Полный текст (3 514 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولم يزل على حاله حتى صوح روضه، وهُدم من الحياة حوضُه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في حدود الأربعين وست مئة، فعاش تسعين سنة.
ومن شعره:
لما أعان الله جل بلطفه ... لم تسبني بجمالها البيضاء
ووقعت في شرك الردى متحبلاً ... وتحكمت في مهجتي السوداء
ومنه
لما بدا يوسف الحسنِ الذي تلفت ... في حبه مهجتي استحيت لواحيه
فقلت للنسوة اللاتي شغفن به ... فذ لكن، الذي لمتنني فيه
ومنه:
أضاء لها دُجى الليل البهيمِ ... وجدد وجدها مرّ النسيم
فراحت تقطع الفلواتِ شوقاً ... مكلفة بكل فتى كريم
فقارٌ لا ترى فيها أنيساً ... سوى نجم وغصنِ نقي وريمِ
نياقٌ كالحنايا ضامراتٌ ... يُحاكي ليلُها ليلَ السليم
كأن لها قوائم من حديد ... وأكباداً من الصلد الصميم
لها بقبا وسفح منى غرامٌ ... يلازمها ملازمة الغريم
стр. 72
إبراهيم بن عيسى
الأمير ناصر الدين ابن الملك المعظم ابن المالك الزاهر داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شادي.
كان جندياً من مقدمي الحلقة بدمشق.
توفي رحمه الله تعالى في مستهل شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وسبع مئة، ودفن بجبل قاسيون، وقد جاوز الخمسين.
إبراهيم بن أبي الغيث
الشيخ جمال الدين ابن الحسام البخاري الفقيه الشيعي كان المذكور مقيماً بنواحي الشقيف من بلاد صفد بقربة مجدل سليم.
أخذ عن ابن العواد، وابن مقبل الحمصي. ورحل إلى العراق، وأخذ عن ابن المطهر.
وكان قد اتخذ في القرية المذكورة مجلسين، أحدهما للوفود، والأضياف، والآخر
стр. 73
للطلبة وأهل العلم. رأيته أنا في قريته في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، ودار بيني وبينه بحثّ في الرؤية وعدمها. وطال الوقوف على جبلها، والطواف بحرمها، وهو في ناحية الاعتزال واقف، وأنا عن السنة مجادل أثاقف، وهو للحنظل ناقف، وأنا للعسل مشتارٌ ولاقف. وطال النزاع وامتد، واحتدم كل منا الوغى واحتد.
وكان شكلاً حسناً، وذا منطق لسناً، قد أدمن مباحث المعتزلة والشيعة. وجعل التأويل له في حلة البحث وشيعة، وكان يزور الشيخ تقي الدين بن تيمية، ويحمله في مباحثه على ما عنده من الحمية، ويطير بينهما شررُ تلك النيران، وتمل من وخدهما في قفار الجدل الأزمة والكيران، ولم يزل في تلك الناحية قائماً بنصرة مذاهب الشيعة والاعتزال، دائماً على جذب من يستضعفه من أهل السنة بالاقتطاع والاختزال، إلى أن سكت فما نبس، وبطل من حركاته واحتبس.
قال لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله: عهدي به في سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ومن شعره:
هل عاينت عيناك أعجوبة ... كمثل ما قد عاينت عيني
مصباح ليل مشرقٌ نورُه ... والشمس منه قابَ قوسين
стр. 74
ومنه:
قامت تودعني فقلت لها امهلي ... حتى أودع قبل ذاك حياتي
فإذا عزمت على الرحيل تركتني ... رهن البلى ومجاور الأمواتِ
وقال، وقد عمل مصيدة من رحى عملها لنمسٍ كان قد أفسد عليه خلايا نحل:
ومقشعر الجلد مزورَ الحدق ... لا يرهب الليل إذا الليلُ غسق
مستتر حتى إذا النجم بسق ... عدا على النحل فأذى وفسق
وفتح الأبواب منها وخرق ... وكسر الأصنام فيها ومحق
سقطتهُ بمستديرِ كالطبق ... كضغطةِ القبر إذا القبرُ انطبق
فما استقرت فوقه حتى اختنق ... من صخر حوران شديدِ المتسق
من لج في البحر تغشاه الغرق ... أو سارع الدهرَ إلى الحتف التحق
وقال وقد كبس بيته، وأخذت كتبه:
لئن كان حمل الفقه ذنباً فإنني ... سأقع خوفَ الحبس عن ذلك الذنبِ
وإلا فما ذنبُ الفقيه إليكم ... فيرمى بأنواعِ المذمةِ والسبّ
وإذا كنتُ في بيتي فريداً عن الورى ... فما ضر أهل الأرض رفضي ولا نصبي
أوالي رسول الله حقاً وصنوه ... وسبطيه والزهراء سيدة العرب
على أنهُ قد يعلمُ الله أنني ... على حب أصحاب النبي انطوى قلبي
أليس عتيق مؤنس الطهر إذا غدا ... إلى الغار لم يصحب سواهُ من الصحب
стр. 75
وهاجر قبلَ الناس لا ينكرونها ... بها جاءت الآيات بالنصّ في الكتب
وبالثاني الفاروق أظهر دينه ... بمكة لما قام بالمرهف العضب
وأجهر من أمر الصلاة ولم تكن ... لتجهر في فرضٍ هناكَ ولا ندب
وقد فتح الأمصار مارد جيشه ... وجالت خيول الله في الشرق والغرب
وجهز جيش العسرة الثالث الذي ... تسمى بذي النورين في طاعة الرب
وإن شئت قدم حيدراً وجهاده ... وإطفاؤه نارَ الشرك بالطعن والضرب
أخو المصطفى يوم المؤاخاة والذي ... بصارمه جلى العظيم من الكرب
كذاك بقايا آله وصحابه ... وأكرم بهم من خير ألٍ ومن صحب
أولئك ساداتي من الناس كلهم ... فسلمهم سلمي وحربهم حربي
وفي بيعة الرضوان عندي كفاية ... فحسبي بها من رتبة لهم حسبي
إبراهيم بن فلاح بن محمد بن حاتم
الشيخ الإمام العالم المقرئ الزاهد الورع برهان الدين أبو إسحاق.
روى عن ابن عبد الدايم، وسمع من فرج الحبشي مولى ابن القرطبي، وعماد الدين بن الحرستاني، وابن أبي اليسر، وجماعة من أصحاب الخشوعي وابن طبرزد.
стр. 76
كان حسن الهيئة، متواضعاً، عديم الشر وادعاً، كثير التودد لأصحابه، غزير التقرب بالإحسان لمن يتعلق بأهدابه، متين الديانة، مبين الصيانة، خطيباً أديباً، فصيحاً أريباً، يهتف على المنبر كأنه حمامه، ويسجع فيشبه السحر كلامه، إذا درس أحيا أطلال العلوم الدوارس، وجدل بجداله أطبال المناظر والفوارس، ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن فلاح بالفلا وظفرُ المنية للمته قد فلا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رابع عشري شوال سنة اثنتين وسبع مئة.
وكان شيخاً مباركاً معروفاً بالعلم والصلاح، وأقرأ القراءات السبع، وله تلاميذ وأصحاب.
وباشر نيابة الخطابة عن جماعة مدة طويلة، واستنابه قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة لما توجه إلى مصر للقضاء والخطابة. وكان مدرساً ومعيداً.
ودفن بمقابر الباب الصغير، وعمل عزاؤه تحت النسر بالجامع الأموي.
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
ابن أبي بكر بن محمد، الإمام المحدث، رضي الدين، أبو إسحاق الطبري الأصل، المكي الشافعي، إمام مقام إبراهيم ﵇ بمكة.
سمع من ابن الجميزي كثيراً، ومع شعيب الزعفراني، وعبد الرحمن بن
стр. 77
أبي حرمي، وفاطمة بنت نعمة، والشرف المرسي وجماعة. وقرأ كتباً كثيرة، وأتقن المذهب.
حدث بالبخاري عن عمر أبيه يعقوب بن أبي بكر، والعماد، وعبد الرحيم بن عبد الرحيم العجمي، ومحمد بن أبي البركات بن أبي الخير الراوي بالإجازة العامة عن أبي الوقت، وروى صحيح مسلم عن أبي اليمن بن عساكر.
كان يقول: عمري ما رأيت يهودياً ولا نصرانياً، لأنه لم يخرج من الحجاز. ونسخ مسموعاته، وخرج لنفسه سباعيات.
وكان متواضعاً وقوراً، محباً للرواية صبوراً، متألهاً ذا دين متين، وعزم ثابت. تأيد باليقين. لم يكن بين عينيه وبين الكعبة حاجب، يقوم للصلاة مندوباً وقلبه من الخشوع واجب، قل أن ترى العينُ مثله، أو تمل النظر إذا رأت شكله، لازم إمامة ذلك المقام، وأمن بذلك الحرم الشريف حلول الانتقام، تزدحم الصفوف خلفه إذا أم، وتحسب أنه القمرُ في الدجا إذا تم، ولم يزل على ذلك إلى أن نزل إلى البرزخ، وأعماله ترقى عليين وتشمخ.
стр. 78
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وثلاثين وست مئة.
إبراهيم بن قروينة
بالقاف والراء والواو والياء آخر الحروف، وبعدها نون وهاء. القاضي الكبير، مكين الدين.
أول ما عرفت من حاله أنه كان مستوفي الصحبة مع الجمالي، وكان عنده مكيناً إلى الغاية، لا ينفرد بأمر دونه، وأظنه توجه معه لكشف البلاد الحلبية، ثم إن السلطان ولاه نظر الجيش بالديار المصرية لما أمسك القاضي شمس الدين موسى بن التاج إسحاق، وتوجه معه إلى الحجاز، ولم يزل في نظر الجيش إلى أن تولى نظر الخاص القاضي جمال الدين الكفاة فجمع له له بين نظر الجيش ونظر الخاص وبقي القاضي مكين الدين بطالاً فيما أظن إلى أن حضر إلى دمشق ناظر النظار في زمن الأمير سيف الدين طقز تمر، فأقام بها يسيراً، ولم تطب له وحضر عوضه القاضي بهاء الدين بن سكرة، وتوجه مكين الدين إلى مصر عائداً في أوائل
стр. 79
شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وأقام بمصر إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وكان خيراً لا شر فيه. كثير الاحتمال، وهو من رؤساء الكتاب.
إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمود
الشيخ جلال الدين بن القلانسي.
ورد الديار المصرية، فقال له العلامة شيخنا أبو الثناء محمود، والشيخ تقي الدين بن تمام: أقعد أنت في هذه الزاوية، ونحن نذكرك للناس، فاتخذ زاوية على بركة الفيل في حكر الخازن مجاورةً لدار الأمير بدر الدين جنكلي.
وكان قد نشأ في صناعة الكتابة أولاً، ثم إنه ترك ذلك، وتزهد بدمشق مدة قبل غازان بقليل، ولما انجفل الناس توجه إلى مصر، وقامت له في الصلاح سوق، وحملت إليه الصلات في وسوق، وتردد إليه الناس، وزاد اشتهاره حتى خرج عن الحد، وتعدى القياس، واعتقد فيه أمراء الدولة، وأمسك هو ناموس الصول والصولة، ومال إليه جماعة خواص السلطان وأحبوه محبة من أدرك الأوطار في الأوطان، وكلن في أثناء ذلك البخت، ومدة ذلك الدست والرخت، رمي عند
стр. 80
الملك الناصر بحجر خدش منه غرضاً، وجعل سماءه أرضاً، فأخرجه إلى القدس خروجاً جميلاً، ووجد لفراق ما ألفه في مصر عذاباً وبيلاً، ولم يتغير لمماليك السلطان فيه عقيدة، وجزموا بأن ذلك من أعاديه مكيدة، وكانوا يمدونه بالذهب، ويلزمونه أخذ ذلك وقبوله بالرغب والرهب، وكانت نفسه كريمة، وهمته عند الثريا مقيمة، ولم يزل على تلك الحال إلى أن خلا في القبر بعمله، وانقطعت من الحياة مواد أمله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وكان قد قدم إلى دمشق في شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة من القدس، ونزل بمغارة العزيز بالجبل، وقصده الناس بالزيارة من الأمراء والقضاة والعلماء والصدور، وحدث بجزء ابن عرفة، ثم عاد إلى القدس، وتوفي ثالث القعدة من السنة المذكورة.
ومن شعره، من قصيدة:
قد كنتُ تبتُ عن الهوى ... لكن حُبك لم يدعني
ولما مات الشيخ جلال الدين رحمه الله تعالى، رثاه شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود رحمه الله تعالى بقصيدة أولها:
أيا مقلتي جُودي بدمعك لي جودي ... فما مثلُ من قدر بان عنك بموجودِ
وإن غاض ماء الدمع فابكِ دماً فما ... يعد البكا إلا لأكرمِ مفقودِ
стр. 81
فما أنتِ إن قصرتِ مني ولا أنا ... إذا لم تسل روحي دموعاً بمحمودِ
بروحي أحبابٌ مضوا وجلالهم ... يلوحُ لعيني منه أكملُ مشهودِ
تولوا وما عوضتُ من قربهم سوى ... تذكر عيشٍ مر لي غير مردودِ
هم وردوا قبلي من الموت منهلاً ... وها أنا صادِ وهو أقربُ مورودِ
أعددهم حزناً وأبكي معدداً ... عليهم فحالي بين عد وتعديد
أولئك إخواني الذين فقدتهم ... كما يفقد الظامي المناهلَ في البيدِ
كأن رداهم واحداً بعد واحدٍ ... على نسق الأحزان أسماءُ توكيد
أقول لأيام تقضت وشملنا ... كعقدٍ على جيد المسرة معقودِ
أأيامنا عودي بهم وضلالةٌ ... معالي لصم غير سامعةٍ عودي
ولكنها زورٌ المنى وخداعها ... تخيل أمراً في الورى غير معهود
كفى حزناً أن الأسى مبعث الأسى ... فآتيه في ماضيه علهُ تجديد
أسميهم حُزنا ليعلم أنه ... رثاءٌ أتى موجع القلب معمود
فيا أدمعي سحي ويا صبري انتقص ... ويالوعتي دومي ويا حرمتي زيدي
تولى ابن تمامٍ أخي ومصاحبي ... وأكرمُ محبوب إلي ومودود
وقد كان أحلى في فؤادي من المنى ... وأشهى لعيني من كرى بعد تسهيد
وقد كان لي في مصر أنسٌ مواصل ... فولى وقد وافى نعي ابن عبودِ
كريمٌ نمته دوحة الدين والتقى ... فطابَ وسر الأصل يظهر في العودِ
وأنكار ما راعَ الفوادَ رزيّةٌ ... أتت عن جلال الدين أكرمِ ملحود
تقي نقي طالما طرق الدجا ... بكف قنوتٍ كف من هدبه السودِ
ومن كان يحيى الليل لا مد دمعه ... براق وليس الجنب منه بممدود
ويشرق بالأسرار أهل قلبه ... فيصبح بالعرفان موطن توحيد
وأكرمٌ من غيثٍ وليه ... وأرأفُ من أم بأضعفِ مولود
стр. 82
عزوف عن الأسباب جذ حبالها ... فجذت بسيف من تقى غير مغمود
تخلى عن الدنيا وفارق أنسها ... وما طرفه يوماً إليها بمردود
ومثرٍ من التقوى فقير بدانة ... إلى الله مجذوب بأكمل تجريد
أخي وحبيبي مؤنسي ومصاحبي ... ومن كان عندي يومُ رؤيته عيدي
ومن كنت أتيه فيفرجُ أنسه ... إسارَ فؤادٍ في يد الحظ مصفودِ
بكيت وما يُجدي البكاءُ وخطبُه ... أشد ولكن ذاك غايةُ مجهودي
وذاك لأجلي لا له إذ مدامعي ... شفاءٌ لما في أضلعي من جوى مودي
وإلا فما أغنى عن الدمع إذ سرى ... عن المنزل الغاني إلى دار تخليد
وإني لأرجو اللطف بي في لحاقة ... فلم يبق إلا أن أنادي كما نودي
أمن بعد قربي من ثمانين حجةً ... يخادعني إخلاء نفسي وتفنيدي
وقد سار قبلي من تقدمتُ عصره ... ونمتُ كأني بالردى غيرُ مقصود
سقى جَدثاً قد حله صوبُ رحمةٍ ... يسح بتكريرٍ عليه وترديد
ولو لم أسل القلبَ عنه برؤيتي ... أخاه لأودى بي بكائي وتسهيدي
ولكن لي في أنسه بعد وحشةٍ، ... لها حرقٌ في مهجتي أي تبريد
وقد كانت الأيام تبسط لي المنى ... بصحبته قدماً فأنجزت موعودي
ولي في ابنه ظن جميل وإنه ... سيخلفه في الزهد والنسك والجود
فأحسن رب الناس فيه عزاءهُ ... وأجره فالأجرُ أفضلُ موجود
وجاد ثرى ذا نوء عفوٍ ورحمة ... وزان ذرى ذا نوءُ عز وتأييد
إبراهيم بن محمد بن سعيد
الصدر جمال الدين الطيبي السفار، رئيس العراق، والمعروف بابن السواملي
стр. 83
كان في أول أمره له مالٌ يسير، وسافر وأبعد في الصين، وفتح الله عليه، فاكتسب أموالاً جمةً، وبلغ الغاية، وتعدى في المال مدى النهاية، واستقبلَ من حاكم العراق بلاداً كباراً، وأماكن لا تلحق الريح لها غباراً.
وكان يؤدي المقرر، ويخصه باللؤلؤ المدور مع رفقة بالرعية، وتخفيف الوطأة عنهم في كل بلية، حتى أحبه الناس طراً، وصار غالبُ أهل تلك البلاد بإحسانه، عبداً، وإن كان حراً وصار بنوه ملوكاً مطاعين، ومطاعيم في النادي وفي الهيجا مطاعين.
ولي ابنه سراج الدين عمر نيابة الملك بالمعبر، وابنه محمد مالك شيراز، وابنه عز الدين كافل جميع الممالك التي لفارس.
وكان جمال الدين المذكور يعتقد في أهل الصلاح والخير، ويمدهم بالمؤونة والمير، يبعث في كل عام إلى الشيخ عز الدين الفاروثي ألف مثقال، ثم إن التتار مالوا عليه بالأخذ لماله حتى ضعضعُوه، وأكلوه بعدما احتلبوه وارتضعوه. وقلت أمواله، فانتقل إلى واسط لما دبرت الطيب، ولم يكن العيش يصفو بها ولا يطيب.
قال ابن منتاب: قال لي السواملي: ما بقي لي سوى هذا الحب، وفيه ثمانون
стр. 84
ألف دينار، وبعث به إلى الصين، فكسب الدرهم تسعة، ولم يزل إلى أن نزل الضريح، وعلم أنه ما يوجد عليها مستريح.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وسبع مئة في ثاني عشري جمادى الأولى بشيراز.
والسواميل: هي الطاسات عند أهل السواد بواسط.
إبراهيم بن محمد
بن قلاوون
هو الأمير جمال الدين، ابن السلطان الملك الناصر، محمد بن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي.
زوجهُ والده بابنة الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا.
كان أكبر من أخيه الملك المنصور سيف الدين أبي بكر كان والدهما قد جهزهما إلى الكرك، لّما كان أخوهما أحمد في الكرك، فأقاما هناك مدة إلى أن ترعرعا، وأقدمهما القاهرة، فأمر كلاً منهما طبلخانة، ولم يلقب أحداً منهما بملك ولا غيره، بل كان الأمراء ومن دونهم يقولون: سيدي إبراهيم، سيدي أبو بكر.
стр. 85
وكان إبراهيم هذا قد انتشا، وقارب أن يكون ليثاً بعد أن كان رشاً، طر شاربه، وبقل عارضه، وكاد يفترس من يدانيه أو يعارضه، لكنه جدر، وجاءه الأجل الذي قدر، فما رآه والده في ضعفه الذي اعتراه، ولا مكن أحداً من إخوانه أن يراه. ولما تكامل جدريه نجوماً، وصار ذلك لشياطين ناظريه رجوماً، قصف غصنه، وخسف حصنه، فأمر السلطان القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص بأن يدفنه عند عمه الأشرف خليل، وألا يعلم ذلك حقير ولا جليل، وذلك سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن محمد
الإمام الفاضل برهان الدين السفاقسي المالكي كان هو وأخوه شمس الدين محمد من كبار المالكية، كان هذا برهانُ الدين قائماً بالعربية، شائماً بروق غوامضها اللامعة بما عنده من الألمعية. أعرب القرآن العظيم في أربعة أسفار كبار، أعاد بها لهذا الفن ما كان قد خمُل وبار، تكلم فيها على كل غامض، وحسده عليها غيره ممن لم يصل إلى ذلك وقال: عنقودها حامض، وشرح كتاب ابن الحاجب في الفروع، وأتى فيه بفوائد من حسنها تروق، ومن جزالتها تروع، إلا أنه لم يكمله، فنقص يسيراً، وجعل طرف التطلع لتمامه حسيراً.
стр. 86
ولم يزل يشتغل ويدأب، ويشعبُ صدعَ العلم ويرأب: إلى أن وافاه حينه، وقضي من الأجل دينه.
توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثٍ وأربعين وسبع مئة، أو في أواخر سنة اثنتين وأربعين.
إبراهيم بن محمد
الإمام الزاهد المحدث شيخ خراسان، صدر الدين أبو المجامع ابن الشيخ سعد الدين بن المؤيد بن حمويه الجويني الشافعي الصوفي.
سمع من الموفق الأركاني صاحب المؤيد الطوسي، ومن جماعة بالشام والعراق والحجاز، وعني بهذا الشأن جداً، وكتب وحصل.
قدم الشام سنة خمس وتسعين وست مئة، وحج سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، ولقيه الشيخ صلاح الدين العلائي، وخرجَ لنفسه سباعيات بإجازات.
وسمع مسلماً من عثمان بن موفق وسمع ببغداد من الشيخ عبد الصمد، ومن ابن
стр. 87
أبي الدينة، وبان الساغوجي، وابن بلدجي، ويوسف بن محمد بن سرور الوكيل.
وكانت له صورة إلى تلك البلاد الكبيرة، ومنازلهُ في صدور التتار أثيرة، تتضاءل النجوم لعلو قدره، وتنكشف الشموسُ الضاحية لطلوع بدره، لا يصل أحد إلى لمس كمه، ولا يطمع القان الأعظم في اعتناقه وضمه. ومما يؤيد هذه الدعوة، ويحقق هذه الرجوى أن القان غازان أسلم يده، وبترك بملاقاة جسده.
وأخبرني الشيخ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى، قال: أنبأني الظهير ابن الكازروني، قال في سنة إحدى وسبعين وست مئة: اتصلت ابنة علاء الدين صاحب الديوان بالشيخ صدر الدين أبي المجامع، إبراهيم بن الجويني، وكان الصداق خمسة آلاف دينار ذهباً أحمر.
وللشيخ صدرُ الدين مجاميعُ وتواليفُ، وله إجازة من نجم الدين عبد الغفار صاحب الحاوي.
стр. 88
ولم يزل في تيار عظمته الطافح، وسيل وجاهته السافح، إلى أن سكن في الرّمس، وذهب كأمس.
وتوفي رحمه الله تعالى خامس سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنةُ بضعٍ وأربعين وست مئة.
إبراهيم
بن محمد بن أحمد
بن محمد بن أحمد
الشيخ برهان الدين، أبو إسحاق الواني.
بواو بعدا ألف ونون، رئيس المؤذنين بجامع بني أمية.
سمع من إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطي، وأيوب بن أبي بكر بن الفقاعي، وابن عبد الدائم.
كان شيخاً حسن الشيبة، ظاهر الوقار، والهيبة، مطاعاً في قومه، مراعى في التقديم عليهم في ليله ويومه. أضر قبل موته بسنوات، وفقد لفقد نظره من المرئيات الشهوات، وكان يطلع المئذنة ويؤذن بعد الجماعة وحده، ويؤدي الأذان بصوتٍ لا تذكر نغمةُ الأوتار عنده، والناس يقولون: هو يودع الأذان، ويودع الدر صدف الأذان.
ولم يزل على هذه الحال إلى أن رأى الواني من الموت ألوناً، وجاءه بعدما توانى.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الخميس سادس صفر سنة خمس وثلاثين وسبع مئة،
стр. 89
وصلي عليه ظهر الخميس بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة باب الصغير، وأجاز لي سنة ثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن محمد
بن أبي بكر الخزرجي
البناني الدمشقي
الشيخ الصالح العالم برهان الدين.
روى الحديث عن ابن عبد الدايم، وسمع من ابن النشبي، وابن أبي اليسر وجماعة، وكان من طلبة الشيخ يحيى المنبجي المقرئ.
انتقل إلى القدس، وكان إمام قبة الصخرة بالمسجد الأقصى. وتقدم له اشتغال كثير في الفقه. وكان يبحث ويناظر الفقهاء، ثم إنه تزهد، وصحب ابن هود مدة، وسافر معه إلى اليمن، وحج وعاد وأقام بدمشق مدة، ثم إنه عاد إلى القدس، وأقام به سنين إلى أن مات، رحمه الله تعالى، في يوم الأحد خامس شعبان سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
إبراهيم بن محمد
الفقيه الفاضل برهان الدين المصري كان شاباً، لم يكمل الثلاثين. توفي في نصف شهر رمضان سنة خمس عشرة وسبع مئة، ودفن بمقابر الباب الصغير.
стр. 90
وذكر أنه حفظ الوسيط، وعرض منه نحو النصف، وحفظ أربعين الإمام فخر الدين الرازي.
أقام بالمدرسة الظاهرية مدة، وكان يلازم النسخ والاستنساخ.
إبراهيم بن محمد بن عيسى الأمير شمس الدين بن الأمير الكبير بدر الدين بن التركماني.
سمع الحديث، وحج وتوفي بالقاهرة بداره جوا باب البحر في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وكان فيه مروءة ومكارم أخلاق، وصلي عليه بجامع دمشق صلاة الغائب.
إبراهيم بن محمد بن يوسف
القاضي جمال الدين الحسباني يضم الحاء المهملة، وسكون السين المهملة، وباء ثانية الحروف، وألف ونون.
نائب الحكم العزيز بدمشق لقاضي القضاة تقي الدين السبكي.
لما توفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وخمسين وسبع مئة عن نيف وثمانين سنة، صلى نائبُ الشام الأمير علاء الدين المارداني عليه.
стр. 91
كان شديداً في أحكامه، سديداً في نقضه وإبرامه، ولا يراعي ولا يداهن مخلوقاً، ولا يعرف من كان مرموقاً بالأبصار أو موموقاً، قد تلبس بالصلابة، وتأنس بالتصميم دون اللين، فلا يجيب من دعا به إلى دعابة، وكان قاضي القضاة يعتمد في الأحكام المعضلة على حكمه المسدد، وتحقق أنه تفرد في عصره بهذا الخلق، وتفرد، إلى أن جاء الحسباني، ما لم يكن في حسابه، وانفرد بعمله تحت الأرض وخلا به ولم يخلف مثله، ولا من استظل بأنه وأثله، رحمه الله تعالى.
إبراهيم بن محمد بن ناهض
الشيخ الإمام الأديب تقي الدين أبو إسحاق المعروف بابن الضرير - تصغير ضرير - الحلبي.
كان إمام الفردوس بحلب، ومعه أيضاً وظيفة في البيمارستان الذي أنشأه الأمير سيف الدين أرغون الكاملي بحلب. وهذا تقي الدين كان أديبَ حلب، وأحد من امترى أخلاف الأدب وحلب. وأهدى إلى بني الزمان نفائس القريض وجلب، وسلب الذهن بعبارته الفصحى وخلب. وجد في جمع الدواوين وكتبها، وذهبها بخطه وهذبها. كتب ما لا يحصى، ونقب عن مصنفات أهل عصره واستقصى.
ولم يزل يكتب ويجمع، ويسمو بهمته إلى تحصيل ما يسمع، إلى أن فتح الموت لابن الضرير عينيه، وخر صريعاً لليد والفم بين يديه.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وسبع مئة. ومولده أول سنة ٦٩٥هـ.
стр. 92
كان هذا تقي الدين أديب حلب، ومأوى من يرد إليها من الشعراء والأدباء الغرباء.
كبت بخطه شيئاً كثيراً من كتب الأدب ومصنفات أهل عصره، وكان له ذوق في الأدب، ويحفظ شعراً كثيراً للمقدمين والمتأخرين. ولم أسمع له نظماً.
ولما وردتُ إلى حلب في سنة ست وخمسين وسبع مئة كتب بخطه من تصانيف توشيع التوشيح، وكتاب نصرة الثائر على المثل السائر، وغير ذلك، وسمع كتابي الروض الباسم وغيره. وعلى الجملة كان فريد زمانه في بابه.
ورثاه علي بن الحسين الموصلي بقوله:
يا ابن الضرير كم عينٍ أضر بها ... مرآك فوق سرير الموت محمولا
قضيتَ عمرك في الفردوس مشتغلاً ... ومذ قضيت إليه كنت منقولا
إبراهيم بن محمود بن سلمان
بن فهد الحلبي
القاضي الرئيس الكاتب البليغ جمال الدين أبو إسحاق كاتب السر الشريف بحلب، أحد من كتب المنسوب الفائق، وأبرزه وهو أتقى من الأحداق، وأنقُ من الحدائق، كأنه طروسه خمائل، وسطوره أعطافُ غيد موائل، لا يشبع الناظر من تأملها، ولا تشكو القلوب من تحملها وتجملها، وإلى أخلاقٍ يتعلم
стр. 93
منها نسيم الصبا، وتثني عليها النفحاتُ من زهر الربا، ومفاكهةٍ ألذ من مسامرةً الحبيبِ، وأشهى من التشفي بأذى الحسود والرقيب.
وكان يستحضر كثيراً من شعر المتأخرين، وتراجم أهل الآداب والصلاح من المعاصرين، وله نظم يروق ونثر يفوق.
ولم يزل يتولى ويعزل من كتابة السر، ويفعل ما تصل إليه مقدرته من البر، إلى أن حل به الحين، واتخذ له من باطن الأرض أين.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم عرفة سنة ستين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبعين وست مئة في شعبان.
وكان قد توجه مع والده إلى الديار المصرية، وباشر هناك كتابة الإنشاء، وسمع من الأبرقوهي وغيره في ذلك العصر، وكان القاضي علاء الدين بن الأثير يألف به ويأنس ويركن إليه، ولما عزل القاضي عمادُ الدين بن القيسراني من كتابة سر حلب: جهز القاضي جمال الدين إليها، فأقام بحلبَ قريباً من ست عشرة سنة، وعزله الملك الناصر محمد بن قلاوون بتاج الدين ابن زين.
حضر في واقعة لؤلؤ مع الحلبيين سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وطلب إلى القاهرة، ورسم عليه في دار الوزارة مُدة مديدة، ثم أفرج عنه.
стр. 94
ولما توجه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى إلى مصر في بعض سفراته، طلبه من السلطان، فرتب في جملة كتاب الإنشاء بدمشق، وصاحب الديوان إذ ذاك ابن أخيه القاضي شرف الدين أبو بكر، فأقام بها إلى أن عزل ابن أخيه، وعزل هو بعزله، فأقام في بيته بطالاً إلى أن طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، فتوجه إليها، فأقام هناك بطالاً في سنة ثمان وثلاثين وما بعدها إلى أن توفي صلاح الدين يوسف بن عبيد الله فرتب عوضه في كتاب الإنشاء بمصر، وسلم إليه القاضي علاء الدين بن فضل الله ديوان الإنشاء بمصر، فكان ينوبه في ذلك، ثم إنه رتب في توقيع الدستِ قُدام السلطان، وقدام النائب.
ولما تلوى القاضي ناصر الدين بن يعقوب كتابة السر بدمشق في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، رسم للقاضي جمال الدين بعوده إلى كتابة سر حلب، فتوجه إليها مرة ثانية، ولم يزل بها إلى أن عزل بالقاضي زين الدين عمر بن أبي السفاح في جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ورتبَ له ما يكفيه، ثم عزل ابن السفاح بالقاضي شهاب الدين الشريف، فأقام قليلاً، وعزل في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأعيد القاضي جمال الدين إلى كتابة سر حلب ثالث مرة، ولم يزل بها وابنه القاضي كمال الدين محمد يسد الوظيفة إلى أن عزل القاضي بدر الدين محمد ناظرُ الجيش بحلب، وهو ابن القاضي جمال الدين. وطلب هو ابنه وابن أخيه إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وسبع مئة، فرسم بعزله عن كتابة السر، ورتب له في كل شهر مبلغ خمس مئة درهم، ورسم لي أنا بالتوجه إلى كتابة سر حلب مكانه، وأقام هو في بيته على راتبه إلى أن توفي رحمه الله تعالى فكتبت أنا إلى ولده القاضي
стр. 95
كمال الدين محمد إعزيه فيه:
مضى من كان للدنيا جمالاً ... فعزوا في مصيبته الكمالا
كمال الدين لا تجزع وسلم ... لأمر شاءهُ الباري تعالى
أبوكَ مضى ولم نعرف نظيراً ... لهُ فيما حواهُ ولا مثالا
تعالى في مناصبه ولكن ... تواضع عند ذاك وما تعالى
وكان له إلى الفقراء ميلٌ ... أنا لهم به جاهاً ومالاً
فما عرفوا سؤالاً منه إذ لم ... يكن من غيره لهمُ سوى لا
فما يوماً نوى لا في نداهم ... وبرهم وأولاهم نوالا
وما مالاً على أحد رآه ... عليه الدهرُ قد أخنى ومالا
وكم والى أخا ضعف وفقر ... وأولاه المبرة ثم والى
بود ما تغير قط يوماً ... على من يصطفيه ولا استحالا
ولطفٍ كالنسيم أتى رياضاً ... فهب على أزاهرها شمالاً
وعمر مدة يروي حديث ال ... رسول وكأن ذاك له اشتغالا
وكم من سيرة للمصطفى قد ... تأنق في كتابتها وطالا
أبرزها كخودٍ في حلي ... تهاوت في تثنيها دلالا
وما بالي بصربٍ أو بعزل ... ولم يشغل له في ذاك بالاً
توكل في الأمورِ على إله ... يدبر شأنه حالاً فحالا
تولى السر في حلبٍ زماناً ... فما احتاجت جلاداً أو جدالاً
стр. 96
وأغني الجيش عن حركات غزو ... لما ركبوا السهولة والجبالا
ووفرهم فما هزوا رماحاً ... ورفعهم فما سلوا نصالا
وكم قد ساس في سيس أموراً ... رأى تكفورها فيها الخبالا
فينظر يقظة خيلاً ورجلاً ... وتغروه مهابتهم خيالاً
برأي كالحسام الغضب ماض ... أفادته تجاربه صقالاً
وخط لو رآه الزهر غضاً ... لجود تحت أحرفه مثالا
ونثر تكرعُ الأسماع فيه ... على ظمأ فترشفه زلالا
وكم نظم ترقرق في انسجام ... فلولا الطرس يمسكه لسالا
فل نر مثل هاتيك السجايا ... ولا أزهى ولا أزكى خلالا
أفاض الله من كرم عليه ... مدى الأيام رحمه سجالاً
وكتبتُ مع هذه الأبيات نثراً ذكرته في الجزء السادس والأربعين من التذكرة لي.
وكتب هو إلي لغزاً، وأنا وهو في القاهرة سنة خمس وأربعين وسبع مئة:
إن اسم من أهواه تصحيفه ... وصفٌ لقلب المدنف العاني
وشطره من قبل تصحيفه ... يقاد فيه المذنب الجاني
وإن أزلت الربع منه غدا ... مصحفاً لي منه ثلثانِ
وهو إذا صحفته ثانياً ... اسم المحبوب لنا ثاني
стр. 97
فكتبتُ أنا الجواب إليه عن ذلك وهو في غلبك:
لعزك يا من رؤيتي وجهه ... تكحل بالأنوار أجفاني
هذي ضميري لحمي حله ... وأيد القول ببرهاني
إن زال منه الربع مع قلبه ... فإنه للمذنب الجاني
عليك تصحيفُ الذي رمته ... فالقلب في تصحيفه الثاني
ويبني وبينه محاورات ومكاتبات ذكرتها في كتابي ألحان السواجع
إبراهيم بن هبة الله بن علي
القاضي نور الدين الحميري الإسنائي الشافعي.
كان فقيهاً فاضلاً أصولياً ذكي الفطرة.
أخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين هبة الله بن عبد الله القفطي، والأصول عن الشيخ شمس الدين محمد بن محمود الأصبهاني، والنحو عن الشيخ بهاء الدين بن النحاس وصنف في الفقه والأصول والنحو.
стр. 98
ولي القضاء بأقاليم منها قوص، وأسيوط، وإخميم، وولي منية زفتا ومنية ابن خصيب في أوائل عمره. وابتداء أمره.
وكان حسن السيرة في حكمه، مرضي السيرة في طيشه وحلمه. طلب منه كريم الدين الكبير مالاً من زكاة حاصل الأيتام، ودفع شيء من ذلك ليستعين به على تلك المهام، فلم يعطه شيئاً، وقال: العادة جرت بأن نصرف ذلك إلى الفقراء دون غيرهم، ومتى عدلنا به عنهم قصصنا جناح طيرهم. ولما عاد كريم الدين إلى القاهرة بالغ في أمره مع قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وبذل في صرفه جهد الاستطاعة، فما وافق على عزله، ولا نقض برم غزله، إلا أنه صُرف بعد ذلك بمدة وحضره إلى القاهرة، وأقام بها لأمرٍ ما أطاق رده.
وكان قد قرأ على الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف الأصفوني الجبر والمقابلة، ومن هذا النوع وما عادله، وقرأ الطب على شهاب الدين أحمد المغربي، واختصر الوسيط للغزالي، وصحح ما صححه الرافعي على التوالي، وشرح
стр. 99
المنتخب في الأصول، وقرب المدخل إليه والوصول. ونثر ألفية ابن مالك وشرحها، وجعل فيها إطلاق الأذهان ومرحها.
ولم يزل بالقاهرة مقيماً بعد صرفه، وصبر قلبه على الأذى وغض طرفه، إلى أن حدث بعنقه طلوع، عدم معه الهجوعَ، ففارق أترابه، واستجن ترابه، ووصى للفقراء بشيء من ماله، وختم بذلك صالح أعماله، ووقف وقفاً على جهة البّر، وتقرب بذلك إلى عالم السر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
إبراهيم بن أبي الوحش
ابن أبي حليقة، علم الدين بن الرشيد.
رئيس الأطباء بمصر والشام.
عين، وهو نصراني قبل أن يُسلم، أن يكون بطريكاً للنصارى بمصر، فما وافق على ذلك، وأسلم.
كان المذكورُ يشارك في فنون الأدب، وينسل مع من نسل إليه من كل حدب. وهو الذي عمل شراب الورد الطري بالشام، ولم يعهد ذلك قبله على مرور الأيام.
ولما مرض الظاهر بيبرس بالخوانيق لازمه علم الدين في مرضه، وأتى إليه بما كان
стр. 100
فوق غرضه، فاتفق نضج الألم الناتئ في حلقه، ولم يجسر أحدّ يمدّ يده غليه لشراسة خُلقه، فمدّ علم الدين يده إلى فيه، وأدخلها، وقرص الورم، فانفجر لوقته، وخرجت المواد التي حار اللبيب في وصف ألمها ونعته، فعوفي السلطان من ألمه المبرح، ووهبه الأمراء شيئاً يطول في ذكره الشرح، فما سمحت نفس السلطان له بمجموع ما وهب، وخصه ببعض ذاك الذي حصل ونهب، وشال الباقي إلى الخزانة، وقال: خروج هذا خفة وعدم رزانة.
ولم يزل علم الدين على حالته إلى أن نزلت به مصيبة ما لها علاج ولا رقى، ونزل حفرة لا يجد له منها مرتقى.
وقيل: إن تركته بلغت ثلاث مئة ألف دينار، وهذا أمر تجاوز الحد والمقدار.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة.
إبراهيم بن لاجين بن عبد الله
الشيخ الإمام العالم الفاضل البليغ برهان الدين الأغري، بفتح الغين المعجمة، الرشيدي الشافعي، خطيب الجامع الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر بك بحكر جوهر النوبي بالقاهرة.
أخذ القراءات عن الشيخ تقي الدين - الصائغ، والفقه عن الشيخ علم الدين
стр. 101
العراقي، والأصول عن الشيخ تاج الدين الباربناري، والفرائض عن الشيخ شمس الدين الرواندي، والنحو عن الشيخ بهاء الدين بن النحاس، العلم العراقي، وأثير الدين أبي حيان، والمنطق عن سيف الدين البغدادي. وحفظ الحاوي والجزولية والشاطبية، وأقرأ الناس في أصول ابن الحاجب وتصريفه وفي التسهيل. وكان يعرف الطب والحساب وغير ذلك.
ولخطبته في النفوس تأثير، وللدموع لها على الخدود جري وتعثير، ترق له القلوب القاسية، وتتذكر النفوس الناسية. وعلى قراءته في المحراب مهابة وفصاحة، ولها إلى الجوانح جنوح وفي الجوارح جراحة. لم أرَ في عمري مثل اتضاعه على علو قدره، ولا رأيت ولا غيري مثل سلامة صدره. مطرح التكلف، راضٍ بالقعود عن الدنيا والتخلف، يحمل حاجته بنفسه، ولا يحتفل بمأكله ولبسه.
تخرج به جماعة وانتفعوا، ورد بمواعظة أهل الجرائم عن طريقهم واندفعوا.
وعرض عليه سنة خمس وأربعين وسبع مئة قضاءُ المدينة الشريفة وخطابتها فامتنع، وانخزل عن قبول ذلك وانجمع.
стр. 102
وله نظم إلا أنه ما أظهره، ولا كلف خاطره أن يؤلف جوهره، إما عدم رضى بما يأتيه منه، أو تورعاً عن قبوله ونفوراً عنه.
ولم يزل على حاله في أشغاله الطلبة، والإمامة والعمل على ما فيه خلاصه يوم القيامة، إلى أن سار إلى الآخرة، وصار بالساهره.
وكانت وفاته بالقاهرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وقلت أرثيه:
ملتُ بعدَ البرهان للتقليد ... في انسكاب الدموع فوق الخدود
ما أنا واثقاً بتسفاح دمعي ... خان صبري الأمينُ بعد الرشيد
كيف لا تسفح الدموعُ على من ... كان للطالبين خير مفيد
قال لما احتواه طاعونُ مصر ... كم قتيل كما قتلتُ شهيدِ
فهو في قبره مع الحُور يلهو ... ببياض الطلى وورد الخدود
ما تملت جفونهُ ببدور ... قبلها في براقع وعقود
يا عذولي على تعذر صبري ... في مُصاب عدمتُه في الوجود
كان إن قام في الأنام خطيباً ... علم الناس كيف نثر الفريد
ثم أجرى الدموع خوفاً ولو ... أن قلوب العُصاةِ من جلمود
بكلام مثل السهام مصيبا ... تٍ تشقّ القلوبَ قبل الجلود
حزنَ مستعمل الكلام اختياراً ... وتجنبن ظلمة التعقيد
стр. 103
ما على زهده وفضل تقاه ... علومس قد حازها من مزيد
أيها الذاهبُ الذي نحن فيه ... في لظى وهو في جنان الخلود
لا ترع في المعاد حيث وجوه ... الناس فيه ما بين بيض وسود
لك في موقف القيامة وجهّ ... يخجل البدر في ليالي السعود
وثناءً كأنما ضُربَ العن ... بر فيه بماء وردٍ وعود
قنتعت أنفسُ البرية إذ غبت بع ... يش مُعجل التنكيد
فسقى الله تربة أنت فيها ... كل يوم مضي سحائب جُود
إبراهيم بن يونس
ابن موسى بن يونس بن علي الغانمي البعلبكي.
رحل وسمع وعلق وكان جيد القراءة فصيحاً، حسن الود صحيحاً.
سمع بالبلاد أشياخ عصره، وعلق الفوائد وغيرها من أهل مصره، وارتحل إلى الحجاز، وسمع هناك وفاز، وجاور بمكة، وكتب بها من الفوائد شكه.
ولم يزل على حاله إلى أن حل به غريم أجله، وقابل مهله بعجله.
توفي، رحمه الله تعالى، في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. نقلت من خطه له:
стр. 104
قال لي العاذلُ يوماً: ... أنت بدري حنيني
قلت: لا، قال: فمصري، ... قلت: لا، إني حُسيني
إبراهيم بن يحيى
ابن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الشيخ الفقيه الإمام المحدث عمادُ الدين أبو إسحاق البصروي، ثم الدمشقي الحنفي.
قرأ القرآن وسمع الحديث في سنة ثلاث وسبعين وست مئة وبعدها. وقرأ على الشيوخ كثيراً من الكتب والأجزاء، وكان مشهوراً بحسن القراءة.
ومن شيوخه: ابن عبد الدايم، وابن أبي اليُسر، وأيوب الحمامي، ومظفر بن الحنبلي، وابن النشبي، ابن عبد.
قال شيخنا علم الدين: وجمعت له مشيخة عن نحو ثمانين شيخاً.
ثم إنه بعد ملازمته الطلبة والاشتغال بالعلم، ودخل في الجهات الديوانية، وخدم بديوان الحشر، ومهر في ذلك، وحصل أموالاً، ثم إنه رأى رؤيا أوجبت له التوبة والإقلاع، فحج وترك الديوان، ولازم المسجد والتلاوة، وبقي على ذلك نحو عشرين سنة، وحصل له صمم، وقوي به، فكان لا يسمح إلا بمشقة، وكان يحدث من لفظه.
стр. 105
ومما قرأه صحيحُ مسلم والترغيب والترهيب على ابن عبد الدايم وغير ذلك.
ومما انفرد به أنه قرأ الكافية الشافية على ابن مالك.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب سنة خمس وأربعين وست مئة.
إبراهيم بن يوسف
القاضي الرئيس المؤتمن أمين الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية.
كان متصفاً بالأمانة المفرطة، ملتحفاً بالعفة التي من لم يطلع على أمره يعتقد أنها مغلطة.
حاول السلطان الملك الناصر محمد أن يأخذه من أستاذه مرات، وتحيل عليه بأنواع من وعود الإحسان والمبرات، فما وافق مخدومه، ولا هو على ذاك، وتحيد جهده، وتحيل، ولم يقع في تلك الأشراك.
وكان كاتباً خبيراً، عارفاً بأمور الديوان بصيراً، وعنده مشاركة في علوم، وممارسة لما يتصف به أهل العلوم والفهوم، وفيه سكون مفرط وعدم رهج، وانجماع سلك به في الدهر فرد نهج، وله عبارة إذا ترسل، ومقاصدُ بليغة بها يتوصل إلى مراده ويتوسل، ما خدم عند أحد إلا وسلم إليه قياده، ورأى أن بيده صلاحه وفساده.
стр. 106
ولي نظر الجيوش بالديار المصرية في أيام الملك الصالح إسماعيل، فباشره بقعدد وسكون، وتقرر في ذهن أولياء الأمر أنه مهما رآه هو الذي يكون. وكان محظوظاً في خدمه، والسلام والأمانة، نعم العونُ لأرباب السيوف والأقلام.
ولم يزل إلى أن بلغ نهاية أمده، وتفرد في قبر بمعتقده.
وتوفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
وكان في أول أمره يكتب عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب بدمشق، ولما توجه إلى مصر أخذه معه، وهناك أسلم، وكان أولاً سامرياً، وكان يميل إلى عقله، ويعتمد إلى تصريفه، ولما أمسك الحاجب أخذه الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار الناصري، فمال إليه، واعتمد عليه، ولما مات أرسلان أخذه الأمير سيف الدين طشتمر حمصّ أخضر عنده، فدخل إليه وعلى الأمير جملة من الديوان فما كان عن قليل حتى وفى ديونه وجعل في خزانته جملة من الحاصل، فأحبه وزاد في تعظيمه وإكرامه، ولما عاد الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى الديار المصرية بعد نيابة وإكرامه، ولما عاد الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى الديار المصرية بعد نيابة صفد أراد عوده إليه، فتعذر ذلك، ودخل طشتمر إلى السلطان، وسأله في إبقاءه عنده، فرسم له بذلك، ولكن بقي أمين الدين. يتردد إلى باب الحاجب كل قليل، وما جسر على مقاطعته، وأراد السلطان الملك الناصر مراتٍ أن يأخذه ويستخدمه في نظر الدولة أو غير ذلك من الوظائف، فيدخل طشتمر على الخاصكية المقربين في ذلك، فيسألون له السلطان في ذلك، وكان طشتمر ما يفارقه، ولما أخرج لنيابة صفد
стр. 107
أخذه معه. ولما توجه إلى حلب أخذه معه. ولما دخل البلاد الرومية أخذه معه إلى الروم. ولما عاد منها عاد معه إلى مصر، ولما مات طشتمر ﵀ طلبه الأمير سيف الدين قماري أخو بكتمر الساقي، وكان في الأيام الصالحية أستاذ الدار فأقبل عليه إقبالاً زائداً، وعظمه، ولما مات
جمال الكفاة
، ولاه الصالح إسماعيل نظر الجيش، فأقام فيه إلى آخر أيام الصالح. ثم إنه حضر إلى القدس وأقام به، وأوقف عليه قرية تعمل في السنة بمبلغ، وحضر في أثناء ذلك إلى دمشق، ثم توجه إلى القدس. وأقام به، ولما أفرج عن الأمير سيف الدين شيخو، وأعيد إلى مكانه، طلبه إلى مصر، وجعله ناظر ديوانه، وكان عنده في الذروة من الوجاهة، واستمر عنده إلى أن مات ﵀ في التاريخ، والله أعلم بسريرته، فإنّ الناس كانوا يتهمونه في دينه.
وكتبت إليه وأنا بالقاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة أتقاضاه نجاز منشور بإقطاع لابن أختي:
عجب الناس إذ جعلتُك قصدي ... دُون قومٍ ما فضلهم بمبين
قلت رأي الرشيد للخير هادٍ ... إذ غدا واثقاً بخير أمين
إبراهيم القاضي جمال الدين
جمال الكفاة
ناظر الدولة والجيوش والخاص، وهو ابن خالة القاضي شرف الدين النشو، والنشو هو الذي استسلمه واستخدمه مستوفياً في الدولة، ثم إنه استخدمه عند الأمير
стр. 108
سيف الدين بشتاك الناصري، فلبث عنده مدة، ثم إن الناس رموا بينه وبني ابن خالته النشو، فوقعت بينهم المعاداة الصعبة على سوء ظن من النشو وزيادة توهم، ولم يزل الأمير بينهما إلى أن أمسك النشو، ومات هو وجماعته تحت العقوبة على ما سيأتي في ترجمته.
وتولى جمال الكفاة نظر الخاص ونظر الجيش، ولم يتفق ذلك قبله لغيره، ولم يزل في عز وجاهٍ وتمشيةِ حالِ مخدومه بشتاك إلى أن توفي السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وولي الملك ولده أبو بكر، وخلع وولي الأشرف كجك، وخلع وهو على حاله، وأحبه قوصون، وبالغ في إكرامه، ثم حضر الناصر أحمد من الكرك، واستمر به على حاله، وأخذه معه إلى الكرك، وأقام عنده، فلما تولى الملك الصالح إسماعيل وهو في الكرك بقي مدة ووظيفتاه ليس بهما أحد، فتولى مكين بن قروينه الجيش، وبقي أخو جمال الدين - الكفاة - في الخاص يسده إلى
стр. 109
حين حضور أخيه، فلما حضر جمال الكفاه من الكرك تسلم وظيفتيه في الجيش والخاص، وبقي كذلك مدة وأضيف إليه نظر الدولة أيضاً، وصار هو عبارةً عن الدولة، ثم إنه أمسك وحمل شيئاً من الذهب تحت الليل وأفرج عنه، وخُلع عليه، وأعيد إلى وظائفه، ثم إنه أمسك، وفعل كالمرة الأولى، ثم أخرج عنه، وأعيد، وتمكن من السلطان الملك الصالح إسماعيل، وعظم عنده، وكتب له الجناب العالي، ولم يكتب ذلك إلا للوزير، ثم رسم له بإمرة مئة، وتقدمة ألف، وأن يلبس الكلوته، ويلعب الكرة مع السلطان في الميدان، فما كان إلا وهو في هذا الشأن، هل يقبل ذلك أو لا حتى عمل عليه، وأمسك هو وجماعة من مباشري الدولة، فتوهمها كالواقعة التي قبلها، فقتل هو بالمقارع وولده إلى أن مات هو تحت العقوبة، ورموه بأمورٍ الله أعلم بصحتها من فسادها.
وكان في أول أمره عند الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي كاتباً، ومدة مباشرته الخاص وما معه ست سنين.
وكان في أول أمره عند الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي كاتباً، ومدة مباشرته الخاص وما معه ست سنين.
وكان ﵀ تعال حسن الشكل، مليح القامة، حلو الوجه ظريف العمامة، يتحدث بالتركي جيداً، ونم في ذلك اللسان عن فصاحته متحيداً، وما كتب أحدٌ أقوى من علامته ولا أكبر ولا أحسن، ولا أقعد من حروفها ولا أمدّ ولا أمتن، بزته مليحة، وعبارته فصيحة، وفكرته متسرعة، وخبرته عن صحة ذهنه متفرعة،
стр. 110
وشجاعته بالإقدام متدرعة، وهمته عن الرذائل متورعة، مع لطف عشرة، وظرف تنديب يرقص إذا أبدى بشره، يحب الفضلاء ويدنيهم، ويعينهم بالجود ويغنيهم، يقضي أشغالهم، ويحمل أثقالهم، وكان يولعُ بفن التصحيف، ويأتي فيه بالرائق الظريف، قال يوماً ونحن جلوس في دار ابن خالته، وهو ما هو في عظمته وجلالته، وقد جرى تصحيف عجيب، بين مبتدي ومجيب، فقال لي: هو بحبل يشنق، فما مرت بأذن أحد إلا وأطرق، وغاص في بحرها واستغرق، وقمت أنا إلى الطهارة لقضاء ما لا بد منه، ولا غنى لكل أحد عنه، وخاطري بما قاله متعلق، وبرقُ فهمها غير متألق، وفي ذهابي ملتُ إلى قلبها وتصحيفها فظهرت لي فائدة تأليفها، فعدت إليه قبل ذهابي ملتُ إلى قلبها وتصحيفها فظهرت لي فائدة تأليفها، فعدت إليه قبل ذهابي، وأسرعت إيابي، وقلت له ما ظهر لي في حلها، وسقيته من وبلها وطلها. فقال: يا مولانا! كنت صبرت إلى أن قضيت شغلك، وأتيت بما وسع فضاك وفضلك. فقلت: حلاوة الفهم، أذهلتني عن رشق هذا السهم.
وكان جمال الكفاة رحمه الله تعالى في آخر أمره، ونفاسة قدره، قد سلك مسلك كريم الدين الكبير في اقتناء المماليك الأتراك، وأكثر من جباتها في العقود والأسلاك، قد تأنق في ملابسهم الفاخرة وتجديدها، وتحلية مناطقهم التي علائقها يطرب تغريدُها، ولما هلك تحت العقاب، وحمل فوق الجنوية على الرقاب، حزن لذلك أوداؤه وشمت بمصابه أعداؤه، وذلك في أوائل صفر سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
следующие страницы →