← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعد الله، الحموي الشيخ الفقيه المقرئ النحوي جمال الدين أبو الفداء الحنفي، المعروف بابن الفقاعي. كان شيخاً فاضلاً، مناظراً مناضلاً، مفتياً مفّنناً، محرراً مقنناً، عارفاً بالقراءات والتجويد، وحسن الأداء والترتيل والترديد، مع المعرفة بالفقه والنحو والأدب، وإليه ينسلون من كل حدب. ولم يزل بحماة إلى أن طرق الموت حماه. وتوفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الأولى سنة خمس وسبع مئة. ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة. وكان مدرساً بمدرسة الطواشي بحماة، وليها بعده قاضي القضاة ناصر الدين بن العديم، ومن شعره: ... إسماعيل بن محّمد بن إسماعيل بن علي الأمير عماد الدين بن الملك الأفضل بن الملك المؤيد . أحد أمراء الطبلخانات بحماة، تقدم ذكر جده الملك المؤيد صاحب حماة. وسيأتي ذكر والده الأفضل في المحمدّين في مكانه. كان شكلاً حسناً، وذا صورة تخجل الأقمار منها سناء وسنا، أشقر يتلألأ وجهه

стр. 492

كالبدر، ويحكي نبت عذاره زعفران الشعر، عليه خفر أولاد الملوك، وسلوكه في طريق التجمل والحشمة أحسن السلوك. ولم يزل على إمرته بحماة حتى اعتبط، وانحل من نظام حياته ما كان قد ربط. وتوفي - رحمه الله تعالى - شاباً، ولم يكمل الخمس والعشرين، والعشر الأواخر من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة. وكان قد حج في سنة خمس وخمسين وسبع مئة. إسماعيل بن نصر الله ابن أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر الشيخ فخر الدين أبو محمد بن تاج الأمناء. روى عن ابن اللتي، ومكرم، وعم والده عبد الرحيم بن عساكر، وإبراهيم الخشوعي، وإسماعيل بن ظفر، وسالم بن صصرى، وشيخ الشيوخ ابن حمويه، وعبد العزيز الصالحي، والمخلص بن هلال، والعز ابن عساكر النسابة وهو عمه، وعتيق السلماني، وابن المقير، والسخاوي، وعمر بن البراذعي، والقاضي أبي نصر بن الشيرازي، ومكي ابن علان، والقاضي شمس الدين بن سني الدولة، وكريمة القرشية.

стр. 493

وكانت له إجازة من الحسن بن الأمير السّيد، وإسماعيل بن باتكين، والشهر وردي وابن القطيعي، وابن روزبة، وزكريا العُلبي، ويا سيمن بنت البيطار، وأبي بكر بن كمال الحرب، وعلي بن الجوزي، وابن بهروز وجماعة. قال شيخنا البرزالي: قرأت لابني محمد عليه الصحيحين، وسنن ابن ماجة، ومسند الدرامي، ومسند عبد بن حميد، وكتاب العوارف للسهر وردي، وأكثر من سبعين جزءاً. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين عاشر صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة بمنزله بباب الناطفيين، وحضر جنازته الأعيان والوزير والخطيب. ومولده في صفر سنة تسع وعشرين وست مئة بدمشق. إسماعيل بن هارون نفيس الدين العبسي الدشناوي الصوفي المعروف بابن خيطية. كان صوفياً بالجامع الناصري بمصر، وكانت له بالقراءات معرفة، ومشاركة في النحو والأدب يعرف بها مقدمه ومصرفه. لم يزل على حاله إلى أن نُزعت نفسُه، وكسفت بعدما بزغت شمسه.

стр. 494

وتوفي رحمه الله تعالى في حدود الثلاثين وسبع مئة. ومن شعره: قل لظباء الكثبِ ... رفقاً على المكتئب رفقاً بمن بُلي بكم ... شيخاً وكهلاً وصبي دموعُهُ جاريةٌ ... كالوابل المنسكبِ على زمانٍ مر في ... لذةِ عيشٍ خصبِ لذةُ أيام الصبا ... يا ليتها لم تغب قضيت فيها وطراً ... ونلت منها أربي بين حسان خُرد ... مُنعمات عُربِ وشادن مبتسم ... عن دُرّ ثغرٍ شنبٍ ألفاظهُ تفعلُ ما ... تفعلُ بنتُ العنبِ قلت: شعرٌ مقبول غير مردود. إسماعيل بن هبة الله بن علي بن الصنيعة القاضي عز الدين الإسنائي، أخو نور الدين، وهو الأكبر. سمع الحديث من قطب الدين بن القسطلاني، واشتغل ببلده على الشيخ بهاء الدين القفطي، ثم إنه جرى بينه وبين شمس الدين أحمد بن السديد ما فارق إسنا بسببه. ودخل القاهرة، وقرأ الأصول والخلاف والمنطق والجدل على الشيخ شمس الدين محمد بن محمود الأصفهاني، ولازمه سنين.

стр. 495

وولي الحكم من جهة ابن نبت الأعز، ثم ولي من جهة ابن دقيق العيد، وعمل عليه، وحصل منه كلام، فجره ذلك إلى أن انتقل إلى حلب، ناظرَ الأوقاف، ودرس بها، وظن الشيعة بحلب أن يكون شيعياً كلونه من إسنا، فصنف كتاباً في فضل أبي بكر ﵁. وأقام بحلب مدة يستدل على فضل أبي بكر وصحة إمامته، والشيخ نجم الدين بن ملي إلى جانبه معيد لا يتكلم. وصنف كتاباً ضخماً في شرح تهذيب النكت. وكان في ذهنه وقفة، إلاّ أنه كان كثير الاشتغال. وكان بحلب إلى أن وصل قازان إلى البلاد، فعاد إلى القاهرة، وأظنه جاء إلى صفد قاضي القضاة أيام نائبها الأمير سيف الدين كراي، فما مكنه من الإقامة بها. وكان كريماً جواداً خيراً، كم بلغ آمليه مراداً، محسناً إلى أهل بلاده، ومن ورد من تلك الناحية، واستظل من أقلامه بصعاده. اشتهر بالكرم، وآوى من الفضل إلى حرم. ولم يزل بالقاهرة مقيماً إلى أن نزل به الأمر المكتوب على الرقاب، وأفضى إلى محل الثواب والعقاب. وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة. إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن جهبل القاضي محيي الدين الحلبي، ثم الدمشقي الشافعي.

стр. 496

ربي هو وأخوه الإمام شهاب الدين أحمد المقدم ذكره يتميين فقيرين، فاشتغلا وتفقها وتميزا. وسمع محيي الدين من القاضي شمس الدين بن عطا، وجمال الدين بن الصيرفي، وجماعة. وخرج له عنهم علم الدين البرزالي، وتفقه بابن المقدسي، وبالشيخ صدر الدين بن الوكيل. ودرس وأفتى، وناب في القضاء بدمشق، وولي تدريس الأتابكية، وندب لقضاء طرابلس فباشرها. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: ولم يُحمد. قلت: إلا أنه كانت له معرفة بالمكاتيب والأحكام، ودُربة بفصل القضايا المعضلة بين الأنام. نقي بياضِ الشيب، ممسكّ لما في يده والجيب، مليح البزة، مليح الشكل، عليه وقار، وله في النفوس عزة، حصل أملاكاً، وملك دنياً حاولها دراكاً. ولم يزل على حاله إلى أن قرع الموت صفاته، وخانه أملُه وفاته. وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربعين وسبع مئة. ومولده سنة ست وستين وست مئة.

стр. 497

إسماعيل بن يوسف بن نجم ابن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم، الشيخ المقرئ الفقيه المُسند المعّمر، صدر الدين أبو الفداء السويدي الدمشقي الشافعي. سمع من ابن اللتي كثيراً، ومن مكرم، وأبي نصر بن الشيرازي، وإسماعيل بن ظفر، والسخاوي، وعدة. تفرد بأشياء. تكاثر عليه الطلبة، وتلا على علم الدين السخاوي بحرف أبي عمرو، وابن كثير، وعاصم. ونزل في المدارس، وكان آخر من قرأ على السخاوي. حج سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وحدث بالحرم الشريف. وسمع منه إبنا شمس الدين الذهبي، والشيخ صلاح الدين العلائي، والعلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، والوافي، وابن الفخر، وخلق كثير. وكان حسن الأخلاق، مائلاً إلى الانقياد والاتفاق، وله عقار يرتزق منه، وملك إذاً عرض له الملك استغنى به عنه. ولم يزل على حاله إلى أن اشتهرت وفاة ابن مكتوم، وصح أنه نزل به الأمر المحتوم. وتوفي ﵀ تعال ثالث عشري شوال سنة ست عشرة وسبع مئة. ومولده سنة ثلاث وعشرين وست مئة. إسماعيل بن يوسف بن نجم ابن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم، الشيخ المقرئ الفقيه المسند المعمّر، صدر الدين أبو الفداء السويدي الدمشقي الشافعي. سمع من ابن اللتي كثيراً، ومن مكرم، وأبي نصر بن الشيرازي، وإسماعيل بن ظفر، والسخاوي، وعدة. وتفرد بأشياء. تكاثر عليه الطلبة، وتلا على علم الدين السخاوي بحرف أبي عمرو، وابن كثير، وعاصم. ونزل في المدارس، وكان آخر من قرأ على السخاوي. حج سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وحدث بالحرم الشريف. وسمع منه اثنا شمس الدين الذهبي، والشيخ صلاح الدين العلائي، والعلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، والوافي، وابن الفخر، وخلق كثير. وكان حسن الأخلاق، مائلاً إلى الانقياد والاتفاق، وله عقار يرتزق منه، وملكٌ إذا عرض له الملك استغنى به عنه. ولم يزل على حاله إلى أن اشتهرت وفاة ابن مكتوم، وصح أنه نزل به الأمر المحتوم. وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشري شوال سنة ست عشرة وسبع مئة.

стр. 498

ومولده سنة ثلاث وعشرين وست مئة. قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه مسند الدرامي، والمنتخب من مسند عبد بن حُميد، وجزء أبي الجهم، والثاني من حديث المخلص، والمئة السريجيّة بسماعه لذلك من ابن اللتي، وطأ مالك رواية يحيى ابن بكير بسماعه له من مكرم بن أبي الصقر، وكان قد تفرد به بدمشق. وروى لنا أيضاً عن السخاوي. أسنبغا الأمير سيف الدين المحمودي نائب طرابلس. هو الذي جاء بجلوس الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد على تخت الملك بعد أن قُتل المظفر حاجي، ووصل إلى دمشق في رابع عشري شهر رمضان المعظم سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وحلف الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب الشام والعساكر، ورسم له الناصر حسن بنيابة طرابلس عوضاً عن الأمير سيف الدين أقتمُر فيما أظن، وذلك في صفر سنة وسبع مئة. ولم يزل بها نائباً إلى أن عزل بالأمير زين الدين أغلبك الجاشنكير أمير حاجب حلب. ثم إن الأمير سيف الدين أسنبغا أمسك وجُهز إلى الإسكندرية معتقلاً، ولما أفرج عنه بعد خلع الناصر حسن، ووصل الملك المنصور محمد إلى دمشق في واقعة الأمير

стр. 499

سيف الدين بيدمر الخوارزمي إلى دمشق رسم للأمير سيف الدين أسنبغا بطلبلخاناه في حلب، فتوجه إليها في شوال سنة اثنتين وستني وسبع مئة، وأقام بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وسبع مئة. أسندمر الأمير سيف الدين نائب طرابلس. كان أولاً فيما أظن والي البر بدمشق، ولما جاء العادل كتبُغا إلى دمشق في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وست مئة عزله من ولاية البر بدمشق، وولى مكانه علاء الدين بن الجاكي، وكان قد وليها في سنة اثنتين وتسعين وست مئة عوضاً عن طوغان لما جُهز إلى قلعة الروم نائباً، وفي المحرّم سنة ست وتسعين أمسكه، وقيده واعتقله بقلعة دمشق، ونقل إلى طرابلس نائباً في أيام الأفرم عوضاً عن الأمير سيف الدين قطلوبك الكبير في سنة إحدى وسبع مئة، فمهد طرابلس، وأقام الحرمة، وسفك الدماء بأنواع من الإزهاق، ولما جاء السلطان من الكرك حضر إليه وتوجه معه إلى مصر فولاه نيابة حماة. ولما توفي الأمير سيف الدين قبجق نائب حلب نقله السلطان إلى نيابة حلب، فأقام فيها مديدة، وجهز السلطان الأمير سيف الدين كراي المنصوري في عساكر الشام مجرداً، فأقام على حمص مدّة، ولما كان عصر نهار آخر شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبع مئة - فيما أظنّ - ساق كراي بالعسكر جريدة من حمص إلى حلب

стр. 500

في ليلة واحدة، وما خرج أسندمر من داره لصلاة العيد إلا وقد أحاطت العساكر بدار النيابة، ووعروا الباب عليه بالأخشاب وغيرها، وأمسكه كراي بكرةً نهار عيد رمضان، وجهز إلى باب السلطان على البريد مقيداً، وكان ذلك آخر العهد به رحمه الله تعالى. وقيل: إنه جهزه إلى الكرك هو والجوكندار وبتخاص وغيرهم. وجاء الخبر إلى دمشق بوفاة بتخاص وأسندمر في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبع مئة. وكان جباراً يسفك الدماء جهاراً، ويُجري منها على الأرض أنهاراً، نوع الإزهاق، وعاجل تلاف النفوس بالإرهاق. سلخ وسلق، ووسط وشنق، وكحل وقطع الأطراف، وبالغ في هلاك الأجساد، وتعدى حد الإسراف. وكان منهوماً في الأكل الذريع، وكأنّ ما يأكله نوع من الضريع. قيل: إنه كان يُعمل له بعد العشا خروف مطجن، سمين موجن، فيأكله جميعه، ولا يؤثر به ضجيعه، ثم إنه بعد ذلك يعمل له بيده من الحلاوة السكب صحناً، ويأكله سخناً. وكان يحبّ الفضلاء، ويؤثر النبلاء، ويسأل عن غوامض، ويعترض ويناقض، حضرت من عنده مرةً فتيا إلى دمشق يسأل فيها: أيما أفضل الولي أو الشهيد، والملك أو النبي؟ فصنف له الشيخ صدر الدين بن الوكيل في ذلك مجلداً، وصنف له الشيخ برهان الدين الفزاري في ذلك جواباً فيما أظن، وصنف كمال الدين بن الزملكاني في ذلك مجلداً مصنفين. وصنف له الشيخ تقي الدين بن تيمية مجلداً.

стр. 501

ولما كان بحلب طلب الشيخ صدر الدين بن الوكيل - وكان ذلك قبل صلاة الجمعة - وسأله عن تفسير قوله تعالى: " والنجمِ إذا هوى " فقال: هذا الوقت يضيق عن الكلام على هذه المسألة. ووهبه أسد الغاب لابن الأثير في نسخة مليحة، وقال له: لازمني. وكان بعد ذلك لا يفارقه إلى أن جرى ما ذكرت من إمساكه، وما قدره الله تعالى من هلاكه، ورحمه الله تعالى. وكان قد عمر بطرابلس جماماً جعل الكواكب في سمائه جاماً، وأحكمه نظاماً حتى طار في البلاد ذكره، وضاع في الرياض شكره. وفيه يقول الشيخ شمس الدين أحمد بن يوسف الطيبي: زر منزلَ الأفراح واللذات ... دار النعيم ومرتعَ اللذات دار النعيم وفي الجحيم أساسُها ... تجري بها الأنهارُ في الجناتِ فلكٌ ومن بيض القبابِ بُروجه ... ونجومه من زاهر الجامات معنى لهُ معنى يمازج ماؤه ... للنهار فهو مؤلف الأشتات كالخلد مرتفع البناء فضاؤه ... رحبٌ يُسافر فيه باللحظات يحيك بخور العود طيبُ بخارها ... والمسك والكافور ممتزجات وتضيء في غسق الدجا أكنافها ... كإضاءةِ المصباحِ في المشكاة فرشت بأنواع الفصوص ورصعت ... بجواهرٍ من فاخر الآلات برك كأفوا الملاح رضابُها ... عذب شهي الرشف في الخلوات ومنابع قد فجرت بحدائق ... ترخيمها يغني عن الزهرات

стр. 502

وجرت أنابيب الحياض بفضةٍ ... محلولة تنصبُ في مرآة تلقى الربيعَ من اعتدالِ هوائها ... ومياهها في سائر الأوقات ويشم منها من يمر ببابها ... ريا نسيمِ الروض في الغدوات حمامنا يشفي السقام وماؤه ... عينُ الحياة تُزيل كل شكاة بيت تُزان به البيوت كأنّه ... بيتُ القصيد لسائر الأبيات وبرسمِ مولانا الأمير وأمره ... بنيت على اسم الله والبركات المالك المخدوم سيف الدين وال ... دنيا أسندمر الكريم الذات قد ساد بانيها فشاد بناءها ... بأوامرِ سيفيةِ العزمات في دولة الملك الرحيم محمدٍ ... الناصرِ المنصورِ في الغزوات تمت لخمسٍ قد غدت من هجرة الم ... ختار مع سبع كملن مئات أسندمر الأمير سيف الدين العمري، نائب السلطنة بحماة والطرابلس. كان شكلا كاملاً مهيباً هائلاً، حسن الوجه، يشبه البدر، ويملأ برؤياه العين والصدر. باشر نيابة حماة مرات، ووجد فيها المسرات. وناب في طرابلس مرة، وكان في وجه الملك غرة. ولم يزل إلى أن دخل إلى العدم بعد الوجود، وقُبض وهو بعد الإطلاق في القيود. وكانت وفاته في أوائل سنة إحدى وستين وسبع مئة، بمحبسه في الإسكندرية.

стр. 503

كان من مماليك السلطان محمد بن قلاوون. وتزوج ابنة الأمير سيف الدين الحاج بهادُر المعزي. ولما توجه الأمير الدين طقتمر الأحمدي إلى نيابة حلب خلت عنه حماة فجهز إليها أسندمر العمري، فكان بها نائباً إلى أن برز يلبغا بظاهر دمشق في دولة الكامل، فحضر العمري إليه دمشق، وأقام عنده، ولما ملك المظفر حاجي نُقل أسند مر من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس بوساطة يلبغا له، فتوجه إليها، وأقام بها إلى أن حضر إلى طرابلس الأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري، ومع ما سيأتي في ترجمته. وتوجه أنسد مر إلى مصر في أواخر سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وأقام بها إلى ذبح أرغو شاه بدمشق، ورسم بنيابة دمشق للأمير سيف الدين الحاج أرقطاي، ورسم للأمير سيف الدين قطليجبا نائب حماة بنيابة حلب، فرسم لأسندمر العمري بالعود إلى حماة نائباً، فحضر إليها في العشر الأوسط من جمادى الآخرة سنة خمسين وسبع مئة. وتوجه بالعساكر الإسلامية إلى سنجار في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وكان هو المقدم عليها، وأقام بحماة إلى أن عزل عنها بالأمير سيف الدين طان يرق في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. وعاد أسندمر إلى مصر على عادته مقيماً إلى أن خُلع السلطان الملك الصالح صالح في ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب، وعزل طان يرق من حماة، ورُسم لأسندمر العمري بنيابة حماة، فعاد إليها

стр. 504

ثلاث مرة نائباً، فحضر إليها في العشر الأولى من ذي الحجة سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وصحبه الأمير سيف الدين طيبغا المارجاري ليقرّه في النيابة بحماة، ولم يزل بها مقيماً إلى أن رسم بعزله، وتولى النيابة الأمير ركن الدين عمر شاه فوصل العمري إلى دمشق بكرة الأحد سابع عشري جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وسبع مئة، فوجد طلب الأمير ركن الدين عمر شاه خارجاً من دمشق أميراً إلى أن أمسك هو والإسماعيلي وابن صُبح، وجهز إلى الإسكندرية سنة ستين وسبع مئة، فأقام بالحبس إلى أن توفي به في التاريخ. أسندمر الأمير سيف الدين العمري. كان أمير خمسين فارساً بالقاهرة. وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشر ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. ورثه ابنته وبيت المال، وكان نصيب بيت المال من تركته خمسة وعشرين ألف دينار. الألقاب والأنساب الإسنائي القاضي نور الدين إبراهيم بن هبة الله. وضياء الدين أحمد عبد القوي. وفخر الدين إسماعيل بن عبد القوي. وعز الدين إسماعيل بن هبة الله.

стр. 505

وعبد الرحيم بن علي. وتقي الدين عبد الملك بن الأعز. نور الدين ابن الشهاب الإسنائي علي بن هبة الله. الأصفوني: علاء الدين علي بن أحمد. أصلم الأمير بهاء الدين لسلاح دار. كان من جملة المشايخ مقدمي الألوف في أواخر الدولة الناصرية وإلى أواخر دولة الصالح إسماعيل. كان قد جرد إلى اليمن، فلما توجه وعاد ونقل عنه كلامّ إلى السلطان، فاعتقله، وبقي في الحبس مدة تقارب الحسم سنين، ثم أخرجه وأعاده إلى منزلته. ثم إنه في آخر أيام الناصر جهزه إلى صفد نائباً. وتوفي الملك الناصر وهو بها نائب. ثم إن الأمير قوصون جرده مع ألطنبغا نائب الشام إلى حلب لإمساك طشتمر، فلما كان في أثناء الطريق رد من قارا، وانضم إلى الفخري، واقام عنده على خان لاجين،، وتوجه معه صحبة عسكر الشام إلى مصر، فرسم له الناصر أحمد بالإقامة في مصر على عادته أمير مئة مقدم ألف، وعمر في البرقية عند إصطبله مدرسة مليحة إلى الغاية، وتربة وربعاً وحوضاً للسبيل.

стр. 506

وكان من الأشكال الحسنة، قد ألقى إلى سلامة الصدر سنه، ذا شيبة تقية، وهمة فيها من الشبيبة بقية، بوجه مشرب الحمرة، كأنما أريق عليها كأس خمرة. ولم يزل على حاله إلى أن لبس أكفانه، وغمض الموت أجفانه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وأربعين وسبع مئة. أصلم الأمير بهاء الدين بن دمرتاش كان من أمراء دمشق، يسكن العقيبة. توفي رحمه الله تعالى في رابع ذي القعدة سنة سبع وسبع مئة. وحضر جنازته نائب الشام، ودفن بالصالحية. أصيل الدين الصدر الكبير بان الشيخ ابن الشيخ الإمام نصر الدين محمد بن محمد الطوسي. كان الكبير ابن الشيخ الإمام نصر الدين محمد بن محمد الطوسي. كان ناظر الأوقاف، ومنجماً عند ملوك التتار، وله جامكية كبيرة. وحرمة وافرة. توفي رحمه الله تعالى في صفر سنة خمس عشرة وسبع مئة ببغداد، دفن عند والده بمشهد موسى الجواد ﵁.

стр. 507

آصوج الأمير سيف الدين الواقدي. أحد أمراء الخميس بالقاهرة. توفي رحمه الله تعالى فجاءة في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة. الأنساب والألقاب ابن بنت الأعز: القاضي علاء الدين أحمد بن عبد الوهاب. الأعسر: الأمير شمس الدين سُنقر. أغرلو الأمير شجاع الدين ملك الأمراء. عمل نيابة دمشق لأستاذه السلطان الملك العادل كتبغا، تولاها عوضاً عن الحموي في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وست مئة. ولما خُلع من الملك بقي أغرلو بدمشق أميراً كبيراً. وكان فارساً بطلاً شجاعاً، أبلى في الحروب تقدماً ودفاعاً، له في الوقائع صولات، وحملات وجولات. وكانت الدول تعظمه لشجاعته المذكورة وفروسيته المشهورة.

стр. 508

ولم يزل على حاله إلى أن اختطفته عُقابُ الموت الكاسر، ونزل النساء يندبنه حواسر. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع عشرة وسبع مئة، ودفن في تربته المليحمة شمالي الجامع المظفري بجبل الصالحية. أغرلو الأمير شجاع الدين السيفي. كان مملوكَ الأمير الدين بهادُر المعزي، والآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف الباء، ولما حبُس أستاذه أخذهُ الأمير سيف الدين بكتمر الساقي، وجعله أمير آخور. ولم يزل عنده إلى أن توفي بكتمر رحمه الله تعالى، فانتقل إلى عند الأمير سيف الدين بشتاك على الوظيفة المذكورة. ثم إنه بعد بشتاك تولى ناحية أشموم، وسفك بها، ثم إنه جهز نائباً إلى قلعة الشوبك، ثم نقل منها، وعمل ولاية القاهرة مدةً في أيام الصالح إسماعيل، ثم إنه ولاه شد الدواوين، وتظاهر بعفةٍ زائدة، وأمانة عظمى. ولما توفي الملك الصالح رحمه الله تعالى كان له في ولاية أخيه الكامل شعبان عنايةٌ تامّة، فقدمه، وحظي عنده، وفتح له باب الأخذ على الإقطاعات والوظائف، وعمل لذلك ديواناً قائم الذات وسمي ديوان البذل، ولما تولى الصاحب

стр. 509

تقي الدين بن مراجل شاجحه في الجلوس والعلامة والتقدم، ودخلا إلى السلطان الملك الكامل، فترجح الصاحب تقي الدين، عُزل أغرلو. ولما كان في واقعة الملك المظفر حاجي كان أغرلو ممن قام في أمره، وضرب الأمير سيف الدين أرغون العلائي في وجهه وسكن أمره بعد ذلك وخمد. ثم إنه حضر في أيام المظفر حاجي صحبة الأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري ليوصله إلى طرابلس نائباً، وعاد إلى مصر، وأمرُهُ ساكن إلى أن قام في واقعة الأمراء سيف الدين ملكتمر الحجازي، وشمس الدين أقسنقر، وسيف الدين قرابغا، وسيف الدين بزلار، وسيف الدين صمغار، وسيف الدين إتمش، فكان الذي تولى كبره، وأمسك جماعة من أولاد الأمراء، فعظم شأنه، وعلا مكانه، تفخم أمرُه، وأسمعَ زمره، وخافه أمراء مصر والشام، ونام في سكرةِ باطله وغروره وعينُ الدهر ما تنام. وأقام على ذلك مدة أربعين يوماً، وأمره يزداد في التعاظم والجبروت سوماً، إلى أن أتي من مأمنه، وثار إليه الحين من معدنه. وقيل: إن الحرافيش أخرجوه من قبره، وأقاموه في زي عظمته وكبره، وجعلوا يشاورونه كما كان يفعل، ويترددون بينه وبين السلطان، وقد أضرم غيظه على الأمراء وأشعل، ويمسكون الأمراء كما كان يمسكهم ويقيدهم، ويميل لهم إلى مصارعهم ويحيدهم. ونوعوا به النكال والمثلة، ونصبوه بعد ذلك على أثلة، فغضب السلطان

стр. 510

لذلك، وأمر الأوشاقية فنالوا من الحرافيش منالاً عظيماً، وأذاقوهم من القتل والقطع والضرب عذاباً أليماً، أخذاً بذلك ترات تراته، وكان مشؤوماً في حياته ومماته. وقيل: إن السبب في قتله حضور رأس يلبغا إلى القاهرة، فإن الخواص من المماليك السلطانية دخلوا إلى السلطان وقالوا: لا بد من قتله، وجاء الخبر إلى الشام بقتله في مستهل شهر رجب سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وحسب الناسُ من قتله من الأمراء في مدة أربعين يوماً، فكان ذلك أحداً وثلاثين أميراً، وكان في أيامه يخرج من القصر، ويقعد على باب خزانة الخاص، ويتحدث في الدولة وفي الخزانة والإطلاق والإنعام، ويجلس والموقعون عنده، ويكتبون عنه إلى الولاة، ولكنه مات هذه الميتة القبيحة، وفُعلت به هذه الأحدوثة الفضيحة. فقلت أنا مستطرداً: وعاذل قال: عمري ... أعسى لعلك تسلو أموت منك بغبني ... فقلت مروت أغرلو أغلبك الأمير سيف الدين بن رمتاش - بضم الراء وسكون الميم، وبعدها تاء ثالثة الحروف وألف بعدها شين معجمة - الرومي. كان أولاً مقيماً بصفد على إمرة عشرة، فوقع منه كلام في حق نائب صفد الأمير شمس الدين سنقرشاه المنصوري، فضربه قدامه واعتقله، ثم أفرج عنه، ونقل إلى دمشق.

стр. 511

ولما توجه السلطان إلى مصر سنة تسع وسبع مئة بالعساكر الشامية، كان هو من جملة الأمراء السلاح دارية. ولم يزل بدمشق على حاله في الأمرة إلى أن جاء أغلبك الأمر الذي لا يغالب، والغريم الذي لا يطالع ولا يطالب. وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة خمس عشرة وسبع مئة. وكان لطيف النفس، شديد الأنس، تفعل الجفون المريضة فيه ما لا تفعله السيوف الماضية، وتسكره الريقة الرايقة بخلاف سُكر بنت العنقود الصافية، ويلعب بالقبق ويجيد ضربة وتره، ويتبع أرباب الملاهي، فما منهم إلا من يعود تابع أثره، إلا أنه كان بطلاً مقدماً، لا تزلزل له الحروب أقداماً، صياداً لا يخرج الصيد عن أوامر سهامه، ولا يفوته من يمينه أو شماله، أو من خلفه أو من أمامه، مع الرشاقة الحلوة، والخفة على ظهر مراكيبه التي هي من العيوب خلوة، وهو أخو صلاح الدين خليل بن رمتاش. أغلبك الأمير زين الدين العادلي مملوك العادل كتبغا. كان من جملة أمراء دمشق المشهورين، وأعيانهم المذكوري، وكان ينظر في أوقاف العادل، ويجالد عنها ويناظر ويجادل، فنقل إلى طرابلس أميراً، وفارق دمشق حسيراً، فمرض هناك، ووقع من العلة في شراك واشتراك، فحضر إلى دمشق ليتداوى، فما أقام بها ولا آوى.

стр. 512

وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. وكان قد ولي البر بدمشق في المحرم سنة ثلاث عشرة وسبع مئة عوضاً عن طرنطاي الحموي. أفريدون بن محمد بن محمد بن علي التاجر الأصبهاني. ورد إلى دمشق، وأعجبه المقام بها، وشرع في عمارة المدرسة المليحة الظريفة التي برّا باب الجابية بدمشق سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وأنفق على عمارتها إلى أن جاءه الأمر الذي لا يرد، والخطبُ الذي لا يصد، وما أغنى عنه ماله، ولا نفعه إلا أعماله. وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق. الألقاب والأنساب الأفرم: نائب دمشق، اسمه أقوش. الأفضل: صاحب حماة محمد بن إسماعيل

стр. 513

أقبغا الأمير سيف الدين الناصري المعروف بأقبغا عبد الواحد. تنقلت به الأحوال من الجمدارية إلى أن صار أمير مئة مقدّم ألف، أستاذ دار السلطان، مشد العمائر، مقدّم المماليك، أمير منزل خمس وظائف. وتأمر ولداه ناصر الدين محمد وشهاب الدين أحمد، وكان أخا الخوندة طغاي، امرأة أستاذه الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى من حرف الطاء في مكانه. كان في أيام أستاذه في غاية التمكن والقدرة والتسلط والبأس والجبروت، لو ذكر اسمه للماء جمد، أو مر ذكره على الجمر خمد، ليس لأحد عنده مكانة، ولا يجد له خضوعاً ولا استكانة. ولما توفي الملك الناصر، وتولى ولده الملك المنصور أبو بكر صادره وسلمه إلى الأمير علاء الدين طيبغا المجدي، وأخذ منه كل ما يملكه، وأمر برد كل ما اغتصبه، وأخذه بالي العادية على الناس، ولم يبق له تصرف في ماله، إلى أن طلب مئة درهم فأعطاه إياها الأمير علاء الدين طبيغا المجدي. ولما تولى الملك الأشرف كجك أخرجه الأمير سيف الدين قوصون إلى دمشق، فأقام بها قليلاً، وتوجه مع الفخري إلى مصر، فرسم له الناصر أحمد بنيابة حمص، فحضر إليها، وأقام بها إلى جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة. ورسم بإحضاره إلى دمشق، فأتى إليها، وأقام بها من جملة أمراء المقدمين، فلما كان في شوال من السنة المذكورة حضر مرسوم الملك الصالح إسماعيل بإمساكه فأمسك

стр. 514

هو والأمراء الذين اتهموا بالميل مع الناصر أحمد وأودع معتقلاً بقلعة دمشق، ثم إنه طُلب بعد قليل إلى مصر، فتوجه به الأمير بدر الدين بكتاش المنكورسي، وكان ذلك آخر العهد به. آقبغا الأمير سيف الدين الحسني الناصري. كان رفيعَ المنزلة والمكانة، مؤثل المرتبة من خاطر أستاذه، ثابت الركانة، إلا أنه زاد في دلاله، وأفرط في اعتدائه، قوامه بالغ في اعتداله، فمال أفاده سحر أجفانه، ولا نفعه تبسم ثغره عن أقحوانه، وهون اللطان على قلبه أمُره، وأخرجه إلى دمشق، ولكن على إمرة، فأقام بها على غير استقامة، وأصر على غيه، ولم يقبل نصحاً، ولم يصغ إلى ملامه، ولازم الشراب وعاقره، ونسي أمر تنكز عواقبه وعواقره، فكتب إلى السلطان في معناه، وجعل القلعة مغناه، ولبث معتقلاً في قلعة دمشق زماناً، ولم يجد من حادث الدهر أماناً، ثم إنه فك صفدُه، وجهز إلى صفد، فأقام بها، وفداءُ سعده ما وفد، إلى أن أذوى الحمام زهرته، وأسكنه حفرته. وتوفي بصفد رحمه الله تعالى. وكان قد اعتقل بقلعة دمشق زماناً، إلى أن قدم السلطان من الحجاز في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فأفرج عنه في المحرم، وجهز إلى صفد.

стр. 515

أقجبا الأمير سيف الدين المنصوري. كان أحد الأمراء بدمشق. ولي شد الدواوين بدمشق بعد الأمير جمال الدين أقوش الرستمي، وعين لتقدمة الركب الشريف في سنة تسع وسبع مئة، ودار بالمحمل في أول الثلاثة أشهر على العادة، ثم إنه بطل الركب وتوجهه بسبب ما بلغ الناس من تحرك السلطان الملك الناصر من الكرك، وكانت فيه ديانة، وعفّة في المباشرات وأمانة، وحفظ للأموال وصيانة، تنقل في النيابات، وخرج سالماً مما فيها من الغيابات، وعمل الشد وما حلّ ولم يتعرض إلى حرم ولا ما حل، وعمل النيابة بغزة، وشرف نفسه عن أموال الرعايا ونزه، ثم إنه أقام على إمرته، وما أخمد الله ضوء جمرته. ولم يزل على حاله إلى أن نزلت به أم دفر، ورحل إلى الآخرة مع ذك السفر. ووفاته رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبع مئة. ودفن بتربته خارج باب الجابية. وكان قد باشر نيابة بعلبك، ومنها نقل إلى الشد بدمشق، وبقي مدة، ثم تولى نيابة غزة مدة عوضاً عن الأمير ركن الدين بيبرس الموفقي، ثم عزل وأقام على إمرته إلى أن توفي رحمه الله تعالى. وكان قد ولي الشد أولاً في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مئة.

стр. 516

أقجبا الأمير فخر الدين الظاهري. حج بالركب الشامي في سنة ثلاث وسبع مئة. وكان من أمراء دمشق والأعيان، وممن قدمت هجرتهم في خدمة السلطان، وثابت العدالة على الحكام، وملازم الصلاة في الجامع على مرّ الليالي والأيام، شرب كؤوس الصبا، فحده الدهر ثمانين، وتشعب به سعدُ الإمرة في أفانين. ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الظاهري في باطن الأرض، وأقام فيها إلى يوم العرض، وحضر جنازته ملك الأمراء وجماعة من الأمراء، ودفن بسفح قاسيون قبالة زاوية ابن قوام، ووفاته تاسع عشري ربيع الآخر سنة أربع عشرة وسبع مئة. أقجبا الأمير فخر الدين الحموي. نقل من حماة إلى القاهرة، وأعطي شد الشراب خاناه بالقاهرة في أيام الملك الصالح إسماعيل، وعلت عنده رتبتُه، وغلت من قلبه محبته، وسمت مكانته وتأثلت، ووقفت السعود في خدمته وتمثلت، ولم يكن في دولة الصالح له نظير غير الوزير، ولا ضاهاه أحدٌ في حسن السياسة والتدبير.

стр. 517

وكان يقضي غالب الليل عند السلطان، وإذا قرر عنده أمراً لا تسمعه آذان الحيطان، ويساهره ويسامره، ويأخذ بمجامع قلبه بود يخامره، ثم إنه أخرج من مصر بعد الصالح، وعاد إليها كراتٍ عودَ الطليح، بل الطالح. ثم إنه ولي الحجبة آخراً في أيام الملك الناصر حسن، واختص بالأمير شيخو فانقاد له بالرسن. ولم يزل على حاله إلى أن أدناه الجديدان إلى البلى، وولى سعدُه مدبراً بعد أن كان مقبلاً. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وسبع مئة. وكان الأمير فخر الدين متصفاً بالمروءة في حق من يصحبه، كثير الود، نفع جماعة بصحبته. ولما توفي الملك الصالح إسماعيل أخرجه الملك المظفر إلى حماة، وبقي فيها إلى أن أمسك يلبغا أبوه طابطا، وجهزا إلى مصر من حماة، فتوجه الأمير فخر الدين بهما، ولما وصلوا إلى قاقون أتاهم الأمير سيف الدين منجك، وجرى ما يأتي ذكره في ترجمة يلبغا، ثم إن فخر الدين توجه إلى مصر فرسم له المظفر بالإقامة في القاهرة، فأقام، وكان قد خدم يلبغا في الطريق، ولاطفه وصبره وسلاه وثبته، ولم يزل مقيماً بالقاهرة إلى أن تولى الملك الصالح صالح، فأخرجه إلى حماة، فأقام بها، ولما عاد الأمير شيخو وطاز من حلب في واقعة بيبغاروس عاد معهما، ودخل الديار المصرية، وأقام

стр. 518

بها، واختص بالأمير سيف الدين شيخو، وولاه الحجبة بالقاهرة، ولما جرح شيخو انتصب الأمير فخر الدين لخدمته، وكان يباشر عمل المصلومة له بنفسه، وقل: إنه ربما أفطر في شهر رمضان لذلك. أقسنطر الأمير شمس الدين السلاري. سيرهُ السلطان الناصر محمد إلى صفد نائباً، فحضر إليها، ورأى أهلها منه من العفة والعدل ما لا رأوه من غيره، ثم نقله إلى نيابة غزة، فتوجه إليها. ومات السلطان، وتولى الملك المنصور أبو بكر، وخلع، وتولى الأشرف كجك، وجاء الفخري لحصار الكرك، فقام الأمير شمس الدين بنصرة أحمد في الباطن كثيراً، وتوجه الفخري إلى دمشق لما توجه الطنبغا إلى حلب، ليطرد طشتمر نائب حلب، فاجتمع به، وتوقى عزمه، وقال له: توجه أنت إلى دمشق واملكها، وأنا أحفظ لك غزة. وقام في هذه الواقعة قياماً عظيماً، وأمسك الدروب، فما جاء أحد من دمشق ولا من مصر بريداً كان أو غير ذلك إلا وحمله إلى الكرك، وحلف النسا للناصر أحمد، وقام ببيعته باطناً وظاهراً، ثم جاء إلى الفخري وهو على خان لاجين، وقوّى عزمه وعضده. ولم يزل عنده بدمشق إلى أن جاء ألطنبغا من حلب، والتقوا، وهرب ألطنبغا، فاتبعه الأمير شمس الدين إلى غزة، وأقام بها، ودخلت العساكر الشامية إلى مصر.

стр. 519

ولما أمسك الناصر أحمد طشتمر النائب وتوجه به إلى الكرك أعطى نيابة مصر للأمير شمس الدين أقسنقر، وبقي نائباً وأحمد في الكرك إلى أن تملك الملك الصالح إسماعيل، فأقره عليها، فسار فيها سيرة مشكورة، وأقام فيها مدة أحاديثها إلى الآن مذكورة، لا يمنع أحداً شيئاً يطالبه كائناً من كان، ولا يرد سائلاً يسأله، ولو لم يكن ذلك في الإمكان، وارتزق الناس في أيامه، وغرق الضعفاء في بحر أنعامه، وتقدم من كان مؤخراً، وجرى رخاءُ الرخاء بأمره مسخراً، حتى كان الناس يطلبون منه مالا لهم به حاجة، ولا لهم به ضرورة، وهو يقضي ما قابله جده أو واجه. ثم إن السلطان الملك الصالح إسماعيل أمسكه، وأمسك الأمير سيف الدين بيغرا أمير جاندار والأمير سيف الدين أولاجا الحاجب الآتي ذكرهما في موضعيه، والأمير زين الدين قراجا الحاجب، لأنهم نسبوا إلى الممالأة والمداجاة مع الناصر أحمد، وذلك في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وكان ذلك آخر العهد بأمره، والله تعالى يتولى الباطن من سره، وأخرج فيما بعد عن بيغرا وأولاجا وقراجا في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة. أقسنقر الأمير شمس الدين الناصري. كان في حياة أستاذه أمير شكار وزوجه ابنته، وجعله أمير مئة مقدم ألف. ولما جاء الناصر أحمد من الكرك جعله أمير آخور، فلم يرضَ فأخرجه إلى غزة نائباً، وأقام

стр. 520

بها إلى أن أمسك الفخري، وتسلطن الملك الصالح إسماعيل فطلبه من غزة، وجعله أمير آخور، وعظمت مكانته عنده، وجّهزه مقدّم العساكر المصرية والشامية لحاصرة الكرك، ثم أبطل ذلك، وخرج عوضه في التقدمة الأمير سيف الدين بيغرا. ثم إنه جهز إلى الكرك فأبلى بلاءً حسناً، وأنكى في ذلك، وجُرح جراحة مؤلمة، وعاد إلى مصر، وأراد التوجه إلى الحجاز بأهله، فمنع من ذلك، ولأن والدة الملك الأشرف كجك عنده زوجة، فخيف منه، وأخرج إلى طرابلس نائباً، فورد إلى دمشق على البريد، وعمل النيابة بطرابلس جيداً، وظهرت عنه مهابة وبطش وقمع للمفسدين، وعف عن أموال الرعايا، وأقدم نائباً من أوائل شوال سنة أربع وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر، سنة وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر، سنة ست وأربعين وسبع مئة، وفي أول سلطنة الكامل شعبان، فطلبه إلى مصر، وتوجه إليها، وعظم أمره وأمر الحجازي إلى الغاية، فيقال: إنهما أحسّا في الباطن بالغدر من الكامل، فجهّزا في السر إلى الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، وقالا له: برّز أنت في ظاهر دمشق، فإننا قد عزمنا على أمر. وكان يلبغا إذ ذاك نائب دمشق، فبرز إلى ظاهر دمشق - على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وراحت الأخبار إلى الكامل بخروج يلبغا واتفاق نواب الشام معه، فلم يرَ الكامل بُدّاً من تجهيز عسكر إليه، فجرد جملة من عسكر مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، وإمّا الحجازي أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، إمّا الحجازية أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد من بعض الطريق، واجتمع الناس عليهما في قبّة النصر، وخرج الكامل، فجُرح الأمير سيف الدين أرغون العلائي، وانهزم السلطان، ودخل القلعة، وطلع الأميران المذكوران إلى القلعة، وأخذ أمير حاج، وأجلساه على كرسي الملك وحلفا له وحلفا له العساكر، ولقباه المظفر، وزادت عظمة الحجازي وأقسنقر في أيام المظفر.

стр. 521

فلما كان في يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة جاء إلى السلطان من كان معهما في الباطن، وقال: إنهم قد أجمعوا على الركوب غداً إلى قبة النصر، وأن يفعلوا بك ما فعلوه بأخيك، فأحضرهم العصر إلى القصر، وأمسكهم، وهم الأمير شمس الدين أقسنقر، والأمير سيف الدين ملكتمُر الحجازي، والأمير سيف الدين قرابغا الساقي صهر اليحيوي، والأمير سيف الدين إتمش، والأمير سيف الدين صمغار، والأمير سيف الدين بزلار، فأما الحجازي وآقسنقر فإنهما قتلا في الوقت الحاضر بالقصر، والبقية جهزوا إلى الإسكندرية، وقيل: إن السلطان ضرب قرابغا على كتفه بالنمجا، ثم إنه أمسك الأمير سيف الدين طقبغا الغمري، وأولاد الأمير علاء الدين أيدغمش وابن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وذلك كلّه بتدبير الأمير شجاع الدين أغرلو. وكان الأمير شمس الدين المذكور رحمه الله تعالى شكلاً مليحاً، ووجهاً مع صباه صبيحاً. طويلاً فيه هيف، لو رآه الحمام لسجع عليه وغرد وهتف، يكرم من يودّه، ويُسلفه الإحسان ولا يستردُه، نفسه نفس الملوك في العطاء، وجوده لأصحابه بارز الشخص ما عليه غطاء. وكان يكتب خطأ قوياً، متمكن الحروف سورياً، وكان إذا كتب لمن يكرمه ويصل حبل وداده ولا يصرمه، كتب: المملوك أقسنقر سلام عليك. أقطاي الأمير سيف الدين الجمدار.

стр. 522

كان يسكن قبالة المدرسة التقوية داخل باب الفراديس، ثم إنه انتقل بعد ذلك إلى العقيبة، وكان أمير سبعين فارساً. وكان الأمير سيف الدين تنكز يعظمه. وهو والد الأمير سيف الدين سلامش. وكانت بينه وبين الشيخ علاء الدين بن غانم صحبة ومودة. وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون. أقطاي الأمير سيف الدين العمري كان من جملة أمراء الطبلخانات بحلب. توفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبع مئة. ورسم بإمرته للأمير شرف الدين موسى بن الأمير ناصر الدين محمد بن شهري. أقطوان الأمير علاء الدين الكمالي الحاجب بصفد. حضر إليها أول أمره مشدّ الدواوين، ووالي الولاة لما كان الجوكندار نائبها، ثم

стр. 523

إنه أعطي طبلخاناه، واقام على ذلك مدة، ثم رسم له بالحجوبية، وبقي فيها مدة طويلة، ثم إنه نقل إلى نيابة القلعة بصفد، وأقام بها مدة، ثم أعيد إلى الحجوبية. وكان أميراً ذا بركٍ وعدة، يركب وينزل من مماليكه في عدّة، زائد التجمل في السلاح وآلات الحرب والكفاح، وهو رجل طوال، لا يُرد عنده من أحد سؤال، ذو طلعة بهيّة، وشيبة سنية، عرف الناسَ وأحبوه، ولبوه إلى ما يريده وأجابوه. وهو والد الأمير سيف الدين قرمشي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف القاف مكانه. ولم يزل بصفد على حاله إلى أن خرب الموت ربع حياته، وقرر عنده أمر نزله وبياته. وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. وكتبت أنا إلى ولده الأمير سيف الدين قرمشي أعزيه: تعز يا مولاي في الذاهبِ ... وأرضَ بأمر الطالبِ الغالبِ واصبر تنل أجركَ في فقده ... فليس من يصبرُ بالخائبِ قدر ركبَ الأعناقَ لمّا مضى ... لرَبِّه أفديهِ من راكبِ وباتَ مندوباً لأنَّ العلا ... أمست بقلبٍ بعده واجبِ وفاز لما حازَ طيبَ الثنا ... والذكر في الحاضرِ والغائبِ بكاهُ حتى مستهل الحيا ... بدمعهِ المنحدرِ الساكبِ لم ترمَ دونَ الناسِ من فقدهِ ... فيهِ بسهمٍ للردى صائبِ

стр. 524

بل الورى عمهُم رزؤه ... وكم فؤادٍ بعدهُ ذائبِ وما ترى في النّاس غير امرئ ... وعينهُ تبكي على الحاجبِ أقطوان الأمير علاء الدين الظاهري الساقي. كان صالحاً يقوم الليل، ويجاهد في المحراب وعلى ظهور الخيل، ويلازم صلاة الجماعة، وما لحقوق الله تعالى عنده إضاعة. وكان يحفظ أشياء في الزهد يوردها، ويأتي بها من حفظه ويسردها. ناب السلطنة بقلعة الجبل في أيام السعيد بن الظاهر لما توجه إلى الشام، ثم إنه نقل إلى الشام، وأقام به إلى أن صُرع الساقي، وظفر من عمله بالكنز الباقي. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان المعظم سنة ثمان عشرة وسبع مئة. وكان من أبناء الثمانين أو تجاوزها، ودفن بالقبيبات. أقوش الأمير جمال الدين الشريفي. كان والي الولاة بالصفقة القبلية بالشام، تولاها وهي كثيرة الهرج، مباحة الدم والفرج، قد غلب فيها العشير على حكام الدولة، وكادت قراها تحكي أطلال خولة، فأطلق فيها سيفه الماضي، ورفض التغافل والتغاضي، إلى أن هذب تلك الناحية، وميز الفرقة الناجية.

стр. 525

ولم يزل على حاله إلى أن بغته حمامه، وانقصف رمحه، وصدى حسامه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة. آقوش حسام الدين أبو الحمد الافتخاري الشبلي. سمع بالقاهرة من ابن رواج، والساوي، وجماعة. وسمع بدمياط الناسخ والمنسوخ للحازمي من الجلال الدمياطي. وسمع بدمشق من ابن قُميرة، وابن مسلمة، وسمع منه الطلبة. وكان متميزاً في الأجناد، موصوفاً بالسداد، وسمع بدمشق من ابن قميرة، وابن مسلمة، وسمع منه الطلبة. وكان متميزاً في الأجناد، موصوفاً بالسداد، يكتب خطاً فائقاً، راقياً في درجة الحسن رائقاً، له عناية بالخطوط المنسوبة وتحصيلها، وعنده بذل للجمل في تفصيلها. وحدث قديماً مع أستاذه شبل الدولة كافور خزندار قلعة دمشق. ولم يزل على حاله إلى أن وقع الشبلي في شبكة الموت، وغرق في بحر الفوت. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة. آقوش الأمير جمال الدين المطروحي الحاجب بدمشق.

стр. 526

أباعه الكسروانيون للفرنج في واقعة غازان، ثم شراه ابن سعيد الدولة منهم، وأعطي طبلخاناه بعد الوقعة. وكان شيخاً مليح الشيبة، ظاهر الهيبة، حاجباً جليلاً، لا يراه أحد إلا اتخذه خليلاً، لا يراه أحد إلا اتخذه خيلاً، ناهضاً بالأعباء عاقلاً، لا تجده الدولة عن مصلحتها غافلاً. ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن المطروحي على نعشه مطرحاً، وطحنته من المنية تلك الرحى. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة. باشر الطبلخاناه قليلاً، ومات رحمه الله تعالى. آقوش الأمير جمال الدين الأفرم، نائب دمشق. كان من مماليك الملك المنصور قلاوون القدُم الجراكسة، وهو من أكابر البرجية السلاح دارية. وكان في البرج مُغرى بالنشاب والعلاج والصراع واللكام والثقاف وتأمّر وهو على هذا. ولما كان في أيام أستاذه تحدث مع بعض الخاصكية أن يخرج إلى الشام، فعرضوا به للمنصور، فقال: آقوش الأفرام يريد الرواح إلى دمشق، لا بد له من نيابة دمشق إلا ما هو في أيامي.

стр. 527

أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: حدثني جلال الدين محمد بن سلميان بن البيع الموقع عن الشهاب الرومي أن الأفرم حدثه أنه قال: كان يتردد إلي وأنا بمصر فقير مغربي، كان في القرافة الكبرى، فقال لي يوماً: يا آقوش إذا صرت نائب الشام أيش تعطيني؟ فقلت له: يا سيدي ما أنا قدرُ هذا. فقال: لا بد لك من هذا. أيش تعطيني؟ فقلت: يا سيدي الذي تقول. فقال: تتصدق بألفي درهم عند السيدة نفيسة، وبألف درهم عند الشافعي. فقلت: يا سيدي بسم الله. فضحك، وقال: ما أظنك إلا تنساها، وما تعود تذكرها إلا إذا جئت هارباً إلى مصر. قال: فوالله لقد جعلتُ كلام المغربي ممثلاً بين عيني حتى وُليت النيابة، فأنسانيه الله، ثم ما ذكرته حتى دخلتُ نوبة غازان مصر هارباً، فبينما أنا أسير هارباً إذ مررت بمكان الفقير، فذكرت قوله، فأحضرت على الفور الدراهم، وتصدقت بها. وكان قد نقل الأفرم إلى الشام قبل النيابة، وأقام بها مدة طويلة في مجالس أنس ولهو وطرب، يغشى الناس ويغشونه. ولما كانت أيام العادل كتبغا، وتقدم حسام الدين لاجين، وصار نائب مصر، اشتد عضد الأفرم به، لأنهما كانا ابني خالة، فلما تسلطن لاجين كان الأفرم بدمشق فطلبه، وجعله حاجباً، وبقي بمصر مدة على ذلك، يبيت ويصبح بقلعة الجبل. ولما كان يوم الخميس وهو اليوم الذي قُتل فيه لاجين عشيةً، نزل الأفرمُ تلك الليلة، وبات في القاهرة في داره، وهي دار الشريف ابن ثعلب، وبات بها هو والأمير شرف الدين حسين بن جندر بك.

стр. 528

أخبرني من لفظه الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك. قال: بينا نحن تلك الليلة وإذا بالباب يُطرق وقائل يقول: خلوا الأمير يكلم السلطان. وآخر في آخر في الحث في طلبه. فهم الأفرام بفتح الباب، فقلت له: تأنّ على نفسك، فخاطري قد حدثني بأمر، وأخشى على السلطان من أمرٍ حدث، فانتبه لنفسه، وقال: ما العمل؟ قلت: تحيل على من يخرج إلى السوق، ويكشف الخبر. فدلينا مملوكاً من السطح، فما لبث أن عاد إلينا بالخبر، فخرجنا على حمية، وركبنا وطلعنا إلى خيل الأفرم، وكانت خراج البلد، فأخذنا الخيل وانعزلنا إلى القلوبية، واجتمع عليه مماليكه وأصحابه واللآجينية، ونشر أعلامه، ودقً طلبلخاناته، وبقي يتنقل حول بركة الحجّاج إلى عكرشة إلى المرش إلى ما دون بلبيس وهو على غاية الحذر، إلى أن ترددت الرسل بينه وبن أمراء القلعة، وتأكدت الأيمان بينهم، فهم بالطلوع إلى القلعة، ثم إنه رد من الثغرة، وفل أكثر من كان معه، وكاد يؤخذ، فأتى الله بالأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، والأمراء المجردين بحلب، فانضم إليه الأفرم، وكان معه إلى أن قتل كرجي وطغجي، وتقرر الأمر على طلب السلطان الملك الناصر من الكرك بإجماع رأي سبعة من الأمراء، وكان الأفرام سادسهم، فتصدر الكتب بخطوط السبعة والأفرم السادس، ولما حضر السلطان واستقرت دولته بعثه إلى دمشق كالحافظ لها، فوصل إليها على البريد في ثاني عشري جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وست مئة، وحكم فها بغير تقليده مدة. انتهى، أو كما قال. ثم إن الأفرم سعى لها سعيها، فجاء تقليده بنيابة دمشق، وكان هو والجاشنكير متظاهرين لما يجمعهما من البرجية.

стр. 529

أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال حدثني والدي، قال: دخلت يوماً على الأفرم وهو في بقية حديث يتشكى فيه من افتئات سلار والجاشنكير وما هما فيه، ثم التفت إلي وقال: يا فلان! والله هذا بيبرس، لما كنا في البرج كان يخدمني ويحكّ رجلي في الحمام، ويصبّ الماء علي، وإذا رآني والله ما يقعد إلاّ إذا قلت له: اقعد. وأمّا سلار فما هو منا ولا له قدر، أيش أعمل في دمشق؟ والله لولا هذا القصر الأبلق والميدان الأخضر، وهذا النهر المليح ما خلّيتهم يفرحون بملك بمصر. وكان الأفرم يقول: لما توجه الناصر إلى الكرك: والله عملوا نحساً، كان ابن أستاذنا وهم حوله أصلح. ولم يزل على هذا حتى تحتم الأمر، وخاف القتل، وانصرف إلى الجاشنكير. ولما كانت كسرة المسلمين، وجرى من أهل كسروان ما جرى على العساكر أثر ذلك في قلبه، ولما عاد واستقرت الأمور توجه إليهم بنفسه، ونازلهم ولم يحصل على طائل، ووصلت الأراجيف بأحاديث التتار، فعاد عنهم، ولما قضى الله تعالى بالنصر في واقعة شقحب جعل كسروان دأبه، وكتب إلى نائب طرابلس ونائب صفد، وجمعوا الرجال وأحاطوا بالجبل من كل ناحية، فأظهره الله عليهم وظفره الله بهم، وكبتَ كتبَ البشائر بذلك، وأحسنُ ما وقع فيها الشيخ كمال الدين محمود بن الزملكاني لأنه افتتحه بقوله تعالى: " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ".

стр. 530

ومدح الأفرم في هذه الواقعة بعدة مدائح جمعها شمس الدين الطيبي هي وكثيراً مما كتب في هذه الواقعة، وسماها واقعة كسروان، وزاد تمكن الأفرم في نيابة دمشق إلى أن كان يكتب تواقيع بوظائف كبيرة، ويبعثها إلى مصر، ليعلم السلطان عليها. وكتبت في دمشق على السلطان بالإشارة العالية الأميرية الكافلية الجمالية كافل الشام أعزها الله تعالى. وشكا إليه ضوء بن صباح أحد قصاد الخدمة أن جاميكته نقصت فقال: من فعل ذلك؟ فقال: ابن سعيد الدولة. وكان بان سعيد الدولة إذ ذاك مشير الدولة وجليس السلطان، ومكان ثقته، ولا يعلم الملك المظفر على شيء حتى يكتبَ عليه ابن سعيد الدولة: يحتاج إلى الخط الشريف، فكتب الأفرم إلى ابن سعيد الدولة هكذا ابتداء: وَالك يا بن سعيد الدولة! ما أنت إلا ابنُ تعيس الدولة، وصلتَ أنك تقطع جوامك القصّاد الذين هم عينُ الإسلام، ومن هذا وشبهه، والله إن عدت تعرضت إلى أحد من الشام بعثت إلى من يقطع رأسك، ويجيء به في مخلاة، وجهز به مملوكاً من مماليك على البريد قصداً، وأمره أن يعطيه الكتاب في وسط المحفل، ويقول له من نسبة ما في الكتاب، ففعل ذلك، فدخل إلى السلطان، وأراه الكتاب فقرأه، ثم أطرق زماناً، وقال له: أرضِ الأفرم، وإلا أنا والله بالبراءة منك، والله إن عمل معك شيئاً ما نقدر ننفعك! ولم يزل على حاله إلى أن حضر السلطان الملك الناصر من الكرك، وقفز الأمراء إليه، وبقي الأفرم في دمشق وحده، فهرب هو والأمير علاء الدين بن صبح إلى شقيف بيروت، ثم إن السلطان آمنه فحضر إلى دمشق فأكرمه وأقره على نيابة الشام في الركوب والوقوف والخدمة، وقراءة القصص، وسافر معه إلى مصر على حاله،
следующие страницы →