وقلت بعد الوفا تبخل بتسليمة ... أرخصت دمعي وما تغلى بتعليمه
وكان قد أنشدني لنفسه بحماه زجلاً وهو:
قلبي يحب تياه ... ليس يعشق إلا إياه
فاز من وقف وحياه ... يرصد على محياه
بدر السما ويطبع ... من راد وصالو يعطب
صغير بحير في أمرو ... غزال قمر بشحرو
ليث الهوى ونمرو ... فاعجب لصغر عمرو
ريم ابن عشر وأربع ... أردى الأسود وأرعب
نذكر نهار تبعتو ... وروحي كنت بعتو
خيب ما كان طمعتو ... وقال كلام ما سمعتو
стр. 1985
ارجع ولي لا تتبع ... نخشى عليك لا تتعب
كم قدامو وخلفو ... مشيت مطيع لخلفو
وقصدي لثم كفو ... قال دع مناك وكفو
فلثم كل إصبع ... من الثريا أصعب
ما زلت لو نداري ... حتى حصل في داري
ناديت ودمعي جاري ... أيش لو تكون يا جاري
تدعني من فيك أشبع ... قال أيش يكون لك أشعب
من في الجمال فريدو ... للصب من وريدو
يذبح وهو يريدو ... وكم ذا شيخ مريدو
خلاه ودمعو يبلغ ... وهو بعقلو يلعب
من حاز في حسنو خدجو ... لحظو لقتلي حدو
وورد خدو ندو ... ما في الرياض شي ندو
روض بالحيا مبرقع ... عليه سياج معقرب
كم خصم في المقاتل ... صابو ابن مقاتل
وكم ذا في المحافل ... قد أنشا غصن حافل
من كل بيت في مربع ... ملحون بألف معرب
فأعجبني هذا الذي فيه من قلب البعض في أغصانه وبعد حين خطر لي نظم شيء في هذا فقلت أنا وجعلت جميع قوافيه مقلوب البعض:
قلبي لو صلو ترقب ... وبالخضوع لو تقرب
وربع صبري تعرقب ... حين رأى عذار وتعقرب
ترجم جمالو وعبر ... وزان لشكو وعرب
стр. 1986
في حسن حبي غرايب ... للعشق فيها رغايب
سرت إليها النجايب ... من الصبا والجنايب
رآه عاذلي فيه كبر ... وقام لعذري وركب
جيدو على الظبي راجح ... واللحظ من طرفو جارح
تراه إلى الصد جانح ... وعاشقو ليس هو ناجح
من صغر سنو تكبر ... وعاشقو قد تكرب
حكم الهوى منو قاسط ... وحظي من وصلو ساقط
مانا من الرحمة قانط ... والدمع من فوق خدي ناقط
لمن طغى أو تجبر ... يندم وهذا تجرب
غدا بوصلو مبخل ... خلاني كيف ريت مخبل
وأسرع في قتلي ما أمهل ... وعم سقمي وما أهمل
والدمع في الخد بحر ... والصدر للهم رحب
تراه يزيد في جمالو ... مالو نظير في مجالو
رأى ابن يعقوب لجالو ... كونو فريد في جلالو
في طلعة الشمس غبر ... وفي السيادات غرب
وفا وعودو تعود ... وما يفي إن توعد
كم راحة من كفو أوجد ... لنو من الغيث أجود
أبطل حسودو وأبطر ... ومدحو للسمع أطرب
لفن الإنشا ضراعه ... لو من زمان الرضاعه
وفي كلامه صناعه ... فيها بديع ونصاعه
ترسلو الحلو بور ... غيرو وعن مثلو ورب
كم من طويل فصل لخص ... ومن عق لفظ خلص
стр. 1987
والخير كم فيه ترخص ... والحق قال ما تخرص
والملك بو قد تدبر ... والدهر بوقد تدرب
راح للحجاز وترفق ... بالناس ومالو تفرق
وحوض سيلو مروق ... وأمسى وجفنو مورق
يتلو وصار أشعث أغبر ... وعزمو أكبر وأرغب
شيخ الشيوخ لو مخايل ... تقول رياض أو خمايل
لو جاد في قفر ما حل ... كان تبصر السيل حامل
من أبصر وراح مبشر ... بوجه أبيض مشرب
ولما نظمت هذا الجزل كان في دمشق في أوائل سنة ست وخمسين وسبع مئة، وسمع بي، فجاء إلي وطلب الوقوف عليه، فأوقفته، فبهت له، وأنشدني له أشياء من هذا النوع، ولكنه لم يلتزم ذلك في جميع القوافي.
ولما وقف عليه الإمام مجير الدين محمد بن الحسن بن الشهرزوري كتب لهو إلي:
دمعي بأسراري خبر ... وربع سلواني خرب
في من لهجرو تبشر ... وللأعادي تشرب
خبر بأسرار دمعي ... ولم يجبيني وما ادعي
في حب أصلي وفرعي ... أعليه وما يهوى رفعي
عن مقلتي شخصو بذر ... ونطقو في مقتي ذرب
стр. 1988
يا من هو لي مني سالب ... صدغيك عقربها لاسب
يا ولدي خالقك راقب ... فيا وسادد وقارب
سيف هجرك القلب هبر ... وعسكر الصبر هرب
يا أحلى الخلائق وأملح ... شخصك ترى يوم ألمح
ولي تجود وتسمح ... وأرضك أجفاني تمسح
هجرك بترني وتبر ... وخدي بالذل ترب
يا أحصف الناس وأفصح ... عن زلتي بالله أصفح
واغنم ثوابي واربح ... فعن هواك ليس أبرح
ما دام خدك معبقر ... وشعر صدغك معقرب
ازي رأى حبي أمرد ... ما ارجع يرى طرفو أرمد
الآس ترى أو زمرذ ... عذار هذا المزرد
طرز خدودو وحبر ... وحير الناس وحرب
أي من تصبح بخالو ... يزول عنو خبالو
لو رآه مشبه لخالو ... سيدي خليل في خلالو
لما غدا قدرو أكبر ... قلوب حسادو أكرب
أبو الصفا خير منشي ... إليه على رأسي نمشي
ترسلو الحلو حوشي ... من حشو ولفظ وحشي
فيه كيف أقبل وأدبر ... من سائر الناس هو أدرب
لو عاين ابن المقفع ... بيانو أضحى مفقع
وفي الكلام ما تشبع ... وكان بروح تبشع
لفظو في الآذان أغبر ... وأقعد فصاحة وأغرب
стр. 1989
شعرو على الشعرى باسق ... وفحلو في النظم سابق
ما يلحقو قط لاحق ... قد اعتلى فوق حالق
مية ألف نظام يقبر ... ما يطيق منو يقرب
ولو رأى ابن هلالو ... خطر المعجز لهالو
للبحتري أو لخالو ... لوجا مكانو خلالو
لنو للأوزان أسبر ... وفي قوافيها أسرب
بقى إلى ظلو يهرب ... ودام يرجا ويرهب
ومن يجاريه يتعب ... وما ينالو ويعتب
ومن يعاديه يغبر ... ومن يواليه يرغب
عبدو المجيرحين تشرف ... ومن كلامو ترشف
زبب وما بعد نصف ... وجاز حدود وصنف
دمعي بأسراري خبر ... وربع سلواني خرب
وأنشدني علاء الدين بن مقاتل لنفسه:
يا من قطع أوصالي ... ولي نار فراقو صالي
يوسف بالجمال أوصى لك ... وأبوه بالحزن أوصي لي
ما أصبرني عليك من عاشق ... وما أقساك عليه معشوق
حاجبك بقوسو راشق ... وقلبي بنبلو مرشوق
стр. 1990
فسبحان تبارك ما شق ... ألف ذا القوام الممشوق
قد أخلصت فيك أعمالي ... وعلقت بك أمالي
وذل الجمال راس مالك ... والصبر الجميل راس مالي
يا من خلى دمعي جاري ... وأوقف حالي الله جارك
ارعى لي الوداد يا جاري ... بالذي من السوء جارك
وقلبي بوصلك داري ... ولو فرد يوم في دارك
تستفيد شيء من أشغالي ... يا غريز عليه غالي
قال إياك يكون أشغالك ... بحال تاجر البرغالي
إن كان المعاشق جندك ... فأنا العاشقين من جندي
ولي حاجة سهلة عندك ... رقاد ليله تنتين عندي
وفوق عنقي تجعل زندك ... ومن تحت عنقك زندي
وأنشدك شيء من أغزالي ... في جدي وفي أهزالي
قال من حالك رقيق أغزالك ... قلتو جفنك الغزالي
قال فمن ذا حلاً لفظك ... قلت من ما أحلى لفظو
فيا ترى إيش حال حظك ... قلت يا سعيد في حظو
فيه شوي سواد من لحظك ... يا من حد صارم لحظو
فولاد ومجوهر حالي ... ولفظو مكرر حالي
ما دام سعد حالك حالك ... عن وصلي فحالي حالي
ارحم يا من الله حبو ... مجنون في سلاسل حبك
مسكين قد تفطر لبو ... وما ذاق خميرة لبك
ودمعو عليك قد صبو ... لهذا يسمى صبك
ولو كنت بالنار سالي ... قلبو ما هو عنك سالي
стр. 1991
فقل ليمن فيه سالك ... ما لو خرجه من سلسالي
عندي لك فعال مخصومه ... وعندك فعالي خصه
وروحي معك مغصوصة ... وتجرعت فيك كم غصه
وأخباري عليك مقصوصه ... ولا بد لي من قصه
ترفع للجناب العالي ... وأشكو للقوي المتعالي
عسى بصلاح أفعالك ... يمتزج فساد أفعالي
زرني يا مليح بحياتي ... قال لا والله فوق وحياتك
قلت أنا أعشقك من ذاتي ... قال واش كنت أنا من ذاتك
قلت ما تطيب أوقاتي ... بغير ساعة من أوقاتك
فاجعل الوصال متوالي ... وكن في علي موالي
قال ما أقدر أجي لك والك ... قلت أيوه تجي بالوالي
علي بن مقلد
علاء الدين حاجب العرب في أيام الأمير سيف الدين تنكز، كان راجلاً طويلاً، أسمر اللون كحيلاً، يتحنك بعمامته، ويتقلد بسيفه طول قامته، ويلبس الثياب الطويلة المفرجة، ويسلك الطريقة التي هي عن العربان فحرجه، يتبادى في كلامه، ويتباده في معاجلة تحيته وسلامه.
قربه تنكز وأدناه، ومكنه فعناه وأغناه، وصارت له في الدولة وجاهة زائدة،
стр. 1992
ومكانة؛ إلا أنها كانت إلى الهلاك قائده، وزاد في طغواه، وأرخى له الدهر أعنة هواه دون تقواه، فطار في غير مطاره، ونال نهايات أمانيه، وأوطاره، إلى أن تنكر تنكز له، فلبس له جلد النمر، وصبحه بصوب من سوط عذاب منهمر، فقتله بين يديه بالمقارع إلى أن تهرا، وتفصل جلده وتفرى، ثم كحله فأعماه، وقطع لسانه فأصماه.
فما كان بأسرع من ولوج الحمام حماه، ونفاذ السهم الذي قصده الحتف به ورماه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
حكى لي علاء الدين بن مقلد من لفظه، قال: توجهت إلى الرحبة في شغل، فعدت وقد حصل لي ثمانية عشر ألف درهم، أو قال: خمسة عشر ألف درهم، من العربان، ولم أذكر أنا هذا القدر إلا أن هذا في أيام الأمير سيف الدين تنكز، كان فرطاً عظيماً لا يصل إليه أحد في أيامه. وكان ابن مقلد رحمه الله تعالى قد زاد في التعاظم والتيه والكبرياء، فلو جاءه علي بن مقلد صاحب شيزر لقال: هذا شي زري لا شيزري، ولكنه أقام على هذا القدم مدة طويلة، وكان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى يسأل عنه من دواداره ناصر الدين، ويقول له: هذا ابن مقلد ما يعجبني حاله، وربما أنه يشرب النبيذ. فيقول ناصر الدين الدوادار: ما أظن ذلك ولا يقدر يفعله وحاجه فيه مرات، فلما كانت واقعة حمزة التركماني المقدم ذكره ودخوله في أمر ناصر الدين الدوادار، وما أوحاه في حقه وحق
стр. 1993
جماعته، خرج لوالي المدينة وقال له: أريد منك أن تكبس ابن مقلد، فكبسه تلك الليلة، وعنده جماعة نسوة وحرفاؤهن، ولما أصبح دخل حمزة إلى تنكز وعرفه الصورة، فأحضر الدوادار وأنكر عليه ووبخه وعنفه، وكان ذلك سبب الإيقاع به، وأحضر ابن مقلد وقتله بالمقارع قتلاً عظيماً إلى الغاية، وكحله، واعتقله في قلعة دمشق، فبلغه عنه كلام لا يليق، فقطع لسانه من أصله، وأحضر إليه على ورقة، فمات فيما أظن من ليلته بعد ما سلب نعمة عظيمة، ورتبة مكينة، وجاهاً طويلاً عريضاً، نسأل الله خاتمة خير في عافية.
علي بن منجا
ابن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي، الشيخ الإمام الفقيه البارع، قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن ابن الشيخ زين الدين أبي البركات ابن القاضي عز الدين أبي عمرو بن وجيه الدين أبي المعالي الحنبلي، قاضي دمشق.
ذكرت جماعة من أهل بيته في هذا التاريخ، وحدث عن ابن البخاري، وابن شيبان، وطائفة.
هو من بيت سعادة وحشمة، وسيادة ونعمة، وفتوى وفتوة، ومكارم للناس مرجوه، وأياد متلونة الأنواع متلوه.
من تلق منه تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يس بها الساري
стр. 1994
وكان هذا القاضي علاء الدين كثير الرئاسة، غزيز السياسة، لا يكاد أحد يسبقه إلى عزاء ولا هناء، ولا ينزل من مضارب الرئاسة إلا في خباء مروءة وحياء، يود من يعرفه ومن لا يعرفه، ويسعف الخصم في الحق ولا يعسفه:
منجذ من بني المنجا ... نال من الفضل ما ترجى
أسرع في نيل كل مجد ... وهم في قصده ولجا
فصار بحراً في العلم يصفو ... ولم ير الوصف منه لجا
ولم يزل على حاله المرضية، وأوامره المقضية، إلى أن وقع ابن المنجا في شرك المنية وما نجا، وكاد النهار يكون لقده دجا.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الخميس سابع شعبان سنة خمسين وسبع مئة.
وتولى القضاء بعد قاضي القضاة جمال الدين المرادوي الحنبلي.
نقلت مولده من خطه ليلة نصف شعبان سنة سبع وسبعين وست مئة.
وكان قد لبس تشريفه بقضاء قضاة الحنابلة بدمشق يوم الأربعاء حادي عشر شهر رجب الفرد سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى كثير الرئاسة والحشمة، قل أن يسبقه أحد إلى هناء أو عزاء، ويشارك أهل العزاء والهناء في شأنهم. ولما توفي فتاي مراد حضر إلي إلى البيت وعزاني فيه، وتوجه إلى الجامع، وصلى عليه في الجامع الأموي، وتوجه إلى مقابر الصوفية، ووقف على قبره حتى دفن. ولما انصرف الناس وقف لهم، وشيعهم، وتشكر لهم حتى أخجلني من كثرة إحسان وتوجعه وتفجعه، ولذلك قلت أنا فيه:
стр. 1995
لم لا أسح دموعي في رزية من ... قد كان يزهى على بدر السما تيها
وقد رماني القضا فيه بنائبة ... قاضي القضاة أراه نائبي فيها
علي بن منصور بن محمد بن المبارك
شمس الدين بن الإسنانئ المعروف بابن شواق الطبيب، بالشين المعجمة والواو المشددة، وبعدها ألف وقاف.
اشتغل بالطب، وناب في الحكم بأصفون وغيرها، وأخذ الطب عن ابن بيان، ومهر فيه واشتهر بالمعرفة، وكان يتبارك بطب المكرم دون شمس الدين هذا، فقيل له في ذلك، فقال: المكرم يطلب في ابتداء الأمراض، وفي الأمور السهلة، وأنا ما أطلب إلا إذا أيس من المريض، وإذا كان المرض مخوفاً.
وكان حسن الخلق.
توفي رحمه الله تعالى بعد التسعين وست مئة.
علي بن نصر الله
ابن عمر بن عبد الواحد القرشي المصري الشافعي، الشيخ الإمام الفاضل الخطيب المعمر المسند نور الدين أبو الحسن.
كان خطيب قرية بظاهر القاهرة، روى أكثر صحيح النسائي عن عبد العزيز بن باقا، وسمع أيضاً من جعفر الهمذاني، والعلم بن الصابوني، وأجاز له أبو الوفا بن مندة، وأبو سعيد المديني، وعدة.
стр. 1996
وتفرد، ورحل الناس إليه، وكان خاتمة من سمع شيئاً من ابن باقا.
وسمع منه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى والواني، وابن خلف، وابن المهندس، وابن حرمي، وعدة. وظهر للناس بعد رحلة شيمها الذهبي من مصر، وأثنى الناس عليه.
وتوفي رحمه الله تعالى ثاني عشري شهر رجب سنة اثنتي عشرة وسبع مئة عن نيف وتسعين سنة.
علي بن هبة الله
ابن أحمد بن إبراهيم بن حمزة نور الدين بن الشهاب الإسنائي.
كان فقيهاً مفتياً، سمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، والحافظ عبد المؤمن، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. وحفظ مختصر مسلم للحافظ المنذري، وأخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين هبة الله بن عبد الله بن سيد الكل القفطي، والشيخ جلال الدين أحمد الدشناوي.
وبرع في الفقه وأفتى وسلك في العلم طريقاً " لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً " وكتب الروضة في مكة بخطه، واجتهد في ذلك فحصل له المراد على شرطه، وكان يستحضر أكثرها وغالبها، ويرغب بمعرفته فيها طالبها.
وهو أول من أدخل الروضة إلى قوص، وجعل قدرها بذلك صحيحاً غير
стр. 1997
منقوص، ودارت عليه الفتوى، وكان فيها مسدداً، ودر علومه مجموعاً في ذهنه لا مبدداً.
وكان أماراً بالمعروف ونهاء عن المنكر، كم وعظ غافلاً عن نفسه وكم ذكر.
وكان مهيباً مع اتضاعه، سامياً في قدره، يرى النجم في أفقه أنه دون ارتفاعه، يتهجد في دياجيه، ويخاطب من يعلم سره ونجواه فيناديه ويناجيه.
ولم يزل على حاله إلى أن تسجى، وانقطع ما أمل وترجى.
وتوفي رحمه الله تعالى بقوص سنة سبع وسبع مئة.
ودرس بالعزية بقوص والمدرسة المجدية ورباط ابن الفقيه نصر. ودرس بدار الحديث بقوص، وتزوج بأخت الصاحب نجم الدين الأصفوني.
ولما توفي الصاحب طلب أصحابه فهرب الشيخ وتغيب سبعين يوماً، فحفظ فيها المنتخب في الأصول.
وكان بعض النصارى قد أسلم وله ولد نصراني وأولاد ولد أطفال، فقام في إلحاقهم بجدهم، وأفتى بذلك متبعاً ما حكاه الرافعي عن بعضهم، وقال إنه الأقرب، وجرى في ذلك صراع كثير، وألحق بعضهم بجده، فقيل إن النصارى تحيلوا وسقوه سماً، فحصل له ضعف وإسهال، فمات رحمه الله تعالى.
стр. 1998
علي بن يحيى
ابن علي بن محمد بن أبي بكر، الشيخ الفقيه المقرئ العالم المسند علاء الدين، أبو الحسن التجيبي الشاطبي الدمشقي الشافعي الشاهد.
سمع من الرشيد بن مسلمة، والمجد الإسفرايني، والرشيد العراقي، والنور البلخي، واليلداني، والجمال الصوري، وعدة، وأجاز له ابن الجميزي وغيره، وخرج له الشيخ صلاح الدين العلائي، وطال عمره، وتفرد، وروى الكثير، وكان له مسجد وحلقة ومدارس، وعجز آخراً وانقطع، وكان يسمع في القباقبيين.
وتوفي ﵀ سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وثلاثين وست مئة.
ودرس بالعزية بقوص والمدرسة المجدية ورباط ابن الفقيه نصر. ودرس بدار الحديث بقوص، وتزوج بأخت الصاحب نجم الدين الأصفوني.
ولما توفي الصاحب طلب أصحابه فهرب الشيخ وتغيب سبعين يوماً، فحفظ فيها المنتخب في الأصول.
وكان بعض النصارى قد أسلم وله ولد نصراني وأولاد ولد أطفال، فقام في إلحاقهم بجدهم، وأفتى بذلك متبعاً ما حكاه الرافعي عن بعضهم، وقال إنه الأقرب، وجرى في ذلك صراع كثير، وألحق بعضهم بجده، فقيل إن النصارى تحيلوا وسقوه سماً، فحصل له ضعف وإسهال، فمات رحمه الله تعالى.
علي بن يحيى
ابن علي بن محمد بن أبي بكر، الشيخ الفقيه المقرئ العالم المسند علاء الدين، أبو الحسن التجيبي الشاطبي الدمشقي الشافعي الشاهد.
سمع من الرشيد بن مسلمة، والمجد الإسفرايني، والرشيد العراقي، والنور البلخي، واليلداني، والجمال الصوري، وعدة، وأجاز له ابن الجميز وغيره، وخرج له الشيخ صلاح الدين العلائي، وطال عمره، وتفرد، وروى الكثير، وكان له مسجد وحلقة ومدارس، وعجز آخراً وانقطع، وكان يسمع في القباقبيين.
وتوفي ﵀ سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وثلاثين وست مئة.
علي بن يحيى بن عثمان
ابن أحمد بن أبي المنى محمد بن نحلة، الشيخ علاء الدين بن نحلة.
كان مدرس الدولعية بدمشق والمدرسة الركنية. وباشر نظر ديوان بيت المال إلى أن مات رحمه الله تعالى في ثالث عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وخمسين وست مئة.
وكان صدراً عاقلاً رئيساً، حفظ المحرر في الفقه للشافعيه، ولازم الشيخ زين الدين الفارقي مدة، وكان مواظباً على لزوم الجماعة والتردد إلى الفقراء
стр. 1999
والصالحين، وله ورد من التلاوة. وروى جزء ابن الفرات عن ابن عبد الدائم، وسمع من غيره. وعمر داراً مليحة إلى جانب الركنية، ومات بعد فراغها بمدة يسيرة.
علي بن يحيى بن إسماعيل بن القيسراني
القاضي علاء الدين ابن القاضي شهاب الدين ابن القاضي الصدر الكبير عماد الدين.
نشا في حياة والده، ودخل ديوان الإنشاء في دمشق في أواخر أيام سيف الدين تنكز، وقطع بعده، ثم إنه استخدمه الفخري.
وكان شاباً عاقلاً، ساكناً متثاقلاً، كثير الصمت، بهي السمت، كتب جيداً في قلم الرقاع، وروض به الطروس، فكانت كالزهر النابت في أخصب البقاع، واشتغل وحصل، واجتهد في طلب الأدب وأصل.
وكان والده يجتهد عليه، ويود لو ساق الفضائل بأزمتها إليه. وكان في ذهنه وقفة تقصر به عن اللحاق، وتجعل بدر فضله مخصوصاً بالمحاق؛ إلا أنه حفظ الحاجبية والمعلقات بعد القرى، العظيم، وأحرز غير ذلك في عقده النظيم.
ولم يزل على حاله إلى أن أذوى الموت زهرته الغضة، وجعل الدموع من الحزن عليه مرفضة.
وتوفي رحمه الله تعالى.... من شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
стр. 2000
كان قد مرض مرضة طول فيها، وأقام قريباً من سنة، ثم إنه حصل له استقاء، ولوالده رحمهما الله تعالى، ومات والده قبله بشهر، وأفاق هو، ثم إنه نقض الاستسقاء عليه ومات.
وكان بعد إمساك تنكز، قد منع من مباشرة كتابة الإنشاء بدمشق، ولما جلس الفخري في القصر الأبلق استخدمه، فكتبت له توقيعاً ارتجالاً، ونسخته:
رسم بالأمر العالي لا زال وليه علياً، وحفيه بكل خير ملياً، وصفيه تقر به السيادة من الدول نجياً، أن يعاد المجلس السامي القضائي العلائي إلى كتابة الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة، لأنه من قوم كل منهم كريم. وكاتب ورئيس، إذا ابتدع في المعالي طريقة لم يكن له فيها تابع ولا عاتب، ومدبر لم يرتب الزمان أن ذكر مجدهم المؤثل فيه راتب، نشأت أصولهم في رياض بلاغة ووزارة، وسارت محامدهم في الآفاق فأخجلت الكواكب السيارة، وجرت بسعودهم التي ورثوها من جدودهم الأفك المدارة. وسكن الزمان بجبال حلومهم الراسخة بعد الطيش، واستغنى الملوك بكتبهم عن تجهيز الكتائب إلى كل جيش، وطابت أنفاس السحر برياهم؛ لأن بني مخزوم ريحانة قريش، وضربت أعراقهم حتى اتصلت بخالد بن الوليد، ونظر الناس منهم كل كفو غناه كالذهب عتيد، وباسه كالحديد شديد، وتجمل الدهر منهم بمدبر كان موفقاً في خدمة نور الدين الشهيد، طالما جالسوا الملوك على أسرتهم، وجاودوا الغيوث فعموا الأنام بمبرتهم، ونادموا النجوم فعاطوهم كؤوس مسرتهم، كما أغاث قلمهم ملهوفاً، وكان بمعرته جارماً، وكم حلب في حلب وغيرها رزقاً، وفي غيرها، وما كان حارماً.
فليباشر ذلك مقتدياً بما لأبيه أدام الله تعالى نعمته في هذه الوظيفة من الآثار الحميدة، والمناقب التي أخذت أياديها على المحامد عهوداً أكيدة، والآثار التي لا يطاول
следующие страницы →