الإهداء
إلى المربي الفاضل الذي فطن معنى التربية بكل جوانبها. . .
إلى الذي غرس في قلبي حب العلم والتعلم منذ نعومة أظفاري، فما رأته عيناي في أوقات راحته إلا مكبّا على كتبه بأوراقها الصفراء، لا زلت أذكر وأنا الطفلة الصغيرة حين يدفع إليّ بخطبة الجمعة طالبا مني أن أشكلها ثم أقرأها مشكولة قبل أن يقف خطيبا وذلك كل جمعة.
إلى الذي أحب العلم والعلماء فلا يكاد يفد عالما إلا وسارع إلى استضافته فأحسن وفادته. فكان مجلسه قبلة العلماء والصالحين. . .
إلى والدي الحبيب الذي مزج التربية بالعلم فجعلني لا أعرف معنى للحياة بدون العلم.
فاللهم أجزه عني خير ما جزيت أبا عن أبنائه وأسكنه فسيح جناتك.
وإلى التي فطنت لإرادة الوالد ورغبته فكانت خير معين له في درب التربية فهيأت لنا الوقت وذللت الصعاب فلم نر ما يكدر صفو مسيرتنا التعليمية.
إلى التي بذلت شبابها وصحتها من أجل أن ترى نفسها فينا أمد الله في عمرها.
إلى والدي العزيزين أهدي باكورة إنتاجي الفكري.
стр. 2
الشكر والتقدير
قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
أرى من الواجب عليّ وقد شارف عملي على الانتهاء أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى الذين رافقني فضلهم ومنتهم إلى آخر كلمة في رسالتي هذه.
فشكري وتقديري للأستاذ الدكتور حسن مرعي الذي قبل الإشراف على رسالتي فكان خير معين لي فلم يبخل عليّ بوقته وتوجيهاته السديدة التي تنم عن خبرة طويلة سهلت الطريق أمامي فأتممت عملي في وقته المحدد.
كما أرفع أسمى آيات الشكر والتقدير للوالد السيد جمعة الماجد راعي العملية التعليمية برمتها في هذه الكلية، الذي غمرنا بفضله الكبير منذ بدء الدراسة حتى نهايتها، حيث كان له قصب السبق في مجال الدراسات العليا يوم أن فتح لنا الباب، فهيأ لنا فرصة الدراسة في ربوع الدولة فكفانا مؤونة السفر وعناء الغربة.
ثم أبى السيد الوالد إلاّ أن يستمر عطاؤه ورعايته لنا في جميع مراحل الدراسة فكان ذلك الصرح العلمي مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، أبرز معالم دولتنا الثقافية في الألفية الثالثة والذي يؤمه طلبة العلم من كل حدب وصوب.
وهذا وإن دل على شيء، فإنما يدل على الحكمة والنظر الثاقب، والتخطيط المستقبلي الشامل، وحبه اللامحدود لأبناء وطنه، وتوقيره للعلم والعلماء.
فاللهم أجزه عنا خير الجزاء واجعل ذلك في ميزان حسناته.
стр. 3
تقديم
أ. د. عبد الله بن عبد العزيز المصلح بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الأول والآخر الظاهر الباطن الفتّاح العليم والصلاة والسلام على الرسول الكريم أول المسلمين وخاتم النبيين:
أما بعد:
فإن التراث الإسلامي الممتد أربعة عشر قرنا، وهو يتطاول ليستمر ما دامت الحياة فوق هذه الأرض، إن هذا التراث يتميز بالوفرة الكثيرة في كل ميدان من ميادين العلم، فإنك لا تجد في ميدان منها إلا ولعلماء المسلمين فيه يد بيضاء وتراث محفوظ، رغم أن منبع علوم المسلمين هما الأصلان اللذان جاءا من عند اللطيف الخبير، وهما الوحي الجلي المتمثل بالقرآن الكريم الذي لا يبلي على كثرة الترداد والوحي الخفي المتمثل بالسنة النبوية العظيمة التي علّمها الله تعالى رسوله بعد أن لم يكن يعلم، وهداه فيها إلى ما فيه خير الإنسانية إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
وكان مما تفخر به المكتبة الإسلامية العامرة ذلك التراث الفكري العميق الذي يسبر الحياة ويعقد لها القوانين المضيئة في كل عصورها ليوضح لها حكم الله تعالى في كل حادثة من الحوادث ذلك هو ميدان الفقه، والذي
стр. 4
بدأ مع الإسلام في عصره الأول، ولن ينتهي إلا بانتهاء هذه الأرض، فما تزال طائفة من المسلمين ظاهرة على الحق المبين، وقد تمثلت المكتبة الفقهية بكتب المذاهب الأربعة التي اختارها الله تعالى لتكون معالم للأمة عبر القرون والأعصار، تدل وترشد، وتهدي إلى سواء السبيل، وقد كانت كل مدرسة من هذه المدارس الأربع تنطلق من أصول خاصة بها واصطلاحات متميزة عن غيرها لأنها تتابع الزمن في ميدان واحد، وضمن إطار واحد، وكان المطالع لهذه المذاهب قد يصادف مصطلحات عن كل مذهب يختلف المراد منها بين مذهب وآخر، ولما كانت هذه المذاهب وكتبها هي مراجعنا في بيان أحكام الله تعالى، لكونها مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولما كان العصر الذي نعيش فيه عصر الاستفادة من كل المذاهب بحسب المصلحة العامة التي نحرص عليها، ونفتش عنها، كان من الواجب أن يكون بين أيدي الباحثين والدارسين قاموسا جامعا لهذه المصطلحات، حتى لا نقع في الخبط والغلط، فننسب الأمر إلى غير أهله.
ومن أجل هذا جاءت هذه الرسالة لتسقط هذا الواجب عن المسلمين وتجمع مصطلحات المذاهب الفقهية في الأعلام والكتب والآراء والترجيحات لابنتنا الشيخة الفاضلة «مريم محمد صالح الظفيري».
وقد اختارت اسما جديدا لهذه الرسالة هو «أسرار الفقه المرموز».
وأنا أنظر إلى هذه الرسالة أرجو أن تكون قد استوعبت كل المصطلحات التي يحتاجها طالب العلم في بحثه ودراسته، فتكون مفتاحا قيّما يفتح مغاليق هذه الكتب المذهبية.
وحيث طلبت مني ابنتنا مريم محمد صالح الظفيري أن أكتب هذه المقدمة لرسالتها قبيل الطبع، فأنا ألبي لها طلبها، وأرى في هذه الرسالة التي هي أول رسالة للماجستير تناقش وتعتمد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية- دبي، تبشاير خير، وعلامة سعد، حيث ستكون معتمد من بعدها من طلبة هذه الكلية، وطلبة غيرها من كليات الوطن العربي، وفي العالم بأسره، لأن مثل هذا الموضوع يحتاجه كل باحث في فقه الإسلام، وعلم المسلمين.
стр. 5
وأنتهز هذه الفرصة لأحث كافة طلبة العلم ليجدوا في ميدان البحوث والدراسات لأن بها تقدم الأمة وحضارتها، وبها تفتح آفاق العلم وميدان الدراسة، ولنبين للعالم بأسره، أننا أمة بحث، وأمة جد واجتهاد، فلم تنهض أمتنا إلا بالعلم، ولن تنهض ثانية إلا بالعلم، كما أهمس في آذان طلبة العلم-أيضا-أن العلم يقتضي العمل، فعليهم أن يعملوا بما علموا. .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. . . .
وإني في ختام هذه المقدمة وقد علمنا الإسلام أن نقول للمحسن أحسنت أشكر الأستاذ الكريم الفاضل جمعة الماجد الذي يقوم بتعهد كلية الدراسات الإسلامية والعربية ويؤازر كل جهد عملي وعلمي وينفق إنفاقا كريما ويسهر على مسارها ويتتبع خطوات أعمالها بكل دأب وصدق وإخلاص في سبيل العلم ونشره وتعميمه، وأشكر القائمين عليها، وأسأل الله لهم السداد والتوفيق إلى ما فيه خير الأمة جميعا.
وإلى اللقاء في طريق العلم والدعوة إلى الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أ. د. عبد الله بن عبد العزيز المصلح المشرف الأكاديمي على كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي
...
стр. 6
مقدمة المؤلفة
الحمد لله حمدا يليق بجلاله، ويوافي عظيم نعمه، وأصلي وأسلم على أشرف خلقه سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد. . . فبعد أن منّ الله عليّ بإكمال سنتي الدبلوم وبدأت أبحث عن موضوع لرسالة الماجستير، حيث اطلعت على كثير من الرسائل الجامعية واستشرت أساتذتي الفضلاء، طرح موضوع/مصطلحات المذاهب الفقهية الذي لاقى استحسانا في نفسي خاصة وأني أميل إلى الكتابة في مثل هذا النوع من المواضيع المحددة المعالم، التي تحتاج إلى دقة الأسلوب، بعيدا عن الأسلوب الإنشائي والعرض المسهب، خاصة وأني قد تأكدت أنه لم يسبق إلى الكتابة فيه أحد.
وفي الحقيقة أن الموضوع بالنسبة لي كان جديدا، وكنت حريصة على تقديم الصالح المفيد الذي له أهميته في الفقه، لذا فقد بدأت أتلمس مدى الحاجة لهذا الموضوع، من خلال القراءة وسؤال أهل العلم والدراية من الفقهاء، فوجدت تشجيعا من الجميع. ثم إني قرأت توصية للمجمع الفقهي بجدة تدعو لعمل معجم للمصطلحات الفقهية، فعقدت العزم على أن أمضي في كتابة الموضوع.
أهمية الموضوع:
ذكرت أنني لم تكن لي دراية بمصطلحات المذاهب، ولكن بعد
стр. 7
القراءة الواسعة ثم المتأنية التي استغرقت ستة أشهر أو تزيد، بدأت تتحدد معالم الطريق، وتتجسد أمام عيني الحاجة إلى تفسير الكثير من الاصطلاحات التي ترد في كتب الفقه، وبيان المراد منها، خاصة وأن بعض هذه الكتب لا تبين المراد بهذه الألفاظ، فيشكل على القارىء وربما وقع في الخطأ، ثم إن بعضها مشترك لفظي بين جميع المذاهب، ولكنه يختلف من حيث المعنى فيوهم القارىء المبتدىء أن المعنى واحد في جميعها، فكان هذا الموضوع بمثابة الكشاف الذي ينير الطريق لمن يطالع كتب الفقه، ويضع النقاط على الحروف، فيبين المراد باللفظ في المذهب معززا بمثال حسب استعمالهم له، ما أمكن.
هذا إلى جانب حاجتنا كمسلمين إلى الفقه في حياتنا اليومية، وكثيرا ما يلجأ مثقفونا إلى البحث عن حكم مسألة ما في كتب الفقه، وهؤلاء غالبا ما تكون معرفتهم بتلك الاصطلاحات محدودة، ومن أجل إعطاء طلاب العلم والباحثين فكرة عن مصطلحات المذاهب، خاصة أنني لم أجد في المكتبة الإسلامية ما يلبي هذه الحاجة، فكان هذا المؤلف ليسد تلك الثغرة.
ونظرا لأن المذاهب السائدة في جزيرة العرب هي المذاهب الأربعة، وقد تكون جميعها في منطقة واحدة كدولة الإمارات العربية المتحدة مثلا، وما كتب حول هذا الموضوع، يختص بكل مذهب على حدة، لذا فإن من الأهمية بمكان مثل هذه الدراسة، التي تجمع شتات ما كتب في قالب واحد سهل التناول، يريح القارىء ويكفيه عناء البحث، وتسهل عليه المقارنة بين المذاهب من حيث المراد باللفظ الواحد.
الجهود السابقة في الموضوع:
لقد تناول موضوع مصطلحات المذاهب الفقهية كثير من الكتاب وخاصة القدامى منهم كنجم الدين النّسفي في كتابه طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، والقاضي عياض في كتاب مشارق الأنوار على صحاح الآثار، ويوسف بن عبد الرحمن الجوزي في كتابه الإيضاح لقوانين الاصطلاح في الجدل الأصولي والفقهي، والشيخ قاسم القونوي في كتابه أنيس الفقهاء
стр. 8
في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، والشيخ أحمد بن محمد الفيومي في كتابه المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي وغيرهم، إلا أن هذه الكتب تناولت صيغ الأحكام الفقهية وكل باب رتبت ألفاظه ترتيبا هجائيا، وقد استفدت منها بعض الشيء، أما ما كتب وله علاقة مباشرة بالموضوع، القديم منه غالبا كان في مقدمات كتب الفقه.
ففي المذهب الحنفي، حاشية رد المحتار لابن عابدين وحاشية الطحطاوي، ورسائل ابن عابدين «رسالة رسم المفتي» والنافع الكبير مقدمة الجامع الصغير للكنوي، والمذهب عند الحنفية للدكتور محمد إبراهيم، والمدخل إلى مذهب أبي حنيفة لأحمد سعيد حوى «رسالة ماجستير».
وفي المذهب المالكي مقدمة منح الجليل شرح مختصر خليل للشيخ عليش ومقدمة مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب، ودليل السالك للمصطلحات والأسماء في فقه الإمام مالك للدكتور حمدي شلبي، ومنار السالك إلى مذهب الإمام مالك للسيد أحمد الرجراجي، وعمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين للدكتور أحمد محمد نور سيف، والمذهب المالكي مدارسه ومؤلفاته-خصائصه وسماته لمحمد المختار محمد المامي «رسالة ماجستير».
وفي المذهب الشافعي مقدمة المجموع للنووي، وكتاب التحقيق للنووي أيضا، ومغني المحتاج شرح ألفاظ المنهاج للخطيب الشربيني، والفوائد المكية لعمر السقاف.
وفي المذهب الحنبلي مقدمة كتاب الإنصاف للمرداوي وخاتمته، والمدخل إلى مذهب أحمد لابن بدران وتهذيب الأجوبة لابن حامد، وصفة الفتوى لابن حمدان، والمدخل المفصل لمذهب أحمد بن حنبل للدكتور بكر أبو زيد، وقد استفدت من هذه الكتب وغيرها التي لم أستطع ذكرها خشية الإطالة، قد استفدت منها استفادة جمّة جمعت ما تفرق فيها بأسلوب ميسر في هذا البحث المتواضع.
стр. 9
خطة البحث:
وقد جعلت البحث في مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.
١ - المقدمة: وتتناول أسباب اختيار الموضوع وأهميته والجهود السابقة فيه والجديد في الموضوع والصعوبات التي واجهتني ومنهجي في البحث.
٢ - الفصل الأول: الاصطلاحات العامة في المذاهب الفقهية. وفيه مبحثان:
المبحث الأول: اصطلاحات متعلقة بأقسام الحكم التكليفي.
المبحث الثاني: اصطلاحات الحكم الوضعي المتعلقة بأوصاف العبادة.
٣ - الفصل الثاني: اصطلاحات المذهب الحنفي. وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اصطلاحات خاصة بالأئمة.
المبحث الثاني: اصطلاحات خاصة بالكتب.
المبحث الثالث: اصطلاحات خاصة بعلامات الإفتاء والترجيحات.
٤ - الفصل الثالث: اصطلاحات المذهب المالكي. وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: اصطلاحات خاصة بالأئمة.
المبحث الثاني: اصطلاحات خاصة بالكتب.
المبحث الثالث: اصطلاحات خاصة بالمذاهب والآراء.
المبحث الرابع: اصطلاحات خاصة بالترجيحات.
٥ - الفصل الرابع: اصطلاحات المذهب الشافعي. وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اصطلاحات خاصة بالأئمة.
المبحث الثاني: اصطلاحات خاصة بالكتب.
стр. 10
المبحث الثالث: اصطلاحات خاصة بالمذاهب والآراء والترجيحات.
٦ - الفصل الخامس: اصطلاحات المذهب الحنبلي. وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اصطلاحات خاصة بالأئمة.
المبحث الثاني: اصطلاحات خاصة بالكتب.
المبحث الثالث: اصطلاحات خاصة بالترجيحات والآراء والنقل.
الخاتمة، وتشمل أهم ما توصلت إليه من نتائج.
الجديد في هذا البحث:
إن الموضوع بهذه الصورة قد جمع ما تناثر في بطون الكتب القديمة، وألف بين جهود المعاصرين، مما كتب في كل مذهب ليظهر في ثوب جديد، تنتظم فيه اصطلاحات المذاهب الأربعة، والتي هي أكثر انتشارا في البلاد الإسلامية.
وفيما يتعلق بعلامات الإفتاء أو التشهير فإنه رغم أهميتها للحكم على الفتوى من حيث القوة والضعف لم يتناولها أحد بالدراسة وهذا البحث قد جلى لنا الأمر وكشف عن دلالات تلك الألفاظ وبين مرتبتها.
الصعوبات التي واجهتني عند كتابة البحث:
بعد أن اطمأننت للموضوع وبدأت الكتابة فيه واجهتني صعوبات عدة منها:
١ - إن نسبة كبيرة من المعلومات المتعلقة بهذا البحث موجودة في مقدمات كتب الفقه لكل مذهب، وهذا يتطلب مني القراءة في أغلبها، حتى أستطيع حصر هذه الرموز.
٢ - إن بعض كتب الفقه تنسب القول إلى رمز دون بيان المقصود به في المقدمة، مما يتطلب مني مقابلة عدة كتب ببعضها في المذهب
стр. 11
الواحد، لمعرفة المراد بهذا الرمز، سواء كان المقصود بالرمز كتابا أم إماما.
٣ - ألفاظ التشهير والترجيح والتضعيف في بعض المذاهب واجهت صعوبة كبيرة لبيان دلالة اللفظ حسب مراد أهل المذهب نفسه، ولم أجد مرجعا يجمعها، بل غالبا ما تكون متناثرة في كتب مختلفة، مما جعلني أتتبع هذه الألفاظ في عدة كتب في المذهب الواحد، والمقارنة بينها لمعرفة دلالتها وهذا كلفني جهدا ووقتا.
٤ - تعزيز هذه الألفاظ بمثال من كتب الفقه للدلالة على المراد به وكيفية استعماله تطلب مني قراءة كثير من كتب الفقه وهذا أيضا يحتاج إلى وقت لذلك فاتني التمثيل للقليل منها.
٥ - ندرة المراجع الأصيلة التي لا زالت مخطوطة لم أستطيع الحصول على بعضها إلا بعد عناء كبير.
منهجي في البحث:
الكتابة في هذا الموضوع تقيد الكاتب بحيث تجعله يسير في خطوط ومسارات محددة، لا يستطيع أن يحيد عنها، ذلك أن جزئيات الموضوع محددة وواضحة ودقيقة ولهذا فلغة الكتابة لا بد أن تنتقي ألفاظها، بحيث تكون معبرة ومؤدية للمعنى، حتى إن الكاتب لا يستطيع التوسع أو التبسط في الحديث.
رغم ذلك فقد اختلف منهج الكتابة في الفصل الأول عنه في الفصول الأربعة الأخيرة، ذلك أنني في الفصل الأول اعتمدت الإيجاز وعدم الخوض في الاختلافات الجزئية في المذهب الواحد، فعند تعريف الاصطلاح أذكر التعريف المختار ولا أذكر شرحه، ذلك لأن في كتب الأصول غنى عن الإعادة والتكرار أما إذا كان الاختلاف مؤثرا في تغيير مسمى الاصطلاح كاختلاف الجمهور والحنفية في الفرض والواجب، فإنني أفصل قليلا ومما لا شك فيه أن مسائل هذا الفصل قد أشبعت بحثا في كتب الأصول أيضا،
стр. 12
ولكن ذكرها في هذا البحث كان ضروريا من أجل أن تكتمل صورة الموضوع وإلا كانت مبتورة.
أما في الفصول الأربعة الأخيرة فإنني حرصت على التفصيل والبيان والتمثيل ما استطعت، وحسب ما تسمح به المسألة التي أتحدث عنها، فغالبا ما أبدأ بتعريف اللفظ لغة ثم اصطلاحا، وإذا كان التعريف الاصطلاحي يحتاج إلى توضيح وبيان وضحت ذلك، ثم التمثيل من كتب الفقه، وإذا كان في دلالة اللفظ اختلاف بين علماء المذهب ذكرت جميع الآراء وناقشتها، ثم أذكر الرأي الذي أميل إليه وأراه أقرب للصواب حسب قواعد اللغة، وقد حرصت على أن أعزو الأقوال والآراء إلى أصحابها ومن مواردها الأصيلة القديمة فالحديثة، وعند الحديث عن اصطلاحات الأعلام اقتصرت على الأعلام البارزين في المذهب، والذين ترد أسماؤهم كثيرا في كتب الفقه، ويعتد بآرائهم الفقهية أو فتاواهم بحيث يذكر رمز العلم بدلا من اسمه فذكرت المقصود بالرمز وترجمت له إلا من كان معروفا كأئمة المذاهب، ورتبت رموز الأعلام حسب تاريخ الوفيات، وكذلك الأمر بالنسبة لاصطلاحات الكتب.
أما بالنسبة لاصطلاحات الآراء والمذاهب والترجيحات فحاولت الاستقصاء، واجتهدت أن أجمع معظم اصطلاحات المذاهب في هذا الجانب قدر استطاعتي، وقد تركت بعض الألفاظ التي لا يتكرر ذكرها ولا تكون بمثابة الاصطلاح الذي يتعارف عليه أهل المذهب، ولا أدعي الكمال في عملي هذا وحسبي أنني بذلت وسع طاقتي وقد خرجت الآيات والأحاديث، ووضعت فهارس للأعلام والاصطلاحات والموضوعات.
...
стр. 13
الفصل الأول
الاصطلاحات العامة في المذاهب
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: اصطلاحات متعلقة بأقسام الحكم التكليفي.
المبحث الثاني: اصطلاحات الحكم الوضعي المتعلقة بأوصاف العبادة.
стр. 14
تمهيد
الفقهاء كغيرهم من أصحاب العلوم الأخرى، لهم اصطلاحاتهم الفقهية التي وردت في جميع المذاهب، ومن هذه الألفاظ ما يتعلق باصطلاحات الحكم التكليفي (١)؛ كالفرض والواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام، ومنها ما يتعلق باصطلاحات الحكم الوضعي (٢)، كالصحة والفساد والبطلان والإجزاء، والأداء والإعادة والقضاء، والعزيمة والرخصة. ويشترك الأصوليون مع الفقهاء في استعمال هذه الألفاظ.
ونظرا لكثرة ورودها في كتب الفقه حتى أصبحت لغة الفقهاء، ومن أجل أن يستكمل البحث جميع جوانبه، جعلت لها فصلا خاصا، حتى تكون
стр. 15
جميع المصطلحات الفقهية العامة والخاصة بكل مذهب بين يدي القارىء، بأسلوب ميسر وسهل، بعيدة عن الاختلافات حيث اخترت المعتمد من تعريفات هذه الألفاظ.
...
стр. 16
المبحث الأول
الاصطلاحات المتعلقة بأقسام الحكم التكليفي
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المطلوب فعله.
المطلب الثاني: المطلوب تركه.
المطلب الثالث: ما خير فيه بين الفعل والترك.
стр. 17
المطلب الأول
المطلوب فعله
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: اصطلاح الواجب عند كل من الجمهور والحنفية وما يرادفه من ألفاظ.
المسألة الثانية: اصطلاح الفرض عند كل من الحنفية والجمهور والفرق بينه وبين الواجب.
المسألة الثالثة: أدلة كل من الحنفية والجمهور على اصطلاحي الفرض والواجب.
المسألة الرابعة: اصطلاح المندوب ومرادفاته وأقسامه.
стр. 18
المطلب الأول المطلوب فعله
المسألة الأولى: المراد بالواجب
عند كل من الجمهور والحنفية وما يرادفه من ألفاظ .
أولا-الواجب عند الجمهور:
١ - الواجب في اللغة:
وجب الشيء يجب وجوبا أي لزم. . .، وثبت، وأصل الوجوب السقوط والوقوع. . . وجب الحائط يجب وجبا ووجبه: سقط (١).
أي أن للواجب معنيين: اللزوم والسقوط.
ففي معنى اللازم والثابت ما جاء في الحديث الذي رواه ابن مسعود أثناء دعائه ﷺ : «اللهمّ إني أسألك موجبات رحمتك» (٢).
стр. 19
وجاء في معنى السقوط قوله سبحانه: ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ (١).
والمعنيان السابقان يحققان المعنى الشرعي، وهو أن الحكم الشرعي ثبت على المكلف ووقع عليه من الله وألزمه به فهو واجب.
٢ - المراد بالواجب في الاصطلاح:
ماهية الواجب، يقول السبكي: «الواجب المطلوب الفعل طلبا جازما» (٢)، ويقول البيضاوي: «ويرسم الواجب بأنه الذي يذم شرعا تاركه قصدا مطلقا» (٣). والتعريف الأول أولى لأنه تعريف بالحد وأما الثاني فتعريف بالرسم.
стр. 20
فالمراد به عند الجمهور الحكم الذي أمرنا به الشارع وألزمنا به، فمن امتثل الأمر فإنه يثاب عليه، أما من ترك أمر الشارع قاصدا عدم الامتثال للأمر في جميع الأوقات، فإنه يستحق العقاب من الشارع.
ثانيا-المراد بالواجب عند الحنفية:
عرفه الكمال بن الهمام بقوله: «فإن ثبت الطلب الجازم. . . بظني فالإيجاب» (١). وقال ابن أمير حاج شارحا كلام ابن الهمام، أو «ثبت الطلب الجازم بظني دلالة من كتاب أو دلالة أو ثبوتا من سنة أو إجماع فالإيجاب» (٢).
فالواجب عند الحنفية هو ما ألزمنا الشارع به، وكان ظني الدلالة أو ظني الثبوت أو ظني الثبوت والدلالة، وهو ما يستحق تاركه الذم من الشارع إن قصد عدم الامتثال للأمر في كل الأوقات.
стр. 21
ثالثا-الفرق بين الواجب عند الحنفية والجمهور:
لاحظنا من خلال تعريف الجمهور للواجب أنهم يقصدون به ما أمرنا الشارع به على وجه الإلزام، وأن من ترك أمر الشارع في جميع الأوقات قاصدا عدم الامتثال فإنه يستحق العقاب، ولا فرق عندهم بين أن يكون الأمر قد ثبت بدليل قطعي أم بدليل ظني.
أما الحنفية فإنهم يقصرون الواجب على الأمر الذي ثبت بدليل ظني.
فالفرق بينهم في إطلاق اصطلاح الواجب هو دليل ثبوت الأمر أهو قطعي أم ظني؟.
رابعا-مرادفات الواجب:
ترد في كتب الجمهور ألفاظ مرادفة للواجب وهي كالتالي:
١ - الفرض: يذكر ويراد به الواجب، فلا فرق عندهم بينه وبين الواجب.
يقول الرازي: «واعلم أنه لا فرق عندنا بين الواجب والفرض» (١).
ونقل ابن قدامة المقدسي عن الشافعي أن: «الفرض هو الواجب» (٢).
٢ - اللازم.
٣ - الحتم.
٤ - المكتوب.
٥ - المستحق.
стр. 22
وقد وردت هذه الألفاظ كأسماء للواجب في كتب الأصول ننقل بعضا منها.
جاء في تقريب الوصول: «أما الواجب فهو الفرض، والمفروض، والمكتوب، والمحتوم، والمستحق» (١).
وفي شرح اللمع: «والواجب واللازم والحتم والمكتوب والمفروض- واحد» (٢).
وقال الغزالي عن الفرق بين الفرض والواجب: «لا فرق عندنا بينهما بل هما من الألفاظ المترادفة، كالحتم، واللازم» (٣).
وفي العدة: «الحتم عبارة عن الفرض. . . والمكتوب واللازم عبارة عن الفرض أيضا» (٤).
المسألة الثانية: المراد بالفرض عند
كل من الحنفية والجمهور والفرق بينه وبين الواجب .
أولا-المراد بالفرض عند الحنفية:
١ - الفرض في اللغة:
فرضت الشيء أفرضته فرضا وفرّضته للتكثير: أوجبته. . . وقيل بمعنى
стр. 23
التقدير أي قدر صدقة كل شيء. . والفرض والفرضة: الحزّ الذي في القوس وفرضة القوس: الحز الذي يقع عليه الوتر. . . وأصل الفرض القطع (١).
مما سبق يتبين أن كلمة الفرض تعني:
١ - الوجوب: كقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾ (٢)، أي: أوجبناها.
٢ - التقدير: قال تعالى: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ (٣)، أي: قدّرتم ونقول فرض القاضي للزوجة النفقة أي قدرها.
٣ - الحز والقطع: كما قاله ابن منظور: وأصل الفرض القطع.
٢ - المراد بالفرض عند الحنفية:
عرف النسفي الفرض بأنه: «اسم لمقدر شرعا لا يحتمل زيادة ولا نقصا، مقطوع به لكونه ثابتا بدليل موجب للعلم قطعا» (٤).
وهذا أيضا ما أكده الكمال بن الهمام بقوله: «فإن ثبت الطلب الجازم بقطعي فالافتراض» (٥).
فالحنفية يجعلونه لما ثبت من الأحكام بدليل قاطع.
ثانيا-المراد بالفرض عند الجمهور:
الفرض مرادف للواجب عند الجمهور وهذا ما سبق بيانه في المسألة الأولى من هذا البحث.
стр. 24
ثالثا-الفرق بين الفرض والواجب عند كل من الحنفية
والجمهور:
لاحظنا من خلال ذكر تعريفات كل من الحنفية والجمهور لمصطلحي الفرض والواجب ما يلي:
١ - أن الجمهور لا يفرقون بين اللفظين من التكليف الشرعي فهما لفظان مترادفان شرعا، وهذا سبق تفصيله في مرادفات الواجب عند الجمهور.
٢ - أن الحنفية يفرقون بينهما، فيطلق الفرض على ما ثبت بدليل قطعي، بينما يطلق الواجب على ما ثبت بدليل ظني.
٣ - الفرض يجب الاعتقاد به والعمل به وما علم منه بالضرورة يكفر منكره والواجب يجب العمل به، دون الاعتقاد ومن تركه كان عاصيا.
ولكل من الفريقين أدلته في إثبات دعواه وسوف أذكر أدلة الفريقين في المسألة القادمة.
المسألة الثالثة: أدلة كل من الجمهور
والحنفية على اصطلاحي الفرض والواجب:
أولا-أدلة الجمهور على أن الفرض مرادف للواجب:
ذكرت فيما تقدم أن الفرض مرادف للواجب عند الجمهور وفي هذه المسألة أسوق أدلتهم على ما ذهبوا إليه.
١ - من حيث المعنى اللغوي للاصطلاحين:
يرى جمهور الأصوليين أن نقصر معنى الفرض على ما ورد في اللغة وهو التقدير، ولا أثر بعد ذلك للطريق الذي ثبت به هذا الشيء المقدر سواء كان قطعيا أم ظنيا، ولا خلاف عند الجمهور في أن المعنى اللغوي
стр. 25
لكل من الفرض والواجب مختلف، فالأول المقدر كما ذكرت والثاني الثابت إلا أننا ملزمون بالمقدر والثابت وإن اختلف دليل الثبوت.
يقول الإمام الفخر الرازي: «وهذا الفرق ضعيف لأن الفرض هو:
المقدر لا أنه الذي ثبت كونه مقدرا علما أو ظنا، كما أن الواجب هو:
الساقط لا أنه الذي ثبت كونه ساقطا علما أو ظنا، وإذا كان كذلك: كان تخصيص كل واحد من هذين اللفظين بأحد القسمين تحكما محصنا» (١).
٢ - من حيث المعنى الشرعي لكل منهما:
أما من حيث المعنى الشرعي فهما شيء واحد لأن دلالتهما واحدة وهي: الفعل الذي يذم تاركه شرعا قصدا مطلقا، فقد نقلا من المعنى اللغوي إلى معنى واحد اصطلاحي (٢).
يقول ابن قدامة: «والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين لاستواء حدهما» (٣).
ثانيا-أدلة الحنفية على الفرق بين الفرض والواجب:
وللحنفية أيضا أدلتهم في التفرقة بين الفرض والواجب واستندوا في ذلك على:
١ - المعنى اللغوي:
فمن حيث المعنى اللغوي يتفق الحنفية مع الجمهور على أن الفرض بمعنى الشيء المقدر، والمقدر لا يحتمل زيادة أو نقصانا فهو مقطوع به، كما يرون أن في التقدير نوع من التخفيف والتيسير لأنا ملزمون به فكونه قدر تقديرا متناهيا لا مجال للزيادة والنقص يسهل على المكلف أن يحافظ عليه ويلتزم به. وهذا التقدير الدقيق يوجب شدة المحافظة والرعاية،
стр. 26
فاستحق أن يخص باسم يميزه عن الواجب، خاصة وأنهم يرون في معنى الواجب الاضطراب إلى جانب كونه يستعمل بمعنى السقوط ولهذا الفرق في اللغة لزم التفرقة بينهما في الاصطلاح.
قال أبو زيد الدبوسي: «الفرض عبارة عن التقدير. . . وأما الوجوب:
فهو عبارة عن السقوط. . . إذا ثبت هذا فنحن خصصنا اسم الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، لأنه هو الذي يعلم من حاله أن الله تعالى قدره علينا» (١). ويقول فخر الإسلام البزدودي: «الفرائض في الشرع مقدرة لا تحتمل زيادة ولا نقصانا أي مقطوعة ثبتت بدليل لا شبهة فيه. . . وسميت مكتوبة، وهذا الاسم يشير إلى ضرب من التخفيف ففي التقدير والتناهي يسر يشير إلى شدة المحافظة والرعاية، وأما الواجب فإنما أخذ من الوجوب وهو السقوط. . .، ويحتمل أن يؤخذ من الوجبة، وهو الاضطراب سمى به لاضطرابه، وهو في الشرع اسم لما لزمنا بدليل فيه شبهة» (٢).
٢ - الطريق الذي ثبت به كل منهما:
وهذا مبرر آخر للحنفية كدليل للتفرقة، بين الفرض والواجب وهو الدليل الذي ثبت به كل منهما، فالفرض ثبت بدليل قطعي، بينما الواجب ثبت بدليل ظني.
ثالثا-مناقشة أدلة الفريقين:
لم تسلم أدلة كل من الفريقين من الاعتراضات ثم الردود عليها ليثبت كل فريق سلامة ما ذهب إليه.
فلم يسلم الحنفية للجمهور بأن الفرض والواجب مترادفان واعترضوا عليهم بما يلي:
стр. 27
١ - الاعتراض الأول: أن الفرض والواجب مختلفان في المعنى اللغوي، فالفرض معناه القطع والتقدير، والواجب من معانيه السقوط والاضطراب.
فأجاب الجمهور: بأنها نقلا من المعنى اللغوي إلى معنى واحد اصطلاحي كما أن «كثرة استعمال الواجب في الشيء الثابت دون الساقط أو المضطرب» (١)، جعل الواجب والفرض شيئا واحدا، كما أن الواجب بمعنى الثابت هو المراد هنا لأن الواجب بمعنى الساقط مصدره وجبة وبمعنى الاضطراب مصدره وجيب.
٢ - الاعتراض الثاني: أنهما مختلفان من حيث دليل كل منهما فالفرض قد ثبت بدليل قطعي بينما الواجب قد ثبت بدليل ظني.
فأجاب الجمهور: بأن طريق ثبوت الدليل لا يوجب التفريق، لأن هناك من النوافل ما ثبت بطريق القطع، ولم تسم فرائض واعتبروا التفرقة لهذا السبب تحكما لا يلزم اختصاص كل منهما باسم.
٣ - الاعتراض الثالث: أن الجمهور قد فرقوا بين الفرض والواجب في مواطن فلزمهم التفرقة بين الاصطلاحين كحقيقة، ومن هذه المواطن:
١ - الرجل لو قال لزوجته الطلاق واجب عليّ طلقت بخلاف ما لو قال لها الطلاق فرض عليّ فإن زوجته لا تطلق، يقول الأسنوي: «أنه إذا قال الطلاق لازم لي أو واجب عليّ طلقت زوجته للعرف بخلاف ما إذا قال فرض عليّ لعدم العرف فيه» (٢).
وأجاب الجمهور بأن التفرقة هنا ثبتت للعرف.
стр. 28
٢ - في الحج فإن الفرض لا بد من الإتيان به وتركه لا يجبر بدم بخلاف ترك الواجب فإنه يجبر بدم، ودليل ذلك ما ذكره الرملي في باب الحج عندما عدد أركان الحج فقال: «أركان الحج خمسة: الإحرام به، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، والحلق ولا تجبر بدم» (١).
ثم ذكر بعد ذلك واجبات الحج فقال: «وأما واجباته فخمسة أيضا:
الإحرام من الميقات والرمي في يوم النحر وأيام التشريق والمبيت بمزدلفة والمبيت بليالي منى واجتناب محرمات الإحرام. . . فهذه تجبر بدم» (٢).
وأجاب الجمهور بأن التفرقة هنا ثبتت بدليلها من السنة.
وأما الجمهور فقد اعترضوا على الحنفية باعتراضات لتفرقتهم بين الفرض والواجب ونذكر أهمها:
١ - الاعتراض الأول: أن التفرقة بين الفرض والواجب على أساس أن الفرض ثبت بدليل قطعي والواجب ثبت بدليل ظني تحكم بلا دليل خاصة وأن هناك بعض النوافل قد ثبتت بدليل قطعي ولا تسمى فرائض.
الجواب: أن تسمية الفرض بهذا الاصطلاح يجب أن يتوفر فيه شرطان:
الأول: أن يثبت بدليل قطعي، والثاني: أن يكون فيه معنى اللزوم، بينما النوافل التي ثبتت بدليل قطعي ليس فيها معنى اللزوم. ثم إن التفرقة ليست تحكما بلا دليل، بل جاء ذلك من جهة الاستنباط من نقول أهل اللغة، فأهل اللغة فرقوا بين الفرض والواجب؛ فالفرض هو التأثير، بينما الواجب يعني السقوط، والسقوط قد يؤثر وقد لا يؤثر، فتخصيص ما هو أبلغ في التأثير باسم ليكون تمييزا له عما هو دونه في التأثير لا يعد تحكما بل له مستند لغوي وقد نبه الدكتور طه العلواني على أن الواجب في الشرع مشتق من الوجوب والوجوب
стр. 29
إنما هو مصدر وجب بمعنى ثبت، وليس وجب بمعنى سقط، إذ مصدر هذه الوجبة يقال: «وجبت الإبل وجبة إذا سقطت، وليس كذلك وجب بمعنى خفق واضطرب، فيكون معنى الواجب في الشرع هو الثابت وليس المعاني اللغوية الأخرى كالساقط أو المضطرب» (١).
٢ - الاعتراض الثاني: أن الحنفية قد خالفوا اصطلاحهم في بعض المواطن فسموا ما ثبت بدليل ظني فرضا وسموا ما ثبت بدليل قطعي واجبا ومن هذه المواطن:
١ - القعدة في الصلاة ومسح ربع الرأس، وجميع ذلك ثبت بدليل ظني إلا أن الحنفية يسمونه فرضا.
ففي القعدة قال علاء الدين السمرقندي: «أما الفرائض فاثنتا عشرة، ستة من الشرائط، وستة من نفس الصلاة. . وأما الستة التي من نفس الصلاة-فالقيام-والقراءة-والركوع-والسجود-والانتقال من ركن إلى ركن والقعدة الأخيرة» (٢). فعدّ القعدة من الفرائض رغم أنها لم تثبت بدليل قطعي، وأما مسح ربع الرأس فقال الكاساني: «واختلف في المقدار المفروض مسحه، ذكره في الأصل، وقدره بثلاث أصابع اليد، وروي عن أبي حنيفة أنه قدره بالربع، وهو قول زفر» (٣).
ومقدار مسح الرأس ظني الدلالة إلا أن الحنفية يسمونه فرضا.
٢ - ومن المواطن التي خالفوا فيها القاعدة قولهم: إن الصلاة واجبة والزكاة واجبة رغم أنهما ثبتتا بدليل قاطع.
ففي الصلاة قال الكاساني عند حديثه عن صلاة المسافر ووقت
стр. 30
القصر: «إن الصلاة تجب في أول الوقت أو في آخره. . . وعند المحققين من أصحابنا لا تجب في أول الوقت على التعيين وإنما تجب في جزء من الوقت» (١).
وأما قولهم في الزكاة قال الكاساني: «روى الحسن عن أبي حنيفة أن الزكاة تجب في الدراهم الجياد» (٢). وقال في موضع آخر عن مقدار الزكاة في الذهب والفضة: «وأما مقدار الواجب فيه فربع العشر» (٣).
وقد ألزمهم الجمهور ألا يسموا شيئا مما ثبت بالسنة فرضا كنية الصلاة ودية الأصابع والعاقلة وأنصبة الزكاة ومقاديرها (٤).
هل لهذا الخلاف ثمرة ؟
الخلاف بين الجمهور والحنفية في التفرقة بين الفرض والواجب خلاف لفظي، فالجمهور يعممون التسمية ولا فرق عندهم بين الفرض والواجب، بينما نرى الحنفية يخصون الفرض بما ثبت بدليل قطعي والواجب بما ثبت دليل ظني، ويوافق الجمهور الحنفية على أن ما ثبت بدليل قاطع أعلى مرتبة في الاعتقاد والعمل وأنه يكفر جاحده إلا أنهم لا يرون تخصيصه باسم وأن ما ثبت بدليل ظني لا يكفر جاحده.
وهذا ما أكده الدكتور طه العلواني قال: «الشافعية ومن معهم يوافقونهم على أن المقطوع به يكفر جاحده ولكن لا يخصونه باسم الفرض بل يسمونه فرضا وواجبا كما يوافقونهم على أن المظنون لا يكفر جاحده ولكن لا يخصونه باسم الواجب بل يسمونه واجبا وفرضا فالخلاف إنما هو في التسمية» (٥).
فجمهور الأصوليين يرون أن لا ثمرة لهذا الخلاف وإنما هو اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
стр. 31
المسألة الرابعة: اصطلاح المندوب
ومرادفاته وأقسامه ومراتبه:
أولا-المراد بالمندوب:
١ - المندوب في اللغة:
الندبة: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، والندب: أن تدعو النادبة الميت بحسن الثناء، ورجل ندب: خفيف في الحاجة، وسريع، ظريف، نجيب. والندب: أن يندب إنسان قوما إلى أمر، أو حرب أو معونة أي يدعوهم إليه فينتدبون له أي يجيبون ويسارعون. . .، وندب القوم إلى الأمر يندبهم ندبا: دعاهم وحثهم، وانتدبوا إليه: أسرعوا، وانتدب القوم من ذوات أنفسهم أيضا، دون أن يندبوا له (١).
ولعل المعنى الذي يعنينا هنا هو دعوة الآخرين واستجابتهم، وكذلك معنى الحث والمسارعة، فالمندوب هو المدعو والمسارع في الاستجابة أو هو الذي ندب نفسه لأمر دون طلب من أحد.
٢ - المراد بالمندوب في الاصطلاح:
عرفه الأصوليين بعدة تعريفات لم تسلم من الاعتراض، ولم ترق إلى درجة التعريف الجامع المانع إلا تعريف الإمام الأمدي حيث قال: «هو المطلوب فعله شرعا من غير ذم على تركه مطلقا» (٢).
فهو إذن الفعل الذي ندبنا الشارع إليه فننال الثواب من الله ، بالاستجابة إلا أن من لم ينهض إلى فعله لا يعاقب وإن تركه تركا مطلقا.
стр. 32
ثانيا-أقسام المندوب وحكم كل قسم:
للمندوب ألفاظ مرادفة له ولهذه الألفاظ مراتب ولكل مرتبة حكم، وتختلف تلك الألفاظ والمراتب من مذهب إلى آخر.
الأول: المذهب الحنفي:
قسم الحنفية المندوب إلى ثلاثة أقسام:
١ - سنة الهدي: وهذه تأتي في المرتبة الأولى وهي من باب تكميل الدين كالآذان والإقامة والجماعة.
وحكمها: أنه يثاب على فعلها، وتركها يستوجب اللوم والكراهية والإساءة.
٢ - النفل: وهو التطوع: أي ما يفعله المسلم زيادة على ما فرض عليه كنوافل العبادات والسنن المشهورة.
وحكمه: أنه يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه وفعله أولى.
وثوابه أكثر من ثواب صاحب الزوائد.
٣ - الزوائد: وهي الأفعال التي تتعلق بسيرة النبي ﷺ في لباسه وقيامه وقعوده.
وحكمها: يؤجر عليها إذا فعلها بقصد الاقتداء بالرسول ﷺ ، ولا يأثم بتركها.
وقد ذكر الإمام النسفي هذه الأقسام عند شرحه لكتاب المنار فقال:
«واعلم أن السنة نوعان:
سنة هدى: أي: أخذها هدى وتركها ضلالة، كالجماعة والآذان والإقامة، ولهذا لو تركها قوم استوجبوا اللوم والعتاب، وزوائد: أخذها حسن، وتركها لا بأس به كسير النبي ﷺ في لباسه وقيامه وقعوده، ونفل:
وهو ما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه وهو اسم للزيادة في اللغة. . . فنوافل العبادات؛ زوائد على الفرائض والسنن المشهورة مشروعة
стр. 33
لنا لا علينا، والتطوع كالنفل فهو: يأتي به العبد تطوعا من غير إيجاب عليه ولا يلام على تركه» (١).
الثاني: المذهب المالكي:
يقسم المالكية المندوب إلى ثلاثة أقسام أيضا، إلا أنها تختلف في مسمياتها عن الحنفية.
١ - وأول هذه الأقسام السنة؛ وهي أعلى مرتبة من بقية الأقسام وتطلق عندهم على ما واظب عليه النبي ﷺ ولم يكن واجبا، فمنها صلاة الكسوف والعيدين، والوتر وسجدتا السهو وغيرها.
حكمها: أن الرسول ﷺ أمر بها وحافظ عليها ولكنها تأتي في درجة دون الواجب فيثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها.
٢ - وثاني هذه الأقسام المستحب، ويسمى فضيلة أو رغيبة وهو ما أمر به الرسول ﷺ إلا أنه لم يداوم عليه بل رغّب فيه بذكر أجره وثوابه، وفعله مرة أو مرتين.
٣ - وثالثها النافلة؛ وهو ما لم يرغب فيه الرسول ﷺ ، ولم يؤثر عنه أنه دوام عليه، وإنما أخبر ﵊ عما فيها من الأجر والثواب فقط دون ترغيب، وهذه كالتيامن في السلام وقراءة المأموم مع الإمام وإطالة القراءة في الصبح والظهر، وتقصير الجلسة الأولى والتأمين بعد قراءة أم الكتاب.
وحكمه: أن في فعلها ثوابا وتأتي في مرتبة دون المستحب.
وقد ذكر ابن جزي هذه الأقسام ومراتبها عند تعريفه للمندوب قائلا:
«أما المندوب فهو المتطوع، وهو درجات أعلاها السنة، ودونها المستحب وهو الفضيلة ودونها النافلة» (٢). وعلق الدكتور الشنقيطي محقق كتاب تقريب
стр. 34
الوصول على تعريف ابن جزي بقوله: «السنة: وضابطها في الاصطلاح: ما واظب عليه النبي ﷺ وأمر به ولم يكن واجبا وأظهره في جماعة، والمستحب والفضيلة والندب مترادفة وضابطها: ما فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين، وألحق به ما أمر به ولم ينقل عنه أنه فعله، النافلة وضابطها أن النبي ﷺ لم يرغب فيها بذكر (١) ما فيها من الأجر ولم يداوم عليها، وإنما أعلم أن فيها ثوابا من غير أن يأمر بها أو يرغب كما فعل في الرغيبة أو يداوم عليها» (٢).
الثالث: المذهب الشافعي:
جمهور الشافعية لا يفرقون بين الألفاظ المرادفة للمندوب بل يجعلونها في مرتبة واحدة إلا ما نقل عن القاضي حسين حيث جعلها ثلاث مراتب:
١ - السنة: ما واظب عليه النبي ﷺ .
٢ - المستحب: ما فعله مرة أو مرتين.
٣ - التطوع: ما ينشئه الإنسان باختياره ولم يرد فيه نقل (٣)، وكذلك ما ذكره مدرس المستنصرية في الحاوي فقال: «أعلاه سنة ثم فضيلة ثم نافلة» (٤).
وذكر الرازي مرادفات للمندوب وهي:
١ - مرغب فيه: لما أنه قد بعث المكلف على فعله بالثواب.
стр. 35
٢ - مستحب: ومعناه في العرف: أن الله تعالى قد أحبه.
٣ - نفل: ومعناه: أنه طاعة غير واجبة، وأن للإنسان أن يفعله من غير حتم.
٤ - تطوع: ومعناه: أن المكلف انقاد لله تعالى فيه، مع أنه قربة ومن غير حتم.
٥ - سنة: ويفيد في العرف طاعة غير واجبة.
٦ - إحسان: وذلك إذا كان نفعا موصلا إلى الغير مع القصد إلى نفعه (١).
الرابع: المذهب الحنبلي:
ذهب جمهور الحنابلة مذهب الشافعية في أنهم لا يفرقون بين الألفاظ المرادفة للمندوب من حيث المراتب، أي أنهم لا يجعلون لكل لفظ مرتبة والألفاظ التي وردت لدى الحنابلة مرادفة للمندوب تتفق مع ما ورد عند الشافعية ولم أجد لذلك مخالفا إلا ما نقل عن ابن حمدان حيث أضاف لفظ: «قربة» (٢).
...
стр. 36
المطلب الثاني
المطلوب تركه
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: اصطلاح الحرام ومرادفاته.
المسألة الثانية: اصطلاح المكروه تحريما عند الحنفية. والفرق بينه وبين الحرام عند الجمهور.
المسألة الثالثة: المراد بالمكروه.
стр. 37
المطلب الثاني المطلوب تركه
المسألة الأولى: اصطلاح الحرام ومرادفاته:
أولا-المراد بالحرام عند الجمهور:
١ - الحرام في اللغة:
الحرام هو الممنوع، والتحريم: خلاف التحليل، ورجل محروم:
ممنوع من الخير (١)، قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١٩)(٢).
٢ - الحرام في الاصطلاح:
الحرام: هو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الله الطالب لترك الفعل طلبا جازما (٣)، وهو تعريف بالحد.
أو هو ما يذم شرعا فاعله قصدا مطلقا (٤)، وهو تعريف بالرسم.
فالجمهور يرون أن الحرام هو الفعل الذي نهى الله عنه
стр. 38
نهيا جازما، سواء ثبت النهي بدليل قطعي أو ظني فلا فرق في ذلك، وفاعله يستحق الذم إذا كان قاصدا بفعله مخالفة ما نهى الله عنه مخالفة مطلقة، والتعريف الأول أولى لأنه تعريف بالحد.
ثانيا-المراد بالحرام عند الحنفية:
يتفق الحنفية مع الجمهور بأن الحرام هو: فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الشارع الطالب لترك الفعل طلبا جازما وأنه ما يذم شرعا فاعله قصدا مطلقا، إلا أنهم يفترقون معهم في طريق ثبوت الخطاب الطالب له فإن ثبت الدليل بقطعي فهو الحرام.
يقول ابن أمير الحاج: «فإن ثبت الطلب الجازم بقطعي دلالة من كتاب أو ثبوتا أيضا من سنة أو إجماع (ف) التحريم إن كان المطلوب فعلا هو كف» (١).
وبذلك قصر الحنفية الحرام على ما ثبت بدليل قطعي فقط.
ثالثا-الفرق بين الجمهور والحنفية في إطلاق الحرام:
من خلال المراد بالحرام عند الجمهور والحنفية يبدو واضحا، أن الجمهور يعممون إطلاق الحرام على ما ثبت بدليل قطعي أو ظني، بينما يقصر الحنفية الحرام على ما ثبت بدليل قطعي وهو نفس افتراقهم مع الجمهور في اصطلاحي الفرض والواجب.
رابعا-ما يرادف الحرام من ألفاظ:
للحرام مرادفات كثيرة منها:
١ - المعصية.
٢ - المحظور.
стр. 39
٣ - الذنب.
٤ - مزجور عنه.
٥ - القبيح.
وقد ذكرها الرازي موضحا المعنى الخاص بكل لفظ فقال:
«أحدها: أنه معصية وإطلاق ذلك في العرف يفيد: أنه فعل ما نهى الله تعالى عنه، وثانيها: أنه محظور وهو قريب من المحرم، وثالثها: أنه ذنب وهو المنهي عنه الذي تتوقع عليه العقوبة والمؤاخذة، ورابعها: أنه مزجور عنه ومتوعد عليه، ويفيد في العرف: أن الله تعالى: هو المتوعد عليه والزاجر عنه، وخامسها: أنه قبيح» (١).
المسألة الثانية: اصطلاح المكروه تحريما عند الحنفية والفرق بينه
وبين الحرام عند الجمهور:
أولا-المراد بالمكروه تحريما عند الحنفية:
١ - المراد بالمكروه في اللغة:
الكره، بالضم: المشقة تحتملها من غير تكلف، وكرّه إليه الأمر تكريها: صيّره كريها إليه، نقيض حبّبه إليه.
قال الفراء: الكره بالضم المشقة، وبالفتح الإكراه، يقال: قام على كره، أي: على مشقة (٢).
وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، وأكرهه على كذا حمله عليه كرها وكرّهت إليه الشيء تكريها ضد حببته إليه (٣).
стр. 40
٢ - المراد بالمكروه تحريما في الاصطلاح:
لم يرد هذا الاصطلاح سوى عند الحنفية، وهم يطلقونه على الفعل الذي نهى عنه الشارع وثبت دليله بطريق ظني، أو كانت دلالته ظنية وهو يقابل الواجب عندهم.
يقول ابن أمير حاج: فإن «ثبت الطلب الجازم بظني من كتاب أو دلالة أو ثبوتا من سنة أو إجماع فالإيجاب إن كان المطلوب فعلا غير كف، وكراهة التحريم إن كان المطلوب فعلا هو كف» (١).
ثانيا-الفرق بين المكروه تحريما والحرام:
اصطلاح الحرام ورد عند كل من الجمهور والحنفية إلا أن الجمهور يعممون التسمية على ما ثبت النهي عنه بدليل قطعي أو ظني، أما الحنفية فيقصرونه على ما ثبت بدليل قطعي فقط.
أما اصطلاح المكروه تحريما فلم يرد عند الجمهور، وخصته الحنفية بما ثبت النهي عنه بدليل ظني.
المسألة الثالثة: اصطلاح المكروه وإطلاقاته:
أولا-المراد بالمكروه:
المكروه: ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم (٢)، وهو ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله (٣).
واصطلاح المكروه تتفق عليه جميع المذاهب بأنه الفعل الذي نهى عنه الشارع دون أن يرتب عقوبة على فعله أما من انتهى عنه فإنه يؤجر على التزامه بنهي الشارع.