Полный текст (3 514 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
تشاغل الناس في الأسمار بي وبه ... وإنني عن حديث الناس في شغل
وأنشدني له قاضي القضاة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي، رحمه الله تعالى، قال: وأنشدني بعضها من لفظه:
ما مِلتُ عنك لجفوةٍ ومَلال ... يوماً ولا خطر السلوّ ببالي
يا مانحاً جسمي السقام ومانعاً ... جفني المنام وتاركي كالآل
عمّن أخذت جواز منعي ريقك ال ... معسول يا ذا المعطف العسّال
عن شعرك الفحام أن عن ثغرك ال ... نظام أم عن طرفك الغزالي
فأجابني أنا مالكٌ أهل الهوى ... والحسن أضحى شافعي وجمالي
وشقائق النعمان أضحى نابتاً ... في وجنتيّ حماه رشقُ نبالي
والصبر أحمد للمحب إذا ابتُلي ... في الحب من محن الهوى بسؤالي
وعلى أسارى الحب في سجن الهوى ... بين الملاح عُرفت بالقفّال
وقتلتُ معتزليّ في شرى الهوى ... وطرفت بالتنبيه عين السالي
وتفقّه العُشّاق فيّ وكل من ... نقل الصحيح أجزْتُهُ بوصال
والجوهري غدا بثغري ساكناً ... يحمي الصحاح بقدّي الميّال
وشهود جسمي لو نظرت إليهم ... بين الأنام عجبت من أفعالي
جرح البكاءُ عيونهم وقلوبهم ... وزكوا لقذف الدمع في الأطلال
والشاهد المجروح عندي صادق ... هل في قضاة العاشقين مثالي
وعلى رحيق الثغر صارمُ مقلتي ... ولّيته، ولكل ثغرٍ والي
стр. 3117
وعلى مقامات الغرام شواهدٌ ... جسمي الحريري والبديع جمالي
ولبست من حُلل الجمال مفصّلاً ... حسن الملابس مدهش الغزالي
ولحسني الكشاف من جمل الضيا ... لمعاً لإيضاح الفصيح مقال
وأتى المطرّز نحو خدي راقماً ... طُرُز العذار وحاز في أشكالي
والواقديّ بنار هجري والجفا ... وكّلتُه فلكل سالٍ صال
وبلفظي الفراء يفري قلبَ من ... وافى بناظر ناظري بنصال
ومَصارعُ العشاق بين خيامنا ... ومقاتل الفرسان يوم نزال
ورفضْتُ نوم العاشقين فكلّ من ... ذكر الغرام فدمعه متوالي
ولديّ سلوان المطاع سفاهة ... لمتيّم أوثقتُه بحبالي
وخصصت إخوان الصفا برسائل ... ولهم صفا ودي وهم آمالي
والبيهقي بوجه كل معنّف ... في موقف التوديع والترحال
وبوجهي النقاش راح مفسّراً ... صورَ الملاحة من دليل دلال
ورقيبي الكلبي قد أخسأتُهُ ... بوقوفه في باب ذلّ سؤالي
ومجاهدٌ أضحى عليّ مقاتلاً ... خوفاً من الرقباء والعُذّال
وأبو نعيم منعم في حليتي ... إذ بات يمليها على النقّال
ومحاسني قُوت القلوب تكرّماً ... ومناقب الأبرار حُسْن فعالي
وتطلعي زاد للسير ومبسمي ال ... ضحّاك والمنثور حُسن لآلي
стр. 3118
وبخدي الزهري جنّات المنى ... أضحى بها الثوري من عمّال
وبمنطقي قسّ الفصاحة ناطقٌ ... في فترة الأجفان للضلال
وقميص حُسني قُدّ من قُبُل الورى ... بيدي اليمين وتارة بشمالي
والثعلبي رأى الوجوه بجهده ... وحلا له في النقل وجهُ الحال
ولحسني الأنساب يرويها عن ال ... عدل الزكيّ بصحة النُقّال
فيراه للتمييز نصباً واجباً ... ورفعت عنه الهجر من أفعالي
ولي الخلافة في المِلاح بلحظي ال ... سفّاح والمنصور في أقوالي
وعلى محلّي بالجمال رواية ... في رايةٍ نُشرت ليوم جدال
ومدينة العلَم السخاوي أصبحت ... في راحتي فعُرفت بالبذّال
قال الأوائل ما رأينا مثله ... غصنٌ رطيب مثمر بهلال
قد عمّه الحسن الغريب وخاله ... ما في البرية منه قلبٌ خال
فوصلت عُشّاقي فلام معنّفي ... فأجبته هذا الذي يبقى لي
القوم أبناء السبيل وعندنا ... تعطى زكاة الحُسن كالأموال
قد طالما نقلوا حديث محاسني ... فهم عُدولي صحة ورجال
هذي القصيدة بالأئمة شرفت ... قدري وفقت بها على أمثالي
وكأنها العقد الثمين وهم بها ال ... در النظيم مكللاً بلآلي
стр. 3119
قلت: قصيدة فريدة فائقة رائقة، إلا أنها فيها ألفاظ غير قاعدة، والتسامح يسكن قلقها.
محمد بن ناصر بن علي
القاضي الرئيس فخر الدين بن الحريري، بالحاء والرائين المهملات.
كان أولاً كاتب الأمير شهاب الدين قرطاي نائب طرابلس، أقام بها مدة ثم إنه عاد إليها مع مخدومه، وعمّر بها أملاكاً، ولم يكن لأحد معه فيها حديث. ولما انتقل مخدومه الى دمشق ثانياً عاد معه، ولما مات استمر بطّالاً مدة. ثم إنه باشر استيفاء النظر بدمشق مع الصاحب أمين الدين لما قبض على علم الدين إبراهيم المستوفي في صفر سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. ولما عزل الصاحب أمين الدين بالصاحب علاء الدين الحرّاني نقل القاضي فخر الدين الى نظر الديوان بطرابلس فتوجه إليها وأقام بها مدة.
ثم إنه توجّه في نوبة الفخري الى الديار المصرية وخرج منها مستوفي النظر بدمشق مع الصاحب علم الدين بن القطب، فأقام بها مدة يسيرة على ذلك، وانتقل الى نظر الجيش عوضاً عن القاضي فخر الدين بن العفيف فأقام بها قليلاً، وأعيد القاضي فخر الدين بن العفيف الى نظر الجيش، فأقام بدمشق مدة بطالاً. ثم إنه توجه الى الديار المصرية في سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
стр. 3120
ثم إنه تولى كتابة السر بطرابلس بعد عزل القاضي شهاب الدين بن القطب المصري، وأقام بها من أوائل سنة ثمان وأربعين وسبع مئة الى أن توفي رحمه الله تعالى بطرابلس يوم الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى أبيض أشقر سميناً فيه بشاشة وكيس ولطف ودماثة أخلاق ودهاء، وكان قد مشى بالفقيري، بالطاسة والأزار العسلي في وقت، وخلف عدة أولاد كل منهم اسمه محمد.
اجتمعت به غير مرة بدمشق والقاهرة.
محمد بن نبهان
الشيخ الصالح الزاهد العابد الورع القدوة شيخ البلاد الحلبية.
كان فقيراً، بالله غنياً، خلياً من الدنيا وإن كان بسعادة الآخرة ملياً، مقيماً بزاوية في بيت جبرين معروفة بهم من قديم، موصوفة بإضافتها إليهم، لا يزال فيها للفقراء منهم خديم، واشتهر هذا الشيخ محمد بتلك الناحية، وأشرقت شمس عرفانه في سمائها المصحية ولا أقول الصاحية، وتبلّجت وجوه بركاته الضاحية، وعرف بالخير وقصد من كل أرض، وإنما يسقط الطير وكان يطمع كل من يرد عليه من أمير ومأمور، وذي قلب خراب من التقوى ومعمور، ولم يُسمع أنه قبل لأحد شيئاً قلّ ولا جلّ، ولا حرم
стр. 3121
ولا حل، لأنه كانت لهم أرض قليلة يزرعونها ويتبلغون مما يستغلّونها ويستَغْلونها، وإنما كانت أخلاف البركات عليهم تدُر، واللطف الخفيّ يقر فيهم ولا يفر.
وكان الشيخ محمد كما قال الغزّي:
هو حيلة الدنيا وبقراط العلا ... وشكيمة الناجي وحرز المتّقي
أمواله لموفّرٍ ومقصّر ... ومقالهُ لمحصّل ومحقّق
ولم يزل الشيخ محمد، ﵀، على هذه الطريق الى أن جاء الأمير سيف الدين طشمر حِمّص أخضر الى حلب نائباً، فاشترى لزاوية الشيخ أرضاً ووقفها على الزاوية، فامتنع الشيخ من ذلك وامتعض، وارتمى الى عدم القبول وارتمض. فقال الأمير: إنما هذا للزاوية، وليس هو لك، فبعد لأي ما قبل ذلك، وهو غير راض. ثم إن الأمير سيف الدين طقزتمر لما جاء الى حلب نائباً أيضاً وقف على الزاوية أرضاً أخرى فاتّسع الرزقُ بذلك على أولاده، وفاض الخير عليهم ببركات الشيخ.
ولم يزل على حاله حتى تنبّه الأجل لابن نبهان من رقدته، وعجّل الله له بالرحمة في أول نقدته.
وجاء الخبر بوفاته رحمه الله تعالى في شعبان سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وصلي عليه بالجامع الأموي صلاة الغائب.
ولم نسمع عن الشيخ إلا صلاحاً وخيراً، وكان نُواب حلب جميعهم يعظّمونه، ويجلّونه، ويكرمونه، ويقبلون شفاعاته ويعملون بإشاراته، وكان منقطعاً عن الناس، منجمعاً.
стр. 3122
وأخبرني القاضي ناصر الدين كاتب السر بدمشق قال: كان الشيخ محمد كثير التلاوة، وله كل يوم ختمة، ومن يراه يحسبه أنه لا يتلو شيئاً.
كتب إليه القاضي شهاب الدين بن فضل الله في جملة كتاب:
قيل جبريلُ مُنزَل لابن نبها ... ن محوط بمحكم التنزيل
قد تبدّى محمد في رُباها ... علماً للسائرين وابن السبيل
بوقار كأنه الليل خوفاً ... وجبينٍ يُنير كالقنديل
ليس يخشى الضلال من أمّ منه ... حضرةً أشرفت على جبريل
وأما أنا فلم يتفق لي لقاؤه، ولكن اجتمعت بولده الشيخ علي وقدم الى دمشق متوجهاً الى الحج في سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
ولما مات الشيخ محمد قلت أرثيه رحمه الله تعالى:
تنبّه صرفُ الدهر من بعد غفلةٍ ... وخصّ ابن نبهان بمطعم صابه
ومات فأحيا الذكر من بعده الثنا ... عليه كنشر الروض غب سحابه
فمن لقرى الأضياف من بعد فقده ... فقد طالما راق الجنا من جنابه
أقول وبعض القول يعطي تمامه ... كأنّ بني نبهان يوم مصابه
محمد بن نجيب
ابن محمد بن يوسف، الشيخ شمس الدين أبو عبد الله، الكاتب المجوّد والمحرّر المعروف بالخلاطي، إمام التربة القيمرية بالقباقبيين بدمشق.
سمع من ابن أبي اليسر، وحدّث.
стр. 3123
وكان حسن الهيئة كريم الأخلاق، يكتبُ المنسوب، وكتب الناس عليه بعد الشهاب غازي المجوّد، وعنده قطع كثيرة من الخط المنسوب. وتوجّه الى القاهرة وأقام بالخانقاه مدة وعاد.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشري ذي القعدة سنة سبع وعشرين وسبع مئة، ودفن في مقابر الشيخ أرسلان.
ومولده سنة ستين وست مئة.
محمد بن نصر الله
ابن عبد الوهاب، القاضي الرئيس علاء الدين الجوجري، بجيمين بينهما واو وبعد الجيم الثانية راء المالكي الحاكم بالقاهرة.
درّس الفقه على مذهب مالك بالجامع الحاكمي، وناب في الحكم عن قاضي القضاة تقي الدين الآخنائي المالكي، وكان ناظر خزانة الخاص.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة تاسوعاء سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ولعله قد تجاوز السبعين.
وولي نظر الخزانة بعده القاضي محيي الدين بن بنت الأعز.
محمد بن نصر الله بن محمود
شهاب الدين، الشيباني العطار.
سمع من ابن مسلمة في سنة ثمان وأربعين وست مئة الجزء الذي كان عنده
стр. 3124
موافقات ابن عساكر، وسمع أيضاً من العراقي، وفرج الحبشي، ولم يحدث.
وتوفي رحمه الله تعالى في ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة.
محمد بن نصر الله بن يوسف
ابن أبي عبد الله، الشيخ الصالح عز الدين القرشي الأبزاري المصري رئيس المؤذنين بحرم النبي ﷺ .
كان عنده ثبتٌ وإجازات تركها بمصر، وغالب مسموعاته بقراءة المكين الحصني.
توفي رحمه الله تعالى ثالث عشري شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبع مئة عند فراغه من أذان الفجر بالمنارة الجديدة، من غير مرض ولا عرض، وكان له مشهد عظيم.
محمد بن هاشم
ابن عبد القاهر بن عقيل بن عثمان، ينتهي الى عليّ بن عبد الله بن العباس، الشريف شمس الدين أبو عبد الله بن الشريف تاج الدين بن الكاتب بهاء الدين.
روى عن عمّ والده الفضل بن عقيل، وعن ابن الزبيدي. وحدث بصحيح البخاري مرات، وكان اسمه مضمناً في إجازة ابن عساكر، وحدث عن أبي روح الهروي بها.
стр. 3125
وتوفي في شهر رمضان سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ست وست مئة.
محمد بن الهمام
ابن ابراهيم بن الخضر بن همام بن فارس، ناصر الدين القرشي.
أخبرني شيخنا العلامة أبو حيان، قال: هو صاحبنا، كان له سماع في الحديث، وقد حدّث عن النجيب الحرّاني. وكان ذا خطّ حسن وصورة حسنة كريماً محبّاً في الفقراء إماماً للأدباء، حسن النغمة بالقرآن، وإنشاء الشعر، باشاً بأصحابه، يحب من يأكل طعامه ومَن يجتمع به. وكان يعرف الحساب واشتغل بالخدم، وناب في نظر البيمارستان المنصوري، وكان الفقهاء معه في الجوامك على أحسن حال.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وسبع مئة.
محمد بن أبي الهيجاء بن محمد
الأمير الفاضل عز الدين الهذباني الإبلي، متولي دمشق.
قدم الشام شاباً، واشتغل، وجالس العز الضرير. وكان جيّد المشاركة في التاريخ والأدب والكلام.
стр. 3126
قال شيخنا الذهبي: وهو معروف بالتشيع والرفض، وكان شيخاً كردياً مهيباً، يلبس عمامة مدوّرة، ويرسل شعره على أكتافه. ولي دمشق وكان جيّد السياسة.
توفي رحمه الله تعالى بالسوّادة التي في رمل مصر سنة سبع مئة.
ومولده بإربل سنة عشرين وست مئة.
محمدالأمير الكبير بدر الدين
بن الوزيري، توفي بدمشق بدار الجاولي ظاهر دمشق في يوم الأربعاء سادس عشر شعبان سنة ست عشرة وسبع مئة ودفن برأس ميدان الحصى.
كان عنده معرفة وله فضيلة، وتكلم في الديار المصرية في أمر الأوقاف والقضاة والمدرسين، وناب بدار العدل عن السلطان مدة، صاحب الميسرة وأمير مئة ومقدم ألف. وخلّف تركة عظيمة، ثم إنه صرف عن ذلك ونقل الى دمشق.
محمد بن يحيى
المنصور بالله، أبو عصيدة بن الواثق الدهَنتاتي، بفتح الهاء وسكون النون وبعدها تاء ثالثة الحروف وبعدها ألف وتاء أخرى. تملك تونس بإشارة المرجاني في آخر سنة أربع وأربعين وست مئة.
стр. 3127
كان شريف النفس مهيباً، جيّد الرأي أديباً، صالحاً ديّناً، حميد السيرة صيّناً، ظريفاً شكله ذريعاً أكله، ينفق في جنده، ولا يرد أحدهم على رفده.
ولم يزل على حاله حتى رمي أبو عصيدة باليوم العصيب، ورماه الحمام بسهمه المصيب.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة.
ولم يعهد الى أحد، فقام بعده ابن عمه، فقُتل بعد أيام، توثّب عليه المتوكل خالد بن يحيى من بني عمه وتملك، ثم خلع بعد يومين.
ومات أبو عصيدة رحمه الله تعالى شاباً، وإنما لقب بذلك لأنه عمل في سماط عصيدة عظيمة في وعاء سعته تفوق العبارة، في وسطها بركة واسعة مملوءة سمناً، ويليها خندق عسل ثم خندق من دهن ثم خندق من دبس ثم خندق من زيت ثم خندق من رب خرنوب، سبعة خنادق، والله أعلم، وكان عسكره نحواً من سبعة آلاف.
محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد
الشيخ الإمام العلامة أبو عبد الله القرطبي المالكي الأشعري، نزيل مالقة ومحدثها وفقيهها ووزيرها.
وكان أشعرياً، وكان آخر من حدث عن والده بالسماع، وسمع من الدباج والشلوبين، وابن الطيلسان. وكان من جملة محفوظاته المقامات.
стр. 3128
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع عشرة وسبع مئة.
ومولده بقرطبة سنة ست وعشرين وست مئة.
محمد بن يحيى بن أحمد
ابن علي بن يَس، الشيخ شمس الدين الحِميري المعروف والده بابن المعلم.
سمع من ابن عبد الدائم وروى عنه، وسمع من عمر الكرماني. وكان له ملك يرتزق منه.
وسمع منه شيخنا علم الدين البرزالي.
توفي رحمه الله تعالى في العشر الأوسط من صفر سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
محمد بن يحيى بن موسى
الشيخ شرف الدين بن نجم الدين بن تاج الدين أبي البركات الصائغ المعروف بابن صفّ عذاره.
وكان شيخنا أوصى بثلث ماله أن يُشترى به وقفٌ للصدقة فكان أربع مئة دينار وكسوراً، ووقف وقفاً على من يقرأ صحيح البخاري كل سنة في شهر رمضان بالإسناد.
توفي رحمه الله تعالى في أول ذي الحجة سنة تسع وسبع مئة.
стр. 3129
محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الرحمن
الشيخ الإمام المفتي المدرس بدر الدين ابن القاضي جمال الدين بن الفُويرة الحنفي، تقدم ذكر أخيه علاء الدين علي، وسوف يأتي ذكر والده جمال الدين إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف الياء.
اشتغل كثيراً، ورقى من الحفظ محلاً أثيراً، تفنن في العلوم وتفند عما سوى ذلك من ملاذ المشارب والطعوم، وحصّل رأس مال جيد من الفقه وأصوله، وأنفق ولم يخش ذهاب محصوله.
ولم يزل على حاله الى أن فار وفاض أجل الفويرة، وسبق أقرانه، وما جدّ في سيره.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء، الثالث والعشرين من شعبان سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
وكان له حلقة إشغال في الجامع الأموي عند شباك الكاملية في الحائط الشمالي، ودرس بالخاتونية البرانية وبمجلس الرأس، وخطب بالزنجليّة وسمع عن جماعة، وحدث.
وكان قد انتشا له ولد تقدير عمره ست عشرة سنة، وحج وهو صغير مع والده سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، وحفظ الكتاب العزيز، وسمع الحديث، وحفظ شيئاً من
стр. 3130
الفقه، فمات في شهر صفر من سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، ففجع فيه والده وأهله، وحزن والده عليه حزناً عظيماً، ولم يعش والده بعده إلا هذه المدة اليسيرة، ولحقه الى الله تعالى.
وكان الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى رفيقاً للقاضي فخر الدين المصري يجاريه في الإشغال فناً بعد فن، خلا أن ذلك كان شافعياً وهذا حنفياً، وكان كثيراً ما يمشي هو وشمس الدين محمد بن زين الدين المقرئ الصفدي، فكان الناس يسمونها القط والفأر.
وحضرت يوماً عنده في حلقة إشغاله، وأوردت عليه أن لفظه طَهُور صيغة مبالغة في تكرير الفعل من الفاعل مثل صبور وقتول، وأكول وشروب، فكيف يسلب الماء الطهورية بالمرة الواحدة، على ما تقدم في ترجمة تقي الدين أبي الفتح السبكي مما نظمته وأجاب عنه نظماً، فأعجب الشيخ بدر الدين هذا الإيراد وزهزَهَ له، ولم يجب عنه، ولم يكن في طباعه مع كثرة علومه وتفننه إقامة وزن الشعر.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: كان بدر الدين بن الغويرة ينشد قول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجحي
بإثبات الياء بعد الحاء.
стр. 3131
محمد بن يحيى بن أحمد بن سالم
الأمير بدر الدين بن الخشاب ابن العدل زين الدين القرشي الدمشقي.
دخل بدر الدين هذا في الجندية، وباشر الشدّ في ديوان سلار في بلاد صفد وقضى من السعادة في هذه المباشرة ما لا يوصف، وحصّل جملاً، وبقي فيما بعد من أعيان مقدمي حلقة صفد. ثم إنه ترامى الى الأمير سيف الدين تنكز، فأمّره عشرة، وجعله مشدّ الديوان بصفد ووالي الولاة، وحضر إليها في سنة أربع وعشرين وسبع مئة. ثم إنه نقله الى دمشق على شد الدواوين بها عوضاً عن الأمير علم الدين سنجر الطرقجي، فوصل إليها في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة بإعانة الصاحب غبريال له. ثم إن الصاحب عُزل في أيامه وتولى هو مصادرته.
ولم يزل على وظيفة الشد الى أن عزل منها، وصودر في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. وأقام في الترسيم نحواً من أربعة أشهر. ثم إنه أفرج عنه، وتولى فيما أظن بعد ذلك بيروت بواسطة سيف الدين قرمشي، لأنه كان مزوّجاً بأخت قرمشي. ثم إنه نقله الى ولاية نابلس، وتقلب في المباشرات كثيراً.
ولم يزل على حاله في دمشق الى أن توفي رحمه الله تعالى في شوال سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
وكان يحب المباشرات ولو كانت، مهما كانت عالية أو سافلة.
وكان فيه كرم وخدمة لأرباب الدولة ما عليها مزيد. وكان مع اتساع دائرته
стр. 3132
لا يخرج فلساً لبقل حتى يضبطه في تاريخه عنده في تعليق وكان عجباً في هذا الباب.
محمد بن يحيى بن فضل الله
القاضي بدر الدين بن القاضي محيي الدين.
توجه الى الديار المصرية صحبة والده، وعاد معه الى دمشق، ثم توجه معه ثانياً الى الديار المصرية، وأقام بها الى أن أخرجه أخوه القاضي علاء الدين الى كتابة السر بالشام عوضاً عن أخيه القاضي شهاب الدين بن فضل الله، فوصل الى دمشق في أوائل شهر رجب الفرد سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وكان عاقلاً ساكناً كثير الإطراق، ملازم الصمت، لا يفوه بكلمة تودي الى الإحراق أو الإغراق، يخدم من يقصده ولا يلتفت الى من يزحمه أو يحسده، فأحبّه الناس وخضعوا، وطأطأوا رؤوسهم له واتّضعوا، وارتشفوا كؤوس محبّته وارتضعوا. وكان خطه جيداً يزين به مهارقه، ويودع الدرّجيد دَرْجه ومفارقه.
ولم يزل على حاله الى أن خسف بدره في ليلة تمامه، وأدار الغصن عذبته لنوح حمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر من شهر رجب الفرد سنة ست وأربعين وسبع مئة.
стр. 3133
ومولده سنة عشر وسبع مئة.
وهو شقيق أخيه القاضي شهاب الدين، وخلّف نعمة طائلة، وعمر أملاكاً مليحة عند قناة صالح داخل باب توما، وكان أحب الإخوة الى والده القاضي محيي الدين.
وكان أخوه القاضي علاء الدين وهو أصغر سناً منه قد أدخله بعد موت والدهما الى دار العدل، وجلس في أيام السلطان الملك الناصر محمد ووقّع في الدست، ولما توجه القاضي علاء الدين الى الكرك صحبة الناصر أحمد، وتسلطن الملك الصالح إسماعيل، سدّ هو الوظيفة الى أن عاد أخوه، ثم إن أخاه جهزه الى دمشق صاحب ديوان الإنشاء، ولما مات رحمه الله تعالى كتبت الى أخيه القاضي علاء الدين أعزيه فيه على لسان الأمير عز الدين طقطاي الدوادار ارتجالاً من رأس القلم وهو:
يقبّل الأرض لا ساق الله إليها بعدها وفدَ عزاء، ولا أذاقها فَقْدَ أحبّةٍ ولا فراق أعزاء، ولا أعدمها جملة صبر تفتقر منه الى أقل الأجزاء وينهي ما قدره الله تعالى من وفاة المخدوم القاضي بدر الدين أخي مولانا، جعله الله وارث الأعمار، وأسكن من مضى جنّات عدن، وإن كانت القلوب بعده من الأحزان في النار، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قول من غاب بدره وخلا من الدست صدره، وعمّ مصابه فهو يتأسى بالناس، وعدم جَلَده فقال للدمع: اجرِ فكم في وقوفك اليوم من باس، وهذا مصاب لم يكن مولانا فيه بأوحد، وعزاء لا ينتهي الناس فيه الى غايةٍ أو حدّ:
стр. 3134
علينا لك الإسعاد إن كان نافعاً ... بشقّ قلوب لا بشق جيوب
فما كان الدست الشريف إلا صدراً نزع فيه القلب، أو نجوماً بينما بدرها يشرق نوراً إذا به في الغرب، وما يقول للملوك إلا إن كان البدر قد غاب فإن النير الأعظم واف، وبيتكم الكريم سالم الضرب، وإنما أدركه بالوهم خفي زحاف، وما بقي إلا الأخذ بسنة النبي ﷺ في الصبر والاحتساب، وبتسليم الأمر الى صاحبه الذي كتب هذا المصرع على الرقاب: وفي بقائك ما يسلي عن الحزن، وظلّ مولانا بحمد الله تعالى باق على بيته، وما نقص عددٌ ترجع جملته الى مولانا، وكلنا ذلك الدارج، والله لا يذيقه بعدها فقد قرين ولا قريب، ويعوض ذلك الذاهب عما تركه في هذه الدار الفانية من الدار الباقية، بأوفر نصيب إن شاء الله تعالى.
وقلت أرثيه، ولم أكتب بذلك لأحد:
لفقدك بدْرَ الدين قد مسنا الضّر ... وأظلم أفقُ الشام واستوحشت مصر
وشُقّق حبيبُ الروح واستعبر الحيا ... ولُطّم خد الورد وانصدع الفجر
وكادت لنوح الوُرق في غسق الدجى ... تجف على الأغصان أوراقها الخضر
لك الله من غادٍ الى ساحة البلى ... ومن بعده تبقى الأحاديث والذكر
كأن بني الإنشاء يوم مصابه ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر
стр. 3135
محمد بن يحيى
بن محمد
الشيخ الإمام الصدر الكبير شمس الدين بن قاضي حرّان الحراني الحنبلي، ناظر الأوقاف بدمشق.
كان صدراً محتشماً نبيلاً.
توفي رحمه الله تعالى في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بتربة ابن الصباب بالصالحية، وعمل عزاؤه بكرة الجمعة بمحراب الصحابة بجامع دمشق.
وتولى نظر الأوقاف عوضه القاضي عماد الدين بن الشيرازي مضافاً الى نظر الجامع.
محمد بن يحيى
المعمّر الصالح كمال الدين، ابن القاضي محيي الدين بن الزكي القرشي.
حدث عن ابن النحاس، ودرس بأماكن.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
محمد بن يعقوب
بن بدران
الإمام المسند المقرئ أبو عبد الله بن الجرايدي - بالجيم - الأنصاري الدمشقي ثم القاهري، نزيل بيت المقدس.
стр. 3136
أجاز له السخاوي، وسمع بمصر سنة أربع وأربعين، وبعدها من ابن الجميزي، وسبط السلفي، والمنذري، والرشيد العطار وتلا بالسبع مفردات على الكمال الضرير، وسمع منه الشاطبيّة، ومن ولد الشاطبي، وجود الخط، ودخل اليمن، وروى بأماكن.
روى عنه شيخنا البرزالي والواني، وشيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وجماعة.
واستوطن القدس ثماني سنين، وبه توفي سنة عشرين وسبع مئة.
ومولده بدمشق سنة تسع وثلاثين وست مئة.
محمد بن يعقوب بن زيد
الشيخ الإمام العالم شمس الدين أبو عبد الله البلفيائي الشافعي المحدث.
كان قد رافق شيخنا العلامة تقي الدين قاضي القضاة السبكي في سنة خمس وسبع مئة، وسمع معه على ابن الصواف، وسمع بالقاهرة، وما برح يسمع الى أن مات. وكان عدلاً فاضلاً ورعاً وديّناً.
توفي رحمه الله تعالى في ثاني عشري جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبع مئة ودفن بالقرافة، وكان الجمع متوفراً.
محمد بن يعقوب
الشيخ الإمام العالم الأديب بدر الدين، ابن النحوية، الأديب، نسبة الى النحو.
стр. 3137
كان أديباً لبيباً، فاضلاً أريباً، حمى سرح النحو بحماة، وشاد ركنه وحماه، له يد في النحو طولى، وذهن بلغ به من الغوامض سولا بما أصفه وهو ابن النحوية، والفرع فيه ما في الأصل، وزيادة مَحويّة، وتصانيفه تشهد له بالتقدم وتحكم بأن مجده آمنٌ من التهدّم.
ولم يزل على حاله الى أن أصبح لقىً بين يدي المنايا، وحكمت فيه الرزايا.
وتوفي رحمه الله تعالى.
اختصر الشيخ بدر الدين المصباح الذي لبدر الدين بن مالك في المعاني والبيان والبديع، وسماه ضوء المصباح وهذه تسمية حسنة.
قلت: وهذه التسميات تحتاج ذوقاً، كما اختصر ابن سناء الملك كتاب الحيوان للجاحظ، وسمّاه روح الحيوان، البرق السامي، وسمي سنا البرق، وصنف شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي كتاباً سماه النور في مسائل الدور واختصره فسماه قطف النور. واختصرت أنا ديوان السّراج وسميته لمع السّراج. وشرح الشيخ بدر الدين ضوء المصباح في مجلدين وسماه إسفار الصباح عن ضوء المصباح. وكتبته بخطي وفي البديع مثلٌ مثّل بها، وفيها نظر، وعندي في التسمية أيضاً نظر، وشرح أيضاً ألفية ابن معط شرحاً حسناً وسماه حرز الفوائد وقيد الأوابد.
أنشدني من لفظه الشيخ الإمام العلامة نجم الدين القفحازي قال: أنشدني من لفظه لنفسه شيخنا بدر الدين محمد بن النحوية ما كتبه ارتجالاً على
стр. 3138
قصيدة أحضرها بعض شعراء العصر يمدح فيها صاحب حماة:
لا ينشدَنْ هذا القريض متيم ... خوداً يحاذر من أليم صدودها
فتملّه وتصدّه وتظنه ... أن قدْ أغار على فريد عقودها
قلت: لا يقال: إلا حاذرت كذا، ولا يقال إلا صدّ عنه، اللهم إلا أن يكون حمل ذلك على المعنى، فيكون حاذرت بمعنى خفت، وتصدّه بمعنى تجفوه، وفي هذا ما فيه. وقد بلغني من قاضي القضاة جلال الدين القزويني أنه قال: اجتمعت ببدر الدين بن النحوية في العادلية وسألته عن قول أبي النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... عليّ ذنباً كلّه لم أصنع
في تقديم حرف السلب وتأخيره، فما أجاب بشيء، أو كما قال. وقد تكلم ابن النحوية في هذا البيت في إسفار الصباح كلاماً جيداً، والسبب في ذلك أنه ما يلزم كل من وضع مصنفاً أن يستحضر جميع مسائله متى طُلب ذلك منه، لأنه حالة التصنيف يراجع الكتب المدونة في ذلك الفن ويطالع الشروح فيحرر الكلام ذلك الوقت، ثم إنه يشذ عنه، وهذا الشيخ علاء الدين الباجي كان إماماً علامة في فنونه، وقد وضع كتاباً في الجبر والمقابلة، قال لي عماد الدين الدمياطي: سألته مسألة في الجبر والمقابلة فما أجاب.
قلت: وهذا لا ينقص من قدر الباجي.
стр. 3139
محمد بن يعقوب بن عبد الكريم
القاضي ناصر الدين بن الصاحب شرف الدين، كاتب السر الشريف بحلب ودمشق.
سألته عن مولده فقال: تقريباً في سنة سبع وسبع مئة بحلب.
كان من رجالات الدهر عزماً وحزماً، وسياسة ودُربة بالسعي وفهماً. ينال مقاصده ولو كانت عند النعائم، ويتناول الثريا قاعداً غير قائم، وكتب ما يصبح به طرسه، وكأنه حديقة، وينظم بسرعة لا يقف فيها قلمه يُخال البرق رفيقه.
باشر كتابة السر بحلب ودمشق مرتين، وخرج من كل منهما وهو قرير العين. وكان محظوظاً من النواب الذين يباشر بين أيديهم، وله عندهم الوجاهة التي لا تعدوه عند غضبهم وتعدّيهم، يشكرونه في المجالس، ويثنون عليه عند أرباب السيوف وأصحاب الطيالس ويقبلون شفاعته ما عسى أن تكون، ويثقون الى ما عنده من التأني والسكون:
فأمرهم رُدّ الى أمره ... وأمره ليس له ردّ
ومع هذا فكان ساكناً وادعاً، راداً على من اتصف بالشر رادعاً، أخلاقه تعلم النسمات حسن الهبوب، ويُغفر لها ما يعدّه الناس للدهر من الذنوب.
стр. 3140
ولم يزل على حاله الى أن اعتلّ، ورماه الموت بدائه وانسلّ.
وتوفي رحمه الله تعالى بكرة الأحد سادس ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبع مئة، ودفن بتربته بمقابر الصوفية، وكانت جنازته حافلة.
قال لي: قرأت القرآن على الشيخ تاج الدين الرومي، وعلى الشيخ ابراهيم القبج. وقرأ الحاجبية على ابن إمام المشهد، وقرأ مختصر ابن الحاجب، وحفظ التنبيه، وأذن له الشيخ كمال الدين محمد بن الزملكاني بالإفتاء، ودرّس في حلب بالنورية وغيرها، واشتغل على ابن خطيب جبرين قاضي حلب في الأصول، وقرأ في الهيئة على أمين الدين الأبهري، وكان يستحضر من كليّات القانون جملة، وعلى ذهنه من العلاج جملة وافرة، ويستحضر من قواعد المعاني والبيان مواضع جيدة.
وولي في حياة والده نظر الخاص المرتجع عن العربان، ثم نُقل الى كتابة الإنشاء بحلب. وكان الأمير سيف الدين أرغون نائب حلب يقرّبه ويحبه ويحضر عنده في الليل، ويقول له: يا فقيه، ودخل به الى توقيع الدست في حلب، وتولى تدريس المدرسة الأسدية بحلب سنة أربع وأربعين وسبع مئة، ثم إنه ولي كتابة السر بحلب عوضاً عن القاضي شهاب الدين بن القطب سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وتولى قضاء العسكر بحلب في أيام الأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير نائب حلب.
ولما توفي زين الدين محمد بن الخضر كاتب سرّ دمشق طلب الأمير سيف الدين
стр. 3141
يلبغا من السلطان أن يكون القاضي ناصر الدين عنده بدمشق كاتب سر، فرسم له بذلك، ووصل الى دمشق في رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فباشر كتابة سرّ دمشق وبيده تدريس الأسدية بحلب الى أن مات بدمشق، وبيده أيضاً قضاء عسكر حلب وهو بدمشق الى أن نزل عنه لمن بذل له شيئاً، ثم إنه تولى تدريس المدرسة الناصرية الجوّانية بدمشق، وتدريس المدرسة الشامية الجوانية ومشيخة الشيوخ.
وكان يزعم أنه سمع على سنقر مملوك ابن الأستاذ حضوراً في الرابعة، كذا قال لي من فمه، وعندي في ذلك شيء، فإن سنقر المذكور توفي سنة ثمان وسبع مئة، وناصر الدين فمولده على ما أخبرني في سنة سبع وسبع مئة، فهذا الحضور في الرابعة على سنقر لا يتصور.
وكان ينظم سريعاً، ويكتب خطّاً حسناً، وحصّل لأولاده الإقطاعات الجيدة من إمرة العشرة الى ما دونها، ولمماليكه ولألزامه، والرواتب الوافرة على الديوان، وعلى الجامع الأموي واقتنى من الكتب النفيسة المليحة جملةً وافرة، ومن الأصناف من القماش والجوهر واللؤلؤ وغير ذلك جملاً، واقتنى الأملاك الجيدة والبساتين المعظمة في دمشق وغالب بلادها، وفي حلب وغالب معاملاتها.
وكان رجلاً سعيداً محظوظاً الى الغاية، إلا أنه لم يكن فيه شرٌ، ولا تسرع يملك نفسه، ويكتم أذاه وغيظه ولا يواجه أحداً بسوء.
стр. 3142
ولما كان في سنة ستين وسبع مئة رسم له بكتابة سر حلب عوضاً عني، وجُعل القاضي أمين الدين بن القلانسي عوضاً عنه بدمشق، وحضرتُ أنا على وظائف ابن القلانسي، وذلك في أوائل سنة ستين.
ولم يزل بحلب الى أن حضر السلطان الملك المنصور محمد بن حاجّي الى دمشق في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي في سنة اثنتين وستين وسبع مئة، فولي القاضي ناصر الدين كتابة سر دمشق عوضاً عن القاضي أمين الدين بن القلانسي في ثاني عيد الأضحى، فباشر كتابة السر الى أن مات رحمه الله تعالى.
وباشرت معه كتابة الإنشاء بدمشق مدة ولايته الأولى وما فارقته فيها في سفر، ولا حضر، وبيني وبينه بداءات ومراجعات في عدة فنون، وكلها في أجزاء التذكرة التي لي، من ذلك ما كتبه إليّ وقد وقع مطر عظيم:
كأن البرق حين تراه ليلاً ... ظُبىً في الجوّ قد خُرطت بعنف
تخال الضوء منه نار جيشٍ ... أضاءت والرعود حسيس زحف
وكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
يحاكي البرق بشرك يوم جُود ... إذا أعطيت ألفاً بعد ألف
وصوت الرعد مثل حشا عدوّ ... يخاف سطاك في حيف وحتف
ثم كتب هو إليّ:
لئن أوسعت إحساناً وفضلاً ... وجُدتَ بنظم مدح فيك لائق
стр. 3143
فهذا الفضل أخجل صوب سحبٍ ... وهذا البشر أخجل بشر بارق
وكتب هو إليّ أيضاً:
وكأن القطر في ساجي الدجا ... لؤلؤ رصّع ثوباً أسودا
وإذا ما قارب الأرض غدا ... فضةً تشرق من بعده المدى
فكتبت أنا الجواب إليه:
ما مُطرنا الآن في المرج سدى ... ورأينا العذر في هذا بَدا
نظر الجوّ لما تَبْذلُه ... فهو يبكي بالغوادي حسدا
وكتب هو إليّ أيضاً:
طبّق الجوّ بالسحاب صباحاً ... ومُطرنا سحّاً مغيثاً وبيلا
نسخ الريّ كل قحط ويبس ... بغمام أهدى لنا سلسَبيلا
ارتشفنا منه الرضاب فخلنا ... عن يقين مزاجه زنجبيلا
فكتبت أنا الجواب إليه بديهاً:
جلتِ الأرضُ بعد قحط ويبسٍ ... من بكاء الغمام وجهاً جميلا
وتثنى القضيب فيها رطيباً ... وتمشّى النسيم فيها عليلا
هكذا كل بلدة أنت فيها ... يجعل الغيثُ في حماها مسيلا
وكتب هو إليّ بعد ذلك:
стр. 3144
أوضح الله للبيان سبيلا ... بك يا أقومَ المجيدين قيلا
إن تثنى القضيب في الروض عجباً ... وتبدى نضاره مستطيلا
فبأقلامك المباهاة فخراً ... كل غصن رطب وخداً صقيلا
ولئن زدْت في ثنائي فإني ... شاكر فضلك الجزيل طويلا
لم أنس بالمرج مرّ لنا ... به حللنا في غاية الشدّهْ
تقابل الرعدَ منه خيمتُنا ... بسورة الانشقاق والسجدهْ
وكتبت أنا إليه:
ما أنس لا أنس يوم المرج حين غدت ... أمطاره بدموع العين تمتزج
كم في الختام فتوق كالعيون غدت ... أجفان رفرفها بالريح تختلج
وكتبت إليه في السنة الثانية، ونحن بالمرج أصف حرّ الظهائر:
مرج دمشق عجب أمره ... في الطيب والكره غدا خارجا
كم نسج الحرّ به للندى ... وكان مرجاً فغدا مارجا
وكتب هو إليّ ملغزاً: أيها العالم الذي فاق علماء زمانه، وعلا قدراً في معانيه وبيانه، وقام بصلاحه عماد الأدب بعد هوانه: ما اسم شيء سداسي الحروف، ظرف للعشرات والألوف، لا تنفك علتاه الصورية والغائية عن عاطف ومعطوف، يمنع من القنص ويُتخذ كاتخاذ القفص،
стр. 3145
ولا يوصف جلده ببهق ولا برص، أعجمي المسمى، حرم دان لمن تأمله ورُزق حزماً، إن صُحّف نصفه كان من علل العروض، وأتى عقاباً ليعملة غير ركوض، وربما دخل تصحيفه في ألقاب الإعراب وأتى مشكوراً من ذوي السيادة والآداب، وإن اعتبر نصفه الثاني فهو مرادف قريب، واستُحب من الحبيب، وإن قُلب كان للرؤساء مكاناً، وربما أضيف الى قبيلة إذا أردت بياناً، فاكشف لنا أيها العالم عن معمّاه، فما برحت تكشف عن وجوه الإعجاز حجابها، وتكسف نور الشمس وترفع جلبابها، وتنزع عن المعميات بنور بصيرتك ثيابها.
فكتبت أنا الجواب إليه، وهو في حرمدان: يا فريداً جمع الله فيه فنون الآداب، ووحيداً علا عن الأشكال والأضراب، وخبراً بل بحراً زخرت بالعلوم أمواجه، وبل للإضراب. نزّهت بصري وبصيرتي في هذه الحدائق التي لاتزال العيون إليها محدّقة، ولا تبرح كواكبها في سماء بلاغة لا يسبح قمرها في الطريقة المحترقة، فرأيتك قد ألغزت في ظرف، حوى حُسن الشكل والظُرف، وفي الألف والنون والتركيب ولا يُمنع من الصرف، وسدساه الأولان ثلثا حرف وسدساه الآخران حرف يعبّر بألفاظه عن بابك المعمور للخائف، لأنه حرم قريب لا يوجد به حائف، حِرز لما يودع فيه، وهذا الوصف له من أجلّ الوظائف، ذو جلَد على الغربة، فبينا هو بالبلغار إذا هو بالطائف، ليس بعربي، وعهده بالعجم قد تقادم، وليس هو من بني آدم. وإذا قلبته وجدت به آدم، ولا يفوه بكلمة، ومتى عكس ثلثاه نادم، يتلون ألواناً، وما ضمّ جسده حسدا، ونصفه مرح إذا
стр. 3146
قُلب، وسدساه داء، وكله يرى ما بين جنبيه لا جفنيه رمدا، يماثل قول المحاجي الأديب، مأمن للخائف قريب. وله خواص أُخر عجيبة وصفات بعيدة إلا عن ذهنك الصافي فإنها قريبة.
هذا ما ظهر للمملوك منه، وكُشف له من الغطاء عنه. فإن وافق الصواب فهو بسعادتك وبركات خاطرك، يا شيخ الشيوخ ويُمن إرادتك، وإلا فالعذر ظاهر في القصور، وشرّ الطير يأوي الخراب وخيرها يأوي القصور. والله يمتّع الأنام بهذه الكلم اللؤلؤيات، ويمنع بفضله من تحدي لمعارضة هذه الآيات البيّنات، بمنه وكرمه.
محمد بن يوسف بن عبد الله
الحزري شمس الدين، يُعرف بابن الحشّاش، وبالخطيب.
قال شيخنا البرزالي: كان أبوه صيرفيّاً بالجزيرة.
وقال كمال الدين الأدفوي: كان ذا فنون، وكان محسناً الى الطلبة. قدمت من الصعيد في سنة ست وسبع مئة، فوجدته يدرّس بالمدرسة الشريفية، وتؤخذ عليه دروس كثيرة، فسألته أن يرتّب لي درساً، فاعتذر بضيق الوقت، ثم قال: ما لك شغل؟ فقلت: لا، فقال: تحضر بعد العصر، فإن اتفق أن تجدني اقرأ. ففعلت ذلك، فلم يخلُ يوماً من الخروج إليّ، فقرأت عليه قطعة من المنتخب في أصول الفقه، وخصّني بوقت مع كثرة أشغاله وانتصابه للإقراء الى نصف النهار.
стр. 3147
وكان حسن الصورة، مليح الشكل، حلو العبارة، عالماً بفنون من الفقه على مذهب الشافعي، والأصولين، والنحو، والمنطق، والأدب، مشاركاً في هندسة وغيرها من الرياضيات. قدم قوص مجرداً، فوجد بها الشيخ شمس الدين الأصبهاني حاكماً، فقرأ عليه فنونه، ثم إنه قدم مصر، واشتغل بها، وأعاد بالمدرسة الصاحبية، وأقام بالقاهرة، وولي تدريس الشريفية، وانتصب للإقراء، فقرأ عليه المسلمون واليهود وغيرهم. وكان يلقي دروساً، وتقرأ عليه طائفة، وصحب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وارتفعت منزلته عنده مدة، ثم إنه وقع بينه وبين الشيخ نصر المنبجي فحطّ عند بيبرس من قدره، وشهد عليه بعض طلبته. وكان خطيباً بالقلعة، فعُزل عنها، وتولى الخطابة بالجامع الطولوني مدة، ثم لما عاد السلطان الملك الناصر سنة تسع وسبع مئة مشى حاله.
وتولى المدرسة المعروفة بالمعز بمصر.
وله تصانيف منها شرح التحصيل في ثلاث مجلدات، وشرح منهاج البيضاوي في مجلدة لطيفة ليست بطائل، صنّفه في آخر عمره، واعتذر في خطبته بالكِبَر، وله أجوبة على أسئلة المحصول، وشرح ألفية ابن مالك.
وكان فيه مروة وكرم أخلاق على الإطلاق، يسعى في حوائج الناس بنفسه، ويبذل جاهه لمن يقصده، ويسعفه بأربه. وله ديوان خُطب وشعر كثير.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بمصر في سادس ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وقد جاوز الثمانين.
стр. 3148
ومن شعره:
لم أصْبُ للبرق من تيماء يأتلق ... إلا وللقلب من حُبّيكم عُلَقُ
يعتاض من حرّ أنفاسٍ تلهّبه ... ثم استقل ولي في طيّه حرَقُ
يا لامع البرق إما لُحت معترضاً ... لا تستقرّ كقلب هزّهُ القلق
إني أخال خفوقاً منك في عجَل ... يهدى وقلبيَ لا يهدا به الفرَق
ويا نسيم الصبا هل لَبْثة بربى ... نجدٍ على غفلة الواشين تتفق
وسل أُهيليه عن قلبي وما صنعوا ... به فإني بما ترويه لي أثق
وعُد إليّ بما ضُمّنت من خبر ... وفي دجا الليل من ظلمائه رمق
ومل إليّ دُوين القوم مستتراً ... كي لا ينمّ علينا نشرُك العبق
أبثكم أن لي من بعدكم كبداً ... أمست إليكم بنار الشوق تحترق
أهوى المنام لمسرى طيفكم كلفاً ... به عسى مقلتي بالطيف ترتمق
وهل يخوض الكرى جفناً تقسّمه ... كما يشاء الغرام الدمع والأرق
إن أحتكم أنا والأشواق نحوكم ... يشهد بدعواي جفن من دمي شَرِقُ
لا تسمعوا فيّ أقوال الوشاة ولا ... تُصغوا سماعاً بما قالوه واختلقوا
قالوا: نَبَتْه الليالي في تقلّبها ... عن حبكم، فتناساكم وما صدقوا
ومنه:
يعيذك من نار حوتها ضلوعه ... مشوق أحاديث البُعاد تروعه
بعدت فلما يعرف النوم جفنه ... ولم يدر هل كان السكون يريعه
وكيف يلذ العيش بعدك مَن غدا ... من العمر في محل وأنت ربيعه
стр. 3149
وها نَبْت فوديه يلوح مصوّحا ... ويبدو كمبيّض الهشيم فروعه
أقول وقد حمّلت بثّي إليكم ... نسيماً وظني أنه لا يضيعه
لعل النسيم الحاجريّ إذا قضى ... رسائله يُقضى إليّ رجوعه
ومستخبر عن حال قلبي وما الذي ... سرى منه لما بنت، قلت: جميعه
ويسألني عن ناظري ما الذي ترى ... تأخر عندي منه، قلت: دموعه
منها:
وإني متى ما ضم شملي وشملكم ... ويدعو بنا داعي الهوى لا أطيعه
فما كل حين لي دموع أريقها ... ولا كل وقت لي فؤاد تريعه
ومن شعره:
سل عن أحاديث أشواقي إذا خطرت ... رسلَ النسيم فقد أودعتها لُمعا
واستوضح البارق النجديّ عن نفسي ... بعد النوى فسيحكيه إذا لمعا
واستحك من طير غصن البان بث جوى ... أمليته فسيُمليه إذا سجعا
ومذ رمتنا النوى والله ما هدأت ... أشجان قلبي وطرفي قطّ ما هجعا
وليس يمسك من بعد النوى رمقي ... إلا أماني قلبي أن نعود معا
محمد بن يوسف
ابن الحافظ زكي الدين
محمد بن يوسف بن محمد
بن يدّاس - بالياء آخر الحروف والدال المهملة المشددة، وبعد الألف سين مهملة - الشيخ الإمام العالم المرتضى
стр. 3150
بهاء الدين أبو الفضل بن أبي الحجاج بن البرزالي الإشبيلي الأصل، الدمشقي، الشافعي.
أحضره والده على جماعة، منهم السخاوي، وابن الصلاح، وكريمة، وعتيق السلماني، والمخلص بن هلال، والتاج ابن أبي جعفر، ومحاسن الجوبري، والمرجّى ابن شقيرة.
ثم توفي والده شاباً، وخلّفه، وله خمسة أعوام، فربي في حجر جده الإمام علم الدين القاسم بن أحمد اللورقي، وقرأ عليه القرآن وشيئاً من النحو، وكتب الخط المنسوب، وبرع فيه، ونسخ جملة من الكتب، وأجاز له طائفة من شيوخ بغداد ومصر والشام.
وقرأ عليه ولده شيخنا علم الدين البرزالي شيئاً كثيراً، منها الكتب الستة بالإجازات وحدّث بمصر وبدمشق وبالحجاز، وبرع في كتابة الشروط وكتب الحكم للقضاة، ورزق حظوة مع التصوّن والديانة والتقوى والتعبّد.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
محمد بن يوسف بن يعقوب
ابن أبي طاهر الإربلي ثم الدمشقي الذهبي.
أجاز له أبو محمد بن البُنّ، وجماعة. وسمع من ابن المسلّم المازني، وأبي نصر بن عساكر، وابن الزبيدي، وابن اللتي، وابن مكرّم، والزكي البرزالي، وعدة. وخُرّجت له مشيخة، وذيّل عليها شيخنا الذهبي.
стр. 3151
وكان مكثراً. وسمع السنن الكبير للبيهقي سنة اثنتين وثلاثين على المرسي. وكان شيخاً عامياً.
سقط من السُلّم فمات لوقته في شهر رمضان سنة أربع وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وعشرين وست مئة.
وكان قد تفرّد بأشياء.
محمد بن يوسف
بن محمد
ابن المهتار المصري، العدل الجليل ناصر الدين أبو عبد الله بن الشيخ مجد الدين المصري ثم الدمشقي الشافعي.
سمع من ابن الصلاح، والمرجّى بن شقيرة، ومكي بن علان، وجماعة. وأجاز له ظافر بن شحم، وابن المقير. وتفرّد بأجزاء.
وكان نقيب قاضي القضاة إمام الدين القزويني.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سادس عشري ذي الحجة سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه الآداب والاعتقاد للبيهقي وعلوم الحديث والطوالات للتنوخي، وقطعة من الأجزاء. وحدّث بالزهد للإمام أحمد بكماله، وانفرد برواية علوم الحديث لابن الصلاح عن مصنّفه مدة سنين، وبقطعة كبيرة من سنن البيهقي وبالطوالات للتنوخي.
стр. 3152
وأجاز له من دمشق السخاوي، وشيخ الشيوخ ابن حمويه، وابراهيم بن الخشوعي، وعبد الحق بن خلف وجماعة من الديار المصرية فخر القضاة ابن الحباب، وظافر بن شحم، وسبط السلفي، وابن رواج، وعلي بن زيد التسارسي، وعلم الدين بن الصابوني، وابن الجمّيزي، والسراج محمد بن يحيى بن ياقوت، وهبة الله بن محمد المقدسي، وهم من أصحاب السلفي.
محمد بن يوسف ... محيي الدين المقدسي المصري النحوي ...
محمد بن يوسف بن عبد الغني
ابن تُرشَك - بالتاء ثالثة الحروف والراء والشين المعجمة وبعدها كاف - الشيخ تاج الدين المقرئ الصوفي البغدادي.
حفظ القرآن العظيم في صباه بالروايات، وأقرأه، وسمع الكثير من ابن حصين. وإجازاته عالية. وروى وحدّث، وسمع منه خلق ببغداد وبدمشق وبغيرها من البلاد.
وكان ذا سمت حسن، وخُلق طاهر، ونفس عفيفة رضيّة، وصوت مطرب الى الغاية. وقدم دمشق مراراً، وحدث، وحجّ غير مرة، ثم عاد الى بلده، وأضرّ بآخرة.
стр. 3153
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمسين وسبع مئة.
ومولده ببغداد في شهر رجب الفرد سنة ثمان وستين وست مئة.
محمد بن يوسف بن علي
ابن يوسف بن حيان، الشيخ الإمام العالم العلامة الفريد الكامل، حجة العرب، مالك أزمّة الأدب، أثير الدين أبو حيان الأندلسي الجبّائي الجيّاني، بالجيم والياء آخر الحروف مشددة، وبعد الألف نون.
كان أمير المؤمنين في النحو، والشمس السافرة شتاءً في يوم الصحو، والمتصرّف في هذا العلم، فإليه الإثبات والمحو، لو عاصر أئمة البصرة لبَصرهم، وأهل الكوفة لكفَّ عنهم اتّباعهم الشواذ وحذّرهم، نزل منه كتاب سيبويه في وطنه بعد أن كان طريداً، وأصبح به التسهيل بعد تعقيده مفيداً، وجعل سرحة شرحه وجْنة راقت النواظر توريدا. ملأ الزمان تصانيف، وأمال عُنق الأيام بالتواليف. تخرّج به أئمة هذا الفن، وروّق لهم في عصره منه سُلافة الدن، فلو رآه يونس بن حبيب لكان بغيضا غير محبّب، أو عيسى بن عمر لأصبح من تقعيره وهو محدّب، أو الخليل لكان بعينه قذاه، أو سيبويه لما تردّى من مسألته الزنبوريّة برداه، أو الكسائي لأعراه
стр. 3154
حُلّة جاهه عند الرشيد وأناسه، أو الفرّاء لفرّ منه ولم يقتسم ولد المأمون تقديم مداسه، أو الزيدي لأظهر نقصه من مكامنه، أو الأخفض لأخفى جملة من محاسنه، أو أبو عبيدة لما تركه ينصبّ لشعب الشعوبية، أو أبو عمرو لشغله بتحقيق اسمه دون التعلّق بعربية، أو السكّري لما راق كلامه في المعاني ولا حلا، أو المازني لما زانه قوله:
إن مصابكم رجلا
أو قطرب لما دبّ في العربية ولا درج، أو ثعلب لاستكنّ بمكره في وكره وما خرج، أو المبرّد لأصبحت قواه مفتّرة، أو الزجاج لأمست قواريره مكسّرة، أو ابن الوزان لعدم نقده، أو الثمانيني لما تجاوز حدّه، أو ابن بابشاذ لعلم أن قياسه ما اطّرد، أو ابن دريد ما بلع ريقه ولا ازدرد، أو ابن قتيبة لأضاع رَحْله، أو ابن السراج لمشّاه إذا رأى وحله، أو ابن الخشاب لأضرم فيه ناراً ولم يجد معها
стр. 3155
نورا، أو ابن الخباز لما سجر له تنورا، أو ابن القواس لما أغرق في نزعه، أو ابن يعيش لأوقعه في نزعة، أو ابن خروف لما وجد له مرعى، أو ابن إياز لما وجد لإوازّه وقعا، أو ابن الطراوة لم يكن نحوه طريّا، أو الدبّاج لكان من حلّته الرائقة عريّا.
وعلى الجملة فكان إمام النحاة في عصره شرقاً وغرباً، وفريدَ هذا الفن الفذّ بُعداً وقرباً، وفيه قلت:
سلطان علم النحو أستاذنا ... الشيخ أثير الدين حبرُ الأنام
فلا تقل زيد وعمرو فما ... في النحو معه لسواه كلام
خدم هذا العلم مدة تقارب الثمانين، وسلك من غرائبه وغوامضه طُرقاً متشعبة الأفنانين.
ولم يزل على حاله الى أن دخل في خبر كان، وتبدّلت حركاته بالإسكان.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بمنزله خارج باب البحر بالقاهرة، في يوم السبت بعد العصر، الثامن والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبع مئة، ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وصُلّي عليه بالجامع الأموي بدمشق صلاة الغائب في شهر ربيع الآخر.
следующие страницы →