← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

النجاسة، إذاً لا خلاف في أن شرط الاستصحاب عند القائلين به أن لا يقطع بوجود المنافي له. وقوله: لا يلزم من النجاسة التنجيس، إنما هو في نجاسة معفو عنها لاقت ماء كثيراً، ولم يتغير، وليس الكلام في ذلك إذ كثرة هذا الماء مشكوك فيها، بل ملاقاة النجاسة سبب للتنجيس، وقضية السبب إعماله إلا لمانع والأصل عدم المانع، وهو الكثرة، فصار في جانب التنجيس أصلان: عدم بلوغ الماء قلتين، وإعمال السبب الثاني الذي هو النجاسة، ومن جانب الطهارة أصل مستصحب مع يقين ما يعارضه، واستصحاب مثل هذا ممنوع، فصار الظاهر الحكم بالنجاسة وملاقاة النجاسة محسوسة، فتصير هذه الصورة كالغدير مع الظبية التي بالت فيه، ووجد الماء متغيراً، واحتمل التغير بول الظبية، وطول المكث، وقد نص الشافعي على نجاسته، وقطع به جمهور الأصحاب، ومع هذا البحث الراجح الواضح كيف يقول: الصواب الجزم بالطهارة، فلا الصواب الجزم بالطهارة، ولا الظاهر، فضلاً عن الجزم، وقد قال الغزالي في الوسيط: الأصل بقاء النجاسة إلى أن يتبين الكثرة الدافعة، أو يقال الأصل طهارة الماء إلى أن يستيقن الصنان. والاحتمال الأول أظهر، فلو أصاب النووي لم يعتقد الجزم بالطهارة؛ بل لو تردد معذوراً مع أن الصواب الجزم بالنجاسة؛ لكنه وقف به نظره أو وقفه، وإنما بسطت وأسهبت لئلا يغلو فيه غر. قال شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي، رحمه الله

стр. 2032

تعالى: أما المناقشة في لفظ قليل فصحيحة، وكان الأولى حذفها، لكنه تجوز فيها، واستصحب اسم القليل مع الشك، أو لأنه يعد في العرف قليلاً وإن لم يكن في الشرع كذلك، والإمعان في الحكم بنجاسته إذا كان قليلاً لا معنى له، إذ لا نزاع فيه، وليس بمراد، وأما كون الصواب الحكم بنجاسته ما شك في كثرته فيرد عليه أنه حكم بالنجاسة مع الشك إذ الأصلان متعارضان، وهما طهارة الماء وقتله المقتضية للتنجيس، وهنا إذا تعارض أمران متضادان وجب التوقف، فكيف والقلة ليست مضادة للطهارة؛ بل مقتضية لضدها في هذه الصورة، وهذا معنى يصلح لترجح الطهارة، لأن المعارض لها أضعف منها، لكونه مقتضياً للضد لا نفس الضد، وإنما كان أضعف لكون المقتضي قد يتخلف المقتضى. وقوله: إن أصل الطهراة تيقناً ما يعارضه مع يقين ما يعارضه ممنوع إذ الغرض الشك، ومع الشك كيف يدعي اليقين. وقوله: في جانب الطهارة أصل مستصحب مع يقين ما يعارضه، إن أراد ما يرفعه ممنوع، وإن أراد ما يعارضه ويقاومه فيحصل الشك ويمتنع الحكم بالنجاسة، على خلاف غرضه، فإنه متى تقاومت المعارضة لا يجوز الحكم بالنجاسة، ويبقى الحال على ما كان عليه من الطهارة. وقوله: في جانب التنجيس أصلان، عدم بلوغ الماء قلتين، وإعمال السبب الذي هو النجاسة، أعلم أن عدم بلوغ قلتين وحده ليس بأصل معارض للطهارة بل بما ضم إليه من السبب، والسبب وحده لا يسمى أصلاً، وإنما يسمى ظاهراً، فإما أن يجعله مع عدم بلوغ الماء قلتين سبباً واحداً في التنجيس، وحينئذ يعارضه أصل الطهارة، وإما أن يجعله سبباً، والقلة شرط أو الكثرة مانعة وحينئذ يقال: إن الشرط

стр. 2033

أو انتقاء المانع يكتفي فيه بالأصل إذا لم يعارضه أصل آخر وهنا عارضه أصل آخر، والسبب وحده بدون شرطه أو انتفاء مانعه لا يعمل، وإما أن يجعل وقوع النجاسة محل الحكم ويقاوم، عليها أمران: أحدهم يقتضي التنجيس، والآخر ضده، فيقف الحكم. وعلى كل تقدير فيجب أن لا يحكم بالنجاسة، فخرج من هذا أن دعواه في جانب التنجيس أصلان ليس بصحيح، ولو قال: أصل وظاهر لكان أصح في العبارة، ويتوجه عليه المنع بأن ذلك إنما يكون في أصل مستقل بظاهر مستقل، وليس هنا كذلك؛ لأن القلة ليست بأصل، بل بما ضم إليها، على ما تبين. وأما مسألة الظبية فإنما حمنا بالنجاسة لأن بول الظبية محقق، واستناد التغيير إليه ظاهر مستقل، لأن الأصل المعارض له معارض بالأصل النافي لطول المكث، ولا لما يقاوم الأصل إن علمنا بالسبب الظاهر المجرد الذي لا معارض له، فأين هذه المسألة من تلك، وقد جزم الصميري بالتنجيس متمسكاً بأن الأصل القلة، وسبق الغزالي دعوى ظهور التنجيس لتمسك بالقلة للتنجيس إمام الحرمي، فاقتصار الكتاني على كلام الغزالي دليل على أنه لم يقف على غيره. قال كمال الدين جعفر الأدفوي: كان منازعة في النقل، قلت له يوماً: قال الرافعي إن أكثر الأصحاب على جواز النظر إلى الأجنبية في الوجه والكفين إذا أمن الفتنة، فأنكر ذلك، ثم اجتمعت به ثاني يوم بالمدرسة القراسنقرية، فقال: الرافعي قال ما قلت، ولكن من أين للرافعي هذا، وشرع يغالب ويتغلب. قال: وقلت له يوماً: قال النووي: الأصح العفو عن الكثير من دم البراغيث، ونحوها مطلقاً فنازع، وحضر منهاج النووي فرآه، فشرع يؤول.

стр. 2034

وكان بعض الطلبة يقرأ عليه يوماً في أن المعير إذا رجع والذرع قائم، ولم يكن يحصد قصيلاً فإ (نه يبقى إلى الحصاد، فقال هو: واختلف ههنا: هل عليه الأجرة، وما قالوا بمثل ذلك فيما إذا باع مالك الأرض وفيها زرع فإنه يبقى ولا أجرة، وطلب الفرق. فقلت: الفرق أن البائع لما زرع تصرف في ملكه، والمشتري دخل على الإبقاء، والتصرف كان في الملك، فلا يناسب أجره، والمستعير تصرف في ملك غيره، والمالك بصدد الرجوع في كل وقت، لكن التصرف كان الإذن، فلا يناسب قلع الزرع وضياعه، ولا إشغال أرض المالك مجاناً، فجمعنا بني المصلحتين، فأبقيناه حتى لا يفسد، وألزمناه الأجرة حتى لا يشغل أرضه مجاناً، فنازع نزاعاً طويلاً، لا بالرد النظري، إلا بالإساءة. قال: فتركت الاجتماع به. ومع ذلك فكان محققاً مدققاً كثير النقل، يستحضر النظائر والأشباه، لم يكن في الفقه في زمنه مثله، انتهى. قلت: ما صنف شيئاً ولا انتفع به أحد من الطلبة، وكان قل أن يفتي أحداً، ويقول لمن يأتيه بالفتوى: أنا ما أكتب لك عليها، روح إلى القضاة والى الذين لهم في الشهر من المعلوم كذا وكذا، وربما تحيل عليه بعض الناس فيما يرومه منه بأن يستصحب معه شاباً حسن الصورة فإنه كان يميل إلى ذلك لكن مع دين وعفاف وتصون كثير. ولما دخلت إلى الديار المصرية قلت للأمير ناصر الدين محمد بن جنكلي رحمه الله تعالى: أريد أن أرى الشيخ زين الدين، وأجتمع به، فقال لي: ما تنتفع به ولا تنال منه مقصودك، ولكن اصبر، أنا أروح معك إليه، فتوجهنا إليه إلى داخل باب السعادة إلى دار الفارقاني، فصعد بي في سلم حجر أعلاه طبقة، فطرق الباب، فقال من؟ قال: محمد بن حنكلي فقال: ومليحك معك؟ قال: نعم، فقام، وفتح الباب، وبش بنا وأجلسنا، وانشرح، وأحضر شراب ليمون، وفيه قلب فستق،

стр. 2035

وشراب حماض، وفيه قلب بندق، وأطعمنا من ذلك، وأحضر طعاماً شهياً طيباً وانشرح لنا مدة إقامتنا عنده لما كان معنا بعض مماليك الأمير، وهو وضيء الوجه، وفارقنا رحمه الله تعالى. وكان الشيخ كمال الدين بن الزملكاني رحمه الله تعالى يثني عليه. وقلت أنا فيه: يا من يروم الفقه برد أصوله ... رقمت حواشيه بكل بيان عرج بزين الدين تلق دروسه ... حللاً محررة من الكتاني عمر بن حسن بن عمر بن حبيب العالم المحدث الفاضل زين الدين أبو حفص الدمشقي، محتسب حلب. سمع من ابن البخاري، وابن شيبن، وعلي بن بلبان، وطائفة. وعني بالحديث، ورحل وسمع من ابن حمدان، والأبرقوهي، وسدة بنت درباس، وخلق، ونسخ وحصل الأجزاء، وخرج له شيخنا الذهبي معجماً عن أزيد من خمس مئة شيخ بالسماع. وكان كثير الأسفار، فدخل في آخر عمره إلى الروم، ثم إلى مراغة، فتوفي هناك رحمه الله تعالى في.... سنة ست وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة تقريباً.

стр. 2036

عمر بن داود بن هارون بن يوسف القاضي زين الدين أبو حفص الصفدي، كاتب الإنشاء بالشام ومصر أصله من نين قرية من مرج بني عامر من صفد، بنونين، بينهما ياء آخر الحروف على وزن بين ودين. كان كاتباً ذكياً، فاضلاً سرياً، يقع على المقاصد، ويرقب المجرات ويراصد، إذا أخذ كتاباً تأمل فضوله، وتصور محصوله، وأجاب عنه بأجوبة بليغة ساده، دالة على غزارة المادة، وكان قلمه بليغاً إذا كتب مسترسلاً من غير سجع، واتكل على ما عنده في ذلك من الطبع، لأنه يأتي بما يكتبه، بليغ المعاني، مستوفي المقاصد، تام المراد، غير مخل ببيان ولا فاسد. أما نظمه فكان قليلاً مرذولاً، بطيئاً مهزولاً، ونثره كان أجود منه؛ إلا أنه كان وعر الجادة، ناب عن الطبع غير سار في المادة، وخطه أيضاً قوي منسوب، لكن ما عليه حلاوة، ولا له ما لخط غيره من اللطف والطلاوة؛ إلا أنه كان صبوراً على الكتابة، لا يسأم تواترها، ولا يمل تكاثرها، يقوم بتنفيذ ما في الديوان، ويسد مهماته على أحسن ما يكون وأسده، ولو بلغت إلى كيوان. تنقل من صفد إلى دمشق إلى غزة إلى الرحبة، ثم إلى دمشق، ثم إلى مصر إلى دمشق إلى مصر كرتين هبة بعد هبة، مع عطلة تخللت ذاك، وكاد الأمر يكون حتماً بغير انفكاك، ولكنه لطفت به المقادير، وأعادت اسمه إلى الدساتير.

стр. 2037

ولم يزل على حاله إلى أن بتر الله عمر عمر، وانقبض ابنساطه في الحياة وانقبر. وتوفي ﵀ وسامحه بالقاهرة في ثامن عشري صفر سنة تسع وأربعين وسبع مئة، بعد مرض طويل قاسى منه شدة. ومولده في سنة ثلاث وتسعين وست مئة. قدم من قريته إلى صفد، وقد عذر في عام ستة عشر وسبع مئة فيما أظن أو قبل ذلك بقليل، ولازم شيخنا نجم الدين الصفدي، وأقام في بيته يبيت ويصبح، واشتغل عليه وكتبه وهذبه ودربه، فكان شيخنا في تلك المدة كاتب سر صفد، فاستكتبه عنده، وتخرج. وكان ذكياً فذاق هذه الصناعة، ومهر فيها. ولما بطل الشيخ نجم الدين من التوقيع كتب زين الدين الدرج للأمير علم الدين سنجر الساقي مشد الدواوين بصفد ووالي الولاة، ولما هرب الأمير علم الدين سنجر الساقي من صفد فاراً من نائبها الأمير سيف الدين أرقطاي توجه زين الدين معه، فأقام بدمشق مدة يتردد إلى شيخنا شهاب الدين أبي الثناء محمود والى القاضي شهاب الدين بن فضل الله، وعرف بين أهل دمشق، وعامل أهلها معاملة جيدة إلى أن أجمعوا على الشكر منه والتوجع له في بطالته، فأقام بها مدة، وحضر شمس الدين الجاولي إذ ذاك نائب غزة، فرأى خط زين الدين وعبارته فأعجبه ذلك. وكان

стр. 2038

زين الدين شديد المداخلة للناس، لطيف المؤانسة جريا في الإدلال والكلام والمشاركة مع صاحب المجلس والانخراط في سلكه، فخاف ابن منصور من تقدمه، فعمل عليه وأعاده إلى دمشق. ثم إن الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، جهزه إلى الرحبة موقعاً بإشارة القاضي شمس الدين محمد بن شيخنا شهاب الدين محمود رحمه تعالى بعد ما أقام بدمشق بطالاً تسع سنين فأقام بها قريباً من سنتين. ولما توجه القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين إلى مصر قال الأمير سيف الدين تنكز لهما: ما بقي في الديوان أحد، فذكراه له، وقالا: يا خوند، كاتب الرحبة زين الدين الصفدي يصلح أن يكون في باب مولانا ملك الأمراء. وكان قد خلا مكان القاضي جمال الدين بن رزق الله من ديوان الإنشاء بدمشق لتوجهه إلى توقيع غزة، فرسم بإحضار زين الدين إلى دمشق، فجاء إليها، وأقام بها دون السنة، ثم إن القاضي شهاب الدين بن فضل الله طلبه إلى الديار المصرية، فأقام يكتب بين يديه قريباً من ثماني سنين إلى أن رسم السلطان الملك الناصر محمد للقاضي شهاب الدين بن فضل الله بأن يلزم بيته، فعمل عليه هو الآخر، وأخرجه السلطان من الديوان، وأقام في القاهرة مدة ملازم بيته، ثم إن طاجار الدوادار أخرجه من القاهرة إلى صفد بطالاً، فأقام فيها إلى أن حضر القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز، فتحدث له القاضي شهاب الدين وأحضره من صفد إلى دمشق، فبقي فيها بطالاً إلى أن توفي السلطان الملك الناصر محمد فتحدث له القاضي شهاب الدين بن فضل الله مع الأمير علاء الدين ألطنبغا

стр. 2039

نائب الشام، فأمر له بالدخول إلى ديوان الإنشاء، فأقام به إلى أن رسم السلطان الملك الصالح بإبطال من أحدث عبد أبيه السلطان الملك الناصر، فبطل، ولازم بيته مدة، ثم إنه دخل مع من دخل فيما بعد. ولم يزل يكتب في ديوان الإنشاء بدمشق إلى أن حضر القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله، فسلم إليه الأمر، ورأى من السعادة ما لا رآه في عمره مدة ثلاث سنين. ثم إن القاضي علاء الدين بن فضل الله طلبه إلى الديار المصرية، فتوجه هو ووالده القاضي شهاب الدين أحمد في البريد يوم عيد الأضحى سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فأقام بها موقعاً في الدست، وولده في جملة كتاب الإنشاء، إلى أن توفي رحمه الله تعالى في التاريخ المذكور. وكنت قد كتبت إليه إلى دمشق من صفد: عن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها وكتبت إليه مع غلام حسن الوجه وهو بغزة: يا نازحاً صورته في خاطري ... فرميت للتصوير بالنيران إن لم يبلغك النسيم تحيتي ... فلقد أتاك بها قضيب البان وكتب هو إلي من دمشق وأنا بصفد سنة ست عشرة وسبع مئة: أشتاق من دون الأنام خليلا ... فلذاك أصبو بكرة وأصيلا مولى رحلت وسرت عن معروفه ... فعدمت من إحسانه تنويلا لو كان في عصر مضى لم يعتمد ... إلا على ألفاظه الترسيلا هو فارس في فنه كم جدل الأقران في ميدانهم تجديلا ليس اليراع بكفه في طرسه ... إلا حساماً هزه مصقولا

стр. 2040

فإذا ترسل خلته من لطفه ... أضحى يدير على الأنام شمولا نبت الكتابة عن سواه فلم تجد ... إلا بضافي الظل عنه بديلا فلذاك وجه الدهر راح بفضله ... لمن اجتلاه أو رآه جميلا أرجو اجتماع الشمل منه لأنه ... قد لا يكون به الزمان نحيلا والله ما لاحت بروق في الدجا ... إلا تجدد لي بكى وعويلا ولربما سمح الزمان بعودتي ... فأبل من شوقي إليه غليلا لا زال جودك بالمرام كفيلا ... ولطيف صنعك بالأنام جميلا أنس قريضك مذ تطلع نيراً ... بسما البديع كثيراً وجميلاً قط اليراع لسانه عن وصفه ... مذ مد باعاً في البديع طويلا فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك: يا سيداً أضحى عظيم فخاره ... أبداً على هام العلا إكليلا وكسا برود النظم من ترصيعه ... غرر البيان وزادها تحجيلا لاحت تباشير الصباح بطرسه ... من أسطر أفنيتها تقبيلا راقت محاسنه ورق شمائلا ... فغدا يمج من البيان شمولا أما التشوق والحنين فلا تسل ... فالخطب منه لا يزال جليلا مذ غبت عني فالدموع على الولا ... لو كن سيلاً ما وجدن مسيلا وتلهب الزفرات في طي الحشا ... خلى محل الصبر عنك محيلا فاسعف بقربك إنه جل المنى ... لتكيد ضداً أو تسر خليلا فالجسم في صفد أقام وقلبه ... بل قد تشحط في دمشق قتيلا

стр. 2041

وكتبت أنا إليه من صفد: يا بارقاً سال في عطف الدجى ذهبا ... أذكرتني زمناً في جلق ذهبا لئن حكيت فؤادي في تلهبه ... فلست تحيكه لا وجداً ولا حربا ويا نسمياً سرى والليل معتكر ... وهب وهناً إلى أن هزني طربا أراك تنفح عطراً في صباك فهل ... تركت ذيلاً على جيرون منسحبا أم قد تحملت من صحبي تحيتهم ... فكان ذلك في طيب الصبا سببا قوم عهدت الوفاء المحض شيمتهم ... وإن شككت سل العلياء والأدبا صرفت إلا عناني عن محبتهم ... وبت نضواً حيلف الشوق مكتئبا لا الدار تدنو ولا السلوان ينجدني ... وعز ذلك مطلوباً إذا طلبا أحبابنا إن ونت عني رسائلكم ... فلست أسأل إلا الفضل والحسبا وحياتكم ما لنفسي عنكم بدل ... كلا ولا اتخذت في غيركم أربا أعيذ ودكم من أن يغيره ... نأي ولو جردت من دون ذاك ظبا لعل دهراً قضى بالبعد يجمعنا ... وقلما جاد دهر بالذي سلبا أرضى بحكم زماني وهو يظلمني ... فيكم وأجني ببعدي عنكم التعبا ولن يظفرني إلا بودكم ... يا حيرتي فيكم إن رد ما وهبا نسيتموني ولم أعتد سوى كرم ... منكم يبوؤني من فضلكم رتبا حاشاكم أن تروا هجري بلا سبب ... أو تجعلوا البين فيما بيننا حجبا عاقبتموني ولا ذنب أتيت به ... فقل عن الصخر إذ يقسوا ولا عجبا عودوا إلى جبر كسري لا فجعت بكم ... فقد لقيت ببعدي عنكم نصبا

стр. 2042

فكتب هو الجواب إلي عن ذلك: يا خير من خط في الأوراق أو كتبا ... وخير من حاول العلياء والأدبا ومن علا فغلت فيه مودتنا ... وفاق فضلاً وفات العجم والعربا أنت قصديك الغراء باسمة ... عن نقط أحرفها لما حكى الحببا فرنحت أنفساً بالبعد قد تلفت ... وحركت كل عطف قد قسا طربا فهل بعثت بعتب جاء عن قلق ... أو لطف نظمك قد أهدى نسيم صبا حاشى المودة أن يعتادها ملك ... أو أن يكون النوى في مثله سببا وإنما الدهر بالإزراء حاربني ... وجار في الحكم لما بت مغتربا وما ترق على ذلي عواطفه ... ولا تمد إلى العلياء لي طنبا وكلما قلت قد لينت شرته ... يزيد ناري على تأجيجها حطبا فاعذز فإنك أولى الناس كلهم ... ببسط عذري إن لم أبعث الكتبا فأنت تعلم أني قد جعلتك من ... دون البرية في الدنيا أخاً وأبا فلا تؤاخذ إذا ما هفوة عرضت ... ممن يكون إلى علياك منتسبا وكتبت أنا إليه من الرحبة أهنئه بمولود ذكر: هناء به وجه الزمان تهللا ... وبشرى بها الإقبال وافى وأقبلا فهنئت مولوداً أتى فتشوفت ... إليه عيون الفضل والمجد والعلى وأكرم بنجم لاح فينا ومن يقل ... بنجل فحرف الميم باللام بدلا إذا ضوأ الآفاق نور هلاله ... فكيف إذا ما صار بدراً مكملا سيرضيك في أفعاله ومقاله ... إذا طال في أوج العلا أو تطولا

стр. 2043

وترعف أقلام السيادة كفه ... ويرعف أعداء ويرعد ذبلا ويستخدم البيض الرقاق يراعه ... إلى أن يرد الصعب سهلاً مذللا ويسعى إلى أبوابه السعد صاغراً ... ويأتي إليه وهو طفل تطفلا يقبل الأرض وينهي أنه جلس بهذه البشرى على سرر السرور، والتحف منها بحبر الحبور، وملأ كفه بالدرر من هذه الأفراح، وملأ طرفه بالبدور، ونطقته هذه المسرات بالمحامد فارتجل وارتجز، وأمكنته الفرصة من التهاني، فانتهب وانتهز، وقرن الهناء بالدعاء فابتهج وابتهل، تخير ساعات الإجابة فانتقد وانتقل، وكيف لا يبتهج المملوك بمخدوم تجدد، ويتمسك بفضل تعدد، ويسر بدوح تفرع، وإن كان أصله بالمزايا تفرد، وهو هذا إلا بيت تمد في العلياء أطنابه، ترفع في السيادة أعلامه وقبابه، وتتسع لبني الآمال ساحاته ورحابه: وهذا هدية رب العلا ... فثق بهدايا هداياته وما أقول إلا أن مولانا ليث وقد أشبل، وبحر زخر لجه حتى مد بجدول، ومن حرمان المملوك أنه ما شافه السمع الكريم بالتهاني، ولا فاز برصد هذا الهلال كيف يترقى إلى الإبدار على الدقائق والثواني، ولا عاين لسلوك المحبين إليه طريقة، ولا حضر لهذه الجوهرة النفيسة يوم عقيقة، وما ضر الأيام لو كنت لجوهره عرضاً أدنى، أو لو ساعفت بالقرب فأكون حاضراً بالصورة إذ قد حضرت بالمعنى، والله تعالى يمتع عينه الكريمة بهذه القرة، ويهبه أمثالها حتى يرى في كل ذرة من الزمان دره، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.

стр. 2044

فكتب هو الجواب عن ذلك: أتاني كتاب منك كالبدر يجتلى ... فأصبحت أجلوه على سائر الملا حكى الروض أمس بالأزاهر ناضراً ... أو العقد أضحى بالجمان مفصلا يدير على سمع الأنام سلافة ... من القول فاتت منك مسكرة الطلا لو أن أبا تمام أبصر حسنه ... لما قال في عصر تقدم أو خلا تخال به برداً عليك محبراً ... وتحسبه عقداً عليك مفصلا تهن به عبداً لعبدك قد أتى ... فناهيك من مولى به قد تطولا لقد زاد عبد في عبيدك إذا أتى ... فتمم عداً حين جاء تكملا وإني لأرجو أن يفوء بخدمة ... يفوق بها فوق السماكين منزلا تربيه مملوكاً وتنشيه خادماً ... ويكفيه هذا للمعالي توسلا وكتب هو إلي من صفد وأنا مقيم بالديار المصرة بعد ما خرج إليها في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وقد ظن أن لي في خروجه مدخلاً، وعلم الله تعالى كاف: إن كان ظنك أنني لك ظالم ... فارحم لأن تسمى لأنك راحم حسب المسيء من القصاص بأنه ... جرح بجرح والسعيد مسالم كم قد حرصت على التنصل عندما ... وقع العتاب فما أقال الحاكم الله يعلم أنني عاذر ... والله عني بالبراءة عالم ها قد جرى لي ما جرى لك قبلها ... ووقعت في صفد وأنفي راغم إن صح لي فيها عليك جناية ... فجزاؤها هذا العقاب اللازم

стр. 2045

فاقنع به واذكر قديم مودتي ... فالعهد فيما بيننا متقادم أو لم يكن ذنب وحالي ما ترى ... فامدد إلي يداً وجاهك قائم فلقد تأتى ما تريد فوالني ... منك الجميل فإنه لك دائم جار الزمان على وليك واعتدى ... وإليك للزمن الألد يخاصم من كان ليس بنادم مستدرك ... فأنا عليك إلى مماتي نادم كانت هناة وانقضت ومن الذي ... منا وليس له تعد جرائم إن الذي قسم الحظوظ كما يشا ... للرزق ما بين البرايا قاسم قل وكثر ليس تبقى حالة ... والدهر بين الناس بان هادم يا من له أخلصت كن لي مخلصاً ... فعلى مجازينا كلانا قادم أعلنت بالشكوى لضر مسني ... لكن ودي في الحقيقة سالم ولك السيادة خلة ومكارم ال؟ ... أخلاق منها في يديك خواتم فاقبل أخوتي الجديدة إنني ... فيها لمجدك أو لودك خادم وإلى الرضى عد بي وللحسنى أعد ... حتى تقوم على الصفاء علائم والبس رياستك السنية حلة ... أبداً لها من نسج سعدك راقم واجعل لها شكراً إقالة عثرة ... من صاحب قد صد عنه العالم أنت الخليل بل الخلي من الهوى ... وأخوتي قد جرها لك آدم فأعن أخاك بحسن سعيك مرة ... إن المغارم في الإخاء مغانم قلت: الأجوبة التي تقدمت أصلحت أنا فيها أماكن حتى رقت ولطفت، وأما هذه الأبيات الميمية فهي شعره على صرافته لم أغير منها شيئاً، وهي بخط يده في التاريخ الكبير في ترجمته.

стр. 2046

وكتبت أنا الجواب إلهي عن ذلك: يا من تعرضني وقلبي سالم ... من إثمه والله إنك آثم أتظن أني فهت فيك بفظة ... لا والذي هو بالسرائر عالم ما الأمر فيك كما زعمت وإنما ... أنت امرؤ فيما أهمك واهم أنسيت أن الله في أحكامه ... عدل وأنك في الحقيقة ظالم فاقتص لي منك الغداة بمثل ما ... عاملتني والله عدل حاكم كم قد قطعت الليل منك مسهداً ... والقلب ملتهب وطرفي ساجم أستصرخ الأنصار فيك وكلهم ... في غفلة عما دهاني نائم وإذا طلبت الروح من نفس الصبا ... جاءتني النسمات وهي سمائم فأقمت في صفد ودمعي مطلق ... حزناً ومالي في البرية راحم حتى إذا علم الإله ضرورتي ... نجى وطرفك بالغواية حالم فأنب وتب لله وارض بحكمه ... واصبر فحكم الله أمر لازم لعساك تؤجر أو ترى لك مخلصاً ... من ضيق حال ضره متفاقم والله مالي في خروجك مدخل ... كلا ولا طبعي لذاك ملائم فعليك بالصبر الجميل فإنه ... لجراح ناب النائبات مراهم ما دام لي بخلاف قصدك شدة ... وكذاك ما تخشاه ما هو دائم أعزز علي بأن يسوءك حادث ... أو أن أنفك في الرزية راغم ما احتجت للتذكار منك لأنني ... لك في الرخاء وفي الشقاء أقاسم فلأبذلن عليك مجهودي إلى ... أن تنقضي البلوى وبالك ناعم فتوخ في الأسحار أوقات الدعا ... إن الدعاء لدفع ذاك دعائم فكأنني بك قد خلصت خلوص بد ... ر التم حيث سحابه متراكم

стр. 2047

وصفوت كالإبريز يخرج من لظى ... والصبح قد أخفاه ليل عاتم وأراك مسروراً ووجهك مسفر ... بشراً وثغرك بالأماني باسم وكأنما قد كان من عبث الردى ... بك لم يكن ولك الزمان مسالم وكان هو قد كتب بدمشق قبل الديوان كتاباً ببشارة النيل على وجه امتحان الخاطر، وجهز إلي نسخته، وهو: " أعز الله أنصار المقر ولا أخلاه من أثر رحمة يشاركه فيها الخلائق، وينبه ذوي الفضائل على التفكر في لطيف صنع الخالق، ويدخل في شمول عمومها وعموم شمولها الصامت والناطق، ويدل على إقبال الرخاء دلالة البرق المستطير على النوء الصادق: حتى يكون مباركاً في نفسه ... وعلى الورى في سائر الأقطار متقسم المعروف أحلى موقعاً ... عند النفوس من الخيل الساري يحيكه مشبه كفه النيل الذي ... أغنى الثرى عن منة الأمطار أربى عليها لونه لما جرى ... ما شانه الإرعاد بالأكدار وهي نعمة تحدث عن عجائب بحرها على الحقيقة ولا حجر، ويتساوى في الانتفاع بها كل نام فضلاً عما دب ودرج. لقد أبرزت كنانة أرض الله في أثوابها القشب، وسرى ذكرها إلى الشام المرتقب، موسم الوسمي طليعة السحب تضمن ذلك المثال الشريف الوارد بخبر وفائه القائل من سمعه: هذا عذوبة ألفاظ ألبستها من حلاوة مائه. وإن المقياس أتى بتمام قياسه الثابت على عادة عدانه، ونادى وقد سقى الأرض غير مفسدها بالأمان من طوفانه. وإن أراقم غدرانه انسابت في ذلك الإقليم

стр. 2048

فابتلعت غدران أراقمه، ومحا سيله المتدفق معالمه المجهولة، فاستعمل الأقلام في إثبات معالمه. وإنه أحاط بالقرى كالمحاصر فضرب بينها وبين ضائقة المحل بسور، وأخذ الطرق على السالكين فلا مراكب في البر ولا عاصم إلا الجسور. ولم تنتقض قاعدة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. على أن لله الحفي في هذا لطفاً خفياً وما هو بالخفي، فنقصها جاء " تماماً على الذي أحسن "، ونجاة بدنها الهالك للنبات آية المأمن. وكأني بهذا المخبر عنه، وقد بلغ الزبا من الربا، فطار النسر مبلول الجناح، ودنا حين أطلق فركضه من مشى بالأرجل، لا أن رفعه من قام بالراح. ومولانا يأخذ من هذه الأنباء بأحسنها وكلها حسنة، ومن هذه البشائر المنتظر قدومها بأبينها يمناً وكلها بينة متيمنة، وقد علم حق نعم الله الشكر فيوفيها منه حقها. ويتوقع رزق بلاده من السماء كما وعد، فقد أخرج لتلك من خزائن غيبه رزقها، ويوفر الرعايا من الجباية ليتوفروا على الدعاء، ويعرفوا نزاهة هذه الدولة القاهرة عن القوة على الضعفاء. فإن المرسوم الشريف نص على هذه الخاتمة الجلية، وطهر هذه الموارد من قذى

стр. 2049

الأذى لتنقى القلوب من السخط كما كانت في نفسها نقية، ومن وعى فواضل هذا الكرم الطاهر فليقل: يا مقيلات الجدود العواثر. والله تعالى يجعل مولانا من المتوكلين عليه ليزيده إيماناً، ويرزقه كما رزق تلك الديار التي غدت من الظمأ خماصاً، وراحت من الري بطاناً، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى. ولما كنت أنا بالديار المصرية سنة تسع وعشرين وسبع مئة ألزمني القاضي شهاب الدين بن فضل الله رحمه الله تعالى أن أنشئ كتاباً في المعنى، فكتبت، وبالله التوفيق: ضاعف الله تعالى نعمةالجناب وسر نفسه بأنفس بشرى، وأسمعه من الهناء كل آية هي أكبر من الآخرى، وأقدم عليه من المسار ما يتحرز ناقله ويتحرى، وساق إليه كل طليعة إذا تنفس صبحها تفرق ليل الهم وتفرى، وأورد لديه من أنباء الخصب ما يتبرم به محل المحل ويتبرا. هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تخصه بسلام يرق كالماء انسجاماً، ويروق كالزهر ابتساماً، وتتحفه بثناء جعل المسك له ختاما، وضرب له على الرياض النافحة خياما، وتقص عليه من نبأ النيل الذي خص الله الديار المصرية بوفادة وفائه، وأغنى قطرها عن القطر فلم تحتج إلى مد كافه وفائه، ونزهه عن منه الغمام الذي إن

стр. 2050

جاد فلا بد له من شهقة رعده ودمعة بكائه، فهي البلاد التي لا يذم للأمطار في جوها مطار، ولا يزم للقطار في بقعتها قطار، ولا ترمد الأنواء فيها عيون النوار، ولا تشيب بالثلوج فيها مفارق الطرق ورؤوس الجبال، ولا تبيت البروق ساهرة لمنع العيون من تعهد الخيال، ولا تفقد فيها حلى النجوم لاندراج الليلة تحت السحب بين اليوم وأمس، ولا يتمسك المساكين في شتائها كما قيل بحبال الشمس. وأين أرض يخمد عجاجها بالبحر العجاج، وتزدحم في ساحاتها أفواج الأمواج من أرض لا تنال السقيا إلا بحرب لأن القطر سهام والضباب عجاج قد انعقد، ولا يعم الغيث بقاعها، لأن السحب لا تراها إلا بسراج من البرق إذا اتقد، فلو خاصم النيل مياه الأرض لقال: عندي قبالة كل عين إصبع، ولو فاخرها لقال: أنت بالجبال أثقل وأنا بالملق أطبع. والنيل له الآيات الكبر، وفيه العجائب والعبر، منها وجود الوفاء عند عدم الصفاء، وبلوغ الهرم إذا احتد واضطرم، وأمن كل فريق إذا قطع الطريق، وفرح قطان الأوطان إذا كسر والماء كما يقال سلطان، وهو أكرم منتمي، وأشرف منتدى، وأعذب مجتنى، وأعظم مجتدى. إلى غير ذلك من خصائصه وبراءته مع الزيادة من نقائصه، وهو أنه في ذا العلم المبارك جذب البلاد من الجدب، وخلصها بذراعه، وعصمها بخنادقه التي لا تراع من تراعه، وحصنها بسواري الصواري تحت قلوعه وما هي إلا عمد قلاعه. وراعى الأدب بين أيدينا الشريفة في مطالعتنا الشريفة في كل يوم بخير قاعة في رقاعه، حتى إذا أكمل الستة عشر ذراعاً، وأقبلت سوابق الخيرات سراعاً، وفتح

стр. 2051

أبواب الرحمة بتغليقه، وجد في طلب تخليقه، وتضرع بمد ذراعيه إلينا، وسلم عند الوفا بأصابعه علينا، ونشر علم ستره، وطلاب لكرم طباعه جبر العالم بكسره. فرسمنا بأن يخلق، ويعلم تاريخ هنائه ويعلق، فكسر الخليج وقد كاد يعلوه فرح موجه، ويهيل كثيب سده هول هيجه، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة، ويجوس خلال الحنايا كأن له في هذا خبايا موروثة، ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة، وعلا زبد حركته ولولاه ظهرت في باطنه من بدور أناسه أشعتها المعكوسة، وبشر بركة الفيل ببركة الفال، وجعل المجنونة من تياره المتحدر في السلاسل والأغلال، وملأ أكف الرجاء بأموال الأمواه، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه، وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نزلت بركاتها من الله على العباد. وهذه عوائد الألطاف الإلهية بنا التي لم نزل نجلس على موائدها، ونأخذ منها ما نهبه لرعايانا من فوائدها. ويخص بالشكر قوادمها فهي تدب حولنا وتدرج، وتخص قوادمها بالثناء والمدح والحمد فهي تدخل إلينا وتخرج. فليأخذ الجناب العالي حظه من البشرى التي جادت المن والمنح وانهلت أياديها الغدقة بالسح والسفح، وليتلقاها بشكر يضيء به في الدجا أديم الأفق، ويتخذها عقداً يحيط به من العنق إلى النطق، وليتقدم الجناب العالي بأن لا يحرك الميزان

стр. 2052

في هذه البشرى بالجباية لسانه، وليعط كل عامل في بلادنا المحروسة بذلك أمانه، وليعمل بمقتضى هذا المرسوم الشريف حتى لا يرى في إسقاط الجباية خيانة. والله تعالى يديم الجناب العالي لقص الأنباء الحسنة عليه، ويمتعه بجلاء عرائس التهاني والأفراح لديه، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى. وكتبت أنا إلى زين الدين المذكور، وقد أعارني نسخة الفلك الدائر: فديت مولى خالني مقتراً ... فعمني بالنائل الغامر لم يرض بالأرض على قدره ... فجاد لي بالفلك الدائر فراح وصفي في علا مجده ... مشتهراً كالمثل السائر وأنشدني من لفظه لنفسه في ضوء البدر بين الغصون: نظرت للشهب وقد أحدقت ... بالبدر منها في الدياجي عيون والروض يستجلي سنا نوره ... فتحسد الأرض عليها الغصون وكلما صانته أوراقه ... نازعها الريح فلاح المصون فقلت حتى البدر لم تخله ... ريب الليالي في السما من عيون فقلت له: والله حسن، ولكن أطلت فيه النفس في أربعة أبيات، ولو كان ذلك في بيتين لكان أحسن. وأنشدته لنفسي في ما بعد ذلك: كأنما الأغصان لما انثنت ... أمام بدر التم في غيهبه بنت مليك خلف شباكها ... تفرجت منه على موكبه

стр. 2053

وسيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة جمال الدين يوسف النابلسي الصوفي شيء من هذا المعنى. وأنشدته يوماً الأبيات التي أوردتها في ترجمة شيخنا نجم الدين حسن بن محمد خطيب صفد، وأولها: ولقد ذكرتكم بحرب ينثنى ... غن بأسها الهزبر الأغلب فأنشدني هو لنفسه في هذا المعنى: ولقد ذكرتك عندما بلغ الزبا ... عرق الجياد وفاض ماء النيل والبحر بر بالوحول وقد طمى ... بالبر بحر فرسخ في ميل والناس قد خاضوا فأغرق بعضهم ... ونجا القليل بضجة وعويل وقلوبهم من روعها في غمرة ... ويطب ذكرك بينهم تعويلي ولما رسم بعوده إلى ديوان الإنشاء بدمشق في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب دمشق، كتبت أنا إليه توقيعاً، ونسخته: رسم بالأمر العالي لا زال يزيد الأولياء زينا، ويزين الأكفاء بمن إذا حل صدراً كان عيناً، ويرتجع لكل مستحق ما كان له في ذمة الزمان ديناً، أن يستقر المجلس العالي الزيني في كذا، لأنه الكاتب الذي دبج المهارق، ورقم طورسها فكان لها نظرات الحدق ونضارة الحدائق، وخط سطورها التي إذا رملها غدت من الحسن كالريحان تحت الشقائق، وصرع بها أطيار المعاني لأن دالات السطور قسي، والنقط بنادق، وزان آفاقها بنجوم أسجاعه فلم يصل أحد إلى درجات فصاحتها لما فيها من

стр. 2054

الدقائق، وأصدرها في الروح والروع يرجى الحيا منها وتخشى الصواعق، وأودعها نفائس إنشائه فأثنى عليها أئمة البلاغة، ولو سكتوا أثنت حقائب الحقائق. طالما كتب بالأبواب الشريفة تقليداً، وجهز في المهمات كتباً ملأت البحر حرباً والبر بريداً، ووشى أمثلة صدرت عنها فطارت في الآفاق، ولكن أوثقتها الأفهام تقييداً، وعاد الآن إلى الشام فنفس عنه خناق الوحشة بقربه، وتلقها بالرحب علماً بأنه يغني عن الكتائب بكتبه، وأحله في رتبة يشرفها الولي بسلمه ويسوء العدو بحربه، شوقاً إلى أنس ألفه من لطفه، وعرفه من عرفه في نفح عرفه، فطاب به الواديان كلاهما، وتنافسا في أخذ حظيهما من قربه، فما تساهلا تساهماً، فهو من القوم الذين تسقى البلاد بهم وتسعد، وإذا قربوا من مكان تخطاهم السوء للأبعد، وإذا قاموا بمهم كانوا فيه أقعد، وإذا باشروا المعالي كانوا أسعد الناس وأصعد، وإذا كتبوا كبتوا العدا، لأن كلامهم لمع فأبرق وطرسهم قعقع فأرعد. فليباشر ذلك على ما عهد من أدواته الكاملة، وكلماته التي تركت محاسن البرايا بائرة وأزاهر الخمائل خاملة. والوصايا التي تملا كثيرة، وكم شرع لها قرطاسه وشرعها بأقلامه، ونضد عقودها بإحكام أحكامه، وملأ بجيوشها صدور مهامه. فما يلقى إلى بحره منها دره، ولا يذكر لطود فضله منها ذره، ولا يطلع

стр. 2055

القلم في أفق فضل كله شموس من ذلك بدره، ولا يدل مثله على صواب، فقبيح بالعوان أن تعلم الخمرة، ولكن لا بد للقلم من لفتة جيد، وفلتة نفث تكون كالخال في الوجنة ذات التوريد. وهي الذكر بتقوى الله تعالى التي من عدمها فقد باء بخسران متين، ومن لزمها فقد جاء بسلطان مبين. والله يتولى رفعة مجده وسعة رفده. والخط الكريم أعلاه حجة بالعمل بمقتضاه. والله الموفق بمنه وكرمه. إن شاء الله تعالى. وقد أوردت كثيراً من كلامه في ترجمته في التاريخ الكبير الذي أسميته الوافي بالوفيات. ؟؟ عمر بن سعد الله الإمام زين الدين الحراني الحنبلي، المعروف بابن بخيخ، بباء موحدة وخاء معجمة مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وخاء ثانية. سمع الكثير، وحضر على الفخر، وكان بالفقه بصيراً، وبالنحو خبيراً، تخرج بالعلامة الشيخ تقي الدين بن تيمية وبغيره ممن ساد بعلمه في البرية. وناب في الحكم

стр. 2056

لابن المنجا، وخلص الحقوق ونجى، وكان يقول برأي الشيخ تقي الدين في المسائل التي انفرد بها ووقع له ما وقع بسببها، ويحكم بها وتسطر، ويذيب بها قلوب المخالفين فتفطر. وكان شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يتألم ويتأذى منه وما يتحلم، ولا ينفذ ما يحكم به ولا ما يراه، ولا يصل به أسبابه ولا عراه، ونازعه في ذلك مرات ولم يرجع، وأصر عليها إلى أن ركب على الشرجع. ولم يزل على حاله إلى أن بخبخ الموت لابن بخيخ، وأتاه ما يأتي على الطفيل والشييخ. وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر رجب سنة تسع وأربعين وسبع مئة. ومولده سنة بضع وثمانين وست مئة. وتألم الناس له. وكان قد ولي مشيخة الضيائية، وألقى فيها دروساً محررة، وكان قد ناب في الحكم لقاضي القضاة علاء الدين بن المنجا الحنبلي بعد القاضي برهان الدين الزرعي رحمهم الله تعالى. وقال يوماً قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى لقاضي القضاة علاء الدين بن المنجا: إن كنت تقول إن هذه الأحكام التي يحكم بها نائبك مذهب

стр. 2057

الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فأنا أنفذها، قال: لا إلا إذا حكم بها هذا حكمت بصحتها، وطال التنازع في ذلك، ولم يرجع هذا، ولا نفذ هذا له هذا حكماً. وأظنه مات معزولاً، والله أعلم. وكان قد دخل في زمرة من توجه إلى غزة بسبب الشيخ تقي الدين بن تيمية، وحبس وأفرج عنه، وجاء إلى دمشق، هذا، على ما في ظني أو والده أو واحد من بيتهم. أخبرني من لفظه الشيخ الإمام عز الدين حمزة بن شيخ السلامية قال: رأيته ليلة مات قبل دفنه، فقلت له: ما مت؟ قال: بلى، قلت: فما رأيت الله تعالى؟ قال: بلى، يغمى على الميت في النزع، ذلك الوقت يرى الميت الله تعالى. قلت: فما قال لك؟ قال: قال لي: أهلاً بعبدي وحبيبي، أو كما قال. عمر بن طيدمر ككز الأمير ركن الدين. كان أحد الأمراء العشرات بدمشق، وكان هو وأخوه علي المقدم ذكره في الحسن فرقدي سماء ونيري أفق تبرأ من الظلماء، كم زانا المواكب، وسيرا في سوق الخيل فأشبها الكواكب، إلى أن اجتحف سيل المنية أخاه، وبورك في عُمرِ عُمَر هذا وما توخاه، فأقام بعد أخيه يطلع في أفق الملاحة، ويسفر عن صباح الصباحة.

стр. 2058

فودع الحياة واختطفها وتناول زهرة العيش واقتطفها، إلى أن انكدر نجمه الزاهر ونقل إلى باطن القبر حسنه الظاهر. وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة. عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض قاضي القضاة عز الدين أبو حفص المقدسي الحنبلي. سمع من جعفر الهمداني، والضياء محمد، وحضر ابن اللتي. انتقل إلى القاهرة، وسمع من ابن رواج، وسبط السلفي، وتفقه بها على شمس الدين بن العماد. وبرع وأفتى ودرس، وكان متأنياً في الأحكام. وكان أبيض الرأس واللحية، سميناً، تام الشكل، كامل العقل. توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في شهر صفر سنة ست وتسعين وست مئة. ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة. وقرأ عليه شيخنا علم الدين البرزالي جزء الغضائري. عمر بن عبد الله بن عبد الأحد تقي الدين أبو حفص الحراني الحنبلي المعروف بابن شقير، تصغير أشقر.

стр. 2059

سمع الكثير بنفسه، ودار على المشايخ، وسمع من القاسم الإربلي، والفخر علي، وابن شيبان، وزينب، وخلق. ونسخ بعض الأجزاء، وروى الصحيحين. قال شيخنا الذهبي: وسمعت منه: توفي رحمه الله تعالى ... سنة أربع وأربعين وسبع مئة. قلت: كان شيخاً فاضلاً ديناً صيناً مشهوراً. عمر بن عبد الرحمن بن أحمد قاضي القضاة إمام الدين أبو المعالي القزويني الشافعي، قاضي القضاة بدمشق، ابن القاضي سعد الدين، ابن القاضي إمام الدين. وهو أخو قاضي القضاة جلال الدين القزويني، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في المحمدين. كان المذكور تام الشكل سميناً، جميل الوجه وسيماً مبيناً. أخلاقه لطيفة، وحركاته ظريفة. يتواضع لمن يلقاه، ويتنازل وهو في أعلى مرقاه، عقله جيد إلى الغاية، ونبله متصل بالنهاية. بارع الفضيلة، فارع الهضبة التي سمت عن كل رذيلة. ساس الناس سياسة ملك بها قلوبهم، وستر عيوبهم، وتغمد بحمله خطأهم وذنوبهم. أحسن مداراتهم، وأمنهم في أماكنهم وداراتهم، ولما بلغه خبر التتار في نوبة غازان، انجفل مع الناس إلى القاهرة، ورأى الناس منه عياناً ما كانت تأتيهم به أنباؤه السائرة. فما أقام بها غير أسبوع واحد، حتى لحده اللاحد. وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وست مئة. وولد بتبريز سنة ثلاث وخمسين وست مئة.

стр. 2060

واشتغل في العجم والروم، وقدم دمشق في الدولة الأشرفية، وهو وأخوه جلال الدين، فأكرم مورده لرئاسته وفضله وعلمه وعقله. ودرس بعدة مدارس. وولي القضاء بدمشق في أول دولة لاجين سنة ست وتسعين وست مئة، وصرف قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، فأحسن إلى الناس وداراهم، وكان خروجه من دمشق في الجفل في مستهل شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين، وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى، وخرج بجنازته خلق كثيرون من الأعيان. وكان ينتسب إلى أبي دلف العجلي، وفيه يقول الشيخ صدر الدين بن الوكيل، رحمهما الله تعالى: انتسب القاضي إلى قاسم ... فصدقوا كلوتة الرجل العجل من ثور يرى دائماً ... وما رأينا الثور من عجل وكان القاضي إما الدين رحمه الله تعالى فاضلاً في الأصول والخلاف والمنطق، وشرح مختصر ابن الحاجب. عمر بن عبد الرحيم بن يحيى ابن إبراهيم بن علي بن جعفر بن عبد الله بن الحسن القرشي الزهري النابلسي، القاضي عماد الدين أبو حفص قاضي القدس وخطيبه. كان فقيهاً فاضلاً، اشتغل بدمشق مدة، وأقام بها، ثم انتقل إلى نابلس، وأذن له هناك بالإفتاء، ورتب له هناك على ذلك معلوم مدة سنين، ثم إنه تولى خطابة القدس عليه وعلى ولده، ثم إنه نقل إلى قضاء القدس، وبقي على ذلك أشهراً.

стр. 2061

ثم مات رحمه الله تعالى في ليلة الثلاثاء عاشر المحرم سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. وسمع من عمه رحمه الله تعالى الخطيب قطب الدين عبد المنعم خطيب القدس، وروى عنه. وكان سريع الحفظ، سريع الكتابة، ولم أر أنا في الأئمة من يقرأ في المحراب أردأ من قراءته. ولما زار الشيخ كمال الدين محمد بن الزملكاني رحمه الله تعالى القدس صلى خلفه، ولما فرغ قال له: اقعد اقرأ الفاتحة، فقرأها عليه وصححها، ولما صلى به الصلاة الأخرى قرأها أردأ من الأولى، فقال الشيخ: ما في يدي حيلة. وكان القاضي فخر الدين ناظر الجيوش كثير الاعتناء به، فلذلك جمع له بين الخطابة والقضاء، وكان قد زوج ابنه الخطيب شمس الدين بابنة قاضي القضاة شرف الدين النهاوندي قاضي صفد. وتوفي الخطيب عماد الدين رحمه الله تعالى وله من العمر أربع وستون سنة. وله شرح جمعه لصحيح مسلم. عمر بن عبد العزيز بن الحسن الصاحب فخر الدين بن الخليلي الداري. كان من الفضلاء الوزراء النبلاء، أحسن إلى الناس في وزارته، وكل خير نجده إلى اليوم مكتوب على توقيعه بإشارته. قرر في مباشراته للفقراء جملة رواتب، ولم

стр. 2062

يخشى في ذلك العواقب ولا العواتب، وفاز إلى يوم القيامة بذكرها، وحاز محاسن حمدها وشكرها. عزل منها مرات، وقد حصل له فيها مبرات، وعاد إليها عود البدر إلى منازل سعوده، والهلال إلى مراقي صعوده. وشكر الناس أيامه، وأطلق بالجود أقلامه. ولم يزل على حاله إلى أن جاء الأجل وزار الوزير، وصار من رحمة ربه إلى خير مصير. وتوفي رحمه الله تعالى معزولاً يوم عيد الفطر سنة إحدى عشرة وسبع مئة عن اثنتين وسبعين سنة. وكان يكتب عنه في التواقيع: بالإشارة العالية المولوية الصاحبية الوزيرية الفخرية، سدي العلماء والوزراء. وهذا لم يكتب لغيره. وروى الحديث عن المرسي. وسمع منه ابن المهندس وابن البعلبكي وجماعة. وكان والده مجد الدين من الصلحاء. أقام بمصر مدة وحضر إلى دمشق، وكان يلوذ ببني صصرى. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمانين وست مئة. ثم إن ولده الصاحب فخر الدين لاذ ببني حنا، وصارت له بذلك صورة في الدول، وتولى نظر الصحبة، ووزر للملك الصالح علاء الدين علي بن المنصور، ثم إنه ولي الوزارة أيام كتبغا في يوم الثلاثاء خامس عشري جمادى الأولى سنة أربعة وتسعين وست مئة.

стр. 2063

وحضر معه إلى الشام سنة ست وتسعين وست مئة، وصرف بعد ذلك بالأعسر في أوائل دولة لاجين في شعبان سنة ست وتسعين وست مئة. ثم أعيد للوزارة في جمادى الأولى سنة سبع وتسعين وست مئة، ثم صرف عنها في الدولة الناصرية، ثم أعيد إلى الوزارة في ثاني عشري شوال سنة تسع وسبع مئة، ثم صرف. وأول ما لبس للوزارة استحيا من الصاحب تاج الدين بن حنا، لأنه وليها عوضاً عنه، فنزل من القلعة إلى دار الصاحب بتشريفه، وقبل يده، وقال: أنا غلامكم ومملوككم، وخضع له خضوعاً كبيراً، وجلس بين يديه، فأراد الصاحب جبره في ذلك الوقت، فأخذ توقيعاً من بعض غلمانه يحتاج إلى خط الوزير، فقدمه له، وقال: مولانا يكتب على هذا، فقبله ووضعه على رأسه، وعلم عليه. وكان هذا من الصاحب تاج الدين إجازة بالوزارة لابن الخليلي. وكان السلطان الملك الناصر إذا قدم له توقيع برزقة أو براتب، وهو بإشارة الصاحب فخر الدين، يقول: هذا بإشارة ابن الخليلي، والله كل هذا ما أدري به. وكتب إليه سراج الدين الوراق، ومن خطه نقلت: عسى خبر من الإنجاز شاف ... لمبتدأ من الوعد الجميل فعلم النحو دان لسيبويه ... وكان الأصل فيه من الخليل وكتب إليه شمس الدين الحكيم بن دانيال: فصل الربيع بوجهه قد أقبلا ... متبسماً. ببدائع الأزهار

стр. 2064

وغدا به نبت الخمائل مخضلا ... يحكي السما. بالنور والنوار فكأنه حلى الربا أو كللا ... إذ أنجما. بجواهر ونضار والطير بين رياضه قد رتلا ... مترنماً. يلهي عن المزمار شكراً لمبدعه تعالى ذي العلا ... ما أعظما. من واحد قهار وتخال هاتيك السحائب هطلاً ... لما همى. سحاحها بقطار جود المليك الصالح الهامي علا ... من أعدما. بنواله الزخار ملك إذا ما حل قطراً أمحلا ... متكرما. كالقطر للأقطار ووزيره الفخر الذي قد خولا ... بالمنتمى. فخراً على النظار والدار تممها لعز معقلا ... أسنى حمى. فغدا تميم الدار فليهنه عيد أتاه مقبلا ... جذلاً بما. أولاه في الأمصار لا زال ما تأتي أخيراً أولا ... متنعما. ما لاح ضوء نهار وكان قد توجه يوماً شرف الدين البوصيري إلى زيارة قبر الشافعي ﵁ فوجد الصاحب فخر الدين هناك، فقال: زرت الإمام الشافعي ولم أكن ... لزيارتي أبداً له بالتارك فوجدت مولانا الوزير يزوره ... فظفرت عند الشافعي بمالك عمر بن عبد العزيز بن الحسين بن عتيق الفقيه المعمر، قطب الدين الربعي المالكي المعدل. روى عن ابن المقير، ومحيي الدين بن الجوزي.

стр. 2065

وتوفي رحمه الله تعالى ... سنة ثماني عشرة وسبع مئة. وله سبع وتسعون سنة. عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن هلال. سمع من إسماعيل بن أبي اليسر، والمؤمل بن محمد البالسي، ومحمد بن عبد المنعم بن القواس، وغيرهم. وأجاز لي بخطه في سنة ثلاثين وسبع مئة. وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشر شهر رجب الفرد سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. عمر بن عبد المنعم بن عمر ابن عبد الله بن غدير، الشيخ المعمر المسند، مسند الشام، ناصر الدين أبو حفص بن القواس الطائي الدمشقي. سمع حضوراً من ابن الحرستاني، ومن ابن أبي لقمة، ومن ابن أبي نصر الشيرازي، وكريمة. وأجاز له أبو اليمن الكندي، وابن الحرستاني، وابن مندويه، وابن ملاعب، وابن البناء، والجلاجلي، وخلق كثير.

стр. 2066

وحج، وكان ديناً خيراً محباً للحديث وأهله، مليح الإصغاء، كثير التودد. روى الكثير في آخر عمره. وقرأ عليه شيخنا الذهبي المبهج في القراءات وكتاب السبعة لابن مجاهد والكفاية في القراءات الست عن الكندي. وخرج له مشيخة صغيرة، وخرج له أبو عمرو المقاتلي مشيخة بالسماع وبالإجازة، وأكثرا عنه. وسمع شيخنا المزي منه، وولده، وسمع منه شيخنا البرزالي، وابن سامة، والشيخ على الموصلي، والنابلسي سبط الزين خالد، وأبو بكر الرحبي، وأبو الفرج عبد الرحمن الحارثي، والشمس السراج سبط ابن الحلوانية، ومحمد بن البدر بن القواس. وتوفي رحمه الله تعالى بدرب محرز بدمشق يوم السبت ثاني القعدة سنة ثمان وتسعين وست مئة. ومولده سنة خمس وست مئة. ودفن بسفح قاسيون. عمر بن عبد النصير بن محمد ابن هاشم بن عز العرب القرشي السهمي القوصي الإسكندري الأصل، المعروف بالزاهد الحريري.

стр. 2067

كان من أصحاب الشيخ مجد الدين القشيري وطلبته. باشر مشارفة المدرسة النجيبية، وكان مؤذناً بالمدرسة السابقية. وسمع من ابن المقير، والشيخ بهاء الدين بن الجميزي، وغيرهما. وحدث بقوص ومصر والقاهرة والإسكندرية، وسم منه زين الدين عمر بن الحسن بن حبيب، والفقيه تاج الدين عبد الغفار بن عبد الكافي السعدي. وشيخنا الحافظ فتح الدين، وشهاب الدين أحمد الهكاري، وشيخنا البرزالي، ومحب الدين بن دقيق العيد، وغيرهم. وكتب عنه شيخنا العلامة أبو حيان وغيره. وكان شاعراً ظريفاً. وتوفي رحمه الله تعالى بالإسكندرية في منتصف المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ومولده بقوص سنة خمس عشرة وست مئة. وخمس القصائد الغازازية. أنشدني إجازة الحافظ فتح الدين بن سيد الناس، قال: أنشدني المذكور لنفسه: عد للحمى ودع الرسائل ... وعن الأحبة قف وسائل واجعل خضوعك والتذل؟ ... لل في طلابهم وسائل ؟

стр. 2068

والدمع من فرط البكا ... ء عليهم جار وسائل واسأل مراحمهم فهن ... ن لكل محروم وسائل ومن شعره: ما لأجفاني جفت طيب كراها ... واستقلت بسهاد قد براها وأتاح البين لي من بينها ... عبرات عبرت عما وراها ومنه: لست ممن يزور من يزدريه ... فيلاقي مذلة واحتقارا وهو عندي أراه بين البرايا ... كهباء في عاصف الريح طارا ؟ عمر بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي. أجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة. وكان قد حضر على ابن الدائم، وسمع من الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وفاطمة بنت الملك المحسن أحمد بن أيوب. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن بتربة الشيخ موفق الدين بن قدامة.

стр. 2069

عمر بن عبد الوهاب بن ذؤيب القاضي الفقيه العالم نجم الدين بن شرف الدين الأسدي الشهبي. كان قاضياً بشهبة والسويدا نحوا من أربعين سنة. وحج. وكان حسن الهيئة. سمع مع أخيه من الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وعرض التنبيه على الشيخ تاج الدين الفزاري. وتوفي رحمه الله تعالى في رابع ذي الحجة سنة سبع وعشرين وسبع مئة. عمر بن علي الإمام أبو علي قاضي الجماعة بتونس، الهواري التونسي المالكي. كان في مذهب مالك ﵁ رأساً، لا يرى أحد من الأفاضل به بأسا، عديم النظير في فنه، ماله مشابه في استحضاره وحدة ذهنه. له تصانيف وتلامذة كبار، ومريدون يودون من محبته أن لا يطير عليه غبار. وممن أخذ عنه الإمام برهان الدين السفاقسي، كان في تعظيمه مبالغا، وفي دم من ذمه أو ادعى باطلاً والغا. ولم يزل على حاله إلى أن أنهار جرف الهواري، وعدمه المجاري والمباري.

стр. 2070

وتوفي رحمه الله تعالى في يوم عرفة سنة ست وثلاثين وسبع مئة، بعد أن نزل من عند السلطان. وكان ذا عبادة وتقشف، وكان قد تفقه بأبي محمد الزواوي، وعاش بضعاً وثمانين سنة. عمر بن علي بن سالم بن صدقة تاج الدين أبو حفص اللخمي الإسكندري المالكي، المعروف بابن الفاكهاني. كان شيخاً فقيهاً مالكياً نحوياً، له ديانة وتصون ومصنفات. وقدم دمشق في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، بعد زيارته القدس، وتوجه منها إلى الحجاز، وحج ثلاث مرات. وسمع الترمذي والشفا على ابن طرخان، وقرأ القرآن على المكين الأسمر، وحضر دروس ابن المنير، وأقام بمصر سنين، ثم عاد إلى بلده. وتوفي في العشر الأول من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. وشرح العمدة في الأحكام، وله مقدمة في النحو، وله نظم ونثر. وشرح العمدة في الأحكام، وله مقدمة في النحو، وله نظم ونثر. عمر بن عوض ابن عبد الرحمن بن عبد الوهاب، قطب الدين الشارعي، المعروف بابن قليلة، تصغير قلة.
следующие страницы →