وحسر في اقتطافه ذرعا، وكم مغنى أغمر، وكم غصنا أثمر، ومعالم عمر، ومجالس أزهر. عارك القلم شطرا فشطرا. وقلبه بطنا وظهرا. فله علي حق جسيم، أسكنه الله جنة النعيم.
***
стр. 597
الفقيه منلا أحمد (١)
ناصب رايات الفضائل، وسحاب بلدنا الممطر الهاطل.
نحريرها المعروف، وفقيهها الموصوف. زهرة الأيام، وحلال مشكلات الأنام. حرز الفضائل والآداب، الوالج إلى الفضل من كل باب. فهو المثل السائر، والناجد المنجد الغائر. صاحب السحر الحلال، والتقرير السائغ العذب الزلال. والسحاب الماطر البليل، والنسيم العاطر العليل. قد قصد الفضائل واحتشد، وأحرز الكمال والرشد.
فضل به فضل الأنام وهمة ركب الفلا منها بغير رديف فهو الذي يشار اليه، وبالكمالات يعول عليه.
***
стр. 598
حيدر بن قره بيك (١)
أحد المشايخ والصلحاء:
سراج المساجد، الذي هو في الكمال كالماء القراح البارد، العالم الكبير، الذي ماله في الفتوى نظير. وهو لسان الحق، والسبب الرائع المطلق. ماء القدس، وحقيقة الأنس. سباق الغايات ومبادئ النهايات. مرآة الوجود، ومرائي الحق والشهود. عين الحقائق المطلق عن العوائق. الزاهد النبيل، والعابد الذي ليس له مثيل، مع علم وفضائل، تزين هام الأقران والأماثل. صبح بلدنا ونهارها، وألمعي ديارنا ومغوارها، الذي تباهت به التقوى، وباهت به الصلاح والبلوى. فهو عمود الدين، وركنه القوي المتين. وهو بركة هذه الديار، الذي عليه المعول والمدار.
أفنى عمره بالوحدة ولم يألف إلى أحد، وانقطع عن الناس
стр. 599
سوى الكمال والرشد:
كن بذئب صائدا مستأنسا ... وإذا أبصرت إنسانا ففر
عاش فريدا، ومات سعيدا. فلا زالت شآبيب الرحمة تحفه وبرود الرضوان تلفه، وسحائب الألطاف تزفه.
***
стр. 600
الشيخ عثمان الخطيب (١)
شيخ الطريقة، العارف بالمجاز والحقيقة، عثمان الخطيب، ذو الصدر الرحيب. ميدان رهان الاذهان، العابث بأنواع المعاني والبيان. ديمة الفضل والحكم، لسان السيف والقلم.
стр. 601
نتيجة الاعصار، وشهاب جميع الأمصار. وسراج الزوايا، ونفائس الخبايا. له الزند القادح، والنسيم الطيب البارح، صاحب الأنفاس القدسية، والملكات الإنسية. فاتح أبواب اللاهوت، معمر آثار ربع الناسوت. جمع الجمع، ونفس البصر والسمع.
فكم ربع به تعمر، وغصن به أورق وأثمر. فأصله ثابت، وفرعه في المكارم نابت. فمعاليه المرفوعة، لا مقطوعة ولا ممنوعة. صاحب الآثار التي ملأت الأقطار. فكم من منبر، بفصاحته أزهر.
وكم من نادي، به حاز الأيادي. فنظمه الزاهر، زينة المحافل والمنابر.
بهرت عيون الناظرين وأبرزت ... حسنا يكاد البرق منه يخطف
فأيامه مواسم، وثغوره بواسم. وقد اثبت من منظوماته الحسنة، ما هو في هذا المجموع حسنة. سقى الله ثراه، وشرف بالغفران ذراه فإنه النيل، الذي لم يتحمل قال وقيل.
стр. 602
فمن نظمه قوله يمدح حضرة نبي الله زكريا على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام.
سر بنا صاح راشدا مهديا ... وتهيا وناد بالركب هيا
ثق بوعد الإله فهو كريم ... أنه كان وعده مأتيا
واستعن بالقوي في كل أمر ... أنه كان بالضعيف حفيا
وتقدس عن السوى وتطهر ... واذكر الله بكرة وعشيا
خفف السير يا خليلي وانزل ... في مقام الخليل وامكث مليا
وتيمم مقدس الترب واشرب ... من زلال الفرات عذبا رويا
وإذا ما حللت في حلب الشهبا ... ء فاقصد هناك بدرا بهيا
قف وسلم وحيه فهو حي ... واذا حل ضيفه الحي حيا
قبل الأرض عنده واتل جهرا ... ذكر مولاك عبده زكريا
وترج الندى فأنت لدى من ... لم يكن بالدعاء قط شقيا
خاف من بعده ضلال الموالي ... فدعا ربه دعاء خفيا (١)
وهن العظم وامتلأ الرأس شيبا ... يا إلهي فمنك هب لي وليا
يرث العلم والنبوة مني ... ولدى ربه يكون رضيا
فاستجاب الدعا وبشره من ... لم يزل محسنا جوادا غنيا
بغلام كبدر تم ولم يج ... عل بديع السما ليحيى سميا
قال من أين لي يكون غلام ... ومن السن قد بلغت عتيا
قال ذو الكبريا كذلك لكن ... قال مولاك هين ذا عليا
أنني قادر على كل شيء ... لم أجد قبله بخلقك عيا
وله الحمد حيث جاء بمن قد ... أوتي الحكم والرشاد صبيا (٢)
стр. 603
حبذا الفرد في المحاسن يحيى ... حبذا الوالد الكريم المحيا
يا حماة الحمى غريب وقد فا ... رق أحبابه فعاد شجيا (١)
وكثيب فقابلوه ببشر ... وبمعروف اجعلوه سريا
واحفظوا سادتي نزيل كرام ... والحظوا يا أحبتي الموصليا
وصلاة الإله تغشى دواما ... سيد الرسل أحمد العربيا
وعلى السادة النبيين طرا ... سيما البدر سيدي زكريا
وقال يمدح يتيمة الأنبياء، حامي بلدتنا الحدباء، يونس بن متى على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأكمل السلام.
أقم ببلدتنا الحدباء واستقم ... فإنها موصل الآلاء والنعم
أكرم بها موطنا للقاطنين بها ... جزيل حظ من الإحسان والكرم
يا حسن بهجتها، يا طيب نفحتها ... فاحلل بساحتها، لا تخش من ندم
فيا لها بلدا، ما أمحلت أبدا ... وقد حوت أسدا، في العزم والهمم
فازت بطلعته، طابت بحضرته ... فانهض لزورته، يا صاح واغتنم
روحي فداه بدا كالنون حاجبه ... سماه ذا النون مولاه من القدم
ناداه في ظلمات البحر مبتهلا ... وسبح الله في أحشاء ملتقم
стр. 604
ضجت ملائكة الرحمن حين دعا ... وقال ما ينفع المكروب من كلم
يا ربنا نسمع الصوت الضعيف ولا ... ندري مكان نداء المفرد العلم
فقال ذا صوت عبدي يونس ولقد ... حبسته وسأنجيه من الظلم
اكرم به وبجرجيس النبي هما ... نعم الملاذ لمن يخشى من النقم
ليثان ان قمعا، غيثان أن همعا ... بدران قد طلعا، في الأعصر الدهم
قد أشرقت بهما الحدباء وافتخرت ... بالسيدين على العالي من الاطم
ذا النون يا سيدي، جرجيس يا سندي ... جودا خذا بيدي، أني لذو سدم
رفقا بحالي فقد أصبحت في قلق ... عطفا علي فقد أمسيت في سقم
تلطفا واذكراني عند ربكما ... بحقه واسألاه العفو عن جرم
فهو الكريم تعالى الله خالقنا ... وليس يشبه شيئا بارئ النسم
سحائب الفضل قد عمت خليقته ... وأمطرتنا نوالا غير متفصم
стр. 605
تقدس الله لا نحصي عليه ثنا ... لا باللسان ولا بالقلب والقلم
واستعطفا لي أبا الزهراء أحمدنا ... خير الورى ذخرهم في يوم حشرهم
عساه يرحم اجفاني وينقذني ... مما جفاني من الأوصاب والألم
فهو الشفوق علينا والرءوف بنا ... وهو العطوف على ذي الفقر والعدم
ما رد سائله، بل مد نائله ... أعلى شمائله المولى فلم ترم
تبارك الله ما أبهاه من قمر ... ما مثله في جميع العرب والعجم
أنواره سطعت، كالشمس قد طلعت ... آياته أسمعت من كان ذا صمم
بطيبه طيبة الفيحاء قد عبقت ... عبيرها أنفقت في الحل والحرم
روحي فدى بقعة ضمته قد شهدت ... لقدرها اعظم المختار بالعظم
ترى ترى العين قبل الموت روضته ... طوبى لقوم رأوها قبل موتهم
مالي سوى الله مولى استغيث به ... من استغاث برب العرش لم يضم
стр. 606
واستجير بخير الخلق اجمعهم ... وبالنبيين أهل العزم كلهم
أحبه الله جودوا واسمحوا كرما ... بنفحة لضعيف خائف كظم
ويا بدور الدجى رقوا لمكتئب ... يبيت من شدة الأحزان في غمم
الدمع مندفق من فوق وجنته ... والقلب محترق ما زال في ضرم
فقير نفحتكم عثمان يخطبكم ... لكل هول من الأهوال مقتحم
ثم الصلاة على المختار سيدنا ... محمد طيب الأخلاق والشيم
كذا على الانبيا والرسل قاطبة ... والآل والصحب طرا مع محبهم
وقال ﵀ مخمسا لهذين البيتين
أعد ذكر سلمى والحواسد غيب ... إذا ما سناها لاح وانزاح غيهب
واعرض إذا لح اللواحي واطنبوا وعرض ... بذكري حين تسمع زينب
وقل ليس يخلو ساعة منك باله ... عسى ظبية الوعاء تمنن بجمعها
وتكشف أستار الوصال برفعها ... خليلي لها اذكر طول هجري بمنعها
عساها إذا ما مر ذكري بسمعها ... تقول فلان عبدنا كيف حاله
стр. 607
وله أيضا:
أن قلبي من الهوى يا خليلي ... لكظيم وأنت خير طبيب
وخطيب الوصال فيك كئيب ... فتعطف على الخطيب الكئيب
تذكرت بهذين البيتين قول ابن حجة (١)، من مخلص قصيدة
مزق القلب قلت هبه لفقري ... فأنا اليوم قانع بالخليع
قال لي قلت ان دمعك صب ... لمصون الأسرار غير مذيع
لم تجرا على رفيع جنابي ... قلت سلسله بالجناب الرفيع
قال لي يا خطيب حسني فرع ... لأصول في وصفي المسموع (٢)
قلت أعجزتني ولكن في العص ... ر خطيبا غدا إمام الفروع
ولبعضهم في مليح خطيب
فديت خطيبا إذا ما علا ... ولاح على ذروة المنبر
تظن محياه بدر الدجى ... بدا في سماء من العنبر (٣)
وفيه أيضا:
رأيت خطيبا قد علا فوق منبر ... وصار جميع الناس تحت لوائه
كبدر بدا بين السحائب في الدجى ... بإشراق نور في علو سمائه (٤)
وفيه لابن الوردي (٥)
خطيب حسنه حسن بديع ... وفي الدرجات حق له الترقي
فان لبس السواد فبدر تم ... وإن لبس البياض فشمس افق
стр. 608
وفيه أيضا لابن عربي (١)
هذا الخطيب الذي تمت محاسنه ... يبدو كصبح بجنح الليل ممتزج
أن كان منبره عشرا فلا عجب ... يرى الهلال على عشر من الدرج
ولصاحب الترجمة:
حين أشكو إليك حرقة قلبي ... لا تلمني على طويل الحديث
يا حبيبي وأنت خير خبير ... ما قديم الغرام مثل حديث
وله أيضا:
الله يعلم أنني ... بك مغرم يا فاتني
لو كنت تعرف حالتي ... ما كان وصلك فاتني
وله أيضا:
أخفيت حبك في الحشا ... حتى فشا في ظاهري
ما آن أن تدع الجفا ... أو ما كفى يا هاجري
وله أيضا:
شكوت الى الأطباء ضعف قلبي ... فقالوا يا فتى ماذا أصابك
فقلت العين من ظبي كحيل ... فقالوا العين حقا قم تدارك
стр. 609
فقلت فما الدواء فلم يروا لي ... شرابا نافعا إلا رضابك
ولقد أحسن ابن النقيب (١) بقوله:
وما بي سوى عين نظرت لحسنها ... وذاك لجهلي بالعيون وغرتي
وقالوا به في الحب عين ونظرة ... نعم صدقوا عين الحبيب ونظرتي
وفيه لابن عربي (٢):
ولما رآني العاذلون متيما ... كئيبا بمن أهوى وعقلي ذاهب
رثوا لي وقالوا كنت بالأمس عاقلا ... أصابتك عين قلت عين وحاجب
وفيه لأبي المحاسن الشواء (٣):
ولما اتاني العاذلون عدمتهم ... وما منهم إلا للحمي قارض
стр. 610
وقد بهتوا لما رأوني شاخصا ... فقالوا به عين فقلت وعارض
ومن اللطائف قول بعضهم:
يا طبيبي أعد جس نبضي ... في هوى من هواه أصبح قوتي
وتبين محاسن الوجه منه ... ثم صف لي مفرح الياقوت
ويعجبني قول ابن مطروح (١)
لنا طبيب ماهر عارف ... له من الحكمة آيات
لو عالج الموتى لأحياهم ... أو دبر الأحياء ما ماتوا
وقال آخر فيه:
متطبب كالغصن في حركاته ... صيرت روحي في هواه سبيلا
عجبا له يبري السقيم بلحظه ... وبطرفه يدع الصحيح عليلا
وتلطف ابن نباتة (٢) بقوله في النسيم:
يداوي أسى العشاق من نحو أرضكم ... نسيم صبا أضحى عليه قبول
بروحي من ذاك النسيم إذا سرى ... طبيب يداوي الناس وهو عليل
ولطيف قول الصفدي (٣) في النسيم أيضا:
أقول وحر الرمل قد زاد وقده ... ومالي إلى شم النسيم سبيل
أظن نسيم الجو قد مات وانقضى ... وعهدي به في الشام وهو عليل
***
стр. 611
الشيخ خليل (١)
ومن العلماء الأعلام الشيخ خليل، هذا النبيل، زاهد الوقت الذي ماله مثيل. انزوى في زاوية الخمول. وتفرد في فروع الحقيقة والأصول ذكره المستطاب، بركة هذا الكتاب. له في الرياضة أنواع، لم تقبل الاتباع، فهو في رياضته الفريد، وفي مجاهداته النادر الوحيد. فأيامه بأسرها طاعة، وأوقاته بمجموعها بضاعة. وهو العلم الفرد، والزاهد الصرف الذي لا يحد.
***
стр. 612
الشيخ أحمد ابن الكولة (١)
ومن الفقهاء والمشايخ أحمد الشهير بابن الكولة
رئيس الزهاد، وواحد العباد، غصن شجرة الصلاح، وثمرة أغصان الفلاح، مظهر الأسماء الإلهية، ومجمع الأسرار الربانية، ومطمح الفتوحات المكية، صاحب الخيول السوابق في المعارف، والسهام الخوارق في العوارف. والنبال السواحق في اللطائف.
جامع الأمور اللدنية، ومجمع النفوس الزاكية المهيمنية، سر أسرار اللاهوت، وحقيقة حقائق الناسوت، جمع الجمع في هذه
стр. 613
الطريقة، بل هو الفرق بعد الجمع على الحقيقة. نادرة أهل الفضل والرئاسة، ودرة تيجان العذوبة والنفاسة، إشارة شفاء المحامد والحكم، والنور المحض المشرق في حالك الظلم. مقتدى الأئمة الصوفية، ملجأ الزمرة الفضلاء الألمعية.
محض فضل وفضله ليس يخفى ... وهو شمس فليس يغشاه كسف
قضى أوقاته في العزلة والانقطاع، وهو إلى الآن على هذه الطريقة التي لا تستطاع. اجتمع به أحيانا، والتقط من فوائده فرائد وجمانا.
نفعنا الله ببركاته، ومتعنا بطول بقائه وحياته.
شرح قصيدة البردة للبوصيري (١)، وفاق بفصاحته على ابن أوس (٢) والحريري (٣) وأكثر فيها من الاستطرادات من كلام القوم، حتى خلت عن التعقيد وجلت عن اللوم. فهو ملاذ أرباب الأدب والكمال، الذي لا يعتريه أدنى نقيصة واختلال لا زال بدرا، ولا برح غيثا وقطرا.
стр. 614
سليم الواعظ (١)
الفاضل سليم الواعظ، الذي فاق بأدبه المعري والجاحظ.
ذو الطبع السليم، والفضل الجسيم. والمعارف الرائعة، والظرائف اليانعة. والمحاسن الجليلة، والكمالات الجزيلة. حامل لواء العلوم حافظ بدائع المنثور والمنظوم. أثبت وقيد، وروى وأسند، وصنف وجلد. وباهى الشهب والنجوم، وزين تيجان المعارف والعلوم.
فأظهر بفضله العجائب، وسطر بكماله البديع من الغرائب.
فقد أوجز وأطنب، وأجمل وأسهب، وأبدع وأغرب، وفصص وذهب. ونظم فأجاد، وملأ بمعارفه التلول والوهاد.
يضاهي مجده هام الثريا ... ويحكي فضله لبنات نعش
له نظم قريض يحاكي الضرب في مذاقه، وبديع تشبيب يستهزى باللآلي عند اتساقه. لو تنبه ابن النبيه (٢) لنظامه،
стр. 615
واستملح الأعشى (١) ملح كلامه لزينا الجيد بنظمه السديد، وعلمنا أنه لذلك جدير، وأن الله على كل شيء وقدير، وقد أثبت ما هو كالنبات، في ثغور الجآذر والبنات. فمن أطلال رسومه، والسكر المكرر من منظومه قوله في مدح ياسين المفتي (٢).
برق تألق في الحدباء أم قمر ... استوعب الوقت فالحدباء قنديل
وهل أجاد عليها الغيث غادية ... فليس للخير عنها اليوم تحويل
أم وبل إحسان كهفي منيتي سندي ... من للأنام عليه اليوم تعويل
نعم فإن ندى ياسين حل بها ... وأينعت فزلال الماء معسول
وأشرق الكون من ريا محاسنه ... كأنه من رياض النور مجبول
منه استمد أولو الألباب قاطبة ... فأفضل هو والباقون مفضول
فلا ترى كف جود غير راحته ... «كأنها منهل بالراح معلول»
هذا الشطر من قصيدة كعب بن زهير ابن أبي سلمى (٣).
стр. 616
وما ألطف ما ضمنه العارف بالله سيدي أبو الفضل ابن أبي الوفاء بقوله:
ما خادم وسمه في در مبسمه ... «ألا أغن غضيض الطرف مكحول»
وريقه مع ثناياه التي انتظمت ... «كأنه منهل بالراح معلول»
وقد عارض القصيدة المذكورة ابن حجة الحموي، ولنورد منها ما يليق. ومطلعها:
في قتلتي للعيون الشهل تشهيل ... وما لموتي عند الخد تقبيل
فيا له اليوم خد نحره عسر ... وعنده لهلاك الصب تفحيل
وسل قلبي بسيف اللحظ قلت له ... كلاهما وأبيك اليوم مسلول
والجفن نفذ حكم السهم حين رمى ... وللعذار بهذا الحكم تسجيل
وقده فاعل والرفع تم له ... بنصب قلبي لأن القلب مفعول
ضممت صعدته مع رشف ريقته ... حلا جناسي عسال ومعسول
وقال لي القد لما أن جرحت به ... أبشر فعندي لهذا الجرح تعديل
فقلت للشعر اشرح لي عدالته ... فقال عندي لهذا الشرح تطويل
أسكنته بيت قلبي عند ما طلبوا ... غيابه ثم قلت البيت مشغول
стр. 617
وقومه أهل بدر ما اختشوا عجبا ... منذ حجبوه وستر البيت مسبول
على فؤادي وصار الدمع وردهم ... كلاهما صار بالتكرار معلول
ومنها:
قالوا فلم قد قبلت القلب قلت لهم ... بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
قالوا اقتنع بخيال الطيف قلت لهم ... ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول
ومن مديحها:
لم يبق لي من مديح الناس من أرب ... وليس عندي لذات الخال تخويل
ولم اقل ما سبى عقلي وتيمني ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
والله والله هذا كله عرض ... والجوهر الفرد فيه المدح مقبول
من ذا الذي يرتضي نيل الورى وله ... من الرسول باذن الله تنويل
وورد مدحي أحلى في المناهل من ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
في نون قد عظم الرحمن مدحته ... وغاية الشعرا في المدح تطفيل
стр. 618
فما نقول وفي نص الكتاب له ... مدح ووصف وإجمال وتفصيل
وقد أقام حدود الله فهو لنا ... مهند من سيوف الله مسلول
ومن القصيدة المترجمة:
من لاذ فيه سما عزا ومرتبة ... ومن يجود بقيد الجهل مغلول
لله لطف وتأييد لديه له ... وما يشاء اله العرش مفعول
بالعز والجود والإقبال قد عقدت ... له العقود وعقد الحل محلول
وقد محا ظلمة الطغيان فهو لنا ... عز ورشد وإكرام وتبجيل
سعد وفضل وأنعام ومرتبة ... تحفه فهو في الدارين مقبول
فلذ به وتمسك ثم ناد وقل ... ياسين أنت لأهل الفضل إكليل
أغمرت أشملت أهل الدهر أجمعهم ... فالناس صنفان مغمور ومشمول
رفعت من قدم بالعلم زدت تقى ... فأنت مبتدأ والناس محمول
يهنيك بالعيد والخير الذي سمحت ... به يداك وذيل الجود مسبول
لا سيما النجل أبقاه الإله على ... طول الزمان وشمل الوصل موصول
في اليمن أحمد والتاريخ دام به ... محفوف باللطف طول الدهر مشمول
أعطيت أضعاف ما أعطيت من رتب ... على الدوام وهذا الفصل مسئول
***
стр. 619
محمد العبدلي (١)
شيخنا صاحب الفضل الجلي، محمد العبدلي.
علامة الأدباء، وواحد الأطباء، ساحر البيان، وناثر عقود الجمان.
هو الكامل الفرد الذي في ظلاله ... تكف صروف المشكلات وتصرف
стр. 620
الفريد المغوار، الوحيد المقدار، والسحاب المتقاطر الزخار.
شرف عنوان الأدب، إحسان مملكة العرب، دهمة الزمان، الراجح في ميزان الامتحان. قلائد الأعناق، محاسن الأحداق، هلال الأدب في جميع الآفاق، الشامخ العلم، والراسخ القدم. صاحب الإعجاز، والإطناب والإيجاز.
دعا دعوة فوق الصفا فأجابه ... قطوف من الفج العميق وراسم (١)
فهو المجد الأسنى، وحسنة الدهر الحسنى، ذو الفطنة والنباهة، والمعجز البليغ في البداهة. جامع الفضائل، غرة وجوه الأماثل ابن سينا زمانه، وداود عصره وأوانه. لو أبصره صاحب إشارات الشفا لأقسم بالنبي الهاشمي المصطفى، أنه العقد الانضد، والفريد الأوحد، وبدر سماء السها والفرقد. الذي لم ينتج الدهر بمثله من أديب، وأنه الآخذ من المعالي بكل نصيب. له بكل مقام مقال، وبكل جيد عقود ولآل.
ولو أني أنثر ما يستحق ... نثرت عليه عقود الفلك
له رسائل بكل فن، فاق فيها أبناء العصر والزمن. رحمه الله تعالى، كم من يد له علينا، وكم مزنة من سحاب فضله هطلت علينا. كان يحبني الحب الشديد، ويوادني بما لا عليه مزيد وكنت كثير الأمراض، ولم أخل من تداخل الأعراض. وكان يلازمني أتم الملازمة، ويعالجني بالمفاكهة والمنادمة. فيبرئ أمراضي بأنفاسه العيسوية، ويقذفني من بحر الأمراض بآياته الموسوية.
جزاه الله عنا وكافاه، وغمره بسيول رحمته ووافاه.
стр. 621
وكان آية الشعر، ومعجزة ببداهة النظم والنثر. بديهة آخر البلاغة، وكلامه أجمل أنواع الأدب مع أكمل صياغة. وقد اثبت من شعره، ما يدلك على علو قدره.
فمن نظمه ما أهداه للوالد طاب ثراهما لما عاد إليه الإفتاء.
وهي قصيدة طنانة:
حمدا لمولى بعين اللطف قد نظرا ... إلى العباد أزال الضر والضررا
فأصبح الكون طلق البشر منشرحا ... صدرا وبالبشر والإقبال قد سفرا
وبالمنى والأماني الزمان أتى ... والدهر مما جناه جاء معتذرا
عناية نزلت في الأرض فاعتدلت ... أوقاتها فخلت من مفسد غدرا
أطيارها صدحت، غدرانها طفحت ... رياحها نفحت، تهدي شذا عطرا
فالناس ثمة في أمن وفي فرح ... والغم والهم كل منهما نفرا (١)
بشرى لمن حل بالحدباء قد برزت ... قرائن الخصب بعد الجدب إذ غبرا (٢)
غلا فأرخص أرواح الأنام وقد ... تسعرت بضرام في الحشى سعرا
لا بر منه يرجي البر محتسبا ... ببره لا ولا ما قل أو نزرا
стр. 622
يشكو الغني به فقرا فكيف بمن ... أمسى معيلا عليل الجسم منذعرا
فما لنا غير رب العرش خالقنا ... نشكو له لا لمن قد باه أو بطرا
إليه بالمصطفى الهادي توسلنا ... ما خاب راج به يدعو ولا عسرا
نرجو برحمته، إتمام نعمته ... والستر خلاقكم بالحلم قد سترا
وقد حمى كرما، عرض العباد بمن ... يقفو بفصل خطاب جده عمرا (١)
وصار بين الورى في الكون لفظة إج ... ماع عليها وفاق العصر قد قصرا
اثيل مجد تليد عن أبيه وعن ... أجداده فهو ارث ليس مبتكرا
روح الوجود وملجأ للوفود ومن ... أضحى غياثا لمجهود ومتبرا
بالحلم والعلم ساد الناس قاطبة ... ولم يقاربه منم من علا سيرا
يروى أحاديث جود عن يديه عطا ... أخبار صدق بلا شك لمن أثرا (٢)
стр. 623
من جعفر بالندى من ابن زائدة ... ومن زهير ومن قس اذا جهرا (١)
ما ابن ماء السما ما حاتم كرما ... إلا كقطرة ماء منه قد قطرا (٢)
تجمعت فيه أوصاف مغرقة ... في الخلق يدرك ذا من كان مختبرا
اذ يجمع الله كل الناس في رجل ... وليس ذلك بدعا عند من سبرا
علم وحلم وجود عفة وتقى ... طلاقة بوقار هيبة وفرا
شهامة كرم بأس على شمم ... فضل وفا همم من وصفه وقرا
إلى محاسن تغني الدهر ذاك وفي ... خوض الدماء عرفنا المحو والغيرا
قامي العدا لوسطا طامي الندى بعطا ... غوث وغيث به استنزالنا الدررا
ألفاظه نجمت، لو جسمت لنمت ... فاقت أن انتظمت في عقدها الدررا
وفي هذا المعنى لابن النبيه (٣) قوله من قصيدة:
معسول أطراف الحديث كأنما ... يسقى المسامع مسكرا أو سكرا
اني لأقسم لو تجسد لفظه ... أنفت نحور الغانيات الجوهرا
وعلى هذا بنى المحبي صاحب النفحة قوله في ختام قصيدة (٤)
стр. 624
فإليكها زهراء ذات بلاغة ... لو رامها قس لأصبح أبكما
من كل بيت لو تجسد لفظه ... لرأيته وشيا عليك منمنما
أن العلا بدأت بذكرك مثلما ... آلت بغيرك في الورى لن تختما
ومنه قول النيسابوري (١) أيضا
ومن كلمات جامعات بحسنها ... بلاغة حمد في بيان سعيد
ومن فقر لو أمكن الحور لبسها ... غنين بها عن وشي كل برود
رجع:
آراءه كم جلت، ما قد دجت وسجت ... من مدلهمات ظلم ألقت الشررا
أقلامه مغنم للمعتفين غنى ... وهي الرماح على من جار أو قهرا
البيت الاول فيه قول الارجاني (٢):
وكالصبح مبيضا له الصبح ينقضي ... إذا ما أظل الخطب كالليل واسودا
بمسترشد بالله مستخلف له ... مليك يريك الله طاعته رشدا
والبيت الثاني فيه قول التهامي (٣)
وتشكره أقلامه ساعة الرضى ... وتشكره أرماحه حين يغضب
له قلم فيه المنية والمنى ... ومنه الرزايا والعطايا تشعب
стр. 625
وقريب منه ايضا قوله:
يرضي الكتيبة والكتابة والندى ... بفعاله ومقاله وسخائه
يجلو الخطابة والخطوب بكفه ... قلم يرجى الرزق من أرجائه
كذب المبخل للزمان وأنت من ... جدوى أنامله ومن إهدائه
زان البلاد وأهلها بك فاستوى ... الأموات والأحياء في آلائه
وللقاضي الأرجاني (١)
ذو قلم اعجب به جاريا ... من مثبت آية ملك وماح
تديره يمنى يدي ماجد ... له بزند المكرمات اقتداح
تتمة قصيدة المترجم:
إذا تصدى لتقرير الفنون وتح ... رير المتون فلا يبقي ولن يذرا
بمنطق وبراعات مطالعها ... شمسية قطب دين ثابت جدرا (٢)
فتاح أبواب تلخيص الفصاحة لا ... يحتاج فيها إلى المفتاح لو حضرا (٣)
حبر بدايته فضل نهاية من ... سواه، فرد علا أقرانه نيرا
صدر الشريعة مختار لقمع ردى ... وقاية سند حصن منيف ذرا
خزانة لبني الآمال كنزهم ... ذخيرة الخلق كم قلب به جبرا
стр. 626
كافي لطلابه شافي الغليل وفي ... بسوط راحته الراحات للشعرا
محيط مجمع بحرين العلوم وأس ... رار المنار الذي قد أوضح الغررا
حاز الدراية من بالحد تابعه ... ونال منيته أو فاز وانتصرا
من حلمه أطمع الجاني لكثرة ما ... يهنو فيعفو بصفح منه مؤتجرا
قد قلت في مدحه صدقا وبعضهم ... بالكذب ينطق لما يمدح الكبرا
من أين للغير وجه لم يزل طلقا ... أن يبتسم فاعتمد من برقه المطرا
وأن شكونا ليمنى راحتيه أذى ... بؤسا أزاح بعون الله ما حذرا
هذا وأني وأن فارقت مجلسه ... جسما لما بي من ضر سرى وبرى
فإن قلبي لديه دائما أبدا ... وحق من انزل الآيات والسورا
وكيف أرضى ببعدي عن حماه وقد ... أفنيت عمري فيه لابسا حبرا
أو أن أقصر في حجي وفي نسكي ... وإن يكن عنده التقصير مغتفرا
لولاه حظي عن الأقران أخرني ... حتى دعاني بين الناس محتقرا
ولم يكن لي من التنكير معرفة ... نعم ولولاه صدري لم يزل حصرا
ان خانني الدهر يوما جاد لي بوفا ... وبالصفاء يوافقني إذا كدرا
كم قد دهيت بخطب واستجرت به ... فلم أر بعدها بؤسا ولا ضررا
وكم تقطعت الأسباب واتصلت ... بفضله وارد من فيضه غدرا
стр. 627
ما دمت حيا فمجهودي الدعاء له ... وشكره دائما او ان سكنت ثرى
فالله يجزيه عني كل صالحة ... فقد حباني ورباني وثيق عرا
يا سيدي منصب الفتوى وظيفته ... جاءتك خاطبة تبغي لها وزرا
اذ لم تر في الورى كفئا سواك لها ... ولم يجد غيركم أهلا ومعتصرا
وقد أصابت ولم تخطئ فراستها ... وذاك شيء مريح ليس فيه مرا
فجد عليها وانعم بالقبول وان ... زهدت فيها وخذها بالغا وطرا
وقل لمن يعتني هذي بضاعتنا ... ردت إلينا فأرخنا هدى ظهرا
سنة ١١٢٥
واحمد إلهك واشكره على منن ... أوليتها نعمة منه فطب عمرا
وعشي ودم بالهنا دهرا فإن لنا ... يمن بيمنك منه الخير قد كثرا
واغنم وجد وارق واسلم واستعن واعن ... لا زلت للاغنيا عونا وللفقرا
وأن همو أرخوها: فيه خير يرى ... أرخت: فتوى علي قدرها بهرا
سنة ١١٢٠
ومن محاسنه ما كتبه للوالد أيضا، روح الله روحيهما في رياض الجنان
تحية عنبرية ... عن كل لوم برية
تهدى إلى من تصدى ... في الحضرة القمرية
لا سيما المفتدى من ... له كمال المزية
زفت إليه عروس ... تجلى ضحى وعشية
إذ ما تحرت سواه ... كفؤا لها في المبرية
فيا لها خود بكر ... بالحسن صارت غنية
стр. 628
يا ليتها لم تكن عن ... ذا الانتساب خلية
عقائد الماتريدي (١) ... لا السادة الأشعرية (٢)
وفي سنة ثمان وخمسين لازمتني الحمى، وأردفتها ظهور حمرة في الجسد، وتوالى على بدني الضعف والكمد، فلازمني أيام، وأنا في تلك الأسقام. فبين ذلك الخبط والخطا، والألم الملم الذي سطا لم أدر ما أقول، حيث تاهت الآراء وضلت العقول، أنشأت أبياتا فيه ﵀، وأرسلتها إليه هي:
أربع أسمة بين الضال والعلم ... أمن تذكر جيران بذي سلم
أم نسمة نسمت من نحو كاظمة ... أم غادة بزغت في حالك الظلم
لله من غادة حوراء ذي غنج ... تزري بعشاقها في الحل والحرم
جيداء في خفر تغنيك عن قمر ... تفتر عن درر في ثغر مبتسم
أن كلمت فصمت، أو سلمت حسمت ... كأنها قسمت، من جوهر الحكم
لبواء مثقلة الردفين ناعمة الصد ... غين قد كحلت قدما من السقم
стр. 629
إن أسبلت سلبت، أو قاربت هلكت ... ذا الدل مخضوبة الكفين بالعنم
وافت وفي القلب نيران تأج جوى ... وفي الحشا لهب يغني عن الضرم
شكوتها سقمي، عرفتها حزني ... زادت على ألمي الفا من الالم
فقلت مهلا فهلا نظرة سمحت ... منك لطرف قريح بات لم ينم
يشكو الجوى وبه الاآام قد عظمت ... رفقا به قبل أن ينحو إلى الهرم
عطفا ومهلا وإلا لم يكن أبدا ... بدا من الواحد الموصوف بالهمم
الملتجي المقتدي السامي الولا أبدا ... بحر الندى من غدا بالفضل كالعلم
بحر العلوم الذي قد شاع في شرف ... بالهند والسند والأعراب والعجم
فكم له من أياد جل خالقها ... لقد سمت فحلت ذكرا بكل فم
هو الطبيب الأديب البارع السند ... السامي الفريد الذي ينهل كالديم
فما ابن سينا فلا تذكر فضائله ... فإن ذاك بهذا الفرد كالعدم
سما نما فحوى الأفضال قاطبة ... وقد غدا بحر علم غير ملتطم
ريحانة الفضل بالآداب قد نبتت ... فاستكملت بمياه العلم والحكم
فلو ذكرت أياديه التي سلفت ... واستوعبت وعلت فضلا من القدم
قضيت عمري سدى إذ لم أطق أبدا ... وكيف يمكن حصر العارض السجم
مولاي مولاي اني الآن في تعب ... عجل فإنك عيسى الوقت للسقم
جزاك مولاي عني كل مكرمة ... وحفكم أبدا بالمجد والكرم
لا زلت في نعم تربو بكثرتها ... ما اطرب العيس حادي العيس بالنغم
стр. 630
وكتب إلي أبياتا في الجواب، وهي على نهج الصواب. فأقام بها وأقعد، واعجز بها عن الحل والعقد. وهي:
ومن شيمي أني إذا المرء ملني ... وأظهر إعراضا ومال إلى الهجر
أطلت له فيما يحب عنانه ... وتاركته في حسن ستر وفي سر
فإن عاد في ودي رجعت لوده ... وان لم يعد ألغيت ذاك إلى الحشر
وأردفها بعقود أخر، تسمو على الدرر. وهي:
ما ودني أحد إلا بذلت له ... صافي المودة حتى آخر الأبد
ولا قلاني وأن كنت المحب له ... الا دعوت له الرحمن بالرشد
ولائتمنت على سر فبحت به ... ولا مددت إلى غير الجميل يدي
ولا أقول نعم يوما فاتبعها ... منا ولو ذهبت بالمال والولد
وبالمناسبة أرسل إلى المرحوم مراد باشا (١).
ولم يك قطع الكتب مني ملالة ... وحاشا لمثلي أن يقال ملول
ولكن رزايا قد علت ومصائب ... ألمت وشرح الحادثات يطول
وعلى كل حال
فلو لم أسل القلب منكم بنظرة ... وأطمعه في قربكم مت من قرب
وما عشت بعد اليوم الا لأنني ... اذا اشتقت رؤياكم نظرت الى قلبي
نعم ديدني بعد وردي
أسائل عن أخباركم فيسرني ... سماعي بما أرجوه فيكم وأطلب
إذا كنتما في نعمة وسعادة ... فما أنا الا فيهما أتقلب
стр. 631
لا زالت مساعيكم الجميلة مشكورة، وألوية فضلكم في العالم منشورة وبابكم ملجأ لأصحاب الحاجات، وحرما آمنا لأرباب المناجاة.
ومن شعره تاريخ ولادة المكرم محمد أمين باشا (١).
لرب العلى حمد مع الشكر والثنا ... فقد زال ضر طالما كر وانثنى
وأصبح ثغر الكون مبتسما له ... طلاقة وجه بالملاحة والسنا
وللكون صدر بات منشرحا وقد ... نشرنا على الآفاق ألوية الهنا
فأضحى لنا عصر سعيد تكفلت ... مواقيته بالأمن واليمن والمنى
بمولد نجل الاكرمين الالى لهم ... مزايا بها جيد الزمان تزينا
بهم جبر الله الأنام وخصهم ... بنصر له جاء المعاند مذعنا
ومن ظلهم ستر جميل على الورى ... به لم يزل عرض الخليقة صينا
لهم في العلى مجد أثيل ومحتد ... وحكم بأحكام الشريعة متقنا
إذا ما دعوا يوما لدفع كريهة ... فلا فيء إلا للأسنة والقنا
متى رام شخص من سواهم نوافلا ... فقد رام أمرا مستحيلا مخلقنا
وإن شاء تعدادا لبعض صفاتهم ... على نفسه فليجعل النوح ديدنا
ألا أن فعل الخير فيهم سجية ... وينصح جهرا بالذي حازه الأنا
وفي حلبة السبق المجاري لهم كبا ... وما ناله غير المشقة والعنا
وكل امرئ والاهم يرتقي على ... وأما الذي عاداهم حتفه دنا
فسبحان مولى قد حباهم بفضله ... فعم بهم كل الأنام وخصنا
فلا ضيم تخشاه ولا فاقة ترى ... ولا من صروف الدهر نرتاب لوجنى
وكيف وقد جاء الأمين محمد ... ومولده مذ أرخوه لنا غنى
فلا زال يعلو بالسما طير سعده ... معمر محروس الجناب محصنا
стр. 632
الحاج محمد عونه (١)
أحد الزهاد والدراويش الحاج محمد عونه
قطر الغمام، ومليك قطر النظام، الداخل إلى مقاصير البلاغة من باب السلام، الذي وافى غيثه معالم الأدب مبادر الانسجام.
فحلته الفصاحة فؤادها، ورقته الكمالات أعوادها. فلبس من المجد جلبابا، ومن الأدب أثوابا. وصعد إلى المجرة، وأسبل ذيل المعارف وجره. فاتخذ الصلاح عاده، والزهد والكمال زاده والانقطاع مواسمه وأعياده. فنفثت السنة أقلامه الحداد، وألبسته
стр. 633
من المعارف ألبسة أثواب جداد ..
ورقى إلى هام الكمال فسره ... وتنقل الجوزاء في أبانه
وغدت نجوم الليل ترقب ضوءه ... فكأن بدر التم من إخوانه
له في كل كمال أثر، وأرى أن للدهر في هذا الأديب نظر.
له كوامن أدب بين الضلوع يعبق منها أنواع الكمال ويضوع. قد أثبت من شعره ما ينعش الخاطر، ويفصص تيجان المصحف والدفاتر.
فمن شعره قوله مصدرا ومعجزا:
أتراني عن حبكم أتسلى ... وسنا برقكم علي تجلى
كذبت عذلي بنقل سلوي ... لا قضى ذاك قط حاشا وكلا
كيف صبري عنكم وقد اصبح ... القلب رهينا لديكم مستقلا
وفؤادي منذ بنتم عنه أمسى ... لكم منزلا وأضحى محلا
إن وصلتم فمعدن الجود أنتم ... ولكم منهل من الشهد أحلى
أو صفحتم فأنتم أهل بدر ... أو أخذتم بحقكم كان عدلا
نظرت عيني الهلال فقالت ... يا جبالي دكي فبدري تجلى
ثم مالت نحو الفؤاد وقالت ... مدنف أنت أم تعللت جهلا
قلت مهلا فلي حديث عجيب ... صرت عبدا من بعد ما كنت مولى
وغرامي بحب أحور طرف ... صار جدا من بعد ما كان هزلا
كان لي سيدا يقود زمامي ... وبه عند وحشتي أتسلى
جاد لي باللقا فلما سباني ... أخذ القلب والفؤاد وولى
стр. 634
قلت للروح ودعيني وروحي ... ثم نوحي عليهم نوح ثكلى
ولجفني دع المدامع تجري ... ثم للجسم خلني فتخلى
وله مخمسا:
يا مليحا بطور قلبي تجلى ... وعلى مهجتي وسري تولى
لا تخلني سلوت حاشا وكلا ... كل يوم أريد أن أتملى
بك والدهر بيننا يتعذر ... شهد الله أنني كل أن
أتمنى اللقا وأرجو تدان ... غير أني أسير أيدي امتحان
والليالي تقول لي بلسان ... لا تلمني فالاجتماع مقدر
ولحسن بن عبد الباقي فيها مخمسا وأجاد:
كيف قلبي عن اللقا يتسلى ... وبنار من الجوى يتسلى
كان قولي بكل عام وإلا ... كل يوم أريد أن أتملى
بك والدهر بيننا يتعذر ... قدر الله بعد حسن اقتران
فرط هجر وفرقة وامتحان ... أن أيام وصلنا كل آن
والليالي تقول لي بلسان ... لا تلمني فالاجتماع مقدر
ولصاحب الترجمة مخمسا:
أحبتي كم صدكم والقلى ... وناركم في مهجتي أشعلا
يا من غدا القلب لهم منزلا ... لا تنسبوني يا ثقاتي إلى
الغدر فليس الغدر من شيمتي ... أراكم تسعون في حربنا
والقلب عن حبكم ما انثنى ... أنا المسيكين كثير العنا
أقسم بالسالف من عيشنا
стр. 635
وبالمسرات التي ولت ... أشتاقكم صبحا وعند المسا
وحبكم في مهجتي قد رسا ... فلا تخالوا أن قلبي قسا
أني لعهدي لم أزل حارسا ... وعقدة الميثاق ما حلت
لما قطعتم حبل وصلي لما ... وقد سفكتم دمع عيني دما
فيا لذي الظبي له كلما ... صلوا المعنى وارحموا المغرما
فالهجر ناري واللقا جنتي ... أني توسلت بياسنكم
وبالحواميم وطاسينكم ... أن تبذلوا الوصل لمسكينكم
لا تحرموني نشر نسرينكم ... فعندكم يرجى شفا علتي
فواصلوا حبلي ولا تقطعوا ... وقول عذالي فلا تسمعوا
يا من لقتلي في الهوى أسرعوا ... سلوا قضاة العشق كي يشرعوا
بأي ذنب حللت قتلتي
وكنت يوما في مجلس الأديب أسعد اغا وله للأدب (١) رغبة، وفي المكارم رتبة. فجرى ذكر هذا التخميس، الذي هو كالدر النفيس، فطلب أن أخمسه فخمسته وأضفت إليه في مدحه أبيات، تهزأ بالضرب والنبات (٢) وهي:
أحبابنا كم ذا الجفا والجدل ... وحبكم حتما بقلبي نزل
وحقكم ودي لكم في الازل ... لا تنسبوني يا ثقاتي الى ال