Полный текст (3 514 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
بيبرس
الأمير ركن الدين الشرفي المنصوري المعروف بالمجنون.
توجه بالناس إلى الحج في سنة ست وسبع مئة، ولما أمسك الأمير سيف الدين كراي المنصوري نائب دمشق توجه بالأمير ركن الدين والأمير سيف الدين أغرلو العادلي إلى الكرك في شهر ربيعة الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشري شهر ربيعة الأول سنة خمس عشرة وسبع مئة.
وكان سكنه بالزلاقة داخل الباب الصغير، وكانت وفاته بحمص.
بيبرس
الأمير ركن الدين التلاوي، بكسر التاء ثالثة الحروف وبعدها لام ألف وواو بعدها ياء النسب.
كان أميراً لا مهابه، وشدة بأس تروع أعداءه وتروق صحابه، ولي شد دمشق بصرامة وحرمة أوقدت ضرامه، فخافه المباشرون وغيرهم، وطار من خوفه طيرهم.
ولم يزل على حاله إلى أن بردت أنفاسه، ونفضت من الحياة أحلاسه.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شهر رجب الفرد سنة ثلاث وسبع مئة.
وكان فيه ظلم وعسف، وفرح الناس بموته، وباشر السد بعده الأمير شرف الدين قيران عقيب وصوله من طرابلس.
стр. 772
بيبرس
الأمير ركن الدين الموفقي المنصوري، كان من عتقاء الملك الأشرف.
كان قد ولي النيابة بغزه، وجعل لها بإمرته فيها طرباً في عطفها وهزه، وكان كبير القدر معظما، ومعاليه ترى على جيد الزمان عقداً منظما، ثم عزل من غزة وأقام بدمشق إلى أن بانت حياته، وقطف ثم عمره جناته.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة أربع وسبع مئة، وحضر الأمراء جنازته وتولى غزة بعده أقجبا المنصوري.
بيبرس
الأمير ركن الدين العلائي.
كان من جملة أمراء دمشق، توجه منها يوم السبت سابع عشري شوال إلى غزة نائباً عوضاً عن الأمير سيف الدين أقجبا المنصوري، وذلك في سنة سبع وسبع مئة، فأقام بها إلى أن عزل منها في صفر سنة تسع وسبع مئة بالأمير سيف الدين بلبان البدري، فأقام بدمشق على إمرته مدةً، ثم وصل إليه تقليده بنيابة حمص في سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، فتوجه إليها وأقام بها إلى أن قبض السلطان عليه بحمص في بكرة الأحد تاسع شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
وورد إلى دمشق فأمسكه الأمير سيف الدين قجليس، وأمسك الأمير بدر الدين القرماني والأمير سيف الدين طوغان والأمير ركن الدين بيبرس المجنون،
стр. 773
والأمير علم الدين سنجر البرواني والأمير ركن الدين بيبرس التاجي والأمير سيف الدين كشلي، وتوجهوا بهم إلى الكرك، وكان قد باشر الحجوبية في سنة أربع وسبع مئة.
بيبرس
الأمير ركن الدين الجالق الصالحي المعروف بالعجمي.
كان أميراً كبيراً من الجمدارية في أيام الصالح، وأمره الظاهر، وكان كثير الأموال، ودفن بظاهر القدس.
وكان قد توفي رحمه الله تعالى بظاهر الرملة في نصف جمادى الأولى سنة سبع وسبع مئة.
بيبرس
الأمير ركن الدين الحاجب.
كان أولاً أمير آخور، فلما حضر السلطان من الكرك عزله بالأمير أيدغمش المذكور في حرف الهمزة، ثم إنه ولاه الحجبة، فكان حاجباً إلى أن جرد إلى اليمن هو وجماعة من العسكر المصري، فغاب مدة باليمن، ولما حضر نقم السلطان عليه أموراً نقلت عنه، فاعتقله في حادي عشر ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
стр. 774
وكان قبل تجريده إلى اليمن قد حضر إلى دمشق نائباً مدة غيبة الأمير سيف الدين تنكز بالحجاز، ولما حضر الأمير سيف الدين تنكز عاد إلى مصر قبل وروده بيوم أو يومين ولم يعلم أحد بخروجه، ثم إن السلطان أفرح عنه. وكان الإفراج عنه في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة من الإسكندرية، وجهزه إلى حلب أميراً، فبقي هناك مدة.
ولما توجه الأمير سيف الدين تنكز إلى مصر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة طلبه من السلطان، فرسم له بالحضور إلى دمشق، فحضر إليها ونزل بدار أيدغدي شقير وملكها، ولم يزل بدمشق مقيماً إلى أن توجه الفخري هو وطشتمر إلى مصر، فأقره على نيابة الغيبة بدمشق هو والأمير سيف الدين اللمش الحاجب، وكان الملك الناصر أحمد يكتب إليه وكان قد أسن، وحصل له في وجهه ماشرى، فما علم بعدها ما باع من الحياة ولا ماشرى.
وتوفي بعدها بجمعة في شهر رجب الفرد سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وله دار مليحة بالقاهرة داخل باب الزهومة في رأس حارة زويلة مشهورة، وهو والد الأمير علاء الدين أمير على الحاجب الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
بيبرس
الأمير ركن الدين الدوادار المنصوري الخطائي.
كان رأس الميسرة، وكبير الدولة. عمل نيابة السلطنة، ثم إنه سجن مدة، وأفرج عنه وأعيد إلى منزلته.
стр. 775
وكان فاضلاً في أبناء جنسه، عاقلاً لا يستشير في أمره غير نفسه، وافر الهيبة، واضح الشيبة له منزلته مكنية عند السلطان، ومحلة لا يشركه فيها غيره في النزوح والاستيطان، يقوم له إذا أقبل، ويقول له: اجلس فإنك أكبر من هؤلاء وأنبل.
ولم يزل على حاله إلى أن أمسكه الحين فما أفلته، وسل عليه حسامه وأصلته.
ومات وهو في عشر الثمانين بمصر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
وعمل تاريخاً كبيراً بإعانة كاتبه ابن كبر النصراني وغيره، خمسةً وعشرين مجلداً.
وتولى نيابة مصر في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة بعد بكتمر الجوكندار، ودفن بمدرسته التي أنشأها تحت قلعة الجبل، وحضر جنازته نائب السلطان والأمراء وأعتق مماليكه وجواريه، وفرق خيله.
وكان يجلس رأس الميسرة وكان قد أمسك هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، والأمير سيف الدين سنقر الكمالي، وحبسوا في برج بالقلعة ومعهم خمسة أمراء غيرهم.
بيبرس
الأمير ركن الدين حاجب صفد، كان منسوباً إلى سلار.
أخرجه السلطان الملك الناصر محمد إلى صفد بعد سنة سبع وعشرين وسبع مئة،
стр. 776
فأقام بها أميراً إلى أن توفي حاجبها الأمي علاء الدين أقطوان الكمالي، فرسم له بالحجبة مكانة.
ولما رسم السلطان الملك الناصر للأمير بهاء الدين أصلم بنيابة صفد رسم لبيبرس أن يكون في دمشق أميراً حتى لا يجتمعا، لأن أصلم كان سلاريا.
ثم إنه بعد موت الناصر محمد طلب العود إلى صفد، وعاد إليها حاجباً، وكان عاقلاً خبيرا، يصلح أن يكون مدبراً ومشيرا، عديم الشر وادعا، قائلاً بالحق صادعا، له نعمة وسعاده، وفيه الحسنى وزياده.
ولم يزل بصفد إلى أن هيل عليه ترابه، وفقده ذووه وأصحابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر رجب الفرد سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
بيبرس
الأمير ركن الدين الأحمدي أمير جاندار.
كان من أعيان الدولة في أيام السلطان الملك الناصر، وهو أمير جاندار مقدم ألف، وكان أحد الأبطال، يعجز من مقاومته أبو محمد البطال عنده قوة نفس وعزم، وسوء ظن بالدهر وحزم، قد حلب الدهل أشطره، وقرأ من ريبه أسطره، مع ما فيه من محبة الفقراء، وإيثار الصلحاء.
وعنده من مماليكه رجال يملأ بهم في الحروب سجال، ويقدمون على الأسود في غابها ويجيلون بين نفوس الأعادي وبين رغابها، قد كثر منهم العدد، وقواهم بالخيل
стр. 777
والسلاح والعدد، فإذا ركبوا زلزلوا الأرض، وجابوا طول البسيطة والعرض، لو صد بهم جبلاً صدعه أو رد بهم على سيل حافر كفه عن شأوه وردعه، لا جرم أنه بهم نجا، ووجد له من ضيق الناصر أحمد مخرجا.
وهو أحد من يشار إليه في الحل والعقد، بعد الملك الناصر محمد، وهو الذي قوى عزم قوصون على إقامة المنصور أبي بكر، وخالف بشتاك، وقال: هذا الذي ولاه أستاذكم وهو أبوه، وما اختار الذي تختاره أنت، وأبوهما أخبر بهما.
ولما نسب إلى المنصور ما نسب من اللهو واللعب، واستعمال الشراب حضر إلى باب القصر وبيده دمرتاش، وقال: أيش هذا اللعب؟ فانفل الجماعة الذين كانوا عند السلطان أبي بكر.
ولما توفي الناصر محمد فرغ عن الوظيفة وولى مكانه أروم بغا، ثم إن الناصر أحمد لما جلس على كرسي الملك ولاه نيابة صفد، فخرج إليها وأقام بها مديدة، ولما انهزم الفخري من رمل مصر، ووصل إلى جينين قاصداً الأحمدي هذا، وأشار مماليكه عليه بذلك، ونزل هو من صفد، ولو اجتمعا ما نال أحمد منهما غرضاً، ثم إن الفخري قال: لا، هذا أيدغمش على عين جالوت هنا وهو أقرب، فجاء إليه فأمسكه، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة الفخري، ثم إن الناصر أحمد حقد على الأحمدي ذلك وهم بإمساكه، فأحسن بذلك، فخرج من صفد هو ومماليكه ملبسين عدة السلاح، واتبعهم عسكر صفد فخرج منهم واحد وقتل ركن الدين عمر البتخاصي الحاجب الصغير.
ثم إن الأحمدي قصد دمشق وليس لها يومئذ نائب، فخرج الأمراء ليلاً لإمساكه فقال: أنا قد جئت إليكم غير محارب، فإن جاء أمر السلطان بإمسكاي أمسكوني وأنا
стр. 778
ضيف عندكم، فأخرجوا له الإقامة، تلك الليلة، وأصبح والأمراء معه، وجاء البريد من الكرك بإمساكه فكتب الأمراء إلى السلطان يسألونه فيه وأن هذا مملوكك ومملوك والدك، وهو ركن من أركان الدولة، وماله ذنب، واليوم يعيش وغداً يموت، ونسأل صدقات السلطان العفو عنه، وأن يكون أميراً بدمشق. فرد الجواب بإمساكه، فردوا الجواب بالسؤال فيه، فأبى ذلك وقال: أمسكوه وانهبوه، وخذوا أمواله لكم وابعثوا إلي برأسه، فأبوا ذلك، وخلعوا طاعته وشقوا العصا عليه.
وبعد أيام قليلة ورد الأمير سيف الدين طقتمر الصلاحي من مصر مخبراً بأن المصريين خلعوا أحمد وولوا الملك الصالح إسماعيل.
وبقي الأحمدي مقيماً بقصر تنكز بالمزة إلى أن ورد المرسوم له بنيابة طرابلس، فتوجه إليها، وأقام بها قريباً من شهرين، ثم طلب إلى مصر، فتوجه إليها وحضر عوضه الأمير سيف الدين أروم بغا نائباً، ثم إن الأحمدي جهز إلى الكرك يحاصر الناصر أحمد فحصره مدة، وبالغ، فلم ينل منه غرضاً، وتوجه إلى مصر، وأقام بها إلى أن أتاه الأمر الذي لا يرده بواب، ولا يحول دونه حجاب.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة ست وأربعين وسبع مئة، ومات وهو في عشر الثمانين.
ولما كان في تلك المدة مقيماً بدمشق جاء حريم طشتمر من الكرك بعد ما نهبن بالكرك وسلبن موجودهن، فدفع الأحمدي إليهن مبلغ خمسة آلاف درهم.
بيبرس
الأمير الصالح الخير ركن الدين أبو أحمد بن عبد الله التركي القيمري ثم الظاهري السلاح دار.
стр. 779
روى عن ابن المقير، والمكرم بن عثمان، وغيرهما. ولما كان بمصر لازم الشيخ شرف الدين الدمياطي، واستنسخ بعض مصنفاته وسمع الغيلانيات على غازي الحلاوي، وحصل بها نسخة. وكان يحفظ كثيراً من الأحاديث والآثار والأدعية المأثورة.
وحدث بالقاهرة وبدمشق والحجاز.
قرأ عليه الشيخ علم الدين البرزالي بعرفة الأربعين لابن المقير، ثم إنه ورد دمشق، ثم إنه حبس وقطع خبره، ثم أفرج عنه وانقطع في بيته، وأقبل على شانه، وعمل على ما يرجح كفة ميزانه، وأقام على ذلك مدة سنين لا يجتمع بالدولة، ولا بأحد من أرباب الصولة، ولا يتردد إلى أحمد من نواب السلطنة، ولا يدانيه ولا يتوجه إليه ولا يراه ولا يرائيه، إلى أن أتاه الأمر الذي يرد فلا يرد، ويصد فلا يصد.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع وسبع مئة.
بيبرس
الأمير ركن الدين الفارقاني نائب قلعة دمشق.
كان شيخاً طويلا، قديم الهجرة جليلا، فيه خير وديانه، وبر وصيانه، أحسن نيابة القلعه، وخبر ما وجد فيها من سلعه، ولم يزل بها على حاله إلى أن أنزله الموت من حصنه، وما أمكنه الفرار ولو علا على ظهور حصنه.
ووفاته في العشر الأوسط من جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ولما كان بالديار المصرية جهزه السلطان إلى القاضي كريم الدين الكبير، فتولى
стр. 780
ما أمره به، وكان يحكى عنه ما عامله به من المكارم وكيف تلقى ذلك برضىً وتسليم لأمر الله تعالى.
بيبغا
الأمير سيف الدين الأشرفي.
كان في وقت نائب الكرك فيما بعد العشرين وسبع مئة فيما أظن، ثم إنه عزل منها، وحضر إلى دمشق وجهز إلى قلعة صرخد، فيما أظن أيضاً، وكان قد أضر بأخرة فعدم قمريه المنيرين، وفقد نقديه البصيرين.
ولم يزل على حاله إلى أن دعاه باريه فلباه، وقال نادبه. وارباه.
ووفاته رحمه الله تعالى في ...
بيبغا
الأمير سيف الدين مملوك الملك المؤيد صاحب حماه رحمه الله تعالى.
كان من جملة أمراء الطبلخاناه بحماة.
ولم يزل بها على إمرته، وصحبة من ارتضاه وعشرته، إلى أن فقده ودوده وعاث في لحمه حشرات الأرض ودوده.
ووفاته رحمه الله تعالى سنة ست وأربعين وسبع مئة.
стр. 781
بيبغاروس
الأمير سيف الدين نائب السلطنة بالديار المصرية.
أول ما ظهر وشاع ذكره في الأيام الصالحية إسماعيل، وهو الذي جاء في أول دولة الكامل يطلب طقزتمر نائب الشام إلى مصر، ثم لما قتل المظفر حاجبي ظهر واشتهر، وباشر النيابة بمصر على أحسن ما يكون وأجمل ما باشره غيره لأنه أحسن إلى الناس وبسط لهم إلإيناس، ولم يظلم أحداً ولم يتخذ على من تهتك رصدا، وكان إذا مات أحد أعطى ولده إقطاعه، وكل من طلب منه شيئاً قال: سمعاً وطاعه، فأحبه الناس ودعوا، وحفظوا عهده ورعوا، ومشوا في ركابه وسعوا، وتباركوا بطلعته، وتقرب كل أحد إليه بنفاق سلعته، وكان الطاعون في أيامه، وذلك الوباء داخلاً في أقسامه، فيقال: إنه كفن مئة ألف أو يزيدون، وأعطى الإقطاعات للأولاد، أراد الأمراء ذلك أو لا يريدون.
قيل: إنه جاءت إليه امرأة وقالت: مات زوجي وليس له إلا إقطاعه وترك لي هاتين الابنتين، فرق لها، فقال لناظر الجيش: اكشف عبرته. فقال: خمسة عشر ألف، فقال: من يعطي في هذا عشرين ألف درهم فقال واحد: أنا أعطي اثني عشر ألف درهم فقال: هاتها، فوزنها، فقال للمرأة: خذي هذه الدراهم وجهزي بنتيك، وأعطى الإقطاع لذلك الذي سلم الدراهم.
وكان في النيابة فيه خير كثير، وإحسان إلى الناس غزير إلا أنه كان يعكف على حسو السلافه، ويرى أنه بتعاطي كؤوسها قد نال الخلافه، ماله رغبة في غير اجتلاء
стр. 782
شوسها وتناول كؤوسها، واجتلاء أنوارها من يدي سقاتها الأقمار وتذهيب أشعتها لما عليهم من الأطمار، لا يقابل من قابله بها برده، فهي تغرب في فمه وتطلع في خده، ومع ذلك فما يخل بالجلوس في الخدمة أوقات الخدم، وثبات مالها في الدول المعروفة من قدم القدم.
وكان قد ولى أخاه الأمير سيف الدين منجك الوزارة، فاختلف في أمره فيما بين الخاصكية، فأرضاهم بعزله أياماً قلائل، ثم إنه أخرج أمير أحمد الساقي إلى صفد نائباً، ثم أخرج بعده الأمير سيف الدين الجيبغا إلى دمشق، ثم أخرج حسام الدين لاجين العلائي زوج أم المظفر إلى حماه، وأقام على حاله إلى أن عزم على الحج، فقال له أخوه منجك: لا تحج، والله يتم لنا ما تم للفخري وطشتمر، فلم يسمع منه، وتوجه إلى الحجاز في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، ومعه فاضل ومامور، وحج معه الأمير سيف الدين طاز، والأمير سيف الدين بزلار وغيرهم من الأمراء، فأمسك بعد توجهه الأمير سيف الدين منجك بأيام قلائل، وقبض عليه الأمير سيف الدين طاز في الينبع في سادس عشري القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. فقال لطاز: أنا ميت لا محاله، فبالله دعني أحج، فقيده وأخذه معه وحج وطاف وسعى، وهو مقيد على إكديش، ولم يسمع بمثل ذلك، ولما عاد من الحجاز تلقاه الأمير سيف الدين طينال الجاشنكير، وأخذه وحضر به إلى الكرك، وسلمه إلى نائبها، وتوجهوا بأخيه فاضل إلى القاهرة مقيداً، فدخلها، أعني النائب بيبغا إلى الكرك في سابع المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة. وقلت أنا فيه رحمة له:
تعجّب لصرف الدّهر في أمر بيبغا ... ولا عجبٌ فالشمس في الأفق تكسف
لقد ساس أمر الملك خير سياسةٍ ... ولم يك في بذل الندى يتوقّف
وأمسك في درب الحجاز ولم يكن ... له عن رضى السلطان في ذاك مصرف
стр. 783
وسلّم للأقدار طوعاً وما عتا ... ولو شاء خلّى السيف بالدم يرعف
وسار إلى البيت العتيق مقيّداً ... وريح الصبا تعتلّ والورق تهتف
فيا عجباً ما كان في الدهر مثله ... يطوف ويسعى وهو في القيد يرسف
وعاجوا به من بعد للكرك التي ... على ملكها في نفس الملوك تأسّف
وأودع في حصن بها شامخ الذرّى ... تراه بأقراط النجوم يشنّف
سيؤويه من آوى المسيح ابن مريم ... وينجو كما نجّي من الجبّ يوسف
ولم يزل في الكرك معتقلاً إلى أن ولي الملك السلطان الملك الصالح صالح، فأفرج عنه وعن الأمير سيف الدين شيخو وبقية الأمراء المعتقلين بالإسكندرية، ووصل إلى القاهرة، فوصله وأنعم عليه وخلع عليه، ورسم له بنيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين أرغون الكاملي.
فوصل إلى دمشق نهار السبت ثالث عشري شعبان سنة اثنين وخمسين وسبع مئة ومعه الأمير عز الدين طقطاي ليقره في النيابة ويعود، ولما وصل إلى غزة عمل له الأمير سيف الدين بيبغاتتر النائب بغزة سماطاً فأكله، ولما فرغ منه أمسكه وجهزه مقيداً إلى الكرك، وتوجه هو إلى حلب وباشر النيابة، ومن حين دخلها تغيرت نيته وفسدت على الأمير طاز وعلى الدولة، ووسوس له الشيطان، نعوذ بالله منه، وحسن له كل قبيح، وسول له كل فساد بعد ذلك الخير والصلاح، واتفق مع أحمد الساقي نائب حماة، ومع بكلمش نائب طرابلس على الركوب والحضور إلى دمشق، فإن وافقهم أرغون الكاملي نائبها على ما يريدون وإلا ضربوا معه مضافاً، وأخذوا عسكر الشام وتوجهوا به إلى مصر، واتفق معه الأمير زين الدين قراجا بن دلغادر نائب الإبلستين
стр. 784
على ذلك. وترددت الرسل بينهم، وجعلوا يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى، إلى أن بلغ الأمير سيف الدين أرغون الكاملي قوة عزمهم على الحضور إلى دمشق، فخلف عسكر الشام للسلطان الملك الصالح، وتوجه بالعسكر إلى لد، وأقام عليها، ودخل بيبغاروس وأحمد وبكلمش بعساكر حلب وحماة وطرابلس وتركمان بن دلغادر إلى دمشق نهار الاثنين ثالث عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة مطلبين، ولاقاهم الأمير علاء الدين ألطنبغا برناق نائب صفد، على ما تقدم في ترجمته، ونزل بيبغا على قبة يلبغا ظاهر دمشق، وأقام عنده أحمد يومين ثلاثة، ثم إنه توجه بألف فارس وأقام على المزيريب، وتسيب تركمان بن دلغادر وغيرهم من المفسدين على بلاد حوران وبلاد البقاع وبعلبك والمرج والغوطة يعبثون ويفسدون وينهبون الأموال والغلال والدواب ويستحلون الفروج، ويرتكبون المحارم مدة أربعة وعشرين يوماً، إلى أن بلغهم وصول الأمير سيف الدين طاز إلى لد في خمسة آلاف فارس من العسكر المصري، وتحققوا أن السلطان الملك الصالح عقيب ذلك يصل، فتفللت العزائم وهرب دلغادر، وتوجه إلى بلاده على وادي التيم، فقدم بيبغاروس إلى المزيريب، واجتمع بأحمد الساقي وبات عنده ليلةً، ثم إنهم انهزموا إلى بلاد حلب، وأرادوا الدخول إلى حلب فمنعوا، وأمسك أهل حلب منهم جماعةً، على ما تقدم في ترجمة الطنبغا برناق، وقتل حينئذ الأمير فاضل أخو بيبغاروس، وكان من الفرسان، ووصل الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، والأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز بعساكرهم إلى دمشق في خامس عشري شعبان، ووصل السلطان يوم الخميس مستهل شهر رمضان، وجهز الأمير أرغون الكاملي والأمير شيخو والأمير طاز وعساكر الشام إلى حلب خلف بيبغا، فوصلوا إلى حلب، وأقاموا بها وببيغا وجماعته مفرقون في بلاد مرعش وما حولها، وأقام بيبغا في الأبلستين، وضرب أحمد وبكلمش مع عساكر الحصون رأساً، ووقعت الأمطار والثلوج وعاد الأمير شيخو والأمير طاز وعسكر الشام بعدما تقرر الأمير سيف الدين الكاملي بحلب نائباً على عادته، فوصلوا إلى دمشق في تاسع عشري شهر رمضان.
стр. 785
ثم إن السلطان الملك الصالح توجه بالعساكر المصرية بعد ما صلى الجمعة في الجامع الأموي، وخرج منها سائراً إلى مصر في سابع شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، ولما طال الأمر على ابن دلغادر أمسك أحمد وبكلمش وقيدهما وجهزهما إلى حلب فاعتقلا بالقلعة، وكان من أمرهما ما ذكرته في ترجمة أحمد الساقي، ثم إن الأمير عز الدين طقطاي قعد في حلب ينتظر رسل بيبغاروس، وكان ابن دلغادر قد جهز إمساكه في الأبلستين، فوصل بيبغا مقيداً إلى حلب ثالث عشر شهر الله المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وخرج طقطاي الدوادار وجماعة من العسكر وتلقوه، فلما رأى الأمير عز الدين طقطاي بكى وقال: والله أنا أعرف ذنبي، والذي أشار علي بذلك فقد لقاه الله فعله، والله ما كان ذلك برضاي، وأنا فقد وقعت في فعلي. وسير إلى الأمير سيف الدين أرغون الكاملي يطلب منه لحم ثم مشوياً ومأمونية، فجهز ذلك إليه وأطلعوه بالقلعة، ثم إنهم حزو راسه، بعدما قطع الوتر أمراسه، وتوجه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار برأسه إلى الديار المصرية. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن الشيطان الرجيم.
وقلت أنا في ذلك:
لا تعجبوا من حلب إن غدا ... أرغون فيها جبلاً راسي
من أجل هذا لم تطر فرحةً ... وبيبغاروس بلا راس
وكتب إلي المولى القاضي شرف الدين حسين بن ريان كتاباً نظماً ونثراً، فأما نظمه فأذكره، وهو:
بنيل الأماني هلّ شهر المحرم ... وحلت به البلوى على كل مجرم
أتوا فيه بالأعداء أسرى أذلّةً ... إلى حلب الشهباء يا خير مقدم
فبكلمشٍ وافوابه وبأحمد ... ومن بيبغا قد أدركوا كل مغنم
стр. 786
ومن رام ظلم الناس يقتل بسيفه ... ولو نال أسباب السماء بسلّم
مضوا وقضوا لا خفّف الله عنهم ... إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
ففي رمضان كان يوم انكسارهم ... وآخره في عشر شهر المحرّم
فأكرم به شهراً كريماً مباركاً ... حراماً أتى من بعد شهر محرّم
بدأنا به العام الجديد فأسفرت ... لياليه عن شهرٍ شريفٍ معظّم
به يوم عاشوراء يومٌ مبارك ... أتت فيه أخبارٌ البخاري ومسلم
تعيّن شكر الله فيه على الذي ... سعى بيبغا فيه على كل مسلم
أرانا هلالاً كالسّوار وحوله ... عقود نجومٍ كالجمان المنظّم
وحيث وجدنا النصر فيه على العدى ... تعيّن أن يبقى كأعظم موسم
فصنه عن الآثام فيه ولا تمل ... إلى اللهو في شهر المحرّم تسلم
وفي صفرٍ فاصرف من الصفر كلّما ... ملكت على صرف المدامة تغنم
مدام إذا لاح الحباب حسبتها ... بكاساتها شمسا تحفّ بأنجم
بدورٌ بها ساقٍ من الترك أهيفٌ ... يريك عقود الدرّ عند التبسّم
له طلعةٌ كالبدر يشرق نورها ... على قامةٍ مثل القضيب المنعّم
ويبدي هلالاً من ضياء جبينه ... ويخفيه في داجٍ من الشّعر مظلم
تترجم عيناه عن السّحر في الهوى ... فيعجز فكري حلّ ذاك المترجم
يسلّ على عشّاقه سيف لحظه ... ويرشقهم من ناظريه بأسهم
تقدّمت إذ أقدمت ليلة وصله ... على قبلةٍ والفضل للمتقّدم
فما ردّني عمّا أردت ونلت ما ... قصدت من التقبيل في ذلك الفم
وعانقت منه غصن بانٍ على نقاً ... ووسّدته في الليل زندي ومعصمي
وزاد سروري بعد ذلك إذ أتى ... إليّ جوابٌ عن كتابي المقدّم
стр. 787
بعثت به منّي إلى صاحب له ... فضائل شتّى أمرها غير مبهم
فأهدى جواباً عن كتابٍ رفلت في ... معانيه في ثوبٍ من الفخر معلم
به أتحلّى حليةً وحلاوة ... تحول بأفواه العدى طعم علقم
خليلي صديقي صاحبي ثقتي أخي ... إمامي وشيخي في العلوم معلّمي
تسيل دموعي عندماً لبعاده ... ولو زارني ما سال دمعي عن دمي
أودّ مقامي في دمشق لأجله ... وطرف زماني عن بلوغ المنى عم
فإن جاد لي دهري بقصدي حمدته ... وإن لم يجد يستغن عنه ويذمم
أينكر قصدي قرب خلّ صحبته ... قديماً إلى عليائه الفضل ينتمي
فلو قيل لي أهل التكرم من هم ... لقلت صلاح الدين أهل التكرم
إذا جال في فكري تذكّر أنسه ... بكيت على بعدي وزاد تندّمي
أعيش ومالي في دمشق كفايتي ... وغيري له في يومه ألف درهم
هو الحظّ والرزق الذي شمل الورى ... على مقتضى التقسيم لا بالتقدم
أرجّي اجتماع الشّمل بالشام فاجتهد ... وساعد على نقلي إلى الشام واسلم
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
بعثت بشعرٍ مثل برد مسهّمٍ ... وهيهات بل عقدٍ بدرّ منظّم
وإلا كأفق بالنجوم موشعٍ ... وإلاّ كوجهٍ بالجمال ملثّم
فكم همزةٍ فيه كمثل حمامة ... على ألفٍ فيه كغصن مقوّم
وكم فيه من عين كعين كحيلةٍ ... وكم فيه من ميم كدائرة الفم
وكم فيه من جيم كخالٍ مدبّج ... ونقطتها خالٌ يلوح لمغرم
أشاهد منه زهر روض ومنظراً ... أنيقاً لعين النّاظر المتوسمّ
فنفس كرباً كم تنفس عن لظى ... عذاب وداء في القلوب مخيمّ
وأجرى دموعي من جفوني ومن يرد ... مواطر من غير السحائب يظلم
стр. 788
وأذكرني عهد الشباب ولم أكن ... لأنسى ليالي عصره المتصرّم
نظام فتىً عار من الغار يرتدي ... بثوبٍ بفضل العلم والحلم معلم
مناي من الأيام رؤية وجهه ... وأحسن وجهٍ في الورى وجه منعم
وما كلّ هاوٍ للجميل بفاعلٍ ... ولا كلّ فعّال له بمتمّم
غدا شرفي منه على كلّ حالة ... ولكن إذا كاتبته كان مفحمي
إذا ساق نحوي العرف غير مكدّر ... أسّوق إليه الحمد غير مذمم
أيا شرف الدين الذي سار ذكره ... وما هو عنه بالحديث المرجّم
لقد سقت أخبار البغاة وبيبغا ... سياق بليغٍ لم يكن بمجمجم
وما كان هذا بيبغا قدر ما ابتغى ... ولو نال أسباب السماء بسلّم
لقد كان في أمن وعزّ ونعمة ... ولكنّه عن علم ما في غد عمي
فأضمر عدواناً وبغياً ولم يكن ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
وبات ونار الحقد تضرم صدره ... ولم يطفها غير الخميس العرمرم
وراح يناجي من وساوس قلبه ... ضعيف المساعي أو قليل التكرّم
وما ظنّ خيراً بالذي كان محسناً ... إليه ومن يفعل كذلك يندم
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم
وعادى محبّيه لقول عداته ... وأصبح في ليل من الشكّ مظلم
وجاء دمشقاً في عساكر كلّهم ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم
إلا إنّ هذا الأمر عقبى الذي جرى ... وآخره يفضي لنار جهنم
وقدم هو قبل قصيدته نثراً يتعلق بأمر بيبغا وجماعته، وأردفت أنا قصيدتي بنثر أيضاً يتعلق بالمذكورين وكلاهما أثبته في الجزء الرابع والثلاثين من التذكرة التي لي، ونظمت أنا عدة مقاطيع لما خرجا من دمشق فارين من بيبغا.
стр. 789
فمن ذلك، وقد خرجنا مع الأمير سيف الدين أرغون الكاملي على أنه متوجه إلى خان لاجين فأخذ العساكر من تحت قلعة دمشق وتوجه بها إلى لد، فقلت أنا في ذلك:
خرجنا على أنّا نلاقي عسكراً ... أتى
بيبغا
فيها على خان لاجين
فلم ندر من تعتيرنا وقطوعنا ... بأنفسنا إلاّ بأرض فلسطين
وقلت أيضاً:
أيا ولدي وافاني البين فجأةً ... وبدّد شملاً قد تنظّم كالعقد
فسرت وما أعددت عنك تجلّدا ... لقلبي ولا حدّثت نفسي بالبعد
وقلت، وقد كثرت الأراجيف:
أخرجني المقدور من جلّق ... عن طيب جنّاتٍ جنيّات
فإن أعد يوماً لها سالماً ... فهو بنيّات بنيّاتي
وقلت، وقد جاءت الأخبار بأن القوم قد تقدموا الكتيبة:
قد ضجرنا من المقام بلدّ ... بلدٍ ما طباعه، مثل طبعي
كلّما قيل لي كتيبة جيشٍ ... قد أتت للكتيبة اصطكّ سمعي
فتراني مغيّراً من نحولي ... وسقامي، وفي المزيريب دمعي
وقلت، وقد زاد الذباب بالمنزلة:
لقد أتانا ذباب لدّ ... بكلّ حتفٍ وكل حيف
وقيل هذا ذباب صيفٍ ... فقلت لا بل ذباب سيف
стр. 790
وقلت أيضاً:
إن الذباب بلدّ ... لشرّ خصم ألدّ
بليت منه بعكسي ... وما يبالي بطرد
وقلت، لما كثرت الأراجيف بأن بيبغا رحل من دمشق وانهزم:
قد كثر الإرجاف عن بيبغا ... وأنّه قد سار عن بقعته
إذا أتانا خبرٌ سرّنا ... ما تغرب الشمس على صحّته
بيبغا
الأمير سيف الدين تتر المعروف بحارس الطير.
توفى نيابة غزة بعد وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم إنه عزل وأقام بمصر إلى أن أمسك الأمير سيف الدين منجك الوزير وأمسك أخوه بيبغاروس في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فولاه السلطان الملك الناصر حسن نيابة مصر عوضاً عن بيبغاروس، فأقام على ذلك إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وتولى الملك الصالح صالح.
ولما خرج الأمير علاء الدين مغلطاي والأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري على الملك الصالح وأخذ مغلطاي هرب منكلي بغا الفخري، ودخل على الأمير سيف الدين بيبغا الفخري في بيته مستجيراً به فأجاره، وأخذ سيفه وسلمه إليهم، فعزله السلطان بعد ذلك وولى النيابة الأمير سيف الدين قبلاي، وجهز الأمير سيف الدين بيبغاتتر إلى نيابة غزة، فأقام بها شهراً أو أكثر، إلى أن ورد بيبغاروس إلى
стр. 791
غزة متوجهاً لنيابة حلب، فمد له سماطا، فأكل منه وقبض عليه وقيده وجهزه إلى الإسكندرية، وذلك في شعبان سنة اثنين وخمسين وسبع مئة، ثم إنه أفرج عنه وحضر إلى القدس وأقام به بطالاً مدة، ثم طلب إلى مصر وأقام هناك بطالاً، ثم أعطي طبلخاناه في مصر.
ولما توفي الأمير علاء الدين ألطبنغا الشريفي نائب غزة رسم له بنيابة غزة، فوصل إليها في سابع عشر شعبان سنة ست وخمسين وسبع مئة، ولم يزل بها نائباً إلى أن عزل بالأمير سيف الدين سودون في أوائل سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
ولما عزل الأمير سيف الدين تمر المهمندار من نيابة غزة في شهر رجب الفرد اثنتين وستين وسبع مئة رسم السلطان المنصور صلاح الدين محمد بن المظفر حاجي للأمير سيف الدين بيبغاتتر بنيابة غزة، وهذه النيابة بغزة رابع مرة، وجرى ما جرى من الأمير بيدمر نائب الشام، وحضر السلطان الملك المنصور إلى دمشق في واقعة بيدمر، ولما عاد السلطان إلى مصر كأنه رمي الأمير سيف الدين بيبغاتتر بشيء من موافقة بيدمر، فلما كان السلطان على غزة رسم بتسمير ولده، فسمر تسمير سلامة، وطيف به، ثم إنه رسم للأمير سيف الدين بيبغاتتر بالتوجه إلى طرابلس صحبة الأمير علاء الدين علي بن طشتمر البريدي المصري، وجهز ولده موسى إلى مصياف، وولده الاخر إلى الدر بساك صحبة تغيبين، ثم إنه طلب إلى مصر على لسان مملوكه ألطنبغا، فتوجه إليه، ووصل إلى دمشق في محفة في يوم الاثنين تاسع عشر شعبان سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
стр. 792
بيدرا
بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف ودال مهملة وبعدها راء وألف مقصورة: الأمير سيف الدين العادلي.
كان من أمراء الأربعين بدمشق، وتزوج ابنة أستاذه الملك العادل كتبغا، وكان يسكن بدار طوغان. توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة أربع عشرة وسبع مئة.
بيدمر
بعد الياء الموحدة ياء آخر الحروف ودال مهملة وميم بعدها راء: الأمير سيف الدين الناصري.
أخرجه الملك الناصر محمد إلى صفد، فأقام بها، وكان نائبها الأمير سيف الدين أرقطاي يعظمه ويلازمه ويسمر عنده وهو بلا إمرة، ثم نقل إلى دمشق على إمرة عشرة في أيام تنكز، ولما حضر الفخري، وجرى له ما جرى، جهز هذا بيدمر المذكور إلى البلاد الرومية لإحضار طشتمر نائب حلب، ثم إن الناصر أحمد أعطاه طبلخاناه.
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن جاءه أمر لا مرد لحكمه، ولا دفاع لخصمه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
وكان ذا محيا جميل، ورونق لا يستحيل، مليح العين، لا يمل الناظر إليها مطالبتها بما له عندها من الدين، وتوفي كهلا، وكان للخير والسكون أهلا.
стр. 793
بيدمر
الأمير سيف الدين البدري.
كان بالقاهرة أميراً، وله بالقاهرة تربة حسنة عمرها، وأقام بدمشق مدة إلى أن طلبه الملك الكامل شعبان إلى القاهرة وولاه نيابة طرابلس، فحضر إليها وأقام بها قليلاً بعد نيابة الأمير شمس الدين آقسنقر الناصري، ولما خرج الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي بدمشق على الكامل كان الأمير سيف الدين بيدمر ممن حضر إليه من نواب الشام، وأقام بدمشق معه إلى أن خلع الكامل وتولى المظفر حاجي، فطلب البدري إلى مصر وولاه المظفر نيابة حلب، فتوجه إليها، وأقام بها إلى أن طلبه المظفر حاجي إلى القاهرة، وتولى مكانه الأمير سيف الدين أرغون شاه.
وكان البدري قد تولى نيابة حلب بعد الأمير سيف الدين طقتمر الأحمدي، وأقام البدري بالقاهرة قريباً من شهرين، ثم إنه أخرج هو والأمير نجم الدين محمود بن شروين الوزير والأمير سيف الدين طغاي تمر الدوادار إلى الشام على الهجن، فلما وصلوا إلى غزة لحقهم الأمير سيف الدين منجك، وقضى الله فيهم أمره، وأصبح طرف من ولاهم وهو بالبكاء أمره.
وكان خنقهم في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وكان هذا البدري كثير الرحمه، على فكره للمبرات زحمه، له ورد من الليل يقومه متنفلا، ويجلس على موائد التعبد، وهو ملك، متطفلا، وكان يكتب الربعات بخط يده، ويبالغ في تذهيبها وتجليدها، ولا تقبل من صاحب فنده، ولقد حاول أخذ ختمةً مني وهو بدمشق، وبذل الرغائب لي فأبيت، وزخرفت الأعذار في عدم الخروج عنها ورأيت وراءيت.
стр. 794
وأخبرني كاتبه القاضي زين الدين بن الفرفور أنه كان يخرج من كل سنة أول كل شهر مبلغ خمسة ألاف درهم للصدقة، ويعتقد أن ذلك خير ماله من النفقة، ولم يبد منه في حلب مدة نيابته غير واقعة الامرأة التي قطع شعرها وأذنيها وجعلها بذلك تحكي النعامة لمن نظر إليها، وما أقام بعدها في حلب إلا قليلاً، ومضى إلى حلب يجر من الشقاء ذيولاً.
بيسري
الأمير الكبير بدر الدين الشمسي الصالحي.
كان من أعيان الدولة، وممن له في الحروب ثبات وحولة، وبين الأكابر صون وصوله، وإذا قالوا لم يسمع، وإذا قال سمعوا قوله، وكان ممن ذكر للملك، وانخرط في ذلك السلك، وجرت له فصول، ورد جملةً من النصوص الواضحة وعارضها بالنصول، وقبض المنصور قلاوون عليه وأهدى الإهانة إليه، وبقي في السجن سنين، عدد الرهط الذين يفسدون في الأرض، وخالف في أمره السنة والفرض.
ثم إن الأشرف خليل أخرجه من سجنه وأبدله الفرح من حزنه، وأعاد إليه رتبته، وأجلسه إلى ركبته.
ثم إن المنصور لاجين قبض عليه ثانيا. وكان الأجل في هذه المرة له مدانيا، فتوفي في الجب، ولم تفده المطهمات القب، وعمل عزاؤه تحت قبة النسر بالجامع الأموي
стр. 795
بدمشق، وحضره القضاة وملك الأمراء والدولة، وذلك في سنة ثمان وتسعين وست مئة في أيام الملك الناصر محمد.
وداره بين القصرين معروفة، وانتقلت إلى أحد الأميرين إما قوصون أو بشتاك، وكان الناس أولاً قد خرج لهم قماش ثمين وسموه شقف البيسرى لما تأنق فيه الصناع وزخرفوه.
البيسري الجندي الشاعر اسمه آقوش.
بيغرا
بالياء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها غين معجمة وراء وألف: الأمير سيف الدين الناصري.
كان بعد السلطان الملك الناصر محمد بن أكابر المقدمين، وحضر إلى دمشق لتحليف العسكر للملك الأشرف كجك، وحضر أيضاً لتحليف الأمراء للملك الكامل، والله أعلم، وكان أخيراً أمير جاندار وحاجبا.
ولم يزل معظما، ولدر السيادة منظما، ينفع من يخدمه ويؤهله لعلو المنزلة ويقدمه، ولم يزل إلى أن تولى الملك الصالح صالح، فأخرجه إلى حلب أميراً، فوصل إليها في شهر رجب الفرد سنة اثنين وخمسين وسبع مئة.
وبقي فيها على حاله إلى أن حان حينه، وحل عليه من الأجل دينه، في شهر شوال سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
стр. 796
بينجار
الأمير سيف الدين الحموي، أحد الأمراء بدمشق.
كان بدمشق حاجباً صغيراً إلى أن توجه الأمير سيف الدين طيدمر الإسماعيلي أمير حاجب بدمشق إلى نيابة قلعة الروم، فوصل المرسوم بعد ذلك بأن يكون الأمير سيف الدين بينجار الحموي عوضه أمير حاجب بدمشق في المحرم سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فلم يزل على هذه الوظيفة إلى أن توجه مع الأمير سيف الدين أرغون الكاملي والعسكر الشامي إلى الرملة في واقعة بيبغاروس.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة بالمعسكر على لد.
وكان جيداً خيراً ديناً، عنده كتب يطالع فيها، ويحب أهل العلم ويعظمهم ويحترمهم.
стр. 797
حرف التاء
التاج أحمد سعيد الدولة
كان ذا مكانة مكينة ومنزلة عظيمة عند الملك المظفر الجاشنكير، ولما ولي الملك أمر له بالوزارة فامتنع من ذلك، فرتب الصاحب ضياء الدين بن النشائي وزيراً، وجعل ابن سعيد الدولة مشيراً، فكانت فوط العلائم تحمل إليه ويعتبرها علامةً علامةً، فالذي يراه ويرتضيه كتب على يمين العلامة عرضاً: تحتاج إلى الخط الشريف، فإذا رأى السلطان ذلك علم، وإلا فلا، وكانت كتب البريد وغيرها كذلك، إلى أن تعب الأفرم من دمشق، وتهدده بقطع رأسه حتى امتنع من ذلك.
وكان مشهوراً بالأمانة والعفة، ولم يحصل منه تفريط، وضبط الدواوين والأموال، وكان إذا كان في ديوانه قضى الأشغال ونفذ الأمور، وأما إذا اعترضه أحد في الطريق وسأله حاجةً أمر بقتله بالمقارع، فهابه الناس.
وكانت له حرمة وافرة ومهابة شديدة، وكان لا يجتمع بغريب، ولا يخالط أحداً ولا يقبل هدية، ولما طلب للوزارة التجأ إلى زاوية الشيخ نصر، فلذلك كانت حرمته أوفر من حرمة الوزير وأعظم.
وتوفي في أوائل شهر رجب الفرد سنة تسع وسبع مئة، وولي مكانه ابن أخته كريم الدين.
стр. 798
أخبرني حفيده الصاحب تاج الدين موسى بن علم الدين أبي بكر أن اسم جده كان أحمد، فهو تاج الدين أحمد بن سعيد الدولة.
ابن تاج: الخطباء: جلال الدين محمد بن محمد.
التاج بن المناديلي: عبد الرحمن بن موسى.
والتاج المغسل: اسمه عبد الرحمن بن أيوب.
التادفي: المقرىء، محمد بن أيوب.
التاج الطويل
القاضي تاج الدين ناظر الدولة بالديار المصرية.
كان كاتباً كافيا، قائماً بصناعة الكتابة وافيا، فيه مروءة ومكارم، ولطف عشرة، ولو كان بين القنا والصوارم. تكرر منه مباشرة هذه الوظيفة مرات، ونال فيها سعادات زائدةً ومسرات، وكان رئيس طائفته، وزعيم هذه العصابة الذين هم تحت طواعيته.
ولم يزل على حاله إلى أن قصرت مدة الطويل وقطعت، وأخرجت روحه من جسده، ونزعت.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت ثاني عشري القعدة سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وأنشدني القاضي زين الدين الخضر بن تاج الدين بن الزين خضر كاتب الإنشاء له في دواة أبياتاً، وأنا في ريبة من نسبتها إليه لأنها في الذروة وهي:
стр. 799
دواتنا سعيدة ... ليس لها من متربه
عروس حسنٍ جليت ... منقوشةٌ مكتّبه
قد انطلت حليتها ... على الكرام الكتبة
وفي التاج الطويل يقول ابن دانيال:
أصبحت في الكاتبين فرداً ... وأنت كنزٌ لكل راج
لا كشف الله منك راسي ... ودمت عزّي ودمت تاجي
مولاي قد ساءني افتقاري ... وسرّ حسادي احتياجي
فاصلح بحقّ الوفاء شاني ... فغير علياك لا أناجي
فالزيت قد قلّ من فتيلي ... وكاد أن ينطفي سراجي
وبات فوق التراب أهلي ... تلتقط الحب كالدجاج
عساك بالله يا هلالي ... تكتب رزقي على الخراج
التبريزي: القاضي جمال الدين عبد القادر بن محمد. والشيخ تاج الدين علي بن عبد الله.
ابن تبع: محمد بن أحمد.
ترمشين
بالتاء ثالثة الحروف، وراء بعدها ميم، وشين معجمة، وياء آخر الحروف، ونون: ابن دوا المغلي، صاحب بلخ وسمرقند وبخارى ومرو.
كان ذا إسلام، وممن يعد في أولي الأحلام، أكرم الأمراء المسلمين وقربهم، وسرحهم في صحاري الإحسان، وسر بهم لما سربهم، وجفا الكفرة وأبعدهم، وهددهم وتوعدهم، ولازم الصلوات الخمس في الجماعه، وأصغى إلى الخير وأحب سماعه، وترك
стр. 800
الياسات، وقال: هي من أرذل السياسات، وأمر بأحكام الشريعة، وسدد ما دونها الذريعة، وأبطل من مملكته المكوس وجبايتها، وأمر بالمعدلة وتلا آيتها، وألزم جنده بالكف عن الأذى، ودفع عن عيون رعاياه القذى، وألزم التتار بالزرع، وقالوا: لا طاقة لنا، فقال: هذا هو الشرع. واستعمل أخاه على مدينة فقتل رجلاً ظالماً، فجاء أهله إلى ترمشين وشكوا، فبذل لهم أموالاً ليعفوا، فأبوا وقالوا: نريد حكم الله، فسلمه إليهم فقتلوه، ودعا الناس له.
ثم إنه زاد في التأله والتدين فعزم على ترك الملك والتبتل برأس جبل، وسافر معرضاً عن السلطنة، فظفر به أمير كان يبغضه، فأسره، وكاتب بزان الذي ملك بعده، فقتله صبرا، وهبره بالسيف هبرا، وذلك في سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، قدس الله سره.
تلك الأمير سيف الدين الحسني
ورد إلى دمشق أميراً في تاسع عشر شعبان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة وبقي فيها مدة، ثم إنه لما نقل الأمير سيف الدين باينجار من الحجوبية الصغرى؛ إلى أن يكون بدمشق أمير حاجب عوضاً عن الأمير سيف الدين طيدمر الإسماعيلي لما توجه لنيابة قلعة الروم رسم للأمير سيف الدين تلك أن يكون حاجباً عوضاً عن باينجار، وذلك في المحرم سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فأقام كذلك مدة، ثم إنه
стр. 801
تحدث للأمير سيف الدين شيخو رأس نوبة في ديوانه، فاجتهد فيه وثمر، فطلبه إلى مصر، فتوجه في شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وورد مكانه في الحجوبية الأمير علاء الدين علي بن بيبرس الحاجب من حلب.
وما أقام الأمير سيف الدين تلك الحسني في القاهرة، حتى توفي ﵀ في غزة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، لأنه كان قد توجه صحبة ثقل السلطان وطلبه لما حضر الصالح في واقعة بيبغا.
التعجيزي: الفقيه شهاب الدين أحمد بن محمد.
تلك الأمير سيف الدين الشحنة
كان أحد مقدمي الألوف بالشام. حضر إلى دمشق على إقطاع الأمير بدر الدين مسعود بن الخطير في سنة خمس وسبع مئة، وكان في دمشق أكبر مقدميها، يحضر إليه قباء الشتاء من مصر من باب السلطان. وتوجه في واقعة سنجار.
ولم يزل في دمشق مقيماً إلى أن ورد المرسوم من مصر يطلبه صحبة منكلي بغا
стр. 802
السلحدار، وحضر الأمير سيف الدين قردم على إقطاعه في سادس عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
ولم يزل في مصر مقيماً إلى أن ورد الخبر بوفاته في أوائل صفر سنة سبع وخمسين وسبع مئة.
ابن تمام الشيخ تقي الدين
عبد الله بن أحمد، وأخوه الشيخ محمد بن أحمد .
تمر الساقي
الأمير سيف الدين ولاه السلطان الملك الناصر محمد حمص بعد موت بلبان
الجوكندار في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة، ثم ولاه نيابة طرابلس، بعد ما قفر الأفرم منها وتوجه مع قراسنقر، وذلك لما قدم مع العسكر من مصر في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ولم يزل بها مقيماً على حاله، إلى أن حضر الأمير سيف الدين قجليس الناصري إلى دمشق؛ وتوجه منها إلى طرابلس؛ فعاد منها ومعه الأمير سيف الدين تمر الساقي نائبها، وجاء عوضه لنيابة طرابلس الأمير سيف الدين كستاي الناصري في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبع مئة.
стр. 803
ولما وصل به إلى دمشق أمسكه، وأمسك الأمير سيف الدين بهادر آص وقيدهما، وتوجه بهما من دمشق وجهز بهادر آص إلى الكرك، وتوجه تمر الساقي إلى مصر، فأقام في الاعتقال بالإسكندرية أكثر من عشرين سنة، وأفرج عنه في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
وحضر إلى دمشق وأقام بطالاً، ثم أعطي طبلخاناه، وكان السلطان الملك الناصر قد أفرج عنه وعن جماعة من الأمراء الذين كانوا بالإسكندرية، وهم: تمر الساقي، وبيبرس الحاجب، وبلرغي الصغير، وطغلق وأمير غانم بن أطلس خان، ولاجين العمري الحاجب، وبلاط الجوكندار، وأيدمر اليونسي، وطشتمر أخو بتخاص المنصوري، وقطلوبك الأوشاقي، وبيبرس العلمي وكشلي، والشيخ علي مملوك سلار.
وتوجه الأمير سيف الدين كستاي الناصري عوض تمر الساقي إلى طرابلس نائباً، ولما دخل الأمير سيف الدين تنكز من القصر إلى دار السعادة يوم أمسك وأراد العصيان دخل الأمير سيف الدين تمر الساقي إليه، وقال له: المصلحة أنك تروح لأستاذك، وأنا قعدت في الحبس أكثر من عشرين سنة، وها أنا واقف قدامك، فانفعل له وخرج إليهم، فأمسكوه، على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وتوفي بمصر، والله أعلم سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
تمر الموسوي
الأمير سيف الدين الناصري.
كان خفة إذا تحرك، وعليه خفر إذا تثنى على جواده أو تورك، وكان إذا رأى وجهاً حسناً هام، وقطع علائق الأوهام. وكان في نفس السلطان منه لذلك، إلا أن
стр. 804
الأمير سيف الدين بكتمر الساقي كان يصده عن أذاه، ولا يصوب فيه رأياً يراه، فلما مات بكتمر الساقي أخرجه إلى دمشق فأقام فيها إلى أن تحرك طشتمر نائب حلب في واقعة الناصر، وكاد يمشي في الباطن ويحلف الأمراء له، فأمسك وأودع في قلعة دمشق سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة في أيام الطنبغا، ثم أفرج عنه لما صار الأمر للناصر أحمد.
تمرالمهمندار
الأمير سيف الدين المهمندار بالشام.
كان من مماليك الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب المقدم ذكره. وقيل إنه كان من مماليك الطباخي نائب حلب.
وكان تمر المذكور مع أستاذه بكتمر الحاجب لما كان بصفد نائباً، وهو من أول حاله لم يزل بخير، له ثروة، ومعه مال له صورة.
ولما كان بدمشق ولاه الأمير سيف الدين تنكز ﵀ شد الزكاة في يوم الإثنين خامس جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبع مئة عن الأمير نجم الدين داود الزيبق، فأقام على ذلك مدة، ثم إنه أضاف إليه المهمندارية، وجعله بطبلخاناه، ولما حضر الأمير سيف الدين بشتاك إلى دمشق في واقعة تنكز عزله من المهمندارية وجعله والياً على مدينة دمشق، فأقام بها تقدير جمعة، وعاد إلى المهمندارية.
стр. 805
وكان ساكناً وادعاً عاقلاً قليل الكلام جداً، وكنت يوماً عند الصاحب أمين الدين أمين الملك، فجرى ذكره، فأثنيت عليه، وقلت: ما يكون مثله في سكونه وعدم شره، فقال: إلا أنني مع هذا كله ما أقدر أعمل إلا ما يريده، ولم يزل على ذلك، في أتم حال، ثابت القدم مع تقلب الملوك والنواب، لا يختل عليه نظام، إلى أن كانت واقعة الأمير علاء الدين أمير علي نائب دمشق، في سنة ستين وسبع مئة، وتوجهه إلى باب السلطان وتجهيزه من الطريق إلى نيابة صفد، وكان القائم بذلك الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي أمير حاجب، فنقل الأمير سيف الدين تمر المهمندار، وجعل أمير مئة مقدم ألف، ولم يؤثر ذلك.
ولم يزل على حاله إلى أن رسم له بنيابة غزة فتوجه إليها، وأقام بها نائباً قريباً من نصف سنة، ثم رسم له بنيابة بإمرة الحجبة فحضر إليها، ولبس تشريفه في يوم الاثنين خامس عشري شهر رجب سنة اثنتين وستين وسبع مئة، وخدم، وسلمت العصا إليه.
ولم يزل كذلك حتى أخرجه الأمير بيدمر نائب الشام إلى غزة صحبة من خرج من عسكر دمشق في واقعة بيدمر وخروجه، فتوجه وهرب الأمير منجك، وجرى ما جرى وحضر السلطان الملك المنصور محمد بن حاجي، فأنكر على المهمندار موافقته لبيدمر على ذلك وطواعيته له، وأمسك من أمسك من الأمراء، وقطع خبز المهمندار، وخرجت وظيفته للأمير سيف الدين قماري الحموي.
وكان المهمندار ضعيفاً فاستمر مريضاً، إلى أن توفي يوم السبت ثامن عشر شوال سنة اثنتين وستين وسبع مئة ولعله قارب الثمانين رحمه الله تعالى، وبالجملة ما رأى خيراً منه مذ فارق المهمندار.
стр. 806
تمر بغا العقيلي
الأمير سيف الدين نائب السلطنة بالكرك، أحد مماليك الملك الناصر محمد.
كان خيراً كله، وبشراً لا يعدل عنه الصلاح ولا يمله. عاش به أهل الكرك ونجوا بنيابته من النوائب والدرك.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أخبرني بعض مماليكه قال: هذا أستاذي، عمره ما نكح، وعنده الزوجة المليحة والجواري الملاح.
قلت: لعله كان عنيناً، وإلا فليس في ترك النكاح المشروع معنى يقصد به وجه الله طلب الثواب أو الهرب من العقاب.
ولم يزل على حاله بالكرك إلى أن اجتحفه سيل الحيف حتفا، ودعا به داعي المنون هتفا.
ووفاته ﵀ في جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
تمربغا
الأمير سيف الدين الحسني.
كان أحد أمراء الطبلخاناه بطرابلس.
ولم يزل بها إلى أن توفي في شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
تمرتاش
بتاء ثالثة الحروف، وميم بعدها راء، وتاء ثالثة الحروف أيضاً وبعدها ألف وشين معجمة: ابن النوين جوبان.
стр. 807
كان معدوداً من الفرسان والأبطال الذين ليسوا من نوع الإنسان. إذا التقى الصفان وسل السيفان نزل عن ظهر جواده وجلس على بساط، واستعمل ما يبعث النفس على الانبساط، وتناول سقرقا صرفا، وركب للحملة على عدوه طرفا.
وكان قد قرر في عسكره أنه من مات في المعترك، فإقطاعه لولده من غير مشترك، ومن هرب فأنا وراءه بالرهب، وإذا وقع في يدي فالسيف، وما أرى في ذلك سلوك جنف ولا حيف.
فلهذا ما ثبت له أحد، ولا وجد من دونه ملتحد. وهزم جيوشاً عديده، وفتح بلاداً مساحتها مديده.
وكان قد خطر له أنه هو المهدي الذي يجيء آخر الزمان ويمهد الأرض، ولما بلغ أباه ذلك ركب وجاء إليه ورده عن العقيدة، واستصحبه معه إلى الأردو إلى خدمة القان بوسعيد. ولما حضر معه رأى الناس في الأردو ينزلون قريباً من خام الملك، فقطع الأطناب بالسيف، ووقف على باب خان القان ورمى بالطومار، وقال: أينما وقع ينزل الناس على دائرته. فأعجب ذلك بوسعيد. وعاد إلى بلاد الروم حاكما.
وكان واسع الكرم، تحسده الغمائم فتتوقد من البوارق بالضرم، لا يبالي بما أنفق، ولا ينام وجفنه على فائت مؤرق. وكان كرمه وجوده المفرط من أسباب هلاكه وإيقاعه في حبائل الموت وأشراكه، لأنه لما وصل إلى القاهرة لحقه من أمواله بالروم مئة ألف راس غنم فيما أظن، أو ثمانون ألف رأس، فلما وصلت إلى قطيا أطلق منها لبكتمر الساقي عشرين ألف رأس، ولقوصون كذا، ولفلان كذا ولفلان كذا، ففرق الجميع، فلم يهن هذا الأمر على الملك الناصر محمد. ودخل يوماً حمام قتال السبع التي في
стр. 808
الشارع تحت القلعة، ولما خرج أعطى الحمامي ألف درهم والحارس ثلاث مئة درهم، فزاد ذلك في حنق السلطان عليه.
وكان حسناً شكله، كأن قوامه غصن بان وشعره ظله، إذا خطا تخطر، وظن بقوامه أنه رمح يتأطر، تعطفه نشوة الشباب ويظن من تثنيه أنه ارتشف بنت الحباب، شكا السلطان منه ذلك إلى بعض خواصه وقال: أرأيت هذا تمرتاش كيف يمشي قدامي، هذا إنما هو إعجاب منه بشكله وقده، واستخفافا. فقال: والله يا خوند هكذا يدخل إلى الطهارة، وهذه عادته أبداً.
وكان السبب في دخوله إلى هذه البلاد أنه لما مات أخوه دمشق خواجا، وهرب أبوه جوبان، اجتمع هو بالأمير سيف الدين أيتمش، وطلب الحضور إلى مصر، وحلف له أيتمش أيماناً معظمة عن السلطان، فحضر في جمع كبير، وخرج الأمير سيف الدين تنكز نائب دمشق، وتلقاه في يوم الأحد خامس عشري صفر سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وتوجه إلى السلطان، وظن أن السلطان يخرج له، فلم يخرج لتلقيه وأمر برد من حضر معه إلا القليل، وأعطى لكل واحد مبلغ خمس مئة درهم وخلعة، فعاد الجميع إلا اليسير، وأراد السلطان أن يقطعه شيئاً من أخباز الأمراء، فقال له الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب: يا خوند، أيش قال عنك؟ أنه وفد عليك وافد من الروم ما كان في بلادك ما تعطيه إقطاعا حتى تأخذ من إقطاع أمرائك، فرسم ل كل يوم من دخل قطيا بألف درهم، إلى أن ينحل له إقطاع يناسبه، ورسم له
стр. 809
السلطان على لسان الأمير سيف الدين قجليس أن يطلق من الخزانة ومن الإصطبل ما يريده، وأن يأخذ منهما ما يختاره، فما فعل شيئاً من ذلك.
وكان الناس في كل يوم موكب يوقدون الشموع بين القصرين، ويجلس النساء والرجال على الطرق والأسطحة ينتظرون أن تمرتاش يلبس للإمرة، ثم إنه عبرت عينه أيضاً على مماليك السلطان الأمراء الخاصكية، ويقول: هذا كان كذا، وهذا كان في البلاد كذا، وهذا ألماس كان جمالاً، فما حمل السلطان هذا منه.
وألبس يوماً قباء من أقبية الشتاء على يد بعض الحجاب، فرماه عن كتفه، وقال: ما ألبسه إلا من يد ألماس أمير حاجب. ولما وصل القاهرة أقاموا الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر من الميمنة، ونقلوه إلى الميسرة، وأجلسوه مكانه.
ولم يزل على حاله بالقاهرة، إلى أن قتل جوبان أبوه في تلك البلاد، فأمسك السلطان تمرتاش، واعتقله فوجد لذلك ألماً عظيماً. وقعد أياماً لا يأكل فيها شيئاً، إنما يشرب ماء ويأكل بطيخاً، لما يجده في باطنه من النار، وكان قجليس يدخل إليه ويخرج ويطيب خاطره، ويقول له: إنما فعل السلطان هذا لأن رسل القان بوسعيد على وصول، وما يهون على بوسعيد أن يبلغه عن السلطان أنه أكرمك. وقد حلف كل منهما للآخر، فقال له يوماً: أنا ضامن عندكم انكسر لكم علي مال، حبستموني حتى أقوم به؟، إن كان شيء فالسيف، وإلا فما في حبسي فائدة، والله ما جزائي إلا أن أسمر على جمل، ويطاف في بلادكم، هذا جزاء وأقل جزاء من يأمن إلى الملوك، ويسمع من كلامهم وأيمانهم.
стр. 810
ثم إن الرسل حضروا يطلبون تمرتاش من السلطان، فقال: ما أسيره حياً، ولكن خذوا رأسه، فقالوا: ما معنا أمر أن نأخذه إلا حيا، وأما غير ذلك فلا، فقال: فقفوا على قتله. وأخرج المسكين من سجنه ومعه قجليس الحاج وأيتمش وغيرهما.
فخنق جوا باب القرافة بقلعة الجبل، وكان يستغيث، ويقول: أين أيتمش؟ يعني الذي حلف لي، وأيتمش يختبىء بين الناس حتى لا يراه، وقال: ما معكم سيف، لأي شيء هذا الخنق؟ وكان ذلك في شهر رمضان المعظم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ثم حز رأسه بحضرة الرسل، وجهز في البريد قبل توجه الرسل، وكتب السلطان إلى بوسعيد يقول له: قد جهزت إليك رأس غريمك، فجهز لي رأس غريمي، يعني قراسنقر، فما وصل الرأس إلى بورسعيد حتى مات قراسنقر حتف أنفه، فقيل لبوسعيد. ألا تجهز رأس قراسنقر إليه، فقال: لا إن الله أماته بأجله ولم أقتله أنا.
ودفنت جثة تمرتاش برا باب القرافة عند تربة الفارس أقطاي. واستشار السلطان
تنكز
في قتلته، فما أشار بها، وقال: المصلحة استبقاؤه، وكان استشاره أولاً في إمساكه، فما أشار به.
وخلف تمرتاش من الأولاد: الشيخ حسن ومصر ملك، وجمد غان، وبير حسن، وتودان، رشيدون، وملك أشرف، والأشتر، ثم إنه ظهر بعد مدة من ادعى أنه تمرتاش وصدقه أولاده ونساؤه. وقد ذكرت ذلك في ترجمة أبو بكر الدعي، وكنت قد قلت:
احذر من الدنيا وإقبالها ... فربحها يفضي لخسران
ربّ غنىً فيها انتهى للعنا ... مثل تمرتاش بن جوبان
следующие страницы →