Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
وحج، وكان ديناً خيراً محباً للحديث وأهله، مليح الإصغاء، كثير التودد.
روى الكثير في آخر عمره. وقرأ عليه شيخنا الذهبي المبهج في القراءات وكتاب السبعة لابن مجاهد والكفاية في القراءات الست عن الكندي. وخرج له مشيخة صغيرة، وخرج له أبو عمرو المقاتلي مشيخة بالسماع وبالإجازة، وأكثرا عنه.
وسمع شيخنا المزي منه، وولده، وسمع منه شيخنا البرزالي، وابن سامة، والشيخ على الموصلي، والنابلسي سبط الزين خالد، وأبو بكر الرحبي، وأبو الفرج عبد الرحمن الحارثي، والشمس السراج سبط ابن الحلوانية، ومحمد بن البدر بن القواس.
وتوفي رحمه الله تعالى بدرب محرز بدمشق يوم السبت ثاني القعدة سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده سنة خمس وست مئة.
ودفن بسفح قاسيون.
عمر بن عبد النصير بن محمد
ابن هاشم بن عز العرب القرشي السهمي القوصي الإسكندري الأصل، المعروف بالزاهد الحريري.
стр. 2067
كان من أصحاب الشيخ مجد الدين القشيري وطلبته. باشر مشارفة المدرسة النجيبية، وكان مؤذناً بالمدرسة السابقية.
وسمع من ابن المقير، والشيخ بهاء الدين بن الجميزي، وغيرهما.
وحدث بقوص ومصر والقاهرة والإسكندرية، وسم منه زين الدين عمر بن الحسن بن حبيب، والفقيه تاج الدين عبد الغفار بن عبد الكافي السعدي.
وشيخنا الحافظ فتح الدين، وشهاب الدين أحمد الهكاري، وشيخنا البرزالي، ومحب الدين بن دقيق العيد، وغيرهم. وكتب عنه شيخنا العلامة أبو حيان وغيره.
وكان شاعراً ظريفاً.
وتوفي رحمه الله تعالى بالإسكندرية في منتصف المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ومولده بقوص سنة خمس عشرة وست مئة.
وخمس القصائد الغازازية.
أنشدني إجازة الحافظ فتح الدين بن سيد الناس، قال: أنشدني المذكور لنفسه:
عد للحمى ودع الرسائل ... وعن الأحبة قف وسائل
واجعل خضوعك والتذل؟ ... لل في طلابهم وسائل
؟
стр. 2068
والدمع من فرط البكا ... ء عليهم جار وسائل
واسأل مراحمهم فهن ... ن لكل محروم وسائل
ومن شعره:
ما لأجفاني جفت طيب كراها ... واستقلت بسهاد قد براها
وأتاح البين لي من بينها ... عبرات عبرت عما وراها
ومنه:
لست ممن يزور من يزدريه ... فيلاقي مذلة واحتقارا
وهو عندي أراه بين البرايا ... كهباء في عاصف الريح طارا
؟
عمر بن عبد الله بن أبي عمر
المقدسي.
أجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة.
وكان قد حضر على ابن الدائم، وسمع من الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وفاطمة بنت الملك المحسن أحمد بن أيوب.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن بتربة الشيخ موفق الدين بن قدامة.
стр. 2069
عمر بن عبد الوهاب بن ذؤيب
القاضي الفقيه العالم نجم الدين بن شرف الدين الأسدي الشهبي.
كان قاضياً بشهبة والسويدا نحوا من أربعين سنة. وحج. وكان حسن الهيئة.
سمع مع أخيه من الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وعرض التنبيه على الشيخ تاج الدين الفزاري.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع ذي الحجة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
عمر بن علي
الإمام أبو علي قاضي الجماعة بتونس، الهواري التونسي المالكي.
كان في مذهب مالك ﵁ رأساً، لا يرى أحد من الأفاضل به بأسا، عديم النظير في فنه، ماله مشابه في استحضاره وحدة ذهنه. له تصانيف وتلامذة كبار، ومريدون يودون من محبته أن لا يطير عليه غبار.
وممن أخذ عنه الإمام برهان الدين السفاقسي، كان في تعظيمه مبالغا، وفي دم من ذمه أو ادعى باطلاً والغا.
ولم يزل على حاله إلى أن أنهار جرف الهواري، وعدمه المجاري والمباري.
стр. 2070
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم عرفة سنة ست وثلاثين وسبع مئة، بعد أن نزل من عند السلطان.
وكان ذا عبادة وتقشف، وكان قد تفقه بأبي محمد الزواوي، وعاش بضعاً وثمانين سنة.
عمر بن علي بن سالم بن صدقة
تاج الدين أبو حفص اللخمي الإسكندري المالكي، المعروف بابن الفاكهاني.
كان شيخاً فقيهاً مالكياً نحوياً، له ديانة وتصون ومصنفات. وقدم دمشق في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، بعد زيارته القدس، وتوجه منها إلى الحجاز، وحج ثلاث مرات.
وسمع الترمذي والشفا على ابن طرخان، وقرأ القرآن على المكين الأسمر، وحضر دروس ابن المنير، وأقام بمصر سنين، ثم عاد إلى بلده.
وتوفي في العشر الأول من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
وشرح العمدة في الأحكام، وله مقدمة في النحو، وله نظم ونثر.
وشرح العمدة في الأحكام، وله مقدمة في النحو، وله نظم ونثر.
عمر بن عوض
ابن عبد الرحمن بن عبد الوهاب، قطب الدين الشارعي، المعروف بابن قليلة، تصغير قلة.
стр. 2071
أخبرني الشيخ العلامة أثير الدين أبو حيان من لفظه، قال: حدث المذكور عن حاتم بن العفيف وغيره.
ومن شعره:
ألا يا سارياً في بطن قفر ... ليقطع في الفلا وعراً وسهلاً
بلغت نقا المشيب وبنت عنه ... وما بعد النقا إلا المصلى
ومنه:
عزمت على تزويج بكر مدامة ... بماء قراح والليالي تساعد
فأمهرتها در الحباب وإنه ... إذا جليت ليلاً عليها قلائد
وجاءت رياحين البساتين عرفت ... فطابت بذاك النفس واللوز عاقد
وكان حضور النبق فألا مهنئاً ... لنا بالبقا في العقد والورد شاهد
عمر بن عيس بن نصر
ابن محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن حسن بن حسين التيمي، مجير الدين بن اللمطي، بلام وميم ساكنة وطاء مهملة.
أخبرني من لفظه شيخنا أثير الدين أبو حيان رحمه الله تعالى قال: رأيته بقوص، وكتبت عنه شيئاً من شعره، ثم إنه قدم علينا القاهرة، وسكنها أيام كان أبو الفتح بن المطيع قاضياً، واشتغل عنده في أوقاف.
стр. 2072
وكان قد نظر في العربية على أبي الطيب السبتي، قدم عليهم قوص، وكان من تلاميذ شيخنا أبي الحسين بن أبي الربيع.
وأنشدني لنفسه بمدرسة الأفرم سنة ثمانين وست مئة:
أبى الدمع إلا أن يفيض وأن يجري ... على ما مضى من مدة النأي من عمري
ومالي إن كفكفت ماء محاجري ... وقد بعدت دار الأحبة من عذر
أما إنه لولا اشتياق لذكرهم ... ولا شوق إلا ما يهيج بالذكر
لما شاقني نظم القريض ولا صبا ... فؤادي على البلوى إلى عمل الشعر
وكان لمثلي عن أفانين منطقي ... هنالك ما يلهي عن النظم والنثر
قال: وأنشدني أيضاً:
جفن قريح بالبكاء موكل ... فعلت به العبرات ما لا يفعل
وجوانح مني على شحط النوى ... أضحت تمزق في الهوى وتوصل
عجباً لحكم الحب في فليته ... يوماً يجور به ويوماً يعدل
إني وإن أمسى يحملني الهوى ... من ثقله في الحب ما لا يحمل
فلقد حلت منه مرارات الجوى ... عندي وخف لدي ما يستثقل
لا يطمع اللوام في تركي الهوى ... إن كثروا في لومهم أو قللوا
لهفي علي زمني بمنعرج اللوى ... والشمل مجتمع ووجدي مقبل
ما كان أهنا العيش منه فليته ... لو دام منه ريثما أتأمل
стр. 2073
ومنه:
وزهدني في الخل أن وداده ... لرهبة جاه أو لرغبة مال
فأصبحت لا أرتاح منه لرؤية ... ولا أرتجي نفعاً لديه بحال
قلت: ولما توفي قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى ترك ما ولاه من نظر رباع الأيتام، وتوجه إلى قوص، وأقام بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. وله من العمر ثلاث وثمانون سنة.
ويحكى عنه أنه كان صحيح الود، حافظاً للعهد، حسن الصحبة.
عمر بن عيسى بن مسعود
الفقيه العالم المالكي، سراج الدين أبو عمر بن القاضي العلامة شرف الدين الزواوي.
ارتحل وأخذ عن زينب الكمالية وعدة، وقرأ سنن أبي داود وغير ذلك.
وكان شاباً فاضلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة عن إحدى وعشرين سنة.
عمر بن أبي القاسم بن عبد المنعم
ابن أبي الطيب العجلي، نجم الدين الشافعي، وكيل بيت المال بدمشق.
стр. 2074
كان نجم الدين ذا مروءة وافرة، وأخلاق على المكارم متضافرة. واختص بمنادمة الأمير عز الدين أيبك الحموي، نائب قلعة دمشق، ومجالسته، وتألف ذاك بمحادثته ومؤانسته.
وكان يجري بينه وبين شمس الدين بن غانم أنواع من المهاتره، وعجائب من المشاحنة والمشاجرة. وتبدو منهما أفانين الهزل والمجون، والتناديب التي هي أشهى من معاطاة ابنة الزرجون.
وجمع بين الوكالة ونظر الخزانة والبيمارستان، ومضت أوقاته بخير في أيام الأفرم، فما انتقل من الروضة إلا إلى البستان.
ولم يزل على حاله إلى أن تخبث الوقت على ابن أبي الطيب، وأصابه من وابل الوبال صيب.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشر جمادى الآخرة سنة أربع وسبع مئة.
قال لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله: بيت أبي الطيب بيت قديم بدمشق، من بيوت التشيع، وكان منهم جلال الدولة بن أبي الطيب نائباً عن الدولة الفاطمية. ويقال إن أبا الطيب كان رجلاً فارسياً، قدم دمشق في خلافة يزيد بن معاوية، ولما طيف برأس الحسين بن علي ﵄ وتغير ريحه، اشترى له طيباً بمئة دينار، وطيبه به. ثم كان من ولده من يكتب إلى الشيعة بخراسان بأخبار بني أمية، ويكني عن نفسه بابن أبي الطيب، إشارة إلى تطييب أبيه رأس الحسين، فلما ظهرت الشيعة الخراسانية، وأظهروا كنايتهم هذه، فعرفوا بها. ولهم وقف قديم بدمشق، لا يسمن ولا يغني من جوع.
стр. 2075
ولما وقعت الكائنة للقاضي محيي الدين بن الزكي، كان نجم الدين هذا من أصدقائه فتعلق بالمنصور صاحب حماة، وتسيج بخدمته. وكان ناظر ديوانه بدمشق في أيام الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري. وصارت له وجاهة، ثم إنه اختص بالحموي وبعده بالأفرم.
ولما مات خلف مالاً، أنفقته زوجته على عوالم النساء وزواكرة الفقراء، وسيأتي ذكر ولده القاضي نجم الدين بن أبي الطيب في المحمدين.
عمر بن كثير بن ضوء بن كثير
الشيخ الخطيب بالقرية من عمل بصرى.
قال شيخنا البرزالي: كان فاضلاً لغوياً شاعرا، كتبنا عنه هناك من شعره بحضرة الشيخ تاج الدين.
توفي رحمه الله تعالى في أوائل جمادى الأولى سنة ثلاث وسبع مئة.
عمر بن محمد بن عمر
ابن خواجا إمام، شيخ الحديث بالظاهرية بدمشق، الشيخ الجليل الفاضل شرف الدين الفارسي الأصل، الدمشقي، الشاهد، أظنه المعروف بالياغرت، بياء آخر الحروف وألف وغين معجمة وراء ساكنة وتاء ثالثة الحروف.
стр. 2076
سمع في شبيبته فخر الدين بن الشيرجي، وسراج الدين بن الزبيدي، وابن اللتي.
وكان يكتب المصاحف والعمر ويذهبها، ورأيت أنا بخطه ختمات.
سمع شيخنا الذهبي منه مشيخته.
ومتع شرف الدين بحواسه إلى أن مات رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث عشرة وست مئة، ومتع بحواسه وكتابته.
وتوفي والده ضياء الدين سنة خمس وستين وست مئة.
عمر بن محمد بن يحيى بن عثمان
القرشي العتبي الإسكندراني، ركن الدين أبو حفص، الشيخ الفقيه المسند المعروف بابن جابي الأحباس.
سمع من سبط السلفي جزء الدعاء للمحاملي، وجزء ابن عيينة، وكتاب التوكل لابن أبي الدنيا، ومشيخة السبط، وتفرد في وقته، وكان من الشهود.
وكتب عنه أشياخنا: العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، والحافظان فتح الدين والذهبي، والحلبي، وعدة.
وتوفي رحمه الله تعالى بالثغر ... سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وثلاثين وست مئة.
стр. 2077
عمر بن محمد بن سليمان
الدماميني، نجم الدين.
سمع وحدث بالإسكندرية، وسمع منه أبو الفتح محمد الدشناوي، ويوسف بن أحمد بن محمد السكندري.
عرف بابن غنوم، وكان من تجار الكارم، وكان رئيساً وله مكارم.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى بالإسكندرية سنة سبع وسبع مئة.
نزل عنده بعض الأفاضل فأكرمه، فكتب على بابه لما ارتحل:
نزلت بدار نجم فاق بدراً ... أدام الله رفعته وجاهه
فأعذب موردي وأطاب نزلي ... وأهدت لي رياسته وجاهه
عمر بن محمد بن عثمان
ابن أبي الرجا بن أبي الزهر، القاضي الصدر تقي الدين بن الصاحب شمس الدين بن السعلوس.
كان صاحب الديوان بدمشق، فطلبه السلطان إلى مصر، وولاه نظر الدولة، شريكاً للقاضي علم الدين إبراهيم بن تاج الدين إسحاق. وكان يعظمه ويكرمه.
وكان قد سمع في صغره من الفاروثي، وحج سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وكان قد باشر شغله بقلعة الجبل يوم الخميس قبل موته بيوم، ودخل إلى السلطان
стр. 2078
وخرج، فاضطرب وتغيرت حاله، وعجز عن الركوب إلى بيته إلا في محفة، وانقطع يوماً، ولم يسمع منه إلا: أنا ميت لا غير.
وتوفي يوم السبت بكرة حادي عشري القعدة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة، وولي مكانه القاضي شهاب الدين بن الأفقهسي.
وكان قد باشر بدمشق عدة ولايات. وكان تنكز يمزح معه ويقربه.
عمر بن محمد بن عمر بن محمد
القاضي كمال الدين بن الخطيب شرف الدين بن الشيخ الخطيب كمال الدين المعري الأصل، العجلوني، قاضي غزة.
اشتغل بدمشق على الشيخ برهان الدين، وولي القضاء في عدة أماكن، وكان قبل موته بقليل عين لقضاء الكرك، فأدركه أجله.
سمع كمال الدين من الأبرقوهي، وحدث عنه بدمشق، وسمع بدمشق من ابن القواس.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر المحرم بغزة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
стр. 2079
عمر بن محمد بن عمر
ابن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة العقيلي الحلبي الحنفي، قاضي القضاة، نجم الدين أبو القاسم الحاكم بحماة، ابن الصاحب جمال الدين أبي غانم ابن الصاحب الكبير كمال الدين أبي القاسم.
سمع من الأبرقوهي، وحدث عنه، وحج سنة سبع عشرة وسبع مئة.
كان حسن الشكالة، كأن وجهه تحت عمته بدر في هالة، دائم البشر، عطر النشر، كريم الملقى لمن يحضر إليه، لين الجانب للخصم إذا وقف بين يديه، لم يشتم أحداً مدة ولايته، ولا خاطب أحداً بما لا يليق لكرم أصالته، مجموع الفضائل، مطبوع الكرم والشمائل، يعرف من العقليات جمله، وعنده من الأدب علماً وعملاً ما هو على الشرعيات فضله، قد فض له فضله ختام كل فن، وبل له وبله رياض ما شرد من النكت وعن، وخطه عقود العقول وفصوص الفصول، يحكي البرد إذا حبك، والذهب إذا سبك. ونظمه أرق من شكوى المحب إلى الحبيب، وألذ عند المتيم من غفلة الرقيب القريب.
وكان الملك المؤيد يعظمه ويثني على فضائله ويتعجب لذهنه إذا تصرف في مسائله.
стр. 2080
اجتمعت به فخلبتني عبارته، وسلبتني حركته وإشارته. ورأيت منه سيادة تعرب عن كمال ذاته، ورئاسة تفضي بغريب صفاته:
ويفتر منه عن خصال كأنها ... ثنايا حبيب لا يمل لها رشف
وفارقته والتلفت إليه يثني دائماً عنقي، والشوق تضرمه لواعد قلقي.
ولم يزل بحماة والناس به مغتبطون، وعلى إحسانه وبره مرتبطون، إلى أن بغته أجله في أشده، وحل أنسه من الوجود بعد شده.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة الخامس والعشرين من صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بعد صلاة الجمعة بمقبرة أقاربه قبلي البلد.
ومولده يوم الثلاثاء سابع عشري شهر رمضان سنة تسع وثمانين وست مئة.
وتولى الحكم بحماة من سنة إحدى وعشرين وسبع مئة إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وكان لين الجانب، كثير المروءة، ما قصده أحد في شيء وخيبه. ولم يحفظ أهل حماة عنه أنه سب أحداً بحماة مدة ولايته. وهو قاضي القضاة الحنفية، ومدرس بها، وكان صاحب حماة يثني عليه وعلى فضائله، وحصل لأهل حماة على فراقه ألم شديد وحزن عظيم، وجنازته حافلة إلى الغاية.
وعند مروري بحماة عائداً من حلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة، دخلت إليه في تحمل شهادة عليه، فرأيت منه رئاسة وحشمة وسيادة ولطفاً زائداً.
стр. 2081
وأنشدني من لفظه لنفسه:
كأن وجه النهر إذ حفت به ... أشجاره فصافحته الأغصن
مرآة غيد قد وقفن حولها ... ينظرن فيها أيهن أحسن
ومن نظمه:
ما لليالي بسهم البعد قد رشقت ... وصارم البين للأحباب قد مشقت
وخالفت في الذي يهوى وما ونيت ... كأنها لخلاف القصد قد عشقت
وأضرمت نار حرب من عداوتها ... ضراً فأعلامها بالهم قد خفقت
وفرقت جمع شمل كان ملتئماً ... وجمعت حادثات كانت افترقت
هي الليالي فلا تستكثرن لها ... هذا العناد إذا أنصارها اتفقت
منها:
أشكو إليك غراماً فيك أقلقني ... فدتك نفسي على طول المدى ووقت
وفرط شوق ووجد ناره اتقدت ... بين الأضالع والأحشاء فاحترقت
ولوعة منك لولا النفس واثقة ... بأن تعود لكانت للنوى زهقت
من بعد ما غبت يا من كان يؤنسني ... ما أبصرت حسناً عيني ولا رمقت
سواك ما مر في بالي ولا شفتي ... بغير ذكرك يا أقصى المنى نطقت
عمر بن محمد بن ماو
شهاب الدين الحميدي.
أنشدني شيخنا العلامة أثير الدين، قال: أنشدني المذكور لنفسه:
أفديه عطاراً شهي اللمى ... أحور فتاناً كحور الجنان
стр. 2082
بي غمرة منه فيا ليته ... لو جاد لي يوماً بماء اللسان
قلت: ذكرت هنا ما قلته في عطار:
كلفت بعطار حكى البدر في السنا ... وظبي الفلا في جيده ونفاره
دوا ألمي الورد المربى بخده ... يذر عليه آنسون عذاره
وقلت أيضاً فيه:
فديت عطاراً غدا حسنه ... يقول: سبحان بديع الصفات
نهدي في صدري أبلوجة ... والريق قطر وعذاري نبات
وأنشدني الشيخ أثير الدين قال: أنشدني المذكور لنفسه أيضاً:
فديت نشاراً غدا نشره ... أذكى من المسك إذا فاحا
قد راح من سكرة خمر الصبا ... كأنما قد شرب الراحا
بسيف جفنيه ومنشاره ... كم شق أرواحاً وألواحا
قلت: ذكرت أنا ما قلته في نجار:
قد عشقت النجار لما بدا لي ... بمحيا قد فاق في الحسن بدرا
أصله طيب ونكهة فيه ... فلهذا قد فاق نجرا ونشرا
وقلت أيضاً في مليح نجار:
أحببت نجاراً بديع جماله ... منه الشموس تغار والأقمار
فخري به بين البرية أنهم ... قالوا غدا وحبيبه النجار
стр. 2083
عمر بن محمد بن عبد الحاكم
ابن عبد الرزاق، الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة زين الدين أبو حفص البلفيائي، بالباء الموحدة وبعدها لام وفاء وياء آخر الحروف وألف ممدودة، وبلفيا بلدة من أعمال البهنساوية.
تفقه بالقاهرة على الشيخ علم الدين العراقي، وسمع يسيراً من الحديث على الأبرقوهي، وعلى ابن سليمان بن القيم، والإمام علاء الدين الباجي. وخرج له قاضي القضاة تاج الدين السبكي أحاديث حدث بها أيام تفقه عليه.
كان في الفقه إماماً، وعلماً لا يسام رفعة ولا يسامى، قد تضلع من الفروع، وكاد يتقدم على غيره من الشروع. قل نظيره، وعلا على الأطلس أثيره. اعترف له بذلك فقهاء مصره، وفضلاء عصره، لو أنه لم يكن عقله المعيشي طائلاً، ولا سيل علمه في سياسة الناس سائلاً. لا جرم أنه عزل واخترم من منصبه واختزل.
وما زال يتقلب في حاليه مع الأيام، ويتصرف بنفسيه مع النقض والإبرام، إلى أن درج بعدما مشت حاله، وراح إلى الله وقدامه علمه وأعماله.
وتوفي رحمه الله تعالى بصفد في أول شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة إحدى وثمانين وست مئة.
стр. 2084
كان شيخنا الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي يثني عليه ويعظمه في الفقه، ويقول: ما رأيت أفقه نفساً منه. وكان المصريون يقولون: لو حلف الحالف أنه يستفتي أعلم من في القاهرة، واستفتاه، لم يحنث.
وكان قد تولى قضاء القضاة بحلب، فحضر إليها في أيام الأمير سيف الدين طرغاي، فلم تطل مدته، ولم تحسن سياسته الناس، فتعصب عليه جماعة مع كاتب سرها القاضي شهاب الدين بن القطب، فعزل منها بعد شهرين ثلاثة، إلا أنه باشرها بصلف وأمانة وعفة حتى قال فيه القاضي زين الدين بن الوردي رحمه الله تعالى:
كان والله عفيفاً نزهاً ... وله عرض عريض ما اتهم
وهو لا يدري مداراة الورى ... ومداراة الورى أمر مهم
فحضر إلى دمشق في أواخر أيام الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى ففاوضه قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى فيه وعرفه مقداره، فقال له: لا تقطع به، فولاه تدريس المدرسة النورية بحمص، فأقام بها مدة إلى أن ورد الأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد، فتعصب عليه عنده حاكمها القاضي شهاب الدين البارزي، فتركها وتوجه إلى القاهرة، فولاه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة قضاء المنوفية، فأقام بها مدة، وأتى إلى القاهرة، فولاه قاضي القضاة نيابة الحكم في باب الفتوح، ثم إن السلطان ولاه قضاء القضاة بحلب في أوائل سنة تسع وأربعين وسبع مئة. ثم أبطل ذلك وولاه قضاء صفد في أواخر صفر فيما أظن، فأقام بها تقدير خمسين يوماً، وتوفي في طاعون صفد رحمه الله تعالى.
стр. 2085
وكان قاضي القضاة عز الدين قد ولاه قبل قضاء حلب الأول قضاء البهنساوية، وذلك في أوائل ولاية ابن جماعة.
عمر بن محمد بن عثمان بن عبد الله
الإمام البارع المفتن كمال الدين أبو حفص بن شهاب الدين بن العجمي الحلبي الشافعي.
سمع بحلب ومصر ودمشق، وقرأ على شيخنا الذهبي أجزاء.
كان فاضلاً قد تفنن، وعالماً قد تميز وتعين. شارك في العلوم، ورقى إلى أن استفلت عنه النجوم. بذهنه الوقاد، وخاطره المنقاد:
تعرف في عينه حقائقه ... كأنه بالذكاء مكتحل
إلا أنه كان فيه رهج وطيش، وعدم قرار على حالة من العيش. يسعى ليله ونهاره، ويخلب بحسن توصله الحجارة.
وما زال إلى أن اعترضت المنايا أمانيه، وخانت آماله أيامه ولياليه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
стр. 2086
تخرج بالشيخ فخر الدين بن خطيب جبرين. وكنت أنا وهو نقرأ عليه بحلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة في المعقول والمنقول. وتخرج أيضاً بالشيخ كمال الدين بن الزملكاني لما كن بحلب.
وتصدر بحلب للإفادة وتميز سنة نيف وسبع مئة.
أخبرني القاضي ناصر الدين صاحب ديوان الإنشاء بالشام قال: كان القاضي زين الدين عمر بن الوردي يقول له: والله عمرك ما تفلح، وإن أفلحت تموت. فكان الأمر كما قال، لأنه مات والده وورثه وتبلبل حاله ومات.
عمر بن محمد بن سلمان
ابن حمائل، جمال الدين بن غانم، أحد الإخوة.
قال شيخنا البرزالي: سمع معنا مسند الإمام حمد على بن علان وغير ذلك. وكان رجلاً جيداً قليل الاختلاط بالناس متقنعاً.
توفي رحمه الله تعالى حادي عشر جمادى الأولى سنة عشرين وسبع مئة.
تقدم ذكر إخوته أحمد وعلي وأبي بكر.
عمر بن محمد بن عثمان
الشيخ الإمام المجود المحرر المتقن شيخ الكتابة في عصره، جمال الدين الدمشقي.
стр. 2087
شيخ التجويد، وفريد الكتابة لا ابن البصيص ولا ابن الوحيد. كتب الناس عليه بمصر والشام، وتخرج به جماعة من أولاد الأعيان والأعلام. ورزق في مصر الحظوة، ولم يتقدم لأحد معه خطوة. وعاد إلى دمشق وأقام بها إلى أن مات، وكتب عليه الجماعة وقد عمر دهراً صالحاً ولم يفرح بخزيه الشمات.
وحصل من التجويد آلافاً من الذهب المصري، ولو شاء كانت دنانيره على حروفها تجري. وكتب مجلدات بخطه الفائق، ووقف الأحداق على ما فيها من الحدائق.
ولم يزل يكتب إلى أن قط عمره، ومحاه من صحيفة الوجود دهره.
وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق في العشر الأول من صفر سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
رأيته يكتب بالديار المصرية في المدرسة الظاهرية بين القصرين. وكان يكتب أحمد بن بكتمر الساقي كل شهر بمئتي درهم، وكل مسودة يأخذ عليها جملة.
وقال في وقت: أخذت من الكتابة خمسة آلاف دينار مصرية.
وقلت: أنا فيه لما سمعت هذا الكلام عنه:
احرص على الخط فلا بد من ... حظ يفوق المكثر المثري
هذا الدمشقي بأقلامه ... أصاب كنز الذهب المصري
عمر بن محمود
شرف الدين بن الطفال.
стр. 2088
سمع من الشيخ جلال الدين أحمد الدشناوي، ومن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، ودخل في خدمته إلى دمشق. وسمع معه من أشياخها.
وله نظم قريض وبلاليق.
توفي رحمه الله تعالى بقوص سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومن بلاليقه المطبوعة:
في ذي المدرسا ... جماعة نسا
إذا أمسى المسا ... ترى فرقعه
نسا ذا الزمان ... عجب يا فلان
يكونوا ثمان ... يصيروا أربعه
عمر بن مسعود بن عمر
الأديب سراج الدين بن سعد الدين المحار، المعروف بالكتاني الحلبي.
استوطن حماة وأقام بها منتمياً إلى بيت ملوكها: الملك المنصور وولده الملك المظفر وولده الملك الأفضل نور الدين علي، فأحسنوا إليه، وأسنوا له الجوائز.
كان شعره في حماة قد غلا سعره، وخلب قلوب ملوكها سحره. وكان سراجه فيها منيراً، وكتانيه فيها حريرا، وراح أو به فيها كالراح وراج، وأذكى فيها لهب السراج. وله موشحات شعرية موشعات، وقطعه فيها كأنها من بقايا النيل
стр. 2089
مقطعات. لهج الناس بها في زمانه، ومالوا إلى ترجيح أوزانه. وغنى المغنون بها فأطربوا الأسماع، وجودوا فيها الضروب والإيقاع.
ولم يزل على حاله إلى أن انطفأ السراج، وبطل ما على حياته من الخراج.
وتوفي رحمه الله تعالى بحماة في سنة إحدى عشرة أو سنة اثنتي عشرة وسبع مئة ظناً.
أخبرني يحيى العامري الخباز الأديب، وكانت له به خصوصية، قال: كان كثيراً ما ينشد:
رب لحد قد صار لحداً مراراً ... ضاحك من تزاحم الأضداد
قال: ولما أن توفي رحمه الله تعالى حفرنا له قبراً، ظهر فيه من عظام الأموات فوق اثني عشر جمجمة. قال فتعجبت من ذلك.
وقد روى لي شعره وموشحاته إجازة عنه القاضي الصاحب جمال الدين سليمان بن أبي الحسن بن ريان، المقدم ذكره.
وديوان شعره لطيف، يكون في دون الثلاثة عشر كراساً، خارجاً عن موشحاته. وهو شعر متوسط، ومنه:
رأيته في المنام معتنقي ... يا ليت ما في المنام لو كانا
ثم انثنى معرضاً فواعجبي ... يهجرني نائماً ويقظانا
стр. 2090
ومنه في مليح أحدب:
وأحدب أنكروا عليه وقد ... سمي حساماً وغير منكور
ما لقبوه الحسام عن سفه ... لو لم يروا قده القلاجوري
ومنه:
بعثت نحوي المشط يا مالكي ... فكدت أن تسلبني روحي
وكيف لا تسلب روحي وقد ... بعثت منشوراً بتسريحي
ومنه:
أرى لابن سعد لحية قد تكاملت ... على وجهه واستقبلت غير مقبل
ودارت على أنف عظيم كأنه ... كبير أناس في بجاد مزمل
ومنه:
يا حبذا وادي حماة وطيبه ... وطلاوة العاصي به والجوسق
فاتت منازه جلق فلأجل ذا ال؟ ... شقراء تكبو خلفه والأبلق
ومنه:
أنظر إلى النهر في تطرده ... وصفوه قد وشى على السمك
توهم الريح صيدها فغدا ... ينسج متن الغدير كالشبك
стр. 2091
ومنه:
لنا مغن حسن وجهه ... يطرب منه لحنه المعرب
يرقص من يسمعه طيبة ... وهكذا المرقص والمطرب
ومنه:
قالوا: هوى بابن الأمير جواده ... فقلوبنا كادت عليه تفطر
فأجبتهم لا تعجبوا لوقوعه ... إن السحاب إذا سرى يتقطر
ومنه في إبريق فخار:
؟ يا حبذا شكل إبريق تميل له ... منا القلوب وتصبو نحوه الحدق
يروق لي حين أجلوه ويعجبني ... منه طلاوة ذاك الجسم والعنق
كم قد شربت له ماء الحياة ولن ... ينالني منه لا غص ولا شرق
حتى غدا خجلاً مما أقبله ... وظل يرشح من أعطافه العرق
ومنه في قنديل:
يا حسن بهجة قنديل خلوت به ... والليل قد أسبلت منه ستائره
أضاء كالكوكب الدري متقداً ... فراق باطنه نوراً وظاهره
تزيده ظلمة الليل البهيم سناً ... كأنما الليل طرف وهو ناظره
ومنه في معالج مقيره:
بروحي أفدي في الأنام معالجاً ... معاطفه أزهى من الغصن الغض
يكلف عطفيه العلاج فيبسط ال؟ ... قلوب إلى حبيه في ساعة القبض
إذا ما امتطى لطفاً مقيرة له ... وأقعدها واحمر سالفه الفضي
стр. 2092
رأيت محياه وما في يمينه ... كشمس تجلت دونها كرة الأرض
ومنه في امرأة حدباء وخلفها جارية عرجاء:
فديت من في ظهرها حدبة ... وهي بأخرى مثلها ناهده
يحسبها الإنسان مع أنها ... قائمة في مشيها قاعده
وخلفها جارية رجلها ... عن أختها فاضلة زائدة
توقف في خدمتها وقفة ال؟ ... وز وتطوي رجلها الواحده
ومنه في زامرة سوداء، وأجاد:
ولرب زامرة يهيج بزمرها ... ريح البطون فليتها لم تزمر
شبهت أنملها عن صرنايها ... وقبيح مبسمها الشنيع الأبخر
بخنافس قصدت كنيفاً واغتدت ... تسعى إليه على خيار الشنبر
ومنه في تشبيه لوح رخام شحم ولحم:
ويوم قال لي ملك البرايا ... وبين يديه لوح من رخام
أهل لك أن تشبهه بشيء ... يروق بني الترسل والنظام
فقلت رقيق ثلج في مدام ... فقال ومثل برق في غمام
وذاك أتم في التشبيه معنى ... فقلت صدقت يا بدر التمام
وكتب إليه شهاب الدين أحمد بن العزازي من القاهرة:
من ضل عن طرق المكارم والعلا ... فليهتدي أنى سرى بسراجها
стр. 2093
عمر الذي بلغ البلاغة وارتقى ... درجاتها وسرى على منهاجها
أما الفضائل فهو بيت قصيدها ... وطراز حلتها ودرة تاجها
فكتب المحار الجواب:
سارت فعطرت البلاد بنشرها ... أخبار مرسلها وسبل فجاجها
عذراء قلدها الشهاب جواهراً ... من فكره غنيت به عن تاجها
راقت معانيها برقة لفظها ... كالراح أشرق نورها بزجاجها
وقال في جفانه أبنوس:
ذات لحن شجي ... بتدي بما في الصدور
كأنها جنح ليل ... من تحت صبح منير
تشدو بشعر فصيح ... على لسان الحرير
ومن موشحاته:
جسمي ذوى بالكمد والسهر ... والوصب من جان
ذي شنب كالبرد كالدرر كالحبب جمان
بي غصن بان نضر ... يسبيك منه الهيف
يرتع فيه النظر ... فزهره يقتطف
الخد منه خفر ... والجسم منه ترف
قد جاءنا يعتذر ... عذاره المنعطف
ثم التوى كالزرد معبقري ... معقربي ريحاني
في مذهب مورد مدنر مكتب سوسان
؟ ظبي له مرتشف ... كالسلسبيل البارد
стр. 2094
بدر علاه سدف ... من ليل شعر وارد
مقرطق مشنف ... يختال في القلائد
غصن نقا ينعطف ... من لين قد مائد
بين اللوى وثهمد كجؤذر في ربرب غزلان
من كثب ذي جيد ذي حور ذي هدب وسنان
أما وحلي جيده ... ورنة الخلاخل
والضم من بروده ... قد قضيب مائل
والورد من خدوده ... إذ نم في الغلائل
لا كنت من صدوده ... متصلاً بعاذل
نار الجوى لا تخمدي واستعري ... وكذبي سلواني
وانسكبي واطردي وانهمري ... كالسحب أجفاني
مولاي جفني ساهر ... مؤرق كما ترى
فلا خيال زائر ... يطرقني ولا كرى
إني عليك صابر ... فما جزا من صبرا
إن سح دمعي الهامر ... فلا تلمه إن جرى
جال الهوى في خلدي ومضمري ... أضر بي كتماني
مؤنبي فاتئد لا تفتر ... وجنب عن عان
إن زاد في الهجر وصد ... رحت بصبري مرتدي
عنه وإن طال الأمد ... إلى ذرى محمد
وكيف يخشى من قصد ... ملكاً عظيم المحتد
стр. 2095
فالملك المنصور قد ... سما سماء الفرقد
ثم استوى بأجرد مضمر ... ومقضب يماني
ذي شطب مهند وسمهري ... مضطرب مران
ملك علت هماته ... من فوق هام المشتري
وبخلت راحاته ... سح السحاب الممطر
وعوذت راياته ... بمحكمات السور
بدر بدت هالاته ... مثل الصباح المسفر
تحت لوى منعقد بالظفر في موكب فرسان
كالشهب في الأسعد والأقمر ... في عذب تيجان
يا ملكاً دون الورى ... تخبطه الممالك
ومالكاً إذا سرى ... تحجبه الملائك
بعض عطاك هل ترى ... جادت به البرامك
فاستجلها من عمرا ... ثغر ثناها ضاحك
لا تحتوى كالشهد كالسكر ... كالضرب معاني
كالسحب كالعسجد كالجوهر من حلبي كتاني
قلت: وقد عارضه الشيخ صدر الدين بن الوكيل رحمه الله تعالى في كثير من موشحاته، ومما عارضه هذا الموشح، وقد سقته في ترجمة الأمير شمس الدين سنقر الأعسر مشد الدواوين. إلا أنه غير بعض قوافيه.
ومن موشحات السراج، وألطفها وأحسنها قوله:
стр. 2096
ما ناحت الورق في الغصون إلا ... هاجت على تغريدها لوعة الحزين
هل ما مضى لي مع الحبايب آيب ... بعد الصدود
أم هل لأيامنا الذواهب واهب ... بأن تعود
مع كل مصقولة الترائب كاعب ... هيفاء رود
تفتر عن جوهر ثمين جلا أن ... يجتلى يحمى بقضب من الجفون
أحببته ناعم الشمائل مائل في ... برده
في أنفس العاشقين عامل عامل من قده
يرنو بطرف إلى المقاتل قاتل في غمده
أسطى من الأسد في العرين فعلاً وأقتلا لعاشقيه من المنون
علقته كامل المعاني عاني قلبي به
مبلبل الحال مذ جفاني فاني في حبه
كم بت من حيث لا يراني راني لقربه
وبات من صدغه يريني نملا يسعى ... إلى رضابه العاطر المصون
قاسوه بالبدر وهو أحلى شكلاً من القمر
فراش هدب الجفون نبلا أبلى ... بها البشر
وقال لي وهو قد تجلى جل باري الصور
ينتصف البدر من جبيني أصلاً فقلت ... لا قال ولا السحر من عيوني
بتنا وما نال ما تمنى منها ... طيب الوسن
نفض من فرحة لدنا دنا تنفي الحزن
стр. 2097
وكلما مال أو تثنى غنى ... صوتاً حسن
لا تستمع في هوى المجون عذلاً واسع إلى راح تقي سورة الشجون قلت: قد رأيت أيها الواقف على هذا وفقك الله ما فاته من الالتزام في بعض الحشوات، وما بعض الحشوات خال منه، وما أعتقد أنه أتى به وفاته، ولا يخفى ذلك على من يعرف علم البديع وشروط الجناس المزدوج.
وكلفني بعض الأصحاب الأعزة أن أنظم شيئاً في هذه المادة، فنظمت مع علمي ما ينبغي للعاقل أن يعارض ما رزق السعد، وبالله التوفيق، وهو:
ما تنقضي لوعة الحزين أصلا ... ولو سلا إلا لضرب من الجنون
قمت ولم تحظ بالوصال صالي ... نار الجوى
معذب البال في خبال بالي ... من الهوى
ولا توافق على انتقال قالي ... يوم النوى
وكن على مذهبي وديني ذلاإذتبتلى واصبر على ذلة وهون
معذبي نازح المزار زاريعلىالقمر
خلى فؤادي من الإسار ساريعلىخطر
يقول والقلب في استعار عاريمنمصطبر
من أرسل السحر من جفوني نبلاتقضيعلى حشا المحبين بالمنون
في ريقه لذة السلافلا فيكأس المدام
رأيت لي منه في ارتشافشافيمن السقام
أقول والصمت في اعتكافكافيعند الملام
يأتي تسليه عن يقينقل لاتغري البلاعلي فالوجد في الكمين
стр. 2098
جبينه الصبح في انبلاجلاجلشعره
وقلب مضناه في ابتهاجهاجلهجره
يرقب منه يوم انفراجراجلصبره
ظبي به الليث في العرينولىلو اجتلى عيونه بات في غبون
وغادة في الهوى عدانيدانيوصالها
لو أن دهري لها انتقانيقانيجمالها
ما كان في الوجد قد شجانيجانيدلالها
ولا جرت بالدما عيونيوبلاقد أخجلاسواكب العارض الهتون
مقلتها صيرت رشاديشاديبذكرها
وسحرها صار في العبادباديبنصرها
وصار في الغور والوهادهاديلأسرها
فانظر تجدها دون العيونكحلالا يصطلىلها بنار السحر المبين
تبدو بوجه مثل المرايارايىفيه الهلال
ألا ابن يحيى خير البراياراياإذا استحال
طبع الليالي وللرعاياعايىصرف الليال
يرد خطب الردى الحرونسهلاقد انجلىوانبلجت سدفة الدجون
يا سعد ملك قد استجلاجلاًعنه العنا
لأنه عندما تولىولىعنه الخنا
فمي بذكراه مذ تحلىحلىفيه الثنا
стр. 2099
وجاء بالجوهر الثمينجزلاًحتىاغتلى على عقود المدح الرصين
فطرسه جامع الفرائدرائدإلى الصواب
ولفظه زينة القصائدصائدفصل الخطاب
وكله نخبة العقائدقائدالى العجاب
وذكره صار في القرونيتلىحتى علامنابر الأيك والغصون
أقول للغيث في سحابهحابهفي وبله
فجوده للورى وشى بهشابهفي طله
ولم يقم قط في منابهنابهمن شكله
أفاض من فضله المعينسجلا ًملا الملاوسار في بحره سفيني
نظمي على رتبة الأفاضلفاضلديباجه
كأنه فيك بالأصائلصائلنواجه
فانظر لمن صار في المحافلآفلسراجه
ومن على ذروة الفنونحلاواستفلاسواه في حمأة وطين
موشحي رائق الطرائقرائقفي فنه
ما مثله قط في الخلائقلائقفي وزنه
إن عد يوماً من النوافقوافقلوزنه
فأنت فرد بلا قرين أملى ... سرح العلا حتى انجلت ظلمة الظنون
ومن موشحات السراج المحار رحمه الله تعالى:
أرقت لبرق لاح من أرض حاجري ... فأجرى دموعي من شؤون محاجري
وهيج لي التذكار ... فأضرمت الأفكار
في قلب الكئيب ... أو كادت تذيب
نيران الوجيب ... حشاشة الأشواق
كتمت الهوى جهدي ... وهل أنا كاتم
وقد جد بي وجدي ... وشوقي لازم
ونمت بما عندي ... دموع سواجم
فما حيلتي والدمع يبدي سرائري ... ويظهر ما جنت عليه ضمائري
ولم يبق لي أنصار ... سوى جلدي إن صار
لقلبي جلد، وإلا فقد ... براه الكمد وضاقت به الآفاق
؟ أعرت حمام البان ... بعض توجعي
فناحت على أفنان ... وجدي ولم تعي
ولو سقت الأغصان ... فائض أدمعي
لأورق منها كل ذاو وناضر ... بما رويت من ماء جفني وناظري
ولو كانت الأطيار ... إذا نحت في الأسحار
قبيل الصباح مثلي في النواح ... ما راشت جناح ولا لبست أطواق
فؤادي الذي أصماه ... سهم من النوى
فكابد ما يلقاه ... من ألم الجوى
وبي رشا لولاه ... لم أدر ما الهوى
ولا حل في قلبي سواه وناظري ... فيا نفس جدي في هواه وخاطري
ولا ترهبي الأخطار ... عسى تدركي الأوطار
فكم من هوى في نار الجوى ... وحكم الهوى تذل له الأعناق
دعاني إلى حبيه ... خد مورد
عليه لمن يجنيه ... صدغ مزرد
ومن جفنه يحميه ... سيف مجرد
فويلاه من تلك الجفون الفواتر ... تصول على عشاقه ببواتر
نضتها يد الأقدار ... لمن يجتني الأزهار
فيا من نظر سيوف الحور ... بأيدي القدر تسل من الأحداق
أسلت من البلوى ... سيول مدامعي
تنم يما تطوى ... عليه أضالعي
ولي كبد تكوى ... بنار مطامعي
فكن ناصري إن قل يا دمع ناصري ... عسى عاذلي في الحب يصبح عاذري
ومن يعشق الأقمار ... ولم يكتم الأسرار
يقاسي الولوع وفيض الدموع ... ونار الضلوع كذا صفة العشاق
فكلفت أنا معارضته، فقلت، وبالله التوفيق:
تغيبت يا بدري فطالت دياجري ... ولم أرج أنصاري وأنت مهاجري
وما تنفع الأنصار ... إذا زاغت الأبصار
стр. 2100
وبات الغمام، يبكي المستهام ... وانجر الحمام إلى النوح بالأطواق
خلائقك الحسنى ... فتنت بها الورى
ومقلتك الوسنى ... سبت مني الكرى
ومبسمك الأسنى ... تنضد جوهراً
وجفنك يحمي الريق منك بباتر ... فيا بارداً قد راح يحمى بفاتر
ولو كانت الأزهار ... وقد راقت الأسحار
تروي عن شذاك وتحكي سناك ... لكانت هناك، حدائقها الأحداق
حبيبي قد أضحى ... هواك منيتي
ولي كبد قرحى ... لعظم بليتي
وجاء الذي يلحى ... تمام مصيبتي
فإن قلت إني في الهوى غير جائر ... فما ضر لو أصبحت بالوصل جابري
؟ وإلا فكم من جار ... على ذي غرام جار
ولا يختصر ولا يقتصر حتى ينتصر ... على الصب بالأشواق
يقرر في هجري ... دليل دلاله
ويمنع مع فقري ... جميل جماله
وينكر مع ضري ... وصول وصاله
ويقدم في سفك الدما غير قاصر ... بقسوة فتاك اللواحظ قاسر
وقد أصبح الخطار ... إذا ماس في أخطار
يشكو ما دهي إلى ملده ... ومن قده يشكو الغصن في الأوراق
стр. 2101
له مبسم ألمى ... حلا وهو بارد
؟ به اتسقت نظماً لآلي فرائد
إلى رشفه نظمأ ... وما ثم وارد
وقد دار في خد من الورد ناضر ... له عارض قد راق في كل ناظر
له خبر قد طار ... وقد ملا الأقطار
فما ينكر لما يشكر ... ولا يذكر إلا فاق في الآفاق
تجنى وما أبقى ... وسر معاندي
ورق لما ألقى ... من السقم عائدي
وجفناه قد شقا ... حبالة صائد
؟ وهل يكتفي صب نوافث سامر ... بقلب سليب فاقد الصبر حاسر
ومن ذا الذي قد ثار ... وحاول أخذ الثار
من سهم مرق بطرف رمق ... وسحر الحدق لوا نصره خفاق
؟
عمر بن مظفر
ابن عمر بن محمد بن أبي الفوارس، الشيخ الإمام الفقيه النحوي الأديب الشاعر الناثر زين الدين أبو حفص بن الوردي المعري الشافعي.
أحد فضلاء العصر وفقهائه وأدبائه وشعرائه. تفنن في علومه، وأجاد في منثوره ومنظومه. شعره أسحر من عيون الغيد، وأبهى من الوجنات ذات التوريد. قام بفن التورية فجاءت معه قاعدة، وخطها في الطروس وهي فوق النجوم صاعدة، يطرب
стр. 2102
اللبيب لسماعها ولا طرب الصوفي للشبابه، ويعجب الأديب لانطباعها ولا عجب الغواني بما التحف شبابه، ويرغب الأريب لارتجاعها ولا رغبة الروض الذي صوح في صوب السحابة. ويدأب النجيب في اقتطاعها ولا دأب المحب في التمسك بأذيال محبوبه السحابة:
لفظ كأن معاني السكر تسكنه ... فمن تحفظ بيتاً منه لم يفق
كأنه الروض يبدي منظراً عجباً ... وإن غدا وهو مبذول على الطرق
وفقهه للطالب روضه، وللأصحاب الفتاوى قد شرع حوضه. نظم الحاوي وزاده مسائل، وجعله بعد وحشة الأذهان منه خمائل، وعربيته تلافيها ما أنس غريبها بتلافيها وقربها إلى التعقل بعد تجانفها وتجافيها، وسهل عويصها فلو سمعته الأعرابية ما قالت: " يا أبت أدرك فاهاً غلبني فوها لا طاقة لي بفيها "، إلا أنه مع هذه القدرة وهذا التمكن من فن الأدب، وكونه إذا تصدى للنظم تنسل إليه المعاني من كل حدب، لا يسلم من الإغارة على من سواه، واغتصاب ما سبقته إليه غيره وما حواه، ولا يعف عما هو لمن تقدمه أو عاصر أو استسلم له أو حاصره. وبهذه الخلة نقص، ولولاها صفق له الزمان ورقص.
ولم يزل في حلب يتولى القضاء في تلك النواحي، وتبكي الغمائم لفراقه وتبتسم لقدومه ثغور الأقاحي، إلى أن ترك الولايات ورفضها، وعاد على أحكامها ونقضها، وأرصد نفسه للإفادة، وتلفع برداء الزهادة، واختص بسيادة العلم وهي
стр. 2103
السيادة. وتخرج به جماعة وتنبهوا، وحاكوا طريقه وتشبهوا، إلى أن افترس الوردي ورد المنية، وأصبح في حفرة القبر من وراء الثنية.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون حلب.
وتوفي أخوه القاضي جمال الدين يوسف قبله بقليل.
وكان الشيخ زين الدين رحمه الله تعالى قد رأى عجائب الطاعون في حلب، فعمل فيه رسالة أنشأها وأبدعها وسماها: النبا في الوبا، ولكنه ختم به الوبا، وفجع الناس فيه.
وقلت أنا فيه لما بلغتني وفاته:
لئن ذوى الوردي في هذه ال؟ ... دنيا لقد أينع في الخلد
إنما أوحش ربع النهى ... والفضل في نقص وفي رد
والعلم روض ماله رونق ... لأنه خال من الوردي
وكنت قد كتبت إليه من دمشق في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مئة:
سلام على الحضرة العالية ... سلام امرئ نفسه عانيه
لأن لها رتبة في العلا ... ذوائبها في السما ساميه
ويؤنس من غدا يجتني ... قطوف مسراتها دانيه
أيا عمر الوقت أنت الذي ... كراماته في الورى ساريه
ويا بحر علم طمى لجه ... فكم جاءنا عنه من راويه
ويا بحر علم طمى لجه ... فكم جاءنا عنه من راويه
ويا فاضلاً أصبحت روضة ال؟ ... علوم بتحقيقه زاهيه
стр. 2104
لك الخط كم فيه من نقطة ... لها الحظ بالقلب في زاويه
تقدمت في النظم من قد مضى ... لأنك في الذروة العاليه
ورخصت أسعار أشعارهم ... كأن مدادك من غاليه
وكم من قصيد إذا حكتها ... تكون القلوب لها قافيه
ونظمت في مذهب الشافعي ... كتاباً غدا حاوياً حاويه
وزدت مسائله جملة ... بتحقيق مذهبه وافيه
فما لك من مشبه في الورى ... ويا حسن ما ههنا نافيه
لئن كنت أرسلت هذا القريض ... فللبحر قد سقته ساقيه
وإلا فأهديت نحو الريا ... ض وقد أينعت زهرة ذاويه
وسترك إن لم أكن حاضراً ... يغطي مساوئه الباديه
فلا زلت في نعمة وفرها ... تساق له جملة باقيه
يقبل الأرض ويسأل الله أن يمن عليه بجمع شمله، ويقرب اللقاء، فإن التمني قد أطال المدة في وضع حمله، وأن يريه ذلك الشخص الذي يروق البدور السيارة، ويروع الأسود الزأارة، وأن يرزقه اجتلاء ذلك الروض الذي نجني بسمعه أزهاره التي تسلب النظارة بالنضارة، وأن يورده على ظمئه البرح تلك الفضائل التي أبحرها زخاره، وأمواجها هدارة، وأن ينزله المحل الذي يخرج منه ومعه بكارة المعاني التي تبرز منها بكارة بعد كاره، وأن يمتع طرفه بذلك البدر الذي يأخذ الناس من فوائده الكواكب السيارة، وأن يطلع عليه شمس فوائده التي تشرق من الطلبة في الهالة والدارة:
стр. 2105
لعل الله يجعله اجتماعاً ... يعين على الإقامة في ذراكا
وينهي أنه لما كان في الديار المصرية حضر من حلب المحروسة المولى شمس الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي، وأنشد المملوك تضمين أعجاز ملحة الإعراب لمولانا أدام الله فوائده فأخذ من المملوك بجامع قلبه، ودخل على لبه بهمزة سلبه، وعلم به القدرة على التصرف في الكلام، وتحقق أن نظم غيره إذا سمع قوبل بالملال والملام. وقال في ذلك الوقت عندما حصل له في كلام مولانا المقة وفي كلام غيره المقت:
يا سائلاً عمن غدا فضله ... مشتهراً في القرب والبعد
الناس زهر في الثرى نابت ... وما ترى أذكى من الوردي
وكان المملوك قد علقها، وأدخلها أبواب حاصله وأغلقها، فاغتالتها أيدي الضياع، وعدم أنس حسنها المحقق من بين الرقاع.
ثم إني سألته أن يجيزني رواية ما يجوز له تسميعه، فكتب الجواب، ومن خطه نقلت:
كتب إلي فلان أمد الله تعالى في جاهه، وجمل النوع الإنساني بحياة أشباهه، يستجيز مني رواية مصنفاتي ومروياتي ومؤلفاتي، ففديته سائلاً، وأجبته قائلاً: أما بعد حمد الله جابر الكسير، والصلاة على نبيه محمد البشير النذير، وعلى آله الذين أعريت أفعالهم فسكن حب أسمائهم في مستكن الضمير.
следующие страницы →