المطلب الثاني
المطلوب تركه
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: اصطلاح الحرام ومرادفاته.
المسألة الثانية: اصطلاح المكروه تحريما عند الحنفية. والفرق بينه وبين الحرام عند الجمهور.
المسألة الثالثة: المراد بالمكروه.
стр. 37
المطلب الثاني المطلوب تركه
المسألة الأولى: اصطلاح الحرام ومرادفاته:
أولا-المراد بالحرام عند الجمهور:
١ - الحرام في اللغة:
الحرام هو الممنوع، والتحريم: خلاف التحليل، ورجل محروم:
ممنوع من الخير (١)، قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١٩)(٢).
٢ - الحرام في الاصطلاح:
الحرام: هو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الله الطالب لترك الفعل طلبا جازما (٣)، وهو تعريف بالحد.
أو هو ما يذم شرعا فاعله قصدا مطلقا (٤)، وهو تعريف بالرسم.
فالجمهور يرون أن الحرام هو الفعل الذي نهى الله عنه
стр. 38
نهيا جازما، سواء ثبت النهي بدليل قطعي أو ظني فلا فرق في ذلك، وفاعله يستحق الذم إذا كان قاصدا بفعله مخالفة ما نهى الله عنه مخالفة مطلقة، والتعريف الأول أولى لأنه تعريف بالحد.
ثانيا-المراد بالحرام عند الحنفية:
يتفق الحنفية مع الجمهور بأن الحرام هو: فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الشارع الطالب لترك الفعل طلبا جازما وأنه ما يذم شرعا فاعله قصدا مطلقا، إلا أنهم يفترقون معهم في طريق ثبوت الخطاب الطالب له فإن ثبت الدليل بقطعي فهو الحرام.
يقول ابن أمير الحاج: «فإن ثبت الطلب الجازم بقطعي دلالة من كتاب أو ثبوتا أيضا من سنة أو إجماع (ف) التحريم إن كان المطلوب فعلا هو كف» (١).
وبذلك قصر الحنفية الحرام على ما ثبت بدليل قطعي فقط.
ثالثا-الفرق بين الجمهور والحنفية في إطلاق الحرام:
من خلال المراد بالحرام عند الجمهور والحنفية يبدو واضحا، أن الجمهور يعممون إطلاق الحرام على ما ثبت بدليل قطعي أو ظني، بينما يقصر الحنفية الحرام على ما ثبت بدليل قطعي وهو نفس افتراقهم مع الجمهور في اصطلاحي الفرض والواجب.
رابعا-ما يرادف الحرام من ألفاظ:
للحرام مرادفات كثيرة منها:
١ - المعصية.
٢ - المحظور.
стр. 39
٣ - الذنب.
٤ - مزجور عنه.
٥ - القبيح.
وقد ذكرها الرازي موضحا المعنى الخاص بكل لفظ فقال:
«أحدها: أنه معصية وإطلاق ذلك في العرف يفيد: أنه فعل ما نهى الله تعالى عنه، وثانيها: أنه محظور وهو قريب من المحرم، وثالثها: أنه ذنب وهو المنهي عنه الذي تتوقع عليه العقوبة والمؤاخذة، ورابعها: أنه مزجور عنه ومتوعد عليه، ويفيد في العرف: أن الله تعالى: هو المتوعد عليه والزاجر عنه، وخامسها: أنه قبيح» (١).
المسألة الثانية: اصطلاح المكروه تحريما عند الحنفية والفرق بينه
وبين الحرام عند الجمهور:
أولا-المراد بالمكروه تحريما عند الحنفية:
١ - المراد بالمكروه في اللغة:
الكره، بالضم: المشقة تحتملها من غير تكلف، وكرّه إليه الأمر تكريها: صيّره كريها إليه، نقيض حبّبه إليه.
قال الفراء: الكره بالضم المشقة، وبالفتح الإكراه، يقال: قام على كره، أي: على مشقة (٢).
وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، وأكرهه على كذا حمله عليه كرها وكرّهت إليه الشيء تكريها ضد حببته إليه (٣).
стр. 40
٢ - المراد بالمكروه تحريما في الاصطلاح:
لم يرد هذا الاصطلاح سوى عند الحنفية، وهم يطلقونه على الفعل الذي نهى عنه الشارع وثبت دليله بطريق ظني، أو كانت دلالته ظنية وهو يقابل الواجب عندهم.
يقول ابن أمير حاج: فإن «ثبت الطلب الجازم بظني من كتاب أو دلالة أو ثبوتا من سنة أو إجماع فالإيجاب إن كان المطلوب فعلا غير كف، وكراهة التحريم إن كان المطلوب فعلا هو كف» (١).
ثانيا-الفرق بين المكروه تحريما والحرام:
اصطلاح الحرام ورد عند كل من الجمهور والحنفية إلا أن الجمهور يعممون التسمية على ما ثبت النهي عنه بدليل قطعي أو ظني، أما الحنفية فيقصرونه على ما ثبت بدليل قطعي فقط.
أما اصطلاح المكروه تحريما فلم يرد عند الجمهور، وخصته الحنفية بما ثبت النهي عنه بدليل ظني.
المسألة الثالثة: اصطلاح المكروه وإطلاقاته:
أولا-المراد بالمكروه:
المكروه: ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم (٢)، وهو ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله (٣).
واصطلاح المكروه تتفق عليه جميع المذاهب بأنه الفعل الذي نهى عنه الشارع دون أن يرتب عقوبة على فعله أما من انتهى عنه فإنه يؤجر على التزامه بنهي الشارع.
стр. 41
ثانيا-إطلاقات المكروه:
للمكروه ثلاثة إطلاقات، ولكل منها معنى خاص، وبعضها لا يقصد به المكروه الذي نحن بصدده، وهذه الإطلاقات هي:
١ - نهي التنزيه.
٢ - المحظور.
٣ - ترك الأولى.
وقد ذكر الرازي هذه الإطلاقات مبينا معنى كل واحدة منها فقال:
«وأما المكروه فيقال بالاشتراك على أحد أمور ثلاثة:
أحدهما: ما نهي عنه نهي تنزيه: وهو الذي أشعر فاعله بأن تركه خير من فعله، وإن لم يكن على فعله عقاب.
وثانيها: المحظور وكثيرا ما يقول الشافعي ﵀ أكره كذا وهو يريد به التحريم.
وثالثها: ترك الأولى: كترك صلاة الضحى ويسمى ذلك مكروها لا لنهي ورد عن الترك بل لكثرة الفضل في فعلها» (١).
والمراد هنا هو الأول.
...
стр. 42
المطلب الثالث
ما خير فيه بين الفعل والترك
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المراد بالمباح.
المسألة الثانية: ما يرادف المباح من ألفاظ.
стр. 43
المطلب الثالث ما خير فيه بين الفعل والترك
المسألة الأولى: المراد بالمباح:
أولا-المراد بالمباح في اللغة:
البوح: ظهور الشيء، وباح به بوحا: أظهره. والمباح خلاف المحظور (١).
ثانيا-المراد بالمباح في الإصطلاح:
وردت عدة تعريفات للمباح نختار منها تعريف الدكتور عبد الكريم النملة، حيث إنه أقرب للصواب فقال: «ما أذن-تعالى-للمكلفين في فعله وتركه من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته» (٢).
فالمباح هو الفعل الذي ليس في تركه ولا فعله مدح ولا ذم، شريطة أن يكون ترك الفعل أو إتيانه لذات الفعل فلا يتعلق فعله أو تركه بواجب أو
стр. 44
مندوب أو حرام أو مكروه، ومثال ذلك المشي فهو مباح، ولكن إذا تعلق بفعله واجب أخذ حكمه، فأصبح المشي واجبا، كالمشي لصلاة الجمعة وقد يكون حراما كالمشي للسرقة ففعله في هذه الحالة يكون حراما وتركه واجبا فتقييد التعريف بكلمة لذاته أخرجت الأفعال التي تتوقف عليها بقية الأحكام.
المسألة الثانية: الألفاظ المرادفة للمباح:
ومن الألفاظ المرادفة للمباح:
١ - الجائز.
٢ - الحلال.
ففي لفظ الجائز ذكر القرافي ومن تابعه كالحطاب أن كثيرا من المالكية يستعملون الجواز الذي معناه استواء الطرفين بمعنى المباح (١).
وفي لفظ الحلال ذكر الرازي أن المباح يقال له: «إنه حلال طلق» (٢).
...
стр. 45
المبحث الثاني
اصطلاحات الحكم الوضعي
المتعلقة بأوصاف العبادة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اصطلاح الأداء والإعادة والقضاء.
المطلب الثاني: اصطلاح الصحة والإجزاء والفساد.
المطلب الثالث: اصطلاح العزيمة والرخصة.
المطلب الأول اصطلاح الأداء والإعادة والقضاء
المسألة الأولى: اصطلاح الأداء:
أولا-المراد بالأداء:
١ - تعريف الأداء في اللغة:
أدى الشيء: أوصله، والاسم الأداء، وأدى دينه تأدية أي:
قضاه (١).
٢ - تعريف الأداء في الاصطلاح:
الأداء: «فعل الشيء أولا في وقته المقدر له شرعا» (٢).
فالأداء هو إيقاع الفعل في وقته المقدر له من قبل الشارع من غير سابقة.
ثانيا-متى يسمى الفعل أداء ؟:
ونعني بهذه المسألة هل يشترط وقوع جميع الفعل في الوقت المقدر
стр. 48
حتى يسمى أداء؟ ذهب العلماء في ذلك مذهبين، مذهب الجمهور، ومذهب الحنفية.
فالجمهور لا يشترطون وقوع جميع الفعل، في الوقت المقدر له، بل يكفي وقوع بعضه ليسمى أداء، على أن يشتمل هذا البعض على معظم الأفعال، وما يأتي بعده تكرار له، كأن يدرك المصلي ركعة واحدة في الوقت المقدر وبقية الركعات خارج الوقت فيسمى فعله أداء.
يقول البدخشي: «فإنه إذا أوقع ركعة في الوقت كانت أداء مع أن صلاته لم تقع فيها بل الواقع هو البعض» (١).
والمالكية أيضا يشترطون وقوع ركعة لكي تسمى الصلاة أداء.
يقول السيد الجرجاني: فإن قيل: إذا وقعت ركعة من الصلاة في وقتها وباقيها خارجه فهل هو أداء أو قضاء؟ قلنا: ما وقعت في الوقت أداء والباقي قضاء في حكم الأداء تبعا (٢).
واستدلوا على ذلك بحديث الرسول ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٣).
أما الأحناف فهم أيضا لا يشترطون وقوع جميع الفعل في وقته المقدر لكي يسمى أداء إلا أنهم اكتفوا بوقوع تكبيرة الإحرام في الصلاة مثلا فمن أدرك تكبيرة الإحرام في الوقت المقدر تكون الصلاة أداء.
стр. 49
يقول محب الله بن عبد الشكور: «الأداء فعل الواجب في وقته المقدر له شرعا، وقيل: ابتداؤه كالتحريمة عند الحنفية وركعة عند الشافعية» (١).
ويظهر من عرض الرأيين أن الجميع متفق على أنه لا يشترط وقوع جميع الفعل في الوقت المقدر له شرعا بل يكفي وقوع بعضه ولكنهم اختلفوا في مقدار هذه البعض ويبدو أن رأي الجمهور أصوب لقوة الدليل.
المسألة الثانية: اصطلاح الإعادة:
أولا-المراد بالإعادة:
١ - معنى الإعادة في اللغة:
أصل كلمة الإعادة من عود، ومنها تعود على الشيء وعاوده وعواد، واعتاده، استعاده، أعاده، واستعدته الشيء فأعاده إذا سألته أن يفعله ثانيا (٢).
٢ - معنى الإعادة في الاصطلاح:
الإعادة: «ما فعل ثانيا في وقت الأداء لخلل في الأول» (٣).
فإذا فعل المكلف العبادة في وقتها المقدر لها شرعا مرة ثانية، وذلك بسبب خلل في المرة الأولى، فإن الثانية تسمى إعادة ويشترط أن يقع الفعل في الوقت المقدر له شرعا، وكذلك أن يكون في الفعل الأول خلل أفسده مما جعله يعيده ثانيا.
стр. 50
المسألة الثالثة: اصطلاح القضاء
أولا-المراد بالقضاء:
١ - تعريف القضاء في اللغة:
القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، كل ما أحكم عمله أو أتم أو أدى أداء أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أقضي، وقضى الغريم دينه قضاء أي أداه إليه (١).
٢ - تعريف القضاء في الاصطلاح:
القضاء: اسم لفعل ما فات وقته المحدد (٢)، أي: فعل الشيء بعد خروج الوقت الذي عينه الشارع (٣).
فعلى هذا، القضاء فعل الأمر بعد فوات وقته المقدر شرعا، سواء كان ذلك لعذر كالحيض أو النوم أو غيره، أو لغير عذر كمن ترك الفعل عمدا حتى فات وقته المحدد من الشارع، ولا يلتفت لمن قال بأن صيام الحائض وكذلك المريض والمسافر بعد رمضان لا يعد قضاء بل هو أداء لعدم وجوب الأداء في حقهم، واحتجوا بأن الصيام ليس بواجب على الحائض حال حيضها وإن فعلت فهو حرام، فكيف تقضي ما لم تطالب به، وكذلك المسافر غير مطالب بالصيام لحديث الرسول ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» (٤)، والمريض لا يصوم للمشقة.
стр. 51
يقول أبو الوليد الباجي: «الحائض غير مخاطبة بالصوم. . . والدليل على ما نقوله أنها لو صامت لم تؤد بذلك فرضا ولا أجزأ ذلك عما وجب عليها من الصيام» (١).
إلا أن جمهور الفقهاء والأصوليين يعتبرون صوم الحائض والمريض والمسافر بعد رمضان قضاء، لأنه قد ثبت في حقهم وجوب الصوم وإن تأخر وجوب الأداء لعذر، ويحسم الآمدي الخلاف في ذلك مبينا الفرق بين سبب الوجوب وبين وجوب الأداء بقوله: «فإن قيل: فلو لم يكن الصوم واجبا عليها فلم وجب عليها قضاؤه؟ قلنا: القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد فلا يستدعي أمرا سابقا، وإنما سمي قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعدم بسبب وجوبه من الصوم ولم يجب لمانع الحيض» (٢).
ثانيا-حالات تتعلق بالقضاء:
الحالة الأولى: إذا غلب على ظن المكلف أنه يموت قبل انتهاء الوقت:
في هذه الحالة فإنه يتعين على المكلف أن يعجل أداء الفعل ولا يجوز له التأخير وإن أخر الفعل ثم مات قبل الأداء فإنه يأثم أما إذا تبين خطأ ظنه ولم يمت فأتى بالفعل في آخر الوقت فإنه يعد أداء على رأي الجمهور مع إثمه في التأخير.
قال ابن قدامة: «فلو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه يموت قبل الوقت لم يجز له التأخير فإن أخره وعاش لم يكن قضاء لوقوعه في الوقت» (٣).
ويقول الأسنوي: «لو ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت تضيق
стр. 52
عليه الواجب، فلا يجوز له التأخير إلى آخر الوقت، بل يتعين عليه الإتيان به قبله، وإن أخره ومات عصى اتفاقا فإن عاش وفعل في آخره فقضاء عند القاضي أبي بكر الباقلاني أداء عند حجة الإسلام الغزالي وهو مذهب الجمهور، لصدق تعريف الأداء عليه إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه» (١).
هذا هو مذهب الجمهور في هذه الحالة أما أبو بكر الباقلاني فإنه يرى أنه بظنه غلبة الموت تضيق عليه وإن عاش وفعله في آخر الوقت فيعد قضاء وخالف الجمهور فيما ذهب إليه.
الحالة الثانية: إذا بلغ المال النصاب وحال عليه الحول فإن الزكاة تجب على
الفور:
في هذه الحالة فإن الزكاة تجب على الفور، ولكن إن أخرها ثم فعلها بعد ذلك فإن الفعل يعد أداء وليس قضاء، لأن وقتها لم يتعين بشكل دقيق وإن كانت المبادرة أولى حتى لا تتعطل حاجات المستحقين.
يقول ابن قدامة: «والزكاة واجبة على الفور، فلو أخرها ثم فعلها لم تكن قضاء لأنه لم يعين وقتها بتقدير وتعيين» (٢).
الحالة الثالثة: إذا أخر المكلف القضاء ولم يفعله فورا فهو قضاء:
إذا أخر المكلف القضاء إلى أي وقت آخر ولم يفعله على الفور فإنه إذا أوقعه في أي وقت يسمى قضاء أيضا، ولا نقول قضاء القضاء.
قال الفتوحي: «وفعل صلاة بعد تأخير قضائها لا يسمى قضاء القضاء لتسلسله وهو ممتنع» (٣).
وذلك كصلاة الظهر مثلا إذا فات وقتها ودخل وقت العصر ولم
стр. 53
يقضها إلا بعد العشاء فإن فعلها بعد العشاء يسمى قضاء ولا نقول قضاء القضاء.
ثالثا-الدليل الموجب للقضاء:
أعرض في هذه المسألة آراء العلماء في الدليل الموجب للقضاء، وهل يجب القضاء بما وجب به الأداء بحيث يبقى الأمر منسجما مع القضاء ومنسحبا عليه أم أن القضاء يجب بأمر جديد؟ في الحقيقة أن العلماء ذهبوا في ذلك مذهبين، مذهب الجمهور، وهو أن القضاء يجب بأمر جديد «لأن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت» (١)، ويقصدون بالأمر الجديد الدليل المنفصل كخطاب جلي أو الإجماع أو القياس بحيث يدل الأمر على قضاء الفوائت.
يقول السرخسي: «فالعراقيون يقولون وجوب القضاء بدليل آخر غير الذي به وجب الأداء لأن الواجب بالأمر أداء العبادة ولا مدخل للرأي في معرفة العبادة فإن كان نص الأمر مقيدا بوقت كان عبادة في ذلك الوقت» (٢).
أما الحنفية فبعضهم يرى أن القضاء يجب بأمر جديد ومنهم العراقيون كما ذكر السرخسي وكذلك الشافعية والمالكية والمعتزلة فإنهم يرون أن القضاء يجب بأمر جديد.
يقول السبكي: «وقد تكلم الفقهاء في إعادة صلاة الجنازة ولا أداء فيها إذ لا وقت بتعيين ولا يسمى القضاء الأول إعادة لأن القضاء بأمر جديد فهو غير المأمور به في الوقت» (٣).
стр. 54
وأبو الوليد الباجي من المالكية ذهب مذهب الجمهور فيرى أنه: «لا يجب قضاء الفوائت إلا بأمر ثان. . . والدليل على ما نقوله أن الأمر المؤقت مخصوص بإيقاع مثله في غير ذلك الوقت ولا تخيير بينه وبين مثله» (١).
وأبو الحسين البصري من المعتزلة يقول: «ويحتاج فعله فيما بعد الوقت إلى دلالة أخرى» (٢).
أما الرأي الثاني، وهو مذهب أكثر الحنفية والحنابلة والقاضي عبد الجبار (٣) من المعتزلة فإنهم يرون أن القضاء يجب بما وجب به الأداء، فإن المكلف إذا لم يمتثل الأمر حتى فات الوقت فإن ذمته تبقى مشغولة ولا تبرأ حتى يقضي ما فاته في وقت آخر، وهؤلاء يرون «أن الأمر بالمركب أمر بأجزائه» (٤)، أي أن الأمر يقتضي شيئين فعل الشيء في وقته المحدد، فإن لم يتمكن المكلف بإيقاع الفعل في وقته المحدد وهو الجزء الأول من الأمر يبقى الجزء الثاني من الأمر وهو فعل الشيء خارج الوقت.
يقول ابن قدامة من الحنابلة: «الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته ولا يفتقر القضاء إلى أمر جديد» (٥).
وكذلك السرخسي ينقل رأي مشايخ الحنفية فيقول: «وأكثر مشايخنا ﵏ على أن القضاء يجب بالسبب الذي به وجب الأداء عند فواته وهو الأصح» (٦).
стр. 55
وأيضا الإمام النسفي من الحنفية ذهب مذهب عامة الحنفية فيقول:
«والقضاء يجب بالسبب الذي وجب به الأداء عند الجمهور» (١).
ذلك هو رأي الأصوليين في الدليل الموجب للقضاء والجمهور يرون أنه لا بد من أمر جديد للقضاء أما عامة الأحناف وبعض الحنابلة وبعض المعتزلة فيرون أن القضاء يجب بما وجب به الأداء.
رابعا-هل القضاء يشمل المندوب:
للعلماء في هذه المسألة رأيان؛ فجمهور العلماء من الشافعية والحنابلة على أن المندوب يقضى إذا فات وقته المحدد، ولذلك فإن القضاء يتعلق بالمندوب الذي له وقت معين، أما المندوب المطلق فإنه لا يقضى، فهم يرون أن قضاء السنة سنة كما أن قضاء الواجب واجب.
يقول السبكي: «توهم بعضهم أن المندوب لا يسمى قضاء، وأن قول الفقهاء بقضاء الرواتب مجاز والذي يقتضيه كلام الأكثرين، والاصطلاح أنه لا فرق بين الواجب والمندوب» (٢).
فالسبكي هو من الشافعية يرى أن القضاء يشمل المندوب وكذلك ابن قدامة من الحنابلة فإنه أطلق الكلام في تعريفه للإعادة فقال: «الإعادة فعل الشيء وهذا يدل على أنه لم يخص الإعادة والقضاء والأداء بالواجب بل تتعلق بالمندوب كما تتعلق بالواجب» (٣).
أما الحنفية والمالكية فإنهم يقولون بقضاء سنة الفجر، ولا قضاء للمندوب في غير هذا.
يقول ابن جزي: «والعبادات على ثلاثة أقسام، منها: ما يوصف
стр. 56
بالأداء والقضاء، كالصلوات الخمس، ومنها: ما لا يوصف بهما كالنوافل، ومنها: ما يوصف بالأداء وحده كالجمعة» (١).
ويقول عبد العزيز البخاري: «فأما القضاء فلا يحتمل هذا الوصف وهو دخول النفل فيه لأن القضاء مبني على كون المتروك مضمونا والنفل لا يضمن بالترك» (٢). وبهذا يظهر لنا جليا مذاهب العلماء في قضاء المندوب وحجة كل فريق منهم.
...
стр. 57
المطلب الثاني
اصطلاح الصحة والإجزاء والفساد
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: اصطلاح الصحة عند كل من الأصوليين والفقهاء.
المسألة الثانية: اصطلاح الإجزاء والعلاقة بينه وبين القضاء والصحة والقبول.
المسألة الثالثة: اصطلاح الباطل والفاسد.
стр. 58
المطلب الثاني اصطلاح الصحة والإجزاء والفساد
المسألة الأولى:
اصطلاح الصحة عند كل من المتكلمين والفقهاء:
أولا-المراد بالصحة عند المتكلمين:
١ - تعريف الصحة في اللغة:
الصحة خلاف السقم، وذهاب المرض (١).
٢ - تعريف الصحة في العبادات في اصطلاح المتكلمين:
الصحيح عند المتكلمين: عبارة عما وافق الشرع، وجب القضاء أو لم يجب (٢). فيوصف الفعل بالصحة عند المتكلمين إذا وقع موافقا للأمر الشرعي وذلك في ظن المكلف وليس في الواقع سواء وجب قضاؤه إذا تبين بعد وقوعه خطأ ظنه، كمن صلى ظانا أنه متطهر ثم ظهر أنه على غير طهارة، أو لم يجب عليه القضاء إذا ظهر له صحة ظنه، فالمعتبر عندهم هو وجود الظن حيث إنه الذي في وسع المكلف.
стр. 59
وهذا ما يراه جمهور المتكلمين حيث يقول الآمدي معرفا الصحة بأنها «عبارة عن موافقة أمر الشارع وجب القضاء أم لم يجب» (١).
وعرفها ابن قدامة بقوله: «ما وافق الأمر وإن وجب القضاء» (٢).
ثانيا-المراد بالصحة عند الفقهاء:
أما الفقهاء فقد عرفوا الصحة بأنها: «عبارة عما أجزأ وأسقط القضاء» (٣). لم يقتصر الفقهاء على أن يقع الفعل موافقا للأمر الشرعي، بل يجب أن يجزىء ويسقط به القضاء، أي أن يكون الفعل مستكملا لأركانه وشروطه خاليا من الموانع فإذا كان كذلك فيوصف بأنه صحيح.
فالصلاة التي تقع مستكملة لشروطها وأركانها مع انتفاء موانعها فإن هذه هي الصلاة التي توصف بالصحة.
ثالثا-الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين وثمرته:
الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين جاء من نظر كل منهما إلى الفعل فالمتكلمون نظروا إلى ظن المكلف، فإذا غلب على ظنه بأن الفعل موافق للأمر فإنه صحيح، وذلك قبل أن يظهر له خلاف ظنه.
أما الفقهاء فإنهم نظروا إلى الواقع وموافقة الأمر، فإذا وقع الفعل موافقا للأمر مسقطا للقضاء فإنه صحيح.
فالخلاف بينهما في وصف الفعل قبل إعادته إلا أنهم متفقون على أنه إذا ظهر للمكلف خطأ ظنه، فإن عليه القضاء، ومن هذا يتبين أن لا ثمرة لهذا الخلاف بل هو لفظي.
стр. 60
يقول السبكي: «والخلاف بين الفريقين في التسمية ولا خلاف في الحكم وهو وجوب القضاء» (١).
رابعا: [المراد من الصحة في العقود]
«أما الصحة في العقود فالمراد من كون البيع صحيحا ترتب أثره عليه» (٢).
المسألة الثانية: اصطلاح الإجزاء والعلاقة بينه وبين القبول والصحة:
أولا-المراد بالإجزاء:
١ - تعريف الإجزاء في اللغة:
الجزاء: المكافأة على الشيء (٣).
وأجزأه الشيء: كفاه، وأجزأت عنه شاة لغة في جزت، أي:
قضت (٤).
٢ - الإجزاء في الاصطلاح:
فسّر الأصوليون الإجزاء بتفسيرين:
الأول: «أن المراد من كون الفعل مجزيا هو: أن الإتيان به كاف في سقوط الأمر إذا كان مستجمعا لجميع الأمور المعتبرة فيه من حيث وقع الأمر به.
والثاني: أن المراد من الإجزاء سقوط القضاء» (٥).
стр. 61
فالإجزاء على المعنى الأول: وقوع الفعل من المكلف مستجمعا أركانه وشرائطه خاليا من الخلل، وأداؤه على هذه الصورة يكون كافيا لسقوط الأمر به.
أما على المعنى الثاني فإن أداء الفعل وامتثال الأمر يعني عدم وجوب القضاء على المكلف.
وعلى ذلك انقسم الأصوليون إلى فريقين، فالجمهور يرون أن الأمر يقتضي الإجزاء، أما القاضي عبد الجبار بن أحمد وأبو هاشم ومن تابعهم من المعتزلة فإنهم يرون أن الأمر لا يقتضي الإجزاء.
وفي المسألة القادمة سنرى العلاقة بين الإجزاء والقضاء.
ثانيا-العلاقة بين الإجزاء وسقوط القضاء:
لمعرفة العلاقة بين الإجزاء والقضاء، لا بد لنا من التعرف على معنى القضاء، ومتى يكون الفعل مجزيا وهل الأمر بالفعل يقتضي الإجزاء أم أن الإجزاء شيء زائد على الفعل وهل القضاء يجب بأمر جديد أم الأمر الأول يتناول القضاء أيضا ومتى يكون القضاء؟.
إذا تعرفنا على هذه المسائل استطعنا أن نحدد العلاقة بين الإجزاء وسقوط القضاء.
وقد سبق لنا تعريف القضاء بأنه فعل الشيء بعد خروج الوقت الذي عينه الشارع.
١ - متى يوصف الفعل بأنه مجزىء:
من خلال التعريف الأول للإجزاء بأنه امتثال المكلف للأمر مستكملا أركانه وشروطه، يدل على أن المكلف بفعله هذا قد أبرأ ذمته وخرج من عهدة الامتثال وبالتالي سقطت المطالبة بالقضاء لأن القضاء لا يكون إلا إذا أخر فعل الشيء حتى خروج وقته أو فعله في وقته وكان به خلل.
стр. 62
فإذا فعله على الوجه المطلوب فإنه يكفيه عن فعل مثله في وقت آخر وبالتالي نصفه بأنه مجزىء.
يقول أبو الوليد الباجي: «الأمر بالفعل يقتضي إجزاء المأمور به؛ ومعنى ذلك أنه إذا فعل المكلف ما أمر به فقد امتثل الأمر وسقط عنه فرضه» (١).
٢ - هل الأمر يقتضي الإجزاء:
الجمهور يرون أن الأمر بالفعل يقتضي الإجزاء (٢) ودليلهم في ذلك:
ما روي أن امرأة سنان بن سلمة الجهني أمرت أن يسأل رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزي عنها أن تحج عنها؟ قال: «نعم، لو كان على أمها دين فقضته ألم يكن يجزى عنها؟ فلتحج عنها» (٣).
وهذا الحديث يدل على أن امتثال الأمر يتم به الإجزاء، وحيث إن المرأة لم تحج فبقيت ذمتها مشغولة ولا تبرأ ذمتها إلا بالقضاء، وعليه فإن الإجزاء يحصل بالقضاء أيضا.
أما القاضي عبد الجبار ومن تابعه فإنهم يرون أن الأمر لا يقتضي الإجزاء حيث إن الإجزاء غير مسقط للقضاء (٤) ودليلهم في ذلك:
إن الإنسان قد يؤمر بالمضي في أعمال ثم يؤمر بقضائها كالحج
стр. 63
الفاسد، وصلاة من ظن أنه متطهر، وقد تولى ابن قدامة الرد على هذا الدليل بقوله: «الحج الفاسد والصلاة بلا طهارة أمر بها مع الخلل ضرورة حاله ونسيانه فعقل الأمر بتدارك الخلل، أما إذا أتي بها مع الكمال بلا خلل فلا يعقل إيجاب القضاء، والمفسد لحجه لا يقضي الحج الفاسد إنما هو مأمور بحج خال عن الفساد، وقد أفسد على نفسه فيبقى في عهدة الأمر ويؤمر بالمضي بالفاسد، ضرورة الخروج عن الإحرام» (١).
من العرض للرأيين نرى أن الإجزاء ليس شيئا زائدا لا يدل عليه الأمر، بل امتثال الأمر على الوجه الذي أراد الشارع وبراءة ذمة المكلف تقتضي سقوط الطلب ويكون الفعل مجزيا، وما ذهب إليه المعتزلة هو فهم بعيد عن الصحة وتفسير خاطىء لمعنى إتمام الأفعال رغم فسادها، والقضاء لا يعني قضاء الفعل الفاسد وإنما قضاء الفعل الذي لم يؤد على الوجه الصحيح حيث إن ذمته لم تبرأ منه بعد ولا زالت مشغولة به وهذا ما فصل فيه ابن قدامة فيما قدمت.
٣ - هل القضاء يجب بأمر جديد:
أي فعل الأمر بعد فوات وقته المحدد هل يحتاج إلى أمر جديد أم أن الأمر الأول بإيقاع الفعل في وقته المحدد يقتضي القضاء أيضا.
سبق وأن بيّنا في الصفحة ٦١ من هذا البحث أن مذهب الجمهور هو أن القضاء يجب بأمر جديد في حين يرى أكثر الحنفية والحنابلة وبعض المعتزلة أن القضاء يجب بما وجب به الأداء.
٤ - متى يكون القضاء ؟
من خلال مناقشة القضايا الثلاث السابقة اتضحت الإجابة على هذا السؤال ومن تعريف القضاء تبين أنه يلزمنا فعله إذا فات وقت العبادة المحدد لها أو أصابها خلل أثر في صحتها، فهذا المعنى للقضاء هو الذي أجمع
стр. 64
جمهور الأصوليين (١) والفقهاء عليه وبه يكون الإجزاء هو امتثال الأمر وأدائه على الوجه الذي أمر به.
وعلى هذا فلا علاقة بين الإجزاء وسقوط القضاء حيث أن القضاء لم يجب بالأمر الأول فكيف يسقط ولا يجب إلا بأمر جديد.
ثالثا-العلاقة بين الإجزاء والصحة:
لمعرفة العلاقة بين الإجزاء والصحة لا بد من المقارنة بين تعريفي الإجزاء والصحة في الاصطلاح.
فالإجزاء يعني: امتثال الأمر أو سقوط القضاء.
والصحة عند الفقهاء: عبارة عما أجزأ وأسقط القضاء.
وعند المتكلمين: عبارة عما وافق الشرع، أسقط القضاء أم لم يسقط.
نلاحظ أن هناك قواسم مشتركة بين تعريفي الاصطلاحين تجعلهما يتداخلان فيما بينهما، وربما يكونان بمعنى واحد، فعند المقارنة بين تعريفي الإجزاء والصحة عند الفقهاء يكونان شيئا واحدا، الصحة هي الإجزاء أما إذا كانت المقارنة بين التعريفين عند الأصوليين فنرى أن الإجزاء قسم من الصحة، وهي أشمل وأعم.
ولذا فإن المحققين من الأصوليين يرون أن بينهما عموما وخصوصا وجهيا فقد تكون أعم من وجه وقد يكون الإجزاء أعم من وجه آخر.
وقد يقال إن الصحة أعم من الإجزاء لأنها تشمل العقود والعبادة بينما يقتصر الإجزاء على العبادة التي تقع مجزئة أحيانا وغير مجزئة أحيانا أما ما لا يقع إلا مجزئا فلا يوصف بذلك كمعرفة الله.
стр. 65
أما إذا قصرنا المقارنة بينهما على العبادة كوصف لها، فإنهما في الغالب يكونان بمعنى واحد، إلا في بعض المواطن يكون لأحدهما صفة العموم عن الآخر، وفي مواطن أخرى يكون العكس، ففي حديث الرسول ﷺ لأبي بردة بن دينار في جذع الماعز: «تجزئك ولا تجزىء أحدا من بعدك» (١) أن الإجزاء أعم من الصحة، وفي المتيمم في الحضر فإنه يصلي ثم يعيد على مذهب الشافعي وليست الإعادة لعدم الصحة وإنما لعدم الإجزاء وهنا تكون الصحة أعم من الإجزاء.
يقول القرافي في هذا المعنى: «أما الفرق بين إجزاء العبادة وصحتها فصعب لأن كل عبادة صحيحة عند الفقهاء مجزئة وكل عبادة مجزئة صحيحة فيعسر الفرق. . .، غير أني قد استروحت من قوله ﷺ لأبي بردة-الحديث المتقدم-أن الإجزاء أعم ويمكن أن يقال: «الإجزاء والصحة كل واحد أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه» (٢).
يقول محمد الفتوحي: «وبصحة عبادة يترتب إجزاؤها وهو-أي إجزاؤها-كفايتها في أسقاط التعبد ويختص الإجزاء بها-أي بالعبادة سواء كانت واجبة أو مستحبة» (٣).
وقال أيضا: «الإجزاء في العبادة بمعنى الصحة والفرق بينها أن الصحة وصف للعبادة والعقود أما الإجزاء فهو وصف للعبادة فقط فالصحة أعم من الإجزاء مطلقا، وقيل: الإجزاء يشمل العبادة وغيرها فعلى هذا فهما متساويان» (٤).
стр. 66
فالعلاقة بين الإجزاء والصحة أن بينهما عموما وخصوصا وجهيا، فقد تكون الصحة أعم من وجه، وقد يكون الإجزاء أعم من وجه آخر كما وضحنا من الأمثلة السابقة.
رابعا-العلاقة بين الإجزاء والقبول:
لمعرفة العلاقة بين الإجزاء والقبول لا بد أن نعرف العلاقة بين الصحة والقبول.
فالقبول هو: حصول الثواب من الله ، وقد وردت أحاديث عن الرسول ﷺ تنفي القبول أحيانا عن الفعل الصحيح، وتدل على أن الصحة أعم من القبول، كقوله ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين صباحا» (١).
فالصلاة صحيحة إلا أنها غير مقبولة.
وجاءت أحاديث أخرى تنفي القبول الذي هو بمعنى الصحة كقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» (٢)، ومعنى هذا الحديث أن القبول مرادف للصحة.
وللجمع بين الحديثين يقول ابن العراقي: «ظهر لي في الأحاديث التي نفى فيها القبول ولم تنف معه الصحة-كصلاة شارب الخمر ونحوه-أنا ننظر فيما نفى فإن قارنت ذلك الفعل معصية
стр. 67
انتفى القبول أي الثواب لأن المعصية أحبطته» (١).
وقد تقرر في المسألة السابقة أن الصحة بمعنى الإجزاء في بعض المواطن، وكذلك تكون مرادفة للقبول كحديث الصلاة بغير طهور.
يقول الفتوحي معلقا على الأحاديث التي تنفي القبول مع وجود الصحة، والأحاديث التي جعلت الصحة بمعنى القبول: «وقد حكى القولين في الواضح ورجح أن الصحيح لا يكون إلا مقبولا ولا يكون مردودا إلا وهو باطل» (٢). وإذا تحقق ذلك فإن الفعل المجزىء يكون مقبولا أيضا وهذا ما عناه الفتوحي بقوله: «وكصحة قبوله ونفيه كنفي إجزاء، يعني أن القبول مثل الصحة» (٣).
أما القرافي فإنه يرى رأيا آخر وهو: أن القبول ليس من أوصاف العبادة ولا يعني ذلك بقاء الذمة مشغولة به، رغم إيقاعه على الوجه المطلوب من الشارع، وإنما قصد أن القبول هو ترتب الثواب على العمل وهو غير سقوط الخطاب وعدم المعاقبة عند امتثال الأمر، فعنده أن القبول لا علاقة له بالإجزاء والصحة، وهو ليس من مباحث الأصول لأنه لا تدخله أحكامنا حسب الضوابط المعلومة أو المظنونة بل هو أمر مغيب.
يقول: «إن القبول شيء غير الإجزاء والصحة لأنه ترتب الثواب على ذلك العمل والإجزاء والصحة يرجعان إلى سقوط العقاب» (٤).
ويقول أيضا: «ولما كان القبول أمرا مغيبا عنا لا تدخله أحكامنا تركه الأصوليون من أوصاف العبادة» (٥).
стр. 68
المسألة الثالثة: اصطلاح الباطل والفاسد:
أولا-المراد بالباطل:
١ - تعريف الباطل لغة:
«بطل الشيء يبطل بطلانا: ذهب ضياعا وخسرانا. . . والباطل نقيض الحق» (١).
٢ - تعريف الباطل في الاصطلاح:
عرف الأصوليون (٢) الباطل بأنه نقيض الصحة فهو: «مخالفة الأمر ذي الوجهين لأمر الشارع» (٣).
فالباطل إذن هو الفعل الذي يقع مخالفا لأمر الشارع، فلا يترتب عليه أثر ولا يسقط الواجب بفعله، بل يجب على فاعله القضاء، وذلك لوجود خلل في أركانه أو شرائطه، فالصلاة التي لم تستكمل أركانها أو شرائطها، أو وجد مانع من الموانع فإنها تقع باطلة ويجب قضاؤها.
ثانيا-المراد بالفاسد:
١ - تعريف الفاسد في اللغة:
الفساد نقيض الصلاح، فسد ويفسد ويفسد وفسد فسادا وفسودا فهو فاسد وفسيد. . . والمفسدة خلاف المصلحة (٤).
стр. 69
٢ - تعريف الفاسد في الاصطلاح:
جمهور الأصوليين يرون أن الفاسد مرادف للباطل، ويقول ابن قدامة:
«والفاسد مرادف للباطل فهما اسمان لمسمى واحد» (١).
ويقول الغزالي أيضا: «الفاسد مرادف للباطل في اصطلاح أصحاب الشافعي» (٢).
وكذلك عرفه القرافي بقوله: «وأما الفاسد فهو مرادف للباطل عند أصحابنا» (٣).
ثالثا-هل الفساد هو البطلان:
الجمهور لا يرون فرقا بين الفاسد والباطل عندهم، بل هما اسمان لمعنى واحد.
وخالف في ذلك الحنفية وجعلوا الفساد قسما وسطا بين الصحة والبطلان فالباطل عندهم ما لم يكن مشروعا لا بأصله ولا بوصفه.
أما الفاسد فهو ما كان مشروعا بأصله وغير مشروع بوصفه، وتفريقهم هذا إنما هو في المعاملات أما في العبادات فإن الباطل مرادف للفاسد.
يقول النسفي: «انقسم المنهي عنه: إلى ما قبح لعينه وضعا كالكفر والكذب والعبث. . . وإلى ما قبح لعينه شرعا كبيع الحر والمضامين. . .
لأن البيع مبادلة مال بمال شرعا والحر ليس بمال، والماء في الصلب أو الرحم لا مالية فيه فصار هذا البيع عبثا لحلوله في غير محله، فالتحق بالقبح وضعا بواسطة عدم المحل شرعا، وإلى ما قبح لمعنى في غيره وضعا كصوم يوم النحر، فالنهي ورد لمعنى اتصل بالوقت الذي هو محل الأداء وضعا» (٤).
стр. 70
فالفساد والبطلان عند الجمهور لفظان مترادفان، بينما فرق الحنفية بين الفساد والبطلان بما سبق وإن قدمت.
رابعا-ثمرة الخلاف بين الجمهور والحنفية:
لما فرق الحنفية بين الفساد والبطلان، رتبوا على ذلك بعض الأحكام في بعض المسائل الفقهية، لم يكن ذلك بسبب هذه التفرقة في الاسم وإنما في حال تنفيذ العقد الفاسد فإنهم أولوا تنفيذ العقد رعاية خاصة من حيث ترتب بعض الآثار عليه مع بقاء الحرمة والإثم.
كما أن الجمهور خالفوا قاعدة الترادف عندهم، وذلك لدليل ثبت عندهم في بعض المسائل، فالتفرقة بين الباطل والفاسد عند كل من الجمهور والحنفية ليست أصولية وإنما هي فقهية.
...
стр. 71
المطلب الثالث
اصطلاح العزيمة والرخصة
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المراد بالعزيمة وسبب اختلاف الأصوليين فيها.
المسألة الثانية: اصطلاح الرخصة وأقسامها.
стр. 72
المطلب الثالث اصطلاح العزيمة والرخصة
المسألة الأولى: المراد بالعزيمة
وسبب اختلاف الأصوليين فيها:
أولا-المراد بالعزيمة:
١ - تعريف العزيمة في اللغة:
العزم: الجد، عزم على الأمر يعزم عزما ومعزما وعزما وعزيما وعزيمة وعزمه واعتزمه واعتزم عليه: أراد فعله.
قال الليث: العزم ما عقد عليه قلبك من أمر أنك فاعله (١).
٢ - تعريف العزيمة في الاصطلاح:
التعريف الأول:
العزيمة: الحكم الثابت بدليل شرعي خال من معارض راجح (٢).
فالعزيمة إذن كما يدل عليها التعريف: الحكم الشرعي الذي ثبت بدليل لا يعارضه دليل آخر أرجح منه.
стр. 73
التعريف الثاني:
العزيمة: عبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى (١).
فالعزيمة هنا الحكم الشرعي الذي ألزم الله تعالى به عباده، وهي بذلك تشمل الواجبات الشرعية فقط دون غيرها.
ثانيا-سبب اختلاف الأصوليين في المراد بالعزيمة:
كما لاحظنا من التعريفين السابقين في المسألة الأولى أن الأصوليين اختلفوا في المراد بالعزيمة ويعود سبب اختلافهم إلى نظرتهم لما تدل عليه العزيمة.
فمن نظر إلى أنها تدل على الأمر القاطع من حيث اللغة وهي بذلك تقتصر على الواجب والحرام من الأحكام الشرعية عرفها بأنها: ما لزم العباد بإلزام الله تعالى، ومن هؤلاء الآمدي والغزالي وابن الحاجب والقاضي العضد حيث يعرفها بأنها: «ما ألزم من الأحكام» (٢).
أما من نظر إلى أنها أصول مشروعة من الله تعالى وهي بذلك تشمل الأحكام الخمسة عرفها بأنها: الحكم الثابت بدليل شرعي خال من معارض راجح ومن هؤلاء: ابن قدامة (٣) والفتوحي (٤) والبزدوي (٥).
المسألة الثانية: اصطلاح الرخصة وأقسامها:
أولا-المراد بالرخصة:
١ - تعريف الرخصة في اللغة:
الرخص ضد الغلاء، ورخص له في الأمر: أذن له فيه بعد النهي
стр. 74
عنه، والاسم الرخصة، والرخصة في الأمر: خلاف التشديد (١).
٢ - تعريف الرخصة في الاصطلاح:
الرخصة: ما شرح من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرم (٢).
والرخصة كما هو واضح من المعنى اللغوي والاصطلاحي ما يسره الله علينا وخفف به عنا من التكاليف لعذر، وذلك من أجل دفع المشقة والعنت، وذلك لا يكون إلا بدليل من الشارع.
ثانيا-أقسام الرخصة:
قسم الحنفية الرخصة إلى أربعة أنواع: نوعان من الحقيقة، ونوعان من المجاز وجعلوا نوعي الحقيقة أحدهما أحق من الآخر، أما نوعي المجاز فأحدهما أتم من الآخر، وسأذكر هذه الأنواع الأربعة بشيء من التفصيل.
أولا-الرخصة الحقيقية، وهي نوعان:
النوع الأول: وهو أحق نوعي الرخصة ما استبيح مع قيام المحرم وقيام حكمه جميعا، وهذا النوع هو أكمل أنواع الرخص، لأن الحد منطبق عليه فالحرمة قائمة وسببها موجود إلا أن الشارع قد أسقط المؤاخذة عند استباحة المحرم لعذر، كإجراء كلمة الكفر عند الإكراه، فالحكم هنا قائم وهو حرمة الكفر بالله تعالى، وسببها أيضا قائم وهو الإيمان بوحدانية الله تعالى فهذا كمال العزيمة، إلا أنه شرع له النطق بالكفر لعذر الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان، وفي ذلك كمال الرخصة، فهذا النوع هو أحق في تسميته بالرخصة لأنه «لما كانت العزيمة حقيقة كاملة ثابتة من كل وجه كانت الرخصة في مقابلتها كذلك أيضا» (٣).
стр. 75
يقول النسفي في هذا الشأن: «أما أحق نوعي الحقيقة فما استبيح مع قيام المحرم وقيام حكمه» (١).
النوع الثاني: ما استبيح مع قيام الموجب للحكم إلا أن الحكم متراخ عن السبب وهذا النوع أدنى من حيث كمال الرخصة، ذلك أن السبب الموجب للحكم قائم إلا أن الحكم متراخ عنه، ومثال ذلك الإفطار بالنسبة للمسافر، فالسبب الموجب للصوم وهو شهود الشهر قائم لقوله تعالى:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢).
إلا أن الحكم وهو حرمة الإفطار تراخى بسبب عذر السفر لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).
ولما تراخى الحكم إلى عدة من أيام أخر، كانت العزيمة أدنى حالا من الحالة الأولى وهو الإيمان بالله تعالى ووحدانيته، لذلك كانت الرخصة هنا أيضا أدنى لأن كمال العزيمة من كمال الرخصة.
يقول شمس الأئمة السرخسي: «والنوع الثاني ما استبيح مع قيام السبب المحرم موجبا لحكمه إلا أن الحكم متراخ عن السبب وكان هذا النوع دون الأول فإن كمال الرخصة يبتنى على كمال العزيمة» (٤).
ثانيا-الرخصة المجازية، وهي نوعان أيضا:
النوع الأول: وهو أتم نوعي المجاز، ما وضع عنا من الإصر والأغلال.
وهذا النوع أتم من الثاني لأنه من حيث إنه سقط عنا كان حقيقة إذ أننا لم نكلف به، أما من حيث مقابلة أنفسنا بالآخرين كان توسعة فسمى رخصة مجازا لا حقيقة، وهذا يتمثل فيما وضعه الله عنا من التكاليف الشاقة التي كلف بها الأقوام السابقة فهي حمل ثقيل وأعمال مغلظة، ومن رحمة