← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

يوسف بن أحمد ابن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن طاهر، الشيخ الإمام الفاضل الصدر الكبير بهاء الدين أبو المحاسن ابن الصدر كمال الدين بن العجمي الحلبي، سبط الصاحب كمال الدين بن العديم. قال شيخنا البرزالي: روى لنا جزءَ ابن عرفة عن النجيب عبد اللطيف الحرّاني، وسمع كثيراً، وقرأ الفقه، واشتغل وحصّل وكتب المنسوب، ودرّس بحماة وولي كتابة الإنشاء بدمشق، وحكم بحماة نيابة. وكان صالحاً ديّناً مشكوراً محبَّباً الى الناس. توفي - رحمه الله تعالى - سابع عشري جمادى الآخرة سنة ست عشرة وسبع مئة. ومولده سنة خمس وخمسين وست مئة. ودفن بتربة خاله، قبالة جوسق ابن العديم ظاهر دمشق. وتوفي بعده ولده القاضي عزّ الدين محمد بعشرة أيام، فإنه توفي - رحمه الله تعالى - تاسع شهر رجب سنة عشر وسبع مئة وولي بعد القاضي بهاء الدين بن العجمي تدريس النجيبية القاضي نجم الدين الدمشقي الشافعي نائب الحكم.

стр. 3432

يوسف بن أحمد بن جعفر ابن عبد الجبار الفقيه الإمام العالم الفاضل جمال الدين الشاطبي الشافعي. كان فاضلاً اشتغل بفنونه وحصّل فضائل، وله نظم ونثر، وفيه أمانة ونهضة وديانة، وشهد له القاضي بدر الدين بن جماعة وغيره بأهلية التدريس والاشتغال والإفادة. وولي خطابة جامع جرّاح مدة يسيرة، وكان يخطب بإنشائه. وأدركه أجله دون الأربعين. توفي - رحمه الله تعالى - حادي عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة. يوسف بن أحمد بن إبراهيم علم الدين الخطيب القناوي الشافعي الأديب. كان من الرؤساء الأعيان الكرماء الأجواد الأذكياء. قرأ الفقه على جلال الدين أحمد الدشناوي، وكانت له معرفة جيدة بحلّ الألغاز، ونظم فيها أشياء كثيرة. وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رجب سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.

стр. 3433

وله لغز في لابس، الثاني من قوله: يبين إن صحّفت مع قولِ لا ... وهو إذا صحّفته لا يبين وله لغزٌ في مغني: ما اسمٌ إذا عكستهُ ... يُطربُ إن سمعتَهُ يُنعِمُ بالوصل متى ... صحّفت ما عكسْتَهُ وله لغز في زغل: وما لغزٌ إذا فتّشت شعري ... تراه مسطّراً فيه مسمى وإن تعكسهُ كان من التحرّي ... إذا حققته فيالبير يُرمى وفاعله إذا نمّوا عليه ... فيخشى أن تُزال يداهُ حتما قال كمال الدين الأدفوي: تولى الخطابة ببلده، وناب في الحكم في مواضع شتى، منها دشنا وفاو من بلاد قوص، والمنشأة، وطوخ من بلاد إخميم. وكان يكرم الوارد. يوسف بن أحمد بن أبي بكر ابن علي بن إسماعيل بن عمرو بن عبد المجيد، المسند المُعمّر، بقية الرواة، أبو علي الغسّولي المعروف بابن غالية. سمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ الموفق، وتفرّد في وقته. وسمع منه خلق، فسمع منه شيوخنا الذهبي والبرزالي والمزي، وسمع منه المقاتلي،

стр. 3434

وابن النابلسي، والمحبّ الصدر أبو بكر بن خطيب حماة، والشهاب بن عُدَيْسة، ونجم الدين القحفازي، وخلق. قال شيخنا الذهبي: كان شيخاً ساكناً فقيراً متعفّفاً، بدت منه هنات وسط عمره، ثم إنه كبر وصلحت حاله، وكان حجّاراً، ثم عجز ولزم بيته. وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع مئة. وجبي له الكفن، ومولده بقاسيون سنة اثنتي عشرة وست مئة. يوسف بن أحمد بن محمد بن عمر الفقيه محب الدين المقدسي الحنبلي. كان يشهد تحت الساعات بدمشق، ولديه فضيلة، وفيه إقدام وشهامة، ودخل بلاد الروم وغيرها، وسمع من خطيب مَرْدا، ولم يحدّث. توفي - رحمه الله تعالى - في ثاني عشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وست مئة. يوسف بن أحمد بن يوسف ابن عبد الله بن علي بن الحسين بن عبد الخالق بن شكر، الصدر نجم الدين بن علم الدين بن تاج الدين بن الصاحب صفيّ الدين بن شكر المالكي. كان مدرباً بمدرسة جدّه بالقاهرة. توفي - رحمه الله تعالى - في حادي عشر جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة.

стр. 3435

يوسف بن أحمد بن محمد ابن يوسف بن عبد الغني الجذامي الإسكندري الفقيه، المالكي، الأديب صدر الدين، عرف بابن غنّوم - بغين معجمة ونون مشددة وواو بعدها ميم - موقّع الثغر. كان فاضلاً ذكياً. كتب للقضاة زمناً طويلاً، ثم إنه انقطع بمنزله، وخمّس قصائد للصرصري. وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. ومولده بالإسكندرية سنة ستّ وسبعين وست مئة. قال كمال الدين الأدفوي أنشدني لنفسه، وقد سألته أن ينشدني شيئاً من شعره: يا مَن يُسائل عن شعري ليرويه ... مهلاً فليس شعاري نظمَ أشعارِ مُذ حلّ زائر هذا الشيب صيّرني ... بعد الصّبا وإزاري ذِكرُ أوزاري قال: وأنشدني له أيضاً: وبي غريب الدار مُستأنسٌ ... أسالَ دمعي منهُ خدّ أسيلْ فإن أمُت شوقاً الى وصله ... ففي سبيل الله وابن السبيلْ قال: وأنشدني له: قُم نقترع بكر المدامة بُكرةً ... في روضة حسُنت وراقَتْ مَنْظرا فالرّاح سيفٌ قاطعٌ لهمومنا ... أو ما تراه بالحَباب مُجوهَرا

стр. 3436

قال: وأنشدني له أيضاً: جَلا مسواكُ ثغرك خيرَ درّ ... فجلّ بذاك واكتسبَ المَزايا وأنشد صحبهُ تيهاً وفخراً ... أنا ابن جلا وطلاعُ الثّنايا يوسف بن أسعد بن علم السعداء القاضي الرئيس صلاح الدين ابن القاضي سعد الدين بن العسّال. شاب أنبته الزمان في رياض السؤدد وغرس، وفرح به الجودُ لما نبغ ورأس، لم أر في سنّة من حاز رياسته، ولا من ملك سعادته وسيادته، واتصف بلزوم المكارم، وحمل عن رفاقه الكلف والمغارم، هذا الى صورة أبدعها الجمال، وقامةٍ كالغصن إذا هبّت عليه الصّبا فماد ومال، يجلس في ديوانه، ويُرى إذا احتبى في إيوانه: بوجهٍ يملأ الدنيا جمالاً ... وكفٍّ تملا العليا نَوالا قصف غصنه، وأسلمه الى الحِمام حصنُه. وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. كان قد زوّجه الصاحب شمس الدين غبريال بابنته، واحتفل بأمره ودخل به الى ديوان الإنشاء بدمشق، وأحضر له توقيعاً من السلطان بمعلوم جيّد من العين والغلة والخبز واللحم والعَليق والكسوة. وكان مطبوعاً ظريفاً خيّراً كريماً رئيساً فيه حشمة، وتودد وحسن صحبة. ولم يزل في خير وسعادة الى أن أُمسك الصاحب شمس الدين، فأُمسك هو أيضاً جملة جماعته، وصودر وناله بعض أذى وعصر، ثم طُلب الى مصر، وعاد بطالاً من كتابة الإنشاء.

стр. 3437

وكان قد عمّر قاعة صغيرة، فصنعتُ أنا له أبياتاً كتبت فيها وهي: دار يدرُّ نَداها ... إذا رأت زائريها وينزل الضيفُ منها ... بجنّة يرتضيها تكاد من فرط جود ... تهتزّ بالضّيف تيها فكلُ طالع سعدٍ ... تراه من نازليها وللورى في بناها ... أزاهرٌ تجتنيها وكم بدورٍ تمامٍ ... من أهلها تجتليها والشّمسُ في أُفقها من ... بنائها وبنيها لا غروَ إن أدهشَتنا ... وحُسن يوسف فيها يوسف بن أسعد الأمير صلاح الدين الدوادار. كان في مبدأ أمره نصف عامل في بيروت على ما قيل، ثم إنه بطّل الكتابة وتوصّل بالجندية الى أن صار دوادار الأمير سيف الدين قبجق، ثم آل أمره الى أخذ الأمرة بحلب، وولي بها الحجوبية في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا الحاجب، ثم ولي بها شدّ الدواوين، ثم طلب الى مصر مرات، ثم إن السلطان ولاه ثغر الاسكندرية عوضاً عن بكتمر والي الولاة في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ثم إنه ولي منفلوط بالصعيد، ثم إنه جُعل مشدّ الدواوين بالقاهرة أيام وزارة الجمالي. ثم عزل وبقي في مصر أميراً، ثم إن السلطان جهّزه رسولاً الى القان بوسعيد، فعاد وقد أشاع الناس أنه يكون وزيراً، فلما وصل الى مصر سُعي علي، فبطل ذلك، فسعى له الأمير سيف الدين بكتمر الساقي لما مات الأمير شهاب الدين المهمندار، فرسم له السلطان بالمهمندارية، فأقام فيها قليلاً.

стр. 3438

ولما توفي الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار جعله السلطان دواداراً مكانه، وكان القاضي شرف الدين أبو بكر بن الشهاب محمود قد رُسم له بعده بيويميات يسيرة بكتابة السر بمصر، فقاسى شرف الدين منه شدائد، وأنكاداً كثيرة، وتوجها صحبة السلطان الى الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وهما في ذلك، النكد والشرّ، ولما حضرا من الحجاز أقام القاضي شرف الدين قليلاً وهو يعمل عليه الى أن عُزل وأُخرج الى دمشق، وبقي صلاح الدين في الدوادارية، وقد استطال على الناس أجمعين، واستطار شرّه خصوصاً على الكُتّاب، فحسّنوا للسلطان أن يخرج كاشف الثغور الحلبية، فتعلّل، وانقطع في بيته مدة شهرين، ولما قام ودخل الى السلطان عزله في ثاني عشر شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وحضر الى صفد أميراً، فأقام بها، ونقل الى طرابلس، ثم نقل الى حلب، وجُعل بها والي البر فيما أظن، ثم إنه حج بعدما نقل من حلب الى طرابلس. وورد الخبر الى دمشق بوفاته في جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وسبع مئة. وكان يكتب خطاً حسناً، وله مشاركة كثيرة في تواريخ وتراجم الناس، وكان كافياً ناهضاً فيما يتولاه، خبيراً بما يفوّض إليه، إلا أنه كان مفرط الشّح الى الغاية. لو مات من عطشٍ والكوزُ في يده ... وكان ممتزجاً بالشّهدِ ما شرِبا إلا أنه رحمه الله تعالى، وقف داره وهي عظمى بحلب مدرسة على فقهاء المذاهب الأربعة، ووقف كتّاب أيتام بالمدينة.

стр. 3439

وكان يدّعي النظم، أنشدني من لفظه صلاح الدين خليل بن رمتاش بصفد، قال: أنشدني من لفظه صلاح الدين الدوادار وقال إنهما له: ما اللعبُ في النار في الميلاد في سفَهٍ ... لكنما هو للإسلام مقصودُ يُراد كبتَ النّصارى أن ربهُم ... عيسى بنَ مريم مخلوقٌ ومولود وكانت عنده كتب عظيمة من كل فن، وكان إذا كان بطّالاً مثل مثل الزلال الحلو البارد، فإذا ولي ولو حراسة الدرب مثلاً انسلخ من ذلك اللطف ولبس لمن يعرفه ولمن لا يعرفه جلد النمر، وتحدث بحراسة الدرب في كل ما في الدولة من الوظائف، قال له يوماً الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب لما ولي الشدّ بعد بطالته: يا صلاح الدين ما في الدنيا مثلك إذا كنت بطّالاً. قلت: ولهذا لم تكن تطول له مدة في ولايته. يوسف بن إسماعيل ابن عبد الكريم بن عثمان، الشيخ الجليل المسند تاج الدين الحلبي. سمع من الضياء صقر الحلبي وغيره. وتوفي رحمه الله تعالى بكرة الخميس ثامن عشر شوال سنة تسع وعشرين وسبع مئة. أجاز لي ﵀ في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وكتب عنه الشيخ تقي الدين محمد بن رافع.

стр. 3440

يوسف بن إسماعيل بن عثمان ابن محمد، الشيخ الإمام تقي الدين ابن الشيخ الإمام، العلامة رشيد الدين المعروف بابن المعلم. كان فقيهاً، درّس بالمدرسة البلخية مدرسة والده بدمشق، وكتب في الفتوى، ثم إنه توجه هو ووالده في الجفل الى الديار المصرية، وأقاما هناك مدة بجوار الجامع الأزهر. وتوفي في خامس جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وسبع مئة. وفقده والده، ثم إنه عاش بعده شهراً واحداً ولحقه بالوفاة رحمهما الله تعالى. يوسف بن أبي بكر الصّدر الرئيس الكبير القاضي ضياء الدين بن خطيب بيت الآبار الدمشقي. صدرٌ صدره رحيب، ورئيس ما له في زمانه ضريب، وكبير يكون الجبل الراسخ عنده صغيراً، وكريم لا يزال الجود على ماله مُغيراً، ذو مروءة يسعى أجرُها بين الصفا والمروة، ونفس ما ترى أن تحلّ في المجلس إلا في الذروة، منزله كعبة الوُرّاد، وخوانه منهلُ الروّاد، كان أهل الشام به يجدون الجدا، ويجتلون من وجهة قمر الهدى، ويحتلون من بابه في مراتع الندى.

стр. 3441

إن جادَ للعافي أجاد وإن سعى ... في ضيق طرق للسعادة وُسِّعا عن نشره فاحَ النسيم معنبِراً ... وبشُكرِهِ غنّى الحمام مرجّعا انتقل من الشام الى الديار المصرية بطلب السلطان، ونسي بإقباله عليه ما ألفه شبابه في نعيم الأوطان، وباشر الوظائف الكبار فسدّها، وأصلح فسادها وأحكم عقدها بكفاية وأمانة، وعناية وإعانة، خلا أن الزمان خانه أخيراً، وأراه بعد عزّه يوماً كان من الذلّ عبوساً قمطريراً. فأقام في بيته عاطلاً، ولم يزل الدهر ببلوغ أمانيه مماطلاً الى أن أمسى منزل الضياء وقد أظلم، وراح الى من هو بسريرته علم. وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبع مئة. ومولده تقريباً سنة تسع وثمانين وست مئة. كان أولاً بدمشق في ديوان تنكز، وفيه سيادة وعنده رياسة، داره مألوف الضيفان، ومأوى الأصحاب والإخوان، متى جاء الإنسان الى منزله وجد كل ما يختاره إن كان هو حاضراً أو لم يكن، يجد جميع ما يحتاج إليه الى أن يروح ولو أقام جمعة وأكثر. ولما تولى قاضي القضاة جلال الدين القزويني قضاء الديار المصرية في سنة سبع وعشرين وسبع مئة، طلبه من السلطان، فأحضره على البريد، فولاه نظر الصدقات الحكمية والأيتام، وكان يحضر دار العدل مع القضاة.

стр. 3442

وساد في القاهرة ورأس، وأحبه المصريون لمكارمه ومروّته وحلمه، وولاه السلطان الملك الناصر محمد مطابخ السكر وولاه نظر الأهراء مع ما بيده، وتولى نظر البيمارستان المنصوري، فسلك فيه أحسن السلوك، ورافق فيه الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، وبعده الأمير علم الدين الجاولي، وبعده الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا، ووقع بينهما، وعُزل منه في الأيام الصالحية إسماعيل، ثم تولاه، ورافق فيه الحاج أرقطاي نائب مصر. وكان قد تولى أيام الملك الناصر محمد حسبة القاهرة ومصر. وكان قبل ذلك محتسب القاهرة مع البيمارستان، ولما كان الغلاء في سنة ستّ وثلاثين وسبع مئة جمع له السلطان بين الحسبتين. ولما خرج القاضي جلال الدين من القاهرة الى قضاء الشام تعصّب شرف الدين النشو عليه، وساعده عليه غيره، وأخذوا منه الحسبتين والصدقات وأبقوا عليه البيمارستان. فلما كانت أيام الصالح إسماعيل ولاه نظر الدولة مع البيمارستان، فباشر ذلك مديدة، ولم يتناول معلوماً، وطلب الإعفاء، فأعفاه، ثم ولاه الجوالي مع حسبة القاهرة والبيمارستان، ثم إنه وقع بينه وبين الأمير بدر الدين جنكلي، فعزل من الجميع في أواخر دولة الصالح ولزم بيته.

стр. 3443

فلما كان في أيام الكامل تولى نظر البيمارستان والحسبة بالقاهرة، ثم إن علاء الدين بن الأطروش نازعه في وظائفه هذه مرات، وتولاها، ثم تعاد عليه، ثم إن الأمير سيف الدين صرغتمش اعتمد عليه في الأوقاف بمصر والشام، وكان يدخل به كل قليل الى السلطان الملك الناصر حسن، ويخرج من عنده بتشريف، وزادت عظمته ووجاهته، وبالغ في إكرامه وتقديمه على الناس كلهم. ولما أمسك صرغتمش قُبض عليه، وضُرب وعُصر، وأخذ منه شيء قليل، وأخرجوه الى قوص، فتوجه إليها، وأقام بها سنة وأكثر، ثم رُسم بعوده الى القاهرة، فأقام بها في بيته بطالاً الى أن توفي. وكان شكلاً تاماً غليظاً، عليه مهابة وله عبسة، وهو مع أصحابه الذين نعرفهم من ألطف ما يكون، وما رأيت أكثر رياسة منه، ومع ذلك طاهر اللسان، لا يذكر أحداً إلا بخير، ويعامل صديقه وعدوه بمعاملة واحدة. يملك نفسه ولا تظهر عليه كراهة لأحد، وصدره على طعامه متسع، وكل لأهل الشام نِعْمَ الذخيرة، انتفعوا به كثيراً. وقلت لما بلغتني وفاته بالقاهرة في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبع مئة، رحمه الله تعالى: ما لنا في سوء عيشٍ ... عمّنا فيه الشقاءُ وعلى الدنيا ظلامٌ ... أترى مات الضياءُ وكان الشيخ شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي قد خرّج له أربعين حديثاً عن أشياخه الذين سمع منهم في صغره، وحدّث بها في داره برأس حارة زويلة بالقاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وكنت فيمن سمعها عليه، وكتبت أنا عليها تقريظاً نظماً ونثراً، من جملة ذلك:

стр. 3444

كريمٌ ساد بالأفضال حتى ... غدا في مجده بادي السّناء له ذكرٌ يطبّق كل أرض ... فيملأ جوّها طيبُ الثناء فما تخفى عُلاهُ على بصير ... وإن تخفى فذو حسدٍ مرائي وهَبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء ولما كنت بالقاهرة سنة خمس وأربعين وسبع مئة كتبت له عن السلطان الملك الصالح إسماعيل - رحمه الله تعالى - توقيعاً بنظر الجوالي بالقاهرة ومصر والوجهين قبلياً وبحرياً، ونسخته: الحمد لله الذي جمّل أيامنا الشريفة بضيائها، وكمّل دولتنا القاهرة بمحاسن أوليائها، وجعل نعمنا الغامرة تكاثر الغمام بآلائها، وضوّا ممالكنا العامرة بمن يجمّل النظر فيما يتولاه من نواحيها وأرجائها. نحمده على نعمه التي لا تزال تجول وتجود، وتروم اختصاصنا بالمزيد من كرمها وترود، وتؤم حرمنا بأفضالها فتصول بنصول النصر على الأسود وتسود، وترد على حمانا الرحب فتجود بوافر أحسابها على أهل التهائم والنجود. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترغم من الكفار معاطسهم، وتجذّ بحدّها منابت بهتانهم ومغارسهم، وتحسم بحسامها أبطال باطلهم وفوارسهم، وتهدم بإقامة منار الإسلام معابد ضلالهم وكنائسهم. ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي أعرض عن متاع الدنيا، ورغب فيما أعدّ الله له في الآخرة من المقام المحمود والدرجة العليا، وشُغل بذكر الله تعالى في اليقظة وقلبه في الرؤيا، وقام في نصرة الحق يسعى فشكر الله مقاماً وسعياً.

стр. 3445

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين سلكوا بهداه خير سبيل وفازوا لما اتّبعوه بالفخر المعظم والمجد الأثيل، ونصروا الدين الحنيف بطعن الأسمر المثقف، وضرب الأبيض الثقيل، وعزّ وجود مثلهم لما ضرب مثلهم في التوراة والإنجيل، صلاة لا يبلغ العدد أمدها، ولا يُنفذ الزمن مُددها، ما تبسّم ثغر صباح عن لعس ظلام، وتنسم روض أرض عن نفس شيخ أو ريح خزام، وسلّم تسليماً كثيراً الى يوم الدين. وبعد فإن المناصب تعلو بمن يلي أمرها، وتشرف على غيرها بمن يعظّم الناس لأجله قدرها، وتفوق بمن يُطلع في ليالي التمام والكمال بدرها، وتكبُر بمن إذا تحدث فيها أجرى بالأموال والأمواه بحرها، وتفخر بمن إذا تولى نظرها جمع نفعها ومنع ضرها، ونظر الجوالي التي في الوظائف الدينية عدادها، والى القُرَب السنيّة معاجها ومعادها، والى الشرع الشريف ميلها واستنادها، وبسيفنا الذي تجرده مهابتنا انتصارها واعتضادها، لأنه استخراج مالٍ قد تقرر شرعاً، وأخصب في الحل مرعىً، ودرّ بالبركات ضرعاً، واتسع به الإسلام صدراً لما ضاق به الكفر ذرعاً، وقرّت به عيون الدين، وكيف لا تقر العين إذا أخذت من عدوها وهو لا يستطيع منعاً، لا يدخل الحول على ذمّي إلا جاء إليه من يطلب الجالية، وأحاط به الذلّ الذي

стр. 3446

يقول معه " ما أغنى عنّي مالَيَه "، وتجددت له حال حالكة وحالة الإسلام حالية، على أن أهل الذمة في الذلة ماهرون، وتمام المصيبة أنهم يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. وكان المجلس العالي القضائي الضيائي أبو المحاسن يوسف ممن جمّل الدول، وأسعفته الأيام بمراده حتى كأنها له من جملة الخول، وفخر زمانه بوجود مثله، وشهد حتى حسّاده بوفور فضله، وأجرى الله تعالي نهر دُرْبته فكان غير آسن، وبهر حُسن أوصافه حتى صدق من قال: إن يوسف أبو المحاسن، ورفع الله خبره فانتصب تمييزاً، ومضت له مدة في الشام والسعدُ يقول: هذا في مصر يكون عزيزاً، وخُطب الى الديار المصرية فوردها وحلّ بها فحلّ الأمور تصرفاً وعقدها، وولي المناصب العلية، وباشر الوظائف السنيّة، أحسن نظره في الأوقاف وأجرى أمورها على أجمل الأوصاف، ونظر في أموال الأيتام فنما حاصلهم وربا، وأجمل المعاملة لهم فما انتهى لهم سبب إلا أتبع سبباً، وتولى نظر البيمارستان المنصوري فغمره بحسن النظر وعمره، وأثّر فيه بنياناً لألأ الضياء شمسه وقمره، وزاد أوقافه ريعاً وملكاً، ونظم درّ تدبيره الجميل سلكاً، وباشر الحسبة الشريفة، فكانت بمعارفه أليق وأشبه، وأصبح قدرها بولايته أنبل وأنبه، وروّع أصحاب الغش بمهابته، وما لكل محتسب عند الناس حسبه، الى غير ذلك من نظر الأهراء التي ملأها حبّاً، وصبّ الله البركات فيها بنيته الطاهرة صبّاً، ونظر دار القنود التي حلّت بحديثه فيها، وتميز ارتفاعها جُملاً تعجِز واصفيها.

стр. 3447

هذا الى صدر رحيب، وخلق ما له مُشاكل ولا ضريب، وثناء هو في الذكر أبو الطيب، ووجه الى القلوب حبيب، فكأنه كعبة قصّاد، ومنزل روّاد، ومنهل ورّاد، وحِلبة جود سبق فيها حاتماً هذا الجواد. قد تورّع عن المناصب الدنيوية، وعرضت عليه أيامنا الشريفة وأيام والدنا الشهيد فلم يكن له فيها رغبة ولا نيّة، وندبناه لنظر دولتنا الشريفة، ورقيناه ذُرا شرفاتها المنيفة، فجعل نجوم أموالها أهلّة، وأمطر سحائبها المستهلّة، وأعرض عنها فما باشرها إلا تحلّة، ولوى جيده عنها واستعفى، ورنّق الإهمال في ناظره حتى أغفى، فأجبنا قصده وأعفيناه، وعلمنا تورّعه فآثرنا راحته إلا بما استثنيناه، وخبأنا له عندنا ما يناسب مراده ويوافق اجتهاده، ويعاضد اعتماده، عِلماً بإعراضه عن العرض الأدنى، وزهداً فيما وزرُه يبقى وحطامه يفنى. فلذلك رُسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطان الملكي الصالحي العمادي أن يفوّض إليه نظر الجوالي بمصر والقاهرة المحروستين والوجه القبلي والوجه البحري مضافاً الى ما بيده. فليباشر ما فُوّض إليه مباشرة عهدت من حسن اعتماده وشُهدت من وافر اجتهاده، وهو بحمد الله غنيٌ عن الوصايا التي تشير إليها أنامل الأقلام، وتخفق بها من قعقعة الطروس أعلام، فما نعلّم عوانه فيها خمرة، ولا نُطلع في أفق هذا التوقيع نجماً، ولو شاء أطلع شمس الصواب وبدره، ولكن تقوى الله تعالى ملاك الأمور

стр. 3448

المهمّة، والوصايا التي إذا راعاها الإنسان لم يكن أمره عليه غُمّة، فليجعلها لعينه نصباً ولقربه من الله قُربى. والله تعالى يُديم صونه، ويجدد في كل حال عونه. والخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه، والله الموفّق بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى. يوسف بن أبي البيان رشيد الدين مقابل الاستيفاء بصفد. كان شيخاً قديم الهجرة، وكان يهودياً أولاً، وخدم عند أرجواش، ثم عند التلاوي، وأسلم اختياراً من غير إكراه، لأنه كان يجتمع بالشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ صدر الدين بن الوكيل. وكان شيخاً وادعاً لا شرّ فيه، يحتمل الأذى ولا يكافي عليه، قال: قال لي يوماً الشيخ تقي الدين بن تيمية: يا رشيد، قال ابن حزم: أول كذبة كذبها بنو إسرائيل أنهم زعموا أنهم دخلوا الى مصر في زمن يوسف الصديق، وهم اثنان وسبعون نفساً، وخرجوا منها مع موسى لما فروا من فرعون ست مئة ألف، قال: وكنت إذ ذاك يهودياً، فقلت له: يا سيدي هذا ابن حزم كان نبياً؟ فقال: لا. قلت: ولا كان من الصحابة؟ قال: لا. قال: ولا من آل بيت النبي؟ قال: لا. قلت: هذا ابن حزم ما كان يعرف اثنين واثنين أربعة؟ فقال: لأي شيء؟ قلت: ما يعلم مولانا أن قطعة الشطرنج أربعة وستون بيتاً، وإذا وضعت في الأول عدداً واحداً وفي الثاني

стр. 3449

اثنين وفي الثالث أربعة وفي الرابع ثمانية وهلمّ جراً، هكذا تضاعف العدد في كل بيت فبلغ العدد أخيراً ثمانية عشر ألفاً ست مرات، وأربع مئة وستة وأربعين ألفاً، خمس مرات، وسبع مئة وأربعة وأربعين ألفاً أربع مرات، وثلاثة وسبعين ألفاً ثلاث مرات، وسبع مئة وتسعة آلاف مرتين، وخمس مئة واحداً وخمسين ألفاً وست مئة وخمسة عشر عدداً، ومع ذلك فبنو إسرائيل إنما عدّوا الرجال، وأما النساء والصبيان والأشياخ الذين هرموا فلم يذكرونهم. فقلت له: إنا يا مولى رشيد الدين: قوم يخرجون في عدة ألف ألف نفس على القليل هاربين على وجوههم من فرعون، على ماذا حملوا زادهم؟ وأي ماءٍ إذا نزلوا عليه كفاهم، هذا بعيد من العادة. فلم يحر جواباً. فقلت له: أنا أتبرع لك بالجواب، وهو أنهم كان معهم موسى صلوات الله عليه، وبيده العصا التي يضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عيناً، وعناية الله تعالى بهم تحملهم وتعينهم على ما يحتاجون إليه من كل شيء، وعلى الجملة فالذي استبعده ابن حزم لا ينكر، لأن هذا عدد كثير على ما يزعمونه. وكان هذا رشيد الدين يحفظ كثيراً من ديوان العفيف التلمساني، وأظنه رآه واجتمع به، وكان بيني وبينه صحبة ومودة. ولما توفي - رحمه الله تعالى - بصفد في ثالث عشري شهر رجب الفرد سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وكان قد عدّى الثمانين. حكى لي قال: رأيت في النوم كأنني قد أكلت اثنين وثمانين مثقالاً من الدرياق، والأطباء يقولون: إن كل مثقال لسنة، فلعلي أعيش هذا العدد، فعدّى الثمانين، وربما تجاوز عدد المثاقيل، وكان شيخاً طوالاً، ولم يتزوج عمره.

стр. 3450

ولما توفي رحمه الله تعالى أخبرني بوفاته القاضي جمال الدين عبد الله الكاتب، وهو ابن أخت المتوفى، وهو إذ ذاك شابٌ يانع غض الشبيبة، فاشتغل خاطري عامة ذلك النهار بالقاضي رشيد الدين رحمه الله تعالى، فلما نمتُ رأيتني في المنام وأنا كأني أنشد الحكيم الفخر الطبيب ابن أخت رشيد الدين أيضاً وهو إذ ذاك شابٌ أيضاً: الناس إما قادمٌ في مهده ... أو راحلٌ في نعشه يُتحاشى هذا لزهرةِ هذه الدنيا أتى ... غضّاً وهذا قد ذوى وتلاشى فانتبهتُ وأنا أذكرهما، وأعجبني هذا المعنى، ونظمت فيه في اليقظة، فلم ألحق هذه الطبقة، لكن فيه مقابلة أربعة بأربعة. وهو: أرى أن البريّة وفد زهرٍ ... وفعلهم تطابق بالتساوي فهذا قد أتى في المهد غضّاً ... وهذا راح فوق النعش ذاوي يوسف بن حمّاد الشريف جمال الدين الحسيني المشهدي الإمامي، شيخ الشيعة ومفتيهم. حجّ مرات، وجاور بمكة، وله نظم. مات في المعترك سنة سبع وعشرين وسبع مئة. يوسف بن دانيال ابن منكلي بن صرفا، القاضي الإمام الفاضل بدر الدين ابن القاضي ضياء الدين.

стр. 3451

تقدم ذكر والده في حرف الدال، التركماني الكركي قاضي الشوبك. كان فقيهاً فاضلاً، قرأ على الشيخ تاج الدين، وعلى ولده. وأقام بالكرك مدة يُفتي ويدرّس، ثم ولي القضاء بالشوبك. وكان حسن الشكل مليح الهيئة، فيه كرم ومروّة، وسمع من الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وابن البخاري، ومن والده وغيرهم. وحدّث بدمشق والكرك والشوبك. وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثاني شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. يوسف بن داود بن عيسى ابن محمد بن أيوب، الملك الأوحد نجم الدين أبو المحاسن ابن الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر ابن الملك المعظم شرف الدين ابن الملك العادل أبي بكر. كان من أعيان أولاد الملوك وأكابرهم المشهورين بالفضل والديانة والجلالة والمكانة والتقدم في المجالس عند الملوك، وكان يُحسن الى الضعفاء والمرضى، يفرّق عليهم الأكحال والأدهان وغير ذلك بالقدس. وتوفي سنة ثمان وتسعين وست مئة بالقدس، ودفن برباطه بالقدس عند باب حطّه. ومولده في سنة ثمان وعشرين وست مئة.

стр. 3452

يوسف بن رزق الله القاضي جمال الدين الموقع، هو ابن أخت القاضي شرف الدين بن فضل الله وأخيه القاضي محيي الدين. أظنه باشر الجيش مدة، ثم إنه انتقل الى كتابة الإنشاء، ورُسم له في وقت بكتابة الدرج في حماة عوضاً عن نجم الدين بن قرناص، ولكن لم يمكّن من المباشرة. ثم إن الأمير سيف الدين تنكز جهّزه الى غزة موقعاً، فأقام بها مدة، ثم إنه نقل الى توقيع صفد، وأقام بها مدة، ثم إن تنكز نقم عليه وعزله، وأقام بطّالاً، عزله بعلاء الدين بن نصر الله، ولما أُمسك تنكز طلع القاضي جمال الدين الى مصر، وعاد الى الوظيفة بصفد. ولم يزل بها الى أن توفي - رحمه الله تعالى - في شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وسبع مئة. وكان قد ثقل سمعه، وأما باقي حواسه فإنه تمتع بها، ولعله قارب التسعين، وهمّته كما كان ابن ثلاثين سنة. وكان فيه كرم ومروّة وعشرة، ودُفن بصفد ومات له بدمشق ولدان كانا شابين مليحين، صبر على مصيبتهما، واحتسب. وأنشدني من لفظه لنفسه في سنة أربعين وسبع مئة بدمشق: بدا لنا ينفخ عُثنونه ... وكبّر العِمّة واللّحيه وعنفص الأنف لأفسو به ... فجئتُ أفسو طلعت خريه

стр. 3453

يوسف بن سليمان ابن أبي الحسن بن إبراهيم، الفقيه الأديب الشاعر الخطيب الصوفي الشافعي النابلسي. نشأ بدمشق وقرأ بها الأدب على الشيخ تاج الدين اليماني، وقرأ النحو على الشيخ نجم الدين القحفازي وغيره، وحفظ التنبيه فيما أظن. كان شاعراً قادراً على الارتجال، ماهراً في الإقامة على المعاني الجيدة والارتحال، ينظم القطعة على ما يُطلب منه بديهاً، ويجيد الإتيان بها والتصرّف فيها. وكان لذيذ المفاكهة، جميل التخلف والمواجهة، صحب الناس وعاشرهم وجاملهم بالودّ وكاشرهم، وحاسنهم وما خاشنهم، وشاجنهم وما شاحنهم، وصافاهم وما نافاهم، فاشتمل الرؤساء على ودّه، والتقطوا من منادمته جنيّ ورده، وكان كما قال الحريري: وعاشرت كل جليس بما ... يُلائمه لأروق الجليسا فبين الرواة أدير الكلا ... م وبين السُقاة أدير الكؤوسا وكان مليح النادرة، سريع الجواب في البادرة، وتنسّك في آخر عمره وحسُن حاله في نهاية أمره، وخطب فأشجى القلوب، وندّم على ما ندّ من الذنوب. ولم يزل على حاله أن خلا من مقامه المنبر، وما ذكره صاحبه إلا استعبر. وتوفي - رحمه الله تعالى - ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبع مئة في طاعون دمشق، انقطع يومين لا غير.

стр. 3454

وحج في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، ثم إنه حج في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، عقيب موت ولده سليمان، فإنه حصل له ألم كبير بوفاته، وما رأى لنفسه دواء غير الحج. وكان شاعراً يجيد المقاطيع لفظاً ومعنى، وله في ذلك بديهة مطاوعة، وفكرة متسرعة، وكان القاضي شهاب الدين بن فضل الله قد جدّد رسوم البدرية التي في أرض مَقْرى، وعمّرها في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وقرر فيها خطبة يوم الجمعة، وجعل هذا جمال الدين خطيباً بها، فهو أول من خطب بها، وكان أول يوم خطب به يوماً مشهوداً، اجتمع له القضاة والعلماء ووجوه الناس والأعيان، وعمل القاضي شهاب الدين ذلك النهار طعاماً كثيراً، وخلع فيه الخلع السنيّة، وخطب جمال الدين المذكور خطبة جيدة فصيحة الألفاظ بليغة المعاني، واستمر الى أن مات ﵀ وهو يخطب من إنشائه. وكتبت له توقيعاً بالخطابة، ونسخته: رُسم بالأمر العالي لا زال يكسو المنابر جمالاً، ويُكسب أقمار الوجوه من الخطباء كمالاً، أن يرتّب المجلس السامي جمال الدين في كذا ثقة ببلاغته التي يرف على مياهها ريحانُ القلوب، وفصاحته التي يكاد لفظها لمن يذوق يذوب، وبراعته التي إذا قال: أيها الناس فقد غزا الأسماع بجيش غير مغلوب، وعظاته التي إذا فاه بها بكى الناس ليوسف بأجفان يعقوب، وعبارته التي نسج منها ابن المنيّر على خير أسلوب،

стр. 3455

ومقاصده التي قطف ابن نباتة زهره من روضها المحبوب، لأنه في هذا العصر بحمد الله تعالى أفضل مَن عفّ ومن برّ، وأفصحُ خطيب لو كُلف مشتاق فوق ما في وسعه لسعى إليه المنبر. فليباشر ذلك مباشرة يعقد على فخرها الإجماع، وتُشنّف بدرّها الأسماع، ويثق من إحسان هذه الدولة ببلوغ مناه، وإزالة عناه، وإزاحة ما يحجب غناه. فطالما خلت وظيفة كان يظنها له ملاذاً، وشغر منصب استسقى منه رذاذاً، ولاح رزق قلب وجهه في سمائه، وهذه الولاية تقول: " يوسفُ أعرضْ عن هذا "، الى أن لمع به شهاب تألق، وأغدق وابل جوده الذي فاض وترقرق، فرقاه خطيباً، وهزّ بلطفه المنبر غصناً رطيباً، وضوّع أرجاءه بأرجه حتى قيل إنه ضمّخ طيباً فليُجر بعظاتها الراجزة سحب المدامع، ويوقظ البصائر بإرشاده من كل ذي طرف هاجع، ويُميل عِطف من يسمعه فإنه على غصن منبره بليل حُلّته بلبلٌ ساجع. وليستدرج القلوب الطائرة الى لقط حب التوبة، ويستخرج خبايا الندم على ما فات،

стр. 3456

فكم للنفوس من أوبة بعد عظيم الحوبة، ويغسل درن الذنوب بذكر الممات فكم لصخر القساوة به من لين وذوبة. وإذا وعظ فلا يعظ إلا نفسه التي يمحضها النصيحة، وإذا ذكّر فليذكر في ذلك الجمع انفراده إذا سكن ضريحه، فإن ذلك أوقعُ في نفس السامع، وأجلبُ لسحّ الجفن الهامي بالدمع الهامع، وليأخذ لذلك طيبه العاطر وزينته، ويرقى درج منبره بوقاره الذي لا تُزعزع الرياح سكينته، وليبلّغ السامعين بإفهام واقتصاد، ويذكّرهم بتقوى الله تعالى والموت والمَعاد. وليأت بأدب الخطيب على ما يعلمه. ويحذر من تقعير اللفظ الذي يكاد أن يُعربه فيُعجمه، وتقوى الله تعالى جُنّة واقية، وجنة راقية، وسنّة باقية، فليلبس حلّة شعارها ويُعلي منازه منارها، والله يليّن لمقاله جامد القلوب، ويمنح بعظاته ما سود الصحف من الذنوب. والخط الكريم أعلاه، حجة بمقتضاه، والله الموفق بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى. وكان القاضي محيي الدين بن فضل الله لما تولى كتابة السر بعد شمس الدين بن الشهاب محمود قد رتّب جمال الدين المذكور في ديوان الإنشاء كاتب الغيبة على الموقعين، وكان يحضر الديوان بكرةً وعصراً، ويكتب اسم من تغيّب، ويؤخد من كل من غاب من جامكيته ما يخص كل يوم، ولازم الديوان مدة فتاقت نفسه ليكون من

стр. 3457

جماعة الجماعة في الموقعين، وأخذ يرشّح نفسه لذلك وينجمع عن الناس، وخلع ذلك الثوب الذي كان لبسه، فسلّطوا عليه الفخر عثمان النصيبي الذي كان يدخل الى تنكز، ويُمسخر بالناس عنده، فدخل يوماً الى تنكز وقال: يا خوند هناك صبي وما أقدر أعمل شغلاً إلا به، فقال: اطلبوه، فطلب في الحال، فأحضر، وأخذ عثمان يمسخر وينزل في قذاله، فتألم جمال الدين المذكور لذلك ألماً عظيماً وكاد يسافر من دمشق، وتيقظ له جماعة الشعراء في ذلك العصر، ونظموا فيه مقاطيع كثيرة، وجمعها زين الدين عمر بن الحسام الشاعر، وعملها صورة مقامة، وكتب بها نسخ كثيرة، ومما نظم في هذه الواقعة: يوسف الشاعر من نقصه ... يروم جهلاً رتبة الفاضل تطلّب التوقيع في جلّق ... فجاءه التوقيع في الساحل وأنشدني من لفظه في فرس أدهم: وأدهم اللون فات البرقَ وانتظرَهْ ... فغارت الريحُ حتى غلّبتْ أثرَهْ فواضعٌ رجلَه حيث انتهت يده ... وواضع يده أنّى رمى بصره شهمٌ تراه يُحاكي السهم منطلقاً ... وما له غرض مستوقف خبره يعقّر الوحش في البيداء فارسه ... وينثني وادعاً لم يستثر غبره إذا توقّل قطب الدين صهوته ... أبصرتَ ليلاً بهيماً حاملاً قمره

стр. 3458

وأنشدني أيضاً لنفسه: قد مضتْ ليلةُ الوصال بحالٍ ... قصّرت عن محصّل الأزمان أخبرتنا أن الزمان جميعاً ... قد تقضّى في ليلة الهجران وأنشدني من لفظه لنفسه: يعيبون من أهوى بكسرة جفنه ... وعندي لهذا العيب قد تمّ حُسنُهُ فقلتُ وما قصدي سوى سيف جفنه ... إذا دام فتك السيف يكسَر جفنهُ وأنشدني أيضاً ما قاله في بستان الصاحب شمس الدين: ودولاب يحنّ بجسّ عودٍ ... على وترٍ يساسُ بغير جسِّ فلما أن بدت منه نجوم ... حكى فلكاً يدورُ بسعدِ شمسِ وأنشدني من لفظه له في مليح ينظر في مرآة: سَقياً لمرآة الحبيب فإنها ... أمسَت لطلعته البهيّة مَطلعا واستقبلت قمرَ السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا وأنشدني من لفظه وكان الغزّي يدّعيهما: كأن السحاب الغرَّ لما تجمّعت ... وقد فرقت عنا الهموم بجمعها نياق ووجه الأرض قعب وثلجها ... حليب ومرّ الريح حالب ضرعها وأنشدني أيضاً، والغزّي يدّعيهما: ونوّار خشخاش بكرنا نزوره ... وقد دُهش الرائي لحسن صفوفه تغنّى به الشحرورُ من فرط وجده ... فنقّط بالياقوت ملء دفوفه

стр. 3459

وكنت قد سمعت له وأنا بصفد في حدود العشرين وسبع مئة: كأن ضوء البدر لما بدا ... ونوره بين غصون الغصونْ وجهَ الحبيب زار عشّاقه ... فاعترضَتْ من دونه الكاشحونْ ونظم زين الدين عمر بن داود الصفدي أيضاً في ذلك قطعة، وقد تقدمت في ترجمته فأعجبني نظم جمال الدين، وقلت أنا فيه: كأنما الأغصانُ لما انثنت ... أمام بدر التّمّ في غيهبهْ بِنتُ مليك خلف شِباكها ... تفرّجت منه على موكبه وقلت أيضاً: وكأنما الأغصان تثنيها الصّبا ... والبدرُ من خللٍ يلوحُ ويُحجبُ حسناء قد عامت وأرخَت شعرَها ... في لجّة والموج فيه يلعب وقلت أيضاً: وكأنما الأغصان في دوحها ... يلوحُ لي منها سنا البدر ترسٌ من التّبر غدا لامعاً ... يقيسه أسودَ بالشّبر وكتبت أنا إليه ملغزاً في مكوك الحايك: أيا مَن فاق في الآداب حتى ... أقرّ بفضله الجمُّ الغفيرُ وأجرزَ في النّهى قصبات سبقٍ ... فدون محله الفلكُ الأثير وأطلع في سماء النّظم زهراً ... يلوح فمَن زهيرٌ أو جرير

стр. 3460

قطعت أولي النُهى في البحث سبقاً ... فما لك في مناظرة نظيرُ إذا أغربت في الإعراب وجهاً ... فكم ثلجت بما تبدي الصدور وإن قيل المعمّى والمورّى ... فذهنك نافد فيه بصيرُ وها أنا قد دعوتك للتّحاجي ... لأنك في الحجى طبٌ خبيرُ فما ساعٍ يُرى في غير أرض ... ولا هو في السّما مما يطيرُ تراه مردّداً ما بين طردٍ ... وعكسٍ قصّرت عنه الطيور ويلطَم كلما وافى مداهُ ... ويُسحب وهو مغلول أسيرُ وتُنزع كل آونةٍ حشاهُ ... ويُلقى وهو للبلوى صبور ويُرشف بعد ذلك منه ثغر ... ولا عذبٌ هناك ولا نميرُ إذا ما سار أثّر في خطاه ... طرائق دونَها الروض النّظيرُ يجرّ إذا سعى ذنباً طويلاً ... ويفتر حين يعلوه قصور ويُسمع منه عند الجري صوتٌ ... له في صدره منه خَرير قليل المكثِ كم قد بات تُطوى ... له من شقّة لما يطيرُ ويفترش الحرير ويرتديه ... غطاء وهو مع هذا فقير وتظهر في جوانبه نجوم ... وفي أحشائه فلكٌ يدور فأوضح ما ذكرت فغيرُ خافٍ ... على مجموع فضلك ما أشير ودُم في نعمة وسعود جدٍ ... وعزٍ ما سقى روضاً غديرُ فكتب الجواب في أسرع وقت:

стр. 3461

أوجهُك لاحَ أم قمرٌ مُنيرُ ... وذكرُك فاح أم نشرٌ عبيرُ طلعت طلوع شمس الصحو صُبحاً ... على فرس حكي فلكاً يسيرُ ويا لله روضاً ضمن طرسٍ ... زهير في جوانبه جرير رميت به إليّ فقلت هذا ... شعاع الشمس مأخذه عسير أراني رمزه الوضاح حسناً ... ينبهني على أني حقير وإني ملحَق بأقل صنفٍ ... إذا ما حقّق الجمُّ الغفيرُ فمذ صحّفته فكري مَلولٌ ... ومذ نشرته باعي قصير هو المأسور بالماسور لكن ... له في أسره مرح كثير نشيط أيّدٌ ويقاد طوعاً ... بخيط متنه واهٍ طريرُ يُراع لأن مهجته يَراعٌ ... له في الجوف من خوف صغير يحور الى يمين من شمال ... وما يغنى بذا لكن يخور غدا يسعى بأربعة سراعٍ ... وليس لمشيه بهم نظير يخالف بين رجليه فيجري ... وترفعه يداه فيستطير له نول يسير لكل حي ... وميت فيه إحسانٌ كثير إذا أسدى إليه الخير مُسدٍ ... جزاهُ عليه وهو بذا قدير كذاك صفاتك الحُسنى ولكن ... بدأت تطوّلاً وبنا قصور ففخراً ثم ستراً ثم قَصراً ... فأين الثّمدُ والبحر الغزيرُ

стр. 3462

وكتب هو يوماً متقاضياً: إلى بابك العالي توجهتُ موقناً ... بسرعة نيل القصد قبل التوجهِ وعادتُنا منك النجاح لقاصدٍ ... نحاك وأنت الجاهُ للمتجوّه ومن مسّ دهر من تأوّه من له ... سواك وأنت الجبرُ للمتأوّه فلاقاه بالحمد امرؤٌ وهو مطنب ... لخلق ولست القصدُ للمتفوّه واقترح علينا يوماً القاضي شهاب الدين بن فضل الله معارضة أحمد بن حسن الموصلي في موشحه الذي أوله: باسمٌ عن لآلٍناسمٌ عن عطرنافرٌ كالغزالسافرٌ كالبدرِ فكان الذي نظمه ولم يلتزم قوافيه في الأغصان ولا الحشوات، فقال: زائرٌ بالخيالزائلٌ عن قربيباهرٌ بالجمالناهر بالعُجبِ أي غصن نضير ... نزهة للنظرْ لحظُ عيني خفير ... منه ورد الخفَرْ يا له من غرير ... في هواه غرَرْ ساحرٌ بالدّلالِساخرٌ بالصبِّفائقٌ في الكماللائقٌ بالحبِ بشذا المسكِ فاحْ ... ثغرُ هذا الغزالْ باسمٌ عن أقاحْ ... أو فريد اللآلْ ردّ نور الصّباح ... كظلام الليالْ ريقهُ حين جالفي لماهُ العذبصرتُ بين الزّلالوالهوى في كرب ذو قوام رطيبْ ... منه تُجنى الحُرَقْ

стр. 3463

رام ظلم القضيب ... فاشتكي بالورق فتثنّى الحبيب ... ورنا بالحدق مثل بيض النّصالمن سواد الهدبوالعوالي أمالبالقوام الرّطب لو رآه القسوس ... حسّبته المسيح وهو يحيي النفوس ... بالكلام الفصيحْ ما تبينُ الشموس ... عند هذا المليح خلِّ عنك الغزاليرتعي في الكثبثم قل للهلاليحتجب في الغرب ثغره في بريق ... إذ جلاه بريق كل حُر رقيق ... للماه الرّقيق خده والشقيق ... ذا الهذا شقيق قد بدا فيه خالكسواد القلبإذ غدا في اشتعالفوق نار الحب ما لصبّ صبا ... في هواهُ نصيب منه قبل الصِّبا ... قد علاني الشّيب يا نسيم الصَّبا ... جُزْ بأرض الحبيب واجتهد أن تنالمنه طيب القُربثم عد بالنوالمن هدايا حبي جائرٌ قد ظهر ... عدله في القوام في الوجود اشتهر ... مثل بدر التّمام فيه يحلو السهر ... ويمر المنام صدّ تيهاً وقالوهو يبغي حربيلحظ عيني نبالقلت آه وا قلبي وكان الذي قلته أنا:

стр. 3464

جامح في الدّلالجانح للهجرخاطر في الجمالعاطر في النشرِ غصنٌ بانَ رطيب ... قد زها بالطّرب ينثني في كثيب ... بالصّبا عن كثب ما لقلبي نصيب ... منه غير النّصَبْ قمر في كمالفوق غصن نضرطالعاً لا يزالفي دياجي الشعر كم جَلا بالسّنا ... فرقُه لي الصّباح وحلا في الجَني ... مبسمٌ عن أقاح إن رَنا وانثنى ... أو تبدّى ولاح يا حياءَ الغزالوافتضاح السمرواختفاء الهلالوكسوف البدر خاله كالرقيب ... للعِذار الرّقيم وسط نار تُذيب ... حول روض وسيم يتشكّى اللهيب ... في النعيم المقيم ذاق برد الظلالفي لهيب الجمرواهتدى في الضّلالببروق الثّغر غضنٌ بانَ يميس ... في رياض الزهرْ ريقه الخندريس ... في زلالٍ ظهرْ فيه درٌ نفيس ... في عقيقٍ بهر جفنه حين صالفي حنايا صدريلو كفاني النّباللاكتفى بالسَّحر شقّ قلب الشّقيق ... منه خدٌ أنيق والقوام الرّشيق ... فيه معنىً دقيق كم سقاني الرحيق ... من فم كالعقيق بعد ذاك الزلالما حلا لي صبريوالقوام المُمالقام فيه عُذري

стр. 3465

يوسف بن سيف الدولة أبي المعالي بن زمّاخ - بالزاي والميم المشددة وبعد الألف خاء مشددة - ابن بركة بن ثمامة بن أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان التغلبي المصري المعروف بابن مهمندار العرب، بدر الدين. كان شيخاً متجنّداً فاضلاً، شاعراً مؤرخاً، صنّف تصانيف منها كتاب في الأنساب، ومنها كتاب في البديع سمّاه الآيات البيّنات. أنشدني الشيخ العلامة أثير الدين، قال: أنشدني المذكور لنفسه: وليلة مثل عين الظّبي وهي معي ... قطعتها آمناً من يقظة الرُقَبا أردفتُها فوق دهم الليل مختفياً ... والصبحُ يركض خلفي خيله الشهبا حتى دهاني وعين الشمس فاترة ... وقد جذبت بذيل الليل ما انجذبا ما هي بأول عادات الصباح معي ... ليلُ الشباب بصبح الشيب قد هربا وبه قال: أنشدني له: أعلى الورى همماً أوفاهُم ذمماً ... أسناهم كرماً في كل مبتذل ماضي العزيمة وهّاب الكريمة دفّ ... اع العظيمة، وثّابٌ بلا فشل مُعطي الألوف ومِطعام الضيوف ومط ... عانُ الصفوف ومُردي الحادث الجلل

стр. 3466

بادي الوسامة، دفّاع الظلامة حمّ ... الُ الغرامة ذو عِلم وذو عملِ صافي السرائر، صوّام الهواجر قوّ ... امُ الدياجر والإصباح والأصل تأتي الوفود إليه لا إلى أحد ... ومَن رأى البحر لا يأتي الى الوشلِ الدهر جسمٌ وأعضاء جسمه دولٌ ... وأنت وحدك فيه جوهر الدول وأنشدني الشيخ فتح الدين سيد الناس، والشيخ أثير الدين كلاهما، قال: أنشدنا لنفسه: فلا تعجب لحُسن المدحِ مني ... صفاتك أذكرت حكمَ البوادي وقد تُبدي لك المرآة شخصاً ... ويُسمعك الصّدى ما قد تُنادي وأنشدني الشيخ أثير الدين قال: أنشدني له: ما شيمةُ العرب العَرْباء شيمتُكم ... ولا بهذا عُرِفنَ الخرّدُ الغيدُ كانت سُليمى ولبنى والرّباب إذا ... أزمعنَ هجراً أتتهنّ المواعيد ودار بينهما فحوى مُعاتبةٍ ... أرقُّ مما أراقته العناقيد وآفة الصبِّ مثلي أن يبثّ جوىً ... لمن يحبُّ ولا يُلوى له جيد ومن شعره: إن كنتَ تفخر أن تفوهَ بوصفه ... حُسناً ومثلك من يفوقُ قريضُهُ سَل عن سواد الشّعر نرجسَ طرفه ... يخبرْكَ بالليل الطويل مريضه ومنه:

стр. 3467

ما إن عجبتُ لكون نيلك فاتني ... لسواد لحظي وهو بحرٌ مزبدُ لكنني متعجّب كيف اختفى ... بين الأيادي البيض حظ أسود ومنه: كنا إذا جئنا لمن قبلكم ... أنصف في التّرحيب قبل القيامْ واليوم صِرنا حين نأتيكم ... نقنع منكم بلطيفِ الكلام لا غيّر الله بكم خيفةً ... من أن يجيء من لا يردّ السلام وأنشدني الشيخ قطب الدين عبد الكريم إجازة، قال: أنشدني لنفسه: مسائل دورٍ شيبُ رأسي وهجرُها ... فكل على كل له سببٌ يُنبي فأحلِفُ لولا الهجرُ ما شاب مفرقي ... وتُقسم لولا الشيب ما كرهتْ قربي قلت: كنت قد سمعت أنا الشيخ العلامة تقي الدين أحمد بن تيمية ينشد هذين البيتين، ويترنّم بهما، فأعجباني، ونظمت المعنى مختصراً وقلت: مسألة الدور بنا ... عجبت من وجودها صدّت لشيبٍ قد بدا ... والشيبُ من صدودها ولما خاض السلطان الملك الظاهر بيبرس الفرات ورمى بنفسه وبالجيوش فيه، قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر - رحمه الله تعالى: تجمّع جيش الشّرك من كل وجهة ... وظنوا بأنّا ما نُطيق لهم غلبا

стр. 3468

وجاؤوا الى شاطي الفرات وما دروا ... بأن جياد الخيل تقطعها وثْبا وجاءت جنود الله في العُدد التي ... تُميس به الأبطال يوم الوغى عُجبا فعُمنا بسدٍّ من حديد سباحةً ... إليه فما اسطاع العدو له نقْبا ولما سمع ابن مهمندار العرب ذلك، قال: أنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه: لو عاينتْ عيناك يوم نزالنا ... والخيل تطفح في العجاج الأكدر وسنا الأسنّة والضياء من الظبى ... كشفا لأعيننا قتام العثير وقد اطلخمّ الأمر واحتدم الوغى ... ووهى الجبان وساء ظن المجتري لرأيت سداً من حديد مائراً ... فوق الفرات وفوقه نارٌ تري ورأيت سيل الخيل قد سدّ الرُبا ... ومن الفوارس أبحُراً في أبحر ظفرتْ وقد منع الفوارس مدّها ... تجري ولولا خيلُنا لم تطفر حتى سبقنا أسهُماً طاشت لنا ... منهم إلينا بالخيول الضّمر لم يفتحوا للرمي منهم أعيُناً ... حتى كُحلنَ بكل لدنٍ أسمر فتسابقوا هرباً ولكن ردّهم ... دون الهزيمة رمح كلّ غضنفر ملؤوا الفضاء فعنْ قليل لم ندع ... فوق البسيطة منهم من مُخبر سدّت علينا طُرقنا قتلاهم ... حتى جنحنا للمكان الأوعر

стр. 3469

ما كان أجرى خيلنا في إثرهم ... لو أنها برؤوسهم لم تعثرِ من كل أشهب خاض في بحر الدِّما ... حتى بدا لعيوننا كالأشقر كم قد قلعنا صخرةً من صرخةٍ ... ولكم ملأنا محجراً من محجر وجرى دماؤهم على وجه الثّرى ... حتى جرت منها مجاري الأنهر والظاهر السلطان في آثارهم ... يُذري الرؤوس بكل عضبٍ أبتر ذهب العجاج مع النّجيع بصقله ... فكأنه في غمده لم يُشهر إن شئت تمدحه فقف بإزائه ... مثلي غداة الروع وانظم وانثر قلت: هذه الأبيات الأخيرة الأربع ليست من رواية الشيخ أثير الدين. وكتب ناصر الدين ابن النقيب الى بدر الدين بن مهمندار العرب: أيوسُفُ بدر الدين والحُسنُ كله ... ليوسف يُعزى أو الى البدر يُنسب أتيت أخيراً غير أنك أول ... تعدّ من الآحاد شعراً وتُحسب وأحسن ما في شعرك الحرّ أنه ... به ليس تستجدي ولا تتكسّب وتوفي بدر الدين ﵀ في حدود السبع مئة. ومولده سنة اثنتين وست مئة. ومن شعره العذب، ونظمه الذي كأنه في الصّقال عضب، قوله: عسى الليالي وفي قولي عسى خدع ... تردّ لي من زماني بعض ما ذهبا بانوا بأبهى من الدنيا وزينتها ... عندي وأكرم مطلوب إذا طلبا

стр. 3470

كالغصن منثنياً كالظبي ملتفتاً ... كالشمس مبتسماً كالبدر منتقبا كم بتّ أرشفُ صغراً حشوه درر ... وكلما زدتُ لثماً زادني لهبا منها في المديح: مَن حاتمٌ وعطايا جوده جملٌ ... وجودُ ذا جمل تترى ولا عجبا لكن هو الحظّ ذكر الغيث سار وما ... هَمى لجيناً على عافٍ ولا ذهبا وسار جدواه في الدنيا وساكنها ... فأدبر الفقرُ عنهم ممعناً هربا فاضمُم يديك على مالٍ حباك به ... تعوّد البذل، لو قيّدته وثبا وارفقْ بنفسك لا تعديكَ راحته ... فتغرق الناس من بعض الذي وهبا يوسف بن شاذي ابن داود بن شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي، الأمير صلاح الدين ابن الملك الأوحد ابن الملك الزاهر ابن الملك المجاهد، تقدّم ذكر والده الأوحد في مكانه من حرف الشين. كان الأمير صلاح الدين من أحسن الناس صورة، وهو أمرد، وعمل الإمرة من أحسن ما يكون. وكان ذهنه في العمائر وغيرها ذهناً جيداً صحيحاً، ليس في دمشق أحسن من بستانه، ولا من العمارة التي رتّبها فيه. وكان الأمير سيف الدين تنكز قد مال إليه، وأحبّه، وكان يطلع الى بستانه، ويأكل ضيافته فيه، وكانت تكون شيئاً عظيماً.
следующие страницы →