تحيي بحد القنا أخبار عنترة ... وبالندى ذكر معن مع أبي دلف (١)
أبا سليمان كم أحرزت مرتبة ... تهنيك محتشماً والغير في كلف
قد فاح عدلك في الحدباء فافتخرت ... بكم على موطن الزوراء والنجف
فالسعد في طرب والنصر في فرح ... والمجد في جذل والعز في ترف
جمعت فضلا فلو فرقته لغدت ... كل العوالم في فضل وفي شرف
لو أن للصبح نطقاً واستجار بكم ... أبقيته آمناً من ظلمة السدف
لا زلت يا ملك الأقران منتصراً ... ما أضحك الروض دمع العارض الوكف
وممن صرف عنان نظامه، في شأن علو مقامه، علي الجفعتري (٢)
حكم الهوى وعلي طال يمينه ... والقلب يصدقه وذاك يمينه
إن كنت تحكم يا غرام بمهجتي ... فليأتني مما صحبت مكينه
وإذا أردت حفيظ عهد فليكن ... قلبي فذاك مدى الزمان خزينه
وإذا بلوت فتى فلا تبلو سوى ... من جاره بين الورى مأمونه (٣)
فأنا الذي لو جاء طيفك في الكرى ... يبغي الزيارة كنت عنه أصونه
стр. 562
فاجعل نصيبي منك أحور فاتراً ... تسبي العقول عيونه وجفونه
فاقت بدور التم طلعة وجهه ... وقد ازدرى حسن الهلال جبينه
وعذاره المسكي لام فوقه ... عين وفوق العين قوس نونه
شق الشقيق على بهاه رداءه ... وابيض بين شقيقه نسرينه
والجيد جاد وغازلت غزلانه ... ريم الفلاة فشابهته عيونه
لم يحل لي من دونه إلا الذي ... هو للزمان حسينه وأمينه (١)
نجل الوزير ويا له من حاكم ... أجرى الأوامر والسعود يزينه
هذا دليل للبرية أنه ... سينال فخراً لم ينله قرينه
فأبو سليمان أجل مآثراً ... إذ جاءه عما رجا مكنونه
وافى السعود من الجدود وانه ... كمد الحسود مدى الدهور فنونه (٢)
أحيا الذين مضوا بأفخر سيرة ... والعز يخدم راحتيه رصينه (٣)
لم يلق قاصده بغير بشاشة ... فكأنه في الحادثات يعينه
وكأنه البحر الفرات بفيضه ... حيث المحيط على الدوام معينه
كملت محاسنه فقارن طبعه ... من كل فضل فاخر موزونه
قد جاء يقفو أثر أكرم والد ... إن الكريم إلى الكمال حنينه
إن مد ساعده تساعده العلى ... أو رام مخفياً أتاه كمينه
فكأنه سر الأنام لأنه ... كهف الضعيف وركنه ومعينه (٤)
لا زال يرقى كل مجد ساميا ... وبه تعز قلاعه وحصونه
ومنهم الشريف فتح الله المتولى (٥)، يخرج من اوائل أشطرها
стр. 563
ومنتصف الشطر الأول محمد أمين باشا السعيد، حرسه الله ربي ووفقه لما يريد، بقوله:
ملكت عنان الجود والفضل والسعد ... وفقت جميع الناس بالأب والجد
حميت حمى الإسلام بالسيف والقنا ... وقلدتنا سيفا صقيلا بلا غمد
ملأت طروس المادحين فضائلا ... فمنها كسحب الخير جلت عن العد
دواما يراعي خادم لمديحكم ... قديماً لكم داع بأوصافكم أشدي
أبوك حسين الخير ذو العز والنهى ... هو اليوم صنديد السيادة والمجد
متى ما تبدى وحده ككتيبة ... لقال العدى قد جاء جند بلا حد
يمينا به في يوم حرب أعاجم ... منعنا وأنجانا فردوا مع الكيد
ندى كفكم بل راحتيكم سحابة ... أتت برخاء غامر الحر والعبد
بدور علاكم قد سمت أفق السها ... يدوم ولا كم ماحي الضد والند
أما أنتم شهم الوقائع في الوغى ... رجال العلى شم الأنوف أولو الرفد
стр. 564
شويتم بنا والسيف لحم عدوكم ... يدوم قناكم معجما حرف مرتد
أبى الله إلا أن يبشر بينكم ... دواماً بإقبال وفضل مع المجد
فما أنتم إلا بيوت أعزة ... كرام على المولى مقيمين بالعهد
ولا زال فتح الله يشدو مؤرخاً ... «نصرت أمين الجود بالعز والسعد»
وفي هذه المناسبة كنت قد أنشأت في مدح هذه الحضرة قصيدة تقرا على اوجه عديدة، وسياقات غير محدودة. بصنوف تزيد على الألوف، تظهر لمن أمعن النظر فيها، واطلع على ظواهرها وخوافيها، وهي:
أميننا، سيد في الذات والنسب ... بحر الندى، منحة في الجود والكرم
ليث العلى، أسد في العجم والعرب ... وافى ألوفا، آية في البذل والنعم
بدر دنا، قمر يزهو على الشهب ... عين الهدى، حكم من خالق حكم
حامي الملا، ملجأ في الضنك والكرب ... فهو الشفا، منبع للفضل والحكم
سامي القنا، من أناس سادة نجب ... راوي الصدا، كعبة الافضال للأمم
هطل العلى، هاطل الأنعام كالسحب ... ذا المكتفى، غيث مجد ساكب الديم
стр. 565
رحب القنا، علم في الفضل والرتب ... وافي الجدا، عظم تسمو على عظم
عالي الولا، قبلة في العلم والأدب ... سقم نفى، كامل في الفضل كالعلم
فهو المنى، سائغ أحلى من الضرب ... شمس بدا، كرم من بارئ النسم
فضل تلا، كامل عال بلا ريب ... نفس الصفا، واحد في المجد والهمم
مجد بنى، مفرد بالذات والحسب ... معط سدى، آية للخط والقلم (١)
تبر غلا، قطب يعلو على القطب ... ماحي الجفا، مفخر خال عن الوصم
نافى العنا، فيه ما يربو على الكتب ... قامي العدا، مفرد بالجذل من قدم (٢)
دفع البلا، سابق الأعداء للعطب ... عذب صفا، سفح مجد محيي الرمم
رفع الضنا، ساكب في الجود للذهب ... سفح مدى، ملجأ للعرب والعجم
فيه الجلا، ديمه بالجود منسكب ... حسب كفى، قمر في الليل والظلم
стр. 566
ملجا لنا، في الندى من أم لم تجب ... حبر غدا، تاج جود صيغ للقمم
نور علا، نخبة بالعلم والأدب ... ذا المصطفى، مرتع الافضال بالشيم
مهدي الهنا، قبلة للكل في النوب ... عذب الأدا، فخره بالفضل والحشم
فرد الأولى، حاتم معط بلا سبب ... بحر لنا، ملتجيه الآن لم يضم
وهذا المولى الآن، درة تاج الزمان. ملجأ الأنام، وممدوح الخاص والعام. لم يخل وقت من وصفه ولسان، ولا آن وزمان.
ولا أدب وبيان. فمن ذلك ما وصف في بعض الأعيان، على لسان بعض الأدباء الأمجاد، بقوله:
فتوح وإقبال بعيدك حاصل ... وعز وإحسان بسعدك واصل
وأوقات سعد بالتهاني ضمينة ... وأسباب مجد ظاهرات قوابل
وجاءتك أسباب المعالي مشيرة ... إليها وقد دلت عليها الدلائل
وفي الدولة الغراء نور وبهجة ... على صفحات الملك والفخر شامل
تهن بها يا مالك العصر آمنا ... فما بجناها غيرك اليوم قابل (١)
حبتك المعالي نفسها وتعاقدت ... عليك النهى واستأثرتك الكوامل
وقمت وقامت للشرائع أعمد ... فضائل قد قامت بها وفواضل
وآيات نصر من إمارات سعده ... تلوح وأفلاك السعود حوامل
стр. 567
فلا حق إلا وهو منك مؤيد ... ولا هزل إلا وهو عندك باطل
وأعطيت علما في الأمور وفطنة ... تكل رجال الدهر ما أنت حامل
إذا قال فهو الفصل حكم وحكمة ... وإن سال فهو السيف قاض وفاصل
يداه يد بالبر قد شاع فضلها ... وأخرى حسام للمضلين زايل (١)
وأحيا رسوم العدل بعد اندراسه ... وشيده من بعد ما هو نازل
فحلمك لم يخصص به قوم خالد ... ولكنه للعرب والعجم شامل
بكم بلد الحدباء أصبح عامراً ... وأمحق فيه كل باغ وصائل
فما لصلاح الأمر غيرك صالح ... ولا لنظام الملك غيرك قابل
«فانك شمس والملوك كواكب» ... ولا كوكب إلا لدى الشمس آفل
لكم همم أن ليس يحصى ثناؤها ... يراع وكف الحادثات رسائل
فلا زلت مشكوراً على ألسن الورى ... مدى فلك الدوار للسعد حامل
ولا زلت في الدنيا أميناً معمراً ... وأعطيت أصناف الذي أنت آمل
وممن مدح ذلك الجناب، وتفنن بمديحه في كل باب، حسان بابه، ومداح جنابه. الغلامي محمد (٢)، ذلك الحبر الأمجد، بقوله:
قفانبك من عذراء أخلت مزارها ... على الموصل الحدباء أعهد دراها
تؤجج ناراً للضيافة قومها ... كما أضرمت في مهجة الصب نارها
كعوب من الأعراب في بيت شعرها ... إذا دهمت أعلت بطي شعارها
стр. 568
سريت إليها والهلال كأنه ... على الجانب الغربي ألقت سوارها
ينم علي الضوء طوراً واختفي ... ببطن الفلا لما أثير غبارها
ولما طرقت الحي وهنا تفطنت ... فقالت تناجي جارها وجوارها
ألا انعم مساء أيها القادم الذي ... رأى غمرات الموت عندي وزارها
فبت باهنا عيشة عاش مغرم ... إذا عدت الأخيار كان خيارها
أرد يدي عن ثوبها ونقابها ... وتسبل دوني سترها وخمارها
إلى أن بدا ضوء الصباح فراعني ... ولم أخش قتلي بل كراهة عارها (١)
وحرب ببرق السيف زدت ضرامها ... ومن حلق السعدى أطارت شرارها
وليمة طير والكماة جزورها ... فاحسنت من نثر الرءوس نثارها
هجمت عليها والغبار يضمنا ... كحسناء فوق الرأس ألقت إزارها
فصامت بها الأبطال عند استنارها ... وصلت بها الأسياف تبغي اشتهارها
وأبرق من لمع السيوف غمامها ... فأقطرت من ورد الوريد شفارها
على أدهم رحب الذراع بغرة ... يخوض الدياجي فاستعاد نهارها
وأوردت أقراني بنغمة صارمي ... مدامة سكر ما استلذوا خمارها
صهيل جوادي مع صليل مهندي ... نديمي اذا البلوى أدارت مدارها
стр. 569
سلوا عمرا عني بكل كريهة ... يمينة إن كان كنت يسارها
نعم حيث كنا خادمين لسيد ... به آل عثمان أقرت قرارها
أجل بالأمين بن الحسين ابن ماجد ... وأعني به إسماعيل أربت فخارها
على نسق أعطوا الشريعة حكمها ... ويأتي سليمان فيعلى منارها
همو غرسوا بالحلم أشجار مجدهم ... ومذ أينعت بالعلم تجني ثمارها
أكف بحور والسيوف جداول ... تمد بأحياء الفخار كبارها
وليل كقلب الكفر سوّد خاضه ال ... أمين إلى الأشرار يبغي اختبارها
فان أقلعت كانت لديه أمينة ... وان رجعت تبغي أحل دمارها
وكم سنة شهباء كادت لقحطها ... لتقتات أهل اليسر فيها حمارها
تفقد فيها للأرامل حالها ... فأضحت بفضل الزاد تكرم جارها
وكم بات ليلا والحسام ضجيعه ... لملة خير الخلق يبغي انتصارها
أتتك أبا سلمان مني قصائد ... تؤمل من كسر الزمان انجبارها
بسعدك كملنا قصور بيوتها ... تقل ولكن القصور قصارها
стр. 570
فلم يصنع الحليّ حلي كلامها ... ونقد ابن هاني ما أهان عيارها (١)
ولما رجعت من بلاد الروم من خدمة أبيه، ذلك الضرغام النبيه وذلك ليلة عيد من رمضان، بعد امتداد الغربة أربع سنين. وقد اثر بي حب الوطن، وألم بي الحنين إلى ذلك السكن. وحللت بناديه، وغمرتني أكفه وأياديه، أمرني أن أشنف الاسماع، بمديحه الذي لا يستطاع، فامتثالا لذلك الأمر المطاع، زففت إلى حضرته هذه القصيدة، فتقبلها كما هو دأبه من حلمه وكرمه.
وأمر برسمها في ديوان المديح، وهي:
غزال سرى من جانب الحي أم خشف ... أم التفتت ريم وقد زانها شنف
ظباء نأوا بالطبع عني سجية ... فأقعدهم خصر وأثناهم ردف
وخود تريك الشمس لوناً وصورة ... كأنهما عقد وهذا له نصف
«عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى» ... وما زادني من كشفها أبداً كشف
فلله كم من ليلة ضمنا هناً ... وقد لذ لي بعد المكابدة الرشف
تجردنا عن أثيابنا لمهمة ... فكان كسانا ذلك الشعر الوحف (٢)
على غدر رقت وراقت لناظر ... ونبت سناما ليس يدركه الوصف
بروض أنيق يانع وشقائق ... ووسم حيا يحيى ورسم ندى يعفو
وحولي بدور والنجوم تحفني ... وعيش لمثلي في اللذاذة لم يصف (٣)
стр. 571
وساق كبدر والزجاج نجومها ... وكأس كشمس والحميا له لطف
ولا عاذل جاني ولا لائم قلا ... ولا حاسد مكد ولا كايد يجفو
كأن صفا الحدباء حيث أميرها ... أمين المعالي ابن الحسين لها كهف
كثير العطا ليث العرين الذي سطا ... رحيب الندى من ليس في وصفه خلف
أمين العلى، سامي الولا، أسد الفلا ... وجيش مع الأعداء لكن لها وقف
فسل عن علاه، الرمح والسيف والقنا ... إذا اشتجرت حرب وليس له حلف
بطعن يقد الهام والقلب والحشا ... وضرب بضرم قد يحار له الطرف
إذا أبصرته الناس ظنوا بأنه ... هو الجيش لكن ليس يدخله زحف
همام جواد ضيغم ذو مكارم ... سحاب له في كل مكرمة وكف
أمين ولكن للإمارة مسند ... يهب على أرجائه في العلا عرف
له في العلا والجود والمجد رتبة ... وفي كل حزب في الفوال له ضيف
له راحتا فضل تسح مكارما ... وأيدي على للفقر من وكفهم كفوا (١)
стр. 572
يحن إلى الإحسان والبذل والعطا ... حنين حليف الشوق فارقه الألف
توارث مجداً في الأنام ورفعة ... وحاز معال دونها وقف الوصف (١)
له جل ذكر إن خلا الدهر بأهله ... تسطرها كتب وترسمها صحف
حوى كرما لو قسمت بعض أيده ... على الناس وفاهم وتم له العرف
وهذا عجيب كيف أحصى ثناءه ... ودون الذي قد رمته أبداً كلف
وما كان مدحي فيه حصراً لمدحه ... وحاشا وكيف البحر يحصره ظرف
وما الشعر دأبي لا ولا أنا أهله ... ولو كنت أحياناً لأبوابه أقفو
ولكن أياد ليس يحزر مدها ... مدى الدهر لا ينهاهما النشر واللف
دعتني إلى هذا القريض ونظمه ... ولو لم يكن لي خلفه أبداً خلف
فدم بالعلى واسمح فمثلي مقصر ... مدى العمر قد يهفو ومثلك قد يعفو
стр. 573
علي الجليلي (١)
فمن أدباء هذا البيت علي بن الحاج يونس الجليلي، هذا الأديب الذي لم يكن لمريب في كماله نصيب. له مراتب أدب لا تقرعها الأوهام، وأصناف كمال لا تشرحها العقول والافهام.
ووقار كأنه به ثبتت الاطواد، وأوقات كلها مواسم وأعياد. همى للمعارف وانسجم، ودخل معالم البلاغة واقتحم. سهل صعبها، وسلك شعبها. فغدت به العلوم شامخة، والمكارم باذخة.
والآداب عالية، والألباب حالية.
стр. 574
أناس إذا لاقوا عدى فكأنما ... سلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
رموا بنواصيها القسي فجئنها ... دوامي الهوادي سالمات الجوانب
أولئك أحلى من حياة معاذة ... واكثر ذكراً من دهور الشبايب
ثم مضى، نسال الدهر عما قضى. أصبحت المعالي قد أقفرت ربوعها، وتفرقت أفرادها وجموعها، والمكارم قد غابت نجومها، ودرست معالمها ورسومها. وقد جار عليه الزمان العنيد، وجوره على أهل المروءة ليس ببعيد.
داء قديم وأمر غير مبتدع ... جور الزمان على أهل المروات
له من النظم الرائق المتسق، الذي هو كالبدر في جوف الغسق.
وقد ذكرت منه ما يضوع نشره، ويروق ذكره. فمن نظمه الرائق وقريضه الفائق، قوله وقد أهدى لأخيه عبد الجليل ورداً يسمى بالرازقي، وهي:
أني بودك لا أزال مهذبا ... وطراز وصلك في الأنام مذهبا
يهواه كل معذب بجماله ... وبحسن وجهك ذا الكئيب معذبا
ولقد أتيتك بالورود كأنني ... أهدي لطيب شذاك طيباً طيبا
أخطأت لكن عادتي أهديك ذا ... والطيب يهدى للمليح تأدبا
والرازقي الورد ليس كغيره ... وأنا كذاك وأنت حبر أعجبا
فاسمح ودم بالوصل لا تبخل به ... واعلم بأنك في الأنام مهذبا (١)
стр. 575
ومن قوله في البديه مضمنا لمناسبة جرت:
بادر إلى صالح الأعمال مفتكراً ... قبل الفوات فدنيانا هي العدم
دع التلذذ منها انه سفه ... لا خير في لذة من بعدها ندم
وقوله:
شموس صبحك للآمال مشرقة ... وصبح وجهك محبوب ومحمود
قد أشرق البدر ليلا من خفارته ... وكل نجم مضيء منه مشهود
مورد الخد قد أضنت حواجبه ... مني فؤاداً مع الأحباب مشدود (كذا)
لا واخذ الله قلبا كان مكتئباً ... من قده والهوى إذ ذاك ممدود
أتى إليكم رسولي ثم جاء إلى ... نحوي وأخبرني أني لمسعود
بأنه قد سباني بالسلام على ... وجه جميل وعنه الشوك مطرود
فقلت يا نفس مالي في الملاح سوى ... عبد الجليل وربي الله معبود
فاغنم أخي بمقام أنت سيده ... وباب حاسدك المشدود مسدود
خذ العروس التي قد قال ناظمها ... هي التي خدها المورود مورود
стр. 576
وبالجملة والآن، شعره قلائد البيان. وهو لبيت القصيد سلمان، له شعر كثير، وكمال غزير. يغنى عن البيان، معروف لدى كل إنسان. وليس كل هزبر كرّ هجام.
стр. 577
الحاج قاسم الجليلي (١)
ومنهم الحاج قاسم، صاحب الحسام الحاسم. جبل الأدب الشامخ، وطود الفضل الباذخ. ذو المجد الراسي، والبذل المواسي.
стр. 578
والقريض المزهر، والصباح المسفر. والكمال؟ ؟ ؟ راجي، والنوال المداجي. والعنبر العطر، والعبق المنتشر. والعلم الفرد المشتهر. ذو الكمالات الموفورة، والبراعات المنثورة. الذي باهت به الأقلام، وتاهت به الليالي والأيام. واشتملت عليه أيدي الامل، اشتمال الذباب على العسل، فغارت به يد الإسعاد، وأوردت فصاحته في تلك الأطواد.
حتى تعمم ضلع هامات الربى ... من نوره وتأزر الأهضام
له محاسن وماثر، اغنت عن عقود الجواهر. فهو عمود ذلك الحرم، وسراجها الزاهر في الظلم. ولما أخذته المنية، وسلبته الأمنية انشد وعدد، وتواجد عن قلب مكمد.
ستذكرني قومي إذا جد جدها ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغلها مهر
قد حث قومه على طلب المكارم، وبقاء المجد في تلك الأطلال والمعالم. وقد اثبت من قريضه، ما يدلك على تلميحه المجد وتعريضه. وكيف كماله، ووجه انهماله.
فمن نظمه قوله في مدح ابن عمه حضرة الوزير المشار اليه
стр. 579
الحاج حسين باشا، وهو:
هي الشمس حقاً والكؤوس مشارق ... وفي كل أفق من سناها رقائق
مشعشعة لا لون فيها ولا بها ... لغوب وما قد قيل تلك الأبارق
قديمة عصر ما رأت يد عاصر ... وما كان في الاعصار منها فبارق
خفت ذاتها عن واصفيها لطافة ... كما خفيت عند المجاز الحقائق
فوجنة ساقيها ولون انائها ... وراووقها فالبعض للبعض لائق
فيا طالبيها لا تحيدوا عن الهدى ... كما حاد عن طرق الجنان منافق
هلموا إليها مهتدين بنورها ... إلى حانها الفياح فالوقت رائق (١)
بأيام مولانا الوزير ومن له ... من العز دست والسعود نمارق
стр. 580
حسين إذا كنيته كنة أبا ... مراد تجد بحراً عطاه يدافق
أبا حسن عند الوداد وحفظه ... أميناً سليم القلب في القول صادق
رءوف بذي الأرحام بر مواصل ... ولكنه للمنكرات مفارق
كريم لدفع الضر فينا مؤمل ... جواد وبالخيرات بالجود سايق
حليم محب الخير مكرم أهله ... ومن عدله ذو الشر للشر فارق
مكر إذا الأعداء جالت خيولها ... فما منهم إلا مفر ومارق
نجيب لكشف المعضلات مجرب ... فتى ذو ثبات إذ تشيب المفارق
جليل شديد البطش إن لاح منكر ... ومن باطل التلبيس للحق فارق
مبيد لأهل البغي قهراً وسطوة ... وفي طب عاهات الرعية حاذق
كريم تليد سيد وابن سيد ... ولم يك ممن سودته القراطق
أجل من صباه المجد ينحو لنحوه ... فيا لك معشوقاً له المجد عاشق
стр. 581
بدا في سما الحدباء بدراً وحوله ... بنو عمه فيها نجوم طوارق
رقوا شامخات العز وهو امامهم ... فمسبوقهم للعز لا شك لاحق
وإن كنت منهم لكن العجز خانني ... فلا أنا رتاق ولا أنا فاتق
وان كنت عن نيل المعالي قاصراً ... ولكن بحمد الله لست مشاقق (١)
فيا منكراً ما قد حوته مدائحي ... أليس لسان الحال بالحال ناطق (٢)
فقس وانتقد شعري فإن تك منصفاً ... تجد فعله والقول مني مطابق (٣)
فلا زال في مجد وعز ورفعة ... وطول حياة والزمان موافق (٤)
وله ﵀ مشطرا ومعجزا لأبيات الفاضل العلامة والحبر الفهامة، مقتدى أرباب العربية، وشموعهم الزاهية البهية:
إليك إشاراتي وأنت مرادي ... وأنت بلبي والحشا وفؤادي
وفيك هيامي لا بدعد وزينب ... وإياك أعني عند ذكر سعاد
стр. 582
وأنت مثير الوجد بين أضالعي ... وأفنيت صبري منذ نفيت رقادي
أهيم أكتآبا ثم أطرب صابيا ... اذا ماحدا حاد ورنم شادي
وحبك ألقى النار بين جوانحي ... وحكم مني لوعتي وسهادي
وأوريت جمراً في حشاي وحرقة ... بقدح وداد لا بقدح زناد
خليلي كفا عني العذل واعلما ... بأني عبيد صادق بودادي
وأني أسير طائع لأحبتي ... وأن غرامي آخذ بقيادي
ولذة ذكري للعقيق وأهله ... وتذكار أوقات الهنا بجياد
وذكري ووردي من مياه يلملم ... كلذة برد الماء في فم صادي
طربنا بتعريض العذول بذكركم ... كما طربت أقلامنا للحادي (كذا) (١)
عسى نجتمع يوماً كلانا برامة ... فنحن بواد والعذول بوادي
وقد شطره الحبر الفريد، والأديب الوحيد، قطب فلك العراق، وعلامتها الذي في الأدب لا يطاق. السيد نصر الله المشهدي الحسيني ﵀.
إليك إشاراتي وأنت مرادي ... إذا قلت برق بالأبيرق بادي
وإن ذكرت لبنى فأنت لبانتي ... وإياك أعني عند ذكر سعاد
وأنت مثير الوجد بين أضالعي ... إذا ما نسيم هب غب غوادي
وأهتز من صهباء ذكرك نشوة ... اذا ماحدا حاد ورنم شادي
وحبك ألقى النار بين جوانحي ... وأجرى من العينين سيل عهاد
وفي طور قلبي أنت ألهبت شعلة ... بقدح وداد لا بقدح زناد
خليلي كفا عني العذل واعلما ... بأن ضلال الحب عين رشادي
فلا تعجبا إن كان شوقي سائقاً ... وأن غرامي آخذ بقيادي
стр. 583
ولذة ذكري للعقيق وأهله ... نسيت بها أهلي وطيب بلادي
ولذة حر النار بين جوانحي ... كلذة برد الماء في فم صادي
طربنا لتعريض العدو بذكركم ... فتطويل ذاك العذل جل مرادي
ولو مر بالوادي المقدس بالحشا ... فنحن بواد والعذول بوادي
وبإشارة من السيد المذكور كنت قد شطرته وأنا في بغداد:
إليك إشاراتي وأنت مرادي ... وفيك غرامي زايد وسهادي
وأنت حديثي بين قومي وجيرتي ... وإياك أعني عند ذكر سعاد
وأنت مثير الوجد بين أضالعي ... ومسعر قلبي بالجوى وفؤادي
يهيم فؤادي عند ذكرك سيدي ... اذا ماحدا حاد ورنم شادي
وحبك ألقى النار بين جوانحي ... وأبعد عن عيني لذيذ رقادي
وفي وسط قلبي أنت أودعت جمرة ... بقدح وداد لا بقدح زناد
خليلي كفا عني العذل واعلما ... بأن هيامي لم يكن لبعادي
ولكنما قلبي صريع بحبه ... وأن غرامي آخذ بقيادي
ولذة ذكري للعقيق وأهله ... سلوت بها عن مرتعي وبلادي
أرى بفمي أذكار حبي لذيذة ... كلذة برد الماء في فم صادي
طربنا لتعريض العذول بذكركم ... وزاد هيامي فيكم وجهادي
فهمنا بتخويف فحزنا سلامة ... فنحن بواد والعذول بوادى
стр. 584
استدراك
السيد خليل البصير
ورد في حاشية صفحة (٣٤٧) عبارة (لم نعثر على ترجمته) وقد جاء ذلك سهوا في الطباعة. وهو السيد خليل البصير بن السيد علي بن السيد اسماعيل ابن السيد ابراهيم بن السيد داود ابن السيد محمد الباهر شمس الدين. ومحمد الباهر هو والد السيد فخر الدين جد اسرة آل الفخري. ويتصل معهم السيد خليل البصير بالجد الخامس. ولقب السيد خليل بالبصير لأن بصره كف منذ صغره. وكان شديد الذكاء. نافذ البصيرة. حفظ القرآن الكريم وهو صغير. وأخذ يتردد على علماء الموصل. وأخذ عنهم. وبرع في النحو والصرف والعلوم العقلية وكان يقصد مجالس العلماء والشعراء. وحفظ الشيء الكثير من الشعر والأدب. وتعلم التركية والفارسية وصار ينظم الشعر باللغات الثلاث العربية والفارسية والتركية. وكان حاضر البديهة. لطيف النكتة. سريع الجواب مهذب الأخلاق. وله اطلاع حسن في الموسيقى والأنغام. ويشارك فيها. ترجمته في منهل الأولياء. وانظر المجلد ١٣ من مجلة المجمع العلمي العراقي. ص ٢٥٤ وشمامة العنبر.
(صحح تجارب الطبع الخطاط وليد الاعظمي الموظف في المجمع العلمي العراقي)
رقم الايداع في المكتبة الوطنية ببغداد ٨٢٠ لسنة ١٩٧٤
стр. 587
[المقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم هذا هو الجزء الثاني من كتاب (الروض النضر في ترجمة أدباء العصر) تأليف عصام الدين عثمان بن علي بن مراد العمري المتوفى سنة ١١٨٤ هـ.
وقد صدر الجزء الاول منه، وليست هذه التجزئة من عمل المؤلف وقد جزأناه ليسهل على القارئ تناوله.
وكنا قد استوفينا في مقدمة الجزء الاول التعريف بالمؤلف وبالكتاب ونسخه المخطوطة، وعرضنا منهجنا وخطتنا في التحقيق.
ونرجو أن نكون بنشرنا هذا الكتاب قد كشفنا عن جانب من تراثنا الأدبي، وعرفنا بفترة غير واضحة المعالم من تاريخنا الأدبي، عسى أن يجد الباحثون والدارسون بغيتهم فيه. فقد تهيأت لهم بنشر هذا الكتاب نصوص أدبية تمثل لغة ذلك العصر، وصوره الشعرية وأساليبه البيانية.
والله نسأل ان ينفع به وهو ولي التوفيق
الدكتور سليم النعيمي
стр. 588
عبد الله المدرس (١)
أحد الفحول، المعول عليه في الفروع والأصول. فهو إمام المتورعين، ومرجع المتشرعين، ورع الزمان، عمسان المعارف والاذعان. ذو الفنون الغريبة. والآثار المطربة العجيبة. الداخل
стр. 589
بيوت البلاغة من أبوابها، والواصل معالم الفصاحة من رحابها.
تسلق إلى طرق المعارف وسلكها، والتقط درر فرائد المعالي وسلكها وعرف طرق الكمال فدخلها وجاز، وساغت له حقيقة الفضل والمجاز.
إذا سار كف اللحظ عن كل منظر سواه وغض الطرف عن كل مسمع روى قصائد المعالي بأرجازها، واطلع أتم الاطلاع على اطالتها
стр. 590
وإيجازها. فهو منبع الحكم ومحط رحال الهمم. جمع بين العلم والعمل. واتصل مجده بهام الثريا والحمل. ذو هيبة ووقار، وكمال عليه المدار.
هذا الذي فضله المشهور كالعلم ... ومقتدى الكل في الافضال للأمم
بحر العلوم أمام الفضل قاطبة ... علامة الوقت ملجأ الوفد في الحكم
سلك في الفضل كل طريق، وساغ بمعارفه للأنام كما يسوغ الرحيق نظمه السحر الحلال، والماء الزلال، والهلال الكامل الذي لا يعتريه زوال.
فقد أثبت من نظمه الفريد، ومن عقده النضيد، ومن أدبه الذي ما عليه من مزيد، فمن نظمه نظم الأشكال، الذي هبت عليه نسائم الإقبال. وهو:
حمدا لرب عالم جليل ... علمنا طريقة التعليل
ثم صلاة وسلاما كملا ... على الذي فوق السموات علا
وآله وصحبه ذوي الهدى ... مؤيدي الحق ومهلكي الردى
وبعد فاعلم يا مريد العلم ... وباعثي لضم هذا النظم
وسائلي ضابطة الأشكال ... منظومة مزيلة الأشكال
جامعة الشروط والضروب ... وما به تولد المطلوب
فاجزم بان الأوسط المكررا ... في جزئي القياس يامن أزهرا
أن جاءت الصغرى وفيها يحمل ... والعكس في الكبرى فذاك الأول
стр. 591
وأن تجده فيهما محمولا ... فذلك الثاني بلغت السولا
وأن تجده فيهما موضوعا ... فقد وجدت الثالث المصنوعا
وإن وجدته بعكس الأول ... فذلك الرابع فاحفظ تكمل
والشرط في الأول للإنتاج ... أن توجب الصغرى للاحتجاج
كذاك فعليتها يامن درى ... فاحفظ ودع سوء الجدال والمرا
والشرط في الكبرى من الكمية ... في كل حال جعلها كلية
ومنتج الضروب منه أربعة ... وكلما طلبته تجد معه
والشرط في الثاني من الأشكال ... كلية الكبرى بكل حال
ثم اختلاف جزئي الدليل ... سلبا وإيجابا لذي التعليل
ومنتج الضروب عد الاولا ... فاحفظ له أعداده لا تغفلا
والشرط في إنتاج شكل الثالث ... أن توجب الصغرى لدى المباحث
وتجعل الصغرى أو الكبرى له ... إياك يا أديب أن تجهله
ومنتج الضروب منها أن ترد ... عدتها فستة فيها تجد
والشرط في الرابع فخر الفهما ... لينتج المطلوب عند القدما
أن لا يرى اجتماع خستين ... في جزئه أو في القضيتين
إلا إذا الصغرى تكون موجبة ... جزئية فالشرط كبرى سالبه
لكنها كلية تكون ... فاحفظ ينلك سره المكنون
ثم الضروب خصها القديم ... في خمسة يدركها الفهيم
وشرطه عند الأخيرين متى ... يستنتج المطلوب منها يا فتى
كلية الصغرى مع الإيحاب ... في جزئي الشكل بلا ارتياب
أو اختلاف جزئي القياس ... سلبا وإيجابا بلا التباس
مع كون شيء معهما كلية ... فافهم بلغت الرتبة العلية
ثم الضروب عند هؤلاء ... ثمانية (كذا) عدت بلا امتراء
وهذه ضابطة الأشكال ... والحمد لله على الكمال
стр. 592
فتح الله بن الصباغ (١)
أحد العلماء الأعلام، والفضلاء الذي أعيا عن درك كماله الأوهام. أصول شجرة البيان الغني عن التوصيف والبيان، الصابغ
стр. 593
بتصنيفاته صحايف الطروس، والآخذ بتحريراته مجامع القلوب والنفوس. اشتهر بالكمال في هذا القطر، وانهمل بالفضل انهمال الغيث والقطر. اشتهر حتى بلغ صيته الآفاق. وفاق حتى استرق بفيوض أدبه أدباء العراق. فاختطفته أيدي الروم من هذه الديار، ورصعت بكماله تيجان تلك الأقطار. فأورى في الأدب زنده، وأفنى بقية عمره في بلده درنده، فجعلته لحماها سورا، ولمناها منشطة وسرورا. فكان جناحها الذي به ارتياحها. فهو الفريد في ذلك الباب، الذي منه إلى المعالي ينساب.
متوج بالمعالي فوق هامته ... كأنه بشر في صورة القمر
فله في الكمال حقوق، لم تقبل العقوق، ولا تحتاج إلى البيان، لأنه شمس البلاغة وبدر الزمان.
له نظم لكني لم اقف عليه ولم اجن ثماره ويغنيك عنه مصنفاته وآثاره، عليه الرحمة والغفران ما تعاقب الملوان.
стр. 594
أحد مشايخنا الشيخ إسماعيل (١)
رافع راية العلوم، ومعمر دارس أطلال معالم الكمالات وتلك الرسوم. فخر الإسلام، المعول عليه في كل المهام. بدر هذا القطر، ونمو كل زهر. طويل الباع، الكثير الاتباع، فقيه الزمان واحد البيان، الذي تقلدت الأيام مناقبه، وسارت في الفضائل ركائبه.
سيد مفرد بكل الخصال ... واحد الفضل والعلى والكمال
لاح بدرا، فأوسع صدرا، وفاح ندا وعطرا. منحته الإفادة منابا، وأرشفته السعادة رضابا.
قضى أوقاته مع الوالد، فكان له المنجد المساعد، والزند الذي لا يكون بدونه ساعد. اتخذه لنا مؤدبا، ولحلي معارفنا صائغا مذهبا. فكلنا قرأنا عليه، وجثونا بين يديه. فهو الهمام اللبيب.
الذي لم يكن له في الدنيا نصيب. مات كما ولد، ولم يعرف اللذة كيف ترد. فقضى نحبه، ولقي بالخير ربه. رحمه الله تعالى آمين.
стр. 595
عبد الباقي (١)
صاحب الكمال الواقي:
أحد التجار، المتخذ تعاطي الكمال من أعظم الفخار. فكم له في سوق الأدب من بضاعة، وكم له في صياغة المعارف من بديع صناعة. فهو دواء الصادي، ومورد البادي والغادي، وهو الثابت الأصول، والمرهف الفصول. ظلال الهواجر، وسحب الغريب والنوادر، فكم من بضاعة أجملها، وأقمشة أنفقها وحصلها.
زوق دكاكين المعارف بآدابه، وزين مخازن البلاغة بإسهابه وإطنابه.
فصندوق بضاعته كمال، وبيت تجارته قيل وقال، أديب لا تحطه الدنيا عن وقاره، ولا تنقصه عن كماله ومقداره، حتى اصبح في الفضائل وأمسى، وطلع بدرا وأشرق شمسا. فكم شرع في الأدب من سنان، وشمر في كسبه عن ساعد وبنان، فلبس منه درعا،
стр. 596
وحسر في اقتطافه ذرعا، وكم مغنى أغمر، وكم غصنا أثمر، ومعالم عمر، ومجالس أزهر. عارك القلم شطرا فشطرا. وقلبه بطنا وظهرا. فله علي حق جسيم، أسكنه الله جنة النعيم.
***
стр. 597
الفقيه منلا أحمد (١)
ناصب رايات الفضائل، وسحاب بلدنا الممطر الهاطل.
نحريرها المعروف، وفقيهها الموصوف. زهرة الأيام، وحلال مشكلات الأنام. حرز الفضائل والآداب، الوالج إلى الفضل من كل باب. فهو المثل السائر، والناجد المنجد الغائر. صاحب السحر الحلال، والتقرير السائغ العذب الزلال. والسحاب الماطر البليل، والنسيم العاطر العليل. قد قصد الفضائل واحتشد، وأحرز الكمال والرشد.
فضل به فضل الأنام وهمة ركب الفلا منها بغير رديف فهو الذي يشار اليه، وبالكمالات يعول عليه.
***
стр. 598
حيدر بن قره بيك (١)
أحد المشايخ والصلحاء:
سراج المساجد، الذي هو في الكمال كالماء القراح البارد، العالم الكبير، الذي ماله في الفتوى نظير. وهو لسان الحق، والسبب الرائع المطلق. ماء القدس، وحقيقة الأنس. سباق الغايات ومبادئ النهايات. مرآة الوجود، ومرائي الحق والشهود. عين الحقائق المطلق عن العوائق. الزاهد النبيل، والعابد الذي ليس له مثيل، مع علم وفضائل، تزين هام الأقران والأماثل. صبح بلدنا ونهارها، وألمعي ديارنا ومغوارها، الذي تباهت به التقوى، وباهت به الصلاح والبلوى. فهو عمود الدين، وركنه القوي المتين. وهو بركة هذه الديار، الذي عليه المعول والمدار.
أفنى عمره بالوحدة ولم يألف إلى أحد، وانقطع عن الناس
стр. 599
سوى الكمال والرشد:
كن بذئب صائدا مستأنسا ... وإذا أبصرت إنسانا ففر
عاش فريدا، ومات سعيدا. فلا زالت شآبيب الرحمة تحفه وبرود الرضوان تلفه، وسحائب الألطاف تزفه.
***
стр. 600
الشيخ عثمان الخطيب (١)
شيخ الطريقة، العارف بالمجاز والحقيقة، عثمان الخطيب، ذو الصدر الرحيب. ميدان رهان الاذهان، العابث بأنواع المعاني والبيان. ديمة الفضل والحكم، لسان السيف والقلم.