Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
ولست أزكي النفس إذ ليس نافعي ... إذا ذم مني الفعل والاسم محمود
وما يكره الإنسان من أكل لحمه ... وقد آن أن يبلى ويأكله الدود
قال: ولم يكن بعد ذاك إلا أيام حتى توفي رحمه الله تعالى وأكله الدود.
وكان القاضي علاء الدين رحمه الله تعالى قد طلب مني كتابي جنان الجناس وكتب علي:
لقد ضم أجناس فأطربا ... وأعجز من باراه فيها وأعجبا
صلاح لدين الله أبدي بدائعاً ... تروق بألفاظ أرق من الصبا
يراه بليغ جاء بالمدح سائلاً ... مجيباً مجيزاً قوله لا مخيبا
بإنشاده هذا وإنشائه لقد ... به فات من قد فاق فضلاً ومنصبا
فقس إياد عند ذي الفضل باقل ... ولفظ امرئ القيس البديع هنا هبا
فكتبت أنا أشكره على ذلك:
ألا هكذا من قال شعراً فأطربا ... ووشى بروداً باليراع فأعجبا
جبرت انكساري إذا أجزت مصنفي ... بأبيات شعر قد حكت رقة الصبا
فما كل من وافى بحسنى يجيدها ... ولا كل من أولى الندى يجزل الحبا
فأقسم لو جاراك في الفضل فارس ال؟ ... كتابة أعني الفاضل ابن علي كبا
ومن للعماد الأصفهاني أن يرى ... ببابك دهراً واقفاً متأدبا
لأنت الذي أنسى بألفاظ نظمه ... ورونقها عصر الشبيبة والصبا
طريقتك المثلى التي اجتهد الورى ... على مثلها واستحسنوا منك مذهبا
стр. 1927
ولم ير أحلى من يراعك أحمرا ... علت دهمة جاري من الطرس أشهبا
بقيت لنا ذخراً مآثر فضله ... يضوع لها في كل يوم لنانبا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وكم سرحة لي في الربا زمن الصبا ... أشاهد مرأى حسنها متمليا
ويسكرني عرف الصبا من نسيمها ... فأقضي هوى من طيبه حتف أنفيا
وأسأل فيها مبسم الروض قبلة ... فيبرز من أكمامه لي أيديا
فلله روض زرته متنزهاً ... فأبدى لعيني حسن مرأى بلا ريا
غدا الغصن فيه راقصاً ونسيمه ... يكر على من زاره متعديا
ترجلت الأشجار والماء خر إذ ... نسيم الصبا أضحى به متمشيا
يغني لديك الورق والغصن راقص ... فيعرق وجه الأرض من كثرة الحيا
فأنشدته أنا لنفسي في هذا المعنى:
حسدت نسيم الروض في كل حالة ... ولا سيما يوم قطعناه بالحمى
فكم م عطفاً للغصون مرنحا ... وعانق قداً للقضيب مقوما
وقبل خد الورد وهو مضرج ... وثغر الأقاحي في الربا إذا تبسما
وكم بات يستجلي عذار بنفسج ... سقته الغوادي صوبها فتنمنما
ولما أمال القضب نقش ظلها ... وكبت كفا للغدير ومعصما
وفتح أجفاناً من الزهر أغمضت ... ونبه قمري الحمي فترنما
ولم أنسى وجه الروض يسفر ضاحكاً ... بأزهاره كالدر لما تنظما
فمذ فتحت فيه البروق جفونها ... تبرقع منها بالحيا وتلثما
стр. 1928
علي بن محمد بن علي
ابن وهب بن مطيع، الإمام الفاضل محب الدين بن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
سمع من أبيه، وحضر عند عبد الوهاب بن عساكر، وسمع من الزاهد عمر الحريري القوصي.
وحدث بالقاهرة، وسمع منه أمين الدين محمد بن الواني الدمشقي وغيره.
كان فاضلاً فقيهاً في مذهب الشافعي، يعترف له بذلك كتاب الروضة والرافعي. قوي النفس عزيزاً، قل أن يرى للذل مجيزاً. اتصل بابنة الخليفة الحاكم، فأصبح لذلك وهو حاكم. وناب عن والده في الدروس، وسمعت فيه فوائده، وكانت زاكية الغروس.
ولم يزل على حاله إلى أن لحق أباه، وأجاب داعية وما أباه.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده بقوص سنة سبع وخمسين وست مئة.
علق على التعجيز شرحاً جيداً، ولم يكمله، وناب في الحكم في أيام والده.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: ذكر لي بعض أقاربه أن الخليفة هو الذي ولاه النيابة عن والده، فإنه كان تزوج بنت الخليفة أبي العباس أحمد.
ودرس بالفاضلية والمدرسة الصالحية نيابة عن والده، ودرس بالكهارية والسيفية. وكان عزيز النفس مترفعاً.
стр. 1929
قال كمال الدين: حكى لي القاضي سراج الدين يونس بن عبد المجيد الأرمنتي قال: كنت حاكماً بإخميم من جهة والده تقي الدين، فصحب محب الدين شخصاً من أهلها، فطلب منه كتاباً إلي في حاجة لذلك الشخص، فرسم بكتابته إلي، فلما كتب، قال له ذلك الشخص: إن أراد سيدنا أن شغلي ينقضي، يكتب له المملوك، فلم يوافق، فحلف عليه بالطلاق، فكتب: المملوك لله.
وكان يقال: إنه كان يأخذ الهدية في حال نيابته، ويأخذ معلوماً على السعي في الحاجات عند والده.
علي بن محمد بن علي
هذا علي هو أحد الأخوين التوأمين الملقبين بالحن والبن، وهما حفيدا الشيخ علي الحريري الكبير المشهور.
وكان هذا وأخوه قد دخلا في أذية الناس أيام قازان، وغرق هذا علي في جامع بعلبك بالسيل الذي جاء في سنة سبع عشرة وسبع مئة.
علي بن محمد بن علي
الشيخ الصالح الزاهد العابد بقية السلف، أبو الحسن البغدادي، الملقن بالجامع في الصالحية.
كان صالحاً خيراً، مجمعاً على صلاحه وحسن طريقته.
стр. 1930
روى الحديث عن ابن الزبيدي، وابن اللتي، والناصح بن الحنبلي، وابن صباح، والقاضي ابن الشيرازي، ومحمد بن غسان، والجمال أبي حمزة، وعلم الدين بن الصابوني، وكريمة القرشية، وغيرهم. وخرجت له مشيخة وحدث بها.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع شوال سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ثلاث عشرة وست مئة.
وخرج جماعة من البلد لحضور جنازته والتبرك بها.
علي بن محمد بن علي بن أبي القاسم
علاء الدين أبو الحسن بن العدل بدر الدين العدوي الصالحي المعروف بابن السكاكري الشروطي.
أجاز له عبد العزيز بن الزبيدي، وابن العليق، وعبد الخالق النشتبري، وابن خليل. وسمع من ابن عبد الدائم، ومحيي الدين بن الزكي وجماعة.
حدث وتفرد ببعض شيوخه، وكانت له معرفة بإتقان المكاتيب، وعلم بغوامضها، وشهد على الحكام.
وكان قوي النفس، ثم إنه كبر وعجز، اعتراه نسيان وغفلة، وافتقر، وكان يلازم الجماعة.
ومولده سنة ست وأربعين وست مئة.
стр. 1931
علي بن محمد بن عمر
ابن عبد الرحمن بن هلال الصدر الكبير العالم نجم الدين أبو عبد الله الأزدي الدمشقي.
من أعيان رؤساء الدماشقة الأقدمين في الرئاسة، وقد ذكرهم ركن الدين الوهراني في أول منامة، فقال: " على أنه وجد من جوانح الخادم من نار الشوق أجيجاً، لو أن النار التي كلست الكلاسة واشتملت على الحائط الشمالي، وعرست في مئذنة العروس، وأذنت بهلاك المؤذنين وأهلت لغير الله بدار ابن هلال تكون مثلها لما اقتصرت على المقصورة، ولا بردتها البرادة حتى تصحن الصحن، وتنسر النسر ".
وكان قد أجاز له بهاء الدين بن الجميزي، وسمع من ابن البرهان وابن أبي اليسر والكرماني وطائفة. وطلب بنفسه وحصل أصولاً ودار على المشايخ. وقرأ عليه شيخنا الذهبي بكفر بطنا موافقات الموطأ.
وكان يذاكر بأشياء حسنة، وقاله سادته لسنه، وفيه مكارم، وعنده بالجود مساجلة للغمائم، تعمل في بيته الحلوى التي تفرد بإتقانها، وتعاهدت الناس من هديتها بإدمانها، وبيتهم في الدماشقة مشهورون بعمل القرن يا روق، وإذا أهدي منه شيء يعتقدون أنه ترياق الفاروق.
والى هذا نجم الدين رحمه الله تعالى كتب الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة. وقد طال نجاز وعده بذلك:
стр. 1932
أصم حديث القرن يا روق مسمعي ... بتأخيره يا حابسين الندى عني
فلا تجعلوني في العفاة نعامة ... غدت تبتغي قرناً فعادت بلا أذن
ولم يزل نجم الدين المذكور على حاله إلى أن انكدر نجمه، وأصبح وقد ضمه تحت الأرض رجمه.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
وكان على ذهن شيء من التواريخ، وكان يدعي أنه حفظ المتسظهري على ما قيل. وحدث بدمشق والقاهرة والقدس. وحج وسمع بمكة من أمين الدين بن عساكر في سنة خمس وثمانين وست مئة. وجمعت شيوخه فبلغوا مئة وخمسين شيخاً. وله إجازة في سنة خمس وخمسين وست مئة، فيها ابن خطيب القرافة، وجماعة من أصحاب الثقفي الخشوعي وغيرهم.
وكتب في الإجازات، وجمع فيها جماعة من أقاربه، وباشر نظر الأيتام غير مرة. وكان فيه نهضة وكفاية. وأمر أن يكتب على قبره: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ﵀ " ... الآية. ودفن بتربته قبالة تربة ابن قوام، رحمه الله تعالى.
стр. 1933
علي بن محمد بن غالب بن مري
العدل الفقيه المحدث، كاتب الحكم، علاء الدين أبو الحسن ابن الإمام نصير الدين ابن القاضي كمال الدين الأنصاري الشافعي الدمشقي.
روى الشاطبية بسماعه بقوله من الكمال الضرير. وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وعدة. وطلب الحديث، وقرأ النحو على ابن مالك، وقرأ كتباً وأجزاء. وكان يعرف نحواً وحساباً وشروطاً، وحصل من الشروط مالاً كثيراً.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
علي بن محمد بن فرحون
الأديب الفاضل نور الدين أبو الحسن اليعمري المدني المالكي.
قدم علينا دمشق، ورأيته بها مرات في سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
وكان إنساناً شكله حشن، وعنده رواء وفيه لسن، حسن المحاضرة، لطيف المذاكرة، يحب الأدب، ويكثر منه الطلب.
وأقام بدمشق يجمع وينتقي، ويصعد في طلب العارية ويرتقي، إلى أن آن رحيل الراكب، وجرى على فراقه الدمع الساكب، فقفل معهم إلى وطنه، وحن إلى عطنه.
стр. 1934
ولم يزل على حاله بالمدينة إلى أن أصبح في البقيع مزوراً، وأودع فيه ثم تولوا عنه نفوراً.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ست وأربعين وسبع مئة.
كتب إلي يطلب مني شرح لامية العجم:
قد طال هذا الوعد يا سيدي ... فانظر لمقصودي وكن مسعدي
أنت صلاح الدين حقاً فكن ... صلاح دنياي التي تعتدي
وجد بغيث الأدب المنتقى ... واسق رعاك الله قلباً صدي
بدأت بالإحسان فاختم به ... يا خاتم الخير ويا مبتدي
فكتبت أعتذر عن تجهيزه، لأنه في العارية:
أقسمت لو كان الذي تبتغي ... عندي لم أمنعه من سيدي
يا من له نظم علا ذروة ... وهادها تعلو على الفرقد
لقد تطولت ولم تقتصر ... ومن بدا في فضله يزدد
وأين من نال نهاياته ... ممن كما قلت له مبتدي
وكان قد ركب أعجازاً وصدوراً على قصيدة الطغرائي لامية العجم، فجهزها إلي لأقف عليها، وأولها:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وشرعة الحزم ذادتني عن المذل
وحلة العلم أغنتني ملابسها ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخيراً ومجدي أولاً شرع ... وسؤددي ذاع في حلي ومرتحلي
وهمتي في الغنى والفقر واحدة ... والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
стр. 1935
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ... دان ولا أنا في عيش بها خضل
وليس لي أرب فيها ولا خول ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
وهي كلها على هذا النمط، يأتي إلى كل بيت فيجعل لكل صدر عجزاً، ولكن عجز صدراً، وقد أثبتها بكمالها في الجزء العشرين من التذكرة التي لي، فأعدتها بعد ما كتبت عليها تقريظاً وهو حسبما قصده مني والتمسه: " وقفت على هذا النمط الغريب والأسلوب الذي ما سلك شعبه أديب، والألفاظ التي تجيد الجيد، وما تريب أنها حلي التريب، والعبارة التي هي أشهى من عصر شباب ما شيب بمشيب، والنظم الذي شاب منه رأس الوليد، ونقص أبو تمام فليس بحبيب، والمعاني التي هي أوقع في النفوس من وصل حبيب، نزهته اللذة عن الرقيب القري، والسطور التي هي جداول الروض والهمزة فيها على ألفها حمامة على قضيب ".
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ... ويزعم أن يأتي لها بضريب
لقد أمتع ناظمها أمتع الله بفوائده ومحاسنه، وحلى جيد الزمن يدره الذي يثيره من معادنه، فجعل لآفاقها مشارق ومغارب، ولبيوتها في شعاب القلوب مراكز ومضارب، كيف أفادها أعجازاً وصدوراً، وكيف تنوع في الحسن حتى أفاد الحضور أردافاً، وركب على الأرداف حضوراً، وكيف اقتدر على البلاغة فأطلع في أفلاكها شموساً وبدوراً، فلو عاينها الطغرائي، رحمه الله تعالى جعلها لمنشور
стр. 1936
ديوانه طغره، وعلم أن روض نظمه إن كان فيه زهرة فهذا أفق أطلع في كل منزلة منه شمساً وبدراً وزهرة، فالله يعز حمى الأدب منه بفارس الجولة، ويديم لأيامه بفوائده خير دولة، ويلم شعث بنيه الذين لا صون لهم ولا صولة، ويمتعهم بمحاسنه التي لا يذكر معها أبيات عزة، ولا أطلال خولة، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
وطلاب مني عارية المقامات الجزرية ليقف عليها، فجهزتها إليه، فأعادها بعد ما كتب عليها بخطه يقول الفقير إلى الله تعالى علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون اليعمري المدني عفا الله عنه: لما نظرت مقامات الجزرية رأيت ألفاظها حوشية، وحلل أسجاعها غير مطرزة ولا موشية، لم يسق روضها ماء البلاغة المستعذب، فما أنبتت أرضها زهر اللفظ المهذب، ومع هذا فطالما كلف نفسه فيها وعذب، وعندي أن من لم يستحسن كذبها لم يكذب:
ظن الفصاحة في الغريب فآثره ... فلكم له من فقرة هي فاقره
قرحت قريحته وفات قبولها ... يا كرة من بعد ذلك خاسره
وقد أثبت عندي منها المقامة الأولى، ورأيت أن ترك ما سواها أولى:
إذا الأسلوب في المجموع واحد ... وليس على كتابتها مساعد
علي بن محمد بن قلاوون
الملك علاء الدين بن السلطان الملك الناصر بن الملك المنصور.
стр. 1937
أخبرني الأمير شرف الدين حسن بن جندر بك، قال: جهزني السلطان الملك الناصر لإحضاره من الكرك، ولم يكن له في ذلك الوقت ولد ذكر غيره. قال: وجاءه الخبر بوفاته ونحن معه في الصيد، وكنت أنا والأمير علاء الدين أيدغدي شقير والأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، فانكمش وأطرق ولم ينشرح ولم يكلم أحداً. قال: فقلت له: يا خوند الله يطول عمرك، تريد تفرح بموته، فقال: لأي شيء؟ قلت: إذا كنت وحدك دام ملكك، وطالت دولتك، ففهم مقصودي، وساق وانشرح، وأخذ الجارح مني وحمله، أو كما قال.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة عشرة وسبع مئة.
علي بن محمد بن بن محمد نصر الله
ابن المظفر بن أسعد بن حمزة الصدر الكبير الرئيس القاضي علاء الدين أبو الحسن بن القلانسي التميمي الدمشقي الشافعي، تقدم ذكر أخيه القاضي جمال الدين أحمد بن محمد.
سمع الحديث من ابن البخاري وزينب بنت مكي وعبد الواسع الأبهري. وحدث واشتغل وحصل وتفرغ في المباشرات وتأصل، وبلغ المعالي وتوسل بعقله إلى أن توصل. وكتب في ديوان الإنشاء، وأذن له بالإفتاء، ودرس بالمدارس الكبار، وصار به في الدولة الاعتناء والاعتبار.
стр. 1938
وكان مليح الكون، صحيح اللون، ذا نفس متضعه، وهمة لأفاويق السكون والاقتصاد مرتضعه، علا إلى الثريا ثم هبط إلى الثرى، وحصلت له مصادرة مشيت معها سعادته القهقري.
وكان قد أسره التتار، وخلص منهم عند الفراغ بالفرار.
ولم يزل على حاله إلى أن زاره أبو يحيى فجأه، وعدم حواسه فلم يسمع له نبأه.
وتوفي ﵀ فجاءة بدمشق في بكرة السبت خامس عشري صفر سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
باشر كتابة الإنشاء مدة زمانية، وكان قد أخذه التتار في نوبة قازان هو والقاضي بدر الدين محمد بن فضل الله وابن شقير وابن الأثير رهينة إلى بلاد أذربيجان، وبقي عندهم معتقلاً مدة، ثم إنه تنكر محتالاً، وهرب. فنودي عليه، فاختفى بتبريز شهرين، وسمى نفسه يوسف، وتوصل إلى البلاد في زي فقير، ووصل إلى حلب، فأكرمه نائبها، وبعثه على خيل البريد إلى دمشق، وسربه أهله، وكان قدومه إلى دمشق في جمادى الأولى سنة إحدى وسبع مئة.
وتولى نظر ديوان الأمير سيف الدين تنكز، ونظر البيمارستان النوري مع توقيع الدست بدمشق في يوم الجمعة ثاني شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، فلما
стр. 1939
توفي أخوه القاضي جمال الدين أخذ وظائفه مضافة إلى ما بيده، وهي: نظر الظاهرية ودرسها، وتدريس العصرونية، ووكالة بيت المال، وقضاء العسكر، وتدريس الأمينية، فأعطى لابن أخيه القاضي أمين الدين نظر الظاهرية وتدريس العصرونية، وانفرد هو بالباقي.
وقلت له يوماً: يا مولانا أنت اليوم توقع عن الله تعالى وعن السلطان وعن ملك الأمراء وعن نور الدين الشهيد، وعن الملك الظاهر، فضحك وأعجبه ذلك.
وكان هشاً بشاً لم يتغير عما يعرفه أصحابه، ولا زاده هذا العلو إلا ضعة. وكان أخيراً يراعي الإعراب في كلامه المسترسل، ثم إن تنكز تنكر عليه، وصادره وصادر رفاقه، وأخذ منه جملة، ولم يكن خانه، وإنما دخل في شيء لم يكن يدريه، وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وأفرج عنه، ولم يبق بيده بعد هذه الوظائف كلها إلا تدريس الأمينية والظاهرية.
علي بن محمد بن محمد
الشيخ للسند المقرئ المجود الزاهد العابد أبو الحسن البغدادي الرفا، سبط الشيخ عبد الرحيم بن الزجاج، فسمعه كثيراً.
سمع جامع المسانيد من ابن أبي الدنية وجزء الأنصاري من عبد الله بن ورد صاحب ابن الأخضر، ومن البخاري على أبي الحسن الوجوهي، وبعض
стр. 1940
مسند الإمام أحمد من الشيخ عبد الصمد بن أحمد ومن جده. وأجاز له من واسط الشريف الداعي صاحب ابن الباقلاني، وحدث بجامع المسانيد ثلاث مرات، وأول ما سمع منه في سنة ثلاث وسبع مئة.
فر من رؤية المنكرات ببغداد إلى قرية برقطا، واشترى أرضاً كان يستغل منها كفايته، فلقن هناك خلقاً كثيراً كتاب الله ، وقد أكثر عنه نجم الدين سعيد الدهلي وأهل بغداد.
وتوفي رحمه الله تعالى ببرقطا في وسط سنة أربعين وسبع مئة، وحمل إلى مقبرة الإمام أحمد بن حنبل فدفن بها.
وكان يعرف القراءات السبع.
ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة، أو في سنة ثلاث وستين.
كان مقرئاً مجيداً، وعالماً مفيداً، عارفاً بالقراءات، قريباً من المحاسن بعيداً من الإساءات. سمع الحديث، وروى عن القديم والحديث، وحظي أهل بغداد ببركته، وتألموا بعده لسكون حركته.
ولم يزل على حاله من الخير الصريح إلى أن ضمه الضريح، وأصبح بعد التعب وهو مستريح.
علي بن محمد بن ممدود
ابن جامع بن عيسى الشيخ الصالح المسند المعمر شمس الدين أبو الحسن بن الإمام
стр. 1941
المحدث العدل، محب الدين بالندنيجي البغدادي الصوفي.
كان بخانقاه الشميساطي بدمشق، كان والده من المحدثين العدول، سمعه صحيح مسلم على أحمد البادسني عن المؤيد الطوسي، وأسمعه جامع الترمذي على العفيف بن الهني، وحدث بالكتابين غير مرة، وله إجازة من النشتبري، ومحمد بن علي بن السباك، وإبراهيم الزعبي، ومحمد بن الحصري، وعبد الله بن عمر بن أبي السعادات البندنيجي، وعلي بن عبد اللطيف بن الخيمي، وهؤلاء الستة من أصحاب ابن شاتيل، وأجاز له إلياس الحجبي من أصحاب خطيب الموصل. وأجاز له جماعة من بغداد، وذكر أن عمره في الواقعة اثنتا عشرة سنة، وكان ببغداد بواب الحجر، والحجر هي دار الوكالة، وقدم الشام، وأقام بالقدس ودمشق نحو سبع عشرة سنة.
وكان طويلاً له مهابة، وعلى ذهنه من أخبار بغداد والواقعة شيء كثير، وكان سماع لجامع الترمذي سنة تسع وأربعين وست مئة، وسماعيه لصحيح مسلم سنة خمسين وست مئة، كلاهما بدار الخلافة ببغداد.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الأحد سابع المحرم سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية بدمشق، وله ثلاث وتسعون سنة.
وكان قد سمع مسند ابن راهوية من العز أحمد بن يوسف الأكاف بإجازته من ابن الخير بن الطالقاني، وقيل: سمع من ابن الخير. سمعت عليه صحيح مسلم بكماله بدار الحديث الأشرفية بقراءة المحدث ناصر الدين محمد بن طغريل بحضور
стр. 1942
جماعة من الأشياخ، منهم شيخنا المزي وغيره. أجاز لي بخطه، وكان سماع صحيح مسلم في مدة آخرها سادس عشر شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. وكان يجلس للإسماع والقارورة مشدودة على وسطه للبول، لأنه كان ضعفت قوته الماسكة رحمه الله تعالى.
علي بن محمد بن نبهان
الشيخ ابن الشيخ المشهور، شيخ البلاد الحلبية، وسوف يأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى في المحمدين.
لما توفي والده رحمه الله تعالى جلس هو مكانه، وقدم إلى دمشق، وحج، وزرته واجتمعت به صادراً ووارداً في سنة ثمان وأربعين أو في سنة سبع وأربعين، وعاد إلى بيت جبرين قريتهم.
ولم يزل بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون حلب.
علي بن محمد بن هارون
ابن محمد بن هارون بن علي بن أحمد الثعلبي الدمشقي، نزيل القاهرة، الشيخ المحدث الصالح المعمر المسند نور الدين أبو الحسن.
كان قارئ العامة.
стр. 1943
سمع حضوراً في الرابعة وفي الخامسة من ابن صباح، وابن الزبيدي، والناصح بن الحنبلي. وسمع من الفخر الإربيلي والمسلم المازني ومكرم بن أبي الصقر، وعدة. وروى الكثير، وتفرد في وقته، وأكثر الطلبة عنه والرحالة.
وكان خيراً ناسكاً متواضعاً حسن القراءة محبباً إلى العامة.
خرج له شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى مشيخة. وسمع منه شيخنا أبو الفتح، وشيخنا البرزالي، وشيخنا الذهبي، وهو آخر من حدث وسمع من ابن صباح.
وتوفي رحمه الله تعالى سابع عشر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ست وعشرين وست مئة.
علي بن محمد بن علي بن عبد القادر
الإمام الشيخ نور الدين ابن الإمام كمال الدين أبي عبد الله الهمداني.
كتب لي في إجازته ولأخي إبراهيم ولأختي يواش، ومن ذكر اسمه في الإجازة، بخطه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة:
من بعد حمد الله ذي الإحسان ... ثم الصلاة على الرضي المنان
لهم أجزت جميع مالي أن أرو ... يه على من نص أهل الشان
وأنا علي بن محمد بن علي ابن ... الشيخ عبد القادر الهمداني
وإلى تميم نجل مر نسبتي ... لأبي وأمي قال ذا الجدان
وولدت عام اثني ثمانين التي ... بعد المئين الست في رمضان
стр. 1944
قتل: قوله: المنان في وصف النبي ﷺ لا يجوز، فإن النبي ﷺ لم يطلب الجزاء على بلاغ الرسالة، ولم يمن على أحد بذلك، كيف وقد قال له الله تعالى " ولا تمنن تستكثر " " بل الله يمن عليكم أن هداكم ".
ثم كتب بعض الفضلاء بخطه في النسخة التي بخط المصنف المنقول منها هذه النسخة ما صورته: " المنان هو ذو المن، سواء امتن بها أم لا، والنبي ﷺ له المنن الجسيمة والأيادي التي لا تحصى، فإطلاق لفظ المنان عليه عندنا لا يمتنع، فإنها صفة مدح، ولذلك كانت من جملة الأسماء الحسنى، وهي قائمة به ﷺ ، فأي مانع من إطلاقها عليه، وأما قوله تعالى: " ولا تمنن تستكثر " فهو في غير ما نحن فيه ".
علي بن محمد
الشيخ الإمام علاء الدين أبو الحسن الشافعي المعروف بابن الرسام، وكيل بيت المال والمدرس بصفد.
كان حسن الود، جميل التحية والرد، ليس فيه شر، ولا عنده أذى، إذا كر وإذا فر، يرعى عهود أصحابه، ويؤويهم إلى رحابه، ذا مروءة زائدة، وفتوة لمباني المجد شائدة.
стр. 1945
وكان قد حفظ التعجيز، وطالع عليه شرح الوجيز، يكتب بيده اليسرى خطاً كأنه العقود المنظومة، أو حلل الوشي المرقومة، يعجب كل من يراه، ويجعل كل أحد إليه سيره وسراه.
لم يزل على حاله إلى أن جعل الموت ربع ابن الرسام رسماً، وعدم الوجود منه جسماً لا اسماً.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأواخر من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون صفد.
وقلت لما بلغتني وفاته بعد وفاة جماعة من الأصحاب في صفد:
لما افترست صحابي ... يا عام تسع وأربعينا
ما كنت والله تسعاً ... بل كنت سبعاً يقيناً
كان والده جندياً، واشتغل في مبادي أمره على شيخنا نجم الدين بن الكمال خطيب صفد، ثم إنه نزل إلى دمشق، واختص بالشيخ صدر الدين بن الوكيل بدمشق وبمصر، وقرأ عليه وعلى غيره، وسمع الحديث بدمشق وبمصر، وصحب الأمير بكتمر الحاجب، وتوكل له. ولما حضر إلى صفد نائباً جاء إليه فأعطاه بها التدريس بالجامع الظاهري، ثم فيما بعد أخذ وكالة بيت المال.
وكان عنده مشاركة في العربية والأصولين، وكان يلثغ في الجيم يجعلا كافاً، يشمها شيناً معجمة، وكان لو أكل فسقتة واحدة عرق لها من فرقة إلى قدمه.
وكنت قد قرأت عليه في صفد كتاب التعجيز وهو الذي نقلني إليه بعد ما حفظت ربع التنبيه، ولم يقطع عني مكاتباته في مصر ولا في الشام. رحمه الله تعالى.
стр. 1946
علي بن محمد بن عبد العزيز بن فتوح
ابن إبراهيم بن أبي بكر بن القاسم بن سعيد بن محمد بن هشام بن عمرو. الصدر الرئيس الفاضل العالم النحرير المدقق المفنن الفريد الخواجة تاج الدين أبو الحسن بن الصاحب موفق الدين بن عز الدين بن موفق الدين أبي الفتح الثعلبي الشافعي المعروف بابن الدريهم الموصلي، مصغر درهم، والدريهم لقب لسعيد أخي محمد بن هشام، قال في وقت: دريهماً، فلزمه ذلك، وهو ابن أخت الشيخ بهاء الدين الحسين الموصلي المعروف بابن أبي الخير المقدم ذكره في حرف الخاء.
كان أعجوبة من أعاجيب الزمان في ذكائه، وغريبة من غرائب الدهر تشرق سماء الفضل بذكائه، دقيق الغوص على المعاني شديد التنقيب على ما يتصف به من العلوم ويعاني، خاض بحار المنقول، وقطع مفاوز المعقول، خصوصاً فن الرياضي وما يتشعب فيه، والكلام على أسرار الحروف وما يلائم طبعه أو ينافيه. له قدرة على تأليف المناسبات واستحضار الأشباه والنظائر في المطارحات والمقايسات، تام الشاكلة، وافر الجلالة:
أدب لم تصبه ظلمة جهل ... وهو كالشمس عند وقت الطلوع
ويد لا يزال يصرعها الجو ... د ورأي في الخطب غير صريع
وله تصانيف كثيرة في غر ما فن، وتواليف قنصت ما شرد فيه وما عن، وكانت
стр. 1947
له نعمة طائلة فذهبت، وسعادة خدمته أياماً، فانجلت وما أنجبت، وسعى فأخفق، ولم بارق حده وما حقق.
وتوجه إلى مصر غير مرة فما أجدى، وكد حظه فأعطى قليلاً وأكدى، واستشار حتفه بسعيه الذي نبشه.
وآخر ما أولاه أن توجه رسولاً إلى الحبشة، فقطع الحين عليه الطريق قبل وصوله، ولم يقبض ابن الدريهم فيه فلساً من وصوله.
وجاء الخبر بوفاته رحمه الله تعالى في صفر سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
ومولده ليلة الخميس منتصف شعبان سنة اثنتي عشرة وسبع مئة بالموصل.
سألته عن مولده فأخبرني بما أثبته، وقال لي: قرأت القرآن بالروايات على الشمس أبي بكر بن العلم سنجر الموصلي، وتفقهت على الشيخ زين الدين ابن شيخ العوينة الشافعي.
وحفظت الهادي وبحثت الحاوي الصغير على الأشياخ، منهم القاضي شرف الدين عبد الله بن يونس من شرح والده كمال الدين الصغير.
وحفظت في العربية الملحة وألفية ابن معط وألفية ابن مالك، وبحثت في التسهيل.
وقرأت شيئاً كثيراً من الرياضي على الشيخ زين الدين ابن الشيخ العوينة.
стр. 1948
وسمع بالديار المصرية على الشيخ علاء الدين بن التركماني، وشمس الدين بن الأصفهاني، ونور الدين الهمذاني صحيح البخاري، وسمعت بها صحيح مسلم وسنن أبي داود وبعض الترمذي.
وأجازني الشيخ أثير الدين أبو حيان، وقرأت عليه بعض تصانيفه، وأجازني جماعة أشياخ انتهى.
وتوفي والده وهو صغير، خلف نعمة طائلة، فاستولى عليها بيت شيخ البلد بالموصل كمال الدين، ومعين الدين بن الريحاني ولم يطلعوه منها إلا على القليل، وانتشأ يتيماً وهو بنفسه وهمته يجتهد ويشتغل في العلم، ولم يكن له من يحرضه على ذلك، ثم إنه لما اشتد تسلم مقداراً يسراً من ماله من بيت شيخ البلد، وسافر به إلى الشام ومصر، وحصل من ذلك ثروة عظيمة، ثم ذهبت.
قلت: أول قدومه إلى مصر في متجر في زي الخواجية سنة اثنتي أو ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ثم إنه عاد إلى البلاد، وتردد بعد ذلك إلى الشام ومصر غير مرة، ولم أر أحداً أحد ذهناً منه في الكلام على الحروف وخواصها، وما يتعلق بالأوفاق، وأوضعها. ورأيت منه عجباً، وهو أنه يقال له ضمير عن شيء يكتبه السائل بخطه، فيكتبه هو حروفاً مقطعة، ثم يكسر تلك الحروف على الطريقة المعروفة عندهم، فيخرج الجواب عن ذلك الضمير شعراً ليس فيه حرف واحد خارجاً عن حروف المضير، وكونه يخرج ذلك نظماً قدرة على تأليف الكلام، وله مشاركة في غير ما علم من فقه وحديث وأصول دين وأصول فقه وقراءات ومقالات ومعرفة فروع
стр. 1949
من غير مذهب وتفسير، وغير ذلك، يتكلم فيه جداً كلام من ذهنه حاد وقاد، وأما الحساب والأوفاق وخواص الحروف وحل المترجم والألغاز والأحاجي فأمر بارع، وكذلك النجوم وحل التقويم.
اجتمعت به غير مرة، وكتبت إليه:
نصحتك عن علم فكن لي مسلماً ... إذا كنت مشغوفاً بحل المترجم
تتلمذ لتاج الدين تظفر بكل ما ... أردت ورد بحر الفضائل واغنم
فلابن دنينير تصانيف ما لها ... نظير ولكن فاقها ابن الدريهم
وكانت له خصوصية بالملك الكامل شعبان وبغيره من أمراء الدولة الخاصكية وغيرهم من المتعممين أرباب الدولة، إلى أن أغري به الملك المظفر حاجي فأخرجه إلى الشام قبل قتله بقليل، فوصل إلى دمشق بعد شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وذكر لي أن له في ديوان الخاص أثمان مبيعات وغيره ما يزيد على المئتي ألف درهم، وتوجه مرات إلى مصر لخلص له في ذلك شيء، فتعذر عليه الحال، ولما وصل إلى دمشق سنة ثمان وأربعين وسبع مئة أقام بها قليلاً، فورد كتاب الأمير سيف الدين قرابغا دوادار الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب الشام بإخراجه من دمشق، فكبس بيته، وأخذت كتبه، وأخرج من دمشق في إحدى الجماديين سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
стр. 1950
فتوجه إلى حلب. وتوفي بعده دوادار بيبغاروس، فعاد إلى دمشق في سنة خمسين عازماً على الحج، فلم يقدر له، ثم عاد إلى حلب.
ثم إنه حضر إلى دمشق، وأقام بها قليلاً، ثم توجه إلى مصر بطلب من هناك، ثم عاد إلى دمشق، ثم إنه رتب مصدراً بالجامع الأموي، ثم بعد قليل رتب في صحابة ديوان الجامع الأموي، فباشره وعرفه جيداً، فانحصر المباشرون منه، وناكدوه، فبطل المباشرة، ورتب في استيفاء ديوان الأسرى، ثم إنه توجه في أواخر سنة تسع وخمسين وسبع مئة أو أوائل سنة ستين إلى الديار المصرية. فأقام هناك سنتين أو أكثر، ثم إن السلطان الملك الناصر بعثه رسولاً إلى ملك الحبشة، فتوجه غير منشرح، وجاء الخبر إلى الشام بوفاته رحمه الله تعالى في قوص ذاهباً.
ونظمه فيه تكلف وتعسف. وكتب إلي بعدة أحاج، وأجبته عنها، وكتبت أنا إليه بمثل ذلك، وأجابني عنها. وقد أودعت ذلك في كتابي المسمى نجم الدياجي في نظم الأحاجي.
وكان ابن الدريهم ديناره في العلم كامل، وغمام فضائله في فضاء الطروس هام هامل، فلو عاصره البوني لقال: هذا الذي يبرني ويحبوني، أو ابن الدنينير
стр. 1951
لقال: ما أنا كابن الدريهم عند لمح الطرف، وهو في عمله يفوق ويفوت وإن تفاوت فيما بيننا الصرف.
وعلى الجملة فكان في هذه العلوم آية وقدره قد تجاوز فيها كل حد، وانتهى إلى كل غاية، وعاكسته في مراده الأقدار، ولم يرفع له في المناصب مقدار، خلة ألفها الأفاضل من الدهر، وطريقة عوملوا بها في السر والجهر.
ومن تصانيفه ما نقلته من خطه: النسمات الفاتحة في آيات الفاتحة، وإشراق النفس في الحمدلات الخمس، الدراية في " ما ننسخ من آية "، السبيل الأوطا في الصلاة الوسطى، لطائف الأحكام على " هو الذي يصوركم في الأرحام " مدة البحور على " إن عدة الشهور "، إضاءة يوح على " ويسألونك عن الروح "، مثاني الكتاب المبين على أن قلب القرآن " يس "، الآثار الرائعة في أسرار الواقعة، منام النصوح في الكلام على سورة نوح، أسرار البدر في ليلة القدر، الافتحاص على سورة الإخلاص، العبارات في اختيار القراءات، مناسبة الحساب في أسماء الأنبياء المذكورين في الكتاب، نظائر الآيات والكلمات المكررات، النخب في التصاديق والخطب، كنز الدرر في حروف أوائل السور، سبر الصرف في سر الحرف، الزين في معاني العين، المناسبات العددية في الأسماء المحمدية، غاية المغنم في الاسم الأعظم،
стр. 1952
البرهان على عدم النسخ للملتين من القرآن، مداحض الإكراه في تناقض التوراة، تعريف التبديل في تحريف الإنجيل، نظم نفائس عقود الدرر الزاهرة في هدم كنائس اليهود بمصر والقاهرة، الإنصاف بالدليل في أوصاف ماء النيل، مكافأة الأقدار للأخيار والأشرار، بوادر الحلوم في نوادر العلوم، اليقين لمن به ندين في الدليل على خلافة الخلفاء الراشدين، زجر السفهاء بآداب الفقهاء، اختيار الراغب في اختيار المذاهب، أسرار العبادات بتفصيل الإعادات، شرح نظم الحاوي ولم يكمل، فائدة الأبحاث بأحوال الوالدة في الميراث، منسك الحج، الرد على تقي الدين الإخنائي المالكي في مسائل متفرقة، المعلم بمعاضدات مسلم، الخيرة في حسن مسائل الفال وكراهية الطيرة، نفع الجدوى في الجمع بين أحاديث العدوى، وشائع النوار في شرح لوامع الأنوار، ولم يكمل، تعريف الإفراد للمقتدي لتتمة الذهبي والصفدي، خلاصة الخلاصة، نحو خمس مئة بيت، تسهيل التسهيل، العروض المجملة من المسموعة والمهملة، الزناد القادح في اختيار الصادح، ذات القوافي، القصيدة الألفية، المبهم في حل المترجم، مختصر المبهم في حل المترجم، مفتاح النوز في حل الرموز، غاية الإعجاز في الأحاجي والألغاز، مشاجرة من انتصر في المفاخرة بين السمع والبصر، رسالة التراضي بين الأمين والقاضي، سيادة الخيم، والبصارة في أدب الأكل والزيارة، نظم السلوك في آداب الملوك، إيقاظ المصيب في الشطرنج والمناصيب، تنويل الراثي في تأويل المراثي، تنآئي المناظر في المنائي والمناظر، سلم الحراسة في علم الفراسة، الإنافة على
стр. 1953
الضيافة، تصاريف الدهر في تعاريف الزجر، افتقاد الخرائد المواهر في انتقاد فرائد الجواهر، تقرير الأبحاث في خواص المولدات الثلاث، اختباء الاختبار، الإساة بأدواء النسا والباه، اقتناع الحذاق في أنواع الأوفاق، بسط الفوائد ي شرح حساب القواعد، شرح الإسعردية في الحساب، المناسخات المصرية، الأجوبة القاهرية، المناسخات الحلبية، الأجوبة الحلبية، المسألة الحجموية، الأجوبة الحموية، الأجوبة الموصلية، الترسلات الشامية، الأجوبة الشامية، لم تكمل رسالة النصح العلوي على لسان الجامع الأموي، إخلاص الخواص. تمت.
وأنشدني رحمه الله تعالى من لفظه لنفسه:
صد عني فلم تلم يا عذولي ... لست أسلو هواه حتى الممات
لا تقل قدأسا ففي الوجه منه ... حسنات يذهبن بالسيئات
علي بن محمد
الصاحب علاء الدين بن الحراني
جاء إلى دمشق عوضاً عن الصاحب أمين الدين، فما أقبل عليه الأمير سيف الدين تنكز، ولا توهم فيه أنه لمثل درة الشام يحرز، ولا أن معرفته لإظهار سرائرها تبرز، فتركه واقفاً وما أجلسه، واستوحش منه فما أنسه. وكأن نفسه رحمه الله تعالى استشعرت بشؤمه، وأن هذا يستخرج مخبوء ماله ومكتومه، فما كان بعد قليل حتى أمسكه السلطان، وحكم أيدي العيث والفساد فيما عمره من الأوطان، وعرضت على الصاحب
стр. 1954
علاء الدين حواصله وأمواله، وآلات بيوته وغلاله، فلم يدع خبيثاً إلا أظهره، ولا مكتوماً إلا استخرج مضمره، حتى قال مماليكه: أين كان لنا هذا مخبوءاً، وما نرى هذا الصاحب إلا عدواً.
ثم إنه استمر بدمشق إلى أن جاء الفخري وملكها، وسلك تلك الطريق التي سلكها، فتلقى الصاحب علاء الدين ذلك المهم الأعظم بصدره ونهض بعبئه الذي يعجز غيره عن دفع شره، وأراد ذلك المهم أموالاً يفوت الحصر عدها ونفقات يخجل البحار نقدها، ثم إنه استعفى من نظر الشام فأجيب، وخلص من الأمر العجيب، ثم إنه تولى أيام الكامل شعبان فعاد إلى دمشق ثانياً، واتفق خروج يلبغا على السلطان وأصبح عن طاعته نائياً، فكلفه إلى نظير ذلك المهم. وعاوده ذلك الخطب الملم:
وإذا خشيت من الأمور مقدراً ... وفررت منه فنحوه تتوجه
ولما انقضى ذلك الخطب الذي عرى والحادث الذي دهم الورى، استعفى فأعفي، وحظه لا يمكن طرفه أن يغفي. ثم لما أن قتل يلبغا حضر الحوطة على موجوده، وضبط ما في أغوار حاصلة ونجوده، فقضى هذا المهم وأكمله، وفصل طلب الإعفاء من أمر دمشق وأجمله. وقال: ما أدري حظي من دمشق ما هو؟، والناس بمثل حسنها لم يضاهوا:
أظمتني الدنيا فلما جبتها ... مستمطراً مطرت علي مصائبا
ولكنه في هذه المرات الثلاث، والكرات الخباث، يباشر بصلف زائد، وعفاف غضه بنسيم النزاهة مائد، لم يخن في قليل ولا كثير، ولا تعرض إلى فتيل ولا نقير. واشتهر بالأمانة عند الملوك، وصار خبره في ذلك كالشمس عند الدلوك.
стр. 1955
وما زال بالقدس منقطعاً إلى أن نزل به ضيف المنية، وطفئت قناديله المضية.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة بالقدس.
وأول ما عرفت من أمره أنه كان يكتب الدرج عن الأمير فخر الدين أقجبا الفارسي مش الدواوين بصفد، وكان يعرف إذ ذاك بعلاء الدين بن المقابل، لأن أباه كان مقابل الاستيفاء بصفد، ثم إنه خدم كاتباً للأمير عز الدين أيدمر الشجاعي نائب قلعة صفد. وكان فيه إذ ذاك كيس ولطف وذوق وانهماك على عشر المطابيع والفضلاء، وبيته مجمع الأصحاب والعشراء، وفيه مكارم وخدمة للناس، ثم إن الشجاعي توجه إلى البيرة نائباً فلم يتوجه معه.
ثم إن الشجاعي جاء إلى القدس ناظر الحرمين، وكان الصاحب علاء الدين عنده، ثم إنه ترك ذلك جميعه، وتجرد ولبس زي الفقراء، ودخل اليمن بالكجكول والثوب العسلي، وغاب هناك مدة، وجرت له أمور شاقة، حكاها لي من الأمراض والوحدة والفقر.
ثم إنه حضر إلى دمشق، وتوجه إلى مصر في أواخر سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ثم إنه خدم كاتباً عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب ولما مات خدم عند الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي الوزير. ولما مات خدم عند الأمير سيف الدين طغاي
стр. 1956
تمر، صهر السلطان الملك الناصر، واشتهر في مصر بالكفاية والأمانة. ولما مات جهزه السلطان إلى الكرك ناظراً فتقلق من ذلك، وحضر إلى مصر، فخدم عند الأمير سيف الدين قوصون مدة يسيرة. ثم إن السلطان جهزه إلى دمشق وزيراً عوضاً عن الصاحب أمين الدين، فباشرها مباشرة حسنة بعفة وصلف زائد، وجاء الفخري، وجرى ما جرى، فقام له بكل ما أراد، ومنعه من أشياء كان يريد فعلها من مصادرة الناس فقال له: مهما أردت عندي. وتوجه معه إلى مصر، وطلب الإقالة، فرتب له مرتب، وأقام مدة على ذلك.
ثم إن الكامل شعبان طلبه جهزه إلى دمشق وزيراً ثانياً، فلما وصل إليها اتفق خروج يلبغا على الكامل، وحضر إليه النواب من أطراف الشام وأراد لهم نفقات وكلفاً كثيرة فقام لهم بذلك المهم وسده، ولم يمكن يلبغا من التعرض إلى أموال الناس، وتوجه لمصر، وعمل تقديراً للشام، وحضر وهو على يده، فلم يمش له حال، فطلب الإقالة وتوجه إلى القدس، وانقطع به.
ثم حضر للحوطة على موجود يلبغا، فضبطه، وحرره، وعاد إلى القدس منقطعاً إلى الله تعالى.
وكان به فتق فعظم وتزايد، وكان في عانته، فلم يزل ينمو إلى أن كان يعلقه في فوطة إلى عنقه، وتفاقم أمره في ذلك الفتق إلى أن قتله، رحمه الله تعالى.
وفي هذه المرات التي يحضرها إلى دمشق لم يوسع له دائرة، ولا اتخذ مماليك ولا جواري ولا خدام ولا فعل ما يجب لمثل هذه الوظيفة من البذخ والخدم والحشم،
стр. 1957
بل له غلام يحمل الدواة وغلام للخيل، وغلام يطبخ له ويغسل لا غير، وإذا خلا سمع الحديث، أو طالع في مجلدات عنده.
ولما أن توفي السلطان الملك الناصر جلس ولده المنصور أبو بكر، وحلف عسكر دمشق، وقد كانت العادة أنه في مثل هذا الواقع يخلع على الموقعين وعلى كتاب الجيش كما فعل في كل مرة قبل هذه، فتحدث الجماعة معه في ذلك، فوعد بذلك، واجتمعت أنابه في ذلك، فقال: أنا ما ألبس تشريفاً حتى يلبس الجماعة تشاريفهم. فكتبت أنا إليه بعد ذلك:
مماليك مولانا الوزير جماعة ... لهم بتشاريف المليك غرام
ولا غرو أن هاموا بها في حدائق ... لأنهم بالمدح فيك حمام
علي بن محمد بن يوسف الموصلي
الشيخ المعروف بالبالي، بالباء الموحدة.
كان رجلاً مباركاً ينوب في الإمامة بمشهد عثمان بالجامع الأموي.
سمع من ابن البخاري مشيخته، وكتب في الإجازات، وحفظ التنبيه واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري.
توفي رحمه الله تعالى يوم السبت سادس عشر رمضان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن في مقابر باب الفراديس.
стр. 1958
علي بن محمد بن عبد القادر
العدل الرضي، علاء الدين ابن قاضي القضاة عز الدين بن الصائغ، أخو القاضي بدر الدين بن أبي اليسر بن الصائغ.
توفي علاء الدين بسكنه بالمدرسة العمادية، جوار قلعة دمشق سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
كان شهد على الحكام، والقضاة يعتمدون عليه في شهاداته، وأكثر أهل البلد يكتبون عنده.
علي بن محمدابن الكلاس
وبابن الريس، وكان هو يكتب على المجلدات: علي الدواداري، الفاضل الأديب الماهر علاء الدين.
كان يتوقد ذكاؤه، وتشرق في سماء الأدب ذكاؤه. جمع مجاميع أدبية، وعلق نكتاً حديثية، واقتنى من الكتب جمله، وأثقل بها حمله.
وسمع من المشايخ وعلق، ووفى نبل أدبه وغلق. وكان خطه يتحدر كالسيل ويتألق كالبرق في الليل، يدل على قوة يده وتسرعها، وملاءتها من القدرة وتضلعها.
وكان جندياً في حلقة جلق، وحرفته من أرباب السيوف التي هو بها متعلق.
стр. 1959
ولم يزل على حاله إلى أن انطفأ ابن الكلاس، ولم يضئ له جلاس بين الجلاس.
وتوفي رحمه الله تعالى بقرية حطين من بلاد صفد، قبل الثلاثين وسبع مئة، أو ما بعدها.
ورأيته بدمشق غير مرة. وكان قد وقع بينه وبين صاحبنا زين الدين الصفدي، وعبث به، وصنع فيه مقامة. ومن شعره:
خليلي ما أحلى الهوى وأمره ... وأعرفني بالحلو منه وبالمر
بما بيننا من حرمة هل رأيتما ... أرق من الشكوى وأقسى من الهجر
ومنه:
سقطت نفوس بني الكرام فأصبحوا ... يتطلبون مكاسب الأنذال
ولقلما طلب الزمان إساءتي ... إلا صبرت وإن أضر بحالي
نفسي تطالبني وتأبى همتي ... أن استفيد غنى بذل سؤال
قلت: وقد أولع الشعراء بهذا المعنى، ومما قلت أنا فيه مضمناً قول المعري:
قضت لي أن لا اشتكي الدهر همتي ... ولو ساورتني أسده والأساود
وأن لا أنال الرزق في دار ذلة ... ولو أنني في هالة البدر قاعد
ومن شعر ابن الكلاس:
تقدمت فضلاً من تأخر مدة ... بوادي الحيا طل وعقباه وابل
стр. 1960
وقد جاء وتر في الصلاة مؤخراً ... به ختمت تلك الشفوع الأوائل
ومنه:
فكرت في الأمر الذي أنا قاصد ... تحصيله فوجدته لا ينجح
وعلمت من نصف الطريق بأن من ... أرجوه يقضي حاجتي لا يفلح
ومنه يلغز في القلم:
ما اسم له في السماء فعل ... والأرض فيها له مكان
ينطق بين الأنام حقاً ... بصمته إذ له لسان
فأعجب له ناطقاً صموتاً ... له على الصمت ترجمان
ومنه يلغز في الرغيف:
ومستدير الوجه كالترس ... يجلس للناس على كرسي
يدخل فيه البدر حمامه ... وبعدها يخرج كالشمس
يواصل السلطان في دسته ... واللص في هاوية الحبس
لو غاب عن عنترة ليلة ... وهت قوى عنترة العبسي
ومنه:
من مبلغ غبريل أن رحيله ... جلب السرور وأذهب الأحزانا
والناس من فرط الشماتة خلفه ... كسروا القدور وأوقدوا النيرانا
ومنه:
وأهيف تحكي البدر طلعة وجهه ... وإن لم يكن في حسن طلعته البدر
стр. 1961
خلوت به ليلاً يدير مدامة ... وجنح الدجا دون الرقيب لنا ستر
فلما سرت كاس الحميا بعطفه ... ومالت به تيهاً ورنحه السكر
هممت برشف الثغر منه فصدني ... عذار له في منع تقبيله عذر
حمى ثغره المعسول نمل عذاره ... ومن عجب نمل يصان به ثغر
وكان المجير الخياط قد كتب إلى علاء الدين بن الكلاس أبياتاً كتب بها إلى غيره أولاً وأولها:
علاء الدين إن تنسى الودادا ... وتمنحنا القطيعة والبعادا
فأجابه علاء الدين عنها بأبيات أولها:
مجير الدين فت الناس نظماً ... ونثراً واختياراً وانتقادا
ثم إن علاء الدين علم أن المجير كان قد كتب بها إلى غيره، فكتب المجير إليه، ومن خطه نقلت الأصل والجواب:
يا علاء الدين يا من ... طاب بالآداب ذكره
وله عرف ثناء عطر ... الأقطار نشره
نظمه فاق الدراري ... ونظام الدر نشره
أيها الصدر الذي حا ... ز علوم الناس صدره
والأديب الشهم قنا ... ص المعاني الغر فكره
والجواد الجائد الحا ... وي بحار الجود شبره
عندنا منك حياء ... جل عند الناس قدره
إذ بعثنا نحوك الشعر الذي فصل شذره
стр. 1962
وبه غيرك من قبلك قد قلد نحره
فاغتفر هفوة هاف ... جاء بالأعذار شعره
وليفز منك بعفو ... وليقم عندك عذره
فكتب علاء الدين الجواب عن ذلك:
يا مجير الدين يا من ... أعجز الألسن شكره
وله بحر نوال ... عغمر العافين غمره
والذي يحلو بأفوا ... هـ ذوي الألباب ذكره
والذي بذ فحول الشعر في المضمار شعره
والذي فوق السماكين وفوق النسر قدره
كل مفضال أياديه بها قلد نحره
أيها الحبر مجير الدين والمحمود خبره
جاءني منك قريض ... يسكر الألباب خمره
جامع در المعاني ... عونه فيه وبكره
حل في القلب كما حل بروض الحزن قطره
بل كما ضاء لساري الليل في الظلماء بدره
نحو من يطلب من جو ... دك أن يبسط عذره
عبد إخلاص تساوى ... سره فيك وجهره
وإلى رؤيا محيا ... ك فني والله عمره
стр. 1963
علي بن محمد بن أحمد
ابن سعيد بن سالم بن عمر بن يعقوب، القاضي علاء الدين أبو الحسن المعروف بابن الفامي، المحتسب بدمشق.
اشتغل بمذهب الشافعي ودرس، وأدلج في طلب العلم وعرس، وسهر ودأب، ومهر لما طلب، واشتغل بالشام ومصر، وتوجه إلى الإسكندرية، ولم يؤخذ له على السعي إصر. وتولى تدريس المدرسة الأمينية، وصفا ظاهره في ذلك والنية. ثم باشر الحسبة، ووفر الله تعالى منها كسبه، وأقام فيها مدة وعزل، وكان قد طلع بدره فيها كاملاً، ثم أفل لا بل خسف وخزل، وتمر فيها أموالاً، ولم يبل بالدهر أعاداه أم والى. وعمر أملاكاً لها صورة، وذخائر غير محصور. ثم إنه وليها ثانياً، ورد الدهر عنان سعده ثانياً، إلا أنه أخنى عليه بعد مدة يسيرة، وجعل عين تطلعه إليها حسيرة. ولكنه جبر وقته مع الله بالتوبة منها، وترحل عن امتطاء صهوتها، ونزل عنها، وخف منها حاذه، وأقلع غيم وابله وقل رذاذه. وكان قد أنهكه المرض، وزال عن أعاديه إليه الغرض.
ثم إن ابن الفامي ألفى مي المنية، وسددت إليه سهام الحين من تلك الحنية.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة السبت سادس عشري صفر سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
стр. 1964
ومولده في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
كان قد حفظ التنبيه في الفقه، والعمدة في الأحكام ومقدمة ابن الحاجب، ومختصر ابن الحاجب، وسمع من زينب بنت الكمال، وأبي عمر وعثمان بن سالم بن خلف، ومحمد ابن إسماعيل بن الخباز، والحافظ أبي الحجاج المزي، وزينب بنت الخباز، ومن بهاء الدين بن إمام المشهد، وعليه اشتغل بالعلم وبه تخرج.
وكان أولاً قد تزوج بابنة القاضي زين الدين بن النجيح الحنبلي نائب قاضي القضاة علاء الدين بن المنجا، وكان يكتب الحكم عنه بالمدرسة الجوزية، وكان تولى الأمينية مدرساً بها في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة لما كان السلطان الملك الصالح صالح بدمشق في واقعة بيبغاروس بعد وفاة ابن عمه بهاء الدين بن إمام المشهد، ثم إنه تولى حسبة دمشق في أوائل سنة أربع وخمسين وسبع مئة في أيام الأمير علاء الدين أمير علي المارديني، ثم تزوج زوجة ابن عمه أيضاً وهي الحموية، فورثه في مدرسته وفي الحسبة وفي الزوجة.
وعزل من الحسبة سنة تسع وخمسين بالقاضي عماد الدين الشيرجي، ثم تولاها في شوال سنة اثنتين وستين وسبع مئة، ثم إنه لما أثقل حاله في المرض نزل عنها من ذاته، وخلف عدة من الأولاد الذكور وغيرهم، واشتملت تركته على ثلاثة مئة ألف درهم ما بين عين وأملاك ومجلدات وغير ذلك.
стр. 1965
كان لي تنور قد تعطل في أيام حسبته الأولى، فكتبت أنا إليه في ثامن شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وسبع مئة:
يا سيداً هو بالإحسان محتسب ... أجراً يوازنه في الحشر ثهلان
أشكو إليك من التنور عطلته ... وأنت في العلم والإفضال طوفان
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
يا سيداً هو في الإفضال مبتدأ ... وفي البلاغة والآداب سحبان
أشكو إليك من التنور عطلته ... وأنت في العلم والإفضال طوفان
علي بن محمود بن إسماعيل بن معيد
الأمير علاء الدين البعلبكي.
كان شكلاً طوالاً، جسيماً لم ير له مثالاً، بديناً إلى الغاية، بديلاً من الفيل في العظم والنهاية؛ إلا أنه كان من رجالات الناس رياسة، ودربة وخبرة ومعرفة وسياسة، خبيراً بالأمور ومعالجة الجمهور، دون دهاء وخداع، وملقه ملق واتضاع، خدم الناس وتقدم، وتقرب إليهم فأحمد عقبى ذلك وما تندم، فانتقل من الجندية إلى إمرة العشرة، ثم إلى الطبلخانات والولايات المشتهرة، وولي نظر الأوقاف بدمشق مدة، ثم تولى القبلية ويده إلى أعلى من ذلك ممتدة.
وكان تنكز يحبه لمعرفته، ويقربه ويوليه لدرايته ودربته.
ولم يزل في صعود، ومراقي سعود، إلى أن مرض بالقبلية، وقدم إلى دمشق فطالت علته، ولم تستد بالعلاج خلته، ونشرت له من الكفن حلته.
следующие страницы →