← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فترقّص الأعطاف من فرحس به ... وتميل من طربٍ غصون البان أيامه من يمنها وأمانها ... مشكورةٌ فينا بكلّ لسان قهر الأعادي بأسه فأذلّهم ... ورماهم بالخزي والخسران من خانه في ملكه فقد اغتدى ... متبرّياً من ربقة الإيمان والله سلّطه على أعدائه ... ورمى الجميع بذلّة وهوان الله أيّده ومكّن سيفه ... من عنق كلّ منافق خوّان وترى دما أعدائه بسيوفه ... كشقائق نثرت على ريحان لكنّه من رحمةٍ حقن الدّما ... لم يمض فيها حدّ كلّ يمان شكراً لخالقه الذي من لطفه ... قد بات منصوراً على الأقران وبنى بقاهرة المعزّ مدارساً ... للفقه والتحديث والقرآن أرسى قواعدها وشيّد صرحها ... فعلت على العيّوق والدّبران تتحيّر الأفهام في تكوينها ... فنباؤها من أعظم البنيان ليست على وجه البسيطة مثلها ... من أرض توريز إلى أسوان لو عاين المنصور رونقها غدا ... من دهشةٍ لحقته كالحيران هاتيك مدرسةٌ وأمّا هذه ... فمدينةٌ في غاية الإتقان للشافعيّ ومالكٍ وأبي حني ... فةٍ الإمام وأحمد الشيباني هو فارس الخيل الذي تجري به ... كالبرق يوم السّبق في الميدان فتطير أُكرته كرأس عدوّه ... لما طغى من ضربة الجوكان وكذاك يوم الحرب إن هزّت به ... أيدي الكماة عوالي المرّان يلقى الكفاح بوجهه وبنحره ... ويكون ليث وغىً على الفرسان نصر الضعيف على القويّ بباسه ... فالظّلم في خزي وفي خذلان

стр. 947

والشّرع قد أعلى الإله مناره ... فتراه وهو مشيّد الأركان فلأجل ذا تمتدّ مدّة ملكه ... محروسةً في السّرّ والإعلان الحسن بن مظفر بن عبد المطلب بن عبد الوهاب بن مناقب بن أحمد الشريف العدل شمس الدين أبو محمد الحسيني المنقذي الدمشقي. روى عن الفخر الإربلي وأبي نصر بن الشيرازي وعبد العزيز بن الدجاجية، وإبراهيم الخشوعي، وناب في الحبسة مديدة، وكان في جملة الشهود. وسمع منه الشيخ شمس الدين الذهبي، وكان قد ابتلي ببلغم، فكان إذا مشى تعدو بغير اختياره، ثم يسقط ويستريح ويقوم. توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة. الحسن بن منصور بن محمد بن المبارك جلال الدين بن شواق، بالشين المعجمة والواو المشددة وبعد الألف قاف، الإسنائي. كان جواداً كريما، عاقلاً حليما، فاضلاً أديبا، كاملاً لبيبا، نبيه القدر، واسع الصدر، يشعر فيأتي بالرياض اليانعه، ويهز بالطرب سامعه، أبي النفس لا يرى الضيم، ولا تدخل غادة شمسه تحت ستر غيم. لم يزل في نفاسته ومعارج رياسته إلى أن هبط من أوج قدره إلى حضيض قبره. ووفاته رحمه الله تعالى سنة ست وسبع مئة.

стр. 948

ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة. كان بنو السديد بإسنا يحسدونه ويعملون عليه، فعلموا عليه بعض العوام، فرماه بالتشيع. ولما حضر بعض الكاشفين إلى إسنا حضر إليه شخص يسمى عيسى بن إسحاق وأظهر التوبة من الرفض، وأتى بالشهادتين، وقال: إن شيخنا ومدرسنا حضر إليه في هذا جلال الدين بن شواق، فصادره الكاشف؛ أخذ ماله، فجاء إلى القاهرة، وعرض عليه أن يكون في ديوان الإنشاء فلم يفعل، وقال: لا، تركت أولادي يقال لهم من بعدي: أبوكم خدم وعرض عليه أن يكون شاهد ديوان حسام الدين لاجين قبل السلطنة فلم يفعل. قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: أخبرني الفقيه العدل حاتم بن النفيس الإسنائي أنه تحدث معه في شيء من مذهب الشيعة فحلف أن يحب الصحابة ويعظمهم ويعترف بفضلهم، قال: إلا أني أقدم عليهم علياً. ومن شعره: رأيت كرماً ذاوياً ذابلاً ... وربعه من بعد خصب محيل فقلت إذ عاينته ميّتاً ... لا غرو أن شقّت عليه النّخيل ومن شعره يمدح سيدنا رسول الله ﷺ : هوا طيبة أهواه من حيث أرّجا ... فعوجا بنا نحو العقيق وعرّجا وسيروا بنا سيراً حثيثاً ملازماً ... ولا تنيا فالعيس لم تعرف الوجى

стр. 949

ومن شعره: كيف لا يحلو غرامي وافتضاحي ... وأنا بين غبوقٍ واصطباح مع رشيقٍ القدّ معسول اللمى ... أسمرٍ فاق على سمر الرّماح جوهريّ الثّغر ينحو عجباً ... رفّع المرضى لتعليل الصّحاح نصب الهجر على تمييزه ... وابتدا بالصّدّ جدّاً في مزاح فلهذا صار أمري خبراً ... شاع في الآفاق بالقول الصّراح يا أُهيل الحيّ من نجدٍ عسى ... تجبروا قلب أسيرٍ من جراح لو خفضتم حال صبٍّ جازم ... ماله نحو حماكم من براح ليس يصغي قول واشٍ سمعه ... فعلى ماذا سمعتم قول لاح ومحوتم اسمه من وصلكم ... وهو في رسم هواكم غير ماح وصحا كلّ محبٍّ ثملٍ ... وهو من خمر هواكم غير صاح ولئن أفرطتم في هجره ... ورأيتم بعده عين الصلاح فهو لاج لأُولي آل العبا ... معدن الإحسان طرّا والسّماح قلّدوا أمراً عظيماً شانه ... فهو في أعناقهم مثل الوشاح أمناء الله في السّرّ الذي ... عجزت عن حلمه أهل الصّلاح هم مصابيح الدّجى عند السّرى ... وهم أُسد الشّرى عند الكفاح قلت: شعر ابن شواق يشوق، ويحلي الأجياد ويطوق.

стр. 950

حسن بن نصر الصدر نبيه الدين الإسعدي. كان محتسب القاهرة، ولما تولى الصاحب ضياء الدين النشائي الوزارة تولى هو نظر الدواوين. وتوفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة تسع وسبع مئة، ودفن برا باب النصر بالقاهرة، وصلى عليه الشيخ نصر المنبجي. الحسن بن هارون بن حسن الفقيه الصالح نجم الدين الهذباني الشافعي أحد أصحاب الشيخ محيي الدين النووي. كان ديناً خيراً ورعاً. سمع من ابن عبد الدائم. ولم يحدث لأنه توفي - رحمه الله تعالى - كهلاً سنة تسع وتسعين وست مئة في تاسع شعبان. الحسن بن هبة الله بن عبد السيد شمس الدين الأدفوي

стр. 951

حفظ المنهاج للنووي، وسمع من ابن أبي الفتح محمد بن أحمد الدشناوي، أقام بإسنا سنين، ثم أقام بقوص إلى أخر عمره. وكان دخل مصر وحضر الدروس. وكان خفيف الروح، يكتم سره ولا يبوح، لطيفاً في حركاته وكلامه، متحبباً إلى من واجهه بتحيته وسلامه، قليل الغيبه، إذا نقل عن أحد شيئاً حمله على أحسن محامله ونفى الريبه. وكان يعرف شيئاً من الموسيقى، وينزل النغم على الوزن تطبيقا، إلا أنه عمره انخلع من الخلاعه، وادكر الموقف واطلاعه، والتزم بالإشغال، واشترى بالرخيص الغال، وانتصب للعلم، وجنح بعد حرب التصابي إلى السلم، ورمى السلاح، ودخل في زمرة الصلاح. ولم يزل على حالته هذه إلى أن توجه إلى أخراه، وحمده الصبح بعد مسراه. ووفاته - رحمه الله تعالى - بعد العشرين وسبع مئة. ومن شعره: إن المليحة والمليح كلاهما ... حضرا ومزمارٌ هناك وعود والرّوض فتّحت الصّبا أكمامه ... فكأنّه مسكٌ يفوح وعود ومدامةٌ تجلو الهموم فبادروا ... واستغنموا فرص الزّمان وعودوا ومن شعره فيمن وقعت على نصفيته قنينة حبر: جاء البهاء إلى العلوم مبادراً مع ما حوى من أجره وثوابه ملئت صحائفه بياضاً ساطعاً ... غار السّواد فشنّ في أثوابه

стр. 952

حسن بن هندو الحاكم بمدينة سنجار، وبالموصل أخيراً. كان في آخر عمره يكاتب المسلمين ويترامى عليهم، ويظهر المودة والنصح والإخلاص في المحبة، وكل ذلك زور وبهتان، لأنه كان نجمة التركماني المفسد يأوي إليه، وجرى منه، وتوجهت العساكر إلى سنجار، وقاسوا شدة، وطلب الأمان وقال: أنا غلام مولانا السلطان ونائبه، وهذا أخي يكون عندكم رهينة، فرسم للعساكر بالعود، وحضر أخوه إلى قريب من دمشق، وهرب ولم يظهر له خبر. ثم إنه ما رجع عن مكره ولا فساده ولا أذاه إلى أن قتله صاحب ماردين في سنة أربع وخمسين وسبع مئة، في أواخرها وأراح الله المسلمين منه. حسن الكردي شيخ صالح زاهد، راق في معارج صاعد، له حال وكشف، وكوكب هدى قد تنزه عن الكشف، يقصده الناس بالزياره، وتومي الأصابع إليه بالإشارة. كان مقيماً بالشاغور بظاهر دمشق منجمعاً عن الأنام، قد ألف الخلوة وتعبد والناس نيام، له حاكورة يزرع فيها الخضر، ويرتفق به ويطعم منه من حضر، أقام على هذه الحال سنين، واستراح من هموم المال والزوجة والبنين.

стр. 953

ولم يزل على هذه الحال إلى أن أخذ من شعره واغتسل، واستقبل القبلة وركع ركعات وراح إلى ربه وانتقل. وكانت وفاته سنة سبع مئة. حسن الجوالقي كان له في الدولة صوره، والمحاسن من الأخلاق عليه مقصوره، نفع الناس بجاهه، وعوده في السفارة واتجاهه، وكان مقبول القول لا يرده أحد، ولا يرى في قلعة الجبل بالقاهرة من لفضله جحد، وعنده مكارم للوارد والصادر، والغزال الكانس والليث الخادر، أقام بمصر مدة على هذا القدم، وما احتد فيها يوماً ولا احتدم. ولم يزل كذلك إلى أن خطر له الحضور إلى دمشق للاسترواح، وتجديد العهد بالأصحاب وذكرى أوقات الأفراح، وكان به مرض واستشفى، وأكرمه الناس ساعة الملقى، فأقام أقل من شهر وقضى، وعد فيمن درج ومضى. وتوفي - رحمه الله تعالى - في نف جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وتأسف الناس والفقراء لفقده. حسين بن أسد بن مبارك بن الأثير سمع من الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، وشمس الدين الواعظ الجزري، وهو آخر من حدث عنه بالسماع، ومن النجيب عبد اللطيف، وأبي الفضل محمد بن محمد البكري، وزين الدين عبد المحسن بن عبد العزيز بن علي بن الصيرفي المخزومي، ومن إسماعيل بن سليمان، ومن بدر، ومن جماعة.

стр. 954

وكان صالحاً حسن الشكل مليح المحاضرة، وكان حنلبياً، وينتسب إلى صاحب جامع الأصول. وتوفي بداره بحارة الديلم في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. الحسين بن أبي بكر بن جندربك الأمير شرف الدين أمير حسين الرومي. كان من فرسان الخيل، وممن يسامي بسؤدده نجوم الليل، يجيد اللعب بالطير الجارح، ويصيد به ما هو في الجو طائر وفي البر سارح، هذا إلى ما هو فيه، مبرز في رمي النشاب، وصيد الوحش الذي يشهد له به البازي والكلاب، لا يكاد الوحش ينجو من يديه، ولا يفوته في ظهيرته أو أبرديه. باشر الحروب مصافاً وحصارا، وكانت النصرة له غاية وقصارى. وكان في لسانه عجمه، لا تمنعه من اختبار سهم من عربي ولا عجمه، لأنه كان يؤثر قرب الفضلاء، ويود محادثة النبلاء، ويسأل عن غوامض بالنسبة إليه من القرآن، ويفحص عن مشكلات من معاني شعراء الأوائل وأهل الزمان، وله التنديب الحلو، والتندير الذي لا يرى وهو من التعجب خلو. ونادم الأفرم في القصر، وفاز بنضارة ذلك العصر، ووقع بينه وبين الأمير

стр. 955

سيف الدين تنكز ونجا، وجعل الله له من أمره مخرجا، لنيته السليمه، وطويته القويمه. وطلبه السلطان فيما بعد ذلك، وسلكه من التقريب بحضرته أقرب المسالك. ولم يزل على حاله إلى أن أفل نجم حياته، وتغيرت بالأسقام حلاوة شياته. وتوفي بالقاهرة - رحمه الله تعالى - في سابع المحرم سنة تسع وعشرين وسبع مئة، ودفن بجوار جامعه بحكر جوهر النوبي. كان وهو أمرد رأس مدرج طلب حسام الدين لاجين لما كان نائب الشام، وكان يؤثره ويقربه لأنه كان صياداً شجاعاً. وكان يحبه لأجل أخيه الأمير مظفر الدين، وربما تنادم معهما خلوة. ولما ولي الملك حسام الدين لاجين طلبه إلى مصر وخلع عليه خلعة ولم يرضها، ثم إنه عاد إلى الشام وطلبه فيما أظن ثانياً، ورسم له بعشرة، وجرى للسلطان ما جرى على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، فأقام بمصر إلى أن حضر السلطان الملك الناصر محمد من الكرك، فرسم له بالعشرة، وحضر مع الأفرم إلى دمشق صحبة الطلب. ثم إنه آخذ الطبلخاناه ولاق بقلب الأفرم ونادمه، ولم يزل معه بدمشق إلى أن هرب الأفرم عند قدوم الملك الناصر من الكرك إلى دمشق، فلحق هو بالسلطان ودخل معه ومع خواصه، وجهزه السلطان إلى الكرك ومعه الأمير سيف الدين تنكز، فأحضر الخزانة، وتوجه مع السلطان إلى القاهرة، ودخل معه بأنواع الحيل والتقرب إلى أن ما وصل إلى مصر إلا وهو من جملة المقربين. أخبرني من لفظه قال: كنا ونحن سائرون في الطريق إذا مررنا بصيد آخذ الصقر

стр. 956

الجارح وأقول ياخوند: إن كان نملك مصر فهذا الطير يأخذ هذه الرمية، قال: وأتحيل وأقارب وأبلغ الجهد وأرميه فلا يخطي، فأقول: ياخوند هذا بسعادتك، فنزل من قلبه. وكان محظوظاً في الصيد بالجوارح والضواري والنشاب، لا يكاد يفوته شيء منه. رأيت أنا هذا منه مراراً عديدة لما كنت أسافر معه، فإنني كتبت له الدرج بصفد وبمصر، وكان يستصحبني معه في أسفاره شاماً ومصراً، ثم إن السلطان أعطاه في مصر إمرة مئة وقدمه عل ألف، وأفرد له زاوية من طيور الجوارح، فكان أمير شكار مع الأمير سيف الدين كوجري. وحضر مع السلطان إلى دمشق لما توجه إلى الحجاز في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وأقام بدمشق ولم يتوجه إلى الحجاز لأنه وقع وكسرت رجله، وكان الأمير سيف الدين تنكز يحضر لزيارته ويعوده كل قليل، وهو نائب دمشق. ولما عاد السلطان عاد معه إلى مصر ولقي الحرمة الوافرة وحظي بالديار المصرية، وكان ينتمي إلى الأمير سيف الدين طغاي الكبير وينبسط معه فحلا بقلب الخاصكية وسلم لذلك لما أمسك السلطان الأمير علاء الدين أيدغدي شقير والأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وما أعطاه الناس في تلك الواقعة سلامه. ثم إنه توالت عليه الأمراض فرسم له السلطان بالعود إلى الشام، فحضر إليها وهو مستمر عند تنكز على تلك المحبة، إلى أن وقع بينهما بسبب القصب الذي له في قرية عمتنا، وتخاصما في سوق الخيل ورجعا إلى دار السعادة وتحاكما، ثم إنهم سعوا بينهما في المصالحة، فقام تنكز وقام أمير حسين فوضع يده على عنق تنكز وقبل رأسه، فما حمل

стр. 957

تنكز منه ذلك. قال لي أمير حسين: والله ما تعمدت ذلك، ولكنه كان خطأ كبيراً، فكتب تنكز وطالع السلطان، فشد الفخري قطلوبغا من أمير حسين شداً كبيراً، فما أفاد كتاب تنكز، ورسم السلطان للأمير شرف الدين أن يكون مقامه بصفد وإقطاعه على حاله، وجاء كتاب السلطان إليه يقول فيه: إنك أسأت الأدب على نائبنا، وما كان يليق بك هذا، وحضر كتاب السلطان إلى نائب صفد بأن الأمير شرف الدين طرخان لا تجرده إلى يزك ولا تلزمه بخدمة إن شاء ركب وإن شاء نزل، فأقام بصفد قريباً من سنتين ونصف. ومن هنا كتبت له الدرج. ثم إن الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار لما حضر إلى دمشق لإحضار الأمير علاء الدين ألطنبغا من حلب ليتوجه إليها أرغون الدوادار نائباً، كأنه قال للأمير سيف الدين تنكز لما جاء ذكر أمير حسين: والله ما كان السلطان هان عليه أمره، فحينئذ جنح تنكز للصلح مع أمير حسين وسير إليه بالغور ليلتقيه إلى القصير المعيني، فاصطلحا هناك وخلع عليه، ووعده بأنه إذا عاد من مصر أخذه معه إلى دمشق ففاوض السلطان في ذلك فما وافق على ذلك، وطلب الأمير شرف الدين إلى مصر وجاء الفور البريد وأخذه وتوجه به إلى دمشق، وجهز تنكز إلى مصر، فتوجه إليها على خيل البريد، وكنت معه، فوصل إليها في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وخلع عليه وأنعم عليه بإقطاع الأمير بهاء الدين أصلم السلحدار، فأقام عليه إلى أوائل سنة تسع وعشرين وسبع مئة.

стр. 958

وتوفي رحمه الله تعالى، وحنا السلطان عليه حنواً كثيراً، وأعطى مماليكه الإقطاعات في الحلقة ورتب لهم الرواتب وأمر بعض أقاربه، ورتب الرواتب لبناته وزوجته وأقاربه وبعض غلمانه وأباح طيوره بحضوره، وهذا لم يتفق لغيره. وهو الذي بنى القنطرة على الخليج وإلى جانبها الجامع الذي له في حكر جوهر النوبي، ولما فرغ أحضر إليه المشد والكاتب حساب ذلك، وقال: هذا حساب هذه العمارة، فرمى به في الخليج، وقال: أنا خرجت عن هذا لله تعالى، فإن خنتما فعليكما، وإن وفيتما فلكما. يقال: إنه غرم على ذلك فوق المئتي ألف درهم، وكان - رحمه الله تعالى - على الدرهم والدينار من يده شحيحاً، وأما من خلفه فما كان يقف في شيء، وكان الفرس والقباء عنده هين الأمر، يطلق ذلك كثيراً. وكان خفيف الروح دائم البشر، لطيف العبارة، كثير التنديب الداخل، وكانت في عبارته عجمة، لكنه إذ قال الحكاية أو ندب أو ندر يظهر لكلامه حلاوة في السمع والقلب. قال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس رحمه الله تعالى: نحن إذا حكينا ما يقوله هو ما يكون لذلك حلاوة كلامه من فيه. وكان ظريفاً إلى الغاية في شمائله وحركاته، وكان فيه الخير والصدقة، ولكنه كان يستحيل في الآخر بعد إقباله. وكان يجلس في مصر رأس الميمنة من أسفل، ولما حضر توتاش جلس مكانه، وكان هو يجلس في الميسرة بعد ذلك إلى أن مات.

стр. 959

وكان السلطان يحبه ويؤثره كثيراً ويعجبه كلامه، وكان قد أعطاه طبلخاناه جعلها وقفاً عليه يعطيها هو من جهته لأي من أراد من أقاربه، فكانت تنتقل بين أقاربه إلى أن مات وماتوا. وكان قد تولى أمر الركب بدمشق وحج في سنة خمس وسبع مئة، وحج أيضاً من الديار المصرية. الحسين بن الحسين بن يحيى أبو محمد بن أبي علي القاضي الأرمنتي، تقدم ضبط هذه النسبة لم أعلم شيئاً من حاله فأترجمه، أو أعمل الظن فيه حتى أرجحه، لكن ذكره الشيخ قطب الدين عبد الكريم في تاريخه والفاضل محمد بن علي بن يوسف، والفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي في تاريخ الصعيد. وتوفي بأرمنت - رحمه الله تعالى - في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وأورد له: غلطت لعمري يا أُخيّ وإنّني ... لفي سكرةٍ ممّا جناه لي الغلط حططت بقدري إذ رفقت أخسّةً ... ومن رفع الأسقاط حقّ بأن يحط وأورد له أيضاً: أقسمت لا عدت لشكر امرئ ... يوماً ولا أخلصت في ودّي من قبل أن تبدو أفعاله ... في حالة القرب أو البعد

стр. 960

وكلّ من جرّعني سمّه ... فهو الذي أطعمته شهدي الحسين بن خضر ابن محمد بن حجي بن كرامة بن بحتر بن علي بن إبراهيم بن الحسين بن إسحاق بن محمد: الأمير ناصر الدين التنوخي المعروف بابن أمير الغرب، مقامه ومقام ذويه بجبال الغرب من بلاد بيروت، والحسين بن إسحاق في أجداده، وهو ممدوح أبي الطيب في القصيدة القافية التي يقول فيها: شدوا بابن إسحاق الحسين فصافحت ... ذفاريّها كيرانها والنمارق وله فيهم أمداح ومراث. وكرامة بن بحتر هو الذي هاجر إلى نور الدين الشهيد فأقطعه الغرب وما معه بإمرية فسمي أمير الغرب بذلك، قال الأمير ناصر الدين المذكور: ومنثوره إلى الآن عندنا بخط العماد الكاتب، وتحضر كرامة بعد البداوة، وسكن حصن سلحمور من نواحي إقطاعه، وهو على تل عال بغير بناء، وانتشأ أولاده هناك، ولم يزالوا كذلك إلى أن كان الحضر، فكان قذى في عين صاحب بيروت أيام الفرنج، وشجاً في حلقه، ورام حصره مراراً، فتوعر الوصول إليه، فلما صار الحال إلى أولاده الشباب هادنهم صاحب بيروت وسالمهم، وجعلوا ينزلون إلى الساحل، وألفوا الصيد بالطير وغيره، فراسلهم، وطلب الاجتماع بهم في الصيد، فتوجه كبارهم وتصيدوا معه إلى آخر النهار، فأكرمهم وقدم لهم ضواري وطيوراً وكساهم قماشاً ولمن معهم، وعادوا إلى حصنهم، ولم يزل يستدرجهم مرة بعد مرة إلى أن أخرج ابنه معه

стр. 961

وهو شاب، فقال: قد عزمت على زواجه، وأدعو له ملوك السواحل، وأريدكم تحضرون ذلك النهار، فتوجه الثلاثة الكبار وبقي أخوهم الصغير في الحصن ووالدته وجماعة قليلة، وتوجهوا إليه، وامتلأ الساحل بالشواني والمدينة بالفرنج الغتم وتلقوهم بالشمع والمغاني، فلما صاروا في القلعة، وجلسوا مع الملوك قعدوا إلى العصر، ثم إنهم غدروا بهم وتكاثروا عليهم وأمسكوهم وأمسكوا غلمانهم، وغرقوهم وركبوا في الليل، ومع صاحب بيروت جميع العسكر القبرسي واشتغلوا بالحصن، وانجفل الفلاحون قدامهم والحريم والصبيان إلى الجبال والشعراء والكهوف وطاولوهم، وعلم أهل الحصن بأن الجماعة قد أمسكوهم وغرقوهم، ففتحوا الباب، وخرجت العجوز ومعها ولدها الصغير وعمره سبع سنين، ولم يبق بينهم سوى هذا واسمه حجي، وهو جد والد هذا ناصر الدين. ولما حضر السلطان صلاح الدين وفتح صيدا وبيروت، توجه إليه هذا حجي وباس رجل السلطان صلاح الدين في ركابه، فلمس رأسه بيده وقال: أنا آخذ ثأرك، طيب قلبك، أنت موضع أبيك، وأمر له بكتابة أملاك أبيه، وهي القرايا التي بأيديهم بستين فارساً. ولم يزالوا على ذلك إلى أيام الملك المنصور قلاوون، فذكر أولاد تغلب من مشغرا قدام الشجاعي أن بيد الجبلية أملاكاً عظيمة بغير استحقاق، ومن جملتهم أمراء الغرب، وتوجهوا معه إلى مصر، فرسم المنصور بإقطاع أملاك الجبلية مع بلاد طرابلس لجندها وأمرائها، فأقطعت لعشرين فارساً من طرابلس، فلما كان أيام الملك الأشرف توجهوا إليه وسألوه أن يخدموا على أملاكهم بالعدة، فرسم لهم بها وأن يزيدوها عشرة أرماح أخر.

стр. 962

ولما كان أيام الروم في أيام تنكز وكشفها الأمير علاء الدين بن معيد، حصل من تفضول في حقهم، فرسم السلطان الملك الناصر أن تستمر عليهم بمضاعفة العدة، فاستقرت عليهم لستين فارساً، وهي إلى الآن باقية على هذا الحال. وأما هذا ناصر الدين فإنه كان جواداً سمحاً، لا يزول كرمه ولا يمحى، يخدم أعيان الناس، ويتجاوز الحد في ذلك والقياس، ومن يتوجه إلى تلك النواحي، فإنه يجد منه ثغر جود يخجل الأقاصي. وكان يكتب جيداً ويأتي من المحاسن ما حق له أن يدعى سيداً، ويترسل ترسلاً فيه فصاحة وبلاغة، وكلمات كأنها قد صاغها صياغة، وفيه عدة فضائل، وكرم عشرة ولطف شمائل، ورئاسة تدل على كرم أصله، وسيادة يترجم عنها لسان قلمه ونصله. وهو مطاع في قومه، لا يصل المشتري ولا زحل إلى سومه، إذا قال لأحدهم: اسكت رمي من وقته بالصمات، وإذا قال له قم قام، وإذا قال له مت مات، يتسارعون إلى امتثال أوامره، ويتقارعون على الفوز بالتحلي من كلامه بجواهره. ولم يزل على حاله إلى أن غرب نجم أمير الغرب، ولم يدفع عنه أحد بطعن ولا ضرب. وتوفي - رحمه الله تعالى - في نصف شوال سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. ومولده سنة ثمان وستين وست مئة. ولما كبر وأسن نزل قبل موته بسنتين عن إمرته لولده الأمير زين الدين صالح، وكنت قد توجهت إلى بيروت ولم يكن بها، فسير إلي قاصداً يطلبني لأتوجه إليه إلى أعبيه، لأرى مكانه فيها، فإن الناس يصفونه بحسن زائد وطيب هواء وماء،

стр. 963

فرأيت الحركة تشق علي، فاعتذر، فحضر هو بنفسه بعد أيام بعدما تفضل وروده وأحسن وأجمل وقست جوده على الغمام فكان أندى وأغدق وأكمل. وأنشدته لما اجتمعت به: ما زرت في أُعبيه قصداً للجفا ... ربعاً تشرّف بالأمير حسين ورأيته في ثغر بيروت الّتي ... بنداه أصبح مجمع البحرين الحسين بن سليمان بن فزارة القاضي الإمام الفاضل شهاب الدين الكفري، بفتح الكاف وسكون الفاء وبعدها راء، الدمشقي الحنفي. تلا بالروايات على علم الدين القاسم، وسمع من ابن طلحة ومن ابن عبد الدايم، ودرس بالطرخانية، وكان شيخ الإقراء بالمقدمية والزنجيلية. وقرأ بنفسه على ابن أبي اليسر، وكتب الطباق، وكان شيخ قراءات، وبيده لمن يحاكمه في التفاضل براءات. ودرس وأفتى، وكان في الجود بعلمه أكرم من الغيث وأفنى، وناب في الحكم زماناً، ونظم فيه من الإجادة جماناً. وكان خيراً عالماً، ديناً لا يرى لسيف السنة ثالماً، إلا أنه أضر بأخرة، فلزم داره وجلس في بيته كالبدر في داره.

стр. 964

ولم يزل على حاله إلى أن حل ضيف الحين بفتى فزاره، وآن اجتماعه به فزاره. وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبع مئة عن اثنتين وثمانين سنة. وقرأ عليه أقضى القضاة شرف الدين أحمد وغيره. الحسين بن علي بن إسحاق بن سلام بتشديد اللام: الشيخ الإمام الفاضل المفتي الكامل الدمشقي الشافعي. كان مفتي دار العدل في زمن الأفرم. كان فقيهاً عارفا، ونبيهاً حوى من العلم تالداً وطارفا، عارفاً بخلاف المذاهب، شاهداً لمن خلقه بأنه زائد الكرم والمواهب، قل من ناظره وارتد إلا هزيما، أو فاخره في سيادة إلا كان سليباً وابن سلام سليما، يتخرق في الجود، ويرعى حق الضعيف والوفود. اجتمع فقهاء المذاهب الأربعة في درس من بعض الدروس، وبحث هو مع الجميع، فقطع أصولهم وفروعهم من الغروس، رأى الناس منه في ذلك اليوم عجبا، وجمع محبة القلوب له والتعظيم وحبى. ولم يزل على حاله إلى أن بغته حمامه، وخفر فيه ذمامه. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع عشرة وسبع مئة في رابع عشري شهر رمضان. ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.

стр. 965

وكان قد أعاد بالظاهرية ودرس بالجاروخية، ودرس بالعذراوية، وتوفي - رحمه الله تعالى - وعليه ديون كثيرة، وكان قد ألقى الدرس بالعذراوية عوضاً عن صدر الدين سليمان الكردي يوم الأحد حادي عشر المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة. الحسين بن علي بن الحسين بن زهرة نقيب الأشراف بحلب، السيد الشريف شمس الدين أبو علي بن الشريف فخر الدين أبي الحسن بن شمس الدين أبي علي. توفي - رحمه الله تعالى - بالزرقاء بعد عوده من الحج رابع عشري المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ودفن بسما من عمل بصرى. الحسين بن علي بن سيد الأهل ابن أبي الحسن بن قاسم بن عمار، الشيخ الإمام الشافعي نجم الدين الأسواني الأصفوني. كان فقيهاً فاضلاً مشاركا، ميمون النقيبة مباركا، صاحب فنون، وعبارات في المعارف الذوقية وشجون. أفتى ودرس، وسرى في طلب العلم وعرس، وانتفع به جماعة من الطلاب، وغنموا الفوائد وأخذوا الأسلاب.

стр. 966

وكان قد تجرد مع الفقراء، وتفرد بأشياء لم يبلغها جماعة من الفقهاء، ثم أناب وعاد إلى طريقة أهل العلم، وتزيا بزي أهل الوقار والحلم. ولم يزل على حاله إلى أن فقد حسه وذوقه، وأصبح والتراب فوقه. وتوفي - رحمه الله تعالى - في صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. أخبرني العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي قال: تجرد المذكور مع الفقراء زماناً طويلاً، وكان في وقت فقيهاً في المدرسة الشريفية، فحضر درس قاضي القضاة ابن بنت الأعز، فأنشد بعض الناس قصيدةً مديحاً في رسول الله ﷺ ، فصرخ هو على عادة الناس، فأنكر القاضي ذلك وقال: أيش هذا؟ فقام وقال: هذا شيء ما تذوقه، وترك المدرسة والفقاهة بها. وقال: كان يقرئ في كل شيء في أي كتاب كان، وانتفع به جماعة وقال: كان يفتي ويدرس ويقرئ الطلبة، وهو وأخوه الحسن والزبير، ثلاثة من أهل العلم والتعبد. وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي: هو المعروف بابن أبي شيخة، سمع من أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق بن طرخان، ومحمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي وأبي عبد الله محمد بن عبد القوي، ومن أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي والحافظ شرف الدين الدمياطي. وحدث بالقاهرة، وأخذ الفقه عن أبي الفضل جعفر

стр. 967

التزمنتي وغيره واشتغل عليه الطلبة طائفةً بعد طائفة، وتولى الإعادة بالشريفية وغيرها. وأقام مدة بمدرسة الملك يلقي فيها الدروس، وتجرد مدةً مع الفقراء، وجرى على طريقهم في القول بالشاهد، وأقام بجامع عمرو بن العاص يستغل ويشتغل، وهو قوي النفس، حد الخلق، مقدام في الكلام، وهو من أهل بيت معروفين بالعلم والصلاح. الحسين بن علي بن مصدق بن الحسن شرف الدين أبو عبد الله الشيباني الواسطي الصوفي بخانقاه سعيد السعداء. رأيته غير مرة، واجتمعت به عند الصاحب أمين الدين، فأنشدني رحمه الله تعالى جملة من شعره. وكان شكلاً كاملاً طويلاً هائلاً، ذا ذقن فرشت على صدره، وكادت تسيل فتملأ سعة حجره، ينشد ويتفيهق، ويسيل دمعه فيترقرق، له أبهة في النفوس وجلاله، وعلى كلامه من الذوق أمارة ودلاله. ولم يزل على حاله إلى أن رأى ابن مصدق الحق اليقين، ولحق بمن تقدمه من المتقين. وتوفي رحمه الله تعالى.... أنشدني من لفظه لنفسه:

стр. 968

وأحور أحوى فاتن الطّرف فاترٍ ... مسير بدور التمّ من دون سيره إذا جئت أشكو طرفه قال خدّه: ... ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره فأنشدته أنا لنفسي في مليح نائم: سباني خدٌّ من فتىً كان نائماً ... فقال عذولٌ شره دون خيره أتهوى ولم تدر العيون فقلت: دع ... ومن لم يمت بالسيف مات بغيره وأنشدته أيضاً لنفسي في مليح يقابل كتاباً: قابلت كتباً مع حبيبٍ هاجرٍ ... فسرّ قلباً كاد أن يفنى وله فقلت يا وارث قلبي في الهوى ... جمعت بين الجبر والمقابله فأنشدني هو لنفسه: قابلني المحبوب يوماً وغدا ... يمنحني جماله ونائله قلت له يا سيّدي جبرتني ... فهل أرى من بعدها مواصله فقال لي هذا الذي فعلته ... على سبيل الجبر والمقابله وأنشدني من لفظه لنفسه: يا من هواه وحبّه ... غطّى على عيني وقلبي عطفاً عليّ بنظرةٍ ... فإليك إيجابي وسلبي الحسين بن علي بن عبد الكافي ابن علي بن يوسف بن تمام: الإمام الفاضل الفقيه النحوي العروضي الناظم، أقضى

стр. 969

القضاة جمال الدين أبو الطيب ابن العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي. كان ذهنه ثاقبا، وفهمه لإدراك المعاني مراقبا، حفظ التسهيل لابن مالك، وسلك من فهم غوامضه تلك المسالك، وحفظ التنبيه، وكان يستحضره وليس له فيه شريك ولا شبيه، وقرأ غير هذا. وكان يعرف العروض جيداً، ويبيت لأركان قواعده مشيداً، وينظم الشعر بل الدرر، ويأتي في معانيه بالزهر والزهر، وكانت مكارمه طافحه، وأنامله غيوث سافحه، كثير التواضع في الملتقى، غزير المروءة لا يصل النجم معه فيها إلى مرتقى، عفيف اليد في أحكامه، لم يقبل رشوة أبداً، ولم يسمع بذلك في أيامه، يتصدى لقضاء أشغال الناس، ويعامل من أساء أو أجرم معاملة متغاض متناس، فأحبته القلوب، ومضى حميداً على هذا الأسلوب. إلى أن نغص شبابه، وتقطعت بمن يوده أسبابه. وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة. ومولده في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. وقلت أرثيه: رزء الحسين عظيمٌ ... وهو العذاب الأليم ومالنا فيه إلاّ ... صوب الدموع حميم والصبر أولى ولكن ... صبر الفؤاد عديم ففي العيون دموعٌ ... تنهلّ منها الغيوم وفي الحشى زفراتٌ ... منها تشبّ الجحيم والليل صار حداداً ... تقمّصته النجوم وللسحائب خدٌّ ... من الرّعود لطيم

стр. 970

والجوّ ضاق خناقاً ... فما يهبّ نسيم وما تنفّس صبحٌ ... بل راح وهو كظيم حزناً لقاضٍ قضى ما ال ... ذمام منه ذميم وكان قاضي عدلٍ ... صراطه مستقيم يقضي بحقٍّ وصدقٍ ... عن الهوى لا يريم ترى الثناء عليه ... قد طاب منه الشميم يلقى الورى منه وجهٌ ... طلق المحيّا وسيم وثغره في ابتسام ... به يسرّ الغريم وخلقه مثل روضٍ ... والنبت منه غميم وجهٌ حييٌّ وخلقٌ ... سهلٌ وصدرٌ سليم أحبّه الناس حتّى ... مظلومهم والظّلوم فلو يجور وحاشى ... قضى ارتضته الخصوم إن الزمان أراه ... بمثله لعقيم لو كان يفدى لجادت ... أرواحنا والجسوم وإنّما الموت أمرٌ ... لم ينج منه عظيم وذاك فينا وفي من ... قد فات داءٌ قديم قاضي القضاة تصبّر ... فالخطب فيه جسيم لكنّ مثلك راسٍ ... لمّا تخفّ الحلوم قد كان درّة عقدٍ ... والسلك فيه نظيم فما يضرّ سناه ... إن زاك منه قسيم ودرّه في اتّساقٍ ... والكلّ درٌّ يتيم إذا بقي أخواه ... فسوف تؤس الكلوم فلا تبت في عذاب ... وقد حواه النّعيم

стр. 971

يصافح الحور منه ... في الخلد كفٌّ كريم وأنت تعلم أنّ ال ... ذي دعاه رحيم وما تقاك ضعيفٌ ... ولا نهاك سقيم وكلّنا سوف نمضي ... وما عليها مقيم وكنت أنا قد كتبت إليه: عندي جمال الدين مسألةٌ غدا ... بيانها فيما لديك محرّرا إذ أنت من بيتٍ جميع بنيه قد ... فازوا بما حازوا وقد سادوا الورى إن جاودوا ألفيتهم صوب الحيا ... أو جادلوا أبصرتهم أُسد الشّرى فاطلع بأُفق الفضل شمساً أشرقت ... لا ترض أنّك فيه بدرٌ أسفرا وأعد جوابي عن سؤالي إنّه ... لك واضحٌ أن رحت فيه مفكّرا فكّرت والقرآن فيه عجائبٌ ... بهرت لمن أمسى له متدبّرا في هل أتى لم ذا أتانا شاكراً ... حتى إذا قال الكفور تغيّرا فالشكر فاعله أتى في قلّةٍ ... والكفر فاعله أتى متكثّرا فعلام ما جاءا بلفظٍ واحدٍ ... إن التوازن في البديع تقرّرا لكنّها حكمٌ يراها كل ذي ... لبٍّ وما كانت حديثاً يفترى فأمنه لا زلت الجواد بفضله ... لمن استعان به لإشكالٍ طرا فكتب الجواب إلي عن ذلك: قبّلت أسطر فاضلٍ بهر الورى ... ممّا لديه عجائبٌ لن تحصرا قد نال في علم البلاغة رتبةً ... عنها غدا عبد الرّحيم مقصّرا وأراد منّي حلّ مشكلة غدا ... تبيانها عندي كصبحٍ أسفرا

стр. 972

وجوابه أنّ الكفور ولو أتى ... بقليل كفرٍ كان ذاك تكثّرا بخلاف من شكر الإله فإنّه ... بكثير شكر لا يكون مكثّرا فإذاً مراعاة التوازن ههنا ... محظورةٌ لمن اهتدى وتفكّرا فاصفح فعجزي عن جوابك ظاهرٌ ... كظهور ما بين الثّريّا والثّرى وكتب هو رحمه الله تعالى إلي ملغزا: يا أيّها البحر علماً والغمام ندىً ... ومن به أضحت الأيام مفتخره أشكو إليك حبيباً قد كلفت به ... مورّد الخدّ سبحان الذي فطره خمساه قد أصبحا في زيّ عارضه ... وفيه باسٌ شديدٌ قلّ من مهره لا ريب فيه وفيه الرّيب أجمعه ... وفيه يبسٌ ولين البانة النّضره وفيه كلّ الورى لمّا تصحّفه ... وضيعةٌ ببلاد الشام مشتهره فكتبت أنا الجواب إليه وهو في ريباس. ؟ الحسين بن علي بن أبي بكر بن محمد الشيخ الإمام الفاضل بهاء الدين بن تاج الدين أبي الخير الموصلي الحنبلي، شيخ الحديث بالعساكرية، وأحد العدول بمركز المسمارية. كان شيخاً طوالا، وفاضلاً لا يتمارى ولا يتمالا، ذكي الفطره، زكي العشره، جيد الذهن صافيه، وافي ظل الأدب ضافيه، ينظم جيدا، ولا يدع الكلام يخرج من فيه إلا مفيداً مقيدا. له قدرة على حل الألغاز ونظمها، وقوة على الإصابة في مرامي سهمها.

стр. 973

لم يزل على حاله في الارتزاق بالشهادة إلى أن مات على الشهادة، وأحسن الله إليه معاجه ومعاده، فسكنت شقاشقه، وأصابته من الحمام رواشقه. وتوفي - رحمه الله تعالى - بدمشق في رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة. ومولده في شهر رجب سنة تسعين وست مئة. قدم الشام قبل الثلاثين وسبع مئة، وأقام بدمشق إلى أن مات رحمه الله تعالى. وتوجه إلى الديار المصرية، وأقام بها دون الشهرين، وعاد، وكان بيده خطابة قرية دومة قريباً من سنة، ثم انفصل منها، وكان يكتب جيداً ويحب المؤاخذة والمناقضة، وقل من سلم منه من أهل عصره. وكتب بخطه كتابي فض الختام عن التورية والاستخدام وقرأه علي. وكان يروي جامع الأصول عن رجل عن المصنف، كما قال رحمه الله تعالى. وبيني وبينه مكاتبات ومحاورات ومراجعات ذكرت منها جانباً في كتابي ألحان السواجع بين البادي والمراجع. وكان يحب نظم الضوابط، وكتب هو إلي ملغزا: وما اسمٌ إذا فكرت فيه وجدته ... يحلّ بتصحيفٍ محلاًّ مستّرا بديع فعالٍ ليس يدرك صنعها ... إذا فكّر الإنسان فيه تحيّرا ويزري به معكوسه مطلقاً فإن ... أتى فيه تصحيف فلا تسأل القرى فتصحيفه فيه دقيقٌ وبعضه ... قصيرٌ وبعضٌ قد علا وتجبّرا وإن صحّف التصحيف من عين فعله ... فذلك محبوبٌ إلى سائر الورى فقد جمع الضدّين نفعاً وضرّةً ... وجمعاً وتفريقاً وحلواً ممرّرا

стр. 974

وقد جاء في التنزيل آيٌ بذكره ... وذلك أمرٌ ظاهرٌ للّذي قرا وجملته في الليل يمكن حصرها ... وإن سيم عدّا في النهار تعذّرا فكتبت أنا الجواب عنه، وهو في نحل: قريضك فينا قد غدا شامخ الذّرى ... نرى طرسه عند البيان مزهّرا تغوص على المعنى الخفيّ بقدرةٍ ... تريك دجى الإشكال في الحال نيّرا أحاشيك من عكس الذي قد أردته ... وألغزته يا فاضلاً بهر الورى وحاشاك من تصحيفه فهو خلّةٌ ... غدا بغضها في الناس شيئاً تقرّرا فلا زلت تهدي للأنام بدائعاً ... من النظم ما انهلّ الغمام على الثرى وكتب هو إلي أيضاً ملغزاً: وصاحبٌ مستحسنٌ فعله ... ليس له ثقلٌ على صاحب فتىً ولكن سنّه ربّما ... زادت على السبعين في الغالب قلت وقد قالوا أبن ما اسمه ... ليعلم الشاهد للغائب ظننتم تصحيف معكوسه ... يخفى وليس الظّنّ بالكاذب فكتبت أنا الجواب إليه وهو في مشط: أفدي بهاء الدين من فاضلٍ ... في النّظم لم يخرج عن الواجب ألغز في شيء غدا حمله ... على رؤوس الناس في الغالب تراه لا تضحك أسنانه ... يا حسنه من أصفرٍ شاحب كم غاص في ليل شبابٍ وكم ... قد لاح في صبح من الشايب وكتب هو إلي ملغزاً: وصاحب مكرّمٍ ... ينعته من وصفه

стр. 975

يجود بالنّفع على ... من دهره ما عرفه وليس يكسى حلّةً ... إلاّ بها قد أتحفه ولا يزال عارياً ... وبرده قد أنجفه وعكسه مصحّفاً ... تقبيل ثغرٍ بشفه فكتبت أنا الجواب، وهو في ميل: هذا بهاء الدين لا ... يزال يبدي طرفه ألغز في شيءٍ حكى ... من كلّ قدٍّ هيفه وفيه من ذاك الذي ... حوشيته بعض الصّفه بطول شبرٍ رأسه ... أملس رابي الهدفه إن غاص في شقّ فما ... يبلّ إلا طرفه وكتب إلي كثيراً من الألغاز والأحاجي وغير ذلك، وأثبت بعض ذلك في ألحان السواجع. الحسين بن علي بن حمد الغزي عز الدين أخو الحسن بن علي الغزي، تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه. كان يعمل بيده عدة صنائع، ويتقن أشياء عرفه فيها ضائع، ومعروفه ضائع. وكان يلعب بالعود ويتقن نجارته، ويأتي فيه بأشياء إلا أنه لم تربح فيه تجارته، فإنه كان عثيرا، ولا يزال إلى معروف الناس فقيرا. وكان ينظم نظماً مقاربا، ويكتب خطا ما وصل طبقة أخيه ولا ربا، وكتب في الدرج بعد وفاة أخيه وأقام مدة إلا أنه لم تشد في ذلك أواخيه:

стр. 976

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده ولم يزل على حاله إلى أن توجه إلى مصر، فطعن بها وتردى برداء تربها. وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الاثنين ثامن شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة. كان هذا عز الدين أصغر من أخيه بدر الدين، كان يعمل بيده عدة صنائع ويعاني التصوير، ويصنع ذلك، ولم يكن في ذلك مجيداً، كما جود نجارة العود، فإنه نجز للأمير سيف الدين طقطاي الدوادار عوداً كان عجباً من العجائب، وكان يلعب بالعود، ووقفني مرة على مصنف، وضعه في الموسيقى. وكان قد دخل بعد وفاة أخيه بدر الدين إلى ديوان الإنشاء بدمشق وأقام به في قلة محصول من معلومه وتأخره، إلى أن قطع الناس في أيام الوزير فخر الدين بن قروينه، وكان في جملة من قطع، ثم إنه يستكتب في الديوان على كتب القصص بغير معلوم. وفي أيام القاضي جمال الدين بن الأثير منع من ذلك، فساءت حاله وتوجه في صحبة شمس الدين بن أبي السفاح إلى مصر، فطعن في يوم والثاني. وتوفي رحمه الله تعالى، وكان يكتب مقارباً وينظم كذلك. ؟ الحسين بن عمر ابن محمد بن صبرة، مؤنث صبر: الأمير عز الدين.

стр. 977

كان من الأمراء بدمشق، وتولى بها الحجوبية، وهو من بيت له في السيادة سمو، ومن أصل له في الرياسة نمو، ومن قبيل لهم في المكارم رواح وغدو. وعمر إلى أن بلغ الثمانين، ووقف جواد عمره الركض في تلك الميادين، نقل في آخر عمره إلى طرابلس على إقطاع ضعيف، وخبز ما يشبع من أكله وحده من غير مضيف. ولم يزل بها إلى أن فقد الصبر ابن صبره، ونزل بعد بلوغ الثريا قبره. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة خمس عشرة وسبع مئة. وكان أولاً بدمشق حاجباً مدة، وولي الصفقة القبلية عوضاً عن الرستمي في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة إلى أن نقل آخر عمره إلى طرابلس على إقطاع ضعيف، فكثر الدين عليه وساءت حاله وقل ماله، وكانت نقلته إلى طرابلس في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وسبع مئة. أنشدني لنفسه إجازة العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود ما كتبه إلى الأمير عز الدين بن صبره لما كان بطرابلس: سلوا عنّي الصّبا فلها بحالي ... وحمل رسائل العشّاق خبره لتخبركم بأنّي حيث كنتم ... حليف صبابة بكم وعبره وإني في البعاد وفي التداني ... وحيث حللت عبدٌ لابن صبره أميرٌ هام بالإحسان وجداً ... به فكأنه من حيّ عذره تواضع كالنجوم دنت سناءً ... لنا وعلت فأعلى الله قدره من القوم الأولى كرموا حدوداً ... وآباءً وأعماماً وأُسره فللدنيا بهم شرفٌ وفخرٌ ... وللإسلام تأييدٌ ونصره

стр. 978

إذا ضنّ الحيا خلفت نداه ... أكفّهم فعاد العسر يسره أتيت دمشق إذ جازت إليها ... كتائب من أعزّ الله نصره وكان مجرّداً وفقدت حظّي ... برؤيته وعدت بألف حسره أعزّ الدّين دعوى ذي دعاءٍ ... يواليه لكم سرّاً وجهره تذكّر عصر أُنسٍ في حماكم ... أتى وقضى فحيّى الله عصره وسطّرها وماء الدمع منكم ... إذا ما خطّ سطراً بلّ سطره هجرت دمشق فالورقاء تبكي ... أسىً وعلت على الأوراق صفرة وجئت الثغر تكلؤه وتحمي ... سواحله سطاً وتصدّ بحره فخار لك المهيمن في رباط ... أقمت بساحتيه فحزت أجره فلا زالت جيادك حيث سارت ... تسايرها السعادة والمسرّه فحيث حللت كنت رفيع قدرٍ ... لراجيه على الإحسان قدره الحسين بن محمّد ابن الحسين محمد بن الحسين بن زين الحسين بن مظفر بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله العوكلاني، بالعين المهملة المفتوحة والواو الساكنة، وبعدها كاف مفتوحة ولام ألف، ونون وياء النسبة: ابن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 979

القاضي الكاتب الناظم الناثر شهاب الدين أبو عبد الله الحسيني المعروف بابن قاضي العسكر، موقع الدست الشريف بالقاهرة. إن نظم قلت: البحر يلتطم، وإن نثر قلت: السيل يحتد ويحتدم كأنه يترسل، ومترسل يتوصل بالبلاغة ويتوسل، بديهته تسبق قلمه، ورويته تلحق بالدر كلمه، ذو نفس ممتد، وفكر محتد، وإنشاء معناه مبيض في خلال السطر المسود. كم أنشأ من تقليد، وكتب من توقيع نسخ بين دفتي التجليد، وقضي لذكره بالتخليد، وراسل إخوانه بكتاب ألقى إليه البيان بالإقليد، وولد معانيه الغامضة فتضرج خد البلاغة من توريد ذلك التوليد، وكان قد أنشأ شيئاً كثيراً، وخلد منه ما لا يعرف له نظيراً، وباشر كتابة السر في حلب، ولم تطل المدة حتى انقلب، فرجع إلى وطنه باختياره، وفرحت مصر بازدياده. ولم يزل على حاله على وظيفته إلى أن تلاشى كيانه، وأودى بيانه، وسكتت الشقائق، وقرطست تلك الأسهم الرواشق. وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شعبان يوم الاثنين سنة اثنتين وستين وسبع مئة. وسألته عن مولده فذكر أنه في سنة ثمان وتسعين وست مئة بالقاهرة في سويقة الصاحب. اجتمعت به ورافقته في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل، وبدمشق لما قدم متوجهاً لكتابة سر حلب، وأنشدني كثيراً من نظمه إلى الغاية، وأسمعني من إنشائه ما يزيد على الوصف، ورأيته يكتب وهو ينشي ما يكتبه، وينشدني من شعره غير ما يكتبه،

стр. 980

وكان مطيقاً على فني النظم والنثر، له قدرة تامة. كتب بديوان الإنشاء من التقاليد والتواقيع شيئاً كثيراً إلى الغاية. وأجاز لي، على ما ذكره من لفظه، الشيخ شرف الدين الدمياطي وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد والأبرقوهي. قال: وحفظت التنبيه وبحثته، واشتغل على الشيخ علاء الدين القونوي، ورسم له بالتوقيع بين يدي السلطان الملك الكامل شعبان في سنة ست وأربعين وسبع مئة عوضاً عن القاضي زين الدين محمد بن الخضر لما خرج لكتابة سر الشام، وكان بيده خطابة وتدريس فيما أظن. وكتبت إليه من رحبة مالك بن طوق: ما لقلبي عن حبّكم قطّ سلوه ... كلّ حالٍ منكم لدى الصبّ حلوه إن بخلتم حاشاكم بوفاءٍ ... أو ثنتكم بعد التّعطّف قسوه فلكم قد قضى وما نقض العه ... د محبٌّ ولي بذلك أُسوه يا ابن بنت النّبي قل لي وقولي ... يا بن بنت النبي أفضل دعوه هل بدا في الوفاء منّي نقضٌ ... أو جرى في الحفاظ منّي هفوه فعلام الإعراض والصّدّ عمّن ... لم يجد في سوى معاليك صبوه كيف أنسى ساعات وصل تقضّت ... وبعطفي منها بقيّة نشوه ما خلت خلوة ولم ألق فيها ... من عذارى حديثك العذب جلوه حيث لي من حديثك النظم والنث ... ر متى ما أردت كاسات قهوه ومعانٍ كالحور زفّ حلاها ... منطقٌ تشخص الأفاضل نحوه كان في مصر لي بقربك أنسٌ ... عن أُناسٍ لهم عن الخير نبوه وأرى رقّة الحواشي التي عن ... دك تغنى عمّن غدا فيه جفوه

стр. 981

وإذا ما أتيت ألفيت صدراً ... منك لي في حماه حظٌّ وحظوه واقتعدت الفخار بين البرايا ... وتسنّمت في السّيادة ذروه وأرى أن لي إذا زرت أرضاً ... أنت فيها التشريف في كلّ خطوه كيف لا والولاء في قومك الغرّ ... أراه في الدين أوثق عروه منيتي أن أرى حماك بعيني ... لا أراك الحمى ولا دار علوه آه لو تنصف الليالي إذ ما ... حكمت بالبعاد من غير عنوه أو لوانّ الفراق يقبل مني ... في اقتراب الدّيار من مصر رشوه يا زماناً بمصر ولّى حميداً ... هل يجيب الإله لي فيك دعوه فكتب إلي الجواب عنها تسعةً وستين بيتاً: أنسيم الصّبا على الروض غدوه ... سحبت ذيلها على كلّ ربوه وسرى لطفها إلى الدّوح فارتا ... ح فكم رنّحت معاطف سروه أم سقيط النّدى على الورد كاليا ... قوت إذ يجعل اللآلئ حشوه أم تثنّي الغصون في حلل الزّه ... ر سقاها السحاب كاسات قهوه أم مسيل المياه بين رياضٍ ... بنضار الأصيل أمست تموّه أم غناء الحمام غرّد في البا ... ن وأضحى به يرجّع شدوه أم نجوم السماء زهرٌ أم البد ... ر منيرٌ أم مشرق الشمس ضحوه أم وصال الحبيب بعد صدودٍ ... فأتى ذا لذا فأسرع محوه أم حديث العذيب يعذب في ك ... ل لهاةٍ لمن تذكر لهوه أم كتابٌ قد جاءني من خليلٍ ... بارع فالخليل لم ينج نحوه رحب باعٍ لرحبة الشام وافى ... ذو وفاء وعفّة وفتوّه

стр. 982

سامقٌ فوق هضبة المجد والع ... ز سبوق لم يدرك الناس شأوه ناظمٌ ناثرٌ بليغٌ بديعٌ ... ماهرٌ باهر المقالة أفوه حيثما حلّ في الممالك حلّى ... وغدا وارداً من الحمد صفوه بعد حولين قد أتاني فأهلا ... وحباني عذب الكلام وحلوه وعناني من عبد دارٍ ولكن ... غصبته أيدي الحوادث عنوه وأرادوا حمول ذكري فغاروا ... منه لمّا أعلى بذكري ونوّه حجبوه عني فأظهره الل ... هـ لعيني، أتحجب الشّمس هبوه منها: يا صلاح الدين البديع نظاماً ... والذي من انشائه لي نشوه لا تلمني على تأخّر كتبي ... إذ ألمّت بحدّ ذهني نبوه كنت في شدّةٍ وقد فرّج الل ... هـ ونجّى، فصرت منها بنجوه منها: أنا سبط النّبي وابن عليّ ... شرفٌ باذخٌ لأرفع ذروه وإذا ما اعتراني الدّهر بالعد ... وان أمسكت منهما أيّ عروه وطلب مني بشتا أسود، فجهزته إليه وكتبت معه: يا سيّداً ما زال يدعى سيّدا ... حاز المكارم والعلا والسّؤددا شرّفتني بأوامرٍ دأبي لها ... مهما أتى مرسومها أن أسجدا وطلبت بشتاً أسوداً من جلّقٍ ... ولو اقتصرت لبست حظّي الأسودا لبس العباءة والعيون قريرةٌ ... خيرٌ من الحلل الحرير مع الرّدى

стр. 983

فألبسه فضفاض الذيول حكى دجا ... لوناً فوجهك فوقه ليلٌ بدا فكتب الجواب عن ذلك: حيّا دمشق وأهلها غيث النّدى ... وسقى معاهدها الحيا متعهّدا دارٌ خليل الصدق ساكن ربعها ... ما عنه منّي بالرّضا أن أبعدا الفاضل المتفضّل الحبر الذي ... جمع المحاسن كلّها متفرّدا الناظم العقد الفريد قريضه ... والناثر الدرّ النّفيس منضّدا والكاتب الحسنات في صحفٍ له ... بيضٍ لها اسودّت وجوهٌ للعدى الصاحب المولي الجميل صحابه ... متفضلاً متطوّلاً متودّدا وصلت وصلت إليّ منك عوارفٌ ... قرباً وبعداً برّها لن يفقدا وأتى إليّ البشت مقترناً بما ... لك من يدٍ بيضاء كم وهبت ندى صوفٌ به لذوي الصّفاء تلفّعٌ ... شعرٌ شعار من اغتدى متعبّدا قد جاء من جهة الصلاح محبّذا ... هو من لباس تقي به قد أسعدا قد قمت في ليل الشّتاء به إلى ... ربّ السّما أدعو له متهجّدا قلت: وبيني وبينه مكاتبات كثيرة ذكرتها في كتابي ألحان السواجع. الحسين بن محمد بن عدنان تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه أمين الدين جعفر بن محمد، هو الشريف زين الدين الحسيني بن أبي الجن. كان كاتباً مشهورا، وفاضلاً في أهل الاعتزال مذكورا، فارس جلاد وجدال، ومقام في انتصار مذهبه ومقال. خدم بكرك الشوبك زمانا، ونقل إلى دمشق فوفى

стр. 984

لها بالسيادة ضمانا، وتنقل في المباشرات، وتنفل بعد الفرض في المعاشرات، وولي نظر حلب، وجلب إليها من السيادة ما جلب، ثم إنه ولي نقابة الأشراف بدمشق، ونظر الديوان، وجلس في دسته كأنه كسرى في الإيوان، ولما وصل غازان إلى دمشق، واستحوذ عليها ووصل بغول المغول إليها دخل في تلك القضيه، وجبى الأموال من الرعيه، ولما نصر الله الإسلام، ورفع ما كان تنكس منه من الأعلام عوقب الشريف وضرب، وسجن وسحب، وصودر هو وأخوه الشريف أمين الدين، وأخذ منهما جمله، ومزق الله سعدهما وشت شمله. ثم طلب زين الدين إلى القاهرة، ودامت شدته متظاهره، فطلبه الأفرم مرات ليحاققه، ويبصر إن كان الحق معه ليوافقه، فلما أرسل إليه ولاه نظر ديوانه، وألقى إليه من أمره فضل عنانه، وولاه أيضاً نظر الجامع وغيره، ثم إنه عاد إلى مدرج طيره. ولم يزل على حاله إلى أن شخصت عينه، ووافاه حينه. وتوفي في سادس ذي القعدة سنة ثمان وسبع مئة. وهو، ﵀، والد السيد علاء الدين نقيب الأشراف. وكان الأفرم قد ولاه نظر ديوانه عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني في جمادى الأولى سنة ثمان وسبع مئة، ولما مات كان بيده نظر ديوان الأفرم، ووكالة الأفرم، ونظر الجامع، وبقي في ذلك مدة يسيرة نحو خمسة أشهر، وتوفي رحمه الله تعالى وعمره نحو خمسة وخمسين عاماً، وتولى نظر الجامع بعده القاضي شرف الدين بن صصرى، وكان قد ولي نقابة الأشراف في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبع مئة.

стр. 985

الحسين بن محمد بن إسماعيل الشيخ الجليل الزاهد العابد الكبير نجم الدين أبو عبد الله القرشي المعروف بابن عبود. كانت له وجاهة في الدولة عظيمه، ومكانة دونها النجوم التي تزين الليالي البهيمه، إذا قام في أمر كان به أقعد من الوزير، وأنفذ فيه من الأسد إذا يزير، خبيراً بطرق السعي، قديراً على ما يرويه لما لعهوده من الرعي، وهو الذي قام في ولاية الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد حتى تولى القضاء وألزمه بقبول ذلك الضيق بعدما كان فيه من الفضا، لأنه ما زال وجيهاً في الدول، معظماً عند الملوك الأول. ولم يزل على حاله إلى أن أفل نجمه فما طلع، ولحق الناس ما لحقهم عليه من الهلع. وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة الجمعة ثالث عشري شوال سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة وقد جاوز السبعين. وحضر جنازته جمع عظيم، وقام بالمشيخة بعده في الزاوية ابن أخيه الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ بدر الدين حسن، وزاويتهم في القرافة مشهورة. الحسين بن محمد بن عمر ابن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن محمد بن المسلم بن هلال، الصدر الأصيل معين الدين أبو علي بن الشيخ الصدر الكبير عماد الدين بن هلال الأزدي الدمشقي.
следующие страницы →