Полный текст (3 514 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
كان مصدّراً لإقراء العربية بجامع الصالح خارج باب زويلة وبالجامع الظافري بالقاهرة، بلغ السبعين من عمره، وله مصنفات، ووقف كتبه بالجامع الظافري.
كان قد غلب عليه التدين والانقطاع.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
يحيى بن علي
ابن تمام بن يوسف بن موسى، الشيخ صدر الدين أبو زكريا السبكي الشافعي.
هو عمّ شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي.
كان قد ولي قضاء المحلة وعدة مناصب. وروى عن ابن خطيب المزة، وسمع منه حفيده قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد ابن عبد اللطيف وغيره.
وكان إماماً عارفاً بأصول الفقه، ومدرساً بالسيفية، وتولاها بعده ابن أخيه العلامة تقي الدين.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
يحيى بن علي بن أبي الحسن
ابن أبي الفرج بن طاهر بن محمد، الشيخ الإمام المسند الفقيه الفاضل المنشئ محيي الدين بن الحداد الحنفي.
كان ناظماً ناثراً، قاعداً بفن الترسّل ماهراً، كتب الإنشاء بطرابلس زماناً، ونال
стр. 3397
من طول المدة في عمره أماناً، الى أن تخلى عن المباشرة، وملّ المصاحبة من إخوانه والمعاشرة وانقطع بدمشق مُقبلاً على شانه، عالماً بخيانة إخوانه، وزمانة زمانه.
ولم يزل الى أن عُدّ فيمن أركبته المنايا على الأعواد، ولم يحمل التطريق ابن الحداد.
وتوفي رحمه الله تعالى بمنزله في الكفتيّين داخل دمشق بعد العشاء الآخرة ليلة الاثنين حادي عشري شوال سنة سبع وخمسين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية الى جانب الشيخ جمال الدين الحصيري الحنفي.
ومولده سنة ست وستين وست مئة بدمشق، وأصله رقّي.
وكان قد تولى بالقاهرة نظر القنود، ثم دار الوكالة في سنة سبع عشرة وسبع مئة، فلما توفي شمس الدين الطيبي كاتب الإنشاء بطرابلس تولى مكانه، وخرج من القاهرة في أواخر سنة سبع عشرة وسبع مئة.
أخبرني ولده الأمير ناصر الدين محمد، أحد البريدية بدمشق قال: توجهت مع والدي الى عند قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى - وقال له وأنا أسمع: إن والده أحضر الى الشيخ محيي الدين النواوي - رحمه الله تعالى - بالرواحية وهو أمرد ليشتغل عليه، فقال له: هذا صبي أمرد، وأنا مذهبي أن النظر الى الأمرد حرام مطلقاً، ولكن توجه به الى تاج الدين الفزاري، فأخذه والده وجاء به الى الشيخ تاج الدين وهو يشتغل في الجامع الأموي، أو كما قال.
وكتب الإنشاء بطرابلس نحواً من أربعين سنة، وكانت له مباشرات بالشام في دمشق وبعلبك وحمص وحماة وحلب في غير ما وظيفة من وظائف الديوان.
стр. 3398
وكان قد كتب هو إليّ لما ورد دمشق:
يا إماماً قد فاق سحبان بل قس ... سَ إيادٍ قل لي أأنت خضر
أنت للفضل قبلةٌ ولأهل ال ... علم نجم يُهدي وللدين بَدر
فإذا ما نطقت أفنيت أفكا ... ر البرايا ولم يحرْ لك فكر
وإذا ما وضعت في الطرس خطّاً ... باهر الحسن جلّ بل حلّ سحر
وإذا ما نظمت شعراً فللشع ... رى حياء منه وللشعر فخر
وإذا ما نحوت نحواً فمن زي ... دٌ من الماهرين فيه وعمر
أخجل النظم منك نظمٌ وأودى ... نثرة الشهب من مقالك نثر
أترى أنت عالم بولائي ال ... محضِ أم بينه وبينك ستر
ليس شكل من الصواب فلو حقّ ... قت قربي ما عاقني عنك بحر
وعلى الحالتين بعدٌ وقرب ... لك عندي حبٌ وحمدٌ وشكر
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
لك مني حمد يفوق وشكرٌ ... لي منه على مدى الدهر سكرُ
وولاء عقدتُ منه لواءً ... منه طي في الخافقَين ونشر
ودعاء حقٌ بغير ادّعاءٍ ... فيه من سرعة الإجابة سرّ
وثناءٌ أعليت منه بناءً ... فهو أفقٌ نجومه منك زهر
قد تفضّلت بادياً بقريضٍ ... كلُّ بيت فيه من الحسن قصرُ
فهو ينهل في انسجام ويحلو ... فعلي كل حالةٍ فهو قطر
стр. 3399
وكأن السطور روض مريع ... والمعاني كأنها فيها زهرُ
أنت يا بن الحداد صغت المعالي ... لك طوقاً فيه كلامك درُّ
بك قد أشرقت دمشق وتاهت ... فلها من سناك فجرُّ وفخر
أنت فيها بحرٌ وقد سبق القو ... ل ضميري فقلت إنك حبرُ
كيف يُدعى بالبحر من كل بحر ... مستمدٌ من فضله مستمرّ
فابق في نعمةٍ تفيد البرايا ... فضلَ علمٍ يغشاه زيدٌ وعمرو
يحيى بن فضل الله
ابن المجلي بن دعجان، القاضي الكبير الرئيس محيي الدين أبو المعالي القرشي العدوي العُمري، كاتب السر السلطان بالشام، أولاً، وبمصر أخيراً.
تقدم ذكر أخيه القاضي شرف الدين عبد الوهاب، وذِكرُ ولديه القاضي شهاب الدين أحمد، والقاضي بدر الدين محمد وذكر أخيه بدر الدين محمد بن فضل الله كلّ منهم في مكانه.
كان سعيد الحركات إذا تحرك، سديد السكنات، كأن القدر تكفّل له بحُسن العقبى وتدرّك، متعه الله تعالى بالمناصب والأولاد، والسعادة التي لها الجبال أوتاداً، فرأى في مناصبه ما لا رآه غيره، وفي أولاده من السعد ما لم يزجر به لغيرهم طيره. وكتب الخطّ الذي تودّ الرياضُ لو كانت أوراقه، والعقود لو نُظمت مثل سطره في حُسن اللباقة. ما أعتقد أنه خدم الترك مثله، ولا نبت في وادي أغراضهم إلا بانُهُ وأثله، قد درِبَ مقاصدهم وألفها، وفرّع مرامي مراميهم وعرفها، طال عمره في السعادة وخدمته في آخر عمره بالحسنى وزيادة.
стр. 3400
وكان يرعى حقّ من خدمه، ويعلي كعب صاحبه وقدمه، ولم يكن فيه لأحد أذى، ولا رأى غيره من عينه قذى، منجمعٌ عن الناس، لا يجتمع بأحد في مآتم ولا أعراس، شُغله بخويصة نفسه، والاعتزال عن أبناء جنسه. وكان شديد الحزم، مديد الهمة والعزم:
لا يقرع السنَّ للفوات ولا ... يعضّ حرّ البنان من ندمه
يقلّ قدرُ الأنام عنه كما ... يصغر جنب الزمان في عظَمه
ولم يزل على حاله الى أن انهار به جُرفه، وتهدّم من عمره شُرفه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة، ودفن بالقرافة، وكانت جنازة عظيمة، ثم إنه نقل تابوته الى دمشق، ودفن بتربتهم التي في الصالحية في شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
وكتبت أنا الى ولده القاضي علاء الدين كاتب السر أرثيه بقصيدة وهي:
يا قاصد الفضل عُد قد مات مُحييه ... وغاب من كان بين الناس يُبديه
وأوحشَ الدست ذاك لصّدرٍ حين مضى ... فطالما كانت الأسرار تأويه
كم دبر الملك بالآراء فامتنعت ... ثغوره وحماهُ من أعاديه
ورفّة السُمر والبيض الصفاح فما اح ... تاج الشجاعُ لأن تجري مذاكيه
وكم كتابٍ له أردى الكتائب لم ... ما بات في ساحة الديوان يُمليه
مهما نسيتُ فما أنسى توجّعه ... لي من زماني إذ خانت لياليه
стр. 3401
ولُطفه كلما وافيتُ مجلسَه ... كأنما نسماتُ الروض لي فيه
يا ذاهباً ترك الأسماع من حَزَنٍ ... تودّ لو أنها صُمّت لناعيه
ومن مضى والورى تدري محاسنه ... حتى لقد شكر الله مساعيه
أقسمتُ ما خدم الأملاك مثلُك في ... سرّ تبيتُ من الأعدا تُراعيه
ولا يوفّي الأمور الباهظات إذا ... ما أظلم الرشد حقاً أنت تدريه
ربّيْت فيما مضى من دهرنا دولاً ... من غير عجزٍ ولا كبرٍ ولايته
وكم وصلت لمن قد بات ملتجئاً ... إليك رزقاً رآه لا يواتيه
يُجنى عليك ولم تُظهر مؤاخذةً ... لأجل ذلك تعلو من تناويه
وما برحتَ عظيم القدر ذا شرفٍ ... عند المليك الذي جلّت أباديه
وقد مضَيت الى الله الكريم وما ... يضيعُ مثلك ضيفاً عند باريه
قدمت في مثل شهر الصوم حضرته ... بُشراك بُشراك خيرٌ بتَّ تجنيه
فقِرَّ عيناً بمن خلّفتَ من ولدٍ ... فإن حقّك كل الناس يدريه
ولم يمت من بنوه سادةً نجُبٌ ... كلٌ على حدةٍ يحيي معاليه
لاسيما وعلاءُ الدين ثالثهم ... يفوه بالمسك من أضحى يسمّيه
كفاية ووقار في رسوخ نهىً ... فما أرى أحداً في ذا يوفّيه
أما الكتابةُ فاسأل كلَّ يانعة ... من الحدائق إن كانت تحاكيه
أو العبارةُ فاسأل كل بارقة ... من الدياجر إن كانت تجاريه
أو الترسّل فاسأل كل هاطلة ... من السحائب إن كانت تباريه
أو الخلائق فاسأل كل نافحةٍ ... من النواسم إن كانت تضاهيه
نظمٌ كأن سلاف الدنّ شعشعها ... فينا ضُحىً وأدارتها قوافيه
стр. 3402
وكل سجع لو أن البحر يعرف ما ... يأتي به لاستحتْ منه لآليه
يا من سردت معانيه وأقسمُ ما ... تدري الليالي له مثلاً فتحويه
اصبر على فقد مولى كلُّ ذي أدب ... إن كان يُنصفُ لا ترقا مآقيه
وسلّم الأمر في هذا لخالقه ... تنلْ من الله ما تغدو تُرجّيه
فأنت أولى بصبر القلب في حزنٍ ... ما غير فضلك فينا من يُعانيه
ولم أر فيمن عاصرته من كتب النسخ وخرّج التخاريج والحواشي أحلى ولا أظرف ولا آنق من القاضي محيي الدين بن فضل الله ومن الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، نعم والقاضي جمال الدين إبراهيم بن شيخنا شهاب الدين محمود، ولكن القاضي محيي الدين رعشت يده في آخر عمره، وارتجت كتابته أخيراً، ورأيت بخطه المثل السائر، والوشي المرقوم وهما في غاية الحُسن.
وأول ما كتب الإنشاء بدمشق في أيام أخيه القاضي شرف الدين عبد الوهاب سنة إحدى وستين وست مئة، ثم إنه جهّزه الى حمص، فأقام بها سنتين، ونُقل الى دمشق، فأقام مدة، ثم أعيد الى حمص وأقام بها قريباً من خمس سنين، ثم إنه نقل الى دمشق، ولما توجه أخوه الى كتابة السر بمصر وأقام بها الى أيام السلطان حسام الدين لاجين حصل للقاضي شرف الدين استرخاء، فجهّز السلطان أحضر القاضي محيي الدين سنة سبع وتسعين وست مئة، فأقام بمصر ينوب عن أخيه تسعة أشهر، ثم إنه طلب العود الى دمشق، فأعيد إليها.
стр. 3403
ولم يزل بدمشق كاتب سر الى أن حضر السلطان من الكرك الى دمشق، وتوجه الى مصر سنة تسع وسبع مئة وهو معه، وعاد الى دمشق على وظيفته الى أن حضر أخوه القاضي شرف الدين عوضه بدمشق، ثم إنه عُطّل من المباشرة مدة، وأُخذ منه مبلغ مئة ألف درهم، وبقي مدة بلا خدمة، ثم رسم له أن يكون موقّعاً في الدست قدام الأمير سيف الدين تنكز، فلبث بعد ذلك الى أن باشر صحابة ديوان الإنشاء بعد القاضي شمس الدين ابن الشهاب محمود في رابع عشر ذي القعدة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وأقام على ذلك الى أن طلبه السلطان الملك الناصر الى مصر، وولاه كتابة السر بها لما بطُلتْ حركة القاضي علاء الدين بن الأثير، وطُلب معه القاضي شهاب الدين، وولده، والقاضي شرف الدين أبو بكر حفيد شهاب الدين محمود، فوصلوا الى القاهرة في تاسع عشر المحرم سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وأعيد شرف الدين الى كتابة سرّ دمشق عوضاً عن محيي الدين، وأقام بالقاهرة مدة الى سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وكان شرف الدين قد طلع مع تنكز الى مصر، فرُسم لشرف الدين أن يكون كاتب السرّ بمصر، وأن يتوجه القاضي محيي الدين وأولاده مع تنكز الى دمشق، وذلك في نصف شعبان من السنة المذكورة، ولم يلبث شرف الدين في المنصب إلا ريثما حجّ السلطان وعاد معه، فرسم لشرف الدين بعوده الى كتابة سر دمشق، وطُلب القاضي محيي الدين وأولاده الى مصر ثانياً، واستمر القاضي محيي الدين على ذلك الى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، فزاد ضعفه، وكبُرت سنّه، فطلب من السلطان أن يعود الى دمشق ليموت بها، فرسم له بالتوجه الى دمشق، وألزم ولده القاضي شهاب الدين بالتوجه معه، وكُتب له توقيع عظيم في قطع الثلاثين بأن يستمر على صحابة الديوان بالممالك الإسلامية، وأن يكون جميع المباشرين لهذه الوظيفة من بالباب فمن دونه
стр. 3404
نوابه، وأنه حيث حلّ يقرأ القصص والمظالم والولايات والعزل والرواتب وغير ذلك، ويوقع فيما يراه، وتُجهز الى مصر ليُعلّم عليها العلامة الشريفة، ورسم بعود أولاده معه خلا القاضي علاء الدين فإنه كان في صحابة ديوان الإنشاء الشريف بمصر.
وتجهز القاضي محيي الدين وجماعته للسفر، وشدّت المحفة على البغال لتدمن على حملها، ولم يبق إلا سفره، فأُثقل في المرض، وانقطع جملة كافية. فلبث أياماً قلائل، وتوفي في التاريخ المذكور.
ولم أر في عمري من نال سعادته في مثل أولاده وأملاكه ووظائفه وعمره، وكان السلطان قد بالغ أخيراً في احترامه وتعظيمه، وكتب له في أيام الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار توقيعاً بالجناب العالي، فقبّل الأرض واستفعى من ذلك وكشطها، وقال: ما يصلح للمتعمم أن يُعدّى به المجلس العالي.
وأجاز لي بخطه في القاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
يحيى بن محمد بن علي
ابن زيد بن هبة الله رشيد الدين أبو طالب، الفقيه الحنفي، الأديب الشاعر.
حدّث بشيء من شعره، ورواه ولده أبو المحاسن يوسف والفقيه ظهير الدين علي بن عمر الكازروني وابن الغوطي.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة إحدى وسبع مئة.
ومن شعره:
стр. 3405
إن كنتَ من أهل الصبابة والجوى ... فاسمع ولا تبخل بنفسك في الهوى
من لا يذلّ لمن يحب فحظه ... من حبه إما الصدود أو النوى
فاخضع له إن شئت عزّة قربه ... فلقد هديت، فلا تكن ممّن غوى
يحيى بن محمد بن علي
ابن أبي القاسم، محيي الدين ابن العدل بدر الدين العدوي الدمشقي ابن السكاكري.
مولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وتوفي بدمشق في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
فاق في كتابه الشروط وسمع الحديث من جماعة، وتزوج بقريب من المئة امرأة.
يحيى بن محمد بن سعد
ابن عبد الله بن سعد بن مفلح، الشيخ الإمام الصالح المعمر، مسند وقته سعد الدين أبو زكريا ابن الصاحب البليغ شمس الدين الأنصاري المقدسي الصالحي الحنبلي.
سمع حضوراً في الثالثة من ابن اللتي، وسمع في الخامسة من جعفر الهمذاني، واسمه في الطباق عليهما سعد، وبه يسمى أيضاً، ما كان له أخ واسمه سعد، وسمع من أبيه، والشرف المرسي، والكفرطابي، وابن عبد الدائم، وجماعة، وأجاز له ابن
стр. 3406
روزبه، والقطيعي، والأنجب الحمّامي، وابن صباح المخزومي، وعلي بن مختار العامري، وعبد المحسن السطحي، وأبو القاسم ابن الصفراوي، وخلقٌ كثير.
وتفرّد في وقته وروى الكثير على سداد وخير، وتواضع وحضور ذهن، وحسن خلق، وأكثر عنه ولده المحدّث شمس الدين.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع عشري ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
يحيى بن محمد بن عبد الرحمن
القاضي الرئيس جمال الدين بن الفويرة، تقدم ذكر ولديه علاء الدين علي والشيخ بدر الدين محمد الحنفي في مكانيهما.
كان القاضي جمال الدين رئيساً في نفسه، يتودد الى الناس، ويخدمهم، ويتجمّل معهم.
توفي رحمه الله تعالى في أول جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
يحيى بن مصطفى
الأمير جمال الدين، أحد الأمراء العشرات بدمشق، ابن الأمير زين الدين مصطفى البيري.
كان شاباً طوالاً حسن الوجه والقامة، فيه خيرٌ ودين، يلازم صلاة المغرب بالجامع الأموي.
стр. 3407
ولم يزل على طريقة جيدة، الى أن توفي رحمه الله تعالى في أواخر شهر رجب الفرد سنة سبع وخمسين وسبع مئة.
وكان كماً، بقل عذاره، تألم له والده والناس أيضاً.
يحيى بن يوسف
ابن أبي محمد بن أبي الفتوح، الشيخ المعمر المسند شرف الدين أبو زكريا المقدسي ثم المصري.
روى شيئاً كثيراً بالإجازة من ابن رواج وابن الجميزي والمرسي والمنذري وغيرهم، وأكثر عنه شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي، والقاضي تقي الدين أبو الفتح السبكي وأقاربه، وشمسُ الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي، وكانت الإجازة قد أخذها له أخوه محيي الدين محمد النحوي.
وكان شيخاً حسناً لا بأس به، يتعاسر في التحديث.
توفي ﵀ بمصر سنة سبع وثلاثين وسبع مئة عن نيّف وتسعين سنة.
يحيى الملك
إمام الدين البكري القزويني، صاحب الديوان بالعراق.
توفي رحمه الله تعالى بالحلّة سنة سبع مئة، ونقل الى بغداد، ودفن بمدرسته بدرب فراشا، وتولى بعده ابنه افتخار الدين مكانه.
стр. 3408
يزدار
الأمير سيف الدين أحد أمراء الطبلخاناة بدمشق.
توفي رحمه الله تعالى تقريباً في شهر رجب سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
يعقوب بن إبراهيم
الشيخ الفقيه شرف الدين ابن الشيخ الإمام صدر الدين ابن الشيخ محيي الدين أحمد بن عقبة بن هبة الله بن عطاء بن ياسين بن عبد الله بن زهر البصروي ثم الصالحي.
سمع شيئاً من مسند الإمام أحمد بن حنبل على الشيخ شمس الدين بن أبي عمر والشرف السراج.
وكان فقيهاً، وله شعر، وفيه خيرٌ ودين وصلاح، وكان قائماً بعياله.
توفي ﵀ في مستهل شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في خامس عشري شعبان سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
يعقوب بن عبد الكريم
الرئيس الكبير الصاحب شرف الدين ناظر حلب وطرابلس.
كان رئيساً نبيلاً، سؤوساً جليلاً، سمح اليد، لا يبالي بما وهب، ولا يفكر في الدهر أنام عنه أم تيقّظ له وهبّ، يتلقى الواردين عليه بالإحسان، ويكرمهم بكرامتي اليد واللسان.
стр. 3409
وكان يخدم الأمير سيف الدين تنكز وحاشيته وجماعته وغاشيته وكان يرعاه إذا ورد من دمشق أو صدر، ويكرم نزله إذا صعد أو انحدر.
وقضّى في حلب سعادة عُظمى، وأياماً نظمها الدهر في سلك السرور نظماً، وتنقّل منها الى بلد طرابلس مرات، والتقى من حروب الزمان كرّات، وطُلب الى مصر غير مرة، وعاد منها ووجوه عداه مغبرّة.
يلاقي العِدا بالقصم، والوفد بالغنى ... وحُسّاده بالكبت، والداءِ بالحسم
خبيرٌ بأخلاق الزمان يروضها ... بلين الهُوينى أو بعارضة الحزم
وكان يحب الفضلاء، ويقرّب النبلاء.
ولم يزل على حاله الى أن جفّت مواد لهواته، وأكمل مدة حياته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في إحدى الجماديين سنة تسعٍ وعشرين وسبع مئة بحماة.
كان أولاً مباشراً نظر الجيش بحلب قبل عود الناصر من الكرك الى دمشق، ثم إنه توجه الى طرابلس سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. ثم إنه تولى نظر حلب، فأقام بها في سعادة ورياسة وسيادة الى أن عزِل في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
وتوجه الى نظر طرابلس فأقام بها الى سنة سبع وعشرين وسبع مئة، ثم إنه عاد الى نظر حلب، ثم إنه نقل الى نظر طرابلس فأقام بها دون السنة، ومرض وتعلّل، فتوجه الى حماة ليتداوى بها، وأقام بها مدة عليلاً، وكان صاحب حماة الملك المؤيد يعوده ويزوره ويصله، ولما مات مشى في جنازته، وكان يخدمه لما عليه من الخدمة والمكارمة.
стр. 3410
وفيه يقول جمال الدين بن نباتة:
قالت العَليا لمن حولها ... سبقَ الصاحب واحتلّ ذُراها
فدعوا كسبَ المعالي إنها ... حاجة في نفسِ
يعقوب قضاها
وكتب إليه شهاب الدين أحمد بن المهاجر يهنّيه بقدومه الى حلب بعد القاضي جمال الدين ابن ريّان، ومن خطه نقلت:
أبدت سروراً وهذا بعضُ ما يجب ... وكيف لا وقدوم الصاحب السببُ
وأسفرت من محيا البشر عن حسنٍ ... له إذا ما انتهى من وصفه حسبُ
وأقبلت تتهادى من غلائل في ... تيهٍ أنّ ممّن حاكها الطربُ
تقول للبرق إذ تفترّ باسمةً ... لقد حكيتَ ولكن فاتك الشنب
وتنشد الدوحُ إذ تهتزّ ناسمة ... بيني وبينك يا دوح الحمى نسبُ
لك البشارة يا شهباءنا فلقد ... أمسى وأصبح من حسادك الشهبُ
لقد علوتِ به قدراً ولا عجبٌ ... فإنه رجلٌ تعلو به الرتب
يكفيك من ذي المعالي أن منصبه ... قد زال عنه العنا والبؤس والنّصب
وأن مجلسه المأنوس منه زها ... روضاً فآض إليه الحُسن ينتسبُ
ما غاب عنه جمال من حوى شرفاً ... إليه آل التقصّي وانتهى الطلب
стр. 3411
يعقوب بن مظفر
ابن مزهر، الصاحب شرف الدين. هو أخو القاضي فخر الدين أحمد بن مظفر.
كان الصاحب شرف الدين من أشياخ الكتّاب المعروفين بالنهضة والكفاية، كثير البرّ لأهله وأقاربه ومن يلوذ به، وكان المباشرون يخافونه ويخشون منه.
باشر النظر بدمشق وحلب وطرابلس وصفد وغير ذلك من المناصب.
توفي - رحمه الله تعالى - بحلب في شعبان ثامن عشرة سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده بنابلس سنة ثمان وعشرين وست مئة.
وكان وصوله الى حلب في هذه المرة ناظر الدواوين بها في مستهل شعبان، فأقام بها ثمانية عشر يوماً وتوفي ﵀.
يعقوب
الأمير محيي الدين ابن الملك الأشرف عبد الحق ابن السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
كان جندياً وله إقطاع وعدة أولاد، وعليه ديون كثيرة، وكان يحفظ شعراً كثيراً.
وتوفي بالمزة ظاهر دمشق في ثامن ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
стр. 3412
يلبسطي
الأمير سيف الدين.
لما توفي الأمير سيف الدين بلبان البدري نائب حمص عيّن الأمير يسف الدين يلبسطي المذكور للنيابة، وخلع عليه في خامس عشر ذي القعدة سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وتوجه إليها وأقام بها.
يلبغا
الأمير الكبير سيف الدين اليحيوي الساقي الناصري نائب حماة وحلب ودمشق، ابن الأمير سيف الدين طابُطا، وقد تقدم ذكره في حرف الطاء.
كان جميل المحيا، قد طال رِيّاً وطاب رَيّاً، بثغر يفترّ عن أقحوانه، وقوامٍ يهزّ منه رمحاً لدناً، غلطتُ، بل غصن بانه، كريم السجايا والأخلاق، عديم النظر في مجموع محاسنه على الإطلاق، لا يكاد يمنع سائله ولا يرد وسائله، هذا الى إقدام زلّت عنه الأقدام، وشجاعة يُردُّ عنها عنترة بوجه دام:
قمرٌ يروقك في سحاب بنوده ... ضحكَ السيوفِ من البروق الخُلّب
طبّ بأدواء الممالك راضها ... بندى يد سمحٍ وسيف مقضبِ
ذو سطوة تسعُ البُغاة وتحتها ... حلمٌ يفيض على المسيء المذنب
بسماحة وحماسة قد بيّنا ... أن ليس يمنعُ مهلكٌ من مطلبِ
стр. 3413
خرج على الملك الكامل، ورماه بالذل الشامل، وأراد أن يفعل مثلها بالمظفر، فخرّ صريعاً لليدين وللفم وقد تعفّر، وكان يظن الثانية مثل الأولى، فعادت صحيحات العيون من أمانيه حُولاً، وحزّ رأسُه عن جسده وما نفعه مثقّف سُمره ولا موضون زرده.
وكانت قتلته بقافون في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
كان الأمير سيف الدين يلبغا من أكبر الأمراء الخاصكية، ولم يكن عند أستاذه الملك الناصر محمد أعز منه، وكانت الإنعامات التي تصل إليه لم يفرح أحد بمثلها، يطلق له الخيل بسروجها وعُددها وآلاتها: الزركش والذهب المصوغ في سروجها مرصعاً بالجواهر الثمينة خمسة عشر خمسة عشر فرساً، والأكاديش من الجشار مئتين مئتين، وتجهَّز إليه التشاريف: الأطلس والحوايص الذهب والطرز الزركش وغير ذلك من التشاريف التي يحتاج هو الى أن يعطيها من عنده لمن يُحضر إليه ذلك.
حكى لي الحاج حسين أستاذداره قال: جرى يوماً بين يدي السلطان ذكر عشرين ألف دينار، فقال يلبغا: والله يا خوند أنا عمري ما رأيت عشرين ألف دينار، فلما خرج من عنده، طلب القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص وقال: أحضر إليّ الساعة خمسةً وعشرين ألف دينار، وخمسة تشاريف أطلس أحمر وطرزها وكلوتاتها
стр. 3414
وحوايصها، فلما حضر ذلك قال: احمل التشاريف الى عند يلبغا، وقل له: إذا جاء الجمدارية بالذهب اخلع عليهم التشاريف، وطلب خمسة جمدارية وحمّل كل واحد منهم خمسة آلاف دينار، وقال: توجهوا بهذا الذهب الى يلبغا، فأحضروها، وخلع هو عليهم تلك الخلع، وبنى له الإصطبل الذي في سوق الخيل تحت القلعة ظاهر القاهرة، ولم يعمّر قبله مثله، وأنفق عليه ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وكان يهندس الصنّاع فيه بنفسه، ولما فرغ مدّ فيه سماطاً عظيماً، وخلع على أمراء الدولة تشاريف وخيولاً. وبالجملة فكانت إنعاماته عليه وإطلاقاته له خارجة عن الحد.
وكان هو والأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي قد توليا تمريض السلطان لما مات. ثم إن يلبغا سأل في أيام الصالح إسماعيل أن يكون نائب حماة، فأُجيب الى ذلك، وجاء إليه عوضاً عن الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني، وتوجه المارداني الى نيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين طقزتمر، وجاء طقزتمر الى نيابة دمشق، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ولما مات الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني في حلب، رسم للأمير سيف الدين يلبغا بنيابة حلب، ولما ملك الملك الكامل طلب طقزتمر من دمشق الى مصر ليكون لها نائباً، ورسم للأمير سيف الدين يلبغا بنيابة دمشق، فدخل إليها يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبع مئة، وتوجه الأمير سيف الدين أرقطاي الى حلب نائباً، وأقام يلبغا اليحيوي على حاله بدمشق، وأرجف الناس كثيراً بأن الملك الكامل يريد إمساك يلبغا، وذلك بعد إمساك الأمير سيف الدين آل ملك
стр. 3415
وسيف الدين قماري، فاستوحش الأمير سيف الدين يلبغا من ذلك وبرّز الى الجسورة بظاهر دمشق في خامس عشر جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وأقام هناك أياماً، وحضر إليه الأمير حسام الدين البشمقدار نائب حمص، والأمير سيف الدين آراق نائب صفد، والأمير سيف الدين أسندمر نائب حماة، والأمير بيدمر البدري نائب طرابلس، واجتمع الكل عنده بظاهر دمشق، وعسكر دمشق جميعه، واجتمعوا وأجمعوا على خلع الكامل، وظاهروه بالخروج عليه، وكتبوا إليه مطالعة بذلك، فكان ما كان من أمر الكامل، على ما مرّ ذكره في ترجمته.
ولما تولى الملك المظفر حاجي أقرّ سيف الدين يلبغا على حاله في نيابة دمشق وجعل ابنه أمير محمد أميراً بطبلخاناه، وأعطى دواداره الأمير عز الدين طقطاي طبلخاناه، وعمّر يلبغا قبة النصر عند مسجد القدم مكاناً كان قد برز إليه، وكان قد عمّر قبل ذلك القيسارية التي هي برّا باب الفرج، وعمّر الحمامين اللذين بحكر العنابة برّا الجابية بدمشق، وشرع في عمارة الجامع الذي بسوق الخيل على نهر بردى في أول سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وفي ثامن عشري شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة ورد إليه الخبر على البريد على يد الأمير شمس الدين آقسنقر المظفري أمير جاندار بكتاب من
стр. 3416
السلطان الملك المظفر بإمساك الأمراء الستة الذين تقدم ذكرهم في ترجمة الأمير شمس الدين آقسنقر الناصري، وفيه إعلامه بالواقعة وإطابة خاطره وتسكينه. فكتب الجواب بالدعاء للسلطان وجهّز أستاذداره سيف الدين أشتقتمر معه، واستوحش يلبغا من هذه الواقعة كثيراً، واستدعى أمراء دمشق بعد ذلك بيومين، وهو في دار السعادة، وعرّفهم ما جرى، وكتب الى نواب الممالك بالصورة، وجهّز الأمير سيف الدين ملك آص الى حماة وحمص وحلب، وجهز الأمير علاء الدين القاسمي الى طرابلس. وجاءه ليلة الجمعة من زاده وحشة فلم يصبح له بدار السعادة أثر غير نسائه، وانتقل الى القصر الأبلق، ونزل والده وإخوته وألزامه ومن معه من مماليكه بالميدان، وكان يركب وينزل الى يوم الأربعاء، فجاءه الأمير سيف الدين آراي أمير آخور بكتاب السلطان الملك المظفر يطلبه الى مصر ليكون رأس أمراء المشور، وأن نيابة الشام قد أنعم بها على الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب حلب، وقال سيف الدين آراي ذلك بغمة لأمراء دمشق، فتحللت عنه العزائم، وفلّت الآراء، فتجهز وطلع الى الجسورة ثانياً على العادة التي فعلها في السنة الماضية، وكان ذلك بعد العصر خامس عشر جمادى الأولى، وأقام الى بعد الصلاة من يوم الجمعة سادس عشر جمادى الأولى، وكانت الملطفات قد جاءت من السلطان الى أمراء دمشق بإمساكه في عشية الخميس، فأنزلوا الصنجق السلطاني من القلعة، واجتمع عسكر دمشق تحته، ولما علم بذلك ركب بسلاحه في جماعته. ولما عاين أوائلهم هرب بمماليكه وأهله، وهرب معه أيضاً
стр. 3417
الأمير سيف الدين قلاوون، والأمير ناصر الدين بن جمق، وتبعه الأمير علاء الدين بن طغريل أمير حاجب، والأمير شهاب الدين بن صبح وغيرهما من عسكر دمشق، وعادوا بعدما أوصلوه الى ضمير، وقتل من العسكر جماعة.
ثم إن الأمير فخر الدين أياز نائب صفد وصل بعسكر صفد الى دمشق في بكرة الأحد ثامن عشر جمادى الأولى، وخرج العصر بعسكر دمشق أيضاً وصفد وتوجه بهم الى حمص وجدّوا، وكان العرب قد أنكَوه ومنعوا منه الماء، واقتطعوا بعض نقله، وجدّ في طلبه سلار بن تتر البدوي وأخوه بُريد، ومنعوه النوم والقرار، وكلَّ هو ومن معه، وملّوا من حمل السلاح ليلاً ونهاراً، وحمي الحديد عليهم، وعاينوا الهلاك، واختلف مماليكه عليه، فقال لهم: بالله وسّطوني أو اضربوا عنقي. كل هذا وهم ما بين القريتين الى أمهين وصدد، ولما سمعت ذلك قلت:
تفرق شمل السعد عن يلبغا وقد ... بغا وغدا في عكسه متورّطا
فقال له السيف الذي شدّ وسطهُ ... وقد بالغ الأعراب في الجور والسّطا
تلذذ بقتلٍ فيه للنفس راحةٌ ... وإن رُمت أهنأ العيش فابغِ توسُّطا
وقال له مماليكه: أنت قلت لنا إن نائب حماة معك، توجّه بنا إليه، فلم يرَ إلا المطاوعة، فعبر على ظاهر حمص وتوجه الى حماة، فخرج إليه الأمير سيف الدين قلطيجا الحموي النائب بحماة، فتلقّاه ودخل به الى حماة، ثم إنه أمسكه وأمسك والده
стр. 3418
وأخويه قراكز وأسندمُر، وعز الدين طقطاي الدوادار وسيف الدين جوبان وقلاوون ومحمد بن جمق، وقيّدهم وجهّز سيوفهم الى السلطان. ثم بعد ذلك جهّز الأمير سيف يلبغا ووالده مقيَّدَين الى مصر، فلما وصلا الى قاقون تلقاهما الأمير سيف الدين منجك، فأطلعه الى قلعة قاقون هو ووالده وحبسهما في بيتين منفردين، ثم أُنزل والده من قلعة قاقون، وجُهّز وحده على البريد الى السلطان، وطلع الى الأمير سيف الدين يلبغا مشاعليّان، فأحسّ بذلك، وسألهما الوضوء وصلاة ركعتين، ولما فرغ من ذلك قال لهما: بالله هوّناها عليّ. فقالا له: يا خوند إن أردت ذلك فدعنا ندير كتافك، فمكّنهما من نفسه، وخنقاه، فسمع الناس شهقته من أسفل القلعة. ثم إنه حُزّ رأسه وجعل في عسل، وجُهّز الى باب السلطان، ثم دفنت جثته بقاقون، رحمه الله تعالى وسامحه وعفا عنه، وذلك في العشر الأواخر من جمادى الأولى في السنة المذكورة.
وقلت أنا في ذلك:
إن في يلبغا لكلِّ لبيبٍ ... عبرةً أصبحت على الدّهر تُتلى
ما تساوى العزُّ الذي قد رآهُ ... في دمشق بذلّ قاقون أصلا
وقلت أيضاً:
ألا إنما الدنيا غرورٌ وباطلُ ... فطوبى لمن كفّهاه منها تفرغا
وما عجبي إلا لمن بات واثقاً ... بأيام دهرٍ ما رعَت عهد يلبغا
стр. 3419
ثم إن الأمير سيف الدين منجك وصل الى حماة، وجهز إخوة يلبغا وجماعته الذي أُمسكوا مقيّدين الى باب السلطان.
وخلّف الأمير سيف الدين يلبغا اثني عشر ولداً، أكبرهم أمير محمد وعمره تقدير سبع سنين، وكان له زوجتان: أخت صمغار وأخت بُزلار، وكان يحبها كثيراً، وأم محمد وهي أخت الخوندة أُردو.
وكان يتلو القرآن جيداً، ويلازم تلاوته في المصحف، ويحب أهل القرآن ويجالسهم، ويحب الفقراء. ولم يكن فيه شرٌ ولا انتقام. وقبل خروجه من دمشق أحضر إليه قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي الى القصر، ووقف أملاكه وخصّ الجامع الذي أنشأه بدمشق بمبلغ ستين ألف درهم في كل سنة من صلب ماله، رحمه الله تعالى. ومضى كأن لم يكن.
ولم أر مثل ما ناله من السعادة التي فاضت عنه على والده ووالدته وإخوته وأقاربه ومماليكه، لأن والده كان أمير مئة مقدم ألف، وأخواه أميري طبلخاناه، وولده أمير طبلخاناه، وذو قرابته الأمير شهاب الدين شعبان أمير طبلخاناه، ودواداره الأمير عز الدين طقطاي أمير طبلخاناه، ومملوكه سيف الدين جوبان أمير عشرة، وبقية مماليكه جماعة منهم لهم الإقطاعات الجيدة القوية في الحلقة. واعتنى بجماعة من أهل حماة وحلب ودمشق، وخلّص لهم الطبلخانات.
وعلى الجملة فكانت سعادة زائدة عن الحد، لكنها ختمت بهذا الشرّ الكبير الذي فاض عنه على ذويه، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بقدر الصعود يكون الهبو ... طُ فإياك والرُتبَ العاليه
ومن جملة ما أرى من العز أنه كان قد توعّك وحصل له سوء مزاج، فكان عند
стр. 3420
السلطان في المرقد وهو جالس ورجلاه الى ركبتيه في حجر السلطان وهو يكبّسهما بيده ويرش الماورد على وجهه، ويتولى تمريضه وطبّه وعلاجه وخدمته بنفسه. وكان ولد السلطان وهو إبراهيم أكبر من أبي بكر قد مرض بالجدري فمات إبراهيم ودفن ولم يره أبوه ولا عاده شُغلاً منه بتمريض يلبغا، فهذا نهاية في العز.
ومن جملة الذلّ الذي رآه أن تولى خنقه في قلعة قاقون مشاعليّان ودفن في أرض قاقون جسداً بلا رأس، اللهم خلّصنا من شرور هذه الدنيا الغرارة.
وقلت أنا فيه وقد التزمت الزاي المشددة:
دعِ الدّهرَ يُعلي من أراد الى السُهى ... ودافعه من وقتٍ لوقت وجَزِّهِ
فقد نال منه يلبغا فوق ما ابتغى ... وقصّته تُجلى على المتنزّه
وأُنزل من عند الثريا الى الثرى ... وأمسكه صرفُ الرّدى في محزّه
وألحفه العيشُ الغليظُ رداءَهُ ... على لطفِ معناه ورقّة بزّه
فلا سعدَ إلا ما رأيناه نالهُ ... ولا ذلَّ إلا ما رأى بعد عزّه
اليلداني
أبو محمد الصحراوي عبد الرحمن بن عبد المولى.
يلقطلو
بنت أبغا الخاتون.
كانت امرأة ديّنة صيّنة تقيّة نقيّة، محبّة للخير وأهله، وكانت عمّة غازان وخربندا، وكانت بين المغل جليلة القدر نبيهة الذكر، وافرة الحُرمة، مسموعة
стр. 3421
الكلمة، ذات شهامة وفروسية، وكانت مزوّجة بعرب طي، ومنازلها لا تبعد من أطراف بلاد الإسلام، ولما مات زوجها المذكور ركبت بنفسها وقتلت قاتله وقطعت رأسه وعلّقته في قلادة فرسها، وبقي الرأس على هذا زماناً طويلاً حتى كُلّمت فيه فألقته، وقيل إنما ألقته بأمر اليرلغ، ولم تتزوج بعد عرب طي، وحرص الأفرم على زواجها وكتب إليها في ذلك وأخذ كتب السلطان وسلار إليها فيه، وبذل لها حمص وبلادها صداقاً عنه فنهرت رسله وردّتهم بالخيبة، وقالت: أنا أنصح أمة محمد ﷺ ما أنصح فلان وفلان وفلان، فإن كانت مناصحاتي للمسلمين هي التي أطمعت الإفرم فيّ فما بقيتُ أناصحهم، وكيف تجاسر الأفرم عليّ، ومن هو الأفرم؟ وأنا أقل كوتلجي عند مثل الأفرم.
وقدمت هذه يلقطلو الى الشام وتوجهت الى الحج في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
قال القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله: وكنت حاجّاً في تلك السنة فكنت أرى منها امرأة تعد برجال حزماً وعزماً وكرماً، وعليها سيماء الجلالة ووسامة الملك، وتصدقت بأموال كثيرة، قيل إنها تصدقت في الحرمين بثلاثين ألف دينار، وكانت تركب في الطريق محفة، وتركب الخيل، وتشدّ في وسطها التركاش ويُشال عليها الجتر، وكانت تضرب حلقات صيد وتتصيد طول الطريق. وكانت بحر كرم وغاية إحسان، ولما قدمت دمشق خرج الأمير سيف الدين تنكز للقيّها ولاطفها حتى دخلت دمشق بغير جتر على رأسها.
اليمني
الشيخ تاج الدين عبد الباقي، اسمه محمد بن أحمد.
ابن يمن
قاضي القضاة الحنفي.
стр. 3422
ينجي
الأمير سيف الدين السلاح دار.
كان من جملة الأمراء بدمشق، ولما جاء الفخري وملك دمشق كان هو فيها مقيماً في شدّ الدواوين، وكان يصدّ الفخري وغيره عن أشياء كثيرة من طلب الناس.
ومرض مدة بعد ذلك وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ينغجار
الأمير سيف الدين الناصري أخو الأمير سيف الدين آرغون الدوادار الناصري.
كان سكنه على بركة الفيل في حكر الخازن، وأُخرج الى الشام سنة ثلاثين وسبع مئة فيما أظن، وأقام بدمشق مدة، وولي نيابة قلعة دمشق مدة، وولي الرحبة، وولي نيابة بعلبك مديدة في أيام الأمير سيف الدين يلبغا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بدمشق في ثامن عشر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
стр. 3423
يوسف بن إبراهيم بن جملة
الشيخ الإمام العالم الفقيه قاضي القضاة بالشام، الحوراني المحجّي الشافعي الأشعري.
كان قد تفقّه مدة لابن حنبل ﵁، ثم إنه انتقل الى مذهب الشافعي، وتميّز وناظر الأقران، وأخذ عن الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وعن قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب، وعن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني. وصار من الأعيان، ونظر القمر الى جماله وهو خزيان، وجالد فرسان البحث وجادلهم، وفضّ على الطلبة ما عنده في خزانة علمه وجاد لهم.
ولما باشر قضاء الشام وتولى بحكمه الأوامر والأحكام، باشر ذلك بصلف وأمانة، وعفاف لم تتطرق إليها جناية ولا خيانة، وكان ذا مهابة وسطوة على المريب، وشدة وطأة على القريب والغريب:
قاضٍ إذا التبس الأمران عنّ له ... رأيٌ يفرّق بين الماء واللبنِ
القائل الصدق فيه ما يضَرّ به ... والواحد الحالتين السرّ والعلن
الفاصل الحكم عيَّ الأولون به ... ومُظهر الحقّ للساهي وللذّهن
وكان فيه ديانة وحسن عقيدة، وله محاسن كل منها بيت القصيدة.
وكان في أيام نيابته لقاضي القضاة جلال الدين بدمشق قد قام على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة الزيارة، وسدّد سهمه إليه وأطلق زياره، وانتصب لهذا الأمر، وأوطأ قدميه على الجمر، ولم يُصلّ على جنازته، وتبرأ من حيازته.
стр. 3424
ولم يزل على حاله الى أن وقعت له تلك الواقعة التي كان فيها غرضاً للسهام الرواشق، ووقته في وقتها كل غاسق، ودخل الى دار السعادة وهو قاضي القضاة وخرج منها وهو فاسق، واعتُقل في القلعة مدة، وحلّت به في هذه الواقعة كل شدة، ثم إنه أفرج عنه بعد مدة، وأعطي تدريس المسروريّة بعد أن كاد يموت غمّاً، كما جرى لسيبويه في المسألة الزنبورية.
ولم يزل بعد ذلك على حاله الى أن غاض ماء حياته، وفاض دمع باكياته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، ودفن بوادي العظام عند أهله.
ومولده سنة ستّ وثمانين وست مئة.
وكان قد درّس بالدولعيّة، وخرّج له شيخنا علم الدين البرزالي عن الفخر علي وجماعة.
ولما توفي قاضي القضاة علم الدين الأخنائي ولي هو بعده قضاء القضاة بدمشق، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، لأن الأمير سيف الدين تنكز كتب في أمره للسلطان بعناية ناصر الدين الدوادار، وباشر القضاء على أحسن ما يكون من الصّلف والعفة. وكان فصيحاً بليغاً شديد العارضة في البحث.
ثم إن حمزة التركماني أحرف الأمير سيف الدين تنكز عنه وأغراه، ولم يزل به الى عقره وقال عنه إنه رشا ناصر الدين الدوادار بالذهب على القضاء، وهذا أمر أنا وغيري
стр. 3425
نستبعده من الجانبين. وكان تنكز قد فوّض إليه الأمر في الشيخ ظهير الدين لأنه لم يصح ما نقله عنه، فبالغ ابن جملة في تعزير الظهير واستقصى، والاستقصاء شؤم، فعُقد له مجلس في يوم الجمعة تاسع عشري شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وقد بيّت القضية له حمزة، فدخل وهو قاضي القضاة في الشام، وخرج وهو فاسق قد حكم بعزله وسجنه في القلعة. وكانت واقعة غريبة في تلك الأيام لم يعهد الناس مثلها.
أنشدني إجازة لنفسه القاضي زين الدين عمر بن الوردي:
دمشق لا زال ربعُها خَضِراً ... بعدلها اليوم يُضربُ المثلُ
فضامنُ المكْسِ مطلقٌ فرحٌ ... فيها وقاضي القضاة معتقلُ
وقلت أنا في ذلك:
العفو يا ربّ من بلاءٍ ... قوى الورى ما تطيقُ حَمله
أمرٌ جرى في الوجود فرداً ... يا عجباً وهو لابن جَملَه
وأقام في الحبس خمسة عشر شهراً الى أن شفع فيه موسى بن مهنا، وتحدث الأمير سيف الدين تنكز مع قاضي القضاة شرف الدين المالكي في عاشر صفر سنة ست وثلاثين وسبع مئة في إخراجه من الاعتقال، فقال القاضي: يكتب خطه، ويُشهد عليه أن الحُكم الذي صدر منه في حقه صحيح، فلم يُجب الى ذلك، وتردّد الرسول إليه في ذلك غير مرة، ثم إنه أجاب الى أنه يمشي الى مجلس المالكي ويسلم عليه، فخرج من القلعة يوم الإثنين ثالث عشر صفر الى دار القاضي المالكي، ثم الى الجامع، ثم الى أهله بالمدرسة المسرورية.
وولي القضاة بعده القاضي شهاب الدين بن المجد عبد الله.
стр. 3426
ولما خرج من الاعتقال أُعطي تدريس الدولعيّة، ثم تمرّض، وخلت المدرسة الشامسة البرانية، فدرّس بها أياماً بعد ذلك زين الدين بن المرحّل، وكانت وفاته بالمسرورية.
وكنت بالديار المصرية لما رسم السلطان الملك الناصر بولايته قاضي القضاة، فكتبت له تقليده بذلك ونسخته: الحمد لله الذي أعلى منار الشرع الشريف بجماله، وجلّى دُجاه بمن تحسدُه البدور في الأفق ليالي التمام على كماله، وشيّد ركنه بمن يقصر باع السيف في جلاده عند جداله، وحفظ قواعده بمن إذا أمسك قلم فتاويه تفيّأت الأحكام تحت ظلاله، وأحيا سنّته بمن تتضح به سنن حرامه وحلاله، ونشر لواء فضله بمن إذا ظمئ البحر المحيط فقُلْ دع ذا فإنك عاجز عن حاله.
نحمده على نعمه التي ادخرت لأيامنا الشريفة حَبراً عزّ بوجوده اجتماع المثلين، واقتطف ثمار العلوم فما داناه أحد في الفروع ولا وصل معه الى الأصلين، وطال بالعلم ثم بالحلم وزاد في تطوّلاته ولم يقتصر على الطولين، وأجمع الناس على استحقاقه، فلم تكن المسألة فيه ذات قولين.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ندّخرها ليوم القضاة والفصل، ونعلم أنها أصل الإيمان وما سواه فرعٌ والقياس ردُّ فرع الى أصل، ونعتمد على بركات فضلها في الأمر والنهي والقطع والوصل، وننال بإخلاصها على أعداء الدين عز العزم ونصر النّصل.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله خير من قضى ومضى، وأعدل من مضى،
стр. 3427
وسيف شرعه إذا استقبله مُشكل حكم فيه ومضى، وأشرف من ساس الناس بحلقة الرضى وحكمة المرتضى، وأعز من أغضى الشيطان لظهور ملّته على جمر الغضا.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير من اتّبع شرعه في أحكامه، وخاف مقام ربّه فشكر الله له حسن مقامه، وقصر خطاه على ما أمهره ونهاه، فلم يكن له إقدام على حركة أقدامه، واستبرأ لدينه في قضاياه فما أخطأت سهامه مرامي مَرامه، صلاة تتألق بأنوارها البروق اللامعة، وتتعلق بأستارها الخلائق في الواقعة، ما قبّلت ثغورُ الأقلام خدودَ المهارق الساطعة، ورقّمت إبَرُ الغمام برودَ الحدائق اليانعة، وسلّم تسليماً كثيراً الى يوم الدين.
وبعد: فإن منصب الشرع الشريف لا شك في عموم نفعه، ولا مَرية في أن السوابق جرت لنصبه، والعوالي جُرّت لرفعه، ولا ريب في أن شمم كلِّ عرنين ينقاد صاغراً لوضعه، ما حكمنا في شيء حتى نعود الى أمره ونعوذ، ولا خرجنا في السياسة عن حكمه لا على سبيل السهو ولا بحكم الشذوذ، ولا برز أمره بحكمٍ إلا وقال: سيفنا المنصور له دائم النفوذ.
وكانت دمشق المحروسة كالشامة في وجنة الشام، وكالجوهرة التي أصبحت واسطة عقد الملك في الانتظام، هذا الى ما جاء في فضلها في السنّة، وثبت لنا في الخارج أنها أنموذج الجنة، قد شغر منصب حكمها الشافعي من قاضٍ يسوس الرعايا، ويجتهد في أحكامه حتى تدلّه الألمعية على المقاتل الخفايا، ويتوسم وجوه الخصوم وكلامهم فيكون ابن جلا وطلاع الثنايا، أمهلْنا آراءنا الشريفة هذه الفترة، واستخرنا الله تعالى فيمن
стр. 3428
نحليه بهذا الطوق أو نخصّه بهذه الدرّة، وذكر بين أيدينا الشريفة جماعة كل منهم جلّ إلا أن يكون قد جلّى، واستوعب الشروط المعتبرة، وكان بذلك الاستيعاب مُحلّى، فأشار مَن إشارته كالسهم الذي يصيب الإشارة، وبركةُ رأيه خالصة من حظوظ النفس الأمّارة، وعيّن من عزّت به الشريعة الشريفة منالاً، وزان رتبتها الجليلة فازدادت به جمالاً، وحمى حوزتها لأنه فارس البحث وجدّلهم وجدّ لهم ونسف مغالط النسفي ولو كانت جبالاً، ونقّى ونقّح كلام من مضى فكم قيّد مطلقاً يمرح وأطلق مقيّدا برَسف، وجلس في حلقة دروسه وكأنما تطلع من محراب داود ويوسف، يغرق المُزني في وابل فضله الصيّب، ويفوق عَرفُ عرفانه على القاضي أبي الطيّب، ويتلوّن الصباغ في شامله من عجزه، ويعترف الغزالي بأنه لم يكن من نسج طرزه، قد صاغ أصوله وابن الحداد في الفروع، والتذّ بكراه وصاحب التنبيه لا يذوق لذّة الهجوع، وأنفق من محصوله وابن الحاجب في ضيعة من صيغة منتهى الجموع.
وكان المجلس العالي القضائي الجمالي هو مُظهر هذه الضمائر والمقصود بهذه الأدلة والأمائر، لا تليق هذه الصفات إلا بذاته، ولا تحسن هذه النعوت إلا بأدواته. فلذلك
стр. 3429
رُسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني المالكي الناصري الناضري، لا زال الرعايا بعدله في أمان، ومواقع اختياره ترتاد لهم الكافي الكافل من رب السيف والطيلسان، أن يفوّض إليه القضاة الشافعية بالشام المحروس ولاية أُحكم عقدها، وانتظم عِقدها، وتبلج عُرفُها وتأرّج عَرفُها. فليأمر بالمعروف وينْهَ عن المنكر، ويسير سيرة عمرية تُتلى محاسنها وتشكر.
وليأخذ بحق المظلوم ممن ظلمه، ويجر لسان قلمه بما قامت به البيّنة فعلمه، وليتّبع الحق إن كان مع المشروف أو الشريف، ويطلب رضى الله تعالى في خذلان القوي ونصرة الضعيف.
وليُسوّ بين المتخاصمين في موقفهما عنده، ويسمع الدعوى إذا تمت والجواب إذا أكمل قصده، وليُلِن جانباً لمن حضره، ويتمسك بآداب الشرع التي حضّه عليها وأمره.
وليتحرّز من أمر الشهود في كل شيء ولينقّب عن أحوالهم فإن منهم من يموت على الشهادة وهو حي، ويتبعهم بألمعيّته في كل أمر، ويسمع شهادتهم بفطنة إياس وذكاء عمرو.
والأيتام فليولّ عليهم من يراقب الله في أموالهم، ويخشى الله في معاملاتهم، فكفى ما بهم من سوء حالهم، ولا يركن في أمرهم إلا لمن اختبره المرة بعد المرة، وعلم أن عفته لا تسامحه في التماس الذّرة.
والأوقاف فليُجرِ أمورها على النظام البارع ولا يتعدّ بها شروط الواقفين، فإن نصّ الواقف مثل نصّ الشارع.
والأيامى فليزوجهنّ من أكفائهن شرعاً، ويمنع من يُلبسهن من العَضْل
стр. 3430
دَرعاً. والأنكحة الأهلية يستوضح عقودها، والخلية يعتبرها شهودها. ومال المحجور عليه يودعه حرزاً يُحفظ فيه، ومال الغائب، وكذلك المجنون والسفيه.
ووقائع بيت المال المعمور فلتكن مضبوطة النظام، محفوظة الزّمام، مقطوعة الجدل والخصام. ونوابه في البلاد والجهات والنواحي المتطرفات هو المطلوب عند الله بجنايتهم، والمحاسب على ما اجترحوه من ولايتهم. فلا يولّي من يراه فقيهاً " وإذا تولّى سعى في الأرض ليُفسد فيها "، ولا من اتّصف بالجهل، ورأى زينة المال والأهل، بل يتحرّ في أمورهم، ويتّبع معاملتهم في غيبتهم وحضرهم، فأنت أدرى بما إليه الأمر يؤول، وكلكم راع وكل راع مسؤول.
والوصايا كثيرة ومنك تُعرف، وإليك ترجع وتصرف. فما نُعلّم عوانك الخمرة، ولا نعرّف صنّاعَك كيف تصنع الشذرة، فما تحتاج الى أن نسردها، بل نجمعها ولا نفردها، وهي تقوى الله التي مَنْ تمسّك بها فاز قِدحُه، وأمِن سَرحُه، وتعيّن ربحه وتبيّن نُجْحه.
والله تعالى يتولاك، ويعينك على ما أولاك، ويزيدك مما أولاك.
والخطّ الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه. والله الموفِّق بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى.
стр. 3431
يوسف بن أحمد
ابن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن طاهر، الشيخ الإمام الفاضل الصدر الكبير بهاء الدين أبو المحاسن ابن الصدر كمال الدين بن العجمي الحلبي، سبط الصاحب كمال الدين بن العديم.
قال شيخنا البرزالي: روى لنا جزءَ ابن عرفة عن النجيب عبد اللطيف الحرّاني، وسمع كثيراً، وقرأ الفقه، واشتغل وحصّل وكتب المنسوب، ودرّس بحماة وولي كتابة الإنشاء بدمشق، وحكم بحماة نيابة.
وكان صالحاً ديّناً مشكوراً محبَّباً الى الناس.
توفي - رحمه الله تعالى - سابع عشري جمادى الآخرة سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وخمسين وست مئة.
ودفن بتربة خاله، قبالة جوسق ابن العديم ظاهر دمشق.
وتوفي بعده ولده القاضي عزّ الدين محمد بعشرة أيام، فإنه توفي - رحمه الله تعالى - تاسع شهر رجب سنة عشر وسبع مئة وولي بعد القاضي بهاء الدين بن العجمي تدريس النجيبية القاضي نجم الدين الدمشقي الشافعي نائب الحكم.
стр. 3432
يوسف بن أحمد بن جعفر
ابن عبد الجبار الفقيه الإمام العالم الفاضل جمال الدين الشاطبي الشافعي.
كان فاضلاً اشتغل بفنونه وحصّل فضائل، وله نظم ونثر، وفيه أمانة ونهضة وديانة، وشهد له القاضي بدر الدين بن جماعة وغيره بأهلية التدريس والاشتغال والإفادة.
وولي خطابة جامع جرّاح مدة يسيرة، وكان يخطب بإنشائه.
وأدركه أجله دون الأربعين.
توفي - رحمه الله تعالى - حادي عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.
يوسف بن أحمد بن إبراهيم
علم الدين الخطيب القناوي الشافعي الأديب.
كان من الرؤساء الأعيان الكرماء الأجواد الأذكياء.
قرأ الفقه على جلال الدين أحمد الدشناوي، وكانت له معرفة جيدة بحلّ الألغاز، ونظم فيها أشياء كثيرة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رجب سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
стр. 3433
وله لغز في لابس، الثاني من قوله:
يبين إن صحّفت مع قولِ لا ... وهو إذا صحّفته لا يبين
وله لغزٌ في مغني:
ما اسمٌ إذا عكستهُ ... يُطربُ إن سمعتَهُ
يُنعِمُ بالوصل متى ... صحّفت ما عكسْتَهُ
وله لغز في زغل:
وما لغزٌ إذا فتّشت شعري ... تراه مسطّراً فيه مسمى
وإن تعكسهُ كان من التحرّي ... إذا حققته فيالبير يُرمى
وفاعله إذا نمّوا عليه ... فيخشى أن تُزال يداهُ حتما
قال كمال الدين الأدفوي: تولى الخطابة ببلده، وناب في الحكم في مواضع شتى، منها دشنا وفاو من بلاد قوص، والمنشأة، وطوخ من بلاد إخميم. وكان يكرم الوارد.
يوسف بن أحمد بن أبي بكر
ابن علي بن إسماعيل بن عمرو بن عبد المجيد، المسند المُعمّر، بقية الرواة، أبو علي الغسّولي المعروف بابن غالية.
سمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ الموفق، وتفرّد في وقته.
وسمع منه خلق، فسمع منه شيوخنا الذهبي والبرزالي والمزي، وسمع منه المقاتلي،
стр. 3434
وابن النابلسي، والمحبّ الصدر أبو بكر بن خطيب حماة، والشهاب بن عُدَيْسة، ونجم الدين القحفازي، وخلق.
قال شيخنا الذهبي: كان شيخاً ساكناً فقيراً متعفّفاً، بدت منه هنات وسط عمره، ثم إنه كبر وصلحت حاله، وكان حجّاراً، ثم عجز ولزم بيته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع مئة.
وجبي له الكفن، ومولده بقاسيون سنة اثنتي عشرة وست مئة.
يوسف بن أحمد بن محمد بن عمر
الفقيه محب الدين المقدسي الحنبلي.
كان يشهد تحت الساعات بدمشق، ولديه فضيلة، وفيه إقدام وشهامة، ودخل بلاد الروم وغيرها، وسمع من خطيب مَرْدا، ولم يحدّث.
توفي - رحمه الله تعالى - في ثاني عشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وست مئة.
يوسف بن أحمد بن يوسف
ابن عبد الله بن علي بن الحسين بن عبد الخالق بن شكر، الصدر نجم الدين بن علم الدين بن تاج الدين بن الصاحب صفيّ الدين بن شكر المالكي.
كان مدرباً بمدرسة جدّه بالقاهرة.
توفي - رحمه الله تعالى - في حادي عشر جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة.
стр. 3435
يوسف بن أحمد بن محمد
ابن يوسف بن عبد الغني الجذامي الإسكندري الفقيه، المالكي، الأديب صدر الدين، عرف بابن غنّوم - بغين معجمة ونون مشددة وواو بعدها ميم - موقّع الثغر.
كان فاضلاً ذكياً. كتب للقضاة زمناً طويلاً، ثم إنه انقطع بمنزله، وخمّس قصائد للصرصري.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده بالإسكندرية سنة ستّ وسبعين وست مئة.
قال كمال الدين الأدفوي أنشدني لنفسه، وقد سألته أن ينشدني شيئاً من شعره:
يا مَن يُسائل عن شعري ليرويه ... مهلاً فليس شعاري نظمَ أشعارِ
مُذ حلّ زائر هذا الشيب صيّرني ... بعد الصّبا وإزاري ذِكرُ أوزاري
قال: وأنشدني له أيضاً:
وبي غريب الدار مُستأنسٌ ... أسالَ دمعي منهُ خدّ أسيلْ
فإن أمُت شوقاً الى وصله ... ففي سبيل الله وابن السبيلْ
قال: وأنشدني له:
قُم نقترع بكر المدامة بُكرةً ... في روضة حسُنت وراقَتْ مَنْظرا
فالرّاح سيفٌ قاطعٌ لهمومنا ... أو ما تراه بالحَباب مُجوهَرا
следующие страницы →