الترغيب والترهيب من الحديث الشريف
تأليف
الإمام الحافظ أبي محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري
المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، رحمه الله تعالى آمين
ضبط أحاديثه وعلق عليه
مصطفى محمد عمارة
خريج دار العلوم ومن كبار مدرسي وزارة المعارف المصرية
[الجزء الأول]
стр. 2
مقدمة الطبعة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور، وأشهد أن لا إله إلا الله بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله ناداه مولاه فزاده إجلالا وإكراما (ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا، ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) فأدّى ﷺ الأمانة، وبلغ الرسالة، وجاهد في الله حق جهاده، ونطق بالحكمة وفصل الخطاب، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والعاملين بسنته الأبرار الصالحين المتقين.
أما بعد: فيقول الله تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) ٧٨ من سورة النحل.
ياابن آدم خلقك الله جاهلا لاتعرف شيئا من الحياة، وهيأ لك ثلاثة أمور للفهم والإدراك لعلك تصغى إلى ما ينفعك، وترى ما يقدِّمك، فتحمد الله تعالى على ما وهب لك من كمال العقل.
قال البيضاوي: جهالا مستصحبين جهل الجمادية، سبحانه جعل أداة تتعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزيئات الأشياء فتدركونها، ثم تنتبهون بقلوبكم لمشاركاتها ومباينات بينها بتكرّر الإِحساس حتى تتحصل لكم العلوم البديهية، وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها (لعلكم تشكرون) كي تعرفوا ما أنعم عليكم طورا بعد طور فتشكروه أهـ.
ذكرت هذه الآية استدلالا على أن الإنسان في حاجة إلى البحث وكثرة الاطلاع ليغذي نفسه بلبان العلوم والمعارف ويذكرها بالموعظة الحسنة، ولن أجد نبراسا مضيئا، وسراجا وهاجا ومصباحا منيرا ادعي إلى الهداية والإرشاد، مثل كتاب الله جلّ وعلا، وأحاديث رسول الله ﷺ يهديان الناس إلى المحجة الواضحة، ويبصرانهم مواطن الحجة الناصعة، وجماع الخير كله (الترغيب والترهيب) عكفت على قراءته من سنة ١٣٤٩ من هجرة سيدنا رسول الله
стр. 3
صلى الله عليه وسلم وأخرجت مختارات تزيد عن ألفين ولما تطبع. ثم راجعت الكتاب كله وضبطت ألفاظ أحاديثه ضبطا وافيا وأسماء الرواة ﵃، ثم عقبت كل باب من أبوابه بذكر طائفة من الآيات القرآنية التي تناسب أن يذكره الواعظ المرشد، والناصح الأمين، والمهدى المخلص، والشارح الوافى كما ذيلتها بشرح (فتح جديد) كما ألهم الله يفسر غريب ألفاظها، ويحلّ مستغلق كلماتها، وأوردت كل ما تمس إليه الحاجة في فهمها، والاستدلال بعرضها، فجاء والحمد لله كتابا جميلا حوى آيات بينات، وحكما خالدات، وقرآنا عربيا مبينا، شنف آذان المسلمين بآيه الناطقة، وأثلج صدورهم بحكمه البالغة، وأفاض على القلوب من عظاته المؤثرة، فكان مصدر خير، ومبعث نور، وشمس هداية أضاءت للعالم سبل المصالح، وهدتهم خطط العمل الناجح.
ثم حوى جملة من كلام خير البشر ﵊ الذي أرسله الله على حين فترة من الرسل، وحاجة من البشر، فأهاب بالعقول من سباتها، وأخذ بالنفوس عن غيها، وعرض على الأنظار خيالة تمثلت فيها آى الكون الصامتة ﷺ ، أدّبه ربه فوصفه سبحانه بقوله (وإنك لعلى خلق عظيم) فكان تكوينه خير تكوين وتثقيفه أوّل تثقيف ﷺ ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وإنها لأحاديث منتقاه متخيرة آية في الإبداع والإرشاد، تفصل شؤون الحياة، وتوضح مجمل المحامد، وتجلب كل المحاسن، وتضرب في صميم المنكرات والقبائح، فتزيل كل معوجّ، وتجارى العصر الحاضر ونهضته المباركة في الاستقامة والكدّ والجدّ والاشتغال بالأعمال الصالحة، وشرحتها بعبارة سهلة يلمحها الأديب فيروقه وصفها، ويقرؤها المربي فيسايره نهجها، وينظرها القارئ الساذج فيسهل عليه فهمها، وتروى منا نفسه. تراه يا أخى لكل واعظ غنية، ولكل تقّى بغية، ولكل راغب في الدين منية، ولكل خلق ثمرة غضة (وجنى الجنتين دان) مالئا نفس الراغب، سادّا جوعه الناهم، وأعدّ هذا إلهاما، راجيا من العليم سبحانه أن يهب لى توفيقا، ويرزقني الهداية والصحة والعافية، ويمدّني بروح منه، ويظلني في ظلال السعادة، ويمدني بعنايته لأبعد من الزلل، فهو الهادى المستعان (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب).
وحسبك قول الحافظ المنذري في فائدة هذا الكتاب المستطاب سألني بعض الطلبة الحذاق أولو الهمم العالية ممن اتصف بالزهد في الدنيا على الله بالعلم والعمل، زاده الله قربا منه وعزوفا عن دار الغرور، أن أملى كتابا جامعا في الترغيب والترهيب مجردا عن التطويل بذكر إسناد أو كثرة تعليل؛ فاستخرت الله وأسعفته بطلبته؛ لما وقر عندي من صدق
стр. 4
نيته؛ وإخلاص طويته، وأمليت عليه هذا الكتاب صغير الحجم، غزير العلم؛ حاويا لما تفرّق في غيره من الكتب) أهـ.
أعجبني هذا القول العذب فأكثرت الإمعان فيه، والنظر إلى مراميه، وعقلت معانيه، وأشعر بانشراح صدر، والحمد لله لجنى ثماره، وقطف أزهاره، ونحن الآن في حاجة إليه لأنا في زمن كثر الانصراف فيه عن الدين، وحبب إلى الناس الدنيا وزخارفها، وغرّتهم المدنية الحديثة بسرابها الخادع وبعدوا من السنة وآدابها، ولنا رجاء في المولى جلّ وعلا أن يشمل المسلمين برحمته فيعملوا بالكتاب والسنة ليسعدوا، ولعل هذا السفر ينال حظا وإقبالا على قراءته وينظر إليه المؤمنون، فينقع غلة الصادى، ويشفى علة المرتاب.
وإني أمدّ أكف الضراعة إلى من يجيب دعوة المضطرّين أن ينفع به كأصله ويرزقنى فيه الإخلاص، ليكون لى كفيلا في الآخرة بالخلاص، وإني أشكر لله مدده ورعايته إذ أشرقت شموس الوعظ والإرشاد في ربوع العالم وتصدّى للعلم وتعليمه العلماء الأكفاء، والسادة الفضلاء، وقاموا بقسط وافر، وعمل زاخر، جزاهم الله خيرا. والفأل الحسن اليوم ٢٧/ ٥/ ١٣٧٣ هـ إقبال قادة المسلمين على الاطلاع عليه والاستضاءة بأنوار أحاديث ﷺ .
وإن أشكر لرجال دار الكتب الملكية عنايتهم المضاعفة، وهمتهم العالية، فقد يسروا لنا الطرق المعبدة في البحث والتنقيب والمراجعة والتصحيح على عدة نسخ مخطوطة من كتاب (الترغيب والترهيب) وقد اعتمدت على كتاب محضر من جامع شيخون في ٥ يونيه نمرة ١٢٠ حديث، وقفه المرحوم محمد صالح أفندى شرمى زادة لطلبة العلم سنة ١٢٦٢ هـ، وفي آخر هذه العبارة (ووافق الفراغ من كتابه نهار الثلاثاء تاسع عشر المحرّم سنة ٨٢٥ هـ بصالحية دمشق المحروسة على يد المرحوم على بن يوسف البانياسى الشافعي غفر الله له).
ثم راجعت على نسخة ثانية في آخرها هذه العبارة (كتبها الشيخ محمد ابن الشيخ محمد ابن أحمد زهران الأجهورى في عشرة من صفر سنة ١٢٠٢ هـ).
ثم قام حضرة أخى العزيز المحترم الفاضل (مصطفى أفندى محمدعبد القادر) المدرس بالمدارس الأميرية بالمراجعة وضبط ألفاظ الأحاديث على النسخ المخطوطة بدار الكتب.
وقد ساعدنى حضرة الأستاذ المحدث التقى الشيخ أحمد بن الصديق المغربى نزيل مصر الآن على شراء نسخة مخطوطة من سنة ٨٤٩ هـ.
أراجع عليها الآن مرة ثانية في أثناء الطبع انظر (ص ٣٧٦ جـ أول من الترغيب).
стр. 5
نبذة في مصطلح الحديث وفن أصوله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أقسام الحديث
النوع الأوّل: الصحيح: ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة: أي لا أنه غير مقطوع به؛ ومعنى غير الصحيح لم يصح إسناده، وقيل المختار أنه لايجزم في إسناد أنه أصح الأسانيد مطلقا، وقيل أصحها الزهرى عن سالم عن أبيه، وقيل عن ابن سيرين عن عبيدة عن علىّ، وقيل الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، وقيل الزهرى عن عليّ عن الحسن عن أبيه عن على، وقيل مالك عن نافع عن ابن عمر، فعلى هذا قيل الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵃.
الكتب الصحيحة
أوّل مصنف في الصحيح المجرد صحيح البخاري. ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، والبخاري أصحهما وأكثرهما فوائد، واختص مسلم بجمع طرق الحديث في مكان. وسنن أبى داود والترمذي والنسائي، تلك أصول خمسة لم يفتها إلا اليسير، وجملة ما في البخاري ٧٢٧٥ حديثا بالمكرر، وبحذف المكرر (٤٠٠٠). ومسلم بإسقاط المكرّر نحو (٤٠٠٠).
ثم إن الزيادة في الصحيح تعرف من السنن المعتمدة كسنن أبى داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة والدراقطنى والحاكم والبيهقى وغيرهما منصوصا على صحته.
والكتب المخرّجة على الصحيحين لم يلتزم فيها موافقتهما في الألفاظ فحصل فيها تفاوت في اللفظ والمعنى وكذا ما رواه البيهقى والبغوى وشبههما قائلين: رواه البخاري ومسلم وقع في بعضه تفاوت في المعنى.
أقسام الصحيح. أعلاه ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم مسلم اثم ما على شرطهما، ثم ما على شرط البخاري، ثم مسلم، ثم صحيح عند غيرهما، وإذا قالوا صحيح متفق عليه أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين.
стр. 6
النوع الثاني: قال الخطابي ﵀: هو ما عرف مخرّجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث ويقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وإذا قيل حسن صحيح: أي روى بإسنادين: أحدهما يقتضى الصحة، والآخر الحسن.
النوع الثالث: الضعيف: وهو ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن، وربما لقب بالموضوع أو الشاذ.
النوع الرابع: المسند: قال الخطيب البغدادي: هو عند أهل الحديث ما اتصل سنده إلى منتهاه، وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن النبي ﷺ دون غيره.
النوع الخامس: المتصل: ويسمى الموصول: وهو ما اتصل إسناده مرفوعا كان أو موقوفا على من كان.
النوع السادس: المرفوع: وهو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة لا يقع مطلقه على غيره متصلا كان أو منقطعا.
النوع السابع: الموقوف: وهو المروى عن الصحابة قولا لهم أو فعلا أو نحوه متصلا كان أو منقطعا، ويستعمل في غيرهم مقيدا فيقال وقفه فلان.
النوع الثامن: المقطوع: وهو الموقوف على التابعى قولا له أو فعلا واستعمله الشافعي، ثم الطبراني في المنقطع.
النوع التاسع: المرسل: ما رواه التابعى عن رسول الله ﷺ قولا أو فعلا.
ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدّثين والشافعي وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول، وقال مالك وأبو حنيفة في طائفة صحيح، وقيل مرسل الصحابي محكوم بصحته.
النوع العاشر: المنقطع: هو الذي لم يتصل إسناده على أىّ وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعى عن الصحابى كمالك عن ابن عمر.
وقيل هو الذي اختلّ فيه رجل قيل التابعى محذوفاً كان أو مبهما.
النوع الحادى عشر: المعضل: ما سقط من إِسناده اثنان فأكثر، ويسمى منقطعا، ويسمى مرسلا عند الفقهاء، وقيل ما قال فيه الراوى: بلغنى، كقول مالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (للمملوك طعامه وكسوته) يقال أعضل فهو معضل.
الإِسناد المعنعن: هو فلان عن فلان، قيل إِنه مرسل، وقيل متصل بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضا.
وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف: منهم من لم يشترط شيئا من ذلك وهو مذهب مسلم بن الحجاج ادعى الاجماع فيه، ومنهم من شرط اللقاء وحده
стр. 7
وهو قول البخاري وابن المدينى والمحققين، ومنهم من شرط طول الصحبة، ومنهم من شرط معرفته بالرواية عنه.
النوع الثاني عشر: التدليس
(١) تدليس الإسناد: بأن يروى عمن عاصرهم مالم يسمعه منه موهما سماعه قائلا: قال فلان أو عن فلان، وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره ضعيفا أو صغيرا تحسينا للحديث.
(٢) تدليس الشيوخ: بأن يسمى شيخه أو يكنه أو ينسبه أو يصفه بما لم يعرف. أما الأول فمكروه جدّا. قال عنه العلماء: من عرف به صار مجروحا مردود الرواية، وأما الثاني فكراهته أخف، وسببها توعير طريق معرفته.
النوع الثالث عشر الشاذ: ما روى الثقة مخالفا رواية الناس، لا أن يروى ما لا يروى غيره، هذا عند الشافعي وجماعة من علماء الحجاز.
قال الخليلى: والذى عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة فمتروك، وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به.
النوع الرابع عشر: معرفة المنكر، قال الحافظ البرديجى: هو الفرد الذى لا يعرف متنه عن غير رواية (برديج) بلد بأذربيجان.
النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد، فالاعتبار أن يروى حماد مثلا حديثا لا يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن ابى هريرة عن النبى ﷺ . والمتابعة أن يرويه عن أيوب غير حماد وهى المتابعة التامة، أو عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبى ﷺ صحابيّ آخر: والشاهد أن يروى حديثا آخر بمعناه.
النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها: مذهب الجمهور قبولها مطلقا. وقيل تقبل إن زادها من رواه ناقصا، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصا.
النوع السابع عشر: معرفة الأفراد (١) فرد عن جميع الرواة (٢) بالنسبة إلى جهة كقولهم: تفرّد به أهل مكة أو فلان.
النوع الثامن عشر: المعلل: أي وجود سبب غامض قادح فيه مع أن الظاهر السلامة منه يفهمه أهل الحفظ والخبرة والفهم السابق.
النوع التاسع عشر: المضطرب هو الذي يروى على أوجه مختلفة منفردا به، والحكم للراجح.
النوع العشرون: المدرج (١) ما يذكر الراوى عقيب كلامه ﷺ كلاما لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلا فيتوهم أنه من الحديث (٢) أن يكون عنده متنان
стр. 8
بإسنادين فيرويه بأحدهما. (٣) أن يسمع حديثا من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه فيرويه عنهم باتفاق، وكله حرام.
النوح الحادى والعشرون: الموضوع هو المختلَق المصنوع، وشرّه الضعيف، ويحرم روايته مع العلم به في أي معنى إلا مبينا، ويعرف الوضع بإقرار واضعه، أو معنى إقراره، أوركاكة في لفظه ومعناه.
النوع الثاني والعشرون: المقلوب هو نحو حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليرغب فيه.
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته أن يكون عدلا ضابطا مسلما بالغا عاقلا سليما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظا حافظا إن حدّث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدّث منه، عالما بما يحيل المعنى إن روى به.
من كفر ببدعته لم يحتج به، ومن أخذ على التحديث أجراً إلا تقبل روايته عند أحمد وإسحق وأبي حاتم، ولا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه. وألفاظ التعديل: ثقة أو متقن، أو ثبت، أو حجة، أو عدل حافظ، أو ضابط، أو صدوق، أو محله الصدق.
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه:
بيان أقسام طرق تحمل الحديث ومجامعها
(أ) الإجازة: أن يجيز معينا لمعين كأجزتك البخاري، أو مااشتملت عليه فهرستي.
(ب) أن يجيز معينا غيره كأجزتك مسموعاتى، جوّز الجمهور الرواية وأوجبوا العمل بها.
(جـ) يجيز غير معين بوصف العموم كأجزت المسلمين، أو كل أحد، أو أهل زماني.
(د) إجازة مجهول أوّله كأجزتك كتاب السنن، وهو يروى كتبا في السنن.
المناولة (١) مقرونة بالإجازة، هي أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه ويقول هذا سماعي أو روايتى عن فلان فاروه، أو أجزت لك روايته عنى ثم يبقيه معه تمليكا، أو لينسخه أو نحوه، أو يعرض سماع ليرويه عنه. (٢) المجرّدة أن يناوله مقتصرا على (هذا سماعى) فلا تجوز الرواية بها.
المكاتبة: هي أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو بأمره، وهي ضربان: مجردة عن الإجازة، ومقرونة بأجرتك ما كتبت لك، وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة.
إعلام الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه مقتصرا عليه، جوّز أهل الحديث الراوية به.
стр. 9
الوصية: أن يوصى عند موته أو سفره بكتاب يرويه الصواب لا يجوز للموصى له روايته عنه.
الوجادة: أن يقف على أحاديث بخط راويها لا يرويها الواجد فله أن يقول وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه بخط حدثنا فلان ويسوق الإسناد والمتن.
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه.
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث.
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث: علم الحديث شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وهو من علوم الآخرة، ومن حرمه حرم خيرا عظيما، ومن رزقه نال فضلا جزيلا، فعلى صاحبه تصحيح النية وتطهير قلبه من أغراض الدنيا. واختلف في السن الذي يتصدى فيه لإسماعه، والصحيح أنه متى احتيج إلى ما عنده جلس له في أيّ سن كان. وينبغى أن يمسك عن التحديث إذا خشى التخليط بهرم أو خرف أو عمى، ويختلف ذلك باختلاف الناس.
(فصل) الأولى أن لا يحدّث بحضرة من هو أولى منه لسنه أو علمه أو غيره، وقيل يكره أن يحدّث في بلد فيه أولى منه. وينبغى له إذا طلب منه مايعلمه عند أرجح منه ان يرشد إليه فالدين النصيحة، ولا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى صحتها، وليحرص على نشره مبتغيا جزيل أجره.
(فصل) ويستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر ويتطيب، ويسرح لحيته ويجلس متمكنا بوقار، فان رفع أحد صوته زبره، ويقبل على الحاضرين كلهم، ويفتتح مجلسه ويختتمه بتحميد الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ ، ودعاء يليق بالحال بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن العظيم، ولا يسرد الحديث سردا يمنع فهم بعضه، والله أعلم.
ويستحب للمحدِّث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث، ويستملى مرتفعا، ويتخذ متيقظا يبلغ عنه إذا كثر الجمع، ويستنصت المستملى الناس بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن، ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلى على رسوله ﷺ ويتحرّى الأبلغ فيه، وإذا ذكر صاحبيا قال: ﵁، أو ابنه قال: ﵄، ويثني على شيخه حال الرواية بما هو أهله كما فعله جماعات من السلف.
النوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث: تصحيح النية والإخلاص لله تعالى في طلبه والحذر من التوصل به إلى أغراض الدنيا، ويسأل الله تعالى التوفيق والتسديد والتيسير، وليستعمل الأخلاق الجميلة والآداب. ثم ليفرغ جهده في تحصيله بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسنادا وعلما وشهرة ودينا وغيره، فإذا فرغ من مهماتهم فليرحل على عادة الحافظ المبرزين، ويستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب، فذلك زكاة الحديث وسبب حفظه والله أعلم.
стр. 10
وينبغى أن يعظم شيخه ومن يسمع منه، فذلك إجلال العلم وسبب الانتفاع به، ويتحرى رضاه ولا يضجره، وليستشره في أموره وما يشتغل فيه، وإذا ظفر بسماع أن يرشد إليه غيره فان كتمانه لؤم يقع فيه جهلة الطلبة، فإن من بركة الحديث إفادته، وبنشره ينمى، ولا يمنعه الحياء والكبر من السعي التام في التحصيل وأخذ العلم ممن دونه في نسب أو سن أو غيره، وليصبر على جفاء شيخه، وليعتنِ بالمهمّ، ولا يضيع وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرّد اسم الكثرة.
وليتعرف صحة ما يفهم وضعفه وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله محققا كل ذلك معتنيا بإتقان مشكلها حفظا وكتابة، مقدما الكتب الصحيحة.
النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل:
(١) أجلها القرب من رسول الله ﷺ باسناد صحيح نظيف.
(٢) القرب من إمام من أئمة الحديث وإن كثر بعد العدد إلى رسول الله ﷺ .
(٣) العلوّ بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الخمسة أو غيرها من الكتب المعتمدة.
النوع الثلاثون: المشهور من الحديث، وهو ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم، وهو قسمان: صحيح، وغيره، ومشهور بين أهل الحديث خاصة وبين غيرهم، ومنه المتواتر المعروف في الفقه وأصوله، ولا يذكره المحدِّثون.
النوع الحادي والثلاثون: الغريب والعزيز: فالغريب ما انفردوا بروايته، أو بزيادة في متنه إو إسناده وانفرد عن الزهرى وشبهه ممن يجمع حديثه رجل، فإن انفرد اثنان أو ثلاثة سمى عزيزا، فان رواه الجماعة سمى مشهورا، وغريب الحديث ما وقع في متن الحديث من لفظة غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها.
النوع الثاني والثلاثون: المسلسل. وهو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة، للرواة تارة وللراوية تارة، وصفات الرواة أقوال وأفعال وأنواع كثيرة غيرها كمسلسل التشبيك باليد والعدّ فيها، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفاتهم أو نسبتهم كأحاديث رويناها كل رجالها دمشقيون وكمسلسل الفقهاء، وصفا كالمسلسل بسمعت أو بأخبرنا.
النوع الثالث والثلاثون: ناسخ الحديث ومنسوخه، النسخ رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر، فمنه ما عرف بتصريح رسول الله ﷺ بـ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) ومنه ما عرف بقول الصاحبي كـ (كان آخر الأمرين من سول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار). ومنه ما عرف بالتاريخ، ومنه ما عرف بدلالة الإجماع كحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، والإِجماع لا ينسخ ولا ينسخ، لكن يدل على ناسخ، والله أعلم.
стр. 11
النوع الرابع والثلاثون: معرفة مختلف الحديث وحكمه. وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرا فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما، وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغوّاصون على المعانى.
النوع الخامس والثلاثون: معرفة الصحابة ﵃. قيل هو كل مسلم رأى رسول الله ﷺ . وقيل عن أصحاب الأصول: من طالت مجالسته عن طريق التبع، وكلهم عدول ﵃. قال أبو زرعة الرازى: قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه. وأفضلهم سيدنا أبو بكر، ثم عمر وعثمان وعلىّ، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة الرضوان، وممن لهم مزية أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأولون.
النوع السادس والثلاثون: معرفة التابعين ﵃. هو من صحب الصحابىّ. وقيل من لقيه، ويليهم الذين ولدوا في حياة النبى ﷺ من أولاد الصحابة، ومن التابعين المخضرمون الذين أدركوا الجاهلية وأسلموا في زمن النبى ﷺ . ومن أكاببر التابعين الفقهاء السبعة: ابن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار. وعن أحمد بن حنبل قال: أفضل التابعين ابن المسيب، قيل فعلقمة والأسود. وقال ابن أبى داود: وسيدتا التابعيات حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وتليهما أم الدرداء. وقال أبو عبد الله بن الخفيف: أهل المدينة يقولون أفضل التابعين ابن المسيب. وأهل الكوفة أو يس، والبصرة الحسن. وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين قيس وأبو عثمان وعلقمة.
النوع السابع والثلاثون: التاريخ والوفايات. الصحيح في سن سيدنا سيد البشر رسول الله صلى الله عليه وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ أنه ثلاث وستون، وقبض رسول الله ﷺ ضحى الاثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ، وأبو بكر في جمادى الأولى سنة ١٣ هـ. وعمر في ذى الحجة سنة ٢٣ هـ. وعثمان سنة ٣٥ هـ. وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقيل ابن تسعين. وعلىّ في رمضان سنة ٤٠ هـ. وهو ابن ثلاث وستين، وقيل أربع، وقيل خمس، وطلحة والزبير في جمادى الأولى سنة ٣٦ هـ. قال الحاكم: كانا ابنى ٦٤، وسعد بن ابى وقاص سنة ٥٥ ابن ثلاث وسبعين، وأبو عبيدة سنة ١٨ ابن ثمان وخمسين، وصحابيان عاشا ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام وماتا بالمدينة سنة ٥٤: حكيم بن حزام، وحسان بن ثابت ابن المنذر بن حرام ﵁ تعالى عنهم أجمعين، وسيدنا سفيان الثورى سنة ١٦٠ ومولده ٩٧
стр. 12
وهو صاحب مذهب مشهور متبوع غير الأربعة أهـ بعبارة مختصر من التقريب للنووى ﵀. وبمناسبة تعرضى في شرحى للأحكام الفقهية، وذكر صاحب الترغيب الأئمة ورواة الحديث أتفضل بذكر كلمة تعريفا لحقهم، وقياما ببعض واجبهم، تكون نبراسا للقارئين، وذكرى حسنة للعاملين.
الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه
(٨٠ - ١٥٠ هـ)
مولده ونشأته: هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطا بن ماه، فقيه العراق وقدوة أهل الرأى، وصاحب المذهب المقضىّ به الآن في أكثر الممالك الإسلامية، وأول من فتق الفقه وفصل فصوله وأقسامه وميز مسائله ورتب قياسه. والأشهر أن أصل جده زوطا من فرس كابل، ولد سنة ٨٠ ونشأ بالكوفة، وعاصر بعض الصحابة، واشتغل بالفقة وأخذ كل علمه عمن شافه من الصحابة ونقل عنهم، وقد كان كثير من الزنادقة في عصره يضعون الأحاديث ويقبلها منهم أهل الغفلة، فحمل أبا حنيفة شدة تورعه واحتياطه على ألا يأخذ في دينه وفقهه إلا بما لا شك عنده في صحته وتصعب في ذلك فلم يصح عنده إلا أحاديث قلائل عمل بها.
مذهبه: استنبط فقهه من القرآن واستعمال القياس والرأى، وتابعه في ذلك أكثر أئمة العراق لقلة رواة الحديث بينهم وكثرتهم في الحجاز، ولذلك امتاز فقهاء الحجاز بمتابعة السنة في أكثر فقههم وأنكروا الرأى على أهل العراق، ولكل حجة كما ترى.
زهده وورعه: وكان من أعبد الناس وأكثرهم تهجدا وقراءة للقرآن وأكثرهم ورعا وتقية وتوخيا للكسب من وجه حلّ، رغب عن وظائف الملوك والخلفاء، ورضى أن يعيش تاجر خز، وعرض عليه القضاء من قِبَل أمراء بنى أمية ثم المنصور، فأبى حتى سجنه المنصور على ذلك وآذاه، فكان يعتذر بأنه لا يأمن نفسه. قيل إن المنصور حلف ليلينّ له عملا فكفّر عن يمينه بأن ولاه تعداد الآجر في بناء مدينة السلام، وكان الناس قبله يعدون بالآحاد فعده بالقصب المكعب بعد رصفه.
وقرأ عليه الفقه علماء الكوفة وبغداد، وتخرج عليه منهما الأئمة من أصحابه كمحمد بن الحسن وأبي يوسف وزفر وربيعة الرأى ووكيع بن الجراح وغيرهم.
وفاته: مات أبو حنيفة ﵀ ببغداد سنة ١٥٠ هـ.
مؤلفاته: وله من الكتب التى رواها عند أصحابه وتابعو أصحابه كتاب الفقه الأكبر، وكتاب العالم والمتعلم، وكتاب الرد على القدرية.
стр. 13
الإمام مالك ﵁
(٩٥ - ١٧٩ هـ)
مولده ونشأته: هو سيدنا أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحى. ولد بالمدينة سنة ٩٥ هـ ونشأ بها وتفقه وتعلم عن ربيعة الرأى سنة ١٣٦ هـ وتعمق في علوم الدين حتى صار حجة في الحديث وإماما في الفقه، نوّر الله قلبه وفتح عليه فتحا مبينا ورقاه وملأ قلبه إيمانا وورعا وتقوى وإخلاصا، وأدّبه فأحسن تأديبه، وقال الحق، وخشى ربه، وحارب البدع، ونازع الملحد وحاربه.
فتاويه وتأليفه: قيل إنه أفتى بخلع المنصور ومبايعة محمد بن عبد الله من آل على. فأحفظ ذلك جعفر بن سليمان عم الخليفة وأمير المدينة فجرّده وضربه سبعين سوطا، فما ازداد إلا علاء وشرفا، ولما علم المنصور بذلك اعتذر إليه وترضاه، وقال له: لم يبق في الناس أفقه منى ومنك، وقد شغلتنى الخلافة، فضع للناس كتابا ينتفعون به. وتجنب رخص ابن عباس، وشدائد ابن عمر، وشواذّ ابن مسعود، ووطئه للناس توطئة. فصنف (الموطأ) وسمعه عليه المهدى. ثم الرشيد سنة ١٧٤، وتظهر عليه حلل النعمة وثياب العزة وأبهة العلم ووقاره، وبقى مشرقا لنور العلم، وقبلة لرواة الحديث، وعمدة للفتوى حتى أتاه اليقين بالمدينة سنة ١٧٩ هـ.
أخى: تأمل في حادثة الإمام مالك مع أبى جعفر المنصور يحكم بعزله، ولكن يقدمه عنه التبريز في التأليف وبلوغ قمة المجد والشرف والعز، ويصبح الإمام مالك صاحب مذهب ومجتهدا علامة يعمل بآرائه ملايين المسلمين من لدن ظهوره إلى الآن، بل ما دامت الدنيا لن يفنى العاملون بمذهبه، ولن يضل متبعوه، ولن يذل أو يضل المهتدون بهديه.
علمه وفضله: كان مالك من حجج الله على خلقه، لا يحدث إلا عن صحة، ولا يروى إلا عن ثقة؛ قد توفر حظه من السنة، فبنى مذهبه عليها، وانفسح ذرعه في الفقه، فانتهت إليه الفتوى وهو القائل عن نفسه (قلّ رجل كنت أتعلم منه ما مات حتى يجيئنى ويستفتينى) وله كتاب الموطأ في الحديث وهو أساس المذهب.
ولما جاء ولى عهد المنصور (المهدى) حاجا سمعه منه، وأمر له بخمسة آلاف دينار وبألف لتلاميذه. ثم رحل إليه الرشيد وأولاده ليسمع موطأه فسمعه وأغدق عليه.
صفته وأخلاقه: كان مالك أشقر شديد البياض، أصلع، كبير الرأس، حسن البزة، وقورا مهيبا عفيفا سخيا كريما، يشرك أهل العلم في ماله، متصفا بالنبل والتواضع والحب لرسول الله
стр. 14
صلى الله عليه وسلم، لا يحدّث إلا عن وضوء، ولا يركب دابة في دار الهجرة إجلالا لأرض ضمت جسد رسول الله ﷺ مع أنه ضعيف، وكان أمينا على العلم، فلا يترفع أن يقول في الشئ (لا أدرى). اتفق أن امرأة توفيت بالمدينة، فغسلتها غاسلة فلصقت يدها على فرجها فاحتاروا في أمرها هل يقطعون يدها؟ أو يقطعون جزءا من لحمها؟ فاستفتوا الإمام مالكا رضى الله عنه، فقال: أرى عليها حداً فجلدوها وأقاموا عليها حدّ القذف والسبّ، وبعد ذلك خلصت يد الغاسلة، فهذا سبب قولهم: لايفتى ومالك بالمدينة.
ومن كلامه ﵁.
إذا رفع الزمان مكان شخص ... وكنت أحق منه ولو تصاعد
أنله حق رتبته تجده ... ينيلك إن دنوت وإن تباعد
ولا تقل الذي تدريه فيه ... تكن رجلا عن الحسنى تقاعد
فكم في العرس أبهى من عروس ... ولكن للعروس الدهر ساعد
ولما قدم الرشيد المدينة استقبله الناس إلا مالكا، فأرسل له يعتب عليه؛ فأرسل إليه: إنى شيخ كبير، ولى عذر من الأعذار لا يذكر.
فأرسل إليه يا أبا عبد الله نريد أن تأتينا لتحدّثنا بكتابك، فأرسل إليه، إن هذا العلم عنكم أُخذ، وأنتم أولى بصيانته، العلم يؤتى له ولا يأتي، فقال صدقت ثم ركب الرشيد إلى مالك فحبسه ببابه، فقال يا أبا عبد الله لم تأتنا وإذا أتيناك حسبتنا بالباب؟ فقال: علمت أن أمير المؤمنين قصدنى إلى حديث رسول الله ﷺ ، فأردت أن أتأهب لذلك، فطلب أن يقرأ عليه في مجلس خاصّ به، فقال الإمام: اعلم أن الخاصّ لا ينتفع به فنصب له كرسى فقعد عليه فقال الإمام: حدثنا فلان عن فلان عن النبى ﷺ أنه قال: (من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه الله) فنزل الرشيد عن كرسيه وقعد على الأرض بين الناس.
انتهى من كتاب حاشية الشيخ يوسف الصفتى المالكى رحمه الله تعالى ص ١٢.
فانظر رعاك فقهه وورعه، أرشده الله إلى الحق وألهمه الرشد. اللهم وفقنا أن ننهج منهجه، ونسير على ضوئه.
ونسأل الله جلّ وعلا أن يزيدنا إيمانا به وفقها في دينه إنه الرب العليم الحكيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبى الأمى وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 15
الإمام الشافعي ﵁
(١٥٠ - ٢٠٤ هـ)
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب القرشى المطلبى عالم قريش وفخرها، وإمام الشريعة وحبرها.
وهو من ولد المطلب بن عبد مناف، ويجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد مناف.
مولده ونشأته: ولد الشافعي بمدينة غزّة من أرض فلسطين سنة ١٥٠، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، فنشأ بها، وما ميز حتى صار نادرة الدنيا ذكاء وحفظا. حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وأولع بالعربية من النحو والشعر واللغة، وتتبعها من رواتها، ورحل إلى البادية في تطلبها، ولم يناهز سن البلوغ حتى حفظ منها شيئا كثيرا. وبينما هو يترنم بشعر للبيد زجره بعض الحَجَبة عن أن يكون مثلُه في شرفه ونسبه راوية للشعر وقال له تفقه يعلمك الله، فانتفع بهذا الكلام وحفظ موطأ مالك، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. ثم رحل في هذه السن إلى مالك بالمدينة وقرأ عليه الموطأ من حفظه، فقال مالك: إن يكن أحد يفلح فهذا الغلام، وضافه مالك على رقة حاله وقتئذ وخدمه بنفسه، فبقى عنده مدة. ثم رجع إلى مكة وعلم بها العربية والفقه وصحح عليه الأصمعى فيها شعر الهذليين، وكان الشافعي في حداثته فقيرا تربيه أمه وهى أرملة، فكان يتقبل معونات الأغنياء من ذوى قرابته من قريش.
هجرته: ولى الرشيد أحد أصدقائه عملا باليمن، فخرج معه وولي بعض الأعمال بها، فأحسن التصرف، وبقى مدة حتى وشي به إلى الرشيد، وأنه يؤامر الطالبيين للخروج عليه، فحمل مع الطالبيين إلى الرشيد وهو بالرقة فلم يتبين شيئا في أمره فأطلقه، فقيل كان ذلك بشفاعة الفضل بن الربيع، وقيل بشفاعة محمد بن الحسن، وقيل غير ذلك. ثم دخل بغداد سنة ١٩٥ فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه. ومنهم أحمد بن حنبل فأقام بها حولين أملى فيهما مذهبه القديم، واجتمع أثناء إقامته بالعراق بمحمد بن الحسن فأكرمه وأغدق عليه، وكتب عنه الشافعي علما كثيرا؛ ثم رجع إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة ١٩٨ فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر فوصل إليها سنة ١٩٩ أو سنة ٢٠٠ فألقى عصاه بها وسكن الفسطاط فكانت دار هجرته وبها أملى مذهبه الجديد بجامع عمرو.
مذهبه: واستنبط الشافعي مذهبه بعد القرآن من الحديث والقياس والرأى، فكان
стр. 16
مذهبه وسطا بين أهل الرأى مثل أصحاب أبى حنيفة وبين أهل السنة من مثل أصحاب مالك وأحمد.
وفاته: توفى سنة ٢٠٤، ودفن بالقرافة، وقبره بها مشهور حتى صارت تنسب إليه، وكان الشافعي أفضل من رأى الناس ذكاء وعقلا وحفظا وفصاحة لسان وقوة حجة، ولم يناظر أحد إلا ظهر عليه، وكان يقول: ما ناظرت أحد إلا وددت أن يظهر الحق على يديه.
وجملة القول: أنه كان إماما في كل شئ حتى الرمى فكان يصيب تسعة من عشرة.
مؤلفاته: ومن كتبه التى أملاها على أصحابه (المبسوط) الذى سمى في مصر باسم الأمّ، وأكثر الناس على أنه أول من صنف في أصول الفقه، وله كتب أخرى كثيرة.
الإمام أحمد بن حنبل ﵁
(١٦٤ - ٢٤١ هـ)
مولده ونشأته: هو إمام أهل السنة، وأفقه أهل زمانه. الحافظ الحجة (أبو عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانى) ولد ببغداد سنة ١٦٤ ونشأ بها يتيما، وطلب الحديث لست عشرة سنة. وقد كثرت رواته، وعرفت ثقاته، وتميز صحيحه، فجاب الأقطار الإسلامية في تلقيه وجمعه حتى حفظ ألف ألف حديث، تنحل منها أربعين ألفا ونيفا، قدوّنها في كتابه المسند، وهو من أصحاب الشافعي وصفوة تلاميذه. وقد قيل فيه وهو راحل إلى مصر خرجت من بغداد وما خلفت بها أتقى ولا أفقه ولا أزهد ولا أروع ولا أعلم من ابن حنبل.
ورعه وزهده: استنبط مذهبه من الكتاب والسنة وشابه بشئ من القياس فقلّ أتباعه لبعده عن الاجتهاد وتمسكه بالرواية. وتصدى هو وشيعته لمجادلة المتكلمين، ومناضلة الفلاسفة في عصر الرشيد والمأمون، ودعى إلى الخَلق: أي القول بخلق القرآن زمن المتعصم، فأبى، فضرب تسعة وعشرين سوطا حتى تقطر دمه، وغاب رشده، واعتل جسمه، ولم ينعم باله، إلا في عهد المتوكل، وعاش في التوقى والجدّ والعمل، وخشى الله حتى انتقل إلى دار كرامته ومثوبته سنة ٢٤١ هجرية فشيعه ثمانمائة ألف رجل وستون ألف امرأة مما يدل على مكانته العالية في نفوس المسلمين، ورفعة شأنه وعلوّ قدره.
قال قتيبة: أحمد إمام الدنيا. وقال إبراهيم الحربي: كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين.
أيها المسلمون: هذه ترجمة سيدنا أحمد الذي كان يعبد الله ليل نهار، ويخشى بأسه، ويرجو رحمته ويرحل إلى تمحيص حديث سيد الخلق، وقد عمل له مذهبا يعبد الله على منهجه خلق
стр. 17
تحلوا بآدابه، وأخلصوا لله في الطاعة، وانقادوا لأوامره، واجتنبوا مناهيه، وقد روى عنه صاحب (الترغيب والترهيب) أريد أن نقرأه ونعمل به، أرجو ذلك، والله غفور رحيم.
الإمام البخاري ﵁
(١٩٤ - ٢٥٦ هـ)
مولده ونشأته: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفى ﵁. وهو المحدّث الذى ملأ ذكره الآفاق، وعم صيته، وانتشر اسمه، وذاع فضله، وشملته بركة النبى ﷺ . وقد ولد ببخارى يوم الجمعة أو ليلتها ثالث عشر شوال سنة ١٩٤ هـ وتوفى ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ هـ. وقد نشأ بها يتيما، وحفظ القرآن وثقف العربية وأجادها وفقه معنى ألفاظها، وطلب الحديث في التاسعة من عمره، أراد الله له أن يستضئ بالأنوار المحمدية، ويستظل بالرحمات الإِلهية، ويتغذى بالحكم المصطفوية، فلم يكد يبلغ الحلم حتى حفظ عشرات الألوف منها.
هجرته لطلب العلم، ولأداء فريضة الحج: خرج إلى مكة في سنة ٢١٠ مع أمه وأخيه فعاد هذان، وتخلف هو للتوسع في الحديث، فرحل إلى معظم الممالك الشرقية، وقد روى عن علمائها وأخذ عن فقهائها.
ورعه وزهده: هو رجل عظيم قوىّ العزيمة، رصين القول وصادقه، كثير الخوف من الله جل وعلا. وقيل كان يصلى فلسعته ستة عشر زنبورا فما قطع صلاته، وبعد أن أتمها مدّ ظهره لجاره، فإذا بعده عدة لسعات مميتات. قيل كان قبل أن يضع الحديث يتوضأ ويغتسل ويصلى ركعتين لله، ويطلب الإرشاد، ويستلهم الصواب، ويستجدى المغفرة، ويتطلب الحق، ويستغيث بمولاه أن يلهمه الرشد، ويرزقه الإقبال والقبول.
تأليفه: وقد جمع كتابه (الجامع الصحيح) في ست عشرة سنة، وضمنه تسعة آلاف حديث تنحلها في ستمائة ألف، وفيها ستة آلاف مكررة بتكرر وجوها، وقد أجمع العلماء على أنه أصحّ كتاب في الحديث.
وفاته: ومن حوادثه أنه ابتلى بفتنة القول بخلق القرآن، فثبت على إيمانه ولم يخش صولة الحاكم وإلحاده وزيغه وأفتى بأنه قديم غير مخلوق، لأن القرآن صفة من صفات الله جلا وعلا القديم، فأُخرج من بخارى مطرودا، فلاقته المنية سنة ٢٥٦ هـ بقرية على ثلاثة فراسخ من سمرقند، ولما دفن رحمه الله تعالى فاح من قبره رائحة الغالية أطيب من المسك واستمرت إياما
стр. 18
كثيرة حتى تواتر ذلك على جميع أهل البلاد، وكان يأكل في كل يوم لوزتين، وكانت أمه مجابة الدعوة، وكان ﵁ قد ذهب بصره في صغره فرأت أمه الخليل إبراهيم ﵇ في المنام فقال لها: ياهذه قد ردّ الله على ابنك بصره لكثرة دعائك فأصبح بصيرا، وهذا صحيح، لأنه أخلص لتمحيص حديث رسول الله ﷺ .
شهادة الأئمة فيه
وقد قال ابن خزيمة الحافظ: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري.
وقد قال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقد قال الأحزم: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري وهو يسأله سؤال الصبى المتعلم.
وقد قال أبو مصعب: محمد بن إسماعيل آفقه عندنا وأبصر من ابن حنبل.
وقد قال أبو عمرالخفاف: حدثنا التقيّ العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل البخاري وهو أعلم بالحديث من إِسحق وأحمد وغيرهما بعشرين درجة.
أيها المسلمون: إن القلوب تضاء بأنوار الله بالاطلاع على حديث رسول الله، فأرجو أن تستزيدوا منها كل يوم، وتزوّدوا بالعمل بها، واهتدوا بهديها رجاء النجاح والفلاح (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).
الإمام مسلم ﵁
(٢٠٦ - ٢٦١ هـ)
مولده ونشأته: هو الإمام المحدث والبحاثة العلامة، والمقتفى أثر رسول الله ﷺ قولا وفعلا، والراوية الأوحد، والعلم المفرد: أبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري ولد سنة ٢٠٦ هجرية، ورحل إلى العراق والحجاز والشام، وسمع من أئمتها، وقدم بغداد مرارا، وكان رحمه الله تعالى يستفيد من الإمام البخاري ﵁ وناضل عنه، وشهد بسبقه وأنه وحيد دهره، وفريد عصره في الحديث، وأخذ عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ وإسحق بن راهوية ومحمد بن مسلمة القعنبى، وقد جمع ﵀ أربعة آلاف حديث أصولا دون المكررات، وتوفى ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين.
стр. 19
مميزاته: سلك رحمه الله تعالى في كتابه الصحيح طرقا بالغة في الاحتياط والإتقان والمعرفة والورع، جزاه الله خيرا على هذه الخدمة الجليلة. قال عنه العلماء: سيرته حسنة، وكلامه عذب تامّ المعرفة، غزير العلم، حاز قصب السبق والتبريز في استخراج الحديث وتمييز صحيحه من ضعيفه، وعلوّ محله في التمييز بين دقائق علومه.
هذا هو الإمام أحد الرواة الذين نقل عنهم الحافظ المنذري بعض أحاديث كتابه ونفع الله به وينفع، وإنى أعتقد أنه محفوظ إلى يوم القيامة، لا يعتريه تغيير ولا تبديل، تحوطه عناية الله ويرعاه رب السموات والأرضين، ونعمة وبركة من صاحب الأحاديث السيد المصطفى ﷺ ، والحمد لله تكرم جل وعلا وأعاننى على نقل ألفى حديث من صحيحه (مختار الإمام مسلم) في جزءين، ضبطت لفظه وشرحت غامضة، فأشرقت شمس معارفه، تضئ للمسلمين سبل الهداية والحكم المحمدية. قال عنه إسحق بن منصور الكوسج: لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين (يخاطب الإمام مسلما صاحب الترجمة) وقال عنه النيساورى: ماتحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: حصل لمسلم في كتاب به حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل البخاري، وذلك لمااختص به من جمع الطرق وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى.
الإمام أبو داود
(٢٠٢ - ٢٧٥ هـ)
هو سلميان بن الأشعث بن إسحق الأزدى السجستاني الحافظ الإمام الثبت. قال محمد بن إسحق الصاغانى: ألين لأبى دواود الحديث كما ألين لداود الحديد. وقال الحافظ موسى بن إبراهيم: خلق أبو داود في الدنيا وللحديث وفي الآخرة للجنة، وما رأيت أفضل منه. وقال الحاكم: أبو داود إمام أهل الحديث في زمانه بلا مدافعة، ولد سنة ٢٠٢ هـ ومات بالبصرة في ١٦ شوال سنة ٢٧٥ هجرية.
الإمام الترمذي
(٢٠٩ - ٢٧٩ هـ)
هو الحافظ الكبير الحجة أبو عيسى بن سورة الترمذي تلميذ البخاري وابن المدينى، وكان يضرب به المثل في الحفظ قال الترمذي: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز
стр. 20
والعراق وخراسان ورضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب: يعنى الجامع الشهير بالسنن فكأنما في بيته نبىّ يتكلم. ولد سنة ٢٠٩ ومات بترمذ في ١٣ رجب سنة ٢٧٩ هـ.
الإمام النسائي
(٢١٥ - ٣٠٣ هـ)
هو الإمام شيخ الإسلام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن على الخراساني النسائي القاضي. قال الدراقطنى: كان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث والرجال. ولد سنة ٢١٥ هـ. خرج من مصر في ذي القعدة سنة ٣٠٢ هـ، وتوفى بفلسطين يوم الاثنين ١٣ صفر سنة ٣٠٣ هـ.
الإمام ابن ماجه
(٢٠٩ - ٢٧٣ هـ)
باسكان الهاء، وكتابته كما يكتبه الكثيرون خطأ، لأنه اسم أعجمى، وهو الحافظ الكبير المفسر أبو عبد الله محمدبن يزيد القزوينى، وابن ماجه هو لقب أبيه يزيد. ولد سنة ٢٠٩ ومات في رمضان سنة ٢٧٣ هـ.
الإمام الطبراني
(٢٦٠ - ٣٦٠ هـ)
هو أبو القاسم بن أحمد بن أيوب الشامى اللخمى، الإمام الحافظ الحجة الذى نفع الله به وأكثر من الاطلاع على أحاديث الرسول ﷺ . ينسب إلى طبرية قرية على بحيرة طبرية بالأردن. ولد سنة ٢٦٠ وسمع الحديث سنة ٢٧٣ هـ، وحدّث عن ألف شيخ أو أكثر ومات في ذي القعدة سنة ٣٦٠ هـ.
الإمام أبو يعلى
(٢١٠ - ٣٠٧ هـ)
هو الحافظ الثقة أحمد بن على بن المثنى التيميى صاحب المسند الكبير. ولد في شوّال سنة ٢١٠ ومات سنة ٣٠٧ هـ
стр. 21
الإمام البزار
هو الحافظ أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصرى، بزار نسبة إلى بيع البزور أو إخراج دهنها، قال الدارقطنى: كان ثقة يخطيء كثيرا، ويتكل على حفظه. مات بالرملة سنة ٢٩٢ هـ.
الإمام ابن حبان
هو الإمام الحافظ العلامة القاضي الطبيب أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمى السبتى. قال أبو سعد الإدريسى (كان على قضاء سمرقند زمانا، وكان من فقهاء الدين وحافظ الآثار عالما بالطب والنجوم وفنون العلم) وقال تلميذه الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال، مات في شوّال سنة ٣٥٤ هجرية.
الإمام النيسابوري
(٣٢١ - ٤٠٥ هـ)
هو الأستاذ العلامة والبحر الفهامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الضبى النيسابوري المعروف في زمنه بابن البيع: إمام المحدثين، والحافظ المتقن الكبير.
قال عبد الغافر إسماعيل (هو إمام أهل الحديث في عصره، العارف به حق معرفة، ولد في ربيع الأول سنة ٣٢١ هـ، ومات في صفر سنة ٤٠٥ هجرية).
الإمام ابن خزيمة
(٢٢٣ - ٣١١ هـ)
إمام الأئمة، الذي شهد له أهل الفضل بالسبق، وإتقان الرواية، وحسن الدارية، وجليل العمل. قال عنه الذهبى (هذا الإمام كان فريد عصره).
وقال الدراقطنى (كان إماما ثبتا معدوم النظير. هو أبو بكر محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري، ولد سنة ٢٢٣ هـ، وتوفي يوم ١٢ من ذي القعدة سنة ٣١١ هـ).
стр. 22
الإمام ابن أبي الدنيا
(٢٠٨ - ٢٨٢ هـ)
هو الإمام المحدث، العالم العامل أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبى الدنيا القرشى الأموى كثر اطلاعه وحسن بحثه.
الإمام البيهقي
(٣٨٤ - ٤٥٨ هـ)
هو الإمام الحافظ العلامة صاحب الكتاب الضخم (السنن) في عشر مجلدات في الأحاديث النبوية، المؤلف في مذهب الإمام الشافعي حتى قال عنه إمام الحرمين أبو المعالمى (مامن شافعى إلا وللشافعى عليه منّة إلا أبا بكر البيهقى فإنه له المنة على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه).
هو شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقى، تلميذ الحاكم أبى عبد الله صاحب التآليف العديدة التي تقارب ألف جزء.
ولد سنة ٣٨٤ ومات يوم ١٠ جمادى الأولى سنة ٤٥٨ هجرية.
الإمام الأصبهاني
(٤٥٧ - ٥٣٥ هـ)
هو الإمام المجتهد، الحافظ الكبير، شيخ الإسلام أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيميى القرشي الطلحي الأصبهاني، الملقب بقوام السنة، صاحب الترغيب والترهيب، شيخ أبى سعد السمعاني والسلفي وابن عساكر.
﵀ قنع وزهد في حطام الدنيا، وملأ قلبه إيمانا بالله وأبعد نفسه عن المطامع واعتكف ليهرع إليه السائلون ويلتجئ إليه المتعلمون، ومن أخلاقه ألا يدخل على السلاطين ولا على من هو أفضل منهم، قليل الكلام، حسن الصمت، وقور، مؤدب، ليس في وقته مثله.
قال عبد الجليل بن محمد: سمعت أئمة بغداد يقولون: مارحل إلى بغداد بعد الإمام أحمد أحفظ وأفضل من الإمام إسماعيل، ولد سنة ٤٥٧، ومات يوم عيد الأضحى سنة ٥٣٥ هـ.
هؤلاء هم السادة الذين ذكرهم الحافظ المنذري في مقدمه كتابه، ونقل عنهم أحاديث الترغيب والترهيب.
стр. 23
أرجو الله جلَّ وعلا أن يتفضل علىّ بقبول عملى هذا، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، ويهب لنا صحة وتوفيقا ورضا النبىّ ﷺ ، مصدر الخير وشمس السعادة، وكوكب السيادة، ويتفضل علىّ، وأنا الحقير الذليل بالهداية لعلى أسلك سبيل هؤلاء الأعلام.
ولى كلمة عن أثر صاحب هذا المؤلف (الترغيب والترهيب).
الحافظ المنذري
(٥٨١ - ٥٦٥ هـ)
هو الإمام المحدّث والشيخ الحافظ المتقن (عبد العظيم بن عبد القوى بن عبد الله بن سلامة بن سعد) الحافظ الكبير الورع الزاهد شيخ الإسلام زكىّ الدين أبو محمد المنذري الشامي المصري وليّ الله والمحدّث عن رسول الله ﷺ ، والثَّبْت الحجة الذي أنفق حياته في طلب العلم وتعليمه، وشرح حديث رسول الله ﷺ وتخريجه، والذي بيّن صحيحه وحسنه ومرسله وضعيفه، وأفاد العالَم بذكر رواة الحديث، واتقى ربه فأثمر علمه وأخلص في عمله فأينعت تعاليمه، وجاهد في الله حق جهاده، فبارك الله في تلاميذه، وكان لنا مَثَلا أعلا وقدوة حسنة. كان ﵀ مجاب الدعوة يتبرك به في زمانه ويهرع إليه في استفتائه، ونقل العلم عنه وهو صاحب الأيادى البيضاء، والمآثر الغراء، والدرر البهية في التوضيح للغامص وتفهيم الخفىّ. قال عنه تاج الدين السبكى في طبقاته (نزجى الرحمة بذكره ويستنزل رضا الرحمن بعلمه).
كان رحمه الله تعالى قد أوتى بالمكيال الأوفى من الورع والتقوى والنصيب الوافر من الفقة؛ وأما الحديث فلا مراء في أنه أحفظ أهل زمانه، وفارس أقرانه، له القدم الراسخ في معرفة صحيح الحديث من سقيمه، وحفظ أسماء الرجال، مفرط الذكاء، عظيم الخبرة بأحكامه والدراية بغريبه وإعرابه واختلاف كلامه.
مولده وأستاتذته
ولد في غرة شبعان سنة ٥٨١ هجرية، وتفقه على الإمام أبى القاسم عبد الرحمن بن محمد القرشى الورّاق، وسمع من أبى عبد الله الأرياحى وعبد المجيب بن زهير ومحمد بن سعيد المأمونى وسمع من المطهر بن أبى بكر البيهقى وربيع اليمن الحافظ، والحافظ الكبير على بن الفضل المقدسى وبه تخرج، وتوفى في الرابع من ذي القعدة سنة ٦٥٦ هـ.
стр. 24
رحلاته
رحل إلى مكة وسمع الحديث من أبى عبد الله بن البناء وطبقته، ثم ذهب إلى دمشق وسمع من عمر بن طبرزد ومحمد بن وهب بن الشريف والخضر بن كامل وأبى اليمن الكندى وخَلق، ثم سمع - بحران - والرها والاسكندرية وغيرها.
مؤلفاته
وتفقه ﵀ فصنف شرحا على التنبيه، وألف مختصر سنن أبو داود وحواشيه، وهو كتاب مفيد يسطع ضوؤه للقارئين، وله مختصر صحيح مسلم، وخرّج لنفسه معجما كبيرا يفيد المطلعين، وأفتى في مسائل جمة، وخرج كثيرا، وأفاد العالم بعلمه، وبه تخرّج الحافظ أبو محمد الدمياطي، وإمام المتأحرين تقىّ الدين بن دقيق العيد: والشريف عز الدين وطائفة من العلماء فاضت عليهم بركته، وشملتهم فضائله، وعمتهم مباحثه، وقد سمعنا الكثير ببلبيس على أبى الطاهر إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن على بن سيف بإجازته منه.
قال الذهبى: وماكان في زمانه أحفظ منه، ومن شعره:
اعمل لنفسك صالحا لا تحتفل ... بظهور قيل في الأنام وقال
فالخلق لايرجى اجتماع قلوبهم ... لا بدّ من مثن عليك وقال
وإنى أبشر من يقرأ في هذا الكتاب بالمغفرة والرضوان: وقد قال في مقدمته (وأنا أستمد العون على ما ذكرت من القوى المتين، وأمدّ أكف الضراعة إلى من يجيب دعوة المضطرين أن ينفع به كاتبه وقارئه ومستمعه وجميع المسلمين).
وهأنذا أضبط كلمات الأحاديث ليقرأها القارئ صحيحة، والله يغفر لنا، واعذرني أيها القارئ فالقلم يعجز أن يحدّث عن محامد ذلك العلامة الذي سهل للمسلمين سبل الاطلاع على أحاديث رسول الله ﷺ التي تشرح صدرك، وتبهج نفسك، وتقر عينك، وتزيل ألمك، وتبعد همك وتغذيك بلبان معارفها، وصريح عباراتها، وبلسم طبها، وحكيم قولها، وبديع لفظها، وجميل أسلوبها، ومحاسن وعظها، وبدائع إِرشادها. فتجد أبوابا اجتماعية وخلقية جمعت الخير كله وحثت على جنى ثمار الدين، وقطف أزهاره للعاملين، ونهت عن الشر العاصين وحذرت وأنذرت. فأرجو أن تقتنى هذه النفائس، وتكنز هذه الجوائز؛ وتعمل منها وردا كل صباح
стр. 25
ومساء بابا بابا، بقدر فراغك من عملك، فهنا تتجلى الموعظة الحسنة، وتشرق الحكمة من جوانبه، ويزيدك الله نورا على نور. ولا غرو فيحكى عنه تاج الدين السبكى أنه درس بالقاهرة في دار الحديث الكاملية وكان لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة حتى إنه كان له ولد نجيب محدث فاضل. توفاه الله في حياته ليضاعف له حسانته، فصلى عليه الشيخ داخل المدرسة وشيعه إلى بابها، ثم دمعت عيناه. وقال أودعتك يا ولدى الله، وفارقه أهـ.
ما شاء الله، يعتكف في داره للعباده والعلم حتى لا يخرج لتشييع جنازة ابنه.
أيها المسلمون أنشدكم الله أن تجعلوا كتاب (الترغيب والترهيب) سميركم ومرشدكم، لأن صاحبه كان يخشى الله ويتقى الله ويعمل لله، قال تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله) وأعتقد أن الإخلاص رائده ومحبة الله ورسوله وجهته وغاية مطلبه، إذا لا بدّ أن ينفع العلم منه ويصل إلى القلوب الظمآنة فيزيل ظمأها ويبعد أوارها.
يحدّثنا عن شدة خوفه من الله والعمل بعلمه سيدنا تاج الدين السبكى إذ يقول:
(سمعت من أبى ﵁ يحكى عن الحافظ الدمياطي أن الشيخ المنذري مرة خرج من الحمام وقد أخذ منه حرها فما أمكنه المشى فاستلقى على الطريق إلى جانب حانوت، فقال له الدمياطي يا سيدى - أنا أقعدك على مصطبة الحانوت - وكان الحانوت مغلقا، فقال (وهو في تلك الشدة: بغير إذن صاحبه كيف يكون)؟ ومارضى.
فكّر في هذا الحادث أيها القارئ، شيخ يمتنع أن يجلس أمام الحانوت ليستريح من تعبه لأن صاحبه لم يرض. مع أن الحانوت مغلق ولم يعطل أي حركة تجارية أو مصلحية، لا تعجب فإن في هذه نصوص العلم وتعاليم الرسول ﷺ ، فلا يتهاون العالم في الصغيرة خشية أن تجرّ إلى الكبيرة، ولا فتوى يحلها ولا تدليل أو تأويل أو تسهيل يتمشدق به.
فلست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقى هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخرا ... وعند الله للأتقى مزيد
روى الإمام الغزالي عن عالم في الدولة الأموية جاء إليه محمد بن سليمان فلم يجد في داره غير حصير وراوية وخريطة: حصير يجلس عليه وراوية يتوضأ منها وخريطة يضع فيها كتبه، فقال للعالم ما لى أراك أزداد هيبة؟ فقال له ذلك العالم: معنى حديث (من خاف اللهَ خوّف اللهُ منه كل شئ، ومن خاف غير الله أخافه الله من أىّ شئ) بمعنى أن الله يحفظ من يخشاه ويملأ قلبه إيمانا به، فلا سلطان لغير الله عليه، ومن لم يخف الله يزداد فزعا من أقل شئ،
стр. 26
وتزول عنه الطمأنينة، وقد عرض عليه أربعين ألف درهم فلم يقبلها، وقال ردها إلى أربابها، وردّ المظالم إلى أهلها، واتق الله.
أكتب ذلك وفي نفسي حسرة على إهمالها وتقصيرها في الله، أقرأ كثيرا وأطلع على الأحاديث كثيرا، ومع ذلك لم أذق طعم الخوف من الله جل وعلا، وأنسى الجملة المأثورة (رأس الحكمة مخافة الله) بي إيمان ضعيف. ورغبة في الدنيا شديدة. وعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر فاللهمَّ الطف.
أما آن لى ولأمثالي أن نرتدع وننزجر، ونخشى الله ونعمل بكتابه وسنة حبيبه ﷺ ، والله تعالى يقول (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون).
أيها المسلمون إن باب التوبة مفتوح على مصراعيه، والله تعالى غفور رحيم؛ فهل أدلكم (ونفسي) على تجارة تنجيكم من عذاب أليم: تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في العمل بالدين ونصر الدين، والتحلى بآداب الدين، والعمل بشريعة سيد المرسلين ﷺ . وهذا كتاب (الترغيب والترهيب) البحر الزاخر في المواعظ والزواجر، وقد علمتم أن صاحبه كان قدوة حسنة في عصره، فليكن لنا قدوة حسنة في عصرنا، وليكن إمامَنا وهادينا ونورنا إلى أقوال سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ . قال الله تعالى:
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) ولن يصيب الأمة الإسلامية ضير مااتبعت كتاب الله عز وشأنه وسنه حبيبه ﷺ والتوسل بالصالحين وحضور مجالسهم والاقتداء بأقوالهم والتبرك بزيارة الأولياء لقوله ﷺ (المرء مع من أحب) يذكرني ذلك قوله تعالى:
(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) أرجو أن ننتفع، وأود أن نعمل، وآمل أن نخاف.
رحماك يا ألله رحماك، يئنّ العالمَ من أزمة وهموم، وذلك من عدم تقوى الله.
نسى المسلمون آداب دينهم، ومشوا وراء المدنية الكاذبة، وقلدوها في الشرور والفسوق وقصر العالم في إرشاده، والجاهل غفل عن تعليمه، وفشا الكذب، وساد النفاق، وعمّ الشقاق ورغب المسلمون عن سماع القرآن والسنة. واشتغل الشباب بالروايات الأفرنجية وانتشرت البدع فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهل لك أيها القارئ أن تتوب معى إلى الله، وتنتفع بتأليف ذلك العالم الذي أخذ منه التعب كل مأخذ، وأبى أن يستريح فجلس على أرض لم يأذن صاحبها. الله. الله. الله.
стр. 27
أخلص ذلك العالم لربه فرضى عنه ونفع بعلمه، وجعل الله له لسان صدق وفقه، فأفاد واستفاد وجزاه ربه خيرا.
قال الإمام شمس الدين أبو عبد الله الذهبي في طبقات الحفاظ في ترجمة المؤلف:
درّس بالجامع الظافرى بالقاهرة، ثم ولى مشيخة الدار بالكاملية وانقطع بها ينشر العلم عشرين سنة. وقال الشريف عز الدين الحافظ: كان شيخنا زكىّ الدين عديم النظير في علم الحديث في اختلاف فنونه عالما بصحيحه وسقيمه ومعلوله وطرقه، متبحرا في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله قيما بمعرفة غريبه وإعرابه واختلاف ألفاظه، وإِماما حجة ثبتا ورعا متجردا فيما يقوله، متثبتا فيما يرويه، قرأت عليه قطعة حسنه من حديثه، وانتفعت به انتفاعا كثيرا.
تلك كلمة موجزة أثبتها لقراء (الترغيب والترهيب) ليقبلوا عليه قراءة ودرسا، ويقتدوا بصاحبه علما وعملا، ويتحلوا بمكارم السيد المجتبى ﷺ والله ولىّ التوفيق ومنه الهداية وبشائر النصر والفتح تتجلى في قادة العهد الجديد أمدهم الله بعونه ومنحهم مساعدته.
إجازتان برواية السند
(الأولى بقلم صاحب الفضيلة. الأستاذ الكبير الشيخ محمد حبيب الله بن مايابى الشنقيطى)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل اتصال الأسانيد من خصوصيات هذه الأمة. والصلاة والسلام على رسولنا الذي أرسله الله للعالمين رحمة وعلى آله وأصحابه المجاهدين لإعلاء كلمة التوقى - وأعظم بها من كلمة! - وتابعيهم من علماء الحديث المشتغلين بتحرير أسانيده حتى كشف الله بتحريرهم عن القلوب كل ظلمة.
أما بعد: فقد أجزت الأستاذ الذائق، المحقق الدرّاكة الفائق، المشتغل بخدمة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أتم الصلاة والسلام، اختصاراً لكتبها وانتقاء لصحيحها وتلخيصا لزبدة شروحها الشيخ (مصطفى بن محمد عمارة) في سائر مروياتى ومصنفاتى، وخاصة في جمع مصنفات الحافظ المنذري صاحب (الترغيب والترهيب) فانى أرويها كلها كالترغيب والترهيب، واختصار صحيح مسلم، واختصار سنن أبى داود وغيرها عن العلامة المحقق الرباني السيد المحدّث الكبير طائر الصيت الشهير، سيدى محمد ابن سيدى جعفر الكتانى دفين فاس، وهو يرويه أي (الترغيب والترهيب) عن أحمد بن أحمد البنانى عن الوليد بن العربى العراقى عن الشيخ الطيب بن كيران عن محمد بن الحسن البنانى ومحمد التاودى ابن سودة، كلاهما عن محمد
стр. 28
ابن عبد السلام البناني عن أبي الفضل بن الحاج السلمى عن مؤلف المنح البادية، وأرويه أيضا عن الأستاذ الذائق السيد محمد كامل الهبراوى الحلبى دفين حلب الشهباء عن الشيخ إبراهيم السقا عن الشيخ محمد الأمير الصغير عن والده، خاتمة المحققين الأمير الكبير عن الشيخ على بن محمد السقاط عن العلامة أحمد بن الحاج عن صاحب المنح البادية، سيدى محمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسى، وهو يرويه مسلسلا بالحفاظ.
قال: أنبأنا به أبو المكارم الحافظ عن الشهاب ابن القاضي الحافظ، عن الحافظ الرملى عن الحافظ السخاوى، عن الحافظ بن الفرات وابن ظهيرة عن الحافظ ابن جماعة عن الحافظ الدمياطي، عن مؤلفه الحافظ الشيخ عبد العظيم زكىّ الدين ابن عبد القوى المنذري الشامي ثم المصري، المتوفي سنة ٦٥٦ هـ، وهي سنة فتنة التتار كما في ثبت العلامة الأمير، وبهذا الإسناد أجزتك بسائر مصنفات المنذري كما قدمته سابقا، وأوصيك ونفسى بتقوى الله سراً وعلنا، وأن تدعولى لى بالدّوام في خلواتك وجلواتك وفي أوقات الإجابة كما هو دأب أهل الوفاء مع مشايخهم في الأسانيد لأنهم صاروا وصلة بينهم وبين رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه وسلم.
قال بلسانه، وقيده ببنانه في وقت استعجال في ٧ المحرم الحرام سنة ١٣٥١ هـ.
الإمضاء
خادم نشر العلم بالحرمين الشريفين ثم بالتخصص للأزهر المعمور
محمد حبيب الله بن مايَأْبَى الجَكَنى
ثم اليوسفى نسبا الشنقيطى إقليما المدنى مهاجرا، أماته الله بها على الإيمان آمين.
(الثانية) كلمة حضرة السيد الفاضل الشيخ الكتانى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله، والحمد لله وكفى، وصلام على عباده الذين اصطفى
أما بعد: فقد أجزت العالم الفاضل، الشيخ مصطفى محمد عمارة بجميع مروياته ومؤلفاته وبالخصوص كتاب (الترغيب والترهيب) للحافظ أبى محمد عبد العظيم المنذري حسبما أرويه عن والدنا الشيخ عبد الكبير الكتانى عن محدّث المدينة الشيخ عبد الغنى الدهلوى عن والده الشيخ أبى سعيد الدهلوى عن الشيخ عبد العزيز بن الشاه ولى الله الدهلوى عن أبيه عن المنلا أبي طاهر الكوراني عن أبيه عن نجم الدين الغزى عن أبيه عن القاضى زكريا عن الحافظ ابن حجر
стр. 29
عن البرهان التنوخى عن إسحق بن الوزير عن الحافظ المنذري، ياله من مؤلف ومروى موجب للمجاز المذكور بالدأب على الطاعات، ونشر الحسنات، والدعاء لى بخاتمة الخير. قاله وكتبه محمد عبد الحى الكتانى الحسنى الفاسى في ٥ صفر الخير عام ١٣٥٢ هـ بمصر القاهرة.
الإمضاء
الاعتراف بالجميل
(١) أشكر لفضيلة المرحوم والدى طيب الله ثراه، وأثابه وأجزل أجره، وأشكر حضرة عمى المرحوم الفاضل الشيخ أبو هاشم مصطفى عمارة رأس أسرة (أبي عمارة) مدّ الله في نعيمه، ومتعنا برضاه وأدام علاه ورضوانه. عنوانه أو كبير عرب أبي نصار (فراشة) شرقية، فإنهما شجعانى على عملى هذا ورغبانى في علم الدين، وأحسنا إلىّ في تربيتي وشذبا أغصانى، وتعهدا دوحتى، أثابهما الله ونفعنى برضاهما.
(٢) أشكر لفضيلة أستاذي الشيخ الشنقيطى على نصائحه الثمينة؟ وإلزامه أن أكثر من قراءة الحديث النبوى والتحلى بمكارم الأخلاق، والتزود بالتقوى والعمل بالسنة وأخص الترغيب وأتحفنى بهذه الكلمة التي أثبتها تبركا بفضيلته، وإقرارا بفضله.
(٣) أشكر للأستاذ الحسيب النسيب المحدث المشهور الشيخ الكتانى الذي أتحفنى بإجازة رواية الحديث وضبطه، التي أثبتها اعترافا بإحسانه، وشمولى بمحبته.
(٤) الثناء المستطاب والاقرار بالفضل لحضرات السادة أساتذتي الأجلاء الذين جادوا علىّ بالتفهيم والإرشاد.
(٥) أشهد أن تربية الروح معنى وأدبا لأستاذي الجليلين؛ الشيخ أحمد السيد أبو هاشم والشيخ عبد الخالق عمر الشبراوى خليفتى الرسول ﷺ في الهداية، نفعنا الله تعالى بحبهما وأرضاهما عنا لننهج منهجهما إنه قدير.
هذا إلى الاعتقاد الجازم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وهو الموفق سبحانه والناصر الملهم، ونعم المولى ونعم النصير.
مصطفى محمد عمارة
مدرس اللغة العربية بالمدارس الأميرية
حرر بالقاهرة
في ذي القعدة سنة ١٣٥٢ هـ
في مارس سنة ١٩٣٤ م
стр. 30
مقدمة الطبعة الثانية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ﵎، والصلاة والسلام على السيد المصطفى محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه الأبرار الأخيار.
وبعد: فنظرا لنفاد الطبعة الأولى من شرحى على كتاب (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري طلب منيِّ حضرات السادة الذين نشروا الكتاب أصحاب شركة مكتبة ومطبعة (مصطفى البابى الحلبى وأولاده بمصر) أن أراجعه بدقة وعناية.
وهأنذا أقدمه للقراء في طبعته الثانية الجديدة بعد تمحيص ونظر، لذلك أعترف يارب بمساعدتك لى وأتضرع إليك بذلّ وخشوع أن تمنحنى رضا وتوفيقا وتغمرنى بمكرمك وتقبل عملى هذا خالصا لوجهك إنك رءوف رحيم غفور حليم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الأبرار الأخيار.
الفقير إلى الله تعالى
مصطفى محمد عمارة
خادمة السنة النبوية
حرر في
١٣ من جمادى الأولى ١٣٧٣
١٨ من يناير ١٩٥٤
стр. 31
تقاريظ الطبعة الثانية
كلمة شيخ الإسلام والمسلمين
الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين
شيخ الجامع الأزهر
قال حفظه الله ونفعنا الله بعلمه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن من أعظم القربات وأزكاها خدمة السنة النبوية المطهرة، وقد وفق الله فضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى محمد عمارة للتوفر على هذا العمل الجليل، فعُنى بالتعليق على كتاب (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري، تعليقا نافعا وضح المعنى وكشف الغامض: جزاه الله من السنة وصاحبها خير الجزاء.
محمد الخضر حسين
شيخ الجامع الأزهر
١٧ من ذي القعدة سنة ١٣٧٢
١٨ من يوليو سنة ١٩٥٣
كلمة صديقى الأستاذ الشيخ مصطفى محمود عمر الديابى
هذا ما جاد به ذهنى السقيم، لما ألم بجسمى من المرض الأليم:
سفْرٌ أضاء لنا في حالك الظلم ... من هدى خير عباد الله كلهم
ورحمة العالمين حصن أمته ... ومن غدت بسناه أكرم الأمم
يرغِّب المرء في التقوى يرهبه ... من المعاصى التي تفضى إلى الندم
إن كنت تبغي صلاحا في المعاش أو ... المعاد أو فيهما فالزمه واستقم
فإن فيه هدى للمتقين بما ... حواه من فضل تبيان ومن حكم
وحسن ضبط وآيات مناسبة ... من القران بشرح واضح الكلم
بذاك قام أخونا مصطفى فجزا ... هـ ربه بجزيل الأجر والنعم
إذ نفسه بحديث المصطفى شغفت ... فصار يهدى بما يشفى من السقم
فنسأل الله توفيقا لنا وله ... وأن ننال الرضا من خير معتصم
صلى وسلم ربى دائما أبدا ... عليه عدّ الحصى والرمل والنسم
مصطفى محمود عمر الديابى
من خريجي دار العلوم
ومدرس اللغة العربية بالمدارس الأميرية سابقا
٢٨/ ٥/ ١٣٧٣
стр. 32
مصادر الفتح الجديد في الترغيب والترهيب
١ - تفسير القاضى ناصر الدين البيضاوى، وهو أغلب اختيارى واعتمادى على شرح الآيات.
٢ - تفسير العارف بالله الشيخ الصاوى على الجلالين.
٣ - تفسير أبى البركات النسفى.
٤ - تفسير الشيخ الجمل.
٥ - تفسير الفخر الرازى.
٦ - النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير.
٧ - المفردات في غريب القرآن للشيخ الراغب الأصفهاني.
٨ - شرح الزبيدى للشيخ الشرقاوى.
٩ - شرح الإمام النووي على صحيح مسلم.
١٠ - عمدة القارى شرح البخاري للإمام العيني.
١١ - جواهر البخاري، وعليه مقتطف شرح القسطلاني للفقير إلى الله سبحانه صاحب الفتح الجديد.
١٢ - مختار الإمام مسلم وعليه موجز من شرح الإمام النووي للفقير إلى الله تعالى صاحب الفتح.
١٣ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للأمام الشوكاني.
١٤ - إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الإمام الغزالي.
١٥ - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين للعلامة ابن علان.
١٦ - فتح البارى شرح البخاري لقاضى القضاة ابن حجر.
١٧ - سنن النسائي شرح الحافظ جلال الدين السيوطي.
١٨ - شرح صحيح البخاري للعلامة الكرماني.
١٩ - شرح صحيح البخاري للعلامة للزركشي.
٢٠ - شرح الجامع الصغير في حديث البشير النذير للعلامة العزيزى.
٢١ - المدخل لابن الحاج التلمساني.
٢٢ - الزواجر لابن حجر المكى الهيتمي.
стр. 33
٢٣ - زاد المعاد في هدى خير العباد للحافظ ابن القيم الجوزى.
٢٤ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء للحافظ أبى نعيم الأصبهاني.
٢٥ - حاشية العلامة الشيخ إبراهيم الباجورى على شرح ابن قاسم الغزى الشافعي.
٢٦ - تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ الكردى الأربلى الشافعي.
٢٧ - القاموس المحيط للعلامة الفيروزاباذى.
٢٨ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعى.
٢٩ - مختار الصحاح للامام عبد القادر الرازى.
٣٠ - النهج السعيد في علم التوحيد للفقير إلى ربه صاحب الفتح الجديد.
٣١ - الأمالى لأبى على القالى.
٣٢ - أسرار الشريعة الإسلامية وآدابها الباطنية للمرحوم أستاذى إبراهيم أفندى على المدرّس بدار العلوم سابقا (من فراشه مركز أبو كبير شرقية).
٣٣ - (محمد) ﷺ المثل الكامل لصاحب العزة المرحوم محمد أحمد جاد المولى بك.
٣٤ - الأدب النبوى للشيخ المرحوم محمد عبد العزيز الخولى.
стр. 34
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (قرآن كريم)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (*)
قال إلإمام الحافظ زكى الدين عبد العظيم بن عبد القوى المنذري رحمه الله تعالى:
الحمد لله المبدئ المعيد (١)، الغنىّ الحميد، ذو العفو الواسع والعقاب الشديد، من هداه فهو السعيد السديد (٢) ومن أضله فهو الطريد البعيد (٣)، ومن أرشده إلى سبيل النجاة ووفقه فهو الرشيد كلّ الرشيد، يعلم ما ظهر وما بطن، وما خفى وما علن (٤)، وما هجن (٥) وما كمل، وهو أقرب إلى كل مريد من حبل الوريد (٦)، قسم الخلق قسمين، وجعل لهم منزلتين، فريق في الجنة وفريق في السعير، إن ربك فعّال لما يريد، ورغب في ثوابه، ورهب (٧) من عقابه، ولله الحجة البالغة، ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد. أحمده وهو أهل الحمد والتحميد، وأشكره والشكر لديه من أسباب المزيد (٨)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العرش المجيد، والبطش (٩) الشديد، شهادة كافلة لى عنده بأعلى درجات أولى التوحيد، في دار القرار (١٠) والتأييد. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير (١١) النذير، أشرف من أظلت السماء وأقلّت البيد (١٢) ﷺ تسليما كثيرا وعلى آله وأصحابه أولى (١٣) المعونة على الطاعة والتأييد، صلاة دائمة في كل حين تنمو وتزيد، ولاتنفد (١٤) مادامت الدنيا والآخرة ولا تبيد.
خطبة المؤلف
أما بعد: فلما وفقنى الله لإملاء كتاب مختصر أبى داود، وإملاء كتاب الخلافيات، ومذاهب السلف، وذلك من فضل الله علينا وسعة منه. سألنى بعض الطلبة أولى
стр. 35
الهمم العالية ممن اتصف بالزهد في الدنيا والإقبال على الله بالعلم والعمل، زاده الله قربا منه وعزوفا (١) عن دار الغرور (٢) أن أملى كتابا جامعا في: الترغيب والترهيب، مجرّدا عن التطويل بذكر إسناد أو كثرة تعليل، فاستخرت الله تعالى وأسعفته بطلبته؛ لما وقر عندى من صدق نيته، وإخلاص طويته، وأمليت عليه هذا الكتاب: صغير الحجم غزير العلم، حاويا لما تفرّق في غيره من الكتب مقتصراً فيه على ما ورد، صريحا في الترغيب والترهيب، ولم أذكر ما كان أفعال النبي ﷺ المجرّدة عن زيادة نوع من صريحهما إلا نادراً في ضمن باب أو نحوه لأنى لو فعلت ذلك لخرج هذا الاملاء إلى حدّ الإِسهاب المملّ، مع أن الهمم قد داخلها القصور (٣)، والبواعث قد غلب عليها الفتور (٤). وقصر العمر مانع من استيفاء المقصود، فأذكر الحديث ثم أعزوه، (٥) إلى من وراء من الأئمة أصحاب الكتب المشهورة التي يأتى ذكرها، وقد أعزوه إلى بعضها دون بعض طلبا للاختصار لا سيمان إن كان في الصحيحين أو في أحدهما، ثم أشير إلى صحة إسناده كما تقدّم، لأن المقصود الأعظم من ذكره إنما هو معرفة حاله من الصحة والحسن والضعف ونحو ذلك، وهذا لا يدركه إلا الأئمة الحفاظ أولو المعرفة التامة والإتقان فإذا أشير إلى حاله أغنى عن التطويل بإيراده، واشترك في معرفة حاله من له يد في هذه الصناعة وغيره. وأما دقائق العلل فلا مطمع في شيء منها لغير الجهابذة (٦) من النقاد أئمة هذا الشأن، وقد أضربت عن ذكر من تقدّم من العلماء ﵃ أساغوا (٧)
التساهل في أنواع من الترغيب والترهيب، حتى إن كثيراً ذكروا الموضوع ولم يبينوا (٨)
حاله، وقد أشبعنا الكلام على حال كثير من الأحاديث الواردة في هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا، فإذا كان إسناد الحديث صحيحا أو حسنا أو ما قاربهما صدّرته بلفظة: عن، وكذلك إن كان مرسلا أو منقطعا أو معضلا
стр. 36
أو في إسناده راوٍ مبهم أو ضعيف وثق أوثقه ضعف وبقية رواة الإسناد ثقات أوفيهم كلام لا يضرّ، أو حسّنه بعض من خرّجه، أصدّره أيضا بلفظه: عن، ثم أشير إلى إرساله وانقطاعه أو عضله أو ذلك الراوى المختلف فيه، فأقول رواه فلان في رواية فلان أو من طريق فلان أو في إِسناده فلان أو نحو هذه العبارة ولا أذكر ما قيل فيه من جرح وتعديل خوفا من تكرار ما قيل فيه كلما ذكر وأفردت لهؤلاء، المختلف فيهم بابا في آخر الكتاب، أذكرهم فيه مرتبا على حروف المعجم، وأذكر ما قيل في كل منهم من جرح وتعديل على سبيل الاختصار، وقد لا أذكر ذلك الراوىَ المختلف فيه، فأقول إذا كان رواة إسناد الحديث ثقات وفيهم من اختلف فيه: إسناده حسن أو مستقيم أو لا بأس به ونحو ذلك حسبما يقتضيه حال الإسناد والمتن وكثرة الشواهد، وإذا كان في الإسناد من قيل فيه كذاب أو وضاع أو متهم أو مجمع على تركه أو ضعفه أو ذاهب الحديث أو هالك أو ساقط أو ليس بشئ أو ضعيف جدّا أو ضعيف فقط أو لم أر فيه توثيقا بحيث لا يتطرق إليه احتمال التحسين صدّرته بلفظة: روى، ولا أذكر ذلك الراوى ولا ما قيل فيه ألبتة فيكون للإسناد الضعيف دلالتان: تصديره بلفظة: روى، وإهمال الكلام عليه في آخره، وقد استوعبت جميع ما كان من هذا النوع في كتاب.
بيان رواة الحديث الذى نقل المؤلف عنهم
موطأ مالك (١). وكتاب مسند الامام أحمد (٢). وكتاب صحيح البخاري (٣). وكتاب صحيح مسلم (٤). وكتاب سنن أبى داود. وكتاب المراسيل له (٥). وكتاب جامع أبى عيسى الترمذي (٦). وكتاب سنن النسائي الكبرى وكتاب اليوم والليلة له (٧). وكتاب سنن ابن ماجه (٨). وكتاب المعجم الكبير، وكتاب المعجم الأوسط، وكتاب المعجم الصغير، الثلاثة للطبراني (٩). وكتاب مسند أبى يعلى الموصلى (١٠). وكتاب مسند أبى بكر البزار (١١). وكتاب صحيح ابن حبان (١٢). وكتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم أبى عبد الله النيسابوري (١٣) ﵃ أجمعين ولم أترك شيئا من هذا النوع في الأصول السبعة، وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم إلا ما غلب علىّ فيه ذهول حال الإملاء أو نسيان أو أكون قد ذكرت فيه ما يغنى عنه، وقد يكون للحديث دلالتان فأكثر فأذكره في باب ثم لا أعيده فيتوهم الناظر أنى تركته، وقد يرد الحديث عن جماعة من الصحابة بلفظ واحد وبألفاظ متقاربة فأكتفى بواحد منها عن سائرها، وكذلك لا أترك شيئا من هذا النوع من المسانيد والمعاجيم إلا ما غلب علىّ فيه ذهول أو نسيان أو يكون ما ذكرت أصلح إسنادا مما تركت أو يكون ظاهر النكارة جدّا. وقد أجمع على وضعه أو بطلانه. وأضفت إلى ذلك
стр. 37
جملا من الأحاديث معزوّة إلى أصولها كصحيح ابن خزيمة (١٤). وكتب ابن أبى الدنيا (١٥). وشعب الإيمان للبيهقى. وكتاب الزهد الكبير له (١٦). وكتاب الترغيب والترهيب لأبى القاسم الأصبهاني (١٧).
وغير ذلك كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، واستوعبت جميع ما في كتاب أبى القاسم الأصبهاني مما لم يكن في الكتب المذكورة وهو قليل، وأضربت عن ذكر ما قيل فيه من الأحاديث المتحققة الوضع، وإذا كان الحديث في الأصول السبعة لم أعزه إلى غيرها من المسانيد والمعاجيم إلا نادرًا بفائدة طلبا للاختصار، وقد أعزوه إلى صحيح ابن حبان ومسند الحاكم إن لم يكن متنه في الصحيحين، وأنبه على كثير مما حضرني حال الإملاء مما تساهل أبو داود رحمه الله تعالى في السكوت عن تضعيفه أو الترمذي في تحسينه أو ابن حبان والحاكم في تصحيحه، لاانتقاداً عليهم رضى الله عنهم بل مقياسا لمتبصر في نظائرها من هذا الكتاب، وكل حديث عزوته إلى أبى داود وسكت عنه فهو كما ذكر أبو داود (١) ولا ينزل عن درجة الحسن، وقد يكون على شرط الصحيحين أو أحدهما. وأنا أستمدّ العون على ما ذكرت من القوىّ المتين، وأمدّ أكف الضراعة إلى من يجيب دعوة المضطرّين، أن ينفع به كاتبه وقارئه ومستمعه وجميع المسلمين وأن يرزقنى فيه من الإخلاص، ما يكون كفيلا لى في الآخرة بالخلاص. ومن التوفيق ما يدلنى على أرشد طريق، وأرجو منه الإعانة على حزن الامر وسهله، وأتوكل عليه، وأعتصم بحبله، وهو حسبى ونعم الوكيل.
ثم بعد تمامه رأيت أن أقدم فهرست ما فيه من الأبواب والكتب ليسهل الكشف على من أراد شيئاً من ذلك، والله المستعان.
الترغيب: في الإخلاص والصدق والنية الصالحة. الترهيب: من الرياء وما يقوله من خاف شيئا منه. الترغيب: في اتباع الكتاب والسنة. الترهيب: من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء. الترغيب: في البداءة بالخير ليستنّ به. الترهيب: من البداء بالشرّ خوفا أن يستنّ به.
دليل موضوعات: العلم
كتاب العلم
الترغيب: في طلب العلم وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين الترغيب: في الرحلة في طلب العلم.
стр. 38
الترغيب: في سماع الحديث وتبليغه ونسخه. الترهيب: من الكذب على رسول الله ﷺ . الترغيب: في مجالسة العلماء. الترغيب: في إكرام العلماء وإجلالهم وتوقيرهم الترهيب: من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم. الترهيب: من تعلُّم العلم لغير وجه الله . الترغيب: في نشر العلم والدلالة على الخير. والترهيب: من كتب العلم. الترهيب: من أن يعلم ولا يعمل به ويقول ما لا يفعل. الترهيب: من الجدال في العلم والقرآن. الترهيب: من المراء والجدال. الترغيب: في تركه للمحق والمبطل.
كتاب الطهارة
الترغيب: في الانحراف عن استقبال واستدبارها. والترهيب: منهما. الترهيب: من التخلى على طرق الناس أو ظلهم أو مواردهم. الترهيب: من البول في المغتسل والحجر والماء الترهيب: من الكلام على الخلاء. الترهيب: من إصابة بول الثوب وغيره وعدم الاستنزاه منه. الترهيب: من دخول الحمام بغير أُزر، ومن دخول النساء بالأزر وغيرها إلا نفساء أو مريضة وماجاء في النهى عن ذلك. الترهيب: من تأخير الغسل لغير عذر. الترغيب: في الوضوء وإسباغه. الترغيب: في المحافظة على الوضوء وتجديده. الترهيب: من ترك التسمية على الوضوء. الترغيب: في السواك وما جاء في فضله. الترغيب: في تخليل الأصابع. الترهيب: من تركه وترك الإسباغ إذا أخلّ بشئ من القدر الواجب. الترغيب: في كلمات يقولهن بعد الوضوء. الترغيب: في ركعتين بعد الوضوء.
كتاب الصلاة
الترغيب في الأذان وما جاء في فضله. الترغيب في إجابة المؤذن وبماذا يجيبه وما يقول بعد الأذان. الترغيب: في الإقامة. الترهيب: من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر. الترغيب: في الدّعاء بين الأذان والاقامة. الترغيب: في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة اليها. الترغيب: في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تجميرها. الترهيب: من البصاق في المسجد وإنشاد الضالة وغير ذلك مما يذكر فيه. الترغيب: في المشئ إلى المساجد لا سيما في الظلم وما جاء في فضلها. الترغيب: في لزوم المساجد والجلوس فيها. الترهيب: من إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراثا أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة. ترغيب: النساء في الصلاة في بيوتهنّ ولزومها. وترهيبهنّ من الخروج منها. الترغيب: في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان
стр. 39
بوجوبها. الترغيب: في الصلاة مطلقا، وفضل الركوع والسجود والخشوع. الترغيب في الصلاة على أوّل وقتها. الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعة فوجد الناس قد صلوا. الترغيب في كثرة الجماعة. الترغيب: في الصلاة في الفلاة. والترغيب: في صلاة العشاء والصبح خاصة في الجماعة. والترهيب: في التأخر عنهما. الترهيب: من ترك حضور الجماعة بغير عذر. الترغيب: في صلاة النافلة في البيوت. الترغيب: في انتظار الصلاة بعد الصلاة. الترغيب في المحافظة على الصبح والعصر. الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر. الترغيب: في أذكار يقولها بعد صلاة الصبح والعصر والمغرب. الترهيب من فوات العصر بغير عذر. الترغيب: في الإمامة مع الإِتمام والإحسان. والترهيب: منها عند عدمها. والترهيب: من إمامة الرجل القومَ وهم له كارهون. الترغيب: في الصف الأوّل وماجاء في تسوية الصفوف والتراصّ فيها وفضل ميامنها، ومن صلى في الصف المؤخر مخافة إيذاء غيره لو تقدّم. الترغيب: في وصل الصفوف وسدّ الفُرَج.
الترهيب: في تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم، وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهن، ومن اعوجاج الصفوف. الترغيب: في التأمين خلف الإمام وفي الدعاء، وما يقوله في الاستفتاح والاعتدال. الترهيب: من رفع المأموم رأسه قبل الإمام في الركوع والسجود. الترهيب: من عدم إتمام الركوع والسجود وإقامة الصلب بينهما، وما جاءَ في الخشوع. الترهيب: من رفع البصر إلى السماء في الصلاة. الترهيب: من الالتفات في الصلاة وغيرها مما يذكر. الترهيب: من مسح الحصا على موضع السجود والنفخ فيه لغير ضرورة. الترهيب: من وضع اليد على الخاصرة في الصلاة. الترهيب: من المرور بين يدي المصلى. الترهيب: من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا.
دليل موضوعات: النوافل
كتاب النوافل
الترغيب: في المحافظة على اثنتى عشرة ركعة من السُّنة في اليوم والليلة. الترغيب: في المحافظة على ركعتين قبل الصبح. والترغيب: في الصلاة قبل الظهر وبعدها، الترغيب: في الصلاة قبل العصر. والترغيب: في الصلاة بين المغرب والعشاء. الترغيب: في الصلاة بعد العشاء. الترغيب: في صلاة الوتر وما جاء فيمن لم يوتر. الترغيب: في أن ينام الانسان طاهرا ناويا للقيام. الترغيب: في كلمات يقولهنّ حين يأوى إلى فراشه وما جاء فيمن نام ولم يذكر الله . الترغيب: في كلمات يقولهن إذا استيقظ من الليل. الترغيب: في قيام الليل. الترهيب: من صلاة الانسان
стр. 40
وقراءته حال النعاس. الترهيب: من نوم الإنسان إلى الصباح وترك قيام شئ من الليل. الترغيب: في آيات وأذكار يقولها إذا أصبح وإذا أمسى. الترغيب: في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل الترغيب: في صلاة الضحى. الترغيب: في صلاة التسبيح. الترغيب: في صلاة التوبة. الترغيب: في صلاة الحاجة ودعائها. الترغيب: في صلاة الاستخارة.
دليل موضوعات الجمعة؛ والصدقات
كتاب الجمعة
الترغيب: في صلاة الجمعة والسعى إليها وما جاء في فضل يومها وليلتها وساعتها. الترغيب: في الغسل يوم الجمعة. الترغيب: في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير من غير عذر. الترهيب: من تخطى الرقاب يوم الجمعة. الترهيب: من الكلام والإمام يخطب. والترغيب في الإنصات. الترهيب: من ترك الجمعة. الترغيب: في قراءة سورة الكهف وما يذكر معها ليلة الجمعة ويوم الجمعة.
كتاب الصدقات
الترغيب: في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها. الترهيب: من منع الزكاة وماجاءَ في زكاة الحلى. الترغيب: في العمل على الصدقة بالتقوى. والترهيب من الخيانة والتعدّى فيها، واستحباب ترك العمل لمن لا يثق بنفسه، وما جاء في المكاسين والعشارين والعُرفاء. الترهيب: من المسئلة وتحريمها مع الغنى، وما جاء في ذمّ الطمع. والترغيب: في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده. ترغيب: من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزلها بالله . الترهيب: من أخذ ما دفع إليه من غير طيب نفس المعِطى. ترغيب: من جاءه شيء من غير مسئلة ولا إشراف نفس في قبوله سيما إن كان محتاجا والنهى عن رده وإن كان غنيا عنه. ترهيب السائل: أن يسأل بوجه الله غير الجنة ترهيب: المسئول بوجه الله أن يمنع. الترغيب: في الصدقة والحث عليها وما جاء في جهد المقلّ ومن تصدق بما لا يجب. الترغيب: في صدقة السرّ. الترغيب: في الصدقة على الزوج والأقارب تقديمهم على غيرهم. الترهيب: من أن يسأل الإنسان مولاه أو قريبه من فضل ما له فيبخل عليه أو يصرف صدقته إلى الأجانب وأقرباؤه محتاجون. الترغيب: في القرض وما جاء في فضله. الترغيب: في التفريج عن المعسر وإنظاره والوضع عنه. الترغيب: في الانفاق في وجوه الخير كرما. والترهيب: من الإمساك والادّخار شحا. ترغيب المرأة: في الصدقة من مال زوجها إذا أذن، وترهيبها: