← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

يستقل بالأيادي الجزيلة ويستقر، والله يزيده فضلاً من عنده ويوفقه الى ما يرشده الى مظان سعده، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى. محمد بن محمود ابن شمس الدين بن الكويك، التاجر التكريتي. أقام بدمشق مدة طويلة، ورحل وأقام بالإسكندرية، وصار من تجار الكارم، وكانت له في الإسكندرية صورة مشهورة ومعروف وبرّ. توفي رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة وسبع مئة. محمد بن محمود بن محمد ابن بندار، الشيخ بدر الدين التبريزي الشافعي. كان رجلاً مباركاً معروفاً بالصلاح، ولي القضاء في أماكن متعددة، منها القدس وبعلبك، ثم إنه نُقل من القدس الى بلد الخليل ﵇ خطيباً، فأقام أشهراً يسيرة. ومات رحمه الله تعالى في عاشر شوال سنة خمس وعشرين وسبع مئة. محمد بن محمود بن ناصر ابن ابراهيم، الشيخ الفقيه المقرئ المجوّد شمس الدين ابن الشيخ نجم الدين الزّرعي الدمشقي المعروف بابن البصال.

стр. 3082

كان مُقرئاً جيداً عارفاً بالقراءات، حسن الصوت، مليح الأداء، أمّ بدار الحديث الأشرفية مدة، وكان الناس يقصدون الصلاة خلفه في التراويح فيمتلئ المكان ويزدحم. وكان صيّناً ديّناً متواضعاً ظاهر الخير، وتصدّر للإقراء مدة. وتوفي رحمه الله تعالى في سادس ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة وقد تجاوز الأربعين من عمره. محمد بن محمود بن سلمان ابن فهد، القاضي شمس الدين صاحب ديوان الإنشاء بدمشق، وابن شيخنا العلامة شهاب الدين محمود صاحب ديوان الإنشاء بدمشق. كان ساكناً وادعاً، رادّاً عن الظلم رادعاً، ليس من الشر في شيء وإن هان، ولا عنده كبرٌ ولا له في الملق وجهان. وكان خطه كالقلائد على اللباب، والأزهار إذا كان للنسيم فيها هبات. جمع من إنشاء والده مجاميع، وعلّق أشياء مطابيع: كأنها من حسنها روضةٌ ... تسرح فيها مُقلةُ الناظر ولم يزل على حاله الى أن صرعته المنايا، وصدعت شمل حياته الرزايا. وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شوال سنة سبع وعشرين وسبع مئة.

стр. 3083

ومولده ثامن شوال سنة تسع وستين وست مئة. وكان يكتب خطاً نقشاً نغشاً مليحاً الى الغاية، وكان كثير التواضع لم يغيره المنصب، وكان الأمير سيف الذي يحبه ويعزه ويكره، ولما جاء والده رحمه الله تعالى الى دمشق صاحب ديوان الإنشاء كان هو حول والده يكتب المطالعة، هو والقاضي شرف الدين أبو بكر ولده، وقد تقدم ذكره، وكان إذا سافر الأمير سيف الدين تنكز الى الصيود يسافر القاضي شمس الدين معه، وتوجه معه الى الحجاز لعجز الشيخ شهاب الدين والده عن حركة السفر. ولما توفي والده ﵀ في شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة كتب فيه تنكز الى السلطان فولاه صحابة ديوان الإنشاء بدمشق على عادة والده، ووصل توقيعه ... ولم يزل على حاله الى أن توفي في التاريخ المذكور، فما طالت المدة. ولما مات رحمه الله تعالى رثاه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة بقصيدة أولها: أطلق دموعك إن القلب معذورُ ... وإنه بيد الأحزان مأسورُ وخلّ عينيك يهمي من مدامعها ... درٌ على كاتب الإنشاء منشورُ يسوءني ويسوء الناس أجمع يا ... بيت البلاغة أن البيت مكسور في كل يوم برغمي من منازلكم ... ينأى ويذهب محمود ومشكور خبا الشهاب فقلنا الشمس فاعترضت ... أيدي الردى فزمان الأنس ديجور آهاً لمنظر شمسٍ لا يُذمّ لها ... بالسعي في فلك العلياء تسيير

стр. 3084

منها: لهفي عليه لأخلاق مهذبة ... سعى الثناء بها والأجر مبرور تواضعٌ لاسمه منه ازدياد عُلا ... وفي التكبّر للأسماء تصغير وهمّة بين خُدّام العلا نشأت ... فاللفظ والعرض ريحان وكافور لا عيب فيه سوى فكر عوائده ... للحمد رقّ وللألفاظ تحرير حتى إذا لاح مرفوع مدائده ... وراح ذيلُ علاه وهو مجرور تخيّرته أكفُّ الموت عارفةً ... بنقده وتنقّته المقادير منها: والمرء في الأصل فخّار ولا عجب ... أن راح وهو بكف الدهر مكسور جادت ضريحك شمس الدين سارية ... يمسي صداك لديها وهو مسرور محمد بن محمود بن معبد الأمير بدر الدين، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، وهو أخو الأمير علاء الدين، وقد تقدم ذكره في حرف العين، وأصلهما من بعلبك. أخذ الأمير بدر الدين هذا العشرة، ثم الطبلخاناه، وكان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى قد تغير عليه لما تغير على ناصر الدين دواداره، ثم رضي عنه بعد ذلك وولاه الصفقة القبلية، وكانت له نعمة طائلة، وأملاك وسعادة. وكان يحبّ الفضلاء ويكرمهم، وعلى ذهنه تواريخ الناس ووقائعهم، وعنده

стр. 3085

مجلدات في الأدب وغيره، ولم يكن يقدر أحد يحجّه ولا يخصمه إذا سارعه أو حاكمه، وكان شكلاً طويلاً بطيناً دون أخيه علاء الدين. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، ودفن الى جانب بيته داخل دمشق. محمد بن مختار الفقيه الفاضل شرف الدين الحنفي. كان جيد الذهن، يعرف الهندسة جيداً، وله يد طولى في الهيئة والحساب، وكان في الأصل صائغاً، فتسلط بالصياغة على معرفة كتاب الحيل لبني موسى وكان يصنع بيده أشياء غريبة ويقدّمها للأمير سيف الدين قجليس الناصري، فراج عنده بذلك، وأخذ له فقاهات في المدارس الحنفية. وكانت له يد في المنطق، وكان يجب الأدب، ولم يكن له فيه يد بل ولا ذوق. اجتمعت به بقلعة الجبل غير مرة وجرت بيني وبينه مباحث أصولية، وكان يميل الى رأي الفلاسفة، وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أحمد العسجدي أبياتاً أنشد فيها، منها أولها: ليس ابنُ مختار في كفر بمختار ... وإنما كُفره تقليدُ كفّار

стр. 3086

محمد بن مسعود ابن أيوب بن التوزي، بالتاء ثالثة الحروف وبعد الواو زاي، القاضي بدر الدين الحلبي، محدث حمص. طلب الحديث واجتهد، وخرّج لنفسه أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً. توفي رحمه الله تعالى حادي عشري شهر رمضان سنة خمس وسبع مئة. ومولده بقلعة حلب سنة ثلاث وثلاثين وست مئة. قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت الأربعين التي له عليه، وكتبها لي بخطه، وروى لنا عن عبد الله بن النحاس، والصدر البكري، وخطيب مردا، وابراهيم بن خليل، وضياء الدين صقر، والكفرطابي وجماعة. محمد بن مسعود، صلاح الدين اجتمعت به غير مرة بالقاهرة وبقلة الجبل، وأنشدني كثيراً من شعره، ومما أنشدنيه من لفظه لنفسه في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة: صرفُ الزبيبي لصرف همّي ... نص على نفعه طبيبي آهٍ على سكرةٍ لعلي ... أن أخلط الهمَّ بالزبيبي

стр. 3087

محمد بن مسعود بن أوحد بن الخطير الأمير ناصر الدين بن الأمير بدر الدين، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، وسيأتي ذكر والده. كان فيه شمم، وبه عن الخنا صمم، يأخذ نفسه بعظمةٍ زائدة، ويرى أنها على أبناء نوعها سائدة، لا يُذعن لأحد، ولا يذل لكبير اعترف له بالفضل أو جحد. تمتد آماله ولا تقف عند غاية، ويحدّث نفسه بأمور ما لها نهاية. يتجمل في ملبوسه ومركوبه ومسكنه، ويجعل النظافة والصلف من دأبه وديدنه. طويل الروح في المخاصمة لا يرجع عمّن حاوره ولو حزّ غلاصمه، يركب في خدم وحشم وحفدة، ويجمّل الموكب الذي أمّه وقصده. ولم يزل راقياً في أوج شبابه، صاعداً في معارج عيشه الذي انتهى الى انتهابه، الى أن اخترق حمامُه، وانهدّ بالموت يذبله وشمامه. وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة الجمعة سادس عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وسبع مئة. ومولده بدمشق في سنة ست وعشرين وسبع مئة. مات والده رحمه الله تعالى وهو أمير عشرة فلم يزل يسعى ويبذل الى أن أخذ إمرة الطبلخاناة بعد توجهه الى مصر، وأخذ لأولاده إقطاعات جياداً في حلقة دمشق، وكان سعيد الحركات مجتهداً في تحصيل الأملاك وغيرها، ويغالي في الخيول والملبوس

стр. 3088

وفي رخت الإمرة، ويركب وينزل في جماعة من مماليكه وجنده وأولاده، وكان يمنّي نفسه ويعدها أموراً عالية من الولايات والمناصب، ولو عاش وأمهله الدهر لنال ما يطلب لحُسن تأتيه وجميل سلوكه. وكان والده رحمه الله تعالى يثق بعقله ويركن إليه دون إخوته، وكان قد رغب الى الأمير سيف الدين تمر المهمندار وخطب منه قطلو ملك ابنة الأمير شرف الدين موسى ابن الأمير علاء الدين علي ابن الأمير سيف الدين منكوتمر، وكتبت أنا الصداق له من رأس القلم وهو: الحمد لله الذي أيّد هذا الدين بناصره، وشيد قواعده بشدّ أواخيه وإحكام أواصره، وخصّه بكرم أبوّته وطيب عناصره. نحمده على نعمه التي منها الهداية الى اتباع السنة، والعناية بما يؤديه الى سلوك الطرق التي توصل الى الجنة، والرعاية لأعمال تكون النفس بها يوم الفزع الأكبر مطمئنة. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تخفف بين سرادق العرش أعلامها، وتُشرق في الحنادس المظلمة أقمارها، وقد كمل نورها وتمامها، وتورق غصون الإيمان بأدلتها إذا انشقت عن زهرات اليقين أكمامها. ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي حضّ على النكاح، وحث على تجنّب

стр. 3089

السفاح وحصّ قوادم الباطل، وراش جناح النجاح، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حافظوا على اقتفاء آثاره، وبلغوا الأمة ما وصل إليهم من سُننه وأخباره، وكاثروا النجوم الزاهرة بمهاجريه وأنصاره، صلاة لا تُحط البوارق من رضوانها لثاماً، ولا تشق السوابق من غفرانها غماماً ما عُقد نكاح، وفُقد سفاح، وسلم تسليماً كثيراً الى يوم الدين وبعد: فإن النكاح من مزايا هذه الأمة ومحاسنها التي تجلو بأنوارها الحنادس المدلهمّة، والسنة بذلك طافحة، وفي كل مكان منها نافجة نافحة، فمن ذلك ما هو في بيانه ووضوحه كالعلم، وهو قوله ﵇ " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم ". وكان المقر الكريم العالي المولوي الأميري الناصري محمد بن الأمير المرحوم بدر الدين مسعود بن الخطير ممن طاب فرعاً وأصلاً، وحوى الفضلين حكماً وفصلاً، وحاز المنقبتين قلماً ونصلاً، وتفرّد بالمحاسن التي فضلها للعيان مشهود، وروضها بغمام الكمال مجود، وحوضها لك ناهل مورود، وحديثها في الناس مشهور، وما أصدق من روى حديث ابن مسعود، ومحله في السيادة أثيل وأثير، وباع رمحه في البأس طويل ولسان السيف من غيره قصير ومناقب بيته فعمدة كل خطيب وصفُ بني الخطير: من النفر الغرّ في قومهم ... فطالوا أصولاً وطابوا جدودا

стр. 3090

أناروا الليالي وهزّوا العوالي ... وشادوا المعالي وزانوا الوجودا لفضل الخطير انتهى مجدُهم ... فلا زال في كل عصر جديدا إذا غاب بدر بدا كوكب ... منازلهُ تستديم السعودا وناصرهم فضلُه بيّن ... فما تلتقي لعلاه حسودا فيا هل عناه الذي قال في ... سواه فعن وصفه لن يحيدا أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يحيدا فلذلك تمسك بالسبب المتين من السنة، وآثر الاتصال بمن حجابها بيض السيوف وحجّابها زُرق الأسنة، ورغب الى المقر الشريف العالي المولوي الأميري السيفي تمر أمير مهمندار: غدا في الزمان كبير الأنا ... م بتدبيره تستقيم الدول بعقلٍ رصين ودين متين ... وفضل مبين وجود كمل وما نظرت مقلة مثله ... على من مضى في الملوك الأُول إذا أشكل الأمر في حاله ... أبان الهدى للورى فانفصل وخطب الجهة المصونة الخاتون قطلوملك ابنة الأمير المرحوم شرف الدين موسى لأنها في كفاية كنفه، وظل حجره وتصرفه، ومهاد بره وتلطفه، وعناية إقباله عليها وتعرفه:

стр. 3091

لا يبعث النجم طرفاً نحو مطرفها ... وكيف يلحظ طرفاً بالعفاف عمر ولا تجوز الصبا من دون مضربها ... ولا تمر عليها وهي عند تمر محمد بن مسكين الإمام عز الدين القرشي الزهري. توفي في جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة بالمصاحبة بمصر ودفن بالقرافة. وكان من أعيان الفقهاء، متزهداً مدرّساً بالمدرسة المجاورة لقبر الشافعي ﵁. ووليها بعده القاضي مجد الدين حرمي، وكان الشيخ عز الدين بن مسكين قد عين لقضاء الشام فما اختار فراق الوطن. وروى عن الرشيد العطار. محمد بن مسلم بتشديد اللام، ابن مالك بن مزروع الزيني ثم الدمشقي الصالحي، الشيخ الإمام العالم، بركة الإسلام، قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله الحنبلي. سمع الكثير وله حضور على ابن عبد الدايم، وسمع من الشيخ شمس الدين وطبقته، وخرّج له ابن الفخر مشيخةً في مجلدة، وسمعها منه خلق، وخرّج له ابن سعد الأربعين المتباينة الأسانيد، وخرّج له المزّي تساعيّات، وخرج له الذهبي جزءاً، وأجاز له من مصر جماعة من أصحاب البوصيري. كان من قضاة العدل في أحكامه، ومن أئمة الهدى في نقضه وإبرامه، مطّرح

стр. 3092

التكلّف في أحواله، متوخي الصدق والحق في أقواله، عمّر الأوقاف وضبطها، وحاسب العمال وأمسك القواعد وربطها، وحرّر الإسجالات، وتوقف في العدالات، ولازم الورع والتحري، ومنع الظلمة من التعدي والتجري، وباشر أمور الحكم بقوة وصلابة في الدين، وكف يد الظلمة والمعتدين، فهو كما قال أبو الطيب: قاضٍ إذا اشتبه الأمران عنّ له ... رأي يفرق بين الماء واللبن القائل الصدق فيه ما يضرّ به ... والواحد الحالتين السرّ والعلن ولم يزل على حاله الى أن حج، وقبض عليه بالمدينة الشريفة، ونقل الى الدار الآخرة والملائكة به مطيفة. وتوفي رحمه الله تعالى في الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة ست وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة في صفر. توفي والده وكان ملاحاً في سوق الخيل، وله ست سنين، وحفظ القرآن، وتعلم الخياطة، واشتغل، وتفقّه، وبرع في الفقه والعربية، وتصدر لإقرائهما وتخرج به فضلاء. ولم يطلب تدريساً ولا فُتيا، ولا زاحم على الدنيا. وسمع شيخنا الذهبي بقراءته الأجزاء، وكان ربما يكتب الأسماء والطباق ويذاكر، وبقي مدة على الخزانة الضيائية. ولما توفي قاضي القضاة تقي الدين سليمان عين للقضاء، وأثني عليه عند السلطان بالعلم والنسك والسكينة، فولاه القضاء، فتوقف، وطلع إليه

стр. 3093

الشيخ تقي الدين بن تيمية الى بيته، وقوّى عزمه، ولامه، فأجاب بشرط أن لا يركب بغلة، ولا يأتي موكباً، فأجيب، وكانت قراءة تقليده، سادس عشر صفر سنة ست عشرة وسبع مئة. وكان ينزل من الصالحية الى الجوزية ماشياً، وربما ركب حمار مكار، وكان مئزره سجادته، ودواة الحكم زجاجة، واتخذ فرجية مقتصدة من صوف، وكبّر العمامة قليلاً، ونهض بأعباء الحكم بعلم وقوة، وعمّر الأوقاف، وحاسب العمال، وحكم إحدى عشرة سنة، وشهد له أهل العلم والدين أنه من قضاة العدل. وحجّ مرات، وانتصر لابن تيمية، فحصل له أذى، فتألم وكظم، وسار للحج بنيّة المجاورة فمرض من العلا، ولما وصل المدينة تحامل حتى وقف مسلّماً على النبي ﷺ ، ثم أدخل الى منزل، فلما كان في السحر توفي رحمه الله تعالى ودفن بالبقيع. محمد بن مصطفى بن زكريا ابن خواجا بن حسن، فخر الدين التركي الصُلغري، بالصاد المهملة واللام الساكنة والغين المعجمة، وبعدها راء، الدوركي، بالدال المهملة والواو الساكنة والراء والكاف، وصُلْغر: فخذٌ من الترك، ودورك: بلد من الروم. كان شيخاً فاضلاً في الأدب، وممن ينسل إليه من كل حدب، فقيهاً في مذهب أبي حنيفة، نبيهاً وهمته في الرتب منيفة، نظم القدوري في الفقه نظماً جيداً وضبط فروعه مقيداً، ونظم قصيدة في النحو استوعب فيها أكثر الحاجبية سرداً، وأتى فيها بأحكام كثيرة، طرّزها للنحو حلة وبرداً.

стр. 3094

وكان خطه يخجل العقود المنظمة والرياض التي برودها بالأزهار مسهّمة، يتلو القرآن غالب وقته، وله فيه نغمة طيبة أشهى من سجع الحمام في روض أينع في نبته، مع تواضع زانه وقوّم ميزانه. ولم يزل على حاله الى أن أضر، ولازم لحين أجله وأصر. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. ومولده بدورك سنة إحدى وثلاثين وست مئة. أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: أخذنا عنه لسان الترك ولسان الفرس، وكان عالماً باللسانين يعرفهما إفراداً وتركيباً، أعانه على ذلك مشاركته في العربية. وله قصائد كثيرة منها قصيدة في قواعد لسان الترك، ونظم كثيرة في غير فن، وأنشدني كثيراً منها. ودرّس بالحسامية الفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان قد تولى الحسبة بغزة قديماً، وقد أدّب بقلعة الجبل بعض أولاد الملوك. قلت: هو السلطان الملك الناصر محمد، قال: وعمي في آخر عمره. وأنشدني من قصيدة مدح بها النبي ﷺ : قيل اتخذ مدح النبي محمد ... فينا شعارك إن شعرك ريّقُ وعلى بنانك لليراعة بهجةٌ ... وعلى بيانك للبراعة رونق يا قطب دائرة الوجود بأسره ... لولاك لم يكن الوجود المطلق مذ كنت أوله وكنت أخيره ... في الخافقين لواء مجدك يخفق كل الوجود الى جمالك شاخص ... فإذا اجتلاك فعن جلال يطرق

стр. 3095

كنت النبيّ وآدمٌ في طينه ... ما كان يعلم أي خلق يخلقُ فأتيت واسطعة لعقد نبوّة ... منها أنار عقيقها والأبرق محمد بن مظفر بن عبد الغني الشيخ الفقيه محيي الدين القصاع. كان ممن حصّل وقرأ القراءات والفقه والأصول، وتميز. وسمع كثيراً من ابن جعوان وغيره. وتوفي بطرابلس رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وست مئة. محمد بن معالي بن فضل الله ابن معالي بن بركات بن محمد بن أبي نصر بن الملاق، الشيخ زين الدين أبو عبد الله بن الملاق، بتشديد اللام، الرّقي. كان مباشراً في ديوان السكر أقام بدمشق أربعين سنة، وولي أبوه الوزارة والقضاء بالرقة. وجدهم أبو نصر بن الملاق، نقله المعتصم من بغداد الى الرقة وولاه الخطابة بها. قال شيخنا البرزالي: قرأت عليه جزء البانياسي بالإجازة عن جماعة من البغداديين منهم الشيخ شهاب الدين السهروردي، وعبد السلام الداهوي، وعلي بن الجوزي، وعبد اللطيف بن الطبري، وإسماعيل بن باتكين.

стр. 3096

وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وست مئة بعد رحيل التتار عن دمشق. ومولده بالرقة في شعبان سنة اثنتين وعشرين وست مئة. محمد بن المفضل ابن فضل الله، الرئيس الصدر الكبير، الديّن، محيي الدين المصري الكاتب. كان صدراً في المجالس، وبدراً في الحنادس، نبيهاً نبيلاً، وجيهاً جليلاً، ديّناً خيّراً مهيباً، صيّناً وقوراً أريباً، يلازم الصلوات الخمس في الجامع الأموي، لا يخلّ بذلك ولو حال بينه وبين الجامع سنا الأسنة في عِثير السنابك. ولم يزل على حاله الى أن توفّى الله المُحيي فمات، ونزل به من عِداه الشمات. وتوفي رحمه الله تعالى في رابع عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة، ودفن في تربة بني هلال بالصالحية وعمره ستة وأربعون سنة. كان أولاً يعرف بكاتب قبجق، وكان صاحب ديوان الأمير سيف الدين تنكز، ومن جملة كتاب الإنشاء بدمشق، ومستوفي الأوقاف، ولم يكن عنده مخدومه في أبناء جنسه له نظير، محله عنده عظيم الى الغاية. وكان يحب الصالحين والفقراء وبودهم ويبرهم، وسار في دمشق سيرة جميلة حميدة، وكان مغرى بتحصيل المصاحف، فيقال إنه وجد في تركته أربع مئة مصحف. وهو عم القاضي علم الدين بن قطب الدين ناظر جيش الشام، وهو الذي خرجه ودرّبه.

стр. 3097

محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج أقضى القضاة، الإمام العالم شمس الدين القاقوني، نسبة الى قاقون الساحل، الحنبلي نائب قاضي القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي وزوج ابنته. كان قد برع في الفروع ونال الغاية فيها من الشروع، ومهد في الأحكام وبهر في الأحكام، يستحضر فروعاً كثيرة من مذهبه كلها غرائب، ويرسل منها في أغراضه سهاماً صوائب. ولم يزل على حاله الى أن خاب الأمل في ابن مفلح، وانقطع الرجاء فيه من المفسد والمصلح، وكانت له جنازة حافلة، وساعة بالتعجب كافلة، وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس ثاني شهر رجب الفرد سنة ثلاث وستين وسبع مئة. ومولده تقريباً بعد عشر وسبع مئة. محمد بن مكرَّم بتشديد الراء، ابن علي بن أحمد الأنصاري الرويفعي الأفريقي، ثم المصري، القاضي الفاضل جمال الدين أبو الفضل، من ولَدِ رُويفع بن ثابت الصحابي ﵁.

стр. 3098

سمع من يوسف بن المخيلي، وعبد الرحيم بن الطفيل، ومرتضى بن حاتم، وابن المقيّر، وطائفة. وتفرد وعُمّر وكبر وأكثروا عنه، وكان فاضلاً وعنده تشيّع بلا رفض. خدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة، وأتى في عمله بما يخجل النجوم الزاهرة، وله شعر غاص على معانيه وأبهج به نفسَ من يعانيه. وكان قادراً على الكتابة لا يمل من مواصلتها، ولا يولّي عن مناصلتها. لا أعرف في الأدب وغيره كتاباً مطولاً إلا وقد اختصره، وزوّق عنقوده، واعتصره، تفرد بهذه الخاصة البديعة، وكانت همته بذلك في بُرْد الزمان وشيعه. ولم يزل على حاله الى أن خبا من عمره مصباحه ونُسخ بدجا الموت من الحياة صباحه. وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ومولده في أول سنة ثلاثين وست مئة. وكان قد ولي نظر طرابلس، وهو والد القاضي قطب الدين بن المكرم، وقد تقدم ذكره. وكتب عنه شيخنا الذهبي. وأخبرني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: ولد المذكور يوم الإثنين

стр. 3099

الثاني والعشرين من المحرم من السنة المذكورة، وهو كاتب الإنشاء الشريف، واختصر كتباً، وكان كثير النسخ، ذا خط حسن، وله أدب ونظم ونثر، قال: وأنشدني لنفسه سادس ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وست مئة: ضع كتابي إذا أتاك الى الأر ... ض وقلّبه في يديك لماما فعلى ختمه وفي جانبيه ... قُبلٌ قد وضعتهن تؤاما كان قصدي بها مباشرة الأر ... ض وكفيك بالتثامي إذا ما قال: وأنشدني المذكور لأبيه: الناس قد أثموا فينا بظنهم ... وصدّقوا بالذي أدري وتدرينا ماذا يضرّك في تصديق قولهم ... بأن نحقّق ما فينا يظنونا حملي وحملك ذنباً واحداً ثقةً ... بالعفو أجملُ من إثم الورى فينا وبه الى المكرم: توهّم فينا الناس أمراً وصمّمت ... على ذاك منهم أنفسٌ وقلوبُ وظنوا وبعضُ الظن إثم وكلهم ... لأقواله فينا عليه رقيب تعالي نحقق ظنهم لنريحهم ... من الإثم فينا مرة ونتوب قلت: هذا معنى مطروق للقدماء. ومنه قول الأول:

стр. 3100

قم بنا تفديك نفسي ... نجعل الشك يقينا فإلى كم يا حبيب ... يأثم القائل فينا وأخذ هذا من قول القائل: ما أنس لا أنس قولها بمنى ... ويحَك إن الوشاةَ قد علموا ونمّ واش بنا فقلت لها ... هل لك يا هند في الذي زعموا قالت لماذا تُرى فقلت لها ... كي لا تضيع الظنون والتهمُ وقلت: أنا كأني قد حضرتهما وسمعت خطابهما: هذا محب وما يخلّصه ... في دينه أن وشاتُه أثموا فواصليه واصغي لمغلطةٍ ... يقبلها من طباعُهُ الكرمُ يا ويح وصلٍ أتى بمغلطة ... إن كنت لم ترع عندك الذممُ ولكن المكرّم في معناه زيادة على من تقدمه، وقوله: ثقة بالعفو من أحسن متممات البلاغة. وأنشدني شيخنا أثير الدين قال: أنشدنا فتح الدين أبو عبد الله البكري، قال: أنشدنا ابن المكرم لنفسه: بالله إن جُزت بوادي الأراك ... وقبّلَتْ عيدانُه الخضرُ فاك ابعث الى المملوك من بعضها ... فإنني والله ما لي سواك

стр. 3101

وأنشدت له: وفاتر الطرف ممشوق القوام له ... فعل الأسنة والهندية القضبِ في حُسنه الفرد أوصاف مركبة ... الخَلقُ للترك والأخلاق للعرب قلت: ما أعرف في كتب الأدب شيئاً من المطوّلات إلا وقد اختصره جمال الدين بن المكرم رحمه الله تعالى، فمما اختصره: كتاب الأغاني ورتبه على حروف المعجم، وكتاب الحيوان للجاحظ فيما أظن، واليتيمة للثعالبي، والذخيرة لابن بسام، ونشوان المحاضرة، ومفردات ابن البيطار، واختصر تاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، وذيل ابن النجار عليه، واختصر كتاب التيفاشي وسماه سرور النفس في عشرة كبار، وجمع بين كتاب صحاح الجوهري والمحكم لابن سيده وكتاب الأزهري، فجاء في سبعة وعشرين مجلداً وسماه لسان العرب، وأراني ولده قطب الدين أول النسخة، وقد قرظه من أهل ذلك العصر جماعة يصفونه بالحسن، منهم الشيخ بهاء الدين بن النحاس، والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، فيما أظن، وشيخنا العلامة شهاب الدين محمود، ﵏ أجمعين. وأنشدني شيخنا العلامة أثير الدين تقريظاً لهذا الكتاب، ورأيته بخطه: أجَلْتُ لحاظي في الرياض الدمايث ... ونزهت فكري في فنون المباحث وشاهدت مجموعاً حوى العلم كله ... بأول مكتوب وثانٍ وثالث فيا حسنه من جامع لفضائل ... جليل على نيل المعارف باعث لحاز لسان العرب أجمع فاغْتدى ... نهاية مرتاد ومطلب باحث

стр. 3102

به أزهرت للأزهري رياضُهُ ... فأنوارها تجلو دياجي الحوادث وصحت به للجوهري صحاحه ... فلا كسر يعروها ولا نقد عابث وساد به بين الأنام ابن سيده ... فمحكمُه ما فيه عيث لعايث وبرَّ ابن بريٍّ وصحّت بنقده ال ... صحاح استقلّت في براثن ضابث وللجزريّ ابن الأثير نهاية ... إذا قرئت أزرت بسبع المثالث وكل محل إذ تقادم عهده ... وليس المصلّي في السباق برايث وإن جمال الدين جمّل كتبَهم ... بإصلاح ما قد أوهنوا من رثائث لقد فاقهم علماً وزاد عليهم ... وأني يباري الريح عرْجُ الأباعث تجمّع فيه ما تفرق عندهم ... وأربى عليهم بالعلوم الأثائث بنثرٍ كشبه الزهر غبّ سمائه ... ونظمٍ كمثل الزهر بالسحر نافث له قدمٌ في ساحة الفضل راسخٌ ... ومجد قديم ليس فيه بحادث ونسبة علم كابراً بعد كابر ... فمن خير موروث الى خير وارث حفيظ لأسرار الملوك أمينها ... عليم بتصريف الخطوب الكوارث به افتخرت قحطان واشتد أزرها ... وباهت به الأملاك أبناءُ يافث سقى جدثاً قد حله ابنُ مكرّم ... ملث من الغرّ الغوادي المواكث ولا برحت روح الجمال مقيمةً ... لعذرٍ لدى الغيد الحسان الأراعث

стр. 3103

وأخبرني ولده القاضي قطب الدين أبو بكر رحمه الله تعالى في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل أن والده مات وقد ترك بخطه خمس مئة مجلد. محمد بن مكي بن .... القاضي الفاضل الشاعر بدر الدين وكيل بيت المال بطرابلس وكاتب الإنشاء بها. كان من مشايخ الأدب والقائمين بإحياء شعار العرب، له المقاطيع الرائقة، والأبيات الفائقة، وكان يعرف فنوناً أخر، وعلوماً إذا تكلم فيها قلت بحْرٌ زخَر. وكان من رجالات الزمان دُربة ودهاء، وخبرة تباعد منها الجهل وتناءى. ولم يزل بطرابلس على حاله، الى أن كسف الحِمامُ نورَ بدره وألحفهُ غمامةَ قبره. ورد الخبر الى دمشق بوفاته في أواخر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، رحمه الله تعالى. كان يكتب خطاً حسناً، أخبرني قاضي القضاة شرف الدين محمد بن النهاوندي قاضي صفد قال: قال لي: بدر الدين بن مكي بطرابلس: فتحت بدمشق دكان كتبي، وكنت أتّجر فيها، يعني في المجلدات، وأتبلغ من عِرض المكسب فأدّخر من المجلّدات ما أحتاج إليه الى أن حصلت من ذلك ما أردت من الكتب، وفضل لي رأس المال والقوت تلك المدة. أو كما قال. وقال بدر الدين ﵀: كنت أنا وشمس الدين الطيبي نمشي في وحل فقلت:

стр. 3104

المشي خلف الدواب صعبٌ فقال: في الوحل والماءِ والحجاره فقلت: لأن هذا له رشاش فقال: وربما تزلق الحماره وأخبرني المولى شرف الدين حسين بن ريان قال: كنت أنا وهو جالسين في مكان فيه شباك بيني وبينه، فلما جاءت الشمس رددته، فقال: لا تحجب الشمس عن أمرٍ تحاوله ... فإن مقصودها أن تبلغ الشرفا فقلت: في الشمس حرٌ لهذا الأمر نحجبها ... وحسبنا البدرُ في أنواره وكفى وأنشدني من لفظه قال: أنشدني ابن مكي لنفسه: أهواه كالبدر لكنْ في تبدّله ... والغصن في ميله عن لوم لائمه سمحٌ بمهجته ما ردّ نائله ... كأنما حاتم في فصّ خاتمه قلت: معنىً جيدٌ مطبوع، وما أحسن قوله: رد نائله. ومن شعره أيضاً: كأن الشمس إذا غرُبت غريق ... هوى في البحر أو وافى مغاصا فأتبعها الهلال على غروب ... بزورقه يريد لها خلاصا

стр. 3105

وكتبت أنا إليه، رحمه الله تعالى في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة في المحرم: أنفحةُ روضةٍ أم عَرفُ مسك ... يضوع أو الثناء على ابن مكي إمام في الفتاوى لا يجارى ... وفردٌ في البيان بغير شك إذا ما خطّ سطراً خلت روضاً ... تبسّم عن غمام بات يبكي ويحكي نثره درّاً فأما ... إذا حققت ما يحتاج يحكي له نظم يروق ألذّ وقعاً ... على الأسماع من أوتار جنك كأن كلامه نفثات سحرٍ ... تغازلني بها لحظات تركي وآنقُ في النواظر من رياض ... نواضر بل جواهر ذات سلك لقد فاق الأنام بفضل جود ... وفرط زيادة زِيْنَتْ بنسك شهدتُ بأنه في الدهر فردٌ ... وقولي فيه لم يحتج مزكي حملت له لواء ولاء صدقٍ ... لأعرف في الأنام بحمل رنكي فلو منّ الإله بجمع شملي ... به لعدمت ما بين من تشكّ يقبّل الأرض لا زالت قبلة الأمل، وكعبةَ العلم والعمل، وروضة الفضل إذا همى، والجود إذ همل، لأن دارها تخجل دارة الحمل، وتربها يفوق الأفق إذ بدره لما كمل نقص، وبدرها ما نقص لما كمل، تقبيلاً يؤدي به الواجب، ويداوي به قلباً سكنه مولانا فإنه كبير وما خرج عن الواجب: ترابكم وحقّ أبي تراب ... أعزُّ عليّ من عيني اليمين وينهي الى العلم الكريم بعد الأدعية التي تجر الإجابة برفعها، والعبودية التي أبان المنطق شرف حملها ووضعها، والأثنية التي لا تغرّد الحمائم الصادحة إلا بسجعها: ومالي لا أثني على وابل الحيا ... إذا الروض أثنى بالنسيم على القطر

стр. 3106

أنه من حين بلغته هذه الفضائل البدرية، والفوائد التي نسماتها سحرية، وكلماتها سحرية، يعتلج في خاطره التطفل على خطابها، والتوصل الى عرائس إنشائها، ليكون من خُطّابها، والوقوف بذلّ التلمذة وفقر الحاجة على بابها، والدخول الى جنّات كرمها وحبّات كرمها ليجني ثمرها متشابهاً، والاعتراف يدفع في صدره ويبجل على قدره باجتلاء ليلة قدره، ويقول له القصور لا تطل فما أنت من سكان هذه القصور، ولا تزد مع نقصك، فما وشاح ألفاظك مما يدور على هذه الحضور، ولا تلح فما غابُ أقلامك مما يصم الليث الهصور: قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل فأغفل المملوك مراودته مدة، وكابد من جزم حظه خفضاً لشدته مدّة وشدّة. هذا وغريم الشوق يلح، والإقدام يمرض تارة ويصح، الى أن انتهز فيها فرصة حمل فيها على جيوش الخجل فأمالها، وطعن في صفّ الممانعة برمح قلمه إما عليها وإما لها، فتهجم هذه الخدمة والضراعة، وخدم أسوة الطلبة ليكون من أهل الجماعة: وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمري المتقادم وعطفها على استدعاء جرت العادة به للأصاغر، واستمطر به الإحسان الذي ملأ

стр. 3107

كل كفّ فارغ، وأطبق كل فم فاغر. وسأل صدقات مولانا التي عمّت وما خصت، وشرّعت المكارم للمتأدبين ونصت، الكتابة فيه بالإجازة للمملوك، وإن كان صغير القدر، والإجابة الى ما سأله لعله أن يكون من أهل بدر، فإنه لم يقل إلا علماً بأنه لم يُقَل، ولم يخاطب إلا طمعاً في الجواب الذي هو ألذ من الإغفاء في ساهر المقل، وأن يتصدق فيه بذكر مولده وذكر أشياخه الذين أخذ عنهم ومن رآه واجتمع به من الأعيان الذي إذا قال السائل من هم، كان مولانا منهم، وكتابة ما يراه من مقاطيعه التي هي قطع الرياض، وزهر الغياض، وقطر الحياض، الى غير ذلك مما يقتضيه الرأي الكريم والجود الذي إذا جاد البحر بالدر النثير جاد هو بالدر النظيم، لا زال بابه حرماً وسحابه ينهل كرماً بمنه وكرمه. وجهّزت الاستدعاء. فجاء جوابه بعد مديدة يخبر بوصوله. وإنه عقيب ذلك توجه الى اللاذقية فيما يتعلق بأشغال الدولة، وإنه عقيب ذلك يجهز الجواب، ثم ما لبث أن مرض وجاء الخبر بوفاته رحمه الله تعالى. محمد بن مكي الأمير ناصر الدين ابن الأمير مكي.

стр. 3108

توفي والده رحمه الله تعالى في أوائل سنة خمس وسبع مئة، وهو من جملة أمراء الطبلخاناه بدمشق، وإقطاعه إقطاع جيد، فطلبه من الأمير سيف الدين أرغون شاه جماعة، فكتب به لابنه ناصر الدين محمد المذكور، وتقدير عمره عشرون سنة، فجاءه منشوره بذلك، وكان قبل ذلك أمير عشرة، فما متّع بشبابه ولا بالإقطاع. وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شعبان سنة خمسين وسبع مئة. محمد بن المنجا ابن عثمان بن أسعد بن المنجّا، الشيخ الإمام العالم الفاضل الصدر الأصيل شرف الدين أبو عبد الله ابن الشيخ العلامة الكبير زين الدين أبي البركات التنوخي الحنبلي. سمع من الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وابن علان، وابن البخاري، وابن الواسطي وجماعة وحدّث. وكانت فيه خلالٌ جميلة من العلم والدين والمروءة والشجاعة وعلوّ الهمة والتودد، وقضاء الحقوق. توفي رحمه الله تعالى رابع شوال سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ولم يكمل الخمسين. محمد بن المنذر القاضي الرئيس فخر الدين.

стр. 3109

كان أولاً في دمشق يباشر في ديوان الجيوش ولما حضر معين الدين بن حشيش الى دمشق ناظر الجيش عوضاً عن ابن حميد، انتقل القاضي شمس الدين بن حميد الى وظيفته بدمشق، وتوجه ابن المنذر الى طرابلس ناظر الجيش، وأقام بها مدة، وقع بينه وبين نائبها، فتوجه الى مصر وعاد الى مكانه ووظيفته في ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة وأقام بها مدة. ثم إنه نُقل الى نظر جيش حلب، وأقام هناك مدة عوضاً عن القاضي جمال الدين بن ريان. ثم إنه توجه الى مصر ووقع منه كلام في حق القاضي فخر الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية فجهزه الى صفد ناظر المال، وولده ناظر الجيش بها، فأقام بها مدة، ثم إنه جهز الى طرابلس. ولم يزل بها الى أن توفي رحمه الله تعالى. محمد بن منصور بن موسى الشيخ شمس الدين أبو عبد الله الحاضري الحلبي المقرئ النحوي. قرأ القراءات على الكمال الضرير، والشيخ علي الدهان، والعربية على ابن مالك جمال الدين، وكان له تصدير في الجامع، وكان متوسطاً في النحو والقراءات.

стр. 3110

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر صفر سنة سبع مئة وكتب في الإجازات. محمد بن منصور بن إبراهيم ابن منصور الحلبي، الإمام العالم الصدر الصاحب بدر الدين الجوهري، نزل الديار المصرية. سمع من إبراهيم بن خليل بحلب، ومن الكمال العباسي. وابن عزّون، وابن عبد الوارث، والنجيب، وعدة بمصر. وتلا بالروايات على الصفي خليل، وتفقه، وشارك في فضائل. وكان ينطوي على خير وعبادة ودين، وله جلالة وصورة، ذكر في وقت الوزارة، وكان له خلق حاد، وحدث بدمشق ومصر. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع عشرة وسبع مئة. محمد بن منصور القاضي شمس الدين موقّع غزة، أقام بها مدة طويلة يباشر التوقيع وكتابة الجيش، ثم إنه نقل الى توقيع صفد عوضاً عن القاضي بهاء الدين بن غانم لما نقل الى طرابلس في سنة ست وعشرين وسبع مئة، وتوجه الى غزة مكانه القاضي جمال الدين بن رزق الله، ثم إن ابن منصور عمل على العود الى غزة، لأن صفد لم

стр. 3111

توافقه. وكان له في غزة متاجر من الكتّان والصابون وغير ذلك، وحصّل نعمة وافرة ودنيا صالحة. ثم إن الأمير سيف الدين تنكز عزله من غزة بعلاء الدين علي بن سالم، وقد تقدم ذكره في حرف العين، وبقي ابن منصور بطّالاً. وكان الأمير سيف الدين طينال قد ناب في غزة في وقت، على ما تقدم في ترجمته، وابن منصور موقّعها، فعرفه من ذلك الوقت، فلما بطل سأل طينال من تنكز في أن يكون ابن منصور في جملة كتاب الدرج بطرابلس، فرسم له بذلك، وتوجه ابن منصور الى طرابلس. وكان رجلاً داهية سيوساً، يكتب خطاً حسناً، وله نظم لا بأس به، غير أنه لم يكن فيه طبقة، مع ما فيه من اللحن. وتوفي رحمه الله تعالى ... أنشدني من لفظه القاضي زين الدين الصفدي قال: أنشدني من لفظه القاضي شمس الدين محمد بن منصور وقد أعيد الصاحب تقي الدين توبة الى الوزارة: عتبت على الزمان وقلتُ مهلاً ... أقمت على الخنا ولبست ثوبه ففاق من التجاهل والتعامي ... وعاد الى التُقى وأتى بتوبه قلت: صوابه: فأفاق.

стр. 3112

محمد بن موسى القاضي الفاضل، الأديب الكاتب البارع شرف الدين المقدسي، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، المعروف بكاتب أمير سلاح. كا كاتباً بارعاً، ناظماً ناثراً، يأتيه المعنى على وفق إرادته ضارعاً، إذا نظم قلت العقودُ ينظم جواهرها، أو السماء يُطلع زواهرها، أو الرياض يجلو أزاهرها. يتلعب بالعقول سحره الحلال، يترشّف السمع منه كؤوساً ليست نشوتها مما يجري في الجديال. ونثره أحسنُ من رقم البرود، وآنقُ من حلول الكواكب في منازل السعود، وخطه يسرّ النواظر، ويُزري بالرياض النواضر، تخال سطوره فوق طروسه فتيت مسك على كافور، أو طرز صبح تطلعت من تحت أذيال ديجور. كأن جيماته وجنات خيلانُها تلك النقط، أو محاريب فيها قناديل لا تخبو نور معانيه ولا يقط، وكأن ألفاته ألفت الاعتدال فهي قدودُ الخرّد الغيد، أو قضبان بانٍ تميس من مرور النسيم، والهمزات من فوقها حمائم ذات تغريد: فلو أعيد ابن هلال لحكى ... مشياً على الرأس إليه القلما وقال في هذا برود أحرفٍ ... كنت أراها في كتابي أنجما ولم يزل على حاله الى أن سكنت شقاشقه، وقرطست عن عرض الحياة رواشقه. توفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.

стр. 3113

وكان قد خدم الشجاعي وأمير سلاح، وبه يعرف في القاهرة. أخبرني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: هو رجل حسنُ الأخلاق، كريم العشرة، محتمل، فيه كرم، وله خط حسن ونثر كثير ونظم. وجالسته مراراً، وكتبت عنه، وقرأ علينا من نظمه ونثره كثيراً، وقد خمّس شذور الذهب. في صنعة الكيمياء تخميساً حسناً يقضي له بسبق النظم وجودة حوك الكلام، ومطابقة الفصل. وأنشدني قال: أنشدني من لفظه لنفسه: اليوم يوم سرور لا شرور به ... فزوج ابن سماء بابنة العنب ما أنصفَ الكأس من أبدى القطوب لها ... وثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب قلت: قد تقدم لهذا المعنى نظائر في ترجمة صدر الدين بن الوكيل. وبه قال أنشدني من لفظه لنفسه: صرّف بصرف الحميّا ما حمى طرباً ... فإن فيها لسم الهم درياقا دنياك معشوقة والراح ريقتها ... فارشف مراشِفها إن كنت عشّاقا وبه قال: أنشدني له يخاطب الشجاعي، وكان كاتبه: أيا علم الدين الذي عينُ علمه ... تُريه المعالي نثرها ونظامها قذفت لنا يا بحر أي جواهر ... وها هي فالبس فذّها وتؤامها

стр. 3114

ومنها: رأى الملكُ المنصورُ أنك صالحٌ ... لدولته يُلقى إليك زمامها فولاكها إذا كنت في الرأي شيخها ... وكنت إذا نادى الصريخ غلامها فما احتفلت إلا وكنت خطيبها ... ولا استبقت إلا وكنت إمامها فلو غاب بدر الأفق نُبت منابه ... بل الشمس لو غابت لقُمت مقامها نهضت بعبء الملك والأمرُ فادح ... وسُسْت الرعايا مِصرها وشآمها ولمّا خمس شذور الذهب كتب إليه ابن الوحيد: لقد رقّ تخميس الشذور فأصبحت ... مداماً ولكن كرمُها حضرة القدسي هي الشمس والأشعار في جنب حُسنها ... نجوم وما قدْرُ النجوم مع الشمس وكتب إليه شمس الدين بن دانيال: إذا ناب في التقبيل عن شفتي طرسي ... وعن بصري في رؤيتي لكم نفسي وواصلني منكم خيال مخصّص ... بروحي في حلم فما لي وللحسّ ومن لي بمرآك الجميل الذي به ... لعيني غنًى عن طلعة البدر والشمس على أنني مستأنسٌ بعد وحشتي ... بأنسِ ولي الدولة الأرخن النفس غدوت به بعد البطالة عاملاً ... ولا مثلما أعملت في زاده ضرسي وإن ابنه الشيخ الخطير لمسعفي ... بما شئت من رفد جزيل ومن أنس وأقسم ما للأب والابن عندهم ... حياة بلا روح تجيء من القدس ومن شعر شرف الدين القدسي:

стр. 3115

يا ليلة بت أستجلي محياها ... كأنما بتّ أستجلي حميّاها أولت يداً ثم ألوت بي فقلت إذاً ... ما كان أرخصها عندي وأغلاها بيوسف الحسن جزء من محاسنه ... فاعجب لها وهي كثر كيف جزّاها طال النهار انتصاراً فانطوت قصراً ... كأن في شفقيها كان فجراها منها: يدير من لحظه أو لفظه لُطفاً ... لو نستطيع لها شُرباً شربناها والزير والبم والمثنى ومثلثه ... محرّكات من الأوتار أشباها ومنه في مليح اسمه سالم: وأهيف تهفو نحو بانةِ قدّه ... قلوب تبثّ الشجو فهي حمائم عجبت له إذ دام توريد خدّه ... وما الورد في حالٍ على الغصن دائم وأعجب من ذا أن حية شعره ... تجول على أعطافه وهو سالم ومنه: بي فرط ميل الى الغزلان والغزل ... فكيف لا يُقصر العذال عن عذلي مالوا عليّ ولاموا في الهوى عبثاً ... من لم يمل سمعه مذ كان للملل أضحى الغرام غريمي في هوى رشأ ... يغنيه عن كحله ما فيه من كحَل فالبدر من حسنه قد راح ذا كلف ... والوردُ من خدّه قد راح ذا خجل

стр. 3116

تشاغل الناس في الأسمار بي وبه ... وإنني عن حديث الناس في شغل وأنشدني له قاضي القضاة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي، رحمه الله تعالى، قال: وأنشدني بعضها من لفظه: ما مِلتُ عنك لجفوةٍ ومَلال ... يوماً ولا خطر السلوّ ببالي يا مانحاً جسمي السقام ومانعاً ... جفني المنام وتاركي كالآل عمّن أخذت جواز منعي ريقك ال ... معسول يا ذا المعطف العسّال عن شعرك الفحام أن عن ثغرك ال ... نظام أم عن طرفك الغزالي فأجابني أنا مالكٌ أهل الهوى ... والحسن أضحى شافعي وجمالي وشقائق النعمان أضحى نابتاً ... في وجنتيّ حماه رشقُ نبالي والصبر أحمد للمحب إذا ابتُلي ... في الحب من محن الهوى بسؤالي وعلى أسارى الحب في سجن الهوى ... بين الملاح عُرفت بالقفّال وقتلتُ معتزليّ في شرى الهوى ... وطرفت بالتنبيه عين السالي وتفقّه العُشّاق فيّ وكل من ... نقل الصحيح أجزْتُهُ بوصال والجوهري غدا بثغري ساكناً ... يحمي الصحاح بقدّي الميّال وشهود جسمي لو نظرت إليهم ... بين الأنام عجبت من أفعالي جرح البكاءُ عيونهم وقلوبهم ... وزكوا لقذف الدمع في الأطلال والشاهد المجروح عندي صادق ... هل في قضاة العاشقين مثالي وعلى رحيق الثغر صارمُ مقلتي ... ولّيته، ولكل ثغرٍ والي

стр. 3117

وعلى مقامات الغرام شواهدٌ ... جسمي الحريري والبديع جمالي ولبست من حُلل الجمال مفصّلاً ... حسن الملابس مدهش الغزالي ولحسني الكشاف من جمل الضيا ... لمعاً لإيضاح الفصيح مقال وأتى المطرّز نحو خدي راقماً ... طُرُز العذار وحاز في أشكالي والواقديّ بنار هجري والجفا ... وكّلتُه فلكل سالٍ صال وبلفظي الفراء يفري قلبَ من ... وافى بناظر ناظري بنصال ومَصارعُ العشاق بين خيامنا ... ومقاتل الفرسان يوم نزال ورفضْتُ نوم العاشقين فكلّ من ... ذكر الغرام فدمعه متوالي ولديّ سلوان المطاع سفاهة ... لمتيّم أوثقتُه بحبالي وخصصت إخوان الصفا برسائل ... ولهم صفا ودي وهم آمالي والبيهقي بوجه كل معنّف ... في موقف التوديع والترحال وبوجهي النقاش راح مفسّراً ... صورَ الملاحة من دليل دلال ورقيبي الكلبي قد أخسأتُهُ ... بوقوفه في باب ذلّ سؤالي ومجاهدٌ أضحى عليّ مقاتلاً ... خوفاً من الرقباء والعُذّال وأبو نعيم منعم في حليتي ... إذ بات يمليها على النقّال ومحاسني قُوت القلوب تكرّماً ... ومناقب الأبرار حُسْن فعالي وتطلعي زاد للسير ومبسمي ال ... ضحّاك والمنثور حُسن لآلي

стр. 3118

وبخدي الزهري جنّات المنى ... أضحى بها الثوري من عمّال وبمنطقي قسّ الفصاحة ناطقٌ ... في فترة الأجفان للضلال وقميص حُسني قُدّ من قُبُل الورى ... بيدي اليمين وتارة بشمالي والثعلبي رأى الوجوه بجهده ... وحلا له في النقل وجهُ الحال ولحسني الأنساب يرويها عن ال ... عدل الزكيّ بصحة النُقّال فيراه للتمييز نصباً واجباً ... ورفعت عنه الهجر من أفعالي ولي الخلافة في المِلاح بلحظي ال ... سفّاح والمنصور في أقوالي وعلى محلّي بالجمال رواية ... في رايةٍ نُشرت ليوم جدال ومدينة العلَم السخاوي أصبحت ... في راحتي فعُرفت بالبذّال قال الأوائل ما رأينا مثله ... غصنٌ رطيب مثمر بهلال قد عمّه الحسن الغريب وخاله ... ما في البرية منه قلبٌ خال فوصلت عُشّاقي فلام معنّفي ... فأجبته هذا الذي يبقى لي القوم أبناء السبيل وعندنا ... تعطى زكاة الحُسن كالأموال قد طالما نقلوا حديث محاسني ... فهم عُدولي صحة ورجال هذي القصيدة بالأئمة شرفت ... قدري وفقت بها على أمثالي وكأنها العقد الثمين وهم بها ال ... در النظيم مكللاً بلآلي

стр. 3119

قلت: قصيدة فريدة فائقة رائقة، إلا أنها فيها ألفاظ غير قاعدة، والتسامح يسكن قلقها. محمد بن ناصر بن علي القاضي الرئيس فخر الدين بن الحريري، بالحاء والرائين المهملات. كان أولاً كاتب الأمير شهاب الدين قرطاي نائب طرابلس، أقام بها مدة ثم إنه عاد إليها مع مخدومه، وعمّر بها أملاكاً، ولم يكن لأحد معه فيها حديث. ولما انتقل مخدومه الى دمشق ثانياً عاد معه، ولما مات استمر بطّالاً مدة. ثم إنه باشر استيفاء النظر بدمشق مع الصاحب أمين الدين لما قبض على علم الدين إبراهيم المستوفي في صفر سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. ولما عزل الصاحب أمين الدين بالصاحب علاء الدين الحرّاني نقل القاضي فخر الدين الى نظر الديوان بطرابلس فتوجه إليها وأقام بها مدة. ثم إنه توجّه في نوبة الفخري الى الديار المصرية وخرج منها مستوفي النظر بدمشق مع الصاحب علم الدين بن القطب، فأقام بها مدة يسيرة على ذلك، وانتقل الى نظر الجيش عوضاً عن القاضي فخر الدين بن العفيف فأقام بها قليلاً، وأعيد القاضي فخر الدين بن العفيف الى نظر الجيش، فأقام بدمشق مدة بطالاً. ثم إنه توجه الى الديار المصرية في سنة خمس وأربعين وسبع مئة.

стр. 3120

ثم إنه تولى كتابة السر بطرابلس بعد عزل القاضي شهاب الدين بن القطب المصري، وأقام بها من أوائل سنة ثمان وأربعين وسبع مئة الى أن توفي رحمه الله تعالى بطرابلس يوم الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. وكان رحمه الله تعالى أبيض أشقر سميناً فيه بشاشة وكيس ولطف ودماثة أخلاق ودهاء، وكان قد مشى بالفقيري، بالطاسة والأزار العسلي في وقت، وخلف عدة أولاد كل منهم اسمه محمد. اجتمعت به غير مرة بدمشق والقاهرة. محمد بن نبهان الشيخ الصالح الزاهد العابد الورع القدوة شيخ البلاد الحلبية. كان فقيراً، بالله غنياً، خلياً من الدنيا وإن كان بسعادة الآخرة ملياً، مقيماً بزاوية في بيت جبرين معروفة بهم من قديم، موصوفة بإضافتها إليهم، لا يزال فيها للفقراء منهم خديم، واشتهر هذا الشيخ محمد بتلك الناحية، وأشرقت شمس عرفانه في سمائها المصحية ولا أقول الصاحية، وتبلّجت وجوه بركاته الضاحية، وعرف بالخير وقصد من كل أرض، وإنما يسقط الطير وكان يطمع كل من يرد عليه من أمير ومأمور، وذي قلب خراب من التقوى ومعمور، ولم يُسمع أنه قبل لأحد شيئاً قلّ ولا جلّ، ولا حرم
следующие страницы →