Полный текст (3 514 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ولما توفي زين الدين بن حلاوات موقع طرابلس نقل إليها القاضي بهاء الدين بن غانم، فتوجه إليها وأقام بها إلى سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، فقضى بها نحبه، وفارق من ألفه وأحبه في ليلة الجمعة ثامن عشري صفر من السنة، وكان قد حفظ التنبيه، ومن مسموعاته مسند الإمام أحمد على ابن علان.
وكان في صفد قد حصل له ميل إلى مغن يدعى طقصبا، وصار يعمل به السماع في كل ليلة، وقرر ذلك كل ليلة عند واحد من أكابر الناس. وأنشدني من لفظه لنفسه:
لا ترجّى مودةٌ من مغنّ ... فمعنّى الفواد من يرتجيها
أبداّ لا تنال منه وداداً ... ولك الساعة التي أنت فيها
وأنشدني أيضاً من لفظه لنفسه:
كدت أبلى ببليّه ... من جفونٍ بابليّه
فتكت في القلب لكن ... كانت التقوى تقيّه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من غدا مشتغلاً ... عمن به يشتغل
بيتك قلبي وهو من ... هجرك لي يشتعل
وأنشدني من لفظه لنفسه في بدر الدين بن الخشاب مشد صفد وشرف الدين بن كسيرات الناظر وكانت له عذبة:
يا ماعرا صفداً مذ حلّ منصبها ... وحلّ بالشدّ عقداً من مآثرها
دقّت بدرّة نحسٍ لا خلاق له ... أما تراها علت أكتاف ناظرها
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا سيّداً حسنت مناقب فضله ... فعلت بما فعلت على الآفاق
стр. 702
حاشاك تكسر قلب عبدٍ لم يزل ... توليه حسن صنائع الإشفاق
هب أنه أخطا وأذنب مرّةً ... مولاي أين مكارم الأخلاق
كتب هو إلي من طرابلس وأنا مقيم بدمشق، وقد تأخرت مكاتباتي عنه، ثلاثة أوصال ورق أبيض وفي ذيلها مكتوب، ولم يك فيها غير ذلك:
سبحان من غيرّ أخلاق من ... أحسن في حسن الوفا مذهبا
كان خليلاً فغدا بعد ذا ... لمّا انقضى ما بيننا طقصبا
أشار بذلك إلى أمر طقصبا المذكور، وكان له عم أسود زوج أمه يدعى خليلاً، وكان ينغص علينا الاجتماع بحضوره، ولما كتب هذه كان طقصبا المذكور رحمه الله تعالى قد توفي بصفد من مدة، فحسن لذلك إبراز هذين البيتين في هذه الصورة، فكتبت أنا الجواب:
يا باعث العتب إلى عبده ... وما كفاه العتب أو ندّبا
ومذكري عهداً لبسنا له ... ثوب سرور بالبها مذهبا
مرّ فلم يحل لنا بعده ... عيش ولم نلق الهوى طيّبا
ما كلّ ذي ودّ خليلٌ ولا ... كلّ مليح في الورى طقصبا
فحبّذا تلك الليالي التي ... كم يسّر الله بها مطلبا
ما أحدٌ في مثلها طامعٌ ... هيهات فاتت في المنى أشعبا
وينهي بعد دعاء يرفعه في كل بكرة وأصيل، وولاء حصل منه على النعيم المقيم، ولا يقول: وقع في العريض الطويل، وثناء إذا مر في الرياض النافحة صح أن نسيم السحر عليل، وحفاظ ود يتمنى كل من جالسه لو أن له مثل المملوك خليل، ورود
стр. 703
المثال الكريم، فقابل منه اليد البيضاء بل الديمة الوطفاء، بل الكاعب الحسناء، وتلقى منه طرة صبح ليس للدجا عليها أذيال، وغرة نحج ما كدر صفاها خيبة الآمال، فلو كان كل وارد مثله لفضل المشيب على الشباب، ونزع المتصابي عن التستر بالخضاب، ورفض السواد ولو كان خالاً على الوجنه، وعد المسك إذا ذر على الكافور هجنه، وأين سواد الدجا إذا سجى من بياض النهار إذا انهار، وأين وجنات الكواعب النقية من الأصداغ المسودة بدخان العذار، وأين نور الحق من ظلمة الباطل، وأين العقد الذي كله در من العقد الذي فيه السبج فواصل، يا له من وارد تنزه عن وطء الأقلام المسوده، وعلا قدره عن السطور التي لا تزال وجوهها بالمداد مربده حتى جاء يتلألأ ضياء ويتقد، وأتى يتهادى في النور بالذي تعتقد فيه المجوسية ما تعتقد، ولكن توهم المملوك أن تكون صحف الود أمست مثله عفاء، وظن بأبيات العود السالفة أن تكون كهذه المراسلة من الرقوم خلاء:
لو أنها يوم المعاد صحيفتي ... ما سرّ قلبي كونها بيضاء
فلقد سودت حال المملوك ببياضها، وعدم من عدم الفوائد البهائية ما كان يغازله من صحيحات الجفون ومراضها، وما أحق تلك الأوصال الوافدة بلا إفاده، الجائدة بزيارتها التي خلت من الجود بالسلام وإن لم تخل زورتها من الإجاده، أن ينشدها المملوك قول البحتري. أبي عبادة:
стр. 704
أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالوصل حتى إنني ... متخوّفٌّ أن لا يكون لقاء
يا عجباً كيف اتخذ مولانا هذا الصامت رسولاً بعد هذه الفترة، وكيف ركن إليه في إبلاغ ما في ضميره ولم يحمله من در الكلام ذره، وكيف أهدى عروس تحيته ولم يقلدها من كلامه بشذره، ما نطق هذا الوارد إلا بالعتاب مع ما ندر وندب، ولا أبدى غير ما قرر من الإهمال وقرب.
و:
على كلّ حالٍ أمّ عمرو جميلةٌ ... وإن لبست خلقانها وجديدها
وبالجملة فقد مر ذكر المملوك بالخاطر الكريم، وطاف من حنوه طائف على المودة التي أصبحت كالصريم، وإذا كان الشاعر قد قال:
ويدلّ هجركم على ... أنّي خطرت ببالكم
فكيف بمن دخل ذكره الضمير وخرج، وذكر على ما فيه من عوج، وما استخف بي من أمرني ومن ذكرني ما حقرني، والله تعالى يديم حياته التي هي الأمان والأماني، ويمتع بألفاظه الفريدة التي هي أطرب من المثالث والمثاني بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
فكتب هو إلي الجواب عن ذلك:
يا هاجراً من لم يزل قلبه ... إليه من دون الورى قد صبا
стр. 705
أرسلت من بعد الجفا أسطراً ... أرقص منها السمع ما أطربا
شفت فؤاداً شفّه وجده ... من بعدما قد كاد أن يذهبا
قال لها العبد وقد أقبلت ... أهلاً وسهلاً بك يا مرحبا
أحلّها قلباً صحيح الولا ... ما كان في صحبته قلّبا
ولا نسي عهد خليل له ... قديم عهد كان مع طقصبا
وقبل مواقع تلك الأنامل التي يحق لها التقبيل، وقابل بالإقبال تلك الفضائل المخصوصة بالتفضيل، وقابلها بالثناء الذي إذا مر بالمندل الرطب جر عليه من كمائم اللطف وكمه فضل المنديل، وتأملها بطرف ما خلا من تصور محاسن صديق ولا أخل بما يجب من التلفت إلى خليل، وشاهد منه الروضة الغناء، بل الدوحة الفيحاء، بل الطلعة الغراء، فوجدها قد تسربلت من المحاسن البديعة بأحسن سربال، وتحلت من المعاني البديهة بما هو أحلى في عين المحب المهجور وقلبه من طيف الخيال. لكن مولانا غاب عن مملوكه غيبةً ما كانت في الحساب، وهجره وهو من خاطره بالمحل الذي يظنه إذا ناداه بالأشواق أجاب، واتخذ بدعة الإعراض عن القائم بفرض الولاء سنه، واشتغل عمن له عين رضىً عن نسيان ما مضى من كليلة ودمنه، فخشي المملوك من تطاول المده، وخامر قلبه تقلبات الأيام، فخاف أن تبقى أسباب المقاطعة ممتده، ووثق بما يتيقن من حسن الموافاة ويعتقد، فاقتضى حكم التذكار لطف الاقتصار، توصلا إلى تفقد التودد، ومن عادات السادات أن تفتقد بذكر أيام خلت مسرة وهناء، وليال أحلى من سواد الشباب، أولت بوصال الأحباب اليد البيضاء.
стр. 706
لو أنّ ليلات الوصال يعدن لي ... كانت لها روح المحبّ فداء
فيالها من مليحة أقبلت بعد إعراضها، ولطيفة رمقت بإيماء جفن مواصلتها وإيماضها، وبديعة استخرج غواص معانيها من بحار معانيها كل دره، وصنيعة أبدى نظام لآليها من غرر أياديها أجمل غره، ورفيعة جددت السرور وشرحت الصدور فعلت بما فعلت إكليل المجره، ومتطولة رغبت المقصر فيما يختصر وحببت، ومتفضلة قضت بحق تفضيلها على ما سبق وأوجبت:
مودّتها في مهجتي لا يزيلها ... بعاد ولا يبلي الزمان جديدها
والله يشكر ما خوله من فضل هذه المعالي والمعاني، ويمتع بفضائله التي تغني أغانيها عن المثالث والمثاني.
وبيني وبينه مكاتبات ومراجعات غير هذه، وقد أوردت شيئاً من ذلك في كتابي ألحان السواجع.
وأخبرني يوماً أنه زار قبر طقصبا المذكور فوجد قبره قد نبت به أنواع من الزهر، وطلب مني نظم شيء في ذلك فأنشدته أنا لنفسي:
بنفسي حبيب قبره راح روضةً ... خمائلها مسروقةً من مخايله
درى أنّه لا صبر للناس بعده ... فأهدى لهم أنفاسه في شمايله
وأنشدته أيضاً لنفسي:
لا تنكروا زهراً من حول تربته ... أضحى نسيم الصّبا من نشرها عطرا
هذه محاسن ذاك الوجه غيّرها ... بطن الثرى فاستحالت فوقه زهرا
стр. 707
وأنشدته أيضاً لنفسي:
أفدي حبيباً غدا في الترب مضجعه ... وفي لذّ لجفني الدمع والسهر
تحكي نجوم السما أزهار تربته ... لأنّ طلعته تحت الثرى قمر
وأنشدني هو لنفسه في ذلك..
أبو بكر بن محمد بن محمود
ابن سلمان بن فهد، القاضي الكاتب الرئيس البليغ شرف الدين بن القاضي شمس الدين بن القاضي شهاب الدين، كاتب السر بالشام ومصر وابن كاتب السر بالشام وابن كاتب السر بالشام، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر والده وجده في مكانيهما من حرف الميم.
كتب الخط الذي فاق، وسارت بأنباء محاسنه الرفاق، وتسرع ليتعلم لطفه النسيم الخفاق، وأبرزه مثل النجوم الزهر، فما تطلع منه كوكب إلا فاق في الآفاق، أتقن الرقاع ومزجه بالنسخ فجاء بديع المنظر، رائق المرأى قد سمج ورد الخد الأحمر لما تسيج بآس العذار الأخضر، وجود النسخ والثلث فما داناه فيهما كاتب في زمانه، وأبرزهما من القوة والصفاء في قالب يود لو نقطه الطرف بإنسانه، لو عاصره ابن البواب لكان مثل أبيه على بابه، أو ابن مقلة لعلم أنه ما يرضى به أن يكون من أضرابه، أو ابن العديم لعدم رقة حاشيته، وتطفل مع الوزارة لأن يكون من جملة حاشيته، هذا إلى نظم يترقرق زلاله، ونثر يفيء على نهر الطروس ظلاله، قد درب كتابة المطالعة ومهر، وزاد على إتقان أبيه وجده فيهما وظهر، هذا إلى شكل قل أن ترى مثله العيون، أو تقتضى من غير محاسنه ديون، وكرم نفس يخجل الغمائم، ولطف شمائل تفرد بالثناء عليها خطباء الحمائم، وحفاظ ود، ووثوق عهد وسلامة باطن، وبراءة من الخبث الذي تراه وهو في كثير من الناس مباطن.
стр. 708
ولي كتابة السر بدمشق بعد القاضي محيي الدين بن فضل الله، لأن القاضي علاء الدين بن الأثير لما انقطع بالفالج في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، طلب السلطان القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين والقاضي شرف الدين وولاه كتابة السر بدمشق، وأجلسه قدامه بدار العدل بقلعة الجبل، وقرأ قدامة القصص ووقع عليها في الدست، ورسم له أن يحضر دار العدل في دمشق، وأن يوقع على القصص بين يدي الأمير سيف الدين تنكز، فهو أول كاتب سر جلس في دار العدل، ولم يكن كتاب السر يجلسون قبل ذلك في الخدمة، فباشر ذلك.
وكان إذا توجه مع نائب الشام إلى مصر يحضره السلطان قدامه ويخلع عليه وينعم عليه، وكان يعجبه شكله كثيراً ويقول لألجاي الدوادار: يا ألجاي، هذا شرف الدين كأنه ولد موقعاً. ويروق له شكله وسمته، ويعجبه لباسه.
فلما توجه مع الأمير سيف الدين تنكز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة ولاه السلطان كتابة سر مصر، وجهز القاضي محيي الدين وأولاده إلى دمشق، وتوجه القاضي شرف الدين مع السلطان إلى الحجاز، ووقع بينه وبين الأمير صلاح الدين الدوادار، وطال النزاع بينهما وكثرت المخاصمات، ودخل الأمير سيف الدين بكتمر الساقي رحمه الله تعالى بينهما وغيره، فما أفاد، فقلق القاضي شرف الدين وطلب العود إلى دمشق ولم يقر له قرار، فأعاده السلطان إلى دمشق، وطلب القاضي محيي الدين وأولاده إلى مصر وأقرهم على ما كانوا عليه. وكانت ولايته كتابة السر بمصر تقدير ثمانية أشهر، ولما عاد فرح به تنكز وقام له وعاتقه وقال له: مرحباً بمن نحبه ويحبنا وأقام بينه وبين حمزة التركماني الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الحاء مكانه، فأوحى إلى تنكز ما أوحاه من المكر الخديعة والافتراء،
стр. 709
فكتب تنكز إلى السلطان، فعزله بالقاضي جمال الدين عبد الله بن كمال الدين بن الأثير، وبقي في بيته بطالاً مدة، فكتب السلطان إلى تنكز يقول له: إما أن تدعه يوقع قدامك وإما أن تجهزه إلينا، وإما أن ترتب له ما يكفيه، فرتب له ثلاث مئة درهم وثلاث غرائر، ولما أمسك تنكز رسم السلطان أن يكون موقعاً في الدست بدمشق وولده شهاب الدين المقدم ذكره كاتب درج، فاستمر على ذلك إلى أن تولى الملك الصالح إسماعيل، فولاه وكالة بيت المال بالشام مضافاً إلى ما بيده، فأقام في الوكالة سنة أو قريباً منها، ثم إنه توجه إلى القدس للوقوف على قرية يشتريها الأمير سيف الدين الملك ليوقفها على جامعه بالقاهرة، فتوفي رحمه الله تعالى فجأة، لأنه دخل إلى بيت الخلا، فما خرج منه إلا إلى سرير البلى.
ووفاته رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
وكان رحمه الله تعالى عنده تجمل كثير زائد في أكله وملبسه ومركوبه، وكرم نفس، وفيه تصميم وبسط إذا خلا بمن يثق إليه، وكان فيه خواص، منها أنه يحلق رأسه بالموسى بيده، ويلف شاشة على طاقية من غير قبع فرد مرة ويصلحها بيده، وهي على رأسه ولا ينظر إليها وهي من أحسن ما يكون، وكان شديد القوى ذا همة وبطش.
أنشدني من لفظه لنفسه:
стр. 710
والله قد حرت في حالي وفي عملي ... وضاق عمّا أرجّي منكم أملي
أبيت والشوق يذكي في الفؤاد لظى ... نارٍ تؤجج في الأحشاء ذي شعل
ويصبح القلب لا يلهو بغيركم ... وأنتم عنه في لهوٍ وفي شغل
الله في مهجةٍ قد حثّها أجلٌ ... إن لم يكن صدّكم عنّي إلى أجل
وأنشدني من لفظه لنفسه:
على خدّه الورديّ خالٌ منمّقٌ ... عليه به للحسن معنىً ورونق
وفي ثغره الدرّ النظيم منضّدٌ ... يجول به ماء الحياة المروّق
وما كنت أدري قبل حبّه ما الهوى ... إلى أن تبدّى منه خصرٌ ممنطق
عليه من الحسن البديع دلائلٌ ... تعلّم ساليه الغرام فيعشق
وأنشدني من لفظه لنفسه:
رأت مقلتي من وجهه منظراً أسنى ... يفوق على البدر المنير به حسنا
غزالٌ من الأتراك أصل بلّيتي ... معاطفه النشوى وألحاظه الوسنى
رنا نحونا عجباً وماس تدلّلاً ... فما أرخص الجرحى وما أكثر الطعنا
له مبسم كالدر والشّهد ريقه ... وليس به لكنّه قارب المعنى
وأنشدني يوماً من لفظه لنفسه ملغزاً في ليل:
أيّما اسمٍ يغشى الأنام جميعا ... وإذا فكّرت لي ثلثاه
أن تزل في هجائه منه حرفاً ... لك منه مصحّفاً طرفاه
стр. 711
فأنشدته أنا لنفسي ملغزاً في فيل:
أيّما اسم تركيبه من ثلاث ... وهو ذو أربعٍ تعالى الإله
حيوانٌ والقلب منه نبات ... لم يكن عند جوعه يرعاه
فكيف تصحيفه ولكن إذا ما ... رمت عكساً يكون لي ثلثاه
وأنشدني يوماً لنفسه:
بعثت رسولاً للحبيب لعلّه ... يبرهن عن وجدي له ويترجم
فلمّا رآه حار من فرط حسنه ... وما عاد إلاّ وهو فيه متيّم
فأنشدته أنا لنفسي:
بي غزالٌ لمّا أطعت هواه ... أخذ القلب والتصبّر غصبا
ما أفاق العذول من سكرة العذ ... ل عليه حتى غدا فيه صبّا
وكتب هو إلي وأنا بالقاهرة يطلب مني الحضور إلى دمشق ليجهزني إلى الرحبة موقعاً:
يا فاضلاً فخر الورى بخلاله ... وعلا على أفق العلا بجلاله
فقلوبنا من شوقها جمراتها ... لم يطفها بالدمع فيض سجاله
فاجعل لنا من تبر فضلك فضلةً ... يغنى بها المضرور عند سؤاله
فكتبت أنا الجواب إليه:
شرّف دمشق أن ارتضيت بزورةٍ ... واشف الجوى من كلّ قلب واله
فلقد ملأت ديار مصر فضائلاً ... كم فاض منها النيل عند نواله
إن الكريم هو الجواد على الذي ... قد راح يسأل ما له في ماله
стр. 712
قم في الدّجى حتى الصباح وواله ... بدعا يقوه ببعض حقّ نواله
وأمل بما تمليه أعطاف الورى ... واحمد أبا بكرٍ على أفضاله
واسجع فإنّك ما برحت مطوّقاً ... إمّا بضافي جاهه أو ماله
مولىً غفلت ونمت عن ليل المنى ... فأبى وصيّرها شواغل باله
واستاقها غرّاً إليك وأنت لم ... تحتج إلى تحريكه بسؤاله
والبرّ أفضل ما أتى عفواً ولم ... تقبض يد الراجي حبال نواله
هذا هو الفضل الذي فضح الحيا ... وسما بجدواه على هطّاله
تلهو بنو الآمال عن مطلوبها ... علماً بأن لهم كريم خلاله
كرمٌ يفيض على العفاة سحابه ... ويسحّ وابله على استرساله
لله سعيك في المعالي إنّه ... جعل الثريّا في عداد نعاله
وغدا يجرّ على المجرّة ساحباً ... يوم الفخار الفضل من أذياله
وسعى فأدرك غايةً من أمّها ... قامت ذراريها مقام ذباله
ما عاق نائله عن العافي مدى ... وعدٍ ولا شان العطا بمطاله
يا آل محمودٍ ليهنىء مجدكم ... شرفٌ أناف على الورى بجلاله
أقسمت ما لشبا السيوف إذا مضت ... في يوم معركةٍ جلاد جداله
كلاّ ولم ير قطّ بحراً مدّ من ... أمواهه ما بثّ من أمواله
خطٌّ أظنّ الروض جوّد عندما ... شقّت كمام الزهر تحت مثاله
وتلفّظٌ إن قلت سحرٌ لم يسع ... ني أن يكون حرام ذا كحلاله
وخلائق كالروّض أهدى نشره ... مرّ النسيم على ذوائب ضاله
وسياسةٌ طاش العدوّ لها وقد ... سكن الوليّ وقرّ من زلزاله
فالله يحرس للزمان بقاءه ... ويمتّع الدنيا بفضل كماله
стр. 713
وكتب هو إلي ونحن على الأهرام صحبة الركاب الشريف ملغزاً في القرط:
ما اسم ثلاثيّ ترى ... حلّته مفوّفه
اعمد إلى تركيبه ... فيه وصحف أحرفه
تجد جنىً يبطىء في ال ... عود به من قطفه
واعكسه إن تركته ... من بعد أن تحرّفه
تجد به ذا طرق ... بين الورى مختلفه
أبنه يا من فضله ... يعز من قد وصفه
فكتبت أنا إليه الجواب عن ذلك:
يا سيّداً قد زانه ... ربّ العلا وشرّفه
وقدّر الصّواب في ... أقلامه المحرّفه
وأوضح الفضل لمن ... يطلبه وعرّفه
أبدعت لغزاً حسناً ... صفاته مستطرفة
مثلّث الحروف كم ... ربّع ربّ معرفه
خضرته يانعة ... بهيئةٍ مشرّفه
كم زان أرضاً أقفرت ... ووجنةً مزخرفه
فالثلث منه سورة ... آياتها مشرّفه
بل جبلٌ أحاط بال ... أرض وذاك مغرفه
وانظر لثلثيه تجد ... كليهما في طرفه
بقيت ما جرّ النسي ... م في الرياض مطرفه
في ظلّ سعدٍ يرتقي ... من النعيم غرفه
стр. 714
وكتب هو إليّ أيضاً ملغزاً في حلفا:
يا ماجداً نجهد في وصفه ... وفضله من بعد ذا أوفى
ما اسمٌ إذا ما رمت إيضاحه ... عزّ وعن فكرك لا يخفى
وهو رباعيّ وفي لفظه ... تراه حقاً ناقصاً حرفا
صحّفه واحذف ربعه تلفه ... مدينةً كم قد حوت لطفا
وهذه البلدة تصحيفها ... خلقٌ يفوت الحدّ والوصفا
وإن تصحّف بعضها فهي ما ... زالت ترى في أذنٍ شنفا
وذلك الاسم على حاله ... حرّفه يرجع للصّبي جلفا
لم ير ذا حرب وكم شبّ من ... نارٍ لغير الرّوع ما تطفا
وإن تشأ صحّفه وانظر تجد ... خلقا سويا قطّ ما أغفى
أبنه يا من فكره لم يزل ... يرفع عن بكر النهى سجفا
لا زلت تبدي للورى كلّ ما ... يستوقف الأسماع والطّرفا
فكتبت أنا إليه الجواب عن ذلك:
يا سيّداً ألسن أقلامه ... كم صرفت عن عبده صرفا
ومحسنا ما زال طيب الثنا ... عيه حتى زيّن الصّحفا
ألغزت شيئاً لم يلن مسّه ... فراح إن صحّفته جلفا
ومفردٍ إن ألفٌ عوّضت ... أولاه يرجع بعد ذا ألفا
ونصفه حلّ وإن تحذف ال ... أوّل من أحرفه لفّا
وليس بالبدر على أنّه ... بالليل كم قد نزل الطّرفا
стр. 715
أمامنا في برّ مصر وإن ... صحّفت يصبح بعد ذا خلفا
إن زاحم الشاعر يذكر به ... كشاجماً في الحال والرّفّا
لا زلت ترقى في العلا صاعداً ... ما نظم الشاعر أوقفّا
في ظلّ عيش قد صفا ورده ... وراح بالإقبال قد حفّا
وكتب هو إلي ملغزاً في الهواء:
أيا ماجداً ما دهى فضله ... ونجم مكارمه ما هوى
أبن أيّما اسم خفى منظراً ... وخفّ ويلفى شديد القوى
ولا وزن فيه وفي وزنه ... إذا أنت حقّقت عمداً سوى
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
أيا من تقصّر أمداحنا ... وأوصافنا فيه عمّا حوى
كأنك ألغزت لي في الذي ... غدا وله النشر فيما انطوى
إذا مرّ في الروض خرّت له ... غصون الأراك وبان اللوى
يمدّ ويقصر في لفظه ... فللجوّ هذا وذا للجوى
وكتبت أنا إليه وهو بدمشق، وكنت يومئذ بصفد وقد جهز إلي نقدة ذهب:
يا نسمةً لأحاديث الحمى نقلت ... أملت قضب اللّوى من بعدما اعتدلت
خطرت ما بينها فاعتادها طربٌ ... فرنّحت عطفها بالسكر وانفتلت
فإن تكن فهمت معنى ظفرت به ... فعذرها واضح في كلّ ما فعلت
قد كان للمسك أنفاسٌ تضوع شذاً ... فمذ أتيت بأخبار الحمى خملت
بالله كيف أحبّائي الذين نأت ... بي المنازل عن أقمارهم وخلت
стр. 716
قد كنت أبديت أعذاراً لقلبي فال ... بقاء من بعدهم بالله هل قبلت
وهل عفا الله عنهم حال عهدهم ... فمهجتي ما انثنت عنهم ولا انتقلت
آهاً من البعد آهاً إنّ لي كبداً ... تضرّمت بلغى الأشواق واشتعلت
وأدمعاً إن جرى ذكر الوصال جرت ... شؤونها فتخال السّحب قد هطلت
ومهجةً سئلت لو كان ينفعها ... بأيّ ذنب على التحقيق قد قتلت
وعزمةً عاقها حظّ به ابتليت ... لولاه كانت على المطلوب قد حصلت
أشكو الليالي ومالي في الورى حكمٌ ... يكفّ عنّي عواديها التي اتّصلت
يا دهر هل نهضت منك الجبال بما ... نهضت فيك من البلوى أو احتملت
يا دهر إن عادت الأيام تجمعنا ... غفرت ما علمت مني وما جهلت
وإن ظفرت بلثم الترب بين يدي ... من أرتجي زالت البأساء وارتحلت
ذاك الذي إن علت زهر الكواكب في ... محلّها تلقها عن تربه نزلت
ذاك الذي لا أرى إلاّ سجيّته ... على الهدى والتقى والبر قد جبلت
ذاك الذي خلقت للجود راحته ... ففاقت الغيث إذا يهمى وما احتفلت
أقول إذ عمّني بالتّبر نائله ... هذا إلى السّحب إن جادت وإن بخلت
مكارمٌ فهمت ما أشتكي فهمت ... وهمّة فعلت ما لم يطق فعلت
كم نلت خمس مىءٍ من بعد خمس مىءٍ ... كذا أعدّدّها يوماً وما انفصلت
ماذا ترى في أيادٍ ما أقابلها ... بالشكر إلا أراها وهي قد فضلت
لولا علا شرف الدين التي بهرت ... كانت شموس الندى والفضل قد أفلت
أقلامه الحمر من صون الممالك لو ... تكون سطوتها للبيض ما نكلت
تهتزّ في كفّه من فوق مهرقها ... لأنّها من معاني لفظه ثملت
وكان فيما مضى للسحر ترجمة ... حتى تكلّم أضحت وهي قد بطلت
стр. 717
عبارة هي أندى من نسيم صبا ... مرّت على زاهرات الروض وانصقلت
وأسطر إن أقل مثل العقود فما ... أرى العقود إلى تلك العلا وصلت
واوحشتا لمحيّاه الذي نقصت ... لحسنه طلعة الأقمار إذ كملت
فلست أحسد إلا من تكون له ... عين بمرآه دوني في الورى كحلت
هل الليالي تريني نور طلعته ... فربما غلطت وربما عدلت
يا آل محمود لا ثلّت عروشكم ... ولا ذوت زهرة منكم ولا ذبلت
ولا تزل منكم الأعناق حاليةً ... فإنها إن خلت من فضلكم عطلت
فكتب هو إلي الجواب عن ذلك:
يا فاضلاً منه أقمار العلا كملت ... وعنه آثار أرباب النهى اتّصلت
ومن محاسنه للناس قد بهرت ... ومن مكارمه كلّ الورى شملت
لله درّ قوافٍ قد بعثت بها ... طالت وعنها نجوم الأفق قد نزلت
لقد أطاعتك أنواع البلاغة في ... ما قد أشرت من الترتيب وامتثلت
وما أظنك إلاّ قد بعثت لنا ... خميلةً عندها زهر الدجى خملت
فالله يشكر إحساناً حبوت به ... فمن أياديك أنواء الحيا خجلت
ما إن وعت أذنٌ معنى بلاغتها ... إلاّ وأمست بها الأعطاف قد ثملت
فالزهر قد أطلعت والدرّ قد نظمت ... والزهر قد فتّحت والسحر عنك تلت
شوقي إيك صلاح الدين ما علمت ... بشرحه ألسن الأقلام بل جهلت
وهل يحسّ جمادٌ بالذي فعلت ... بي النوى وعليه أضلعي اشتملت
وما أظنّ النوى أمست تزيد على ... هذا وقد فعلت فينا الذي فعلت
كأنّني بك قد أقبلت منتصراً ... يوماً على فئة بالحق قد خذلت
стр. 718
وقد تراجع فيك الدهر وانقطعت ... عصابة الجور عمّا فيك وانخزلت
فاصبر فما الصبر إلاّ شيمة كرمت ... وما التجلّد إلا رتبة نبلت
والله يبقيك في خيرٍ وفي دعةٍ ... ما حركّ الغصن أعطافاً قد انفتلت
وكتبت إليه:
وفى لها الحسن طوعاً بالذي اقترحت ... فلو رأتها بدور التمّ لافتضحت
كأنما البدر في ليل الذوائب قد ... تقلّدت بالنجوم الزهر واتّشحت
صحّت على سقمٍ أجفانها وكذا ... أعطافها وهي سكرى بالشباب صحت
تفري حشاي وتغنيها لواحظها ... ما ضرّ تلك الصفاح البيض لو صفحت
مهاة حسنٍ أداريها إذا نفرت ... عنّي وأعطفها بالعتب إن جمحت
قد حار في وصف أغزالي العذول بها ... وقال كيف حلت في غادة ملحت
بذلت في وصلها روحي فقد خسرت ... تجارة الحب في روحي وما ربحت
زارت لتمنحني من وصلها منناً ... أهلاً بها وبما منّت وما منحت
أقسمت ما سجعت ورق الحمائم في ... روضٍ على مثل عطفيها ولا صدحت
وكلّما اعتدلت بالميل قامتها ... رأيتها فوق حسن الغصن قد رجحت
وما اكتسى خدّها من لؤلؤٍ عرقاً ... لكنّها وردةٌ بالطلّ قد رشحت
ولي أمانيّ نفسٍ طالما كذبت ... فيها ولو جنحت نحو الوفا نجحت
وربّ ليلٍ خفيف الغيم أنجمه ... أزاهرٌ قد طغت في لجةٍ طفحت
يتلو الهلال الثريّا في مطالعها ... كأنّه شفة للكاس قد فتحت
وللنسيم رسالاتٌ مردّدة ... وجمرة البرق في فحم الدجى قدحت
والزهر قد أوقدت منه مجامره ... فكلما لفحت ريح الصبا نفحت
стр. 719
تحكي نداك الشذا الفياح طيب ثناً ... على علا شرف الدين التي مدحت
سهل الخلائق لا والله ما اغتبقت ... بمثلها عصبةٌ سكرى ولا اصطحبت
مسدّد الرأي لم تقصر إصابته ... عن الهدى إن دنت قصواه أو نزحت
رقى إلى غايةٍ ما نالها أحدٌ ... ولا سمت نحوها عينٌ ولا طمحت
بهمّة لجميع الناس عاليةٍ ... ونيّةٍ لمليك العصر قد نصحت
يدبّر الملك من مصر إلى حلب ... بعزم كاف به الأيام قد فرحت
يستعمل الحزم في كل الأمور فكم ... قد جدّ لمّا رأى بيض الظّبا مزحت
خصّته عاطفة السلطان فهو بها ... يأسو جوانح دهر طالما جرحت
حتى لقد نسخت أيات سؤدده ... آيات من قد مضى من قبله ومحت
يهذي عداه وليس البدر ينكر مع ... محلّه في كلاب الأرض إن نبحت
أضحت على الجود تبني راحتاه وما ... زالت كذاك وما انفكت وما برحت
كانت معاني الهدى والجود قد خفيت ... عنّا وعن مجده الوضّاح قد شرحت
وكان للجود أخبار فمذ رويت ... أنباؤه نسيت هاتيك واطّرحت
لولا الولوع بأن نلقى له شبها ... لما رنت مقلة للشمس إذ وضحت
دعني من الوزراء الذاهين فما ... رأت لواحظهم هذا ولا لمحت
هذا الذي إن تكن آراؤهم فسدت ... فإنها منه بالتأييد قد صلحت
لا زال يرقى ويلقى السّعد مقتبلاً ... ما انهلّت السحب بالأنواء وانسفحت
وما تألق برقٌ ليس يشبهه ... إلاّ دماء أعاديه التي ذبحت
فكتب هو الجواب إلي:
حمائم الأيك في الأفنان قد صدحت ... أم نسمة الزهر في الإصباح قد نفحت
стр. 720
أم روضةٌ دبّجتها كفّ ذي أدبٍ ... غضٍّ لغير صلاح الدين ما صلحت
يا فاضلاً فاق في الآفاق كلّ سنا ... بنور طلعته الغرّاء مذ لمحت
أوحشتنا شهد الله العظيم فكم ... جوارحٌ بسيوف السّقم قد جرحت
فلا رعى الله أياماً حوادثها ... على تفرّقنا قدماً قد اصطلحت
أهلاً بغادتك الحسناء إنّ لها ... محاسناً في بدور التم قد قدحت
أقسمت ما ظفرت يوماً بمشبهها ... قريحةٌ من أخي نظم ولا فرحت
خريدةٌ ولّدتها فكرةٌ قذفت ... بالدر من لجّةٍ بالفضل قد طفحت
فلا برحت ترينا كلّ آونةٍ ... قصيدةً لو رأتها الشمس لافتضحت
وبيني وبينه مراجعات ومكاتبات غير هذه، وقد ذكرت ذلك في كتابي ألحان السواجع.
أبو بكر المدّعي
في يوم الجمعة سلخ جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة ظهر بقرية حطين - وهي من عمل صفد، بها قبر ينسب لشعيب ﵇ شخص ادعى أنه السلطان أبو بكر المنصور بن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ومعه جماعة تقدير عشرة أنفار فلاحين، فبلغ ذلك الأمي علاء الدين ألطنبغا برناق نائب صفد، فجهز إليه دواداره شهاب الدين أحمد وناصر الدين بن البتخاصي فأحضراه، فجمع
стр. 721
له النائب المذكور الناس والحاكم، فادعى أنه كان في قوص وأن مؤمن لم يقتله، وأن أطلقه فركب البحر ووصل إلى قطيا، وبقي مختفياً في بلاد غزة إلى الآن، وأن له دادةً مقيمة في غزة عندها النمجا والقبة والطير. فقال النائب: وأنا كنت في تلك الأيام جاشنكيراً أولاً، وكنت أمد السماط بكرةً وعشياً وما أعرفك؟! فأقام مصراً على حاله، وانفسدت له عقول من جماعة وما شكوا في ذلك، فطالع النائب بأمره السلطان، فعاد الجواب بتجهيزه محترزاً عليه في عشرة نفر إلى غزة، فخشبه نائب صفد وجهزه، وحضر من تسلمه إلى مصر، ثم حضر بعد ذلك كتاب السلطان يتضمن أن المذكور ظهر كذبه ووجد مقتولاً بالمقارع، وأنه سمر وقطع لسانه، وكان في هذه الحالة إذا شرب الماء يقول وهو على الخشب: أشرب ششني، وإذا رأى أميراً يقول: هذا مملوكي ومملوك أبي، ويقول: لي أسوة بأخي الناصر أحمد وأخي الكامل وأخي المظفر الكل قتلتموهم.
وظهر أخيراً أنه أبو بكر بن الرماح، وأنه كان يعمل وكيلاً في بلاد صفد، وأن شحنة بعض القرى قتله يوماً فآلمه الضرب فادعى ما ادعى.
قلت: هذا الذي اتفق جرى مثله في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وتسع وثلاثين وسبع مئة، وتسع وثلاثين وما بعدها، وهو ظهور الذي ادعى أنه دمرتاش بن جوبان، وجاء إلى أولاد دمرتاش ونسائه وأهله ووافقوه على ذلك، والتف عليه
стр. 722
جماعة، وصارت له شوكة، وخيف على الشام ومصر منه إلى أن كفى الله أمره وقتل.
وكان ظهوره بعد موت دمرتاش بتسع سنين أو ما حولها، والتبس الحال في أمره حتى على السلطان الملك الناصر حتى إنه نبش قبره وأخرجت عظامه من مكانها برا باب القرافة بقلعة الجبل.
وكان المذكور قد خنق وقطع رأسه وجهز إلى القان بوسعيد، وكان يدعي أنه حصل الاتفاق في أمره وهرب من الاعتقال من سجن القلعة، ووصل إلى البحر وركب فيه مركباً وتغيب إلى أن ظهر، وأن الذي قتل كان غيره. وليس لذلك صحة أصلاً، بل الذي قتل وقطع رأسه بحضور أمناء السلطان ومماليكه الأمناء الخواص الذين لا يتجاسرون مع مهابة أستاذهم على وقوع شيء من ذلك، وهذا أمر اتفق وقوعه إلى حين تعليق هذه الأوراق، وهو شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وسبع مئة مرتين، الأولى هذه والثانية واقعة أبي بكر بن الرماح المذكور آنفاً، فلا ينكر على عاقل وقوع مثل هذه الأمور. وقد قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه نقط العروس: أخلوقة لم يسمع بمثلها، أتى رجل يقال له خلف الخضري بعد اثنين وعشرين سنة من موت المؤيد بالله هشام بن الحكم، ادعى أنه هشام، فبويع وخطب له على المنابر بالأندلس، وسفكت الدماء، وتصادمت الجيوش
стр. 723
وأقام نيفاً وعشرين سنةً. وقال أيضاً: فضيحة لم يقع في العالم مثلها: أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها تسمى كل منهم بأمير المؤمنين، وهم خلف الخضري بإشبيلية على أنه هشام بن الحكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجريزة، ومحمد بن إدريس بن حمود بمالقة، وإدريس بن علي بن حمود.
وقال أيضاً في كتاب الملل والنحل: أنذرنا الجفلى لحضور دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر، فرأيت أنا وغيري نعشاً وفيه شخص مكفن، وقد شاهد غسله رجلان شيخان حكمان من حكام المسلمين من عدول القضاة في بيت، وخارج البيت أبي رحمه الله تعالى وجماعة عظماء البلد، ثم صلينا عليه في ألوف من الناس، ثم لم نلبث إلا شهوراً نحو التسعة حتى ظهر حياً وبويع بالخلافة، ودخلت إليه أنا وغيري وجلست بين يديه، وبقي كذلك ثلاثة أعوام غير شهرين وأيام، حتى لقد أدى ذلك إلى توسوس جماعة لهم عقول في ظاهر الأمر، إلى أن ادعوا حياته حتى الآن، وزاد الأمر حتى أظهروا بعد ثلاث وعشرين سنة من موته على الحقيقة إنساناً قالوا هو هذا، وسفكت بذلك الدماء وهتكت الأستار وأخليت الديار وأثيرت الفتن.
انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى.
وقلت أنا في ذلك:
قد قتل المنصور في قوص ... واقتصّ من القتال في القاهره
وبعد اثني عشر عاماً مضت ... من صفد في عصبة فاجره
يطلب ملكاً في يدي غيره ... وهذه أعجوبة ظاهره
стр. 724
أبو بكر ابن القاضي بهاء الدين بن سكره
ناظر النظار بدمشق. كان رجلاً طوالاً إلى الغايه. دقيقاً لا إلى النهايه، كاتباً متصرفاً، مائلاً إلى الخير متعرفا، متطلعاً في الغدوات والروحات، إلى تحصيل الحسان من الزوجات، قد جعل ذلك دابه، ولو قدر ما ترك على ظهرها من دابه. أول ما علمته من حاله أنه كان مباشراً في القلاع الحلبية وبعض الثغور، ثم إنه حضر مع المباشرين في نوبة لولو غلام قندس سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وسلمهم الملك الناصر محمد إليه، فتولى عقابهم وصب على هذا بهاء الدين سوط عذاب، انحل به جسده وأذاب، ثم أخذهم وتوجه بهم إلى حلب، ثم إنني بعد ذلك رأيته في حماة وهو بها ناظر، وكنا قد توجهنا لتلقي الأمير سيف الدين طقزتمر من حلب لما رسم له بنيابة دمشق، فبالغ في إحسانه، وتفضل من يده ولسانه. ثم إنه صرف منها وتوجه إلى مصر.
ورسم له بنظر النظار بدمشق، فحضر إليها في أوائل شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وسبع مئة عوضاً عن القاضي مكين الدين بن قروينة، ولم يستقم له بدمشق حال مع النائب الأمير سيف الدين طقزتمر بواسطة أستاذ داره.
ثم إنه توفي في عاشر شعبان سنة ست وأربعين وسبع مئة - رحمه الله تعالى - ودفن بمقابر الشيخ أرسلان.
وكان قد اعتكف في شهر رمضان بالجامع الأموي، فأنشدني من لفظه لنفسه القاضي شهاب الدين بن فضل الله:
стр. 725
بمدشق عجائب ... في الأحاديث منكره
العليم الذي روى ... واعتكاف ابن سكّره
أبو بكر بن محمد بن علي
الشيخ الفاضل تقي الدين البانياسي الكاتب المجود.
كان كاتباً جيداً فاضلاً، له نظم ونثر. انتفع الناس به وكتبوا عليه، وله أخلاق حسنة، وكان مقيماً بالمدرسة الجاروخية.
توفي رحمه الله تعالى في ثامن ذي الحجة سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة ستين وست مئة.
أبو بكر بن بلبان
الأمير صلاح الدين ابن الأمير سيف الدين البدري.
كان أمير عشرة بدمشق، وهو أحد الإخوة.
توفي رحمه الله تعالى في ثالث شهر رجب الفرد سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
أبو بكر بن محمد بن عمر
ابن أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام بن منصور بن معلى البالسي: الشيخ الإمام العالم الزاهد العابد الورع نجم الدين بن قوام الشافعي.
كان من بيت علم وصلاح، وخير وزهد وفلاح، صاحب زاوية وحال،
стр. 726
وكرامات وكرم ونوال، يتلقى الواردين بإحسانه، ويوليهم الجود من يده ولسانه، يقرئهم ويقريهم، ويميرهم على ما بدته ويمريهم، يعتقد الناس بركاته، ويتوسمون الخير في سكناته وحركاته.
اجتمعت به غير مره، ورصع في جيدي من فضله كل دره.
ولم يزل على حاله إلى أن استسقى وما به ظما، وخر النجم إلى الأرض من السما.
وتوفي رحمه الله تعالى بهذه العلة في أوائل شهر رجب الفرد سنة ست وأربعين وسبع مئة، وكانت جنازته حفلة، وصلى نائب الشام عليه وجماعة من الأمراء.
وحدث عن ابن القواس وغيره.
وكنت قد كتبت له توقيعاً في أيام الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى بنظر الشبلية، ونسخته: رسم بالأمر العالي المولولي السلطاني الملكي الناصري، لا زال نجم الدين به بازغا، ومنهل جوده لوارديه عذباً سائغا. وثمر كرمه لجناة رفده حلواً بالغا، أن يرتب المجلس السامي الشيخي النجمي أبو بكر في كذا، ثقةً بورعه الذي اشتهر، وفضله الذي بهر، وأصله الذي طاب فرعه فالتقوى له ثمر، والعلم زهر، فما خطب لمباشرة هذه الوظيفة إلا وثوقاً بصفاته الحميدة، وتمسكاً بما عرف من طريقته السديدة، واتكالاً على ما حازه من صفات جواهرها على جيد الأيام نضيده، وركوناً إلى بيته الذي له من سلفه أركان مشيده، ورغبةً في شمول هذه المدرسة ببركته التي هي بيت القصيدة. فليباشر ما فوض إليه مباشرةً سدادها في كفالة كفايته مضمون، ويغتبط بما يفوز به من هذا البر فإن له فيه أجراً غير ممنون، مجتهداً في تنمية ريع هذا الوقف المبرور، مقتصداً في تثمير ما يجره إليه من المنافع حتى يدل على أن فعله تعلق من
стр. 727
بركته بجار ومجرور، معتمداً في إحياء ميته على من هو عدل في حكمه لا يحيف، مستنداً في استخراج حقوقه إلى الجلد حتى لا يقال إن أبا بكر رجل أسيف، مساوقاً مباشرته في جليله وحقيره، وقليله وكثيره، وغائبه وحاضره، ومعروفه ونادره، فلا يدع مستحقيه من صرف ما لهم في أوار ولا أوام، ولا يمكن أحداً منهم يسلك طريقاً معوجة فإنه ابن قوام، فلو لم يكن الظن به جميلاً ما عذق به هذا الأمر دون البريه، ولو لم يكن أسداً في الحق ما أسند إليه نظر الشبليه، وليتبع شروط الواقف حيث سارات مقاصده لأنه ناظر، وليصرف ما أمر به على ما أراده فإنه إن كان غائباً فله إله حاضر، والوصايا كثيرة ومنه تؤخذ فوائدها، وعلى جيد الزمن تنضد منه فرائدها، وهو بحمد الله تعالى ابن بجدتها علماً ومعرفه، وأدرى الناس بما يتحرك فيها من لسان أو شفه، ولكن التقوى زمام كل أمر، وعمدة الدين وعماده من زيد وعمرو، فلا ينزع منها حلة ارتداها، ولا يترك طريقاً سلكها عمره واقتفاها، والله تعالى يعينه في سكونه وحركته، وينفع الناس بعلمه وبركته. والخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه، والله الموفق بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
أبو بكر بن محمد بن قاسم
الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون شيخ الإقراء والعربية بالشام، مجد الدين المرسي ثم التونسي الشافعي.
стр. 728
قدم القاهرة مع أبيه، وأخذ النحو والقراءات عن الشيخ حسن الراشدي، وحضر حلقة الشيخ بهاء الدين بن النحاس، وسمع من الفخر علي والشهاب بن مزهر.
كان الشيخ مجد الدين آية في ذكائه، غاية في إكبابه على العلوم واعتنائه، تفرد في وقته بمعرفة العربية وغوامضها الأدبية، فلو رآه ابن السراج لما راج، والزجاجي لسود مصنافته بالعفص والزاج، أو السيرافي لقال لصاحبيه سيرا في المهامه، أو قفا بنا نسمع بعضاً أو كلاً من كلامه، أو الفارسي لترجل قدامه، وحمل لواء الفخر له ومعه قدامه.
وفيه قلت أنا:
تملّك النحو حتى ما لذي أدبفي الناس نون وواو بعدها حاء
هذا مليك لهذا العلم فاصغ لما ... أقوله لاكسائيٌّ وفرّاء
وكان مجيداً في غير ذلك من الفنون، معيداً مبدياً لما في سواه من النكت والعيون، تخرج به الأئمة، وملكهم ما أرادوا من المقادات والأزمه، ونالته محنة من كراي نائب الشام، وانتجع لها بارق الصبر وشام، وعلى يده ظهر غش الباجربقي، وبهرجة نقده، ولولاه لدام مدة وبقي.
ولم يزل على حاله أن أصبح مظهره في القبر ضميرا، وسكن المجد في الأرض حفيرا.
стр. 729
وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت سادس عشري ذي القعدة سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة ست وخمسين وست مئة بتونس.
أقام بالقاهرة مدةً ودخل دمشق في ولاية قاضي القضاة عز الدين في الولاية الثانية، وحضر عند زين الدين الزواوي، ورتب صوفياً بالخانقاه الشهابية، وجلس للإقراء، ثم سكن العقيبة، وناب في الإمامة بجامعها ثم اشتهر أمره وشاعت فضائله، وحضر الدروس، وولي مشيخة الإقراء بالتربة الصالحية والتربة الأشرفيه، وولي تدريس النحو بالناصرية ودرس بالأصبهانيه، وصار شيخ البلد في الإقراء والعربيه، مع المشاركة في الفقه والأصول وغير ذلك.
حدثني غير واحد ممن أثق به أن الناس سألوا الشيخ شمس الدين الأيكي عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وعن الشيخ صدر الدين بن الوكيل أيهما أذكى؟ فقال: ابن الزملكاني، ولكن هنا شاب مغربي هو أذكى منهما يعني به الشيخ مجد الدين. وامتحن على يد الأمير سيف الدين كراي فضربه بباب القصر ضرباً كثيراً لما ألقى المصحف - على ما سيأتي في ترجمة كراي - ولما سب الأمير الخطيب جلال الدين، قال له الشيخ مجد الدين: اسكت اسكت، وقوى نفسه ونفسه عليه فرماه وقتله، وكان في وقت قد انفعل للشهاب الباجربقي ودخل عليه أمره، ثم إنه أناب وأفاق وجاء إلى القاضي المالكي واعترف وجدد إسلامه - على ما سيأتي في ترجمة الباجربقي.
وكانت طريقته مرضية، وعنده دين وصلاح، وفيه مودة ومحبة للخلوة والانقطاع، وتلا عليه شيخنا الذهبي بالسبع، وانتقى له جزءاً من مشيخة ابن البخاري وحدث به. ومن الناس من يقول فيه: محمد بن قاسم، وشيخانا البرزالي والذهبي قالا فيه: أبو بكر بن محمد، والله أعلم.
стр. 730
أبو بكر بن إبراهيم بن حيدرة
ابن علي بن عقيل: الإمام العالم الفاضل جمال الدين القرشي المعروف بابن القماح.
اشتغل بالفقه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وعرض التنبيه عليه، ثم اشتغل على السديد الترمنتني وغيره، وقرأ الفرائض. وجاور بمكة سنةً، وولي عدة ولايات من جهة الكتابة بالقاهرة وأعمالها، وقدم في المحرم دمشق متوجهاً إلى حلب متولياً وكالة بيت المال.
وقرأ عليه الشيخ علم الدين البرزالي الأربعين الصغرى للبيهقي بسماعه من الشيخ شمس الدين أبي الفضل المرسي عن أبي روح، وهو عم القاضي شمس الدين محمد بن أحمد بن القماح نائب الحكم بالقاهرة، ثم إنه عاد إلى القاهرة، وتوفي بها إلى رحمة الله تعالى في ذي الحجة سنة ثماني عشرة وسبع مئة، ودفن بالقرافة الصغرى.
ومولده في شهر ربيع الآخرة سنة سبع وثلاثين وست مئة.
أبو بكر بن عبد الله
ابن عبد الله: الشيخ الإمام الفاضل سيف الدين الحريري الشافعي.
توفي رحمه الله تعالى في أواخر شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
وتولى تدريس الظاهرية الجوانية الشيخ جمال الدين محمود بن جمله.
стр. 731
أبو بكر الأمير سيف الدين البابيري
بالباء الموحدة وبعدها ألف وبعدها ياء أخرى وياء آخر الحروف ساكنة وراء.
كان كردي الأصل، شيخاً قديم الهجرة تنقل في الولايات والمباشرات بحلب وطرابلس ودمشق، وكان قد طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، وولاه كاشفاً بالشرقية، فلم تطب له الديار المصرية، فتشفع بالأمير سيف الدين تنكز، فطلبه إلى دمشق وولاه الصفقة القبلية، وأمسك تنكز وهو بها.
ثم إنه انتقل إلى حلب ثم إلى دمشق، وولي شد الدواوين بدمشق مرات، وولي نيابة جعبر مرات، وآخر إمرة وليها لما كان الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز. بحلب في واقعة بيبغاروس، فتوجه إليها في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وأقام بها إلى أن جاء الخبر في شوال سنة ست وخمسين وسبع مئة بوفاته رحمه الله تعالى.
وكان خبيراً درباً مثقفاً فيه ود وأنس، وعلى ذهنه تواريخ ووقائع وشعر وكان قد عدى السبعين.
أبو بكر بن عباس
القاضي جمال الدين الخابوري، كان قاضي بعلبك.
توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
أبو بكر بن محمد بن عنتر السلمي
أجازه سبط السلفي، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة بدمشق.
стр. 732
أبو بكر بن محمد بن عبد الغني
الشيخ نجم الدين. أجاز لي بالقاهرة سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم عيد الفطر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
أبو بكر بن علي بن محمد الكلوتاتي
سمع من ابن النحاس والنجيب، وأجاز لي بمصر بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
أبو بكر بن نصر
القاضي زين الدين الإسعردي المحتسب بالديار المصرية، ووكيل بيت المال.
توفي ﵀ في سادس عشر شهر رمضان سنة عشرين وسبع مئة، ودفن بالقرافة، وصلى عليه قاضي القضارة بدر الدين بن جماعة.
وولي مكانه في الحسبة قريبه القاضي نجم الدين محمد بن حسين بن علي الإسعردي كاتب الحكم بالقاهرة، وفي الوكالة القاضي قطب الدين محمد بن عبد الصمد السنباطي.
أبو بكر بن يوسف بن شاذي
يأتي تمام ترجمة نسبه في ترجمة والده في حرف الياء إن شاء الله تعالى.
стр. 733
الأمير أسد الدين ابن الأمير صلاح الدين ابن الملك الأوحد: أحد أمراء الطبلخاناه بصفد المضافين إلى دمشق.
كان شاباً حسناً عاقلاً ساكناً، فيه حشمةً وأدب. توجه أمير الركب سنة خمس وخمسين، وسبع مئة فلطف الله به وبالركب، وكنت أنا معهم في تلك السنة، فما رأينا إلا الخير في الذهاب والإياب. لم نجد في الطريق ولا في المدينة، ولا في مكة، من شوش على الركب بشيء مما يحكيه الحجاج من المتحرمة والنهابة.
ولم يزل الأمير أسد الدين بدمشق إلى أن ورد المرسوم بتوجه كل من له إقطاع في صفد إلى صفد والإقامة بها، فتوجه إليها مع من توجه، وأقام بها مدة فضاق عطنه وشاقه وطنه، فضعف هناك وورد إلى دمشق فأقام يومين أو ثلاثة.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شهر رمضان المعظم سنة سبع وخمسين وسبعمئة.
وسيأتي ذكر أخي أمير علي وذكر والدهما في مكانيهما ﵏ أجمعين.
أبو بكر بن سليمان بن أحمد
أمير المؤمنين المعتضد ابن أمير المؤمنين المستكفي ابن أمير المؤمنين الحاكم العباسي، أبو الفتح.
كان شكلاً مليحاً تاماً، أسمر ذا لحية سوداء، صبيح الوجه، عليه خفر ومهابة، تقدم نسبه كاملاً في ترجمة أخيه أمير المؤمنين الحاكم بالله بن سليمان في الأحمدين.
قدم إلى دمشق في سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة صحبة الملك الصالح صالح في
стр. 734
واقعة بيبغاروس، ثم إنه قدمها ثانياً في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر صحبة الملك المنصور صلاح الدين محمد بن حاجي، وعاد إلى مصر صحبة السلطان.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي في غالب الظن في جمادى الأولى أو الأخرى سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
وتولى الأمر بعده أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن المتوكل على الله.
اللقب والنسب
الأبوبكري الأمير سيف الدين بكتمر
ابنه الأمير علاء الدين علي.
أخوه الأمير شهاب الدين أحمد.
البكري نور الدين علي بن يعقوب.
بكلمش
بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وفتح اللام وكسر الميم وبعدها شين معجمة: الأمير سيف الدين أمير شكار الناصري.
كان الملك الناصر حسن قد جعله أمير شكار، ولما كان في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة أخرجه من مصر إلى طرابلس نائباً عوضاً عن الأمير بدر الدين مسعود بن الخطير، ووصل بكلمش إلى دمشق في يوم الجمعة ثالث عشري شهر رمضان المعظم،
стр. 735
وتوجه إلى طرابلس، ولم ير أهل طرابلس منه شيئاً من الخير، سوى أنه كان يجيد اللعب بالطير.
وكان حسن الشباب، وضيء الإهاب، بسط جوره على أهل طرابلس وظلمه، وأعاد أيامهم كأنها ليالي ظلمه، وربما تعرض إلى الحريم، ونزل بروضة فأصبحت كالصريم، ورحل منها جماعة لم يصبروا على هذا المضض، ولا صبروا على هذا المرض، ولم يزل بها وهو يطلب حريمه من القاهرة فما يجاب، ولا يرد جوابه على يد بريدي ولا نجاب.
وتوجه إلى صفد في واقعة أحمد الساقي وحصره في القلعة - على ما تقدم في ترجمة أحمد - وعاد إلى طرابلس، ولم يزل بها إلى أن خرج مع بيبغاروس وأحمد، ووصلوا إلى دمشق في نهار الأربعاء خامس عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وأقاموا بها أربعةً وعشرين يوماً على ما تقدم في ترجمة أحمد، وعاث الأمير سيف الدين بكلمش في مرج دمشق وأفسد، ولما هرب بيبغاروس، وعاد إلى حلب عاد بكلمش معه ودخلوا الأبلستين إلى عند ابن دلغادر، وأقاموا عنده، ثم إن أحمد وبكلمش حضرا إلى نواحي مرعش وناوشهما أهل القلاع القتال، ثم لحق بهما ابن دلغادر، ولم يزالا عنده إلى أن أمسكهما ابن دلغادر وجهزهما إلى حلب، فاعتقلهما نائبها الأمير سيف الدين أرغون الكاملي وطالع السلطان الملك الصالح صالحاً بأمرهما، فعاد الجواب على يد الأمير سيف الدين طيدمر أخي الأمير سيف الدين طاز بأن يجهز رأسيهما إلى مصر فحز رأساهما، وجهزا مع المذكور في العشر الأوسط من المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة، فسبحان الدائم الباقي.
стр. 736
بلاط الأمير سيف الدين
كان معروفاً بالدين، موصوفاً بالعقل المتين، حسن الود لأصحابه، أفاق
الدهر من سكرته وصحا به، كان مقدماً عند المظفر، ذا جانب على التقديم موفر، إلا أنه لحسن نيته، وسلامة طويته، سلمه الله من الناصر فما آذاه، ولاحظه السعد وحاذاه.
ولم يزل إلى أن جعل اسمه فوقه، ونزل به من الموت ما أعجز صبره وطوقه.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس في شعبان سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وكان قد أخرج من مصر إلى دمشق فأقام بها قليلاً، ثم نقل إلى طرابلس وبها مات رحمه الله تعالى.
بلاط قبجق
الأمير سيف الدين أحد أمراء الطبلخانات.
حضر إلى دمشق في أوائل خمسين وسبع مئة، وأقام بها أميراً إلى أن توفي رحمه الله تعالى في العشر الأوسط من ذي الحجة سنة ست وخمسين وسبع مئة.
بلاط قيى
بكسر القاف، وبعدها ياء وآخر الحروف، وألف مقصورة: الأمير سيف الدين.
توجه من القاهرة إلى نيابة بهسنى، وأقام بها مدة، ثم حضر إلى دمشق وأقام بها أميراً، إلى أن توفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، كان يلعب الشطرنج بعد العشاء الآخرة وأصبح ميتاً من غير علة.
стр. 737
بلال الطواشي
الأمير حسام الدين أبو المناقب المغيثي الحبشي الجمدار الصالحي.
كان لالا الملك الصالح علي بن المنصور قلاوون، ثم إن العادل كتبغا جعله يتحدث في أمر السلطان الملك الناصر محمد، وهو كبير الخدام المقيمين بالحرم النبوي.
حدث بمصر ودمشق، وقرأ عليه الشيخ شمس الدين عدة أجزاء يرويها عن ابن رواج.
كان حالك السواد، تام الشكل، يهيم من المعروف في كل واد، له بر وصدقات، وبذل في الخير ونفقات، وله أموال عظيمة، وغلمان على أوامره ونواهيه مقيمه، وله في الدول الحرمة الوافرة والوجاهة السافرة.
حضر المصاف ورد، فأدركه أجله في سنة تسع وتسعين وست مئة فحمل إلى قطيا.
بلبان
الأمير سيف الدين المنصوري، ملك الأمراء الطباخي، نائب حلب.
كان أميراً جليلا، وللشجاعة خليلا، أبلى في نوبة غازان بلاءً حسناً وروع
стр. 738
التتار، ورقص الخطية من غناء سيوفه، ومن روس المغل النثار، لأنه كان ذا بأس ونجده، وشهامة للقاء الأبطال مستعده، خيوله مسومه، وسهامه إلى نحور الأعداء مقومه، ولولا وجوده ذهب عسكر الإسلام في تلك المرة المره، وجرى الأمر على خلاف القاعدة المستمره، لكنه التقى ذلك البحر الزخار بصدره، وخاض في ذلك العسكر الجرار بنحره، فصرع الفرسان، وجد لهم فجدلهم، وبسط لهم بساط الحتف وبدلهم، وكان كثير الحشم، وافر المماليك والخدم، تولى نيابة طرابلس، وحصن الأكراد وحلب، وأقدم الخيرات بعدله إليها وجلب.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل به الأمر الذي لا يدفع، والحتف الذي لا يرفع.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شهر ربيع الأول بالساحل سنة سبع مئة.
وغالب مماليكه تأمروا في أيام الملك الناصر محمد، وكانوا كبار الدولة، منهم الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور المقدم ذكره نائب الشام وحلب، والأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير نائب حلب وطرابلس، والأمير سيف الدين منكوتمر الطباخي، وغيرهم.
بلبان
الأمير سيف الدين الجوكندار.
كان نائب القلعة بصفد في نوبة غازان، فلما كسر المسلمون، وهرب الأمراء جاء الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أو الأمير سيف الدين سلار على وادي التيم،
стр. 739
وحضروا إلى صفد، وطلبوا منه مركوبا ليحملهم عليه، فلم يعطهم شيئاً، فلما وصلوا إلى مصر عزلوه من نيابة قلعة صفد، وجهزوه أميراً إلى دمشق.
وكان ابنه الأمير علاء الدين قطليجا شاباً جميلاً حسن الوجه، فولاه الأفرم الحجوبية بالشام، ثم إنه في شهر ربيع الآخر سنة سبع مئة ولاه الأفرم شد الدواوين بدمشق، وفوض الأمر إليه، واشتغل بالشد، وانفرد الأفرم بقطليجا المذكور، لأنه كان طبجياً، وأقام على ذلك مدة.
ولما توفي الأمير علم الدين أرجواش نائب قلعة دمشق تولى هو نيابة القلعة في جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة، ثم إنه في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبع مئة توجه لنيابة حمص، وأعيد السنجري إلى قلعة دمشق، تولى نيابة حمص فورد إليها.
ولم يزل بها مقيماً إلى أن فاءت إليه الوفاة، وفغر الموت له فكه وفاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة، وكان مبخلا، ولصاحبه مبجلا، أحسن في شد دمشق إلى من عرفه، وما جاءه أحد من صفد إلا وصرفه في أشغال الديوان، وما صرفه، وله بصفد حمام مليح بعين الزيتون، كنت أعهده نادراً في تلك البقعة، وهو كان في تلك الأيام طراز هاتيك الرقعة.
بلبان
الأمير سيف الدين طرنا، بضم الطاء المهملة وسكون الراء وبعدها نون وألف.
стр. 740
كان أمير جاندار بالديار المصرية، فجهزه السلطان إلى صفد نائباً بعد الأمير سيف الدين بهادر آص، فحضر إليها ووقع بينه وبين الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام، فعزله السلطان، ورسم له بأن يتوجه إلى دمشق أميراً، فتوجه إليها بطلبه، فدخل إليه ليقبل يده ويسلم عليه، فأمسكه في حادي عشري القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة، وبقي في الاعتقال عشر سنين فما حولها، ثم إنه شفع فيه فأخرج من الاعتقال وأعطي إقطاع الأمير شرف الدين حسين، وجعل أمير مئة مقدم ألف، ثم إن تنكز أقبل عليه واختص به، وكان يشرب معه القمز.
ولم يزل على حاله إلى أن قالت عقبان المنية قد طرنا إلى طُرنا، وحمنا عليه وحومنا ودرنا.
وتوفي رحمه الله تعالى حادي عشري ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن في تربته جوار داره دار الأمير علاء الدين أيدغدي شقير تحت مئذنة فيروز.
وكان رحمه الله تعالى ضخماً أبيض، جسيماً كأن وجهه جمر أومض، ولما كان يدور مع الزفة حول الدهليز يوقع بالعصا، ويضرب ذلك الرمل والحصى، وإذا خرج أولئك الرهجية وعدلوا عن النغمة الجهرية التفت إليهم، ووقع بالعصا على الأرض، ومشى أمامهم ذات الطول والعرض، ولذلك كانت عليه في السماع طلاوة، ولضخامته إذا دار حلاوة.
بلبان
الأمير سيف الدين السناني.
أحد أمراء الدولة الناصرية، له دار في رأس الصليبة تحت قلعة الجبل عند جامع
следующие страницы →