Полный текст (3 514 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وإذا ما أتيت ألفيت صدراً ... منك لي في حماه حظٌّ وحظوه
واقتعدت الفخار بين البرايا ... وتسنّمت في السّيادة ذروه
وأرى أن لي إذا زرت أرضاً ... أنت فيها التشريف في كلّ خطوه
كيف لا والولاء في قومك الغرّ ... أراه في الدين أوثق عروه
منيتي أن أرى حماك بعيني ... لا أراك الحمى ولا دار علوه
آه لو تنصف الليالي إذ ما ... حكمت بالبعاد من غير عنوه
أو لوانّ الفراق يقبل مني ... في اقتراب الدّيار من مصر رشوه
يا زماناً بمصر ولّى حميداً ... هل يجيب الإله لي فيك دعوه
فكتب إلي الجواب عنها تسعةً وستين بيتاً:
أنسيم الصّبا على الروض غدوه ... سحبت ذيلها على كلّ ربوه
وسرى لطفها إلى الدّوح فارتا ... ح فكم رنّحت معاطف سروه
أم سقيط النّدى على الورد كاليا ... قوت إذ يجعل اللآلئ حشوه
أم تثنّي الغصون في حلل الزّه ... ر سقاها السحاب كاسات قهوه
أم مسيل المياه بين رياضٍ ... بنضار الأصيل أمست تموّه
أم غناء الحمام غرّد في البا ... ن وأضحى به يرجّع شدوه
أم نجوم السماء زهرٌ أم البد ... ر منيرٌ أم مشرق الشمس ضحوه
أم وصال الحبيب بعد صدودٍ ... فأتى ذا لذا فأسرع محوه
أم حديث العذيب يعذب في ك ... ل لهاةٍ لمن تذكر لهوه
أم كتابٌ قد جاءني من خليلٍ ... بارع فالخليل لم ينج نحوه
رحب باعٍ لرحبة الشام وافى ... ذو وفاء وعفّة وفتوّه
стр. 982
سامقٌ فوق هضبة المجد والع ... ز سبوق لم يدرك الناس شأوه
ناظمٌ ناثرٌ بليغٌ بديعٌ ... ماهرٌ باهر المقالة أفوه
حيثما حلّ في الممالك حلّى ... وغدا وارداً من الحمد صفوه
بعد حولين قد أتاني فأهلا ... وحباني عذب الكلام وحلوه
وعناني من عبد دارٍ ولكن ... غصبته أيدي الحوادث عنوه
وأرادوا حمول ذكري فغاروا ... منه لمّا أعلى بذكري ونوّه
حجبوه عني فأظهره الل ... هـ لعيني، أتحجب الشّمس هبوه
منها:
يا صلاح الدين البديع نظاماً ... والذي من انشائه لي نشوه
لا تلمني على تأخّر كتبي ... إذ ألمّت بحدّ ذهني نبوه
كنت في شدّةٍ وقد فرّج الل ... هـ ونجّى، فصرت منها بنجوه
منها:
أنا سبط النّبي وابن عليّ ... شرفٌ باذخٌ لأرفع ذروه
وإذا ما اعتراني الدّهر بالعد ... وان أمسكت منهما أيّ عروه
وطلب مني بشتا أسود، فجهزته إليه وكتبت معه:
يا سيّداً ما زال يدعى سيّدا ... حاز المكارم والعلا والسّؤددا
شرّفتني بأوامرٍ دأبي لها ... مهما أتى مرسومها أن أسجدا
وطلبت بشتاً أسوداً من جلّقٍ ... ولو اقتصرت لبست حظّي الأسودا
لبس العباءة والعيون قريرةٌ ... خيرٌ من الحلل الحرير مع الرّدى
стр. 983
فألبسه فضفاض الذيول حكى دجا ... لوناً فوجهك فوقه ليلٌ بدا
فكتب الجواب عن ذلك:
حيّا دمشق وأهلها غيث النّدى ... وسقى معاهدها الحيا متعهّدا
دارٌ خليل الصدق ساكن ربعها ... ما عنه منّي بالرّضا أن أبعدا
الفاضل المتفضّل الحبر الذي ... جمع المحاسن كلّها متفرّدا
الناظم العقد الفريد قريضه ... والناثر الدرّ النّفيس منضّدا
والكاتب الحسنات في صحفٍ له ... بيضٍ لها اسودّت وجوهٌ للعدى
الصاحب المولي الجميل صحابه ... متفضلاً متطوّلاً متودّدا
وصلت وصلت إليّ منك عوارفٌ ... قرباً وبعداً برّها لن يفقدا
وأتى إليّ البشت مقترناً بما ... لك من يدٍ بيضاء كم وهبت ندى
صوفٌ به لذوي الصّفاء تلفّعٌ ... شعرٌ شعار من اغتدى متعبّدا
قد جاء من جهة الصلاح محبّذا ... هو من لباس تقي به قد أسعدا
قد قمت في ليل الشّتاء به إلى ... ربّ السّما أدعو له متهجّدا
قلت: وبيني وبينه مكاتبات كثيرة ذكرتها في كتابي ألحان السواجع.
الحسين بن محمد بن عدنان
تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه أمين الدين جعفر بن محمد، هو الشريف زين الدين الحسيني بن أبي الجن.
كان كاتباً مشهورا، وفاضلاً في أهل الاعتزال مذكورا، فارس جلاد وجدال، ومقام في انتصار مذهبه ومقال. خدم بكرك الشوبك زمانا، ونقل إلى دمشق فوفى
стр. 984
لها بالسيادة ضمانا، وتنقل في المباشرات، وتنفل بعد الفرض في المعاشرات، وولي نظر حلب، وجلب إليها من السيادة ما جلب، ثم إنه ولي نقابة الأشراف بدمشق، ونظر الديوان، وجلس في دسته كأنه كسرى في الإيوان، ولما وصل غازان إلى دمشق، واستحوذ عليها ووصل بغول المغول إليها دخل في تلك القضيه، وجبى الأموال من الرعيه، ولما نصر الله الإسلام، ورفع ما كان تنكس منه من الأعلام عوقب الشريف وضرب، وسجن وسحب، وصودر هو وأخوه الشريف أمين الدين، وأخذ منهما جمله، ومزق الله سعدهما وشت شمله. ثم طلب زين الدين إلى القاهرة، ودامت شدته متظاهره، فطلبه الأفرم مرات ليحاققه، ويبصر إن كان الحق معه ليوافقه، فلما أرسل إليه ولاه نظر ديوانه، وألقى إليه من أمره فضل عنانه، وولاه أيضاً نظر الجامع وغيره، ثم إنه عاد إلى مدرج طيره.
ولم يزل على حاله إلى أن شخصت عينه، ووافاه حينه.
وتوفي في سادس ذي القعدة سنة ثمان وسبع مئة.
وهو، ﵀، والد السيد علاء الدين نقيب الأشراف. وكان الأفرم قد ولاه نظر ديوانه عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني في جمادى الأولى سنة ثمان وسبع مئة، ولما مات كان بيده نظر ديوان الأفرم، ووكالة الأفرم، ونظر الجامع، وبقي في ذلك مدة يسيرة نحو خمسة أشهر، وتوفي رحمه الله تعالى وعمره نحو خمسة وخمسين عاماً، وتولى نظر الجامع بعده القاضي شرف الدين بن صصرى، وكان قد ولي نقابة الأشراف في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبع مئة.
стр. 985
الحسين بن محمد بن إسماعيل
الشيخ الجليل الزاهد العابد الكبير نجم الدين أبو عبد الله القرشي المعروف بابن عبود.
كانت له وجاهة في الدولة عظيمه، ومكانة دونها النجوم التي تزين الليالي البهيمه، إذا قام في أمر كان به أقعد من الوزير، وأنفذ فيه من الأسد إذا يزير، خبيراً بطرق السعي، قديراً على ما يرويه لما لعهوده من الرعي، وهو الذي قام في ولاية الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد حتى تولى القضاء وألزمه بقبول ذلك الضيق بعدما كان فيه من الفضا، لأنه ما زال وجيهاً في الدول، معظماً عند الملوك الأول.
ولم يزل على حاله إلى أن أفل نجمه فما طلع، ولحق الناس ما لحقهم عليه من الهلع.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة الجمعة ثالث عشري شوال سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة وقد جاوز السبعين. وحضر جنازته جمع عظيم، وقام بالمشيخة بعده في الزاوية ابن أخيه الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ بدر الدين حسن، وزاويتهم في القرافة مشهورة.
الحسين بن محمد بن عمر
ابن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن محمد بن المسلم بن هلال، الصدر الأصيل معين الدين أبو علي بن الشيخ الصدر الكبير عماد الدين بن هلال الأزدي الدمشقي.
стр. 986
سمع من ابن أبي اليسر، وأبي بكر بن محمد النشبي، وسعد الدين بن حمويه، والمسلم بن علان، وابن شيبان، والرشيد العامري، وجماعة.
وحدث. وكان يشهد على الحكام وهو منقطع عن الناس. فيه مروة وإحسان، وكرم ومعرفة بالأمور.
توفي رحمه الله تعالى ثاني عشر جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة.
حسين بن محمد بن قلاوون
الأمير جمال الدين ابن السلطان والملك الناصر بن السلطان الملك المنصور.
كان من أولاد السلطان الملك الناصر، ولم يتول الملك، وهو آخر أولاد السلطان موتاً فيما أظن، وخلف أموالاً عظيمة، وكان الناصر حسن وغيره من إخوته يخافونه.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وسبع مئة.
وكانت تختلف عليه الأحوال؛ تارة يكون أمير مئة مقدم ألف، وتارة أمير طبلخاناه.
أبو الحسين بن محمود
ابن أبي الحسين بن محمود بن أبي سعيد بن أبي الفضل بن أبي الرضا: الإمام جمال الدين الربعي البالسي.
стр. 987
كان قد أم بالشجاعي مدة، وترقى إلى أن أم بالسلطان الملك الناصر محمد من سنة ثمان أو سنة تسع وتسعين وست مئة إلى حين وفاته. وكان أكبر الأئمة.
وكان شيخاً فاضلاً عالماً، برياً من الكبر سالماً، كثير التلاوة للقرآن، حسن الأخلاق مع الأصحاب والإخوان، كتب بخطه الكثير، من ذلك كشاف الزمخشري، تفسير القرآن الكريم.
وكان حسن الخط، جيد الضبط، قسم أوقاته ما بين التلاوة والذكر والتسبيح والمطالعة وكتابة العلم. وكان يتهجد كثيراً.
وقرأ بالسبع على الشيخ برهان الدين المالقي. وقرأ عليه مختصره للمقرب بحثاً، وحفظ أكثره.
وقدم القاهرة سنة ستين وست مئة، وأقام بها إلى أن توفي بها بمنزله في درب الأتراك، في شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولده ببالس سابع عشر شهر رجب سنة ست وأربعين وست مئة.
قال شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي: سألته عن اسمه فقال اسمي كنيتي، وهكذا سماني والدي.
قلت: وتزوج شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس ابنته فيما أظن.
الحسين بن يوسف بن المطهر
الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون، جمال الدين بن المطهر الأسدي الحلي المعتزلي.
стр. 988
عالم الشيعه، والقائم بنصرة تلك الأقاويل الشنيعه، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته، ودلت على كثرة أدواته، وكان ريض الأخلاق حليما، قائماً بالعلوم العقلية حكيما، طار ذكره في الأقطار، واقتحم الناس إليه المخاوف والأخطار، وتخرج به أقوام، ومرت عليه السنون والأعوام، وصنف في الحكمه، وخلط في الأصول النور بالظلمه، وتقدم في آخر أيام حزابندا تقدماً زاد حده، وفاض على الفرات مده.
وكان له إدارات عظيمه وأملاك لها في تلك البلاد قدر جليل وقيمة، ومماليك أتراك، وحفدة يقع الشر معهم في أشراك.
وكان يصنف وهو راكب، ويزاحم بعظمته الكواكب. ثم إنه حج وانزوى، وحمل بعد ذلك الرهج وانطوى.
ولم يزل بالحلة على حاله إلى أن قطع الموت دليله، ولم يجد حوله من حوله حيله.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر الله المحرم سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وقيل: سنة ست وعشرين وسبع مئة، وقد ناهز الثمانين.
ومن تصانيفه شرح مختصر ابن الحاجب، وهو مشهور في حياته وإلى الآن، وله كتاب في الإمامة رد عليه العلامة تقي الدين بن تيمية في ثلاث مجلدات كبار، وكان يسميه: ابن المنجس، وله كتاب الأسرار الحفية في العلوم العقلية.
حسين الموله التركماني
كان يحلق ذقنه، ويتركها فترى كأنها ظرف حقنه، ويمشي في الطرق حافيا،
стр. 989
ولم يكن عن النجاسات متجافيا، وسخ الثياب دون الإهاب، يحدث نفسه، ويحرك رأسه، ويكثر الحلف بالله تعالى، وربما نطق بشيء من الغيب وتعالى، وبعض الناس اعتقد صلاحه، وبعض الناس ودلو أغمد فيه سلاحه.
الألقاب والأنساب
الحصيري: نظام الدين أحمد بن محمود.
الحظيري: شمس الدين عبد القادر بن يوسف بن حشيش علم الدين مسعود بن أبي الفضل، وولده معين الدين هبة الله.
أبو حفص
الشيخ زين الدين قاضي القضاة المالكي بحلب.
كان رجلاً معدوداً برجال، وخصماً لا تثبت له الخصوم في مجال، ولا يقعقع له بالشنان، ولا يولي الدبر من بارقه سيف ولا لمع سنان، يطلب ولا يني فتورا، ويدأب ليله ونهاره على التقدم، ولا يراه الدهر ضجورا. تقدم من غير علم بسعيه، وخدم الناس حتى التزموا بحقه ورعيه.
ما زال يسعى إلى أن قال حاسده ... له طريقٌ إلى العلياء مختصر
ولي القضاء بحلب، وتوجه إليها في أوائل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها قاضي القضاة إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
وجاء الخبر إلى دمشق بموته في أوائل شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
стр. 990
وثور في هذه المدة نعمةً طائلة، وحصل كتباً كثيرة. وكان في أول حاله بدمشق أميناً في طواحين الأشنان، ثم إنه بقي يخدم كتاب الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب دمشق، فيستخدمونه في الأمانات على بيوع حواصل الأمير، ثم جلس في حانوت الشهود، وبقي يتوجه في كل سنة صحبة بدر الدين الغزي إلى القدس شاهداً على حاصل قمامة. ولما عزل القاضي شهاب الدين الأرتاحي المالكي من قضاء حلب شرع يسعى في المنصب والناس يعجبون منه إلى أن ورد المرسوم بتوجهه إلى حلب.
وقلت أنا فيه:
اجهد ولا تقتصر يوماً على طلب ... فالشّهم من لم يقف في السعي عند طلب
هذا أبو حفص مع جهل يؤخّره ... سعى إلى أن غدا قاضي قضاة حلب
الألقاب والأنساب
ابن أبي حليقة: علم الدين رئيس الأطباء بمصر إبراهيم ابن أبي الوحش.
ابن الحلبي: القاضي بهاء الدين ناظر الجيش بمصر عبد الله بن أحمد، وولده القاضي فخر الدين ناظر جيش دمشق محمد بن عبد الله.
والحلي: صفي الدين الشاعر عبد العزيز بن سرايا.
والحلي الرافضي: علي بن حسن.
حمادالمقرب الحلبي
ابن الشيخ الصالح الزاهد العابد المقرئ البركة المقرب الحلبي.
стр. 991
كان هذا الشيخ حماد لله وليا، وبكل خير مليا، جاهد دنياه وسلاحه صلاحه، وجاهر أولاه بالإعراض عن زخرفها فلاح فلاح فلاحه، وعمل على النجاة في أخراه فركب طريقها، وصحب أهلها ورافق فريقها. أنوار الصلاح عليه تلوح، وأرج الولاية من أردانه يفوح.
ظهرت له أحوال وكرامات وقام ليله فالتهجد عاش والكرى مات، وصام نهاره وأوقاته كسب وهي للبطال غرامات. جانب ما يدعى بدعا، وحارب شهوات نفسه ورعى ورعا.
زرته في جامع التوبه، وما كادت تصح لي نوبه، واجتهدت على الثانية، فما اتفق لي إليه أوبه، ورأيت منه رجلاً قد أعرض عن العرض الفاني، وأمسك الجوهر الباقي، وترك الدني الداني، وحصلت لي منه بركات، ووصلت إلي بسببه حركات.
وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يعظمه ويعترف بصلاحه، ويشهد باعتزاله عن الناس وانتزاحه، ويتحقق أنه ممن نأى عن الناس وطار بجناح نجاحه. وحسبك بمن ثبت نضاره على ذلك المحك، وأصغى لحديثه وما قطعه من حيث رق ولا رك.
ولم يزل على حاله إلى أن آثر الله لقاءه، ورأى انتقاله إليه وانتقاءه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وعشرين وسبع مئة بدمشق في عشري شعبان.
وكان الشيخ حماد قد ورد من حلب ونزل بظاهر دمشق على رجل من الأولياء بمرج الدحداح، ثم إن الشيخ حماداً انقطع بجامع التوبة يقرئ القرآن تبرعاً، لا يأخذ عليه أجرةً غير الأجر، وكان لا يزال متوجهاً إلى القبلة على طهارة كاملة، لا يبل
стр. 992
لأحد شيئاً إلا من قوم قد صحبهم ووثق بهم وعرف ما هم عليه، وهو مستمر الصيام الدائم والاعتكاف الدائم والتلاوة، هذا وقد جاوز التسعين.
ولم يكن يدعي ولا يفتخر، وكان إذا اضطر إلى ذكر شيء من حاله، قال: كان فقير، أو حكى لي فقير، ولا يصرح بذكر نفسه أبداً، ورأيته وعلى جسمه بلاس شعر تحت القميص، وهو شيخ قد أفنته الليالي والأيام وأنحلته العبادة والمجاهدة، وكانت له جنازة عظيمة إلى الغاية.
ابن حماد: محمد بن إسماعيل.
ابن حماد: خطيب حماة: يوسف بن أحمد.
ابن الحمامية: مسعود بن سعيد.
حمزة بن أسعد
ابن مظفر بن أسعد بن حمزة: الصدر الكبير الرئيس الصاحب عز الدين بن مؤيد الدين بن مظفر ابن الوزير مؤيد الدين أسعد القلانسي التميمي الدمشقي.
كان رئيس الشام وعلم الأعيان، وعين الأعلام، ذا رأي وبصيره، ويد لم تكن في المكارم قصيره. جرى في السيادة على أعراقه، وترنح في روض الرياسة كالغصن في أوراقه، له تجارب، وله غوص في الشدائد إذا نزلت به ومسارب، قد لبس الزمان، وعرف الإخوان، وقالب الدول، وصور بين عينيه سيرة الملوك الأول، صاحب حزم، ورب همة وعزم، وأخا خبرة ودهاء، ومعرفة وذكاء، وافر العقل، يتحرى الصواب إذا ورد عليه النقل. له في مصر والشام وجاهه، والملوك ومن دونهم يعرفون
стр. 993
قدره وجاهه، لا ترد له شفاعه، ولا يجلس في مكان إلا توخى رفاعه. أملاكه يعجز عن نظيرها الملوك، وأمواله وجواهره تضيق بها الصناديق والسلوك. قدم أناساً كثيرين واستخدمهم، وبرقعهم بالرياسة وقدمهم.
ولم يزل على حاله إلى أن لبد الموت عجاجته، وكدر مجاجته.
وتوفي رحمه الله تعالى سادس ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
سمع من ابن عبد الدايم، والرضي بن البرهان، وابن أبي اليسر.
وحج مرتين.
وحدث بدمشق والحجاز، وكان قد توجه إلى مصر، واجتمع بالنائب والسلطان وخلع عليه، وعاد في شهر رمضان سنة أربع وسبع مئة، وتوجه أيضاً إلى مصر، وعاد في شهر رمضان سنة ست وسبع مئة، ومعه أمين الدين بن القلانسي، وخلع عليه بطرحة.
وفي ذي القعدة سنة عشر وسبع مئة لبس خلعة الوزارة بدمشق، وكتب في تقليده: الجناب العالي كما يكتب للنائب تعظيماً له.
وأوقع الحوطة عليه الأمير سيف الدين كراي نائب الشام، وعلى جماعة من غلمانه
стр. 994
في يوم الأحد سابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، واستمر في الترسيم أكثر من شهرين. وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى من السنة.
أحضره كراي وادعى عليه بريع الملك الذي أشهر عليه القاضي نجم الدين الدمشقي ببطلان بيع الملك الذي اشتراه من تركة قلاوون في المرثا والسبوحة والفضالية، لكونه بدون قيمة المثل، ولعزل الوكيل الذي صدر منه البيع قبل عقد البيع، ولوجود ما يوفى منه الدين غير العقار، وفيما بعد ذلك أمسك كراي، وخرج الصاحب عز الدين من الاعتقال في يوم الخميس ثالث عشري جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة من دار السعادة إلى الجامع، وصلى الظهر، وتوجه إلى داره، ووقف له الناس في الطرق، وأوقدوا الشموع.
ثم إنه عاد وجلس بدار الحديث أكثر من عشرين يوماً، إلى أن وصل نائب السلطنة الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك، ثم إنه وصل تقليده بإعفائه من الوزارة، واستقراره في وكالة السلطان، وتوجه إلى الديار المصرية، وغاب شهراً، وعاد على يده كتب السلطان بأنه باق على وكالته، وأن القضاة يحترمونه ويسمعون كلامه، والإنكار لما ثبت عليه وأن ذلك لم يأذن فيه السلطان، وذلك بإعانة القاضي كريم الدين الكبير.
وخلع عليه في سابع عشري الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة باستمراره على نظر الخاص، وعلى الصاحب شمس الدين غبريال بنظر الوقف المنصوري، وخلع على شهاب الدين أحمد بن قطنبة التاجر بوكالة الخاص الشريف.
стр. 995
حمزة شمس الدين التركماني
الوافد من الشرق، كان ظالماً غاشماً، هادماً لمباني الخير هاشماً، له جرأة وإقدام، ومحبة في تلاف النفوس والإعدام.
تقرب إلى الأمير سيف الدين تنكز بحيله الدقيقه، وأصالته في المخازي العريقه. لم تمسكن، وتركن لما سمن بعد الهزال وتعكن، فخرب بيوتاً وزاد متزلزل الشر ثبوتا. وصار يركب في البريد ويفعل في مصر والشام كل ما يريد.
وصار يتحمل المشافهات بين تنكز والسلطان، ويحي إليهما من أذى الناس ما لا يوسوسه الشيطان ودخل معهما في عظائم، وحرك ما كان ساكناً من النمائم، وبدل النسمات العليلة بالسمائم، وآذى أناساً بكت عليهم الغمائم وناحت الحمائم، ولو دام أمره شهراً آخر أهلك الحرث والنسل، ونقل المناصب الجليلة من الكفء الكريم إلى اللئيم الفسل. ولكن أخذه الله من مأمنه. وأثار إليه الشر والهلاك من معدنه، فقطعت أربعته ولسانه، وتنوع قبل ذلك عقابه وذله وهوانه.
وكان هلاكه في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
كان في أول أمره قد وفد من تركمان الشرق، واتصل بخدمة الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، ولم يزل يحتال بكل حيلة إلى أن بقي يصغي إلى كلامه، ويقبل عليه بوجهه، وأظهر عليه معرفة بلاد التتار، فسيره مرة إليها، وأمره أن يشتري له من هناك جارية، فأحضرها فأعجبته ووقعت من قلبه، وصارت حظيته، وصار بعد ذلك يستمر عنده بالليل، وينفرد به، وكان عنده كتاب شاه نامه في أخبار
стр. 996
الفرس، فصار يحفظ من ذلك في النهار ويورده عنده في الليل، وتكرر منه ذكر رستم في تلك الحكايات، وكان يسميه رستم، ثم إنه أخذ في الحط على ناصر الدين محمد بن كوندك دواداره، وهو ما هو عنده من التمكن والمحبة وعلو المكانة، ويذكر جماعته الذين في خدمته، وقرر عندهم أموراً وهم غافلون عنها، إلى أن تحقق بعض ما أوحاه إليه، فعظم ذلك عنده وتمكن حمزة. ولم يزل إلى أن عقر الدوادار، وعمل على قتل علي بن مقلد حاجب العرب، وأبعد الدوادار.
وانتقل منه إلى القاضي شرف الدين أبي بكر بن الشهاب محمود كاتب السر وكان عنده جزءاً لا يتجزأ، وعلى علاء الدين بن القلانسي ناظر ديوانه، وعلى قاضي القضاة جمال الدين بن جمله، وعقر جماعة من البريدية وغيرهم، وتقدم، وصار في رتبة ناصر الدين الدوادار، وصار يروح إلى مصر في البريد ويجيء، ويتحمل المشافهات من السلطان إلى تنكز ومن تنكز إلى السلطان.
وعمل بعد ذلك على جماعة من مماليك تنكز وخواصه الأقدمين، وأبعدهم ونفاهم، ولم يبق عنده أحد في مرتبته، وتمرد وتجبر، وطغى وتكبر، وظلم وبالغ في العسف والجور، وعمر حماماً عند القنوات وشيده وزخرفه، فكثرت الشكاوى عليه في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. فتنمر له الأمير سيف الدين تنكز وسجنه وعذبه، ورماه بالبندق الرصاص وهو واقف قدامه عريان، لأنه هو كان يشير عليه بذلك، فذكر هذه العقوبة ولم يستعملها إلا في حقه حتى تورم، وعمل النساء قماشاً لبسنه في ذلك العصر وسمينه بندق حمزة، وما رق له أحد من سوء ما عامل به الناس.
стр. 997
ثم إنه نقله من حبس القلعة إلى حبس باب الصغير مدة، ثم أفرج عنه، ثم بلغه عنه كلمات سوء في حقه، فبعث به إلى مغارة زلايا، فقطع هناك لسانه من أصله، وقطعت يداه ورجلاه فيما قيل، وأصبحت جمرة حمزة رمادا، وبلغ الله عدوه فيه مرادا! وكانت مدته دون السنتين أو ما حولها، وله في الظلم والجبروت والفرعنة حكايات، وجد الجزاء عن بعضها في الدنيا.
حمزة بن شريك
الأمير شمس الدين التركماني، المقيم بالقبيبات، أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق.
حج بالركب في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، وهي السنة التي حج فيها الأمير سيف الدين تنكز.
وتوفي شمس الدين حمزة هذا في ثالث شوال سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وجاء الأمير سيف الدين
خاص ترك
على إقطاعه.
الألقاب والأنساب
الحمصي: الأمير علم الدين سنجر.
حمص أخضر: الأمير سيف الدين طشتمر نائب حلب وصفد ومصر.
ابن حمويه: إبراهيم بن محمد.
стр. 998
حميد بن عيسى
الأمير شهاب الدين أخو الأمير سيف الدين بن فضل.
ورد كتاب الأمير رمله بن جماز في شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وسبع مئة أن عرب الحجاز قتلوه.
وكان رحمه الله تعالى أعور.
ابن حميد: ناظر الجيش، شمس الدين أبو طالب.
حميضة
بالحاء المهملة وفتح الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها ضاد معجمة: كان أمير مكة، ولقبه عز الدين. وهو ابن الأمير الشريف أبي نمي صاحب مكة.
وكان حميضة هذا قد خرج عن طاعة السلطان، وعصى عليه، وآثر اتباع الشيطان. فولى السلطان أخاه الأمير سيف الدين عطيفه، وحرم جفنه أن يرى طيفه. وبقي حميضة في البرية مشردا، وأمره بين الشر والفساد مرددا، والطلب يضيق عليه الخناق، ويسد عليه فضاء الآفاق، وأهل مكة خائفون من شره، طائفون بالكعبة هرباً من خبث باطنه وسره.
وكان في السنة الماضية قد هرب من مماليك السلطان الملك الناصر محمد لما حج
стр. 999
ثلاثة نفر فلحقوا به، وأقاموا عنده، ثم تبين لهم منه أنه ربما يرسلهم إلى السلطان، فقتلوه في وادي بني شعبة، وحضروا إلى مكة، فقيدوا الذي تولى قتله، وجهزه عطيفة إلى السلطان، فقتله به.
وكانت قتلة حميضة في جمادى الآخرة سنة عشرين وسبع مئة.
وكانت قد جرت بينه وبين أخيه أبي الغيث وقعة، فخرج أخوه أبو الغيث، ثم إنه ذبح بأمر أخيه حميضة في ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة.
وكان السلطان قد جرد إليه عسكراً، فلما أحس بذلك في ذي القعدة سنة خمس عشرة وسبع مئة نزح قبل وصولهم بستة أيام، وأخذا المال النقد والبز، وهو مئة حمل، وأحرق الباقي في حصنه الذي له بالجديد، وبينه وبين مكة ثلاثة أيام، وقطع ألفي نخلة، والتجأ إلى صاحب الحليف، وهو حصن بينه وبين مكة ستة أيام، وصاهره، فلحقه العسكر، وواقعوه، وأخذوا جميع مال حميضة، وأحرقوا الحصن وأسروا ابن حميضة، وسلموه إلى عمه رميثة.
واستقر رميثة أمير مكة، ولحق حميضة بالعراق، واتصل بخربندا، وأقام في بلاده أشهراً، وطلب منه جيشاً يغزو بهم مكة، وساعده جماعة من الرافضة على ذلك، وجهزوا له جماعة من خراسان، فما اهتموا بذلك حتى مات خربندا، وبطل ذلك.
وكان الدلقندي الرافضي قد قام بنصرته، وجمع له الأموال والرجال على أن
стр. 1000
يأخذ له مكة، ويقيمه بها، ثم إن محمد بن عيسى أخو مهنا هو وجماعة من العرب وقعوا على حميضة وعلى الدلقندي، فأخذوا ما معهما من الأموال، ودثر حميضة. وكان محمد بن عيسى له مدة في بلاد التتار قد خرج عن طاعة السلطان فحضر عقيب ذلك إلى بلاد الإسلام، فرضي السلطان عنه لذلك.
الألقاب والأنساب
ابن حنا: الصاحب تاج الدين محمد بن محمد. وشهاب الدين أحمد بن محمد.
ابن حلاوات: موقع طرابلس عمر بن أحمد.
حينئذ: محيي الدين عبد القادر بن أحمد.
الحيسوب: جمال الدين الكاتب عبد الكافي بن عثمان.
ابن أبي الحوافر: بهاء الدين علي بن عثمان. وجمال الدين عثمان بن أحمد.
الحيالي: محمد بن شرشيق.
ابن الحيوان: يوسف بن موسى.
الحوراني: المنشد سليمان بن عسكر. والمحدث يوسف بن محمد.
стр. 1001
حرف الخاء
خاص ترك
الأمير سيف الدين الناصري.
كان عند الملك الناصر في الدفعة الأولى والخواص الذين حضروا معه من الكرك، ولهم عنده اليد الطولى.
وكان شكلاً حسناً، تام الظرف، حلو الوجه، أبيض الثغر، أسود الطرف، له قد يقول الرمح إذا رآه: هذا الأسمر ما أذبله! وذؤابة حب القلوب تجمع فيها، فصارت سنبله. وكانت مع طوله تنزل شبراً عن الحياصه، وإذا خطر بها تهتك المتيم حتى يقول الحيا: صه.
وكان ريض الأخلاق زائد الحلم، لين الجانب في الحرب والسلم.
حضر إلى الشام قبل الثلاثين وسبع مئة، وأقام به إلى أن غرب بدر التمام، وبكى عليه حتى الغمام.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في يوم الخميس عاشر شهر رجب.
وكان قد زوجه السلطان بابنة الأمير سيف الدين سلار، ولما نزل من القلعة سكن
стр. 1002
في دار سلار بين القصرين، فأقام كذلك مدة، وجهزه إلى الشام أميراً. وهو والد الأمير صلاح الدين خليل أحد أمراء مصر والشام.
الألقاب والأنساب
الخازن: الأمير علم الدين سنجر. والأمير سيف الدين طقتمر. والأمير علاء الدين مغلطاي.
خالد بن المصنف المغني
كان فريد دهره، ووحيد عصره، يعرف علم الموسيقى، ويجيد الضرب بالدف، حتى كأن النغم والضرب له سيقا، قد ملك هذه الصناعة؛ فصارت له ملكه، واقتدر على أصولها وفروعها، وأتى فيها بما لا ذاقه الفارابي ولا علكه. لم أر في عمري مثل اقتداره على هذه الصناعه، ولا مثل سرعة تصنيفه إذا فتح فمه أو مد على الطار ذراعه. قد نظم له عقد هذه الصناعة سلكا، وحاز إرث ما في الأرتماطيقى ملكا. قد عرف النقرات، وما لها من أنس الطباع والنفرات، والأدوار وما لها في الطرب من الإدارات، وجلس في قاعات الإيقاعات، وظهر كالبدر في دارات الطارات.
كان يسافر مع الأمير سيف الدين تنكز في الصيود، وتضمنا وإياه تلك الأغوار والنجود، فننظم له المقطوع الشعر، ونلقيه عليه بما يراه من السعر، فيصنع له في الوقت لحنا، ألذ عند النحوي من إعراب لا يرى فيه لحنا، كأن الله سخر له هذا الأمر وخلقه وفق ذوقه، وجعل من تقدمه تحت تخت هو وحده من فوقه، فكم له ساذخ كله طراز، وكم له من قول ما لحقيقة أحد إليه مجاز. ونقل الناس عنه وإلى الآن أقوالاً
стр. 1003
معروفه، وسواذخ بالإتقان موصوفه، كل ساذخ كأنه قول أو شيء ما نسخ المتقدمون له على نول، لما فيه من الرنانات المختلفه، والإيقاعات المؤتلفه. ولقد رأيت بمصر جماعة من أرباب هذا الفن وأستاذيه، ومن يعرف هادي طريقته من هاذيه يعترفون له ويعظمونه، ويأخذون در قوله وينظمونه، وقالوا: هذا خالد، ذكره إلى يوم القيامة خالد، لأن علم النغم قال له دون الناس: نعم.
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن حمل على عود المنايا، ولم يسمع الناس بعده شبابة ولا ناياً.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وثلاثين وسبع مئة تقريباً.
وقلت أنا في رثائه تضميناً:
قد مضى خالد المغنّي وولّى ... وعليه الدموع وقفاً جوار
كم له نوبة، وما كان فينا ... بأميرٍ، تدقّ في الأسحار
ولأقواله المطاعة يعنو ... كلّ من جاء باقي الأعصار
هكذا فلتكن أمارة من أت ... قن فناً وغيره ذو افتقار
رحمة الجنك والدفوف عليه ... وصلاة العيدان والمزمار
خالد بن إسماعيل بن محمد
القاضي الرئيس شرف الدين بن القيسراني المخزومي الشافعي، موقع الدست الشريف بدمشق، ابن القاضي عماد الدين - وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة وتمام نسبه هناك - وأخو القاضي شهاب الدين يحيى، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الياء.
стр. 1004
كانت فيه رئاسة عظيمه، وسيادة تجلو ظلم الدياجي البهيمه، ومروءة تحمله ما لا يطيق، وعصبية يسير في طريقها مفرداً بلا رفيق، وكرم أنسى خالد به ذكر البرامكة الخالد، وأحيا بطارفه ميت مجده التالد، وقال له كل مؤمل: وبررتني حتى كأنك والد، وإقدام حتى على الأسود والأساود، يذوب عند شمسه الجليد، وشجاعة لا تنكر له فإن ممن ينسب إلى خالد بن الوليد.
وكان في ضميره من الترقي آمال، وله في ذلك نيات صادقة وأعمال، وعنده تشوف إلى وراثة ما لأسلافه من المناصب وله تطلع إلى ارتجاع ما سلبته الليالي بأيديها الغواصب، فحال بينه وبين الوصول إليها حلول أجله، ولم يفرح ذووه وأصحابه ببلوغ سؤله ولا نيل أمله:
تقول له العلياء لو كان نالها ... وجادل فيها من رآه يجالد
وهبت سراة الناس ما لو حويته ... لهّنئت الدّنيا بأنّك خالد
ولم يزل في توقيع الدست إلى أن وقع في المحذور، وأغمد القبر منه شبا السيف المطرور.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة السبت ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبع مئة، ودفن بالقبيبات في تربة الصاحب شمس الدين غبريال.
ومولده ...
وكان والده رحمه الله تعالى لما قدموا إلى دمشق من حلب قد زوجه بابنة الصاحب شمس الدين غبريال، واحتفل به، ورتبه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى في جملة كتاب الإنشاء بدمشق، وذلك في سنة ثماني عشرة وسبع مئة أو ما قبلها، وقرر
стр. 1005
له معلوماً جيداً. ولما توجه الصاحب شمس الدين إلى نظر الدولة بالديار المصرية توجه معه، ولما عاد منها عاد معه إلى دمشق.
وكان مفرط الجود والكرم، تحمل للتجمل من الديون ما بهظه حمله وآده ثقله، لا تليق كفه درهما ولا ديناراً، غزير المروءة، شجاع النفس، كثير الإقدام على الأخطار، سلمه الله تعالى مرات من العطب لصفاء نيته، وحسن سريرته.
ولما ملك الفخري دمشق في نوبة ألطنبغا جعله كاتب سره، ونفع الناس وولاهم الوظائف، ولم يأخذ من أحد شيئاً. ولما صار الفخري في دمشق، وسكن القصر الأبلق ولاه وكالة بيت المال بدمشق، مع توقيع الدست. ولما توجهوا إلى مصر مع الفخري خرجت عنه للقاضي شرف الدين بن الشهاب محمود، ثم إنه في أيام طقزتمر جلس في توقيع الدست بدمشق.
وكان ينفع الناس قدام النواب، ويثني على من يذكر عندهم، لما عنده من المروءة والعصبية.
وكان يصحب الأمراء، وصحب الأمير فخر الدين أياز نائب حلب، ووقع بينه وبين يلبغا، وطلبه يوم الجمعة يوم هروبه من دمشق، ولو أظفره الله به وجد منه شراً كبيراً، ولكن الله سلم.
وصحب الأمير سيف الدين أرغون الكاملي وهو في مصر. ولما صار في حلب نائباً استمر على صحبته إلى أن عمل نيابة الشام، ثم توجه لحلب ثانياً، ومنها إلى مصر، ولما حضر إلى القدس كان هو وكيله، وقصاده تنزل عنده، وتقضي أشغاله.
стр. 1006
وكان فيه خدم للناس كلهم مع إيثاره الفقراء والصالحين، وقضاء أشغالهم وبرهم، وفطورهم في شهر رمضان عنده.
وكان قد قرأ القرآن، وحفظ المنهاج للنووي، وسمع على القاسم بن عساكر. وما رأيت أخطر من أمراضه، ولا أصح من جسمه مع كثرة أمراضه وعلله. ولما كان شاباً كان لا يزال أرمد، ثم لما تكهل كان يتبيع به الدم، فيثور به كل قليل، ويكاد يقتله ويخرج في وجهه أنواع من الماشرا والأمراض الدموية القتالة، وينجيه الله تعالى منها، إلى أن حصلت له قرحة، فأتت عليه، وطولت به قريباً من ثلاثة أشهر.
وكان فصيحاً في اللغة التركية كأنه فيها بلبل.
اللقب والنسب
الخالدي صاحب الديوان بالممالك القانية، أحمد بن عبد الرزاق.
ابن الخباز جماعة، منهم: المحدث نجم الدين إسماعيل بن إبراهيم. ومنهم: شمس الدين محمد بن عمر الحلبي الدمشقي. الختني بدر الدين يوسف بن عمر.
خديجة بنت زين عبد الرحمن
ابن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد المقدسية أم محمد، أم صلاح الدين، وزوج شرف الدين بن الشيخ شمس الدين الحنبلي.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روت لنا عن خطيب مردا، وسمعت من اليلداني، ومحمد بن عبد الهادي، وإبراهيم بن خليل، وابن عبد الدايم. وأجاز لها سبط السلفي، وجماعة.
стр. 1007
وتوفيت رحمها الله تعالى في رابع عشري جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولدها تقريباً سنة سبع وأربعين وست مئة.
اللقب والنسب
ابن الخراط علي بن عثمان. ابن الخشاب صدر الدين أحمد بن عيسى. ابن الخشاب مجد الدين عيسى بن عمر. ومشد الدواوين محمد بن يحيى.
خضر بن بيبرس
الملك المسعود بن الملك الظاهر.
كان من أحسن الناس في الشكاله، وأحق من يجعل الحزن والبكا له، عاقلاً مهذباً، ساكناً مدرباً.
أبعد في البحر إلى الأشكري النصراني، وسلاهو وسلامش أخوه مصر، كأنما قالت: لا أراك ولا تراني، وأقام هناك إلى أن توفي أخوه، وعلم أنه قد قل بل عدم مصرخوه، فحضر بعد ذاك خضر، ورأى رونق مصر النضر. فقيل: إنه سقي السم، وعدم من النسيم الشم.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة.
ولما مات كان في سن الكهولة، ووصل إلى مصر من بلاد الأشكري في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.
стр. 1008
وكان قد ملك الكرك بعد أخيه الملك السعيد، ثم اقتضت آراء الدولة تجهيزه مع أخيه العادل سلامش.
وفي هذا خضر قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر لما ختنه والده الملك الظاهر:
هنّئت بالعيد وما ... على الهناء أقتصر
بل إنها بشارة ... لها الوجود مفتقر
بفرحة قد جمعت ... ما بين موسى والخضر
قد هيّأت لوردكم ... ماء الحياة المنهمر
الخضر بن عبد الرحمن
ابن الخضر بن الحسين بن الخضر بن الحسين بن عبد الله بن عبدان: الشيخ الأصيل شمس الدين بقية المسندين الدمشقي الكاتب.
تفرد بأشياء من المرويات والأشياخ، وأسمع إلى أن خمد عمر جمره وباخ. وسمع منه خلق على ضعفه، ورزق في ذلك سعداً لو أعفاه لم يعفه؛ لأنه كان ارتزق في خدم الجهات من المكوس وغير ذلك. ثم إنه تركه في آخر عمره، وما مر بتلك المسالك.
ولم يزل على ذلك إلى أن بطل بالموت تسميعه، وشت من الشمل جميعه.
стр. 1009
ووفاته في سنة سبع مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
وروى عن النفيس بن البن مغازي ابن عائذ، وعن ابن صصرى أبي القاسم، وأبي المجد القزويني، وزين الأمناء، والمعافى بن أبي السنان، والمسلم المازني، وابن غسان، وحضر ابن أبي لقمة. وأجاز له الموفق، والفتح بن عبد السلام.
خضر بن محمد
ابن الخضر بن عبد الرحمن بن سليمان بن علي، القاضي زين الدين بن القاضي تاج الدين بن زين الدين بن جمال الدين بن علم الدين بن نور الدين، كذا أملى علي نسبه.
قرأ القرآن، وصلى به. وسمع البخاري على الحجار، وست الوزراء، وعلى غيرهما.
وقرأ النحو على الشيخ شهاب الدين بن المرحل، وحفظ الألفيتين المالكية
стр. 1010
والمعطية. وبحث في المقرب، وصناعة الكتاب لابن النحاس، وبعض التنبية؛ تقدير الربع. وحفظ عروض ابن الحاجب، وقصيدة ابن مالك في الفرق بين الظاء والضاد. والتجريد للبحراني، في البديع.
وكان كاتباً سريعاً، وارداً من سرعة التنفيذ روضاً مريعاً، له صبر على الكتابة وجلد، وقدرة على كتمان ما دخل منه في خلد؛ إلا أنه قليل النظم إلى الغايه، إما لعسرة عليه، أو لأنه لم يكن له به عنايه.
رافقته في الديوان مرتين، وحمدت منه كل ما يشكوه من الضرتين.
ولم يزل على حاله إلى أن فقد الخضر عين الحياه، وظمئ إلى العيش فأسقاه حياه.
وتوفي رحمه الله تعالى في آخر شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبع مئة. ومولده في سنة عشر وسبع مئة.
كان في جملة كتاب الإنشاء بقلعة الجبل، ثم لما رسم السلطان الملك الناصر محمد لوالده القاضي تاج الدين محمد بكتابه سر حلب في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة دخل هو دار العدل ولما توجه القاضي جمال الدين بن الشهاب محمود إلى حلب كاتب سر في سنة ست وأربعين وسبع مئة جعله القاضي علاء الدين بن فضل الله مكانه في الحضور بين يدي النواب بمصر، واستمر به في نيابته، واعتمد عليه، وألقي إليه أمر الديوان فوفى بذلك ووفى.
стр. 1011
وكان كاتباً سريعاً، يكتب من رأس القلم التواقيع والمناشير.
وكان ينطق بالجيم كافاً.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عبدك السائل الفقير ابن خضر ... يسأل العفو والرضا والسّلامه
فعسى بالدّواة يكتب أجرا ... فأنله الرجا يا ذا الكرامه
وأنشدني من لفظه لنفسه في مقص:
يحرّكني مولاي في طوع أمره ... ويسكنني شانيه وسط فؤاده
ويقطع بي إن رام قطعاً وإن يصل ... يشقّ بحدّي الوصل عند اعتماده
ولما طلبت أيام الملك الصالح إسماعيل إلى مصر سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وجلست في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل تفضل الجماعة الموقعون، وكتب بعضهم إلي شعراً من باب الهناء، وأجبته عنه. ثم إنه بعد مدة كتب زين الدين هذا:
تأخرّت في مدحي لأني مقصّر ... وفضل صلاح الدين لا زال يستر
خليلٌ له الآداب حقّاً ينالها ... جليلٌ به الأصحاب تسمو وتفخر
لقد آنس الأمصار لّما أتى لها ... وأوحش ربع الشام إذ كان يقفر
فلا شهدت عيناي ساعة بعده ... ولا سهدت شوقاً إليه فتسهر
ودام عليّ القدر يرقى إلى العلا ... محامده بين الأنام تسطّر
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
تفضّلت زين الدين إذ أنت أكبر ... وأشرف من مدح به العبد تذكر
فشرّفت مدري حين شنّفت مسمعي ... فيا من رأى شعراً على الدرّ يفخر
стр. 1012
فما هو شعرٌ يحصر الوزن لفظه ... ولكنّه شيء من السّحر يؤثر
يجوز بلا إذن على الأذن خفّةً ... كأنّ الزّلال العذب منه يفجّر
فها أنا منه في نعيمٍ مخلّدٍ ... وعيشي بخضرٍ في ربا مصر أخضر
وكتب إلي أيضاً ملغزاً: يا سيد العلماء والبلغاء، والكتاب والأدباء، ما اسم أول سورتين من القرآن، وحرف من أول سورة أخرى، وهو ثلاثة أحرف، وتلقاه ثمانيه، إذا أفردت مجموعه سراً وجهراً، أول حروفه إليه ينسب أحد الجبال، وآخرها قسماً لا تزال، إن حذفت أوله وصحفت ثانيه فهو ظن حقيقته الآمال، أو صحفت جملته كان وصف مؤمن يجري على هذا المنوال، أو حذفت أوسطه مع التحريف كان عبداً لا يعتق، أو حذفت آخره مع بقاء التحريف كان حيواناً يسرق ولا يسرق، ويأنس وينفر، ويقيد بالإحسان وهو مطلق، يطوف بالبيت، ويأوي في المنازل إلى الحي والميت، ولا يباع ولا يشترى، وعينه المجاز حقيقة تبلغ قيمة بل تماثل جوهرا، وإن أبقيت هذا الاسم على حالته، فهو شيء لا يستغني عنه مسجد ولا جامع، ولا بيع ولا صوامع، ولا مسلم ولا كافر، ولا قاطن ولا مسافر، ولا غني ولا فقير صابر، ولا قوي ولا ضعيف، ولا مشروف ولا شريف، ولا خائن ولا مأمون، ولا حي ولا من سقي كأس المنون، ومع ذلك فهو جليل حقير، قليل كثير، يملكه المالك والمملوك، والملي والصعلوك، وهو شيء ممتهن، ويعلو على رؤوس الأمراء والوزراء والملوك،
стр. 1013
قلبه بالتحريف فعل مضى، واسم إذا نطق به قد يرتضى، وهو قد يبدو به النور في الدياجي، وعند الصباح ينقطع منه أمل الراجي، لا يستغني عنه بيت ولا بقعة، ومع ذلك يباع بفلس ودينار، وفوق ذلك في الرفعة، وهو بين واضح، فأحلله بميزان عقلك الراجح إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا الجواب عن ذلك وهو في قطن: وقف المملوك على هذا اللغز العجيب، والمعمى الذي ماله في فنه مماثل ولا ضريب، وعجبت منه نباتا نطق معكوسه، وثلثاه كتاب تزدان سطوره وطروسه، أوله يضاف إليه أكبر الجبال، ومجموعه مادة للحبال أشبه بياضا بالثلج، ومحبوبه يروق ويحسن بالحلج، قد خف على اللسان وزنه، وأعجب أرباب الأموال ادخاره وخزنه، كله نابت في التراب، وثلثاه سابح في البحر لا يستراب، إن جعلت آخره وسطا كان فعل من انقطع رجاؤه، واتسعت في اليأس أرجاؤه، وإن صحفت حروفه في هذه الحالة أتتك من الحر واقدة، وأصبحت العجاجة وهي في الجو عاقدة، وإن صحفته أيضاً كان أمةً من الأمم، وليسوا من العرب إذا عدوا ولا العجم، يعد منهم فرعون وجنوده، ولنا فيهم نسب وصهر يعزك منكره وجحوده، وإن عكسته في هذه الحالة كان آنيةً لا محالة، ولهذا اللغز أوصاف أخر لا تذكر، ولا تعرف بعد ولا تنكر، أضربت عنها خوف الإطالة صفحا، وعددت هذا القدر ربحا، لأن مولانا حرسه الله تعالى مد فيه الأطناب، واستوعب أوصافه بالإسهاب والإطناب، والله يديم حياته لأهل الإنشاء، وينشر محامده بلسان الإذاعة والإنشاء، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
خضر بن أقجبا
جمال الدين بن فخر الدين الصفدي، والده يعرف بأقجبا الساقي.
стр. 1014
انتشأ هذا في صفد جندياً مثل والده، وزاد بطارفه على تالده، وسعى حتى ولي بها عدة ولايات، وساس الناس بما رآه من الإهمال والغيابات.
ولما كان أرغون شاه بصفد ثانيا خدمه، وأثبت في الوقوف بين يديه قدمه، فرشحه للتقدم، وعمارة مجده بعد التهدم. ولما حضر إلى دمشق أتاه، ووافقه السعد عنده وواتاه، فحصل له عشرة، فجد في أمرها لما عنده من الشره.
ثم إن الحال زاد به، فسعى في ولاية مدينة دمشق فتولاها، وبقي فيها مدة وما جلاها ولا حلاها، بل راح وخلاها.
وتوفي ﵀ ثاني عيد النحر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى قد عزل من الولاية قبل موته بعشرة أيام، لأنه كان قد مرض مرضاً طويلاً، وبقي مدة عليلاً.
وكان وهو أمرد صورة في الحسن بديعه، ولما قارب التكهل استحال إلى هيئة شنيعه.
وباشر بدمشق قبل الولاية شد الزكاة.
خضر بن سليمان
الأمير ابن أمير المؤمنين المستكفي بالله.
كان ولي العهد. فتوفي في ثالث عشري جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، ودفن في التربة المظفرية جوار السيدة نفيسة خارج القاهرة.
خطاب بن محمود بن رنقش
الأمير عز الدين العراقي.
стр. 1015
كان له مال وثروه، وشيخاً قد بقي على رأي العوام بروه، وفيه خير وإحسان، وفضل أربى به على رب السيف والطيلسان.
عمر الخان بين غباغب والكسوه، وجبر به كل من يمر في الطريق من الرجال والنسوه، وعمر حماماً بحكر السماق معروفاً، وجعله بألسنة الشكر موصوفاً.
وكان فيه معروف وبر، وخير في الظاهر وفي السر.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل الخطب ب
خطاب
، وبدل أهله بنكد العيش بعدما طاب.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
خطاب
الصاحب الكبير المحترم، ركن الدين بن الصاحب كمال الدين أحمد بن خطاب الرومي السيواسي.
شيخ كبير له حرمه، وعليه أثار سعادة ونعمه، وله غلمان وأتباع وحفده، وحاله تقتضي التوسع في الحشمة والحفده.
وقف خانقاه ببلد سيواس، ووقف عليها وقوفاً كثيرة من أنواع البر التي تعم الناس.
قدم إلى دمشق، وتوجه إلى الحجاز، فمات رحمه الله تعالى بالكرك، وراح إلى الله تعالى، وترك ما ترك، وذلك في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبعمئة، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن عند جعفر الطيار ﵁.
стр. 1016
خطلو شاه
نائب التتار.
كان كافياً كافرا، داهية ماكرا، رفيع المرتبه، لا يبالي بالمعيبة ولا المعتبه.
نزل بالقصر الأبلق في واقعة غازان، وفعل كل ماشان ومازان، وتوجه إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكلمه في الرعية، فتنمر عليه، وأعرض عنه، ولم يلتفت إليه.
وكان مقدم التتار يوم شقحب، فعاد بلا أهل، ولا أهل ولا مرحب. وانهزم خاسئاً، وأصبح مكلوءاً معكوماً بعد أن كان كالماً كالئاً.
وجهزه غازان في جيش كبير من المغل لمحاربة صاحب جبال كيلان، فبيته الملك دوباخ، وبثقوا عليهم الماء في الليل فغرقوا، وأظهروا لهم النيران من كل جانب، وأزعجوهم بالصياح إلى الصباح، فغرق أكثرهم، ورماه دوباج بسهم ما أخطأ حبة قلبه، ودخل عليه الموت بهمزة سلبه. وفي هذه الواقعة قتل الشيخ براق كما تقدم في ترجمته.
стр. 1017
وكان هلاك خطلوشاه في سنة سبع وسبع مئة، وفرح غازان بموته، لأنه كان يخافه.
الألقاب والأنساب
الخطيري: الأمير عز الدين أيدمر.
وابن خطير: الأمير بدر الدين أمير مسعود. وأخوه الأمير شرف الدين محمود. وناصر الدين محمد بن مسعود.
خطيب الفيوم: معين الدين أحمد بن أبي بكر.
خطيب مردا: عبد الرحمن بن محمد.
وخطيب القدس: عماد الدين عمر بن عبد الرحيم.
الخطيب بدر الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن.
ابن خطيب بعلبك: محمود بن محمد.
ابن خطيب بيت الآبار: نجيب الدين أحمد بن عمر. وعلاء الدين علي بن عمر. وموفق الدين عمر بن أبي بكر. وموفق الدين محمد بن عمر. وشرف الدين محمد بن داود. والقاضي ضياء الدين يوسف بن أبي بكر.
خلف ابن عبد العزيز
بن محمد بن خلف بن خلف بن عبد العزيز بن محمد، أبو القاسم الكاتب الغافقي القبتوري، بفتح القاف، وسكون الباء الموحدة، وفتح التاء ثالثة الحروف، وسكون الواو، وبعدها راء، الإشبيلي المولد والمنشأ.
стр. 1018
قرأ على الأستاذ أبي الحسن الدباج كتاب سيبويه، وقرأ عليه بالسبع، وقرأ الشفاء بسبته على عبد الله بن القاسم الأنصاري. وله إجازة من الرضي بن البرهان، والنجيب بن الصيقل.
وكتب لأمير سبتة، وحدث بتونس عن الغرافي، وحج مرتين.
وكان كاتباً مترسلا، ينثر وينظم، ويكبر الفضلاء، ويعظم، مع الخير والتقوى، وملكة نفسه التي تصبر على المضض وتقوى. جاور بمكة زمانا، وأعطاه الله بالسعادة من ذلك ضمانا.
ولم يزل على حاله إلى أن عد خلف في السلف، وورد موارد التلف.
وتوفي رحمه الله تعالى بالمدينة الشريفة في أوائل سنة أربع وسبع مئة.
أنشدني من لفظه العلامة أثير الدين أبو حيان، قال: أنشدني المذكور لنفسه:
أسيلي الدّمع يا عيني ولكن ... دماً ويقلّ ذلك لي، أسيلي
فكم في الترب من طرفٍ كحيل ... لتربٍ لي ومن خدّ أسيل
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
ماذا جنيت على نفسي بما كتبت ... كفي فيا ويح نفسي من أذكى كفّي
ولو يشاء الذي أجرى عليّ بذا ... قضاءه الكفّ عنه كنت ذا كفّ
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
واحسرتا لأمور ليس يبلغها ... ما لي وهنّ منى نفسي وآمالي
стр. 1019
أصبحت كالآل لا جدوى لديّ وما ... آلوت جهداً ولكن جدّي الآل
وأنشدني من لفظه الحافظ فتح الدين بن سيد الناس اليعمري، قال: أنشدني لنفسه بالمدينة:
رجوتك يا رحمن إنّك خير من ... رجاه لغفران الجرائم مرتجي
فرحمتك العظمى التي ليس بابها ... وحاشاك في وجه المسيء بمرتج
قلت: شعر جيد، لكنه متكلف.
خليفة بن علي شاه
الأمير ناصر الدين ابن وزير البلاد القانية.
كان من جملة أمراء الطبلخاناه بدمشق، وممن للأقلام في ذكره مد ومشق. لما قدم الشام أحبه تنكز. وحصل له من خاطره مركز، فكتب إلى السلطان في أمره، وجعله دون الناس الواردين في حجره.
وكان ذا شكالة حسنه، وطلعة يجفو الطرف لأجلها وسنه، جهزه فيما بعد أرغون شاه إلى صفد محل إقطاعه، وحكم على وصوله إلى دمشق بامتناعه، فحضر إليها طلباً لمداواة مرض حصل له في صفد، فأقام بها قليلاً، وسهم المنية قد أصاب شاكلته ونفد، وما حمل ولا رفد.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
стр. 1020
وكان الأمير ناصر الدين قد وفد إلى الشام صحبة الأمير نجم الدين محمود بن شروين الوزير، فرآه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى فأعجبه شكله، فسأل السلطان أن يكون عنده بدمشق أميراً، فرسم له بذلك، واختص بتنكز ولازمه كثيراً، ولما أمسك تنكز لحق كل من كانت له به خصوصية شواظ من ناره، خلا الأمير ناصر الدين فإن السلطان راعى فيه خاطر أخيه؛ لأنه كان في تلك البلاد مقيماً، وتزوج بابنة الأمير سيف الدين كجكن، وكان يلبسها لبس الخواتين في تلك البلاد، ولما عمر الأمير سيف يلبغا جامعه بدمشق تولى هو شد العمارة، وقصد أن تكون عمارته على زي عمارة تلك البلاد الشرقية، فلما أمسك يلبغا خاف ناصر الدين خليفة أن يؤخذ بجريرته فسلمه الله تعالى.
وكان إقطاعه بصفد، فلما جاء أرغون شاه إلى دمشق جهزه إلى صفد، ورسم له بالإقامة هناك، فحصل له ضعف، وحضر للمداواة بدمشق فتوفي بها، وعمر داراً على نهر بردى، تحت دار الجالق، ووضعها وضع تلك البلاد، وما أظنه كان يخلو من تشيع، والله أعلم.
خليل بن إسماعيل بن نابت
بالنون أولاً: الفقيه المحدث فخر الدين الأنصاري القدسي.
رحل إلى مصر، ولقي المشايخ وكتب، وحصل في الحديث محصولاً جيداً ودأب.
следующие страницы →