Полный текст (3 514 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
أباعه الكسروانيون للفرنج في واقعة غازان، ثم شراه ابن سعيد الدولة منهم، وأعطي طبلخاناه بعد الوقعة.
وكان شيخاً مليح الشيبة، ظاهر الهيبة، حاجباً جليلاً، لا يراه أحد إلا اتخذه خليلاً، لا يراه أحد إلا اتخذه خيلاً، ناهضاً بالأعباء عاقلاً، لا تجده الدولة عن مصلحتها غافلاً.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن المطروحي على نعشه مطرحاً، وطحنته من المنية تلك الرحى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة. باشر الطبلخاناه قليلاً، ومات رحمه الله تعالى.
آقوش الأمير جمال الدين الأفرم، نائب دمشق.
كان من مماليك الملك المنصور قلاوون القدُم الجراكسة، وهو من أكابر البرجية السلاح دارية. وكان في البرج مُغرى بالنشاب والعلاج والصراع واللكام والثقاف وتأمّر وهو على هذا.
ولما كان في أيام أستاذه تحدث مع بعض الخاصكية أن يخرج إلى الشام، فعرضوا به للمنصور، فقال: آقوش الأفرام يريد الرواح إلى دمشق، لا بد له من نيابة دمشق إلا ما هو في أيامي.
стр. 527
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: حدثني جلال الدين محمد بن سلميان بن البيع الموقع عن الشهاب الرومي أن الأفرم حدثه أنه قال: كان يتردد إلي وأنا بمصر فقير مغربي، كان في القرافة الكبرى، فقال لي يوماً: يا آقوش إذا صرت نائب الشام أيش تعطيني؟ فقلت له: يا سيدي ما أنا قدرُ هذا. فقال: لا بد لك من هذا. أيش تعطيني؟ فقلت: يا سيدي الذي تقول. فقال: تتصدق بألفي درهم عند السيدة نفيسة، وبألف درهم عند الشافعي. فقلت: يا سيدي بسم الله. فضحك، وقال: ما أظنك إلا تنساها، وما تعود تذكرها إلا إذا جئت هارباً إلى مصر. قال: فوالله لقد جعلتُ كلام المغربي ممثلاً بين عيني حتى وُليت النيابة، فأنسانيه الله، ثم ما ذكرته حتى دخلتُ نوبة غازان مصر هارباً، فبينما أنا أسير هارباً إذ مررت بمكان الفقير، فذكرت قوله، فأحضرت على الفور الدراهم، وتصدقت بها.
وكان قد نقل الأفرم إلى الشام قبل النيابة، وأقام بها مدة طويلة في مجالس أنس ولهو وطرب، يغشى الناس ويغشونه. ولما كانت أيام العادل كتبغا، وتقدم حسام الدين لاجين، وصار نائب مصر، اشتد عضد الأفرم به، لأنهما كانا ابني خالة، فلما تسلطن لاجين كان الأفرم بدمشق فطلبه، وجعله حاجباً، وبقي بمصر مدة على ذلك، يبيت ويصبح بقلعة الجبل. ولما كان يوم الخميس وهو اليوم الذي قُتل فيه لاجين عشيةً، نزل الأفرمُ تلك الليلة، وبات في القاهرة في داره، وهي دار الشريف ابن ثعلب، وبات بها هو والأمير شرف الدين حسين بن جندر بك.
стр. 528
أخبرني من لفظه الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك. قال: بينا نحن تلك الليلة وإذا بالباب يُطرق وقائل يقول: خلوا الأمير يكلم السلطان. وآخر في آخر في الحث في طلبه. فهم الأفرام بفتح الباب، فقلت له: تأنّ على نفسك، فخاطري قد حدثني بأمر، وأخشى على السلطان من أمرٍ حدث، فانتبه لنفسه، وقال: ما العمل؟ قلت: تحيل على من يخرج إلى السوق، ويكشف الخبر. فدلينا مملوكاً من السطح، فما لبث أن عاد إلينا بالخبر، فخرجنا على حمية، وركبنا وطلعنا إلى خيل الأفرم، وكانت خراج البلد، فأخذنا الخيل وانعزلنا إلى القلوبية، واجتمع عليه مماليكه وأصحابه واللآجينية، ونشر أعلامه، ودقً طلبلخاناته، وبقي يتنقل حول بركة الحجّاج إلى عكرشة إلى المرش إلى ما دون بلبيس وهو على غاية الحذر، إلى أن ترددت الرسل بينه وبن أمراء القلعة، وتأكدت الأيمان بينهم، فهم بالطلوع إلى القلعة، ثم إنه رد من الثغرة، وفل أكثر من كان معه، وكاد يؤخذ، فأتى الله بالأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، والأمراء المجردين بحلب، فانضم إليه الأفرم، وكان معه إلى أن قتل كرجي وطغجي، وتقرر الأمر على طلب السلطان الملك الناصر من الكرك بإجماع رأي سبعة من الأمراء، وكان الأفرام سادسهم، فتصدر الكتب بخطوط السبعة والأفرم السادس، ولما حضر السلطان واستقرت دولته بعثه إلى دمشق كالحافظ لها، فوصل إليها على البريد في ثاني عشري جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وست مئة، وحكم فها بغير تقليده مدة. انتهى، أو كما قال.
ثم إن الأفرم سعى لها سعيها، فجاء تقليده بنيابة دمشق، وكان هو والجاشنكير متظاهرين لما يجمعهما من البرجية.
стр. 529
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال حدثني والدي، قال: دخلت يوماً على الأفرم وهو في بقية حديث يتشكى فيه من افتئات سلار والجاشنكير وما هما فيه، ثم التفت إلي وقال: يا فلان! والله هذا بيبرس، لما كنا في البرج كان يخدمني ويحكّ رجلي في الحمام، ويصبّ الماء علي، وإذا رآني والله ما يقعد إلاّ إذا قلت له: اقعد. وأمّا سلار فما هو منا ولا له قدر، أيش أعمل في دمشق؟ والله لولا هذا القصر الأبلق والميدان الأخضر، وهذا النهر المليح ما خلّيتهم يفرحون بملك بمصر.
وكان الأفرم يقول: لما توجه الناصر إلى الكرك: والله عملوا نحساً، كان ابن أستاذنا وهم حوله أصلح.
ولم يزل على هذا حتى تحتم الأمر، وخاف القتل، وانصرف إلى الجاشنكير.
ولما كانت كسرة المسلمين، وجرى من أهل كسروان ما جرى على العساكر أثر ذلك في قلبه، ولما عاد واستقرت الأمور توجه إليهم بنفسه، ونازلهم ولم يحصل على طائل، ووصلت الأراجيف بأحاديث التتار، فعاد عنهم، ولما قضى الله تعالى بالنصر في واقعة شقحب جعل كسروان دأبه، وكتب إلى نائب طرابلس ونائب صفد، وجمعوا الرجال وأحاطوا بالجبل من كل ناحية، فأظهره الله عليهم وظفره الله بهم، وكبتَ كتبَ البشائر بذلك، وأحسنُ ما وقع فيها الشيخ كمال الدين محمود بن الزملكاني لأنه افتتحه بقوله تعالى: " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ".
стр. 530
ومدح الأفرم في هذه الواقعة بعدة مدائح جمعها شمس الدين الطيبي هي وكثيراً مما كتب في هذه الواقعة، وسماها واقعة كسروان، وزاد تمكن الأفرم في نيابة دمشق إلى أن كان يكتب تواقيع بوظائف كبيرة، ويبعثها إلى مصر، ليعلم السلطان عليها.
وكتبت في دمشق على السلطان بالإشارة العالية الأميرية الكافلية الجمالية كافل الشام أعزها الله تعالى. وشكا إليه ضوء بن صباح أحد قصاد الخدمة أن جاميكته نقصت فقال: من فعل ذلك؟ فقال: ابن سعيد الدولة. وكان بان سعيد الدولة إذ ذاك مشير الدولة وجليس السلطان، ومكان ثقته، ولا يعلم الملك المظفر على شيء حتى يكتبَ عليه ابن سعيد الدولة: يحتاج إلى الخط الشريف، فكتب الأفرم إلى ابن سعيد الدولة هكذا ابتداء: وَالك يا بن سعيد الدولة! ما أنت إلا ابنُ تعيس الدولة، وصلتَ أنك تقطع جوامك القصّاد الذين هم عينُ الإسلام، ومن هذا وشبهه، والله إن عدت تعرضت إلى أحد من الشام بعثت إلى من يقطع رأسك، ويجيء به في مخلاة، وجهز به مملوكاً من مماليك على البريد قصداً، وأمره أن يعطيه الكتاب في وسط المحفل، ويقول له من نسبة ما في الكتاب، ففعل ذلك، فدخل إلى السلطان، وأراه الكتاب فقرأه، ثم أطرق زماناً، وقال له: أرضِ الأفرم، وإلا أنا والله بالبراءة منك، والله إن عمل معك شيئاً ما نقدر ننفعك! ولم يزل على حاله إلى أن حضر السلطان الملك الناصر من الكرك، وقفز الأمراء إليه، وبقي الأفرم في دمشق وحده، فهرب هو والأمير علاء الدين بن صبح إلى شقيف بيروت، ثم إن السلطان آمنه فحضر إلى دمشق فأكرمه وأقره على نيابة الشام في الركوب والوقوف والخدمة، وقراءة القصص، وسافر معه إلى مصر على حاله،
стр. 531
ولما استقر جلس السلطان على كرسي الملك أعطى الأفرم صرخد على عادة العادل كتبغا، وأخرج سلار إلى الشوبك.
ونقل إلى السلطان أن الأفرم وسلار يتراسلان فولى الأفرم نيابة طرابلس، وقال له: لا تدخل دمشق، خشية أن تنشب أظافره فيها، ويقول أهلها معه محبة فيه، فتوجه إلى طرابلس وهو على وجل، ويخرج كل ليلة بعد العشاء هو ومن يثق إليه من دار السلطنة إلى مكان ينامون فيه بالنوبة وخيلهم معهم، وربما هوموا على ظهور الخيل.
ثم إنه أتاه مملوك كان له في مصر، وقال له: السلطان رسم لك بنيابة حلب، ورسم لك أن تروح إلى مصر لتلبس تشريفك وتأخذ تقليدك وتعود، فطار خوفاً، وكان في مرج، فأتاه في الحال مملوك صهره أدمر الزردكاش يعرفه أنه مأخوذ، ويحرضه على الخروج، فخرج في الحال.
أخبرني القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله، وحكى لي عماد الدين إبراهيم بن الشيخ شهاب الدين الرومي أن الأفرم ما خرج إلى مرج لاجين، إلا بنية الهروب. قال: وكنت عنده قبل خروجه إلى المرج المذكور يوماً، فبينما نحن قعود نأكل إذ جاء إليه مملوك من مماليك قرا سنقر، فسلم عليه، ثم قعد يأكل معه حتى فرغنا، وخرجت المماليك، ولم يبق عنده أحد إلا جمدارية النوبة، وأنا لا غير، فقدم إليه المملوك، وقال له: أخوك يسلم عليك، وقد بعث لك معي هدية، فقال: وأين الكتاب؟ قال: ما معي كتاب، قال: فالمشافهة؟ قال: ما معي مشافهة، ولكن هدية لا غير.
стр. 532
فقال: هاتها، فأخرج خرقة وحلها، وناوله تفاحة، ثم ناوله بعدها مئزراً أسود، ثم ناوله بعدها نصفيّة هكذا على الترتيب، ثم خرج، فقال له: أقعد، فقال: ما معي دستور أن أقعد بعد إيصال الهدية، فوجم الأفرم، وساره في أذنه، وأعطاه نفقة، وسفرهُ لوقته. فلما خرج قال لي: أتعرف أيش هي الهدية؟ فقال له: لا والله يا خوند، لا يكثر الله له خيراً، قال: اسكت، وَالك، بعث يقول: إن كنت تريد تشم هواء الدنيا مثل ما تشم هذه التفاحة فأته في الليل الذي هو مثل هذا المئزر، وإلا فهذه النصفيّة مثل كفنك. قال: فعجبت لسرعة فطنة الأفرم لقصده وما رمز عليه.
وخرج الأفرم ولاقاه الزردكاش، وسارا معاً، وعبر الأفرام على مرج الأسل وبه العسكر المصري مجرداً لمنعه من اللحاق بقرا سنقر، فلما أشرف على المرج رأى العسكر قال: شدوا لي حماماً، وكان حصاناً له يعتمد عليه، فركبه وعليه كبرّ أطلس أحمر وكوفية ورمحه بيده، ثم قال للثقل يكاسرون ويعبرون، فلما عبروا لم يتعرض إليهم أحد، ثم أمر الطلب أن يدخل مفرقاً، وقال: لأن هؤلاء إذا دخلوا عليهم وما أنا فيهم ظنوا أنني في الصيد، وما القصد إلا أنا، فما يعارضونهم إليهم، ولما تعدوهم أقبل هو وحده، وشق العساكر، ولم يفطن له أحد، ولا عُرف أنه الأفرم. ولما خرجوا من المضيق اجتمعوا، ورفع العصابة فوق رأسه وسار ولم يتبعه أحد، ولما قرب من قراسنقر ما اجتمعا إلا بعد مُراسلات عديدة أيمان ومواثيق، لان الأفرم تخيل في نفسه أن
стр. 533
قراسنقر عمل هذه الفعلة مكيدة عليه، وكان حزماً منه. ولما اجتمعا سارا في البرية وقصدا مهنا بن عيسى، وكان قرا سنقر قد ترامى إلى مهنا، وترامى الأفرم إلى أخيه محمد.
وحكى لي القاضي شهاب الدين، قال: حكى لي سنجر البيروتي، وكان أكبر مماليك الأفرم، قال: لما فارقنا البلاد التفتَ الأفرم إلى بلاد الشام، وأنشد:
سيذكرني قومي إذا وجد جدهم ... وفي الليلةِ الظلماءُ يُفتقدُ البدرُ
وبكى فقال هل قراسنقر: روح بلا فُشار، تبكي عليهم ولا يبكون علنيا. فقال والله ما بي إلا فراق مسوى ولدي، فقال له: أيّ بغاية بصقتَ في رحمها جاء منه موسى وعلي وخليل، وعدّة أمساء. وقال: ولم ندخل ميافارقين إلا وقد أملق ونفذ ما كان يقوم به إلا قرانقر، وألجأتنا الضرورة إلى أني كنت أحطب، والأفرم ينفخ النار، والمماليك تنام هنا وهنا، وما فيهم من يرحمه، ولا من ينفخ النار عنه فيقول لي: وَالك يا سنجر تبصر؟! فأقول له: أبصرت، فيتنهد وتتغرغر عيناه بالدموع، وفلما وصلنا إلى بيوت سوتاي أضافنا ضايفة عظيمة، ونصب لنا خيمة كبيرة كان كسبها من المسلمين أيام غازان وعيها ألقاب السلطان الملك الناصر. فلما قام الأفرم ليتوضأ قال لي: والك يا سنجدر، كيف نعاند القدرة، ونحن في هذا النكان، وقد خرجنا من بلاده، وهو فوق رؤوسنا، وإذا كان الله قد رفعه، وكيف نقدر نحن نضعه. قال سنجر: ومن حين دخلنا إلى بيوت سوتاي عاد إليه ناموس الإمرة، ومشت المماليك
стр. 534
معه على العادة، وأجري علينا من الرواتب ما لم نحتج معه إلى شيء آخر، ولم يزل كذلك حتى وصلنا الأردو فازداد إكرامنا وتوالى الإنعام علينا.
وركب خربندا يوماً ودار حتى انتهى إلينا، فوقف، وخرج له الأفرم وضرب له جوكا وقدم له خيلاً بسروجها ولجمها وأشياء أخر، فقبلها، واستدعى بشراب فشرب منه، وأمسك له أياق، فضرب الأفرم له جوكا وشربه، فأمر له بخمسين ثوباً، فقبضناها من خواجا علي شاه، ثم أعطاه همذان، فتوجهنا إليها وأقام بها، وقصدته الفداوية مرات، ولم يظفروا به، وقفز عليه واحد منهم مرة، والأفرم قاعد وقدّامه بيطار ينعل له فرساً، فأمسكه بيده وضمه إلى إبطه، ولم يزل كذلك حتى أخذناه وقرره ثم قلته.
قال: وأحضر الأطباء فملؤوا فمي زيتاً وأعطوني محاجم، وبقيت أمص الجرح، ثم إنهم عالجوه وبرئ ولم يمت إلى حتف أنفه بهمذان.
وحصل له في سنة أربع عشرة وسبع مئة فالج وهو بهمذان.
قلت: وكان الأفرام ذا قوة ونجدة، يقاوم في الحروب بعدة، وما تمتع أحد بالقصر الأبلق كما تمتع، ولا ثبت له للهو كما ثبت له وما تتعتع، وكان مغرى بحب الصيد لا يكاد يمله، يطلع الهلال فيه ويبدر ويستهله، وكانت له خيول تشد للكر،
стр. 535
وخيول تشد للقنص، وهو من هذا السرج إلى هذا السرج يعد ذلك من الفرص، وكانت أيامه ممتزقة في الصيود، والقنص بالجوارح والكلاب والفهود، ومع هذا لا يخل بالجلوس للأحكام، والتصدي لمصالح الإسلام، وقضاء حوائج الناس، وإغاثة ذوي اللفهافت والعدم والياس، وتحصين الحصون، وملء كل ثغر بما يحتاج إليه من الحاصل المصون، وترتيب رجاله، وتفقد أحواله، وإدرار النفقات عليهم، ووصول الإنعامات إليهم، وادخار السلاح، وما يحتاج إليه من زرديات وقسي وجروخ ورماح. ولا يزال يتفقد هذا بنفسه، ويتوكل بأمره في يومه كما كان في أمسه. وقصّاده لا تزلا في بلاد العدو، فرقة داخلين وفرقة خارجين، وبريد يخفق إلى باب السلطان بحركات العدوّ إن كانوا متحركين أو ساكنين. إلا أنه كان يسمع كلام كل قائل، ويميل إلى من لم يكن بطائل، ويبقى أثر ذلك في قلبه كامناً، إلا أنه كان يسمع كلام كل قائل، ويميل إلى من لم يكن بطائل، ويبقى أثر ذلك في قلبه كامناً إلا أنه لا يرتب تحريك أذى يكون ساكناً.
وكان واسع السماط، كثير الانشراح علي والانبساط، ويتخرق ريحه كرماً، ويضيء جوده للسائرين ضرماً، ولكنه قليل العطاء، ليس لبخل عنده، ولا لإمساك يوري زنده، ولكن لضيق ذات يدهِ، وعدمِ حاصل يضطرب جوده في إنفاق مدده. قال لي من اطلع على أمره: إنه أكثر ما ملك سبعة آلاف دينار، وكان خيراً عديم الشر والأذى، لا يحب أن يرى في عين أحد قذى، لا يؤثر الظلم، ولا يفارق حمى الأناة والحلم، ما سفك دماً إلى بالشرع، ولا غلّب أصل مأثمة على فرع.
стр. 536
ونادم في دمشق الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وبدر الدين بن العطار، والملك الكامل، وغيرهم من المطابيع الأفاضل والرؤساء الأماثل، وأحبه أهل دمشق، ونقشوا ركنه على أطرزتهم وآلاتهم، واستعملوه في جميع حالاتهم.
ونظم فيه الشعراء، ومن أحسن ما جاء فيه قول الشيخ نجم الدين هاشم البعلبكي الشافعي:
سيوفٌ سقاها من دماءٍ عُداته ... وأقمس عن ورد الردى لا يردها
وأبرزها في أبيضٍ مثل كفه ... على أخضرٍ مثل المسن يحدها
وكان زنكه غاية في الظرف، وهو دائرة بيضاء، يشقها شطب أخضر، عليه سيف أحمر، يمر من البياض الذي فوق إلى البياض الذي تحت على الشطب الأخضر. وقيل: إن النساء الخواطي وغيرهن كن ينقشنه حتى على معاصمهنّ وفروجهنّ.
ولم يزل على حاله في همذان داخل البلاد إلى أن جاءه الأمر الذي لا يرد قدومه، والخطب الذي لا يصد عن القطع قدومه.
وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بهمدان بعد العشرين وسبع مئة، ودفن بها.
وعمر الجامع الذي بالصالحية قبالة الناصرية، والتربة التي إلى جانبه. وجدد جامع التوبة الذي بالعقيبة.
ولما كان بصرخد، وكتب إليه الشيخ صدر الدين بن الوكيل قرين فاكهة جهزها وحلوى:
أيا جيرةً بالقصر كان لهم مغنى ... رحلتم فعادَ القصرُ لفظاً بلا معنى
وأظلم لما غابَ نورُ جماله ... وقد كانَ من شمس الضحى نورهُ أسنى
стр. 537
فلا تحسبوا أن الديار وحُسنها ... زمانكم لا والذي أذهب الحسنى
لقد كانت الدنيا بكم في غضارةٍ ... ونعمى فأعمى الله عيناً أصابتنا
ولا رقت الأصالُ إلا صبابةً ... ولا حركت ريحُ الصبا طرباً غُصنا
يعز عليهم بعد داري عنهم ... وقد كنتُ منها قاب قوسين أو أدنى
وأني ألاقي ما لقيتُ من الذي ... لقلبي قد أصمى وجسمي قد أضنى
لقد كنتُم يا جيرةَ الحي رحمةً ... أياديكُم تمحو الإساءة بالحسنى
فجاءته الأبيات والهدية صحبة قاصدة، وقد خرج إلى الصيد، فقال للخزندار: كم معك؟ قال: ألف درهم، فقال: هذا القدر ما يكفي الشيخ صدر الدين، يا صبيان أقرضوني حوائصكم، فأخذ من مماليكه عشرين حياصة وجهّزها قرينَ الدراهم، وقال لقاصده: سلِّم على الشيخ وقُل له:
على قدرِ الكسا مديتُ رجلي ... وإن طالَ الكسا مديت زاده
ولم ينتفع بعده أحدٌ بالقصر الأبلق، لأنه وسكنه مدة نيابته وهي تقارب الأربع عشرة سنة، وبعد سكنه قراسنقر أربعة أشهر، وخرج منه أقبح خروج، وسكنه كراي مدّة يسيرة وأمسك منه، وسكنه نائب الكرك دون السنة وعُزل. وأمّا تنكز - رحمه الله تعالى - فما سكنه ولا بات فيه. وأمّا الفخري فنزل فيه، فجرى له ما جرى. وأمّا طقزتمر فخرج منه في ليلة خرج إلى قبته في المرّة الثانية، ومنها هرب، وجرى له ما جرى، وأمّا أرغون شاه فمنه أخرج وذبح.
стр. 538
آقوش الأمير جمال الدين المنصوري، المعروف بقتال السبع.
بقي إلى أن عاد السلطان الملك الناصر من الكرك، وهو أمير كبير، وعظيم بالبأس والنجدة شهير، أملاكه موفورة، ومماليكه تضاهي شموس الأفق وبدوره، وله الحّمام التي عند حوض ابن هنّس في الشارع، وانتقلت إلى ملك الأمير سيف الدين قوصون أخيراً.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه الحمام فما أطاق رده قتال السبع، وبطش به غرب المنيّة وهو نبع.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة، في تاسع عشري رجب الفرد، وكان أمير علم.
أقوش جمال الدين البيسري، أحد الأجناد بطرابلس، كان له شعر ومُلح، ونوادر وفق المقترح، رأى الأكابر وقاسى أهوال الزمان وهو صابر وقارب المئة وهو برمح واحد، وصحب الدهر فما خانه في المدة إلى أن لحدهُ اللاحد.
وتوفي رحمه الله تعالى.. وسبعمئة.
قال رأيت في النوم من أنشدني:
لما بدا كقضيبِ البانِ مُنعطفاً ... وكان يشتم ريحُ المسك من فيهِ
стр. 539
فقلتُ يا لائماتي انظرنَ واحدةً ... فذلكن الذي لمتني فيه
قال فحفظتهما، ونظمت:
لامت نساءُ زرودٍ في هو قمر ... كل الملاحة جزءٌ من معانيه
وقلنَ لما تبدى ليس ذا بشراً ... فقلتُ: هذا الذي لمتنني فيه
وقال ما كتبَ على قبقاب:
كنت غُصناً بين الرياض رطيباً ... مائسَ العطفِ من غناء الحمام
صرتُ أحكي رؤوسَ أعداك في ال ... ذل أبرغمي أداسُ بالأقدامِ
وقال:
خودٌ من التّرك ذاتُ وجهٍ ... كالبدِ في هالة الكمال
جاءت بكيسٍ بغيرِ ياء ... تطلبُ زبداً بغير دالِ
آقوش الأمير جمال الدين الرسمتي.
كان خبيراً كافياً، عارفاً بالسياسات وافياً، له بأس ونجدة، وفي أخلاقه زعارةٌ
стр. 540
وحدة، وولي شد الدواووين بدمشق، فضاق منه عطن الكتاب، وبطل منهم جماعة وانفصل غير واحد منهم وتاب، وحصل أموالاً واستفاد أحوالاً، ثم إنه عُزل وولي والي الولاة بالصفقة القبلية، فمهد البلاد، وأخذ بثأر الطارف والتلاد، وقمع أهل العدوان والفساد، وأصلح الرعايا فساد.
وكانت ولايته بعد الشريفي، فخمل به ذكره، وبطل بذلك حمدُه وشكره.
ولم يزل إلى أن قش الفناء آقوش، وطفئ نور وجهه بعدما كان كالدينار المنقوش.
ووفاته رحمه الله تعالى في يوم الأحد ثامن عشري جمادى الأولى سنة تسع وسبع مئة، ودفن بتربة الشيخ رسلان.
آقوش الأمير جمال الدين نائب البيرة، نُقل إليها بعد موت الأمير شرف الدين موسى أمير حاجب.
وكان الأمير جمال الدين أمير حاجب بحلب، فلما توفي موسى المذكور في نيابة البيرة جُهز الأمير جمال الدين إليها، وجُعل الأمير ناصر الدين محمد بن شهري أمير حاجب مكانه، أظنه توجه إلى البيرة في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وسبع مئة، فأقام بها قليلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وكان المذكور من مماليك الأمير سيف الدين سودي نائب حلب.
стр. 541
آقوش الأمير جمال الدين الرحبي - بالراء والحاء المهملة والباء الموحدة - المنصوري.
تولى مدينة دمشق أكثر من إحدى عشرة سنة، كان مشكور السيرة، خير السريرة، سهل الانقياد، لا يزال من الخير في ازدياد، طالت مدته في ولاية دمشق وكل يحبّه، وإذا رأى عليه سوءاً يدفعه بجهده ويجبه، قل أن هتك ستراً، أو رأى شدة تطول إلا جعلها بسياسته بتراً.
ولم يزل على حاله إلى أن نُقل الرحبي إلى رحبة القبور، ودعا أهله بالويل والثبور.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
وكان قد عزله السلطان الملك الناصر لما توجه من دمشق إلى مصر سنة تسع وسبع مئة، لأنه خرج هو والأمير سيف الدين أقجبا المُشد اليودعا السلطان، فغابا ليلة، ولما عاد الرحبي أدركه شرف الدين قيران بن الرستمي متولياً دمشق مكانه فعاد الرحبي، ولحق السلطان، وغاب أياماً، وعاد إلى مكانه واليَ المدينة وذلك دون العشرة أيام، وفرح به أهل دمشق، وتلقوه بالشموع.
وأمسكه تنكز في ذي الحجة سنة أربع عشر وسبع مئة. وصادر ولم يعزله.
стр. 542
ثم إنه في صفر سنة تسع عشرة، رتّبه تنكز في شد الدواوين عوضاً عن فخر الدين أياس الشمسي، فأقام إلى الحادي من جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
وتوفي في التاريخ، وكان عمره خمساً وخمسين سنة.
وهو من قرية من قرى إربل، وسبي منها وبيع، فأقام بالرحبة مدة، وانتقل إلى بيت المنصور.
أقوش الأمير جمال الدين الكنْجي، بالكاف والنون الساكنة وبعدها جيم.
كان من الأمراء أولي الدربة، والعارفين بما يجلّي الكربة، قد ألف سياسة الباطنية، ويعلم ما لهم في أمورهم من ظاهر ونيّة، يعيّن لكل مهمّ رجلاً يعرفه، ويُنفذه في ذلك الشغل ويصرفه، وحصّل من الأموال ما يكاثر الأمواه، وأذهل العقول حتى سدّ الأفواه.
ولم يزل على حاله حتى قفز الفداويّ الذي يُخْطِه، وخرج إليه كما يقال من تحت إبطه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
وكان في هذه النيابة بمصياف من الأيام الظاهرية، وعزل منها مرات، ويعود إليها، ولعله بلغ من العمر تسعين سنة.
стр. 543
آقوش بن عبد الله جمال الدين الشبلي الشافعي.
سمع من ابن عبد الدايم، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
آقوش الأمير جمال الدين الأشرفي نائب الكرك.
ولاّه الملك الناصر بعد مجيئه من الكرك نيابة دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين كراي المنصوري في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، فأقام قليلاً دون السنة، وعزله بالأمير سيف الدين تنكز، وتوجّه إلى مصر، وأمسكه الملك الناصر، وبقي في الاعتقال إلى أن أفرج عنه في شهر رجب سنة خمس عشرة وسبع مئة.
كان معظماً إلى الغاية، يجلس رأس الميمنة، ويقوم له السلطان ميزة له عن غيره. وكان لا يلبس مفَرَّكاً، ولا مصقولاً، ويتوجه إلى الحمّام بنفسه وهو حامل الطاسة والمئزر، ويقلب عليه الماء، ويخرج وحده من غير بابا ولا مملوك. فاتفق أن رآه بعضُ من يعرفه، فأخذ الحجر، وحكّ رجليه وغسَّله بالسِّدر، ولم يكلّمه كلمة واحدة، ولما خرج وتوجّه إلى داره طلبه وقتله، وقال: أنا ما لي مملوك، وما عندي غلام، ما لي بابيّة، حتى تتجرّأ أنت عليّ.
стр. 544
وعمّر جامعاً ظاهر الحسينية، وكان إذا توجّه إليه عرف الناس خُلُقه، فلا يدخل معه أحد من مماليكه، ويخرج قَوَمةُ الجامع، ولم يبق معه أحد، ويدوّر هو الجامع وحده، ويتفقده، ويبصر إن كان تحت الحُصُر تراب، أو في القناديل تراب، فأيّ خلل رآه أحضر القيّم وضربه. فلما كان في بعض الأيام وهو بمفرده في الجامع المذكور، لم يشعر إلا وجندي من أكراد الحُسينية قد بسط سُفْرة وقصعة لبن ورقاق في وسطها، وقال: " بسم الله ". فالتفت إليه وقال: من أعلمك بمكاني أو دلّك علي؟ فقال: والله لا أحد. فطلب مماليكه، وأكل ذلك وأمر له بمبلغ ست مئة درهم.
فاتفق أن أتاه كرديّ آخر في الجامع بعد ذلك الوقت بمثل ذلك، فرماه، وضربه ست مئة عصاً، وكان قد اتخذ له صورة معبدٍ في الجبل الأحمر يتوجّه إليه وينفرد فيه وحده يومين وأكثر، وأقل، ورُبّما واعَدَ الغلام أن يأتي إليه بالمركوب في وقت، ثم إنه يبدو له فيأخذ ذيله على كتفه، ويدخل القاهرة إلى بيته ماشياً.
وولاّه السلطان الملك الناصر نظر البيمارستان المنصوري، فكان يدخل بعض الأوقات إلى المجانين، ويُدخلهم الحمّام، ويكسوهم قماشاً جديداً، وأحضر لهم يوماً جماعة من الجوالقية، فغنوا لهم بالكف، ورقص المجانين.
وكان يبرّ المباشرين الذين هم به بالذهب من عنده، ويطلع في الليل قبل التسبيح المأذنة، ويتفقد المؤذنين، وكان للبيمارستان به صورة عظيمة، وأملاكه محترمة لا يُرمى على سكانها شيء من جهة الدولة ولا يتعرض لهم أحد بأذيّة.
أخرجه السلطان في أول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في شهر ربيع الآخر وصل إلى دمشق متوجّهاً إلى نيابة طرابلس، فحضر إليها، وأقام بها مدة، وبالغ في طلب
стр. 545
الإقالة، وأن يكون مقيماً بالقدس، فرُسم له بالحضور إلى دمشق، وخرج الأمير سيف الدين تنكز، وتلقاه، وعمل له سماطاً في دار السعادة، ودخل ليأكل، وحضر الأمراء فأمسكه على السماط، وأودع في قلعة دمشق معتقلاً، فأقام بها يسيراً. ثم إنه جهز إلى صفد، وحبس بها في برج، فدخل إليه بعض أهلها، وقال: يا خوند! ما تلبث إلا يسيراً، وتخرُج منه، لأنك دخلت في برج منقلب، فلما كان بعد أيام أخرجوه منه إلى غزة، فقال: لأي شيء؟ فقالوا: يا خوند! البرج قد انشق، ونخاف أن يقع عليك، فقال: صدق القائل، كان البرج ينقلب عليّ.
وكانت له أشياء غريبة، فيما يوقّع على القصص بقلمه؛ كتب إليه إنسان وهو بدمشق: المملوك يسأل الحضور بين يدي مولانا ملك الأمراء لينهي ضرورته، فوقّع على جانبها: الاجتماع مقدَّر.
وكتب إليه بعض من كان بها مليحاً يطلب إقطاعاً، فكتب له عليها: مَنْ كان يومه بخمسين وليلته بمائة ما له حاجة بالجندية.
وكتب إليه إنسان وهو بالكرك: إن هؤلاء الصبيان قد كثرت أذيتهم للمملوك؟ فوقّع له: إن لم تصبر على أذى أولادهم، وإلا فاخرج من بلاهم.
ووقّع لآخر، وكان قد جرت له كائنة في الليل: قد أحصيناك، وإن عدت إلى مثلها أخصيناك.
وقال للأمير سيف الدين تنكز لمّا أمسكه: أما أنا فقد أُمسكت، ولكن خذ أنت حذرك منه.
стр. 546
وأقام في قلعة صفد يسيراً، ثم إنه رُسم بتجهيزه إلى الإسكندرية، فأقام بها قليلاً.
وكان في رأسه سِلعة، فطالب قطعها، وشاوروا السلطان على قطعها، فرسم له بذلك، فقطعوها، فمات رحمه الله تعالى في الاعتقال بالإسكندرية سنة ست وثلاثين وسبع مئة فيما أظن.
وكان يضرب الألْفَ عصا وأكثر، مات، ضَربِه جماعة منهم باردار من باردارية السلطان رآه وهو يسير برّاً باب اللوق، وقد شتم كان عنده وشتم أستاذه، فأمسكه وأحضره إلى البيت وضرب أكثر من ألف عصا، وقال: والك أنت والسقاء تخاصمتما، أنا أيش كنت في الوسط؟! وكانت هذه الواقعة إحدى الذنوب التي عدّها السلطان عليه.
ومنها أنه قتل جارية السلطان امرأة بكتمر الحاجب بسبب الميراث، لأن ابنته كانت زوجة بكتمر أيضاً، فضربها ست مئة عصا. وأشياء غير ذلك.
إلا أنه كان زائد الكرم والسماح، تُقصر عن مباراته في ذلك هُوج الرياح.
كان السماط الذي يمده في بيته في العيد نظيرَ سماط السلطان، وربما يكون أصلف وألذ وأطيب وأظرف. وإذا جُرد في مهمّ من الريدانية لا يعرف جنديه يشتري طعاماً ولا عَليقاً، ولا يدري كل يوم إلاّ وقد صُرف له ما يكفيه من ذلك إلى أن يعود إلى الريدانية تعليقاً، وإذا كان لجنديه فرس حمل كفله إلى مطبخه، فيصرف له من ديوانه ست مئة درهم، وقد صار عادة لا يشاور عليها، ولا يشار إليها،
стр. 547
حتى إن بعضهم تكون فرسه بمئتي درهم، فيذبحه، ويأخذ ذلك المبلغ، وكان في نيابة الكرك من سنة تسعين وست مئة إلى سنة تسع وسبع مئة وله بها آثار حسنة.
أكرم القاضي كريم الدين الصغير ناظِر الدولة بالديار المصرية.
كان في الجيش أولاً، ولما بقي خاله القاضي كريم الدين الكبير ناظر الخاص تولّى هو نظر الدولة، وكان يحبّ الكاتب الأمين، ويزيد معلومه وينقله إلى وظيفة أكبر من التي يباشرها، وكان يحضر مجلس خاله كريم الدين الكبير فيكون واقفاً يرفع رجلاً ويضع أخرى، وقد يكون في ذلك المجلس جالساً من لا يمكنه الجلوس في دسته، وإذا كان في مجلسه هابه الناس وعظّموه.
وحكى لي غير واحد أن أمراء العشرات وغيرهم من الأمراء يزدحمون في المشي قدّامه، ويقعون زحاماً، ويقال: إن الملك الناصر لمّا كان في الكرك قال: أنا أعود إلى مكان يكون فيه أكرم الصغير يضرب الجند بالعصي وأشفع فيهم ما يقبل شفاعتي؟! وكان يضرب الناش ضرباً سمّوه المقترح، وهو أن تؤخذ يد الإنسان ويضرب من ورائه على أكتافه، فإذا قعص ضربه آخر من قدّامه على صدره.
ولكنّ عفّته عن مال السلطان مفرطة إلى الغاية، وتشدّد على من يخون عن خارج الحد.
стр. 548
حكى لي أنه جاء إليه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وهو في الوجاهة والعظمة عند السلطان ما هو، فقام لتلقّيه، وجلس بين يديه، وقال: ارسم يا خوند! قال: هذا الكاتب صاحبي، فشفّعني فيه، واستخدِمْه في الوظيفة الفلانية، فقال: السمع والطاعة، كم في هذه الوظيفة في كل شهر؟ قال ذلك الكاتب: مئة وخمسون درهماً، وثلاثة أرداب قمحاً، فقال لصيرفي عنده: اصرف لهذا في كل شهر مئة وخمسين درهماً، ويجيء إلى الشونة في كل شهر، ويأخذ هذه الأرداب. فقال الكاتب: ما أريد إلا هذه الوظيفة، فقال كريم الدين: حتى تعلم يا خوند أنه لصّ، وما يريد المعلوم ما يريد إلاّ السرقة، فاستحيا الأمير ومضى.
ولمّا أُمسك كريم الدين أُمسك كريم الدين الصغير، وكاد العوام والناس يقتلونه، وأثبت القضاة فيه محاضر، منها ما هو بالكفر، ومنها ما هو بقتل النفوس، فرأى السلطان أنه ذاهب لا محالة، فقال: إذا قتل هذا ممن آخذ أنا مالي؟ اصبروا إلى أن نأخذ مالنا منه، وتسلّموه انتم. ثم إن السلطان سلّمه إلى الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي، وبقي عنده مُدَيده، ثم إنه أخرجه إلى صفد ناظراً، فجاء إليها في جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وضبطها، وحصّل أموالها، ثم إنه ورد المرسوم بإمساكه فأُمسك، وضُربت الحوطة على موجوده، ثم طلب إلى مصر وذلك في سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ثم إنه جُهز إلى دمشق ناظراً عوضاً عن الصاحب شمس الدين، فوصل إليها في ثالث عشري شوال من السنة، فكرهه الأمير سيف الدين تنكز أول حضوره لِمَا كان يبلغه عنه، ولما باشر عنده، ورأى عفّته وتنفيذه وحُسن مباشرته أحبّه ومال إليه ميلاً كلّياً. ثم إنه طُلب فخافه أعداؤه، وعملوا عليه، وبطّلوا ما كان تقرّر في أمره، ورموه بكل داهية، فأقام في بيته بطّالاً.
стр. 549
وخرج عليه ليلة وهو خارج من الحمام جماعةٌ بسيوف ليقتلوه، فداسهم بفرسه، وضرب بدبّوسه إلى أن خلص منهم بكتفه وهو بمفرده، ثم عملوا عليه، فرُسم له بالتوجّه إلى أُسوان، وجُهز في البحر، فأغرق فِرْعَونه في اليم، وخسف عُمْرُ بدره في التم، وكان ذلك في أواخر سنة ست وعشرين وسبع مئة.
وكان مدبّراً مصرّفاً مجمّلاً للمناصب مشرفاً، كاتباً ضابطاً، مقسطاً لا قاسطاً، ذا مهابة وسطوة، ورفعة عند الملوك وحظوة، شديد الانتقام، تصحّ بمباشرته الأسقام، وتتوفر السهام والأقسام، ويريح قلب السلطان بمرض الأقلام والأجسام، لا يحابي أحداً ولا يحاشيه، ولا يراعي مَنْ هو من ألزامه أو حواشيه، يود الكاتب الخائن أن يرى ملك الموت ولا يراه، ويود أن يموت جوعاً ولا يُعمل إليه سَيْرُه ولا سُراه، إذا هزّ عاملاً قلت: هذا كمّي هزّ عاملاً، وإذا طلب ناظراً أنكرتْه علائمه، أو مستوفياً لم تحمله من الحساب قوائمه.
وفيه قلت من قصيدة:
فأكرِم بديوانٍ بهِ قد تثمّرَت ... بأوراقه غلاّته ودراهمه
وأكرِم به يوماً إذا هزّ عاملاً ... تخور لهُ عند الحساب قوائمه
وكان طعامه نظيفاً فاخراً شهياً، ومرأى أوانيه في كل أوان بهياً، إلا أنه لم يكن في بذخ خاله، ولا تمييز حاله، فإن ذلك في عداد الملوك، ولبس كل ما يلبس من الوشي المحوك.
وكنت قد كتبت إليه وهو بصفد:
عساكَ ترقُّ يا ظبيَ الصَّريم ... على صبٍّ من البَلوة سقيم
وجدتُ هدى على نارٍ تبدّت ... بطور حشايَ من قلبي الكَليم
стр. 550
فإنْ أشكُ الغرامَ نفرتَ عُجباً ... فكيف تميلُ معَ مَرِّ النسيم
وخطَّ عذارك المسكيُّ لاماً ... بكهف الخدِّ يبدو كالرَّقيم
فذاك اخضرَّ لما احمرَّ هذا ... فأبصرنا نعيماً في جحيم
وأعجبُ كيف يبسُم فيك ثغرٌ ... ثَناياه منَ الدُّرِّ اليتيم
وهَبْ أنّ القضيب حكاك قدّاً ... فهل للغُصن مثلك جيدُ ريمِ
ولكن مثل ما حَكتِ الغوادي ... كريمَ الدين في الفضل العميم
فتى فاق الوَرى قَدْراً وفَضلاً ... وأين الليث من ظبي الصريم
ودبّر مُلْك مصرٍ فازدهارها ... وأسفرَها عن الوجه الوسيم
وحاطَ يراعُه شاماً ومِصراً ... فكان على صراطٍ مستقيم
تُصرِّف كفُّه رِزقَ البرايا ... بأمر الخالق الرَّبِّ الرحيم
إذا رسمتْ أناملُه سُطوراً ... تحارُ لذلك الدُّرّ النَّظيم
فأين ابنُ العميد إذا رآه ... يخطّ بنانه وابن العديم
وأين كفاءة الوزراء منهُ ... إذا ما قام في الأمر العظيم
له بأسٌ تخافُ الأُسْدُ منه ... ولُطفٌ ليسَ يُعهَدُ من حليم
أيا مَن سادَ أهلَ الأرض طُرّاً ... وأحيا ميّتَ الجود الرَّميم
لقد وحشْتَ مصر وساكنيها ... فما تفترُّ عن ثغرٍ بسيم
ستدخلها وأنتَ قرير عينٍ ... فتلفيها على العهْد القديم
أتيتُكَ إذْ سَبَرتُ الناسَ طُرّاً ... فلمْ أرَ غيرَ ذي نظرٍ سَقيمِ
وليس لما أروم سواك كُفوٌ ... لأنّ الدهر قد أضحى غريمي
وقلتُ لمقصدي أبشِر بنُحجٍ ... إذا كان القُدومُ على كريم
وحَسبي المَدح فيكَ عُلوَّ شانٍ ... وفخراً بين غادٍ أو مُقيمِ
فلا بَرِحَتْ بك الأيام تُزهى ... ونحن ببرد ظلِّك في نعيم
стр. 551
ابن الأكفاني: شمس الدين الطبيب، محمد بن إبراهيم.
الأكُز بضم الكاف وإشباعها لتُنشئ واواً، ثم زاي، الأمير سيف الدين الناصري.
كان أولاً جَمْداراً، وأمَّره أستاذه، وكان يتحقق أمانته، فجعله مُشدّ الدواوين، فعملُ الشَّد أعظمُ من الوزارة، وتنوّع في عذاب المصادَرين وغيرهم، وضربهم بالمقارع، وأحمى لهم الطاسات وألبسهم إياها، وأحمى الدسوت، وأجلسهم عليها، وضرب الأوتاد في آذانهم، ودقّ القصب تحت أظافرهم، وبالغ وشدّد.
وجاء لولو فَنْدش الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - في حرف اللام، وأقامه السلطان معه مُشدّ الجهات، واتفقا على عقاب الناس، وجمع الله منهما بين الحجّاج والطاعون، واستخرجا الأموال، وأزهقا النفوس، وتضاعف البلاء، وعمَّ الأذى، وزاد الشقاء في أيامهما، وسكنت روعة الأكُز في القلوب، وكان الكاتب يدخل إليه ميتاً، ويخرج ميتاً.
ولم يزل كذلك إلى أن لطف الله بالناس، وقدّر أنه غضب على لولو المذكور، فأخذ العصا بيده، وضربه إلى أن هرب قدّامه، وهو خلفه إلى أن وصل إلى باب القلعة، ونزل شاشُه في رقبته، فراح لولو إلى القاضي شرف الدين النشّو ناظر الخاص، ودخل عليه وعلى قوصون، وبذل المال، واتفق أن كان الغلاء في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، فقال السلطان: يا الأكُز لا تدع أحداً يبيع الأردبّ بأكثر من ثلاثين درهماً، وانزل إلى شُوَن الأمراء وألزمهم بذلك.
стр. 552
فأول ما نزل إلى شونة الأمير سيف الدين قوصون، وأمسك السمسار الذي له، وضربه بالمقارع، وأخرق بالأستادار، فطلع إلى قوصون، وشكا حاله إليه، فطلبه، وأنكر عليه ذلك، فأساء علي الردّ، فدخل إلى السلطان، فأخرق السلطان بقوصون، فأكمنها قوصون للأكُز، وعمل عليه باتفاق النشّو، ولم يَزالا عليه إلى أن غضب عليه السلطان ورماه قدّامه، وضربه بالعِصيّ، ورسم عليه أياماً، ثم إنه أخرجه إلى دمشق في شوال سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
حكى لي القاضي ضياء الدين يوسف بن الخطيب محتسب القاهرة قبل إمساك الأكُز بأربعة أشهر أو ما يقاربها أنّ بعض المشايخ حدّثه أنه رأى النبي ﷺ في النوم وهو جالس في صدر الإيوان والسلطان واقفاً أمامه على رأس الدرج وهو ينكر عليه، ويقول له: ما هؤلاء الظَّلَمة الذين أقمتهم، فقال: يا رسول الله من هم؟ ثم توجّه وغاب قليلاً، وأتى بالأكُز، فقال: اذبحه، فاتكاه وذبحه، فقال له: خلِّه الآن. فما كان بعد أربعة أشهر حتى جرى له ما جرى.
وكانت أيامه أيام سَخَط ومحنة ما أسعد من أبعد منزله عن مصر وشحط، قد تنوع في الظلم والجور، وتطوّر في القساوة والجبروت طوراً بعد طور، وبسط العذاب على الكتّاب، وأخذ الصالح بالطالح والبريء بالمرتاب.
وقطع جماعةٌ أشجار غيطانهم، وخربوا ما عُمِّر من حيطانهم هرباً من الخراج الذي قُرِّر في تلك الأيام على الثمار، وجباه الظَّلَمة من باعة الأزهار، ولكن الله لطف، وما جرى الظلم شوطاً حتى قَطَف، ولا لوى العدل جيده، وأعرض حتى عطف.
стр. 553
ولما وصل الأكُز إلى دمشق أقام بها دون السنة، وكَزَ الموت الأكُز ولكز، ونكره العيش لمّا ساوره أفعوان الحَيْن ونكز، وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة فيما أظنّ. وكانت مدة مباشرته في القاهرة أكثر من سنتين.
أَلْبكّي الأمير فارس، أحد مقدّمي الألوف بالديار المصرية، أظنه ابن أخي الأمير الكبير سيف الدين المِلك الآتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى.
أظنه ورد إلى غزة نائباً بعد الأمير سيف الدين دِلَنْجي في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. وتوجّه بعسكر غزّة إلى صفد لما كانت العساكر الشامية بصفد في حصار نائبها أحمد الساقي.
ولما أُمسك المذكور عاد هو إلى غزة، وأقام بها إلى أن عُزل بالأمير سيف الدين أرغون الإسماعيلي في العشر الأوسط سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وتوجّه إلى مصر، وأقام بها أمير مئة مقدّم ألف، وحضر صحبة الأمير سيف الدين طاز إلى حلب في واقعة بيبغاروس، وهو الذي حضر معه ألطنبغا برناق نائب صفد، والأمير علاء الدين ألطنبغا مشدّ الشرابخاتاه، والأمير سيف الدين شادي أخو أحمد الساقي
стр. 554
والأمير سيف الدين أسنبغا الرسولي، وسيف الدين أسن بك بن خليل الطرقي ومهدي مشد حلب، لأنهم جُهّزوا معه من حلب إلى دمشق، واعتقلوا في القلعة إلى أن وُسِّطوا بسوق الخيل في دمشق.
وعاد الأمير سيف الدين ألبكي صحبة السلطان الملك الصالح إلى الديار المصرية، وأقام بها على الإمرة والتقدمة إلى أن وصل الخبر بوفاته في مصر إلى دمشق في أواخر شوال سنة ست وخمسين وسبع مئة.
أَلْبكي بفتح الهمزة وسكون اللام وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف وياء أخر الحروف.
الأمير فارس الدين الظاهري، من كبار الأمراء وشجعانهم.
كان في السجن، ويطلبه الملك المنصور، ويتحدث معه، ويعيده إلى السجن، ثم أخرجه وولاّه نيابة صفد، فأقام نحواً من عشرة أعوام.
وكان كلّما ركب ونزل الجمدار شاشه، وفتحه وتركه، فإذا أراد الركوب لفَّ هو شاشه بيده مرة واحدة.
وكان مليحَ الشكل، ليس في وجهه شعر، وكان الأمير سيف الدين يلبان الساقي من أمراء صفد يهيم فيه عشقاً، ويكوت صبابة ووجداً، وكان كثير الآداب.
حكى لي عنه شيخنا الإمام الخطيب نجم الدين حسن بن الكمال الصفدي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الحاء رئاسة كثيرة وحشمة زائدة. وكان يحادثه ويسامره إلى نصف الليل. قال: ولم أره بلا خفّ قطّ، ولم يُبد رجله ولا مدّها ولا كشفها.
стр. 555
ولمّا غضب الأشرف بن قلاوون على حسام الدين لاجين وهو على عكا جهزه إلى صفد ليُعتقَل بالقلعة، فأخذ المقرعة الأمير فارس الدين وضربه عل كتفه وقال له: ما تمشي إلاّ خواتيني، وأخذ خوجة كانت معه وطرطوراً ضمن بقجة، وضرب الدهر ضرباته، وجلس حسام الدين لاجين على كرسي المُلك، ولما ثمّ له الأمر سيّر إلى الأمير فارس الدين يقول له: احتفظ بالبقجة والجوخة والطرطور، ففرّ من حمص وهرب مع الأمير سيف الدين قَبْجَق - على ما يأتي في ترجمته هناك - ومعهما بَكْتَمُر السلاح دار، وتوجهوا إلى قازان لنا بلغهم إسلامه فتلقاهم بالإكرام، وبالغ في الإحسان إليهم وزوج الأمير فاس بأخته، وكان يحكي عنهما لما حضر إلى الشام: هي مثل هذه الشمس، ولما عاد قازان تأخروا عنه، وأعطي الأمير فارس الدين نيابة حمص.
وكان وَجْهُه من الشَّعر خالياً، وبالمحاسن حالياً، كأنه طلعة القمر إذا سفر الظلام، ولبس حلة الكمال والتمام، خيِّراً وادِعاً، ساكناً بالحق رادعاً، لطيف الحركات يتجنب مواقع الهلكات، قريباً من الناس للخير رقيباً نجيباً في أفعاله الغريبة، ينقاد إليها مع الإخلاص جنيباً، معروفاً بالشجاعة والثبات، موصوفاً بالفروسية في الكرّ والفرّ والالتفات، أعظمه القان قازان، وبهره عقله الذي زان، وقيامه بآداب المغول، وسياستهم التي يغتال العقول منها غول، فقرّبه لمّا جرّبه، وردّ به الخطب حين درّبه، وزوّجه بالخاتون أخته، وزاد فيما خصّه به من محاسن رخته، وأفرط في دنّوه حتى كاد يجلسه على تخته.
ولم يزل بحمص عل نيابته حتى نزل به ما لا يُسمع معه مُشتكى، وقرّح الجفون على ألبكي بالبُكا.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة اثنتين وسبع مئة.
стр. 556
ألجاي الأمير سيف الدين الأبو بكري.
كان أحد الأمراء بدمشق، يسكن بدار الأعسر.
فيه خير وصلاح، وجهاد في رضى الله تعالى: إلا أنه لا يحتاج فيه إلى سلاح، يتردد إلى الجامع ماشياً بفَرْد مملوك، ويلازم الصلاة فيه بكرة وعشيّاً ووقت الدلوك، هذا مع تواضع يزينه، ويحسّنه ولا يشينه.
ولم يزل على هذه الطريقة، والسبيل التي هي مجاز إلى الحقيقة إلى أن ألجي ألجاي إلى الدخول في مَنْ غبر، فأصبح وقد طاب مبتدا ذكره والخبر.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وتوفي قبله ولده بقليل.
وكان شاباً حسناً، فذاق فقده، ورأى الموت بعينه بعده.
ألجاي الأمير سيف الدين الدوادار الناصري.
كان دواقاراً صغيراً مع أرسلان المقدم ذكره. ولما توفي استقلّ ألجاي بالدوادارية.
وكان شاباً طويلاً، ظريف الحركة هزيلاً تعلوه شقرة، ولونه يضرب إلى حُمرة، وكان طويل الروح لا يغضب، وإن غضب فعلى نفسه، ولا يواجه إلاّ بما
стр. 557
أحبّ، مع عفّة وديانة، وخبرة تامة وصيانة، وكان عارفاً بأخلاق أستاذه الناصر، تُعْقَد على دُربَته وآدابه الخناصر.
وثق إليه السلطان كثيراً، وأحلّه من قلبه مكاناً أثيراً، ويكتب خطّاً من أين للروض طلاوته، أو للوشي رقمه وإجادته، وله فضائل، وعنده من العلم مسائل. لازمه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي كثيراً، وكان يُلزمه بالمبيت عنده في القلعة؛ ليكون له سميراً.
وبقي زماناً لا يؤثر الطبلخاناه مدة تزيد على العشرة أعوام خوفاً من إخراجه من بيت السلطان. ولما كان قبل موته بسنتين أو ثلاث أعطي طبلخاناه، واقتنى كتباً نفيسة إلى الغاية، عمَّر له داراً في الشارع، تأنق في بوّابتها ولم يكمل عمارة الدار. ولما مرض بالقلعة طلب النزول إلى داره ليُمرَّض فيها، فلامه أصحابه وأخصّاؤه، فقال: أنا أعْرَفُ بخُلُق أستاذي قد يريد أن يولي الدوادارية غيري، فنزل إليها، وأقام بها مدة يسيرة، وفرغ عمره، ونم نهيه في الدولة وأمره.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شهر رجب الفرد سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وكانت جنازته حافلة. ووقع خلاف في وفاته بين الأمير صلاح الدين الدوادار والقاضي شرف الدين بن الشهاب محمود كاتب السر، فقلت أنا: تُقرأ نصيبة قبره، فقال القاضي شرف الدين: هذا نقش في حجر، فنظمت أنا ذلك وقلت:
أخالف قوماً جادَلوني بباطلٍ ... متى مات أُلجاي الدّوادار أو غَبَرْ
وصَدَّقني فيه نصيبةُ قبره ... وكان الذي قد قُلتُه النَّقشُ في الحجرِ
стр. 558
ألتَمُر الأمير سيف الدين الأبو بكري. أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
كان شكله تامّاً وخَيْرُه عاماً، فيه سكون كثير، وركون إلى الدعة مثير.
وكان له ولدان، كأنهما فرقدان، ففرّق الموت منهم الشَّمل، وفاضت الجفون عليهم بالهَمْل.
وتوفي رحمه الله تعالى في أربع وأربعين وسبع مئة. ومات هو وولده الأكبر في دون الشهر.
ألْدَمِر بالهمزة واللام الساكنة والدال المهملة المفتوحة والميم المكسورة وبعدها راء.
الأمير سيف الدين أحد أمراء القاهرة. أظنه كان مُقدَّماً.
توجّه إلى الحجاز، فجرت تلك الفتنة في مكة، وقتل هو وولده وغيره. وحصل للسلطان لما بلغه الخبر أذى عظيم، وقام له وقعد، وبطل السماط، وجرد من مصر ألفي فارس كل واحد بخوذة وجوشن ومئة فردة نشاب وفأس برأسين أحدهما للقطع، والآخر للهَدّ، ومع كل فارس جملان وفرسان وهجين، ورسم لمقدم الجيش
стр. 559
متى وصل إلى الينبع وعدّاه لا يرفع رأسه إلى السماء بل إلى الأرض، ويسفك الدماء من كل مَنْ يلقاه من العربان، إلا مَنْ عَلِم أنه أمير عرب، يقيده ويسجنه معه.
وجرّد من دمشق ست مئة فارس على هذا الحكم. ومن أعجب ما مرَّ بي أن الناس تحدّثوا وهم في صلاة العيد بالقاهرة بقتلة هذا ألدمر، ولم يقتل هو ومن معه إلاّ بَعْد صلاة العصر يوم العيد سنة ثلاثين وسبع مئة.
وكان أمير جاندار، وأظنه زوّج ابنه بابنة قاضي القضاة جلال الدين القزويي، وسيأتي ذكر ولده أمير علي في مكانه من حرف العين.
ألْدَمِر الأمير سيف الدين المعروف بألدمر عبد الله أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
وكان قد توجّه أمير الركب في سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، وتسخَّط بذلك كثيراً. ولم أعاد أقام بدمشق.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وسبع مئة، وأعطي خبزه للأمير ناصر الدين محمد بن الخطير.
أُلْجِيبُغا الأمير سيف الدين المظفَّري الخاصكيّ.
تقدّم في أيام الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد. لم يكن عنده أحد في
стр. 560
رتبته، ولم يزل أثيلاً عنده أثيراً، إلى أن جرى للمظفر ما جرى، على ما سيأتي في ترجمته. وتولى السلطان الملك الناصر حسن، فاستمر معظّماً.
وكان أحد أمراء المشْوَر الذين تصدر عنهم الأوامر والنواهي إلى أن وقه الاختلاف بين هؤلاء الأمراء، فأُخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير حسام الدين لاجين أمير أخور، وطُلب أمير آخور إلى مصر، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
يقال: إنهم اختلفوا بعد إخراج أحمد الساقي إلى صفد، فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: تخرجُ نائباً إلى طرابلس. فقال: إذا كان لا بد من خروجي فأكون في حماة. فقالوا له: نعم. وألبسوه تشريفاً، وخرج. ولمّا كان في أثناء الطريق ألحقوه بمن قال له: تَروح إلى دمشق أميراً. فجاء إليها. ولم يزل بها على إمرته إلى أن حضر الأمير سيف الدين قُجا السلاح دار في أثناء شعبان سنة تسع وأربعين فأخذه وتوجّه به إلى طرابلس نائباً عوضاً عن الأمير بدر الدين أمير مسعود بن الخطير، فأقام بها نائباً إلى أوائل شهر ربيع الأول سنة خمسين وسبع مئة، وورد كتابه على أرغون شاه نائب الشام، ويقول فيه: أشتهي أن أتوجّه إلى الناعم أتصيّد به، وما يمكنني ذلك إلاّ بمرسومك. فقال له: " بسم الله ". المكان مكانك.
فحضر إلى الناعم، وأقام على بحرة حمص أياماً يتظاهر بالصيد، ثم إنه ركب ذات ليلة بمن معه من العساكر، وساق إلى خان لاجين، ونزل به، وأقام من الثانية في
стр. 561
النهار إلى أن اصفرَّت الشمس، وركب بمن معه وجاء إلى أرغون شاه وهو مقيم في القصر الأبلق، وجرى له ما جرى على ما تقدّم في ترجمة أرغون شاه.
ويقال: إنه ما وصل إلى سوق الخيل حتى قضى له الشغل الأمير فخر الدين أياز السلاح دار. ثم إنه لما انفجر الصبح نزل بالميدان الأخضر، وطلب أمراء الشام، وأخرج لهم كتاب السلطان، وقال: هذا مرسوم السلطان بإمساك أرغون شاه، فما شك أحد في ذلك، واحتاط على أموال أرغون شاه وجواهره وجميع موجوده، وذلك في يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول.
ولما كان في يوم الجمعة بكرةً ظهر الخبر أن أرغون شاه ذَبح روحه.
وكان قد جهز بريداً إلى باب السلطان بإمساكه، ومعه سيفه، وأقام والأمراء في خدمته إلى يوم الثلاثاء، فتحدث الأمراء فيما بينهم؛ لأنه أراد أن ينفق فيهم ويحلفهم، فأنكروا ذلك، ولبسوا السلاح، ووقفوا بسوق الخيل، ولبس هو وجماعة من الجراكسة وفخر الدين أياز ومماليكه، وخرجوا إلى العسكر، وكانت النصرة لألجيبغا، وقتل جماعة من أمراء الشاميين، ورموا الأمير بدر الدين أمير مسعود والأمير سيف الدين طَيْدمر أمير حاجب عن الفرس إلى الأرض، وقطعت يد الأمير سيف الدين ألجيبغا العادليّ، على ما سيأتي، وأخذ ألجيبغا الأموال والجواهر، وخرج العصر من دمشق على المِزّة، وتوجّه على البقاع إلى طرابلس، وأقام بها، فما كان بعد أيام إلا وقد جاءت الملطّفات إلى أمراء الشام من باب السلطان بإنكار هذه القضية، وأن هذا أمر لم نرسم به ولا لنا به علم فتجتهدوا في إمساك ألجيبغا وأستاذ داره تَمِربغا وتجهيزهما والكتاب الذي ادّعى أنه منا، وكتب بذلك إلى سائر نواب الشام، فجردت
стр. 562
العساكر إليه، وربطوا الطرقات عليه، وسدّوا عليه المنافس. فبلغه الخبر، فخرج من طرابلس، وخرج عسكر طرابلس خلفه إلى أن جاء إلى نهر الكلب عند بيروت، فوجده موعّراً، والعساكر عنده، فوقف من الثانية في النهار إلى العصر، وكرّ راجعاً، فوجد العسكر الطرابلسي خلفه، فواقفوه. ولم يزل إلى أن كلَّ وملَّ وسلّم نفسه، فجاؤوا به إلى عسكر الشام.
وكان أياز قد تركه وانفرد عنه، وقدم العسكر الشامي بالجيبغا ومعه أياز مقيدين، واعتقلا بقلعة دمشق، ثم إنهم جهزوا ألجيبغا مقيداً إلى باب السلطان صحبة الأمير سيف الدين باينجار الحاجب، فوصل من مصر يوم الأربعاء سيف الدين قُجا السلاح دار، وعلى يده مرسوم السلطان بأن يُوسَّط ألجيبغا وأياز في سوق الخيل بحضور العساكر، ويُعلّقا على الخشب حتى يقعا من نتنهما.
فلما كان يوم الخميس ركب العسكر الشامي جميعه والأمير شهاب الدين أحمد الساقي نائب صفد، وأنزلوا ألجيبغا وأياز، وعُلِّقت أشلاؤهما على الخشب بالحبال والبَكَر على وادي بردى بسوق الخيل، وذلك في حادي عشري شهر ربيع الأخر سنة خمسين وسبع مئة، وتألم بعض الناس على ألْجَيْبُغا وتحقّقوا أن أياز غَرّه وحسّن له ذلك الفعل، والله يعلم حقيقة الحال.
وكان ألْجَيْبغا شاباً عضّاً، طريّاً في شبيبته بَضّاً، يميس قدّه قضيباً، ويميل من الصَّبا غصناً رطيباً، ممشوق القوام، مرموق الحسن على الدوام، لَمّا بقل عذاره، وطرّ شاربه، بدا في سماء الحسن كالبدر إذا حفَّت به كواكبه.
وكان عمره يوم وُسّط تسع عشرة سنة. فيا أسفاً له كيف ما تورّع عما فيه تورُّط، ويا عجباً له في أول شبابه كيف توسّط، قدّ السيف أضلاعه قدّاً، وألبس كافور جسمه
стр. 563
برداً من عقيق دمه به تردّى، وعُفّر جسده في الثرى، وغسَّل بدموع جماعة من الورى، وظهر له ثبات عند الممات، وقوة جنان أصمت قلوب عداه بالصُّمات بخلاف أياز فإنه أظهر جزعاً شديداً، وأعلن بالبكاء صوتاً مديداً.
وقلت أنا في ألجيبغا:
لما بغى ألجيبغا واعتلى ... إلى السهى في ذبح أرغون شاه
قبل انسلاخ الشهر في جلّق ... عُلّق من عُرقوبه مثل شاه
ألجيبغا الأمير سيف الدين العادلي مملوك العادل كتبغا، من جملة مقدَّمي الألوف والكبار بدمشق.
كان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - قد أحبّه في آخر الأمر، ومال إليه، واختص به، فلما أُمسك وحضر بُشتاك إلى دمشق أمسك ألجيبغا العادلي وطيبغا حاجي، واعتقلهما بقلعة دمشق، وأقاما في الاعتقال إلى أن مرض السلطان المرضة التي مات فيها فأفرج عنهما، وأعيدت إليه الإمرة والتقدمة، وبقي على حاله كبيراً مشيراً.
ولما كانت واقعة أرغون شاه وركوب العسكر لألجيبغا وقع الأمير سيف الدين ألجيبغا العادلي إلى الأرض عن فرسه، وتعلّق بالسرج ليركب، فضربه بعض مماليك ألجيبغا بالطبر أطار يده من نصف زنده.
ولما توجّه العسكر إلى سنجار كان هو المقدم عليه. ولمّا توجهت العساكر إلى صفد لمحاصرة أحمد كان هو المقدم عليها. ولمّا توجه الأمير سيف الدين أرغون الكاملي
стр. 564
إلى جهة مصر في واقعة بيبغاروس جعله في دمشق نائب الغيبة، وأقام على حاله والملك الصالح في دمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن مرض مرضة طوّل فيها، وزاره الضيف الذي لا يُرد، والقادم الذي إذا نزل بالملوك لا يُصدّ.
وكانت وفاته في العشر الأول من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
وكان كبير الوجه ألحى، يرى الناظر في محيّاه حُسناً وملحاً، طويل القامة، عظيم الهامة، له رغبة في اقتناء الخيول الثمينة، والمغالاة في أثمانها التي هي في الكثرة مكينة.
وله أرب في المتاجر، ودأب في تحصيل المكاسب التي تبلغ فيها القلوب الحناجر.
يقال: إنه لمّا توفي رحمه الله تعالى خلّف من جملة متاجره سُكراً قيمته ثمان مئة ألف درهم، إلى غير ذلك من الأصناف.
أُلطُقُصْبا الناصري الأمير علم الدين من قدماء أمراء دمشق. أظنه من مماليك الناصر صاحب الشام.
روى عن سبط السِّلفيّ.
كان شيخاً عاقلاً، لا يُرى في القيام إلى الخير متثاقلاً، ساكناً مهيباً، عارفاً لبيباً، أصابه زيار في ركبته، وهو في حصار قلاع الأرمن سكّن حركاته، وأزاره هلكاته، فحمل إلى حلب، ففارق فيها الحياة، وبكاه حتى الغمام بدموع المياه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
стр. 565
ألطنبغا الأمير علاء الدين الحاجب الناصري.
ولاّه أستاذه الملك الناصر محمد نيابة حلب بعد سَوْدي، وصل إليها في أوائل شعبان سنة أربع عشرة وسبع مئة، فعمل بها النيابة على أتمّ ما يكون من الدُّرْبة، وأحسن ما يكون من المعرفة التي يغنى بها عن الصمصامة والحَرْبة، وعَمَّر بها جامعاً حَسَناً، متفرداً بالطلاوة والسَّنا.
ولم يزل بها إلى أن أتى إليه الأمير سيف الدين أُلجاي الدوادار الناصري في المحرَّم سنة سبع وعشرين، وتوجّه به إلى مصر، وورد إلى حلب الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، على ما مرَّ في ترجمته، وأقام بمصر في جملة الأمراء الكبار إلى أن مات أرغون، فأعاده السلطان إلى حلب ثانياً نائباً، وفرح به أهل حلب، وصل إليها في أوائل جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
ولم يزل بها إلى أن وقع بينه وبين الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، فطلبه السلطان إلى مصر، فتوجّه إليها، وما أقبل السلطان عليه، وبقي على باب الإصطبل والسلطان يُطعِم الجوارح بالميدان، ولم يستحضره حتى فرغ، وبقي بعد ذلك مقيماً بالقلعة إلى أن حضر تنكز، وخرج السلطان وتلقاه إلى سرياقوس وبير البيضاء، على ما يأتي ذكره في ترجمة تنكز، إن شاء الله تعالى. ولما استقرّ تنكز بباب السلطان أُخرج الأمير علاء الدين ألطنبغا إلى غزة نائباً.
следующие страницы →